قال: " جاء في سورة البقرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) ، وكانَ يَجِبُ أَنْ يَجمعَها جمعَ كَثْرَة، حيثُ إِنَّ المرادَ جمعُ كثرةٍ عِدَّتُه
ثَلاثون يوماً، فيقول: أَياماً معدودةً ".
ومعنى اعتراضِه أَنَّ شَهْرَ رمضانَ الواجبَ صيامُه ثلاثون يوماً، وهي أَيامٌ
كثيرة، فمن غيرِ المناسبِ أَنْ توصَفَ أَيّامُهُ بجمعِ القِلَّة (مَعْدُودَاتٍ) ، وإِنما
توصَفُ بجمْعِ الكثرةِ: (مَعْدُودَةً) .
وعلى هذا يكونُ القرآنُ - في نظرِ الفادي - قد أَخْطَأَ، عندما قال عن
أَيامِ رمضان: (أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) ، وكان الواجبُ أَنْ يَقول: أَياماً معدودة!!.
وقد سبقَ أَنْ ناقَشْناهُ في المبحثِ السابق، ورَفَضْنا كلامَه أَنَّ (مَعْدُودَاتٍ)
جمعُ قلة، و (مَعْدُودَةً) جمعُ كثرة، وذَكَرْنا أَنَّ اللفظَيْن جمعُ قِلَّة.
وأَنَّ (مَعْدُودَةً) تُستعملُ مع العددِ الأَقَل، و (مَعْدُودَاتٍ) مع العَدَدِ الأَكْثَر!.
نقول مثلاً: هذه عشرةُ أيامٍ معدودةٍ.
وتقول: هذه ثلاثون يوماً معدودات!!.
ولذلك ذَكَرَ القرآنُ صفةَ " معدوداتٍ " مع أَيامِ شهرِ رمضان الثلاثين:
(أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) .
***
هل يجمع الاسم العلم ؟
ذَهَبَ الفادي إِلى أَنَّ القرآنَ جَمَعَ اسْمَ العَلَمِ المفردَ الأَعجميّ، وهذا لا
يَجوزُ في اللغة، ولذلك خَطَّأَ القرآنَ.
قال: " جاءَ في سورةِ الصافات: (سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) .
стр. 352
(سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ)
فلماذا قال: (إِلْ يَاسِينَ) بالجمع عن " إِلياس " المفرد؟
فمِنَ الخَطَأِ لغويّاً تَغييرُ اسمِ العَلَمِ حُبًّا في السَّجْعِ المتَكَلَّف.
وجاءَ في سورةِ التين: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) .
فلماذا قال: (سِينِينَ) بالجمعِ عن سيناء؟
فمِن الخطأ لغويّاً تَغييرُ اسْمِ العَلَمِ حُبًّا في السَّجْع المتكَلَّف؟ ".
(إِلْ يَاسِينَ) في نظرِ الفادي جمعُ الاسْمِ الأَعجميِّ " إِلياس ".
و (سِينِينَ) جمعُ الاسمِ الأَعجميّ (سَيْنَآء) ، فهل هذا صحيح؟.
نَقفُ أَمامَ كلمةِ (إِلْ يَاسِينَ) أَوَّلاً.
في كلمةِ (إِلْ يَاسِينَ) قراءَتان صحيحتان:
الأُولى: قراءةُ نافع وابنِ عامر: " سلام على آل ياسين ".
بإضافة " آل " إِلى " ياسين ".
و" ياسين " هو " إِلْياس ".
و" آل ياسين " هم أَتَبْاعُهُ المؤمنون الذين آمَنوا به ودَخَلوا في دينِه.
والسَّلامُ على آلِ ياسين سَلامٌ على إِلْياس نفسِه، لأَنَّه هو السببُ في هدايتِهم!.
الثانية: قراءةُ عاصم وحمزة والكسائي وابن كثير وأبي عمرو: (سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) بكسْرِ الأَلفِ وسكونِ اللّام.
و (إِلْ يَاسِينَ) ليس جمعَ إِلْياس، وإِنما هو لغةٌ ثانيةٌ في " إِلْياس "، تقول:
إِلْياس وإِلْياسين، كما نقول: إِسماعيل وإِسماعين، وجبرائيل وجبرائين،
وميكائيل وميكائين، وإِسرائيل وإِسرائين.
فتُقْلَبُ اللامُ نوناً في هذه الأَسماءِ بهدفِ التسهيل.
وفي إِلْياس، أُضيفَتْ له الياءُ والنونُ للتسهيلِ وليس للجمع.
وقد يُرادُ بكلمةِ (إِلْ يَاسِينَ) آلُ إِلياس الذين آمَنوا به واتَّبعوه.
وعلى هذا تكونُ (إِلْ يَاسِينَ) جمع، مفردُه " إِلْيَاسِيٌّ " بياءِ النِّسْبَة.
تقول: إِلْياس.
وعندما تَنْسِبُ إِليه مَن اتبعَه تقولُ: إِلْياسِيٌّ.
كما تقول: شافِع، ومع الياء تقول: شافِعِيّ.
стр. 353
وجمعُ " إِلْياسِيّ ": " إِلْياسِيّون " بالياءِ المشَدَّدَة.
كما تقول في "شافِعيّ " شافِعِيّونَ".
ثم حُذِفَتْ إِحدى الياءَيْنِ للتَّسهيل، فصارت الكلمةُ " إِلْياسون "
وعندما جُرَّتْ بحرفِ الجَرِّ صارَتْ: (سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ) .
والمرادُ بكلمةِ (إِلْ يَاسِينَ) على هذا التوجيه " آل إِلْياس "، فآل إِلياس هم
" إلْياسون "، وهم المؤمنونَ به (١) .
أَمَّا (وَطُورِ سِينِينَ) : فهو اسْمٌ مكَوَّنٌ من جزأَيْن: (طُورِ) : وهو اسْمُ جَبَلِ
الطورِ الذي ذُكِرَ عدةَ مراتٍ في القرآن، وهو الموجودُ في سيناء، وناجى عليه موسى ﵇ رَبَّه.
و (سِينِينَ) : وهو اسْمٌ لصحراءِ سيناءَ المعروفة، التي تَفْصِلُ بينَ مصرَ
وفلسطين.
وهي المرادَةُ في قوله تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) .
وبالجمعِ بينَ آيةِ سورةِ المؤمنون (طُورِ سَيْنَاءَ) وآيةِ سورةِ التين (وَطُورِ
سِينِينَ) نعرفُ أَنَّ للصحراءِ الواقعةِ بينَ مصرَ وفلسطين اسْمَيْنِ في القرآن:
سيناء، وسينين، والكلمتان أَعجميتان.
وبهذا نعرفُ أَنَّ القرآنَ لم يَجْمَع اسْمَ العلمِ الأَعجميِّ المفرد، لأَنَّ هذا
لا يَجوزُ في اللغة، وأَنَّه لم يَفعلْ ذلك حُبًّا في السَّجْعِ المتكَلَّف، كما اتَهمه
الفادي الجاهلُ بذلك!! (١) .
***
بين اسم الفاعل والمصدر
اعترضَ الفادي على صياغةِ قول اللهِ: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) .
واعتراضُه على جملةِ (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) ، حيثُ جاءَ خَبَرُ
" لكنَّ " اسْمَ موصول، والموصول وصلتُه هنا بمعنى اسم الفاعل.
والتقدير: ولكنَّ البرَّ المؤمنُ بالله!.
стр. 354
قال: " والصوابُ أَنْ يُقال: " ولكنَّ البِرَّ أَنْ تُؤمِنوا بالله "، لأَنَّ البِرَّ هو
الإِيمانُ وليس المؤمنَ ".
صَحيح أَنَّ البِرَّ هو الإِيمانُ وليس المؤمنَ، ولكنَّ الخَبَرَ في الحقيقةِ ليس
اسْمَ الموصول " مَنْ "، وإِنما هو مَحذوف، و " مَنْ " في الحقيقةِ مضافٌ إِليه
لمضافٍ محذوف.
والتقدير: ولكنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ بِالله.
أي: ولكنَّ البِرَّ بِرُّ المؤمن.
فلم يأتِ اسْمُ الفاعل " المؤمن " في الآية بَدَل المصدر، كما فَهم الفادي
الجاهل، وإِنما هو مُضاف إِليه لمضافٍ مَحْذوف: ولكنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمن (١) .
***
لا يُعطف المنصوب على المرفوع
اعترضَ الفادي على صياغةِ قولِه تعالى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) .
واعتبرَ (وَالصَّابِرِينَ) المنصوب معطوف على (وَالْمُوفُونَ) المرفوع، وهذا خَطَأ.
قال: " وكانَ يجبُ أَنْ يُرفعَ المعطوفُ على المرفوع، فيقول: والموفونَ
بعهدِهم ... والصابرون ... ".
(وَالصَّابِرِينَ) ليستْ معطوفةً على (وَالْمُوفُونَ) ، وإِلّا لكانَتْ مرفوعة، لأَنه
لا يَجوزُ عَطْفُ المنصوبِ على المرفوع.
إِنَّ (وَالصَّابِرِينَ) مفعولٌ به منصوبٌ بالياء، لفعلٍ محذوف، تقديرُه:
" أَمدح " أَي: وأَمدحُ الصابرين في البأساء والضراء.
وقد سبقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي المفترِي في آيةٍ قريبةٍ من هذه الآية، وهي
قولُه تعالى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) .
стр. 355
حيث ظَنَّ الفادي أَنَّ (وَالْمُقِيمِينَ) منصوبٌ لأَنَّه معطوفٌ على المرفوعِ قبلَه: (وَالْمُؤْمِنُونَ) ، مع أَنه منصوبٌ؟
لأَنَّه مفعولٌ به لفعلٍ محذوفٍ تقديره: أَمْدَحُ المقيمين الصلاة (١) .
***
حكمة وضع المضارع بدل الماضي
اعترضَ الفادي على قولِ اللهِ تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) .
قالَ في اعتراضه: "كانَ يَجِبُ أَنْ يُعتبرَ المقامُ الذي يَقْتَضي صيغةَ
الماضي لا المضارع، فيقول: ثم قالَ له: كُنْ، فكان ".
الكلامُ في الجملةِ عن خَلْقِ أَبي البشر آدمَ ﵇، فاللهُ خَلَقَه بكلمتِه التكوينية، ولَمّا سَوّاهُ من تُراب، قالَ له: (كُنْ) ، فكان، وصارَ إنساناً حَيًّا.
و (كُنْ) فعْلُ أَمْرٍ تامّ، يَحتاجُ إِلى فاعلٍ فَقَط، وهو ضميرٌ مستترٌ تَقديرُه: أَنْتَ.
وهو بمعنى الوجودِ والتكوين.
أَيْ: تَكوَّنْ وتَشَكَلْ كما نُريدُ.
والفاءُ في (فَيَكُونُ) حَرْفُ عطف.
وجملةُ (يَكُونُ) معطوفةٌ على جملةِ (كُنْ) .
و (يَكُونُ) فعلٌ مضارع تامٌّ، وفاعلُه تقديرُه " هو " وجملةُ " يكونُ " في
محلِّ رَفْعٍ خبر لمبتدأ محذوف، تقديرُه: فهو يَكون.
أَيْ: قالَ له: كُنْ، وتَكَوَّنْ، فهو كائِنٌ مُتَكَوِّنٌ كما أَمَرَهُ الله.
وكانَ المتوقَّعُ أَنْ يُعَبِّرَ بالماضي: ثم قالَ له: كُنْ فكان.
لأَنه أَخْبَرَ عن خَلْقِ آدَمَ ﵇ في بدايةِ تاريخِ البشريةِ، لكنَّهُ عَدَل عن الماضي إِلى المضارع، فقال: ثم قالَ له: كُنْ، فيكون.
وذلك لكي نستحضرَ نحنُ في خيالِنا خَلْقَ أَبينا آدمَ ﵇
لأَنَّ المضارعَ يدل على التجدّدِ والاستمرارِ، والحيويةِ والتفاعل (٢) .
стр. 356
حكمة حذف جواب الشرط
اعترضَ الفادي على صياغةِ قولِه تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥) .
وتساءَلَ عن جوابِ " لَمّا " وقال: " أَينَ جوابُ لَمّا؟
ولو حَذَفَ الواوَ التي قبلَ (وَأَوْحَيْنَا) لاستقام المعنى ".
اعتراضُه على حَذْفِ جوابِ " لَمّا ".
واقترحَ على القرآنِ حَذْفَ الواوِ من جملةِ (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ) ، لتكونَ هي جوابَ الشرط، فيكونَ التقديرُ: فلما ذهبوا به وأَجْمَعوا أَنْ يَجْعَلوهُ فِي غيابةِ الجُبِّ أَوحينا إِليه!!.
واعتراضُه متهافت، والأَفصحُ والأَبلغُ حذفُ جوابِ الشَّرْط ...
إِنَّ " لَمّا " ظَرْفُ زمان للماضي، يتضمَّنُ مَعْنى الشرط.
وجملةُ (ذَهَبُواْ بِهِ) فعلُ الشرط.
وجملةُ (وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ) معطوفة عليها.
وجوابُ الشرطِ محذوف، تقديرُه: جَعَلوهُ في غيابةِ الجُبِّ.
وجملةُ (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) استئنافية، ولا تَصْلُحُ أَنْ تكونَ جوابَ الشرط.
فيكون معنى الآية: لما ذَهَبَ الإِخوةُ بأَخيهم الصغيرِ يوسف، وأَجْمَعوا
على التخلُّصِ منه، نَفَّذوا ما أَجْمَعوا عليه، وَوَضَعوه في غيابة الجب.
ولما استقَرَّ الصغيرُ يوسفُ في غيابةِ الجُبِّ واسَيْناهُ وطَمْأَنّاه، وأَوحينا إليه بأنه
سيتجاوزُ تلك المحنة، ويكونُ في وضعٍ مُريح، حيثُ سَيُنَبِّئُهم بأَمرهم هذا وهم لا يشعرونَ به، ولا يتوقَّعونَ أَنْ يكونَ هو.
وقد يكونُ من البلاغةِ ذِكْرُ جوابِ الشرطِ في الجملة، ولكنَّه قد يكونُ
حَذْفُ جوابِ الشرطِ أحياناً هو الأَفصحَ والأَبلغَ.
وبهذا يكونُ اعتراضُ الفادي على حَذْفِ جواب الشرط دليلَ جهلِه وغبائِه.
стр. 357
توهم الاضطراب بسبب عودة الضمائر
اعترضَ الفادي على قولِ اللهِ : (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) .
ولْنقرأْ ما سَجَّلَه في اعتراضِه وانتقادِه وتخطئتِه.
قال: " وهُنا نَرى اضطراباً في المعنى، بسببِ الالتفات، من خِطابِ محمدٍ إِلى خطابِ غيره.
ولأَنَّ الضميرَ المنصوبَ في قولِه: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) عائدٌ على الرسولِ
المذكورِ آخِراً، وفي قوله: (وَتُسَبِّحُوهُ) عائدٌ على اسمِ الجَلالةِ المذكورِ أَوَّلاً.
هذا ما يَقتضيهِ المعْنى، وليسَ في اللفظ ما يُعَيِّنُهُ تَعييناً يُزيلُ اللَّبْس.
فإِنْ كَانَ القولُ: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)
عائداً على الرسولِ يكونُ كُفْراً؟
لأَنَّ التَّسبيحَ لله فقط.
وإِنْ كانَ القولُ: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) عائداً على اللهِ يَكونُ كُفْراً؟
لأَنَّه تعالى لا يَحتاجُ لمنْ يُعَزِّرُهُ ويُقَوِّيه.. ".
المشكلةُ عند الفادي في عودةِ الضمائرِ في الأَفعالِ الثلاثة: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ) ، لأَنَّ الضمائرَ في الأَفعالِ الثلاثةِ لا بُدَّ أَنْ تَعودَ على
واحِد، إِمّا اللهُ وإِمّا رسولُه، المذكوران في: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ... )
فإنْ عادت الضمائرُ الثلاثةُ على الرسولِ ﷺ كانَ القرآنُ مُخْطِئاً، لأَنَه يَدعو المؤمنينَ إِلى تسبيحِ الرسولِ ﷺ ، وتَسبيحُ البَشَرِ كُفْر ...
وإِنْ عادت الضمائرُ الثلاثةُ على اللهِ كانَ القرآنُ مُخْطِئاً، لأَنه يَدعو إِلى تعزيرِ الله وتوقيرهِ، وهذا كُفْرٌ، لأَنَه يدلُّ على أَنَّ الله يَحتاجُ إِلى تعزيرٍ وتَوقيرٍ واحْتِرام!.
стр. 358
وقبلَ حَلِّ المشكلة نَقول: إِنَّ تَعزيرَ اللهِ وتَوقيرَه سبحانه ليسَ كفراً " لأَنَّ
التعزيرَ مَعْناهُ النَّصْرُ والتأييد، والتوقيرَ مَعْناهُ التعظيمُ والإِجلال، وهل نَصرُ الله وتَأييدُه كُفْر؟
وهل تَعظيمُ اللهِ وإِجلالُه كُفْر؟!.
لقد دَعا اللهُ المؤمنين إِلى نَصرَه، ورَبطَ نَصرَهُ لهم بنصرِهم له، فقال
تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) .
فهل معنى هذا أَنَّ اللهَ ضَعيفٌ يَحتاجُ إِلى مَنْ يَنصُرُه؟
حاشَ لله.
وهكذا نَفهمُ تَعزيرَ اللهِ وتأييدَه، فهو لا يَحتاجُ إِلى تعزيرِ وتَأييدِ أَحَد، والإِنسانُ هو المستفيدُ عندما يُعَزِّرُ اللهَ ويُؤَيِّدُه ويَنصرُه.
ولقد ذَمَّ اللهُ الكفارَ الذين لم يَقْدُروهُ حَق قَدْرِه.
قال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) .
وأَنكرَ نوحٌ ﵇ على قومِه الكافرين عَدَمَ توقيرِ اللهِ.
قال تعالى: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) .
وهذا مَعناهُ أَنَّ توقيرَ اللهِ وتعظيمَه وإِجلالَه واجب.
بعد هذا البيانِ نَقول: للعلماءِ قولان في مَنْ عادَتْ عليه الضَّمائِرُ الثلاثة:
القولُ الاوَّلُ: عادَ الضميرُ الأَوَّل والثاني على الرسولِ ﷺ (تُعَزِّوهُ وَتُوَقِّرُوُه) .
بمعنى نَصْرِه واحترامِه وتوقيرِه وتَقديره.
أَمّا الضميرُ الثالث: (وَتُسَبِّحُوهُ) فإِنَّهُ يَعودُ على الله، لأَنَّ التسبيحَ لا يَكونُ إِلّا لله. فتكونُ الواوُ في (وَتُسَبِّحُوهُ) حرفَ استئناف وليستْ حَرْفَ عَطْف " لأَنَّ (وَتُسَبِّحُوهُ) ليسَ مَعْطوفاً على (وَتُوَقِّرُوُه) ، فالتَّعزيرُ والتوقيرُ للرسولِ ﷺ .
أَمَّا التَّسبيحُ فإِنَّه لله.
القولُ الثاني: الضمائرُ الثلاثةُ تَعودُ على الله: (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) ، والأَفعالُ الثلاثةُ معطوفةٌ على (لتُؤْمِنُواْ) .
ويكونُ المعْنى دعوةً إِلى الإِيمانِ بالله، وتَعْزيرِه، وتَوقيرِه، وتَسبيحه.
والراجحُ هو القولُ الثاني، فنحنُ مأمورونَ بالإِيمانِ بالله وتعزيرِه وتوقيرِه
وتسبيحِه، على المعْنى الذي ذَكَرْناهُ في التعزيرِ والتوقير.
стр. 359
وبهذا يكونُ الفادي جاهلاً عندما ادَّعى اضطرابَ معنى الآية، وخَطَّأَ
تَركيبَها وعودةَ ضمائرِها، وكان جاهلاً عندما ادَّعى أَنَّ توقيرَ اللهِ وتَعْزيرَه كفْر!!.
***
هل صرف القرآن الممنوع من الصرف ؟
اعترضَ الفادي على تنوينِ (قَوَارِيَرْا) في قوله تعالى: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) .
كما اعترضَ على تنوينِ (سَلَاسِلًا) في قولِه تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) .
يرى الفادي أَنَّ (قَوَارِيَرا) ممنوعةٌ من الصرف، لأَنَّها على وَزْنِ " مَفاعيل "،
مثلُ " مصابيح ".
والممنوعُ من الصرفِ لا يُنَوَّن، إلّا بشروط، لذلك أَخْطَأَ
القرآنُ، في نظر الفادي في تنوين (قَوَارِيَرا) وصَرْفِها، كذلك أَخْطَأَ القرآنُ في
- نظر الفادي - في تنوينِ وصَرْفِ (سَلَاسِلًا) ، مع أَنها ممنوعةٌ من الصَّرْف،
لأَنها على وَزْنِ " مفاعل ".
وتوجيهُ تَنوينِ الكلِمَتَيْن الممنوعتَيْن من الصَّرْفِ " سلاسل " و " قواريرَ "
سهل.
في كلمةِ " سلاسلَ " قراءتان صحيحتان:
الأُولى: قراءةُ نافع والكسائي وأَبي جعفر المدني، وروايةُ أَبي بكرٍ عن
عاصم، وهشام عن ابنِ عامر: " سلاسلاً " بالتنوين.
والكلمةُ مُنَوَّنَةٌ على هذه القراءة، مع أَنها ممنوعةٌ من الصرفِ في
الأَصْلِ، لوقوعِ كلمتَيْن مصروفتَيْن بعدها: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا) ، وحكمةُ تنوينها وصرفها مراعاةُ المزاوجةِ والجوار، ومراعاةُ المزاوجةِ طريقةٌ فصيحةٌ بليغةٌ ملحوظة، ولا تُسَمّى خطأً نحويّاً في اللغةِ والقرآن، كما زَعَمَ الفادي الجاهل!.
стр. 360
(وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)
الثانيةُ: قراءةُ ابنِ كثير وحمزةَ وأَبي عمرو ويعقوب وخلف وروايةُ حفصٍ
عن عاصم: " سَلاسِلَ " بالفتحة فقط.
على أَنه ممنوعٌ من الصَّرْف، لأَنه على صيغةِ منتهى الجموع.
وعليه يكونُ اعتراضُ الفادي الجاهل مَرْدوداً، فالكلمةُ ممنوعَةٌ من
الصَّرْفِ على القراءتين، لكنها مُنَوَّنَةٌ على القراءةِ الأُولى للمزاوجةِ والمجاورة.
وفي كلمةِ قوارير في قوله تعالى: "وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ) ثَلاثُ قراءات:
الأُولى: قراءةُ نافع والكسائي: (قَوَارِيرَا) .. (قَوَارِيَرْا) بتنوينِ الكلمتَيْن،
والوقوفِ عليهما بالأَلفِ، اتِّباعاً لرسْمِ المصحف، لأَنَّ الكلمتَيْن مكتوبَتان في
المصحفِ بالأَلِف.
وتوجيهُ هذه القراءةِ أَنَ تنوين " قواريرا " الأُولى ليس صَرْفاً لها، لأَنها
ممنوعةٌ من الصَّرف، وإِنما تنوينُها مراعاةً للفاصلةِ في الآياتِ التي قَبْلَها
وبَعْدَها، حيثُ خُتمتْ آياتُ السورةِ الواحدةُ والثلاثون كلُّها بكلماتٍ مُنَوَّنَة، فمن غيرِ المناسبِ أَنْ تأْتِيَ " قواريرَ " وَحْدَها ممنوعةً من الصَّرْف، وسْطَ ثلاثينَ آيةً مُنَونَة! وهذا من روائعِ التناسقِ في السياقِ القرآني، وليس مَأْخَذاً عليه!
وأَمَّا تَنوينُ (قَوَارِيَرْا) الثانية فلمجاوَرَتِها (قَوَارِيَرْا) الأُولى المنَوَّنَة.
الثانية: قراءةُ ابنِ كثير وخَلَف: (قَوَارِيَرْا) الأُولى بالتنوين.
و (قَوَارِيَرْا) الثانية بالفتحةِ وليسَ بالتنوين.
وحُجَّةُ تَنوينِ الأُولى موافقتُها للفاصلةِ في آيات السورةِ كما قَرَّرْنا، وحُجَّةُ عدمِ تنوينِ الثانيةِ عدمُ الاعتدادِ بالمجاورةِ والمزاوجة، واعتمادُ المنع من الصرف.
الثالثة: قراءةُ أَبي عمرو وابن عامر وحمزة، وروايةُ حفصٍ عن عاصم
بعدمِ التنوينِ في الكلمتين: (قَوَارِيَرْا) ... (قَوَارِيَرْا) .
واعتمادِ القاعدةِ في منعِ الكلمتَيْن من الصرف.
وتقديمِ القاعدةِ النحوية على رؤوس الآياتِ والمجاورةِ.
ولكنهم وقفوا على (قَوَارِيَرْا) الأُولى بالأَلفِ، لأَنها رأسُ آية: (وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا) (١) .
стр. 361
بهذا التوجيهِ للقراءاتِ الثَّلاثِ نَعرفُ خَطَأَ وجهلَ الفادي المفترِي في
اعتراضه على القرآن، وأَنه تكلَّمَ بشيء لا يَعرفُ عنه شيئاً، ورحمَ اللهُ امرءًا عَرَفَ قَدْرَ نفسه!.
***
حول تذكير خبر الاسم المؤنث
اعترضَ الفادي الجاهلُ على قولِ اللهِ : (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) .
وقال في اعتراضِه: " لماذا لم يُتْبعْ خَبَرَ " لَعَلَّ " اسْمَها في التأنيث؟
ولماذا لم يَقُلْ: " قَريبة "؟ ".
(السَّاعَةَ) مُؤَنَّثَة، وهي في الآية: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) اسمُ
" لَعَلَّ " منصوب.
و: (قَرِيبٌ) : خَبَرُ " لَعَلَّ " مرفوع.
والإِشكالُ عند الفادي في تَذكير الخبرِ (قَرِيبٌ) مع أَنَّ الاسْمَ
(السَّاعَةَ) مُؤَنَّث، ولا يَجوزُ أَنْ نَقولَ: الساعَةُ قَريب، وإِنما نقولُ: الساعةُ قَريبة، ولذلك أَخْطَأَ القرآنُ - في زَعْمِه - لإِخبارِه عن المَؤنَّثِ بالمذكَّر!.
وفي توجيهِ هذا قولان:
الأَول: (قَرِيبٌ) في الجملة: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) ليسَ خَبَرَ
" لَعَلَّ "، ومن ثم ليس إِخْباراً عن الاسمِ المؤَنَّثِ (السَّاعَةَ) .
وإِنما هو خَبَرٌ لمبتدأ محذوف، تقديرُه: موعد.
فتكونُ جملةً اسميةً من مبتدأ وخبر: موعِدُها قريبِ.
وهذه الجملةُ الاسميةُ في محلِّ رَفْع خَبَرِ " لعلَّ ".
فيكونُ السياقُ هكذا: وما يدريكَ لَعَلَّ الساعةَ موعِدُها قريب.
الثاني: (قَرِيبٌ) في القرآنِ وَصْفٌ لم يَأتِ إِلَّا مُذَكَّراً، فهو وَصْفٌ على
وَزْنِ " فعيل "، لكنَّه بمعنى " فاعِل ": أَيْ: قارِب.
ولذلك جاءَ مُذَكَّراً، سواءٌ كانَ المخبَرُ عنه مُذَكَّراً أَو مُؤَنَّثاً.
ولم تَأتِ صفةُ " قريبة " المؤنثةُ في القرآن.
стр. 362
ومن مجيئِه وَصْفاً لمذَكَّرٍ في القرآن قولُه تعالى: (أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) .
أَيْ: أَلّا إِنَّ نَصْرَ اللهِ موعدُه قريب.
ومن ذلك أَيضاً قولُه تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) .
ومن مجيئِه وَصْفاً لمؤَنَّث، على تقديرِ كلمةٍ محذوفةٍ قولُه تعالى: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) .
أَيْ: يكونُ موعدُها قريباً.
ومن ذلك أَيضاً قولُه تعالى: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) .
ويمكنُ الجمعُ بين القولينِ بأَنَّه بما أَنَّ (قَرِيبٌ) لم يأْتِ إِلَّا مُذَكَّراً في القرآن.
فهو صفة لموصوفٍ مذكَّرٍ محذوف، هو " موعِد ".
أي: موعدُه قريب.
ولكنَّ الفادي الجاهلَ لا يَعرفُ أُسلوبَ القرآن، ولا مظاهرَ التعجيرِ فيه.
***
هل القرآن يوضح الواضح ؟
اتَّهَمَ الفادي القرآنَ بأَنَّه يُوَضِّحُ الواضِحَ، وهذا مَطْعَن فيه، فما الدّاعي
لذلك.
واستشهدَ على ذلكَ بقولِه تعالى: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) .
قال: " فلماذا لم يَقُلْ: " تلكَ عشرة " مع حَذْفِ " كامِلَة "، تلافياً لإِيضاحِ الواضح؟
ومَنْ يَظُنُّ أَنَّ العشرةَ تِسْعَة؟! ".
تتحدثُ الآيةُ عن الواجبِ على مَنْ حَجَّ مُتَمتِّعاً، أَيْ يُؤَدّي مناسكَ العمرةِ
من طَوافٍ وسَعْي، ثم يتحلَّل، وَيلبسُ ملابِسَه العادِيّة، ثم يُحرمُ بالحَجِّ يومَ
الثامنِ من ذي الحجة، ويتوجَّهُ مع الحُجّاجِ إِلى عَرَفَة، فهذا يَجِبُ عليه أَنْ
يَذبحَ هَدْياً، فإِنْ لم يَجِدْ ثَمَنَ هَدْي انتقلَ للصيام، بأَنْ يَصومَ في مكةَ ثَلاثةَ
أَيام، وإِذا عادَ إِلى بَلَدِه صامَ سبعةَ أًيام، فيكونُ المجموعُ عشرةَ أَيام، يَصومُها كاملة.
стр. 363
قال تعالى: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) .
ومعلومٌ أَنَّ ناتجَ الثلاثةِ معَ السبعةِ عشرةٌ، فلماذا قال: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) ؟
وهل هذا من بابِ تحصيلِ الحاصلِ وتوضيحِ الواضح؟.
الإِشارةُ في (تِلْكَ) إِلى حاصلِ جَمْعِ الثلاثةِ والسبعة.
والتقديرُ: نتيجةُ جمع الأَيامِ الثلاثةِ والسبعة هي عشرةُ أَيّام.
وحكمةُ ذكْرِ الجملةِ: (تِلْكَ عَشَرَةٌ) ، هي التوكيدُ، ولإِفادةِ تَقريرِ الحكمِ
مَرَّتَيْن: مرةً بالتفريقِ: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) ، ومرةً بالجمع: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) .
وهذا كقولك: كتبتُ بيدي.
فإضافَةُ شبْهِ الجملةِ " بيدي " للتوكيد، لأَنَّ الكتابةَ لا تكونُ إِلّا باليد، فهو يُريدُ التأكيدَ على الكتابةِ الحقيقيةِ الحسية.
ولذكْر الجملةِ حكمةٌ أُخرى، وهي نفيُ التخيير، والتأكيدُ على الإيجابِ
والإلزامِ بصيامِ العشرة أيام، لأَنَّ تَفريقَ الأَيام: ثلاثة وسبعة قَد يَتَوَهَّمُ منه
بعضُهم بأَنَّ المرادَ التخييرُ بين الثلاثةِ والسبعة، فنفت الجملةُ الأَخيرةُ التخيير،
وأَكَّدَتْ على أَنَّ المرادَ هو الإِيجاب، فليست الرخصةُ في إِنْقاصِها عن عشرة، وإِنما الرخصةُ في تفريقها بين ثَلاثَةٍ وسَبعة.
ووصْفُ العشرةِ بأَنها كاملة: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) ليسَ من بابِ توضيحِ
الواضح، كما فَهمَ الفادي الجاهل، وإِنما من بابِ الحَثّ على صيامِها كُلِّها
كاملة، وعدمِ إِنقاصِ أَيِّ يومٍ منها، فإِنْ أَنقصَ يوماً منها لم تَكُن العشرةُ
كامِلَة.
فالمرادُ بكَمالِها كَمال صيامِها، وليس كمال عَدِّها، ولن يكونَ عَدُّها
كامِلاً إِلّا أَنْ يكونَ صيامُها كاملاً، فكمال عَدِّها بكمال صيامِها! (١) .
***
هل يأتي فاعلان لفعل واحد ؟
اعترضَ الفادي على قول اللهِ وَبَئ: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) .
стр. 364
وفَهِمَ الجاهلُ من الآيةِ اجتماعَ فاعِلَيْن لفعْلِ " أَسَرَّ "، وهما واوُ
الجماعة، واسْمُ الموصولِ (الَّذِينَ) .
واقترحَ على القرآنِ حَذْفَ الواوِ من (أَسَرُّوا) ، والاكتفاءَ باسمِ الموصولِ فاعلاً!.
بدايةً نَقولُ: لا يجُوزُ ورودُ فاعِلَيْنِ لفِعْلٍ واحِد، إِلّا على رأيِ ضَعيفٍ
في اللّغَة، يُسَمّى لغةَ " أَكَلوني البَراغيث ".
والقرآنُ المعجِزُ يُوَجَّهُ إِلى أَقوى اللغاتِ وأَفصحِ الاختيارات، وأَرجحِ الاحتمالات، ويُرْبَأُ به عن اللغاتِ الضعيفةِ، والتَأْويلات المتكَلَّفَة!.
وفي توجيهِ وُقوعِ الموصولِ بعدَ الضميرِ في "وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا)
أَقوالٌ عديدة، تَعَرَّضَ لها معظمُ الذين فَسَّروا القرآنَ وأَعْرَبوه.
والراجحُ أَنَّ (الَّذِينَ) في مَحَلّ رفع بَدَلٍ من الضمير الفاعلِ في
(أَسَرُّواْ) .
و (ظَلَمُوا) صلةُ المو صول.
والتقدير: وأَسروا النَّجوى الظالمون.
وبِما أَنّها بَدَلٌ فإِنَّه يُمكنُ ذِكْرُها بَدَلَ الفاعِل، فيصحُّ أَنْ تَقولَ: أَسَرَّ الذينَ
ظَلَموا النجوى.
أَيْ: أَسَرَّ الظالمون النجوى.
واللطيفُ في الآية مجيءُ كلمتَيْنِ بَدَلَيْن من قبلِهما: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) .
فجملةُ (الَّذِينَ ظَلَمُوا) بَدَلٌ من الفاعل.
وجملة (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) بَدَلٌ من المفعول به (النَّجْوَى) ولو وَضَعْنا البَدَلَيْنِ مَكانَ المبْدَلِ منهما لكانَ التقدير: وأَسَرَّ الظالمونَ قَوْلَهم: هل هذا إِلّا بشرٌ مثلكم!.
وأنّى للفادي الجاهلِ أَنْ يَتَذَوَّقَ هذا التعبيرَ القرآنيَّ الرائع! ولأَنه عجزَ
عن الارتقاءِ إِلى مستواهُ قامَ بانتقادِه وتخطئتِه (١) .
***
اعتراض على الالتفات:
ْاعترَضَ الفادي الجاهِلُ على قولِ اللهِ : (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) .
стр. 365
قالَ الفادي: " لماذا الْتَفَتَ عن المخاطَب إِلى الغائبِ قبلَ تمامِ المعنى؟
والأَصَحُّ أَنْ يَستمرَّ على خطابِ المخاطب! ".
بَدَأَت الآيةُ بالخطاب: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) ، والخطابُ
للنّاسِ جميعاً، الذين يَسيرونَ في البَرِّ، ويَسيرونَ في البَحْر، سواء كانوا
مسلمين أَو كافرين.
وعَرضت الآيَةُ مَشْهداً لهم وهم يَركبونَ في السفينةِ في البَحْرِ: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ) ، وهذا المشهدُ يشملُ كُلّ الذين فى السفينة، سواء كانوا
مسلمين أَو كافرين.
وخطابُهم من بابِ الامتنانِ عليهم، وذِكْرِ نعمةِ اللهِ عليهم بتَسْييرِهم في
البَرِّ والبَحْر.
ثم انتقلت الآيةُ للإِخبارِ عن الكفارِ، وموقِفِهم من الخَطَرِ والكَرْب:
(وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) .
والدليلُ على أَنَّ الكلامَ عن الكفار، في قولِه: "وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ)
قولُه في آخر المشهد: (فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) ،
والمؤمنون لا يَفْعلونَ ذلك.
والوقفةُ الآن أَمامَ الجملةِ التي اعترضَ عليها الفادي: (وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ) .
стр. 366
الالتفاتُ فيها من المخاطب: (إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ) إِلى الغائبِ:
(وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا) .
واللطيفُ في صياغةِ الآيةِ أَنَّ أَوَّل جملتَيْن فيها بصيغةِ الخِطاب: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ) ، ولعلَّ الخطابَ فيهما دَعوةُ السامعين إلى تَصَوُّرِ المشهدِ وتَخَيُّله واستحضارِه، فإِذا استَحْضَروه وتَخَيَّلوه، جاءَ الكلامُ بصيغةِ الغائب، لأَنَّ السامعين مُراقبونَ مُشاهدونَ، رُواة مُخْبِرون، وجاءَتْ سِتُّ جُمَل للروايةِ والإخبار: (وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) .
والمشهدُ المعروضُ يناسبُه الإِخبارُ بصيغةِ الغائب، وليس الخطابَ المباشر.
واللطيف في الآية أَيْضاً أَنَّ فِعْلَ الشرط جاءَ بصيغةِ الخِطاب: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ) ، وجوابَ الشرطِ جاء بصيغةِ الغائِب: (جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ.
وهذا مَعناهُ أَنَّ القرآنَ المعجزَ " يُنَوِّعُ " في أَساليبِ تعبيرِه، و " يتفنَّنُ " في
تَصويرِه وتَأَثيرِه (١) .
***
حكمة إفراد الضمير العائد على المثنى
اعترضَ الفادي على عودةِ ضميرٍ مفردٍ على اثْنَيْن مذكورَيْنِ @قَبْلَه.
قال:
جاء في سورة التوبة: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) ، فلماذا لم
يُثَنِّ الضميرَ العائِدَ على الاثنَيْن، اسمِ الجلالةِ ورسوله، فيقول: " أنْ
يُرْضوهما ".
стр. 367
تَذُمُّ الآيةُ المنافقين " لأَنَّهم يَحْرِصونَ على إرضاءِ المسلمين، فيحْلفونَ
لهم الأَيْمانَ يَتَبَرَّؤُوُنَ فيها من أَقوالٍ قالوها، وهم يَكْذِبونَ في تلك الأَيْمان،
فترشدُهم الآيةُ إِلى أَنه كانَ الأَوْلى بهم أَن يَحْرِصوا على إِرضاءِ اللهِ ورسولِه.
لفظُ الجلالةِ (اللَّهُ) مبتدأ. و (رَسُولُهُ) معطوفٌ عليه مرفوع.
وأَفعلُ التفضيل: (أَحَقُّ) خبرٌ مرفوع.
والمفَضلُ عليه محذوف، والتقديرُ: منكم.
أيْ: اللهُ ورسولُه أَحَقُّ منكم أَنْ يُرْضوهُما.
والمصدرُ المؤَوَّلُ من (أَنْ يُرْضُوهُ)
في مَحَلِّ رَفْعِ بَدَلٍ من المبتدأ والمعطوفِ عليه.
والتقديرُ: إِرضاءُ اللهِ ورسولِه أَحَقُّ من إِرْضائِكم!.
ويُخَطِّئُ الفادي الآيَةَ لأَنَّ الضميرَ المفْرَدَ " الهاء " في (يُرْضُوهُ) عادَ على
الاثنَيْن: اللهُ ورسولُه.
والأَوْلى عندَه أَنْ يَجيءَ الضميرُ مُثَنّى: " أَنْ يُرْضوهُما ".
أَيْ: اللهُ ورسولُه أَحَقُّ أَنْ يُرْضوهُما.
وكلامُه مَرْدود، وهو دَليلُ جَهْلِه بقواعِدِ اللغةِ العربية، وأَساليبِ البيانِ
فيها.
فالهاءُ في (يُرْضُوهُ) لا يعود على (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ) معاً، وإِنما يَعودُ على
لفظِ الجلالةِ (اللَّهُ) أَوَّلاً، لأَنَّه أَوَّلُ المذكورَيْن، ثم يَعودُ على (ورَسُولُه) بعدَ
ذلك..
على أَنَّ العَطْفَ في (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ) ليسَ من عَطْفِ
الكلمات، وإِنما من عَطْفِ الجُمَل! وهذا هو الأَرْوَع والأَبْلَغ!.
إِنَّ جملةَ (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) جُملَتان في الحقيقة، والتقدير:
اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضوهُ، ورسولُه أَحَقُّ أَنْ يُرْضوهُ.
ولذلك عَبَّر بالضميرِ المفرد (يُرْضُوهُ) ليعودَ على كُلِّ جملةٍ على حِدَة!!.
وهناكَ حِكْمَةٌ أُخْرى للتعبيرِ بالضميرِ المفرد (يُرْضُوهُ) ، وهي الإِشارَةُ إِلى
التفرقةِ بين الإِرضاءَيْن: إِرضاء اللهِ وإِرضاء رسولِه! فإِرضاءُ اللهِ هو الأَساس، وإِرضاءُ الرسولِ متفرِّعٌ عنه وتابعٌ له.
ومن غيرِ المناسبِ التعبيرُ بالضميرِ المثَنْى، العائد على اللهِ ورسولِه، لأَنه
стр. 368
يَجمعُ بين الخالقِ والمخلوقِ بضمير تثنيةٍ واحد، وهذا لا يَليقُ بتوحيدِ اللهِ ، ولذلك كانَ التقدير: اللهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضوهُ، والرَّسولُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضوهُ.
وقد سمعَ رسولُ اللهِ ﷺ خطيباً يقول: " مَنْ يُطعِ اللهَ ورسولَه فقد رَشَد، ومَنْ يَعْصهِما فقد غَوى! " فغضبَ رسولُ اللهِ ﷺ عَلَيْه وخاطَبَه قَائِلاً: " بئسَ خَطِيبُ القومِ أَنتَ.
وَيْحَك، أَجَعَلْتَني للهِ نِدّاً؟
قُلْ: ومَنْ يَعْص اللهَ ورسولَه فقد غَوى!! ".
فالرسولُ ﷺ اعترضَ على الخطيبِ عندما عَبَّرَ عن اللهِ ورسولِه بضميرِ التثنية، ودعاهُ إلى التعبير بالاسمِ الظاهرِ لكُلٍّ منهما.
وهذا معنى ذَوقيّ توحيدي، لا يَعرفُه الفادي، الذي تَقومُ عقيدتُه على
المزْج بين الأُلوهيةِ والعبوديةِ في مبدأ التثليث، ولذلك دَعا القرآنُ إِلى التعبيرِ
بضميرِ التثنيةِ الجامعِ بين اللهِ ورسولِه!!.
***
كم قلباً للإنسان ؟
اعترضَ الفادي على آيةٍ جمعَتْ قلْبَي امرأَتَيْن، وعَنْوَنَ لاعتراضِه بقولِه:
" أَتى باسم جَمْعٍ بَدَلَ المثَنّى ".
ومما جاءَ في اعتراضِه قولُه: " جاء في سورةِ التحريم: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) ، والخطابُ (كما يقولُ البيضاوي) موجَّهٌ لحفصةَ وعائشة.
فلماذا لم يَقُلْ: " صَغت قَلْباكما "، بَدَلَ (صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) ، إذ إِنَّه ليسَ للاثنتَيْن أَكثرُ من قَلْبَيْن؟ ".ْ
تَتحدَّثُ الآياتُ عن مشكلةٍ وَقَعَتْ بينَ ثلاثةٍ من أُمَّهاتِ المؤمنين، هُنَ:
حفصةُ وعائشةُ وزينبُ ﵅، حيث تآمَرَتْ حفصةُ وعائشةُ على زينب، وأَشاعَتا حديثاً لرسولِ اللهِ ﷺ ، فهدَّدَهما اللهُ بالعقاب، ودَعاهما إلى المسارعةِ إِلى التوبة.
стр. 369
قال تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) .
والذي أَثارَ اعتراضَ الفادي إِسنادُ القلوبِ للاثنَتَيْن: حفصةَ وعائشةَ رعِيهنما: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) .
وإذا كان لكلِّ واحدةٍ قلبٌ واحد، فكان المتوقَّعُ أَنْ يُعَبِّرَ بالمثنى، فيقول: فقد صَغَا قَلْباكما! ولذلك خَطَّأَ الفادي القرآن؟
لأَنه ذَكَرَ الجمعَ بَدَلَ المثَنّى!.
وحكمةُ العُدول عن المثنى إلى الجمع: (قُلُوُبكُمَا) هي الرغبةُ في
التخفيف والتسهيل، وكراهةُ اجتماعِ مُثَنَّيَيْن، فلو قالَ: " قلباكما " لاجتمعَ مُثَنَّيان: الاسْمُ البارزُ " قَلْبا "، وضميرُ التثنيةِ ص المضافُ إِليه " كُما ".
والكلمةُ ثَقيلةٌ في النطق، وثَقيلةٌ على الأُذُن، فَعَدَلَ إِلى الجَمْع (قُلُوبُكُمَا) طَلَباً للخِفَّة.
والقاعدةُ النحويةُ تُقَرِّرُ أَنه إِذا أُضيفَ المثَنَّى إِلى المثَنّى، فإِنَّ المثَنى
الأَوَّلَ المضافَ يَصيرُ جَمْعاً للتخفيف: تقول: قلوبُكما، بَدَل: قَلْباكُما.
وتقول: بيوتُكُما، بَدَل: بَيْتاكُما، وتقول: رؤوسُكما، بَدَل: رأَساكُما!!.
ثم إِنَّ المرادَ بالجَمْعِ (قُلُوُبكُمَا) المثنى، لأَنَّ صيغةَ الجمعِ قد تُطْلَقُ على
الاثنين، لأَنَّ أَقَل الجمع اثْنان!.
وعندما يَقرأُ القارئُ قولَ الله: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) علم
أَنَّ المرادَ قَلْبان وليسَ قُلوباً، لأَنَّ الخِطابَ لاثنَتَيْن، وبذلك أُمِنَ اللَّبسُ.
وهذه المعاني لا يَعرفُها الفادي الجاهلُ في اللغة، ولذلك اعترضَ على
القرآنِ في استعمالِه الأَفصحَ والأَبلغَ (١) .
стр. 370
الفصل السادس نقض المطاعن التشريعية
стр. 371
لماذا قطع يد السارق ؟
أَمَرَ اللهُ بقطْعِ يدِ السارقِ والسارقةِ بشروطٍ خاصَّة.
قال تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ) .
وقد اعترضَ الفادي على حُكْمِ اللهِ، لأَنَّه يُؤَدّي إِلى إِصابةِ الإِنسانِ
بالإِعاقةِ والبِطالة، قال: " ونحنُ نَسأل: إِذا كانَ القرآنُ وَضَعَ شريعةَ قَطْعِ يَدِ السارق، خِلافاً لكلِّ الشرائعِ السماويةِ والوضعية، أَلا يسيءُ هذا إِلى
الإِنسانية؟
ويجعلُ أَصحابَ الأَيْدي المقطوعة، حتى بعدَ توبتِهم، عالَةً على
المجتمع، يَعيشونَ فيه بمرارةٍ ناقِمينَ عليه؟
إِنَّ قَطْعَ يَدِ السارقِ يَحرمُه من العمل، وكسبِ رزْقِهِ بعَرَقِ جَبينِه..
وجاءَ في كِتاب " الملل والنحل "
للشهرستاني أَنْ قَطْعَ يَدِ السارقِ عُقوبةٌ جاهلية، فلماذا شَرَعَ محمدٌ عوائِدَ
الوَثَنِيّين الذميمةَ في دينهِ؟ ".
واعتراضُ الفادي متهافتٌ مَرْدودٌ عليه، وإِنه يتطوَّعُ للدِّفاعِ عن السارق،
الذي يَظلمُ ويَطْغى، ويَسرقُ ويَتَعَدّى، ويأخُذُ غيرَ حَقِّه، ويَتركُ المسروقين
المظلومين، الذينَ ذَهبَتْ أَموالُهم، وضاعَتْ جُهودُهم، وتلاشَتْ أَعمالُهم!!
إِنهم قد عَمِلوا واجْتَهدوا، وتَعِبوا وكَدّوا، حتى حَصلوا أَموالَهم، ثم جاءَهم
رجلٌ كَسولٌ ظالم، لا يَملكُ إِلّا العُدوان، فأَخَذَ ما تَعِبوا به، وتَمَلَّكَه في
لَحظة! فماذا يُقَدِّمُ الفادي المعترضُ لهؤلاء؟.
وبماذا يُعاقِبُ الفادي هذا السارق، الذي اعْتَدى على غَيْرِه، وأَخَذَ ما لا
يَحِلُّ له، وبذلك صارَ عالةً على العاملين المجتَهِدين، يأخُذُ ثمرةَ كَدِّهم.
стр. 372
لقد اكتفى الفادي بتخطئةِ القرآنِ الذي أَمَرَ بقَطْعِ يَدِه، ولم يَذْكُرْ لنا العقوبةَ الإِنسانيةَ الرحيمةَ الرقيقةَ التي تتفقُ مع الرأفةِ والرِّقَّة، إلّا إذا كانَ الفادي يَرى أَنْ لا يُعاقَبَ السارقُ مطلقاً، لأَنَّ عِقابَه لا يَتفقُ معَ إِنسانيةِ الإِنسان، أَمّا قِيامُه بالسرقةِ والاعتداء على الآخرينَ فلا شيءَ فيه!!.
إِنَّ قَطْعَ يَدِ السارق تأديبٌ له، فاللهُ هو الذي مَنَحَهُ اليَدَ ليكسبَ بها
ويَعتاشَ ويرتزق، ولكنَه حَوَّلَها إِلى أَداةٍ للعدوان، فناسَبَ أَنْ تُقْطَع، وأَنْ تُزالَ القُوَّةُ الباغيةُ التي يَعْتَدُّ بها، ويَعْتَدي بها على الآخَرين، وهو الذي أَساءَ لنفسِه وليدِه، وهو الذي عَطَّلَها عن مهمتِها الإِيجابية، وحَولَها إِلى وسيلةٍ تخريبية، ولذلك أَدَّبَهُ اللهُ بقَطْعِها.
وإِنَّ قَطْعَ يَدِ السارقِ ليس حُكْماً بشرِيّاً قابِلاً للخَطَأ والصواب، والتَّغييرِ
والتَّبديل، وإِنما هو حُكْمُ الله، الذي أَنزلَه اللهُ للتنفيذ، والذي لا يَقْبَلُ التبديل، ولا يَعْتَريه الخطأ، ولا يَقِفُ أَمامَه اعتراضٌ أَو تخطئةٌ أَو اقتراح " لأَنَّ كُلَّ مسلمٍ يوقِنُ أَنَّ ما أَمَرَ اللهُ بِه فهو الحَقّ، وما حَكَمَ به فهو الصّواب! واللهُ الحكيمُ الذي خَلَقَ الإِنسانَ يَعلمُ ما يُصلحُه فأَمَرَ به، ويَعلمُ ما يُفسِدُه فنَهى عنه! ولعله لأَجْلِ هذا خُتِصَتْ آيَةُ الأَمْرِ بقطْعِ يَدِ السارقِ بقوله تعالى: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) .
ونقولُ للفادي الجاهل: أَأَنْتَ أَعلمُ أَم الله؟!.
أَمّا زَعْمُ الفادي المفترِي أَنَّ قَطْعَ يَدِ السارقِ عُقوبةٌ جاهلية، وإِحالَتُه على
كتابِ الشهرستانيِّ لنُصَدّقَه، فهذا زُعْمٌ باطل، وافتراءٌ مردود، فلم يكن العربُ الجاهليّون يُعاقبونَ السارقَ أَصْلاً، فَضلاً عَنْ أَنْ يَقْطَعوا يَدَه! ولأَنَّ الفادي صاحِبُ هَوى، فإِنَّه يَبحثُ في كتبنا الإِسلاميةِ عن قولٍ يُوافِقُ هَواه وكَذِبَه، فإِن وَجَدَه سَجَّلَه وفَرِحَ به، كما فَعَلَ مع القولِ الذي نَسَبَه للشهرستاني، ولا يُهِمه إِنْ كانَ صحيحاً أَو باطلاً!.
إنَّ قَطْعَ يَدِ السارقِ عُقوبةٌ إسلامية مُتَمَيِّزَة، تَفَرَّدَ بها الإِسلام، فلم تَرِدْ في
غيرِه منَ المبادئ السماويةِ أَو الأَرضية، وهي حَقٌّ وصَوابٌ لأَنَها من عندِ الله (١)(٢) .
стр. 373
معنى قوله تعالى: (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)
اعْترضَ الفادي على حُكْمِ شَرْعيٍّ يَتعلّقُ بالطلاق، فللرجلِ على امرأَتِه أَنْ
يُطَلِّقَها ثلاثَ طَلْقات، فإِنْ طَلقًها الطلقةَ الثالثةَ حَرُمَتْ عليه، ولا تَحِلُّ له إِلّا
بعدَ أَنْ يَتزوَّجَها رجلٌ آخَر، ويُطَلِّقَها إِنْ شاء! وقد وردَ هذا الحُكمُ صَريحاً في
قَولِ اللهِ : (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) .
وذَكَرَ الفادي خَبَراً عن البيضاويِّ يُعتبرُ سَبَباً في نزولِ الآية، وقد وَرَدَ
هذا الخبرُ في الصحيحَيْن.
روى البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشةَ ﵂ قالت: تَزَوَّجَ
رفاعَةُ القرظيُّ امرأة، ثم طًّلقَها، فتزوَّجَ آخَر، فأَتَت النبيَّ ﷺ ، فذكرتْ أَنه لا يَأتيها، وأَنه ليسَ معه إلّا مثْلُ هُدْبَةِ الثوب! فقالَ ﷺ : (لا، حَتّى تَذوقي عُسَيْلَتَه ويَذوقَ عُسَيْلَتَك ".
ومعنى الحديثِ أَنَّ رفاعةَ القرظيَّ طَلَّقَ امرأَتَه ثَلاثَ تَطليقات، وبذلك
حَرُمَتْ عليه، فتزوَّجَتْ رَجُلاً اَخر - هو عبدُ الرحمن بنُ الزبيرِ في بعضِ الروايات -
وكان مُصاباً بالعَجْز الجِنْسِيّ، وذَكَرُهُ مُتَراخٍ كقطعةِ القِماش، فلم يُعاشِرْها،
فأَرادَتْ أَنْ تَعودَ لزوجها الأَوَّل، وأخبرتْ رسولَ اللهِ ﷺ ، فمنعَ ذلك إِلّا بَعْدَ أَنْ يُعاشِرَها زوجُها الثاني، وعَبَّرَ عن الجِماعِ بذَوْقِ العُسَيْلَة.
ودَلَّ هذا على اشتراطِ جِماعِ الزوجِ الثاني لها، حتى تَعودَ إِلى زَوْجِها الأَوَّل: (حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) .
واعترضَ الفادي على الحُكْمِ الذي تُقَرّرُه الآية.
قال: " وكثيراً ما تكونُ امرأةٌ، لها زَوْجٌ عظيم، وأَولادٌ وبنات، هم سادَةُ مجتمعهم، وفي حالةِ غَضَبٍ يُطَلِّقُها زوجُها، ثم يَنْدَمُ على ما فَعَلَ، فإِذا الشرعُ القرآنى يُلْزِمُ هذه السيدةَ أَنْ تُجامعَ غيرَ زوجِها قبلَ أَنْ تَعودَ إِليه! ".
стр. 374
إِنَّ الفادي يَرفضُ الطلاقَ ويُحارِبُه ويُنكرهُ، ويُخَظَئُ القرآنَ لأَنه أَباحَه،
وهو يَعتبرُ زواجَ المرأةِ المطَلَّقَةِ بزوجٍ آخَرَ جَريمة.
وانظرْ إلى عبارتِه البذيئةِ الوقحة، التي يعتبرُ فيها الزواجَ الثانيَ لها زِنى،
ويَعتبرُ زوجَها الثاني زانياً، وهي زانية، ويَعتبرُ القرآنَ داعياً إِلى الزنى! " فإِذا
الشرعُ القرآنيُّ يُلزِمُ هذه السيدةَ أَنْ تُجامِعَ غيرَ زوجِها قبلَ أَنْ تَعودَ إِليه! ".
اللهُ يَقولُ: (فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) ، والنِّكاحُ هو عقْدُ
الزواج، وما يَترتَّبُ عليه من جِماعٍ ومعاشرةٍ زوجيَّة، فلا بُدَّ لزوجِها الثاني من أَنْ يُجامعَها حتى تَعودَ لزوجها الأَوَّل، كما صَرَّحَ الرسولُ ﷺ لامرأةِ رِفاعَة.
وحَرَّفَ الفادي المحَرّفُ المجرمُ الجملة القرآنية إلى قوله: " يُلزم القرآن
هذه السيدةَ أَنْ تُجامِعَ غيرَ زوجها "! فهو يَعتبرُ إِتيانَ الرجلِ الثاني لها مُجَرَّدَ
جِماع، والجِماعُ بدونِ زَواجٍ هو الزّنَى بعينِه!! فالقرآنُ في نَظَرِ الفادي الفاجرِ يَدْعو إِلى الزنى والفجور!!.
واللهُ حكيمٌ في تشريعِه الطَّلاق، وفي تحديدِ الأَحكامِ المترتبةِ على كُلّ
طَلْقَة، وحُكْمُه صحيحٌ وصَوابٌ في تحريمِ الزوجةِ على زوجِها بعدَ الطلقةِ الثالثة، وبَعْدَما تنتهي عِدَّتُها منه تكونُ هي بالخَيار، فإنْ تَقَدَّمَ لها رَجلٌ اَخرُ جازَ أَنْ تتزوَّجَه، ولا بُدَّ أَنْ ينكحَها ويُعاشِرَها ويُجامعَها، وغالباً قد لا يُطَلّقُها، فإِنْ بَدا له أَنْ يُطَلِّقَها، فإِنه يَجوزُ أَنْ يَتزوَّجَها زوجُها الأَوَّل، بعد انقضاءِ عِدَّتِها من زواجِها الثاني! وليس في هذه الأَحكامِ القرآنيةِ عيبٌ أَو ذَمٌّ أَو خَطَأٌ واعتراض!!.
***
حول شهادة المرأة وضربها وميراثها
اعترضَ الفادي على القرآنِ في حديثِه عن المرأة، من حيثُ شهادتُها
وميراثُها وإِباحةُ ضَرْبِها، وجَعَلَ عنوانَ اعتراضِه: " هَضْمُ حقوقِ المرأةِ في
المعاملةِ الزوجيةِ والشهادةِ والميراث ".
стр. 375
قالَ عن إِباحةِ ضَرْبِ المرأةِ في القرآن: " جاء في سورةِ النساء: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) .
فلماذا يُقَنّنُ القرآنُ للرجلِ أَنْ يَضْرِبَ زوجَتَه؟! ".
يَرفضُ الفادي إِباحةَ ضربِ المرأة، ويعتبرُ هذا الضربَ اعتداءً عليها،
ويُخَطّى القرآنَ في ذلك!!.
إِنَّ الآيةَ تتحدَّثُ عن وسائلَ ناجعةٍ لعِلاجِ المرأة، عند ظهورِ بداياتِ
النشوزِ والتمردِ عندها، وقبلَ أَنْ يَستفحلَ النُّشوزُ عندَها، وتُعلنَ تَمَرُّدَها.
وهذا لا يُصيبُ كُلَّ الزوجاتِ، إِنما يُصيبُ بَعْضَهن، ومعظمُ الزوجاتِ المسلمات ملتزماتٌ بأَحكامِ الشرع، تَعرِفُ الواحدةُ منهنَّ واجِبَها فتؤَدّيه، وتَعرفُ حَقَّهَا على زوجِها فتأْخُذُه، فالآيةُ لا تضعُ تشريعاً لكلِّ الزوجات، وإِنما للنسبةِ القليلةِ الناشزةِ منهن!.
وتُرشدُ الآيةُ زوْجَ الناشزِ إِلى اتخاذِ ثَلاثِ خُطواتٍ مُتدرجة، فإِنْ تَمَّ
العِلاجُ في الأُولى فَبِهَا ونعْمَتْ، وإِلّا انتقلَ للثانية، والثالثةُ آخِرُ الخَيارات:
(فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) .
الخطوةُ الأُولى: وَعْظُ الزوجة، وتَذْكيرُها بالله، وتَحذيرُها من عاقبةِ
نُشوزِها.
الخطوةُ الثانية: هَجْرُها في المضجَع، بأَنْ يتوقَّفَ عن معاشرتِها.
الخطوةُ الثالثة: ضربُها تأديباً لها، وقد يكونُ عندَ بعضِ النساءِ انحرافٌ
نفسيٌّ أَو سلوكي، ولا يُقَوَّمُ هذا الانحرافُ إِلّا بضرْبها ضَرْباً خَفيفاً، واللهُ الذي خَلَقَ النساءَ يَعلمُ ذلك من بعضهن، فشرعَ ضَرْبَها الخَفيفَ لتقويمِ ذلك الانحراف.
وعندَ الاضطرارِ إِلى اللجوءِ إِلى الخطوةِ الثالثةِ فإِنَّ الإِسلامَ يَدْعو الزوجَ
إِلى أَنْ يكونَ الضَّرْبُ خَفيفاً غيْرَ مُبَرِّح، وأَنْ لا يتركَ آثاراً على الوْجهِ أَو البَدَن
стр. 376
وأَن لا يكون أمامَ الآخَرين، وأَنْ لا يَقترنَ بالسَّبِّ والشتْمِ والذَّمِّ والتقبيح، وأَنْ لا يَكونَ دائماً مُتَواصِلاً، وإِنما في حالات استثنائيةٍ نادرة!.
وقالَ الفادي في اعتراضِه على حديثِ القرآنِ في شهادةِ المرأة: " وجاءَ
في سورةِ البقرة: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) .
فلماذا تكونُ شهادةُ امرأَتَيْن بشهادةِ رجلِ واحد، مع أَنها في أَحيانٍ كثيرةٍ
قد تَفوقُ رَجُلَها في العقلِ والثقافةِ والشخصيةِ " (١) .
ليست الشهادةُ في الآيةِ مُطْلَقَة، وِإنما هي شهادَةٌ مُقَيَّدَة، متعلقة بموضوع
الآيَة، وهو الكلامُ على " الدَّيْنِ " وكيفيةِ كتابتِه وإِقرارِه والشهادةِ عليه.
وَوَجَّهَ القرآنُ المسلمينَ إِلى الإِشهادِ على الدَّيْنِ بشاهدَيْن رجلَيْن، فإِنْ لم يَجِدوا رجلَيْن، فيمكنُ أَنْ يستشهدوا برجُلٍ وامرأَتَيْن.
- لماذا شهادةُ امرأتَيْن مقابلَ الرجل؟
الجوابُ في الآية: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) .
أَيْ أَنَّ المرأتَيْن تَتَعاونانِ وتَتَكاملانِ في الشهادة، فإِنْ ضلَّتْ إحْدى المرأتَيْن تَفاصيلَ القضيةِ الماليةِ المرفوعة، ذَكَّرَتْها صاحبتُها بتلك التفاصيل، وكُلّ واحدةٍ معرضة للضَّلالِ والنسيان، فتُذَكِّرُها الأُخرى بما نسيَتْه!.
ولا يَعني شهادةُ المرأتَيْن بشهادةِ رجلٍ اتّهامَ المرأةِ في عَقْلِها وشخصيتِها، كما فهمَ الفادي خطأً، فللمرأةِ عَقْلُها وتفكيرُها وحفْظُها، وقد
تفوقُ الرجلَ في ذلك!.
إِنَّ المسألةَ مالية، تتعلَّقُ بتفاصيلِ الدَّيْنِ وملابساتِه وكتابتِه وإِجراءاتِه،
وهذه أُمورٌ لا تَعني النساءَ غالِباً، ولا تَلفتُ انتباهَهُنّ، ولو اكْتُفِيَ بشهادةِ امرأةٍ
стр. 377
واحدةٍ في هذا الموضوعِ المالي فقد تَنْسى كثيراً من التفاصيل، وبذلك قد
تُضَيِّعُ حَقَّ الرجل، ولذلك اشترطَ القرآنُ اجتماعَ امرأتَيْن للشهادة، بحيتُ تُذَكِّرُ كُلّ واحدةٍ الأُخْرى، وبذلك تُؤَدَّى الشهادةُ على وجْهِها، ولا تَضيعُ الحقوق.
أَما الرجالُ فإِنَّ التفصيلاتِ الماليةَ تَعْنيهم غالباً؛ لأَنها تَتفقُ مع مهمتِها
التي خَلَقَهم اللهُ لها، ولذلك يَحفظونَها ويَعرضونَها بدِقَّة!.
وقالَ الفادي في اعتراضِه على القرآنِ بشأنِ نصيبِ المرأةِ من الميراث:
" وجاءَ في سورةِ النساءِ: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) ، فلماذا يُعطي المرأةَ نصْفَ نَصيبِ الرجل، مع أَنَّ الحياةَ تَقْسو على
المرأةِ أَحْياناً أَكثر من قسوتِها على الرجُل؟
إِنَّ القسمةَ (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) من أَصلِ الجاهلية، جاءَ في كتابِ بُلوغ الأَرب: وأَوَّلُ منْ قَسَمَ للرجلِ مثلَ حَظّ الأُنثييْن عامرُ بنُ جَهْم الجُهَني ".
الزعمُ بأَنَّ إِعطاءَ الرجُل مثلَ حَظِّ الأُنثيَيْنِ تَشريعٌ جاهِليٌّ زَعْمٌ باطِلٌ
مردود، رَدَّدَهُ الفادي الجاهلُ، ونَسبَهُ إِلى كتابٍ غيرِ مُوثَّق! إِنهُ تَشريعٌ إِسلاميٌّ قرآني، وَرَدَ النَّصُّ عليه في القرآن.
وليس فيه هَضْمٌ لحقوقِ المرأَةِ كما ادَّعى الفادي، وإنما هو يتفقُ مع طبيعةِ
المرأة ومهمَّتها ووظيفتِها في الحياة.
فالإِسلامُ قد كَرَّمَ المرأةَ وصانَها واحترمَها، ومَنَحَها شخصيَّتَها الماليةَ المستقلة، وأَباحَ لها جمعَ الأَموال وتملُّكَها، في الوقتِ الذي لم يوجِبْ عليها إنفاقَ شيءٍ من أَموالِها على الأُسرة.
جعلَ الإِسلامُ الإِنفادق على الرجلِ في البيت، سواء كانَ أَباً أَو زوجاً أَو
أَخا أَو ابناً، ولو كانت النساءُ في البيت يمتلكْنَ الأَموالَ فإِنَّه لا يَجبُ عليهنَ
إِنفاقُ شيءٍ من أَموالِهن، وعلى الرجلِ أَنْ يُرَتِّبَ أَمْرَه ويُنفقَ ولو بالاستدانة.
ولذلك ناسبَ أَنْ يُعطى الرجلُ المأمورُ بالإِنفاق مثلَ حَظِّ الأُنثيَيْنِ،
اللتَيْن لا يجبُ عليهما إِنفاقُ شيء.
وسبحان اللهِ الحكيم في خلْقِه وفعلِه وتشريعِه! (١) .
стр. 378
حول تعدد الزوجات
اعترضَ الفادي المفترِي على القرآنِ لإِباحَتِه تَعَدُّدَ الزوجات.
وقالَ في اعتراضِه: " جاءَ في سورةِ النساء: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) .
وقد فَسَّرَ البيضاوي: (مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) بالسراري.
ونحنُ نسأَل: أَليسَ تَعَدُّدُ الزوجاتِ والتَّسَري مُخالِفاً لسُنَّةِ اللهِ منذُ بَدْءِ الخَليقةِ؟
خَلَقَ اللهُ حَوَّاءَ واحدةً لآدمَ واحد..
ونحنُ نُكرمُ الرجولةَ باحترامِ الأُمَّهاتِ والأَخَواتِ والبَناتِ
والزَّوجات، ومَنْ يُفْسِد البيتَ يُفْسِد الإنسانية، وفي تَعَدُّدِ الزوجاتِ إِفسادٌ
لأَخلاقِ الرجلِ بالمظالم، وتأْخيرٌ لنَجاحِ الأَولاد، وإِهانةٌ للزوجات، وتدميرٌ
للتقدمِ الاجتماعيّ والسلامةِ القومية " (١) .
تَعَدُّدُ الزوجاتِ في نظرِ الفادي المفترِي جريمةٌ عظمى، ومفاسِدُها
وأَخطارُها عديدة، فهو مُخالفٌ للفطرةِ والسنةِ الإِلهية، لأَنَّ اللهَ خَلَقَ لكلِّ رجلٍ امرأةً واحدة، فإِذا أَخَذَ الرجلُ امرأتَيْن أَو أَكثرَ كان مُتَعدِّياً على حَقِّ غيرِه، وتَعَدُّدُ الزوجاتِ إِهانةٌ للمرأة، وإِفسادٌ للأَخلاقِ وللأَولادِ وللبيوت، ونَشْرٌ للظُّلم، وتدميرٌ للمجتمع والإِنسانية! يا لطيف! أَكُلُّ هذه الجرائمِ والمفاسدِ ناتجةٌ عن تعدّدِ الزوجات؟!.
إِنَّ تَعَدُّدَ الزوجاتِ مُباحٌ في الإِسلام، وليسَ واجباً على كُلّ رجلِ
متزوِّج، والواقعُ العمليُّ أَنَّ معظمَ المتَزَوّجين لا يَأْخذونَ بهذه الرخصة، وأَنًّ
الذين يُعَدِّدونَ الزوجاتِ أَعدادٌ قليلةٌ جِدًّا.
ثم إِنَّ الإِسلامَ عندما أَباحَ تَعَدُّدَ الزوجاتِ اشترطَ على الرجلِ العَدْلَ
والمساواةَ بين الزوجاتِ، وحَرَّمَ عليه أَنْ يَميلَ لامرأةٍ على حِسابِ الأُخْريات،
стр. 379
كما اشترطَ عليه القدرةَ الماليةَ والجسدية والجنسية على التعدُّد، فإِنْ لم تتحقَّقْ
تلك الشروطُ كان التعدُّدُ حراماً.
وإِنَّ تعدُّدَ الزوجاتِ حَلّ لمشكلاتٍ عديدةٍ عندَ الرجلِ والمرأةِ والبيتِ
والمجتمع، ولا يكون الحَلُّ بغيره، وإِنَّ اللهَ الذي أَباحَ تَعَدُّدَ الزوجاتِ وأَذِنَ بِه يَعْلَمُ حاجةَ الرجالِ إِليه أَحياناً، ولكنه لم يَجْعَلْه مَفْتوحاً، وإِنما وَضَعَ له
الشروطَ، كي لا يتحوَّلَ إِلى مفسدة!.
ولا أَدرىِ لماذا يشُنُّ النَّصارى والغربيّون عُموماً على تَعَدُّدِ الزوجاتِ هذه
الحربَ الشَّرِسَة، ويثيرونَ حولَه الشبهاتِ والاتِّهامات، وماذا يَضيرُهم لو عَدّدَ بعضُ الرجالِ زوجاتِهم، إِذا كانَتْ مُشكلاتُهم ومُشكلاتُ النساءِ العوانس لا تُحَلُّ إِلّا بالتَعَدُّد!!.
ولماذا يُحاربونَ تَعَدُّدَ الزوجات، وقد كانَ التَّعَدُّدُ منتشراً بين الناس، من
قديمِ الزمان.
وقد ذَكَرَ العهدُ القديمُ - الذي يَعتبرُه النَّصارى جزءاً من دينِهم -
أَمثلةً عديدةً لأَنبياء عَدّدوا الزوجات، وفي مقدمتِهم داودُ وسليمانُ - صلى الله عليهما وسلم - فهلَ كانَ النبيانِ داودُ وسليمانُ مخطئَيْنِ عندما عَدَّدا الزوجات؟
أَم أَنَّهما لم يُعَدِّدا؟
وهلّ يمكنُ للفادي أَنْ يُكَذِّبَ العهدَ القَديم ويبقَى مؤمناً؟!.
وإِذا كان النَّصارى الغربيّون لا يُعَدِّدونَ الزوجات، ويَعتبرونَه جريمةً
ومفسدةً ودَماراً، فإِنهم يُمارسونَ فاحشةَ الزِّنى مع العشيقات والخليلات،
يُخالِلُ الرجلُ منهم في الوقتِ الواحدِ أَكثرَ من عشيقة، ويُغَيِّرُ ويُبَدِّلُ في عشيقاتِه كما يَشاء، ولو عَدَّ الرجلُ الغربيّ النساءَ العشيقاتِ اللَّواتي زَنى بهنَّ فقد يصلُ العددُ إِلى مئةِ عشيقةٍ أَو أَكثر! وقُلْ مثلَ هذا في عُشّاقِ المرأة، الذين تُعاشِرُهم وتَرتكبُ معهم الفاحشة، فقد يَزيدُ عددُ الرجالِ الذينَ زَنَوا بها عن مئة!.
فالذينَ يَرفعونَ أَصواتَهم في الاعتراضِ على تَعَدُّدِ الزوجات، وتخطئةِ
القرآنِ الذي أَباحه، يُمارسونَ تَعَدُّدَ العشيقاتِ الزانيات، وتَحَدَّثْ عن امتهانِ المرأةِ العشيقةِ واحتقارِها، وتَحَدَّثْ عن المفاسدِ والمصائبِ والخسائر، التي
стр. 380
تَنتجُ عن تَعَدُّدِ العشيقات! ولا مُقارنةَ بين عظمةِ القرآنِ عندما حَدَّدَ العَدَدَ
الأَقصى بأَربعِ زوجاتٍ عفيفات، وبينَ الإِباحيةِ الغربيةِ التي لا تَجعلُ قَيْداً على
عَدَدِ العشيقاتِ الزانيات!!.
***
هل الطلاق خطأ
خَطَّاَ الفادي القرآنَ في إِباحتِه الطَّلاق.
قال: " جاءَ في سورة البقرة: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) .
أَباحَ القرآنُ للرجلِ بإِرادتِه المنفردةِ، بدونِ رجوعٍ لأَحَدٍ في ما يُريد، أَنْ يَهدِمَ أُسرتَه، ويُقَوِّضَ أَركانها، ويُشَتِّتَها، فيوقعُ يَمينَ الطلاقِ على زوجتِهِ، ومن المبكياتِ أَنْ نَرى الرجل المسلمَ إِذا تشاجَرَ خارجَ البيتِ وحَلَفَ اليَمينَ ثلاثاً يَطرُدُ زوجَتَهُ الآمنةَ من بيتِها، لا لسببٍ إلّا لأَنه حَلَفَ في مشاجرةٍ لا ناقةَ للمرأةِ فيها ولا جَمَل! ثم يَقولونَ: " إِنَّ أَبغضَ الحلالِ عندَ اللهِ الطلاق "! فكيفَ يُحَلّلُ اللهُ شَيْئاً يَكرهُه؟
أَليسَ الأَصَحُّ أَنَّ ما يَكرهُه يُحرمُه؟ ".
يمنعُ النصارى الطلاقَ، ولا يوقعونَه إِلّا في حالاتٍ خاصةٍ نادرةٍ جدّاً،
تُضبطُ فيها الزوجةُ متلبِّسَةً بالزّنى، وإِذا لم يكنْ تَفاهُمٌ بين الزَّوْجَين عندهم،
فإِنَّ كُلّاً منهما يَذهبُ في حالِ سَبيلِه، يَبحثُ الرجلُ عن عشيقاتِه يَزْني بهنّ،
وتَبحثُ هي عن عُشّاقِها يَزْنونَ بها! ومعَ ذلك يَبْقى الزوجانِ أَمامَ الناسِ
زوجَيْن، يَربطهُما رباطُ الزواجِ المقَدَّس! لأَنَّ المهمَّ عِندهم هو المحافظَةُ على
المظاهرِ الاجتماعية!!.
ولذلك يُحاربون الإِسلامَ الذي أَباحَ الطَّلاقَ، ويُخَطِّئونَ القرآنَ الذي
ضَبَطَه ونَظَّمَه، ويَعتبرونَ الطلاقَ عدواناً على المرأةِ وظُلْماً لها.
стр. 381
وإِنَّ اللهَ حَكيم، وهو يَعلمُ أَنَّ بعضَ الأَزواجِ قد لا يكونُ بينهم أُلْفَةٌ
وائتلاف، وقد لا يَكتشفونَ هذا إِلّا بعدَ الزواج، وقد تقعُ الخلافاتُ بين
الزوجَيْن، ولا تنفعُ معها كُلُّ محاولاتِ الإِصلاح! فما هو الحَلُّ؟
هل الحَلُّ أَنْ يَذهبَ كُلٌّ منهما إِلى حالِ سبيله يَبحثُ عن قضاءِ شهوتِهِ عن طريقِ فاحشةِ الزنى؟
وهل الحلُّ أَنْ يتحوَّلَ بيتُ الزوجيةِ إِلى سجنٍ لهما، يَقضيانِ فيه عقوبةَ
السجنِ المؤبَّدِ إِلى أَنْ يَموتَ أَحَدُهما فيَستريحَ الآخَر؟.
الحَلُّ الصحيحُ هو أَنْ يَفْتَرقا بإِحسان، كما اجْتَمَعا بإِحسان، أَيْ أَنْ
يُطلِّقَ الرجلُ امرأَتَه، وسوفَ يُعَوّضُه اللهُ خَيراً منها يَتفقُ معها، ويُعوضُها اللهُ
خيراً منه تتفقُ معه.
وقد ذَكَرَ الفادي جملةً شائعةً تتردَّدُ على أَلسنةِ الناس، لكنها جملة
خاطئة، وهي: " إِنَّ أَبغضَ الحَلالِ إِلى اللهِ الطلاق! ".
وهي خاطئة لأَنَّ اللهَ لا يُحَلِّلُ شيئاً ثم يُبغضُه ويَكرهُه، وإِذا كانَ يَكرهُه فلماذا أَباحَه؟!.
اللهُ أَباحَ الطَّلاقَ، وجَعَلَه حَلّاً لمشكلاتٍ بينَ الزوجين، لا تُحَلُّ إِلّا به،
وبهذا يكونُ الطلاقُ آخرَ العِلاج، وقد يكونُ آخر العلاج الكَيّ بالنَّار!.
ولا نُنكِرُ أَنَّ كَثيراً من الرجالِ يَتَعَسَّفونَ في الطَّلاق، ويُسيئونَ استْخدامَه،
فيُطَلّقونَ لأَتْفَهِ الأَسباب، وبذلكَ يَظْلِمونَ الزوجات، ولكنَّ الخَطَأَ يَبْقى
مَحْصوراً فيهم، ولا يُلامُ القرآنُ على إباحته إذا أَساءَ الرجالُ استِخْدامَه، والحَلُّ هو أَنْ يُعَلَّمَ وُيرَبّى ويُؤَدَّبَ هؤلاء، بَدَلَ أَنْ يُتَّهَمَ الإِسلامُ بسببِ الطلاق!.
***
حول جلد الزاني والزانية
اعترضَ الفادي على حَدّ الزِّنى المذكور في القرآن.
قال: " جاءَ في سورةِ النور: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) .
стр. 382
ونحنُ نسأَل: هل إِيقاعُ هذه العقوبةِ البدنيةِ عَلَناً يُصْلِحُ المخطئَ ويُطَهِّرُ قَلْبَه ".
ثم أَوردَ قصةَ المسيح ﷺ عندما رُفِعَتْ له قضيةُ امرأةٍ زانية، فطلَبَ منه اليهودُ أَنْ يرجُمَها بالحجارة، لأَنَّ عقوبةَ الزنى في شريعةِ موسى ﷺ هي الرجم، فقالَ لهم عيسى: مَنْ كانَ منكم بلا خطيئة فلْيَرْمِها بحَجَر..
فانْسَحَبوا من حولِها، فعَفا المسيحُ عنها، ونَصَحَها أَنْ تتوقَّفَ عن الزِّنى.
أَيْ أَنَّ الفادي يَرى أَنْ لا يُعاقَبَ الزاني والزانيةُ بأَيةِ عقوبة، سواء كانت
العقوبةُ رَجْماً أَو جَلْداً أَوْ غيرَ ذلك!.
أَليسست العقوبةُ للردع والتأديبِ والتربية "؟ (١) .
الفادي يَنفي ذلك، ويَكْتَفي بالنصحِ والوعظِ والتذكير، بأَنْ يُقالَ للزاني: لا تَزْنِ، ويُقالَ للزانية: لا تَزْني!
وكأَنَّ هذا كافٍ للقَضاءِ على انتشارِ الزِّنى في المجتمعات!.
اللهُ الحكيمُ شرعَ عقوبةَ الزنى، ليرتدعَ الزناة، لا سِيَّما إِذا تَمَّ إِيقاعُ
العقوبةِ على مشهدٍ من الناس! بحيثُ يُجْلَدُ كُلٌّ من الزاني والزانيةِ مئةَ جلدة:
(وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) .
وقد رَدَّت الآيةُ على اعتراضاتِ الفادي وأَمثالِه، الذين قد يَتَّهِمونَ
العقوبةَ بالشدَّةِ والعنف، ويَدَّعونَ الرحمةَ والرأفة.
فقالت: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) .
أَيْ: لا تَدَّعوا الرأفةَ بالزاني والزانية، فحمايةُ المجتمعِ من
فاحشةِ الزنى وآثارها المدمرةِ أَوْلى من الرأفةِ بالذين يَرتكبونها، وعليكم أَنْ
تُطَبِّقوا عليهم حكْمَ الله، لأَنَّ الحكمةَ والمصلحةَ مرتبطةٌ بحكم الله.
***
حول إباحة التسري
اعترضَ الفادي على إِباحةِ التَّسَرّي في القرآن.
стр. 383
قال: " جاءَ في سورةِ النساء: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) ، وجاءَ في سورة الأَحْزاب: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ) .
ونحنُ نَسأل: هل هذا لكرامةِ النبيِّ والمسلمين؟
وهل هذا لكرامةِ الزوجاتِ والبناتِ والأَوْلاد؟
وهل هذا لتقدُّمِ الأُسرةِ والأُمةِ والمجتمعِ؟! ".
التَّسَرّي هو الاستمتاعُ بالجاريةِ الرقيقةِ التي هي " مِلْكُ اليمين "!
ويَعْتبرُ الفادي هذا التَّسَرّيَ إِذْلالاً للمرأة، ولا يَتفقُ مع كرامتِها وكرامةِ المجتمعِ الإِسلامي!.
والتَّسَرّي بالجواري مرتبطٌ بنظامِ الرِّقِّ، الذي كان نظاماً سائِداً في العالَمِ
القديم، فالإِسلامُ لم يَصْنَعْه، وإِنما وَجَدَهُ نظاماً عالميّاً، فعملَ الإِسلامُ على
ضَبْطِهِ وتنظيمِه وتوجيهِه، كما عَمِل على التَّقليلِ منه وتَجفيفِه، تمهيداً للتخلُّص منه! ولذلك لا يُلامُ الإِسلامُ لضبطِ وتنظيمِ الرق، إِنما يُمْدَحُ ويُثْنى عليه لهذا الضبطِ والتنظيم!.
المصدرُ الوحيدُ المعترفُ به في الإِسلام للاسترقاقِ هو الكفارُ المقاتلون
للمسلمين من الرجالِ والنساءِ، فإِذا انهزَمَ الكفارُ في الحربِ فقد يَقَعُ بعضُ
رجالِهم ونسائِهم المقاتلين بأَيْدي المسلمين، فيكونون عَبيداً وأَرِقّاء، سواءً
كانوا رجالاً أَو نساء!.
كيفَ يكونُ وَضْعُ هؤلاءِ العبيدِ بينَ المسلمين؟
هل يُتْرَكونَ على رُؤوسهم، لينْشُروا المفاسِدَ بين المسلمين؟
الحلُّ هو أنْ " يُوَزَّعوا " على المسلمين، ليكونوا عَبيداً لهم، تُؤَمَّنُ لهم حاجاتُهم! وبذلك تَكونُ السبايا المقاتِلاتُ الكافراتُ في بيوتِ المسلمين، وتُصبحُ الواحدةُ منهنَّ أَمَةً جارِيَةً في بيتِ سَيِّدِها، يتكفَّلُ سَيِّدُها بكلِّ حاجاتها.
ومن ذلك حاجتُها الجنسية، حيثُ يَتَسَرَّى بِها ويُعاشرها وتكونُ " مِلْكَ يَمينِه "، فإِنْ أَنجبَتْ منه وَجَبَ عليه أَنْ
стр. 384
يُعتِقَها ويُحَرِّرَها، لأَنَّها أُمُّ وَلَدِه! هل هذا إِذلال لها وإِفسادٌ للمجتمع؟
كما يقول الفادي المفتري!.
ما هو الحَلُّ عند الفادي وأَمثالِه، الذينَ يُحاربونَ التَّسَري والاستمتاعَ
بالجاريةِ مِلْكِ اليَمين؟
نساءٌ كافراتٌ مُقاتِلات انهزمْنَ في المعركةِ وأُلقيَ القبضُ
عليهنّ؟
وبعدَ كُلّ معركة تُؤْخَذُ عَشَراتٌ من النساءِ بهذهِ الطريقة، بحيثُ يَصِلُ
عَدَدُهن إِلى أُلوف!.
ماذا يُفْعَلُ بِهِن؟
هل يُتْرَكْنَ في مُدُنِ المسلمين، يَتَجَوَّلْنَ ويَعِشْنَ حياتَهُن
كما يُرِدْن؟
ومَن المسؤولُ عنهنّ؟
ومَن المتكفّلُ بهنّ؟
ومَنِ الذي يُراقبهُن؟
أَلا يتحَوَّلْنَ إِلى مُخَرِّباتٍ فاسِداتٍ مُفْسِدات؟
أَلا يُتَاجِرْنَ بأَعراضِهنَّ لإِغواءِ أَبناءِ المسلمين؟
ألا يَنْشُرْنَ الفاحشةَ والرذيلةَ بين المسلمين؟
ومَنْ هو المسلمُ العاقلُ الذي يرضى بهذا؟.
لقد ضَبَطَ الإِسلامُ حياتَهُن، بأَنْ أَعطى كُل واحدةٍ لرجلٍ مسلم، فصارَ
مَسؤولاً عنها، ومتكَفِّلاً بحاجاتِها، ومنها الحاجة الجنسية، ودَعاهُ إِلى عِتْقِ ما
في مُلْكِ يَمينهِ من هؤلاء النساء بمختلفِ الأَسبابِ والصور!
هذا هو الحَل الصَّوابُ والتصرفُ السليم، وهو الذي شَرَعَهُ اللهُ العليمُ الحكيم.
***
الحجاب الحافظ للمرأة
اعترضَ الفادي على القرآنِ في دعوتِه المسلماتِ إِلى الحجابِ ليحفَظْنَ
أَنفسهُنَّ من الخطر.
قال: " جاءَ في سورةِ النور: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) .
وجاءَ في سورةِ الأحزِاب: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ..)
стр. 385
ونحنُ نَسألُ: هل يمنعُ حجابُ المرأةِ عينَ الرجلِ الشِّرّيرِ مِنْ أَنْ تَشْتَهي؟
إِنَّ عينَ الشِّرّيرِ تَرى بعينِ الخَيال!.
ولقد تَحَدَّثَ الإِنجيلُ عن الولادةِ الجديدةِ وتَغييرِ القلبِ بعمَلِ الروحِ
القُدُسِ، الذي نَتيجتُه: أَنْ تَخْلَعوا من جهةِ التصرفِ السابقِ الإِنسانَ العَتيقَ
الفاسدَ بحسَبِ شَهَواتِ الغُرور، وتَتَجَدَّدوا بروحِ ذِهْنكم، وتَلْبَسوا الإِنسانَ
الجديد، المخلوقَ بحسبِ الله، في البِرِّ وقَداسَةِ الحَقّ " (١) .
الحجابُ مُحافَظَةٌ على المرأةِ المسلمة، وتكريمٌ لها، وبه تَسْتُرُ المرأةُ
عورَتَها، ولا تَفْتنُ بها الآخَرين.
ولكنَّ الفادي يُنكرُ على القرآنِ دعوتَه المرأةَ المسلمة إِلى التَّحَجُّبِ والتَّعَفُّفِ والتَّسَتُّر والتَّطَهُّرِ، ويَرى أَنه لا داعيَ ولا حاجةَ له!
لماذا؟ لأَنَّ هذا الحجابَ لا يَمنَعُ عينَ الرجلِ الشِّرِّيرِ من أَنْ تَشتهيَ
المرأةَ المتحجِّبَة، لأَنَّ عينَ الشّرّيرِ تَرى بعينِ الخيال!
أَيْ أَنَّ الرجلَ الشّريرَ يَنظرُ للمرأةِ المحجَّبَة، ويَشْتَهيها، ويتخيَّلُها بخَيالِه عارية!!.
الحَلُّ عندَ الفادي أَنْ لا تَتَحَجَّبَ المرأةُ، وأَنْ لا تَسْتُرَ فتنَتَها وزينَتَها عن
الرجلِ الشرير، وإِنما الحَلُّ في تربيةِ الرجُل، وإِزالةِ الشَّرّ من قَلْبِه، وإِماتةِ
الشَّهَوأتِ من نفسِه، وملءِ قلْبِه بالبِرِّ والحَقّ، ولذلك نَقَلَ نَصّاً من الإِنجيلِ يَدْعو فيه إِلى ميلادٍ جديدٍ للإِنسان، وتغييرِ قَلْبه وكيانِه ليتحوَّلَ من الشهواتِ إلى الحَقِّ!.
والإسلامُ الذي يَدْعو المرأةَ المسلمةَ إِلى السِّتْرِ والتَّحَجُّبِ، يَعلمُ أَهميةَ
الحجابِ في المحافظةِ على المرأة، وفي نَشْرِ العفافِ والفضيلةِ في المجتمع.
وهو في نفسِ الوقتِ الذي يَدْعوها للحجابِ يَلتفتُ إِلى الرجُل، ويَدْعوهُ إلى
التعفّفِ والتطهُّر، وعدمِ الاستعبادِ للشهوات، وعدمِ ارتكابِ المحَرَّمات.
ولذلك أَمَرَ الرجالَ بغَضِّ البصرِ وحفظِ الفرْج قبلَ أَمْرِ النساءِ بذلك.
قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) .
стр. 386
وإِذا نَظَرَ الرجلُ إِلى المرأةِ نظرةً خِلْسَةً فعينُه خائِنَة، واللهُ يَعْلَمُ خِيانَتَها.
قال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) .
إِنَّ التربيةَ القرآنيةَ متكاملةٌ متناسِقَة، فالقرآنُ يُرَبّي كُلّاً من الرجلِ والمرأَة،
ويأَخُذُ بأَيْديهما، ويَرْتَقي بهما إِلى عالمِ التَّسامي والفضائلِ والكمالات.
***
هل شعائر الحج من الوثنية ؟
ادَّعى الفادي المفترِي أَنَ بعضَ شعائِرِ الحَجِّ أُخِذَتْ من الوثنية، مثلُ
السَّعْيِ بينَ الصَّفا والمَرْوَة.
قالَ: " جاءَ في سورةِ البقرة: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)
قالَ البيضاوي: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ) : هما عَلَما جَبَلَيْنِ بمكَّة.
(مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) : من أَعلامِ مناسِكِه، جمعُ شعيرة، وهي العَلامة.
(فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ) :
الحَجُّ لغةً: القصد، والاعتمارُ: الزيارة، فَغَلَبا شَرْعاً على قَصدِ البيتِ الحرام
وزيارَتِه، عَلى الوجهين المخصوصَيْن.
(فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) :
كانَ إِسافُ على الصفا، ونائلة على المروة، وكانَ أَهْلُ الجاهلية إِذا سَعَوا
مَسَحوهُما، فلما جاءَ الإِسلامُ وكُسِرَت الأَصنامُ، تَحَرَّجَ المسلمونَ أَنْ يَطَّوَّفوا بينَهما لذلك، فنزلَتْ، والإِجماعُ على أَنَّه مَشروعٌ في الحَجِّ والعمرة!.
" ونحنُ نسأَل: كيفَ يَجعلُ القرآنُ الشعائِرَ الوثنيةَ شعائِرَ الله؟
وهل كان الوَثَنِيُّون مُلْهَمين فيها من الله؟ ".
إِنَّ تساؤُلَ الفادي خَبيث، وهو يَهدفُ إِلى التشكيكِ في أَحكامِ القرآن،
والاعتراضِ عليها، ونفيِ أَنْ تَكونَ من عندِ الله.
стр. 387
كانَ العربُ في الجاهليةِ يَحُجّونَ على طريقتِهم، ويَطوفونَ بالبيت،
ويَسعونَ بينَ الصَّفا والمروة، ويَقِفونَ بعَرَفات، ويُقيمونَ في مِنى.
ولما جاءَ الإِسلامُ أَمَرَ المسلمينَ بالحَجِّ، واعتَبَرَهُ رُكْناً من أَركانِ الإِسلام.
ومن أَركانِ الحَجِّ السعيُ بينَ الصَّفا والمروة، بنَصّ الآيةِ المذكورة،
وبفعْلِ رسولِ اللهِ ﷺ .
صَحيحٌ أَنَّ العربَ الجاهليّين الوثنيِّين كانوا يَسعونَ بينَ
الصَّفا والمروة، لكنَّ القرآنَ لم يَأَخُذ تشريعَه عنهم، كما يَزعمُ الفادي
المفتري، فليس في مناسِكِ الحَجِّ شيءٌ من شعائِرِ الجاهلية.
إِنَّ الحَجَّ مرتبطٌ بإبراهيمَ وإِسماعيلَ - صلى الله عليهما وسلم -، فهما اللَّذان بَنَيا البيتَ الحرام، أَوَّلَ بيتٍ وُضِعَ للناسِ في الأَرضِ لعبادةِ الله، ولما فَرَغا من بنائِه أَمَرَ اللهُ إِبراهيمَ ﵇ أَنْ يُؤَذِّنَ في الناسِ بالحَجّ، فَفَعَل، وحَجَّهُ أَوَّلُ فوجٍ من الحُجّاجِ زمنَ إِبراهيمَ ﷺ .
قالَ تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) .
واستمرَّ الناسُ يَحُجّون، منذُ إِبراهيمَ ﵇، يَتَوارَثونَ الحَج منذُ ذلك التاريخ، لكنَّهم يَرتكبونَ فيه كَثيراً من مظاهرِ الشركِ والمخالفات.
فلما جاءَ الإِسلامُ طَهَّرَ الحَجَّ من ممارساتِ الجاهليِّين الباطلة، وأَعادَ له صِلَتَهُ الإِيمانية بإبراهيمَ ﷺ ، وأَعطاهُ طابَعَهُ الإِيمانيّ، وجَعَلَه عبادةً خالصةً لله .
وبذلك صارَتْ شعائرُ الحَجِّ إِسلاميةً ربانية، وليستْ وثنيةً جاهلية!.
ومما يُؤَكِّدُ هذا المعنى الحوارُ الذي دار بين عروةَ بنِ الزبير وخالتِه
عائشة ﵂.
روى البخاريُّ ومسلمٌ عن عروةَ بنِ الزبير: أَنه قالَ لعائشةَ ﵂: قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) .
فما أرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما!
فقالَتْ عائشة: لو كانَتْ كما تَقولُ لكانَتْ: " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ".
стр. 388
إِنما أُنزلَتْ هذه الآية ُ في الأَنْصار، كانوا يُهلّونَ لمناة، وكانَتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيْد، وكانوا يتحرَّجون أَنْ يَطَّوفوا بينَ الصفا والمروة، فلما جاءَ الإِسلامُ سأَلوا رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، فأَنزلَ اللهُ الآية ...
تُصَحِّحُ عائشةُ ﵂ لابن أُخْتِها عروةَ بنِ الزبيرِ معنى الآية، فقد فَهِمَ عُروةُ من الآيةِ أَنها تُبيحُ للحاجِّ أَو المعتمرِ عَدَمَ الطَّوافِ بهما، فبيَّنَتْ له أَنَّ الآيةَ توجِبُ عليه الطوافَ بهما، وأَنه لو كانَ مَعْناها كما فَهِمَ عروةُ لقالَتْ: " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ".
ثم ذَكرتْ عائشةُ ﵂ مُناسبةَ نُزولِ الآية، وأَشارَتْ إِلى بعضِ ممارساتِ العربِ الجاهليّين في الحج، فكانَ العربُ من أَهْلِ المدينة لا يَطوفونَ بينَ الصّفا والمروة، فلما أَسْلَموا ورأَوا المسلمينَ من المهاجِرين يَفْعلونَ ذلك
سأَلوا الرسولَ ﷺ ، فأَنزلَ اللهُ الآيةَ يَأَمرُ المسلمين أَنْ يَسْعَوْا بينَ الصَّفا والمروة، ويُزيلُ التحرجَ الذي كانَ عليه أَهْلُ المدينةِ قبلَ الإسلام: (فَلَا جُنَاحَ عَليهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا) .
وبهذا نعرفُ افتراءَ الفادي المفترِي عنْدَما جعلَ السعيَ بين الصَّفا
والمروةِ شعيرةً وثنيةً جاهلية! فهو تَشريعٌ قرآني، وأَمْرٌ ربّاني، وعبادةٌ
خالصةٌ لله!.
***
حول إباحة التجارة في موسم الحج
اعترضَ الفادي على وُرودِ آيةٍ قرآنيةٍ تُبيحُ التجارةَ في موسمِ الحَجِّ؟
لأَنَّ الأَمْرَ سَهْلٌ لا يَستدعي نَصَّ القرآنِ عليه!.
قال: " جاءَ في سورةِ البقرة: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) .
كانَ العربُ في الجاهليةِ يَتَّجرونَ في أَسواق عُكاظ ومَجَنَّةَ وذي المَجاز، وكانَ لهم مواسم، فكانوا يُقيمونَ بعُكاظَ عِشْرِين
стр. 389
يوما من ذي القعدة، ثم يَنْتَقلون إِلى مَجَنَّة، وهي عند عَرَفَة، فيُقيمونَ بها ثمانيةَ عَشَرَ يوماً، عشرةُ أَيامٍ من آخِرِ ذي القعدة، وثمانيةُ أَيام من أَولِ ذي الحجة، ثم يَخْرُجون إِلى عَرَفَة.
فلما كانَ الإِسلام، فكأَنهم تَأَثَّموا أَنْ يَتَّجروا في الموسمِ، فأَجازَ لهم
محمدٌ ذلك.
وعن أَبي ماجه [الصحيح: أَبي أُميمَة] ، التيمي قال: كُنتُ رَجُلاً أُكْرى في
هذا الوَجْه، وكانَ الناسُ يقولونَ لي: إِنَّه ليسَ لَكَ حَجّ، فلقيتُ ابْنَ عُمَرَ
وسأَلْتُه عن ذلك، قال: إِنَّ لك حَجّاً.
وجاءَ رجلٌ إِلى محمد، فسأَلَه عن ذلك، فلم يُجِبْهُ، وأخيراً قال بالجَوَازِ ...
ونحنُ نَسأل: هل كَانَ في الأَمْرِ شيءٌ جَديدٌ يَحتاجُ إِلى وَحْي؟
أَليسَ إباحَةُ محمدٍ للتجارة في موسمِ الحَجّ شيئاً عاديّاً يتَنَاسَبُ مع مَصالحِ العَرَبِ الدنيويَّة؟ ".
الروايةُ الصحيحةُ في نزول الآيةِ ليستْ هكذا، فالفادي يأخُذُ الروايةَ من
مصادرَ غيرِ موثوقة، علاوةً على تصرُّفهِ في كلماتِ النَّصّر الذي أَمامَه.
روى البخاريُّ عن ابنِ عباس ﵄ قال: كانَتْ عُكاظُ ومَجَنَّةُ وذُو المجاز أَسْواقاً في الجاهلية، فتَأَثَّموا أَنْ يَتَّجِروا في المواسِم، فنزلَت الآيَة: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) : في مواسِمِ الحج.
والروايةُ في السببِ المباشرِ لنزول الآيةِ أَخرجَها أَبو داود وأَحمدُ عن
أَبي أُمامَةَ التيمي قال: قُلْتُ لابنِ عُمَر: إِنّا قَوْمٌ نُكْرى، فهل لنا حَجّ؟
قال: أَليسَ تَطوفونَ بالبيت، وتَأَتونَ المعَرَّفَ، وتَرمونَ الجِمار، وتَحْلِقونَ رُؤوسَكم؟
قُلْنا: بَلى..
قال: جاءَ رَجُلٌ إِلى النبيّ ﷺ فسأَلَه عن الذي سأَلْتَني عنه، فلم يَدْرِ ما يَقول له، حتى نَزَل جبريلُ مم ﵇ عليه بهذه الآية: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) .
فقالَ النَّبِي ﷺ : أَنتم حجاج.
стр. 390
واعتراضُ الفادي على الآيةِ دَليلُ جَهْلِه، فقد ظَنَّ لجَهْلِهِ أَنَّ لأَمْرَ لا
يَسْتَدعي نُزولَ الآيةِ بإِباحةِ التجارةِ في موسمِ الحج؟
لأَنَّ العَرَبَ في الجاهليةِ كانوا يُتاجرون، والأَصْلُ بَقاءُ الأَمْرِ على ما كانَ عليه، فما الدّاعي لإِنزالِ آيةٍ تُبيحُ شَيْئاً هو مُباح؟!.
لقد كانَ العربُ في الجاهليةِ يُتاجِرونَ في موسمِ الحَجّ، فلما أَسْلَموا
تَحَرَّجوا من ذلك، وتَأَثَّموا منه، ولذلك توقَّفوا عَنْه، لأَنهم ظَنُّوه غيرَ جائِز،
ولا يَتفقُ مع التَّجردِ للهِ أَثناءَ أَداءِ المناسك.
وجاءَ أَحَدُهم إِلى النبى ﷺ يسأَلُه عن جواز ذلك، فتوقَّفَ النبيُّ ﵇ عن الجواب، لأَنَّه ليس عندَه فيه شيءٌ جَديد، فأَنزلَ اللهُ الآيةَ جواباً على السؤال، مُبيحاً التجارةَ في الحج.
وهذا التحرُّجُ والتوقُّفُ من الصحابةِ بانتظارِ معرفةِ الحكْمِ الشرعيِّ شهادةٌ
لصالحهم، لأَنه يدلّ على التزامِهم بحكْمِ الله، وعدمِ مخالفَتِه، بحيثُ يتوقَّفون
عَمَّا كانوا يَعملونَه، بانتظارِ حُكم الله فيه.
فلما أَنزلَ اللهُ الآيةَ وأَباحَ فيها التجارةَ في موسمِ الحج، أَزالَ تَحَرجَهم
وتَأَثّمَهم، وأَعْطى تَصرُّفَهم السابقَ بُعْداً إِسلاميّاً.
***
من الدي حدد وقت الحج ؟
ذَهَبَ الفادي المفترِي إِلى أَنَّ الرسولَ ﷺ هو الذي حَدَّدَ وَقْتَ الحَجّ، وأَنه في شهرِ ذي الحِجَّة!
قالَ في افترائه: " كانَ بعضُ أَهْلِ الجاهليةِ يَقفُ بعَرَفَة، وبعضهم بمزدَلِفة، وكان يَحُجُّ بعضهم في ذي القعدة، وبعضهم في ذي الحِجّة!
وكلٌّ يَقول: الصوابُ فيما فَعَلْتُه!
فقال محمد: لا شكَّ أَنَّ الحَجَّ في ذي الحِجّة ".