وإِذا نَظَرَ الرجلُ إِلى المرأةِ نظرةً خِلْسَةً فعينُه خائِنَة، واللهُ يَعْلَمُ خِيانَتَها.
قال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) .
إِنَّ التربيةَ القرآنيةَ متكاملةٌ متناسِقَة، فالقرآنُ يُرَبّي كُلّاً من الرجلِ والمرأَة،
ويأَخُذُ بأَيْديهما، ويَرْتَقي بهما إِلى عالمِ التَّسامي والفضائلِ والكمالات.
***
هل شعائر الحج من الوثنية ؟
ادَّعى الفادي المفترِي أَنَ بعضَ شعائِرِ الحَجِّ أُخِذَتْ من الوثنية، مثلُ
السَّعْيِ بينَ الصَّفا والمَرْوَة.
قالَ: " جاءَ في سورةِ البقرة: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)
قالَ البيضاوي: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ) : هما عَلَما جَبَلَيْنِ بمكَّة.
(مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) : من أَعلامِ مناسِكِه، جمعُ شعيرة، وهي العَلامة.
(فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ) :
الحَجُّ لغةً: القصد، والاعتمارُ: الزيارة، فَغَلَبا شَرْعاً على قَصدِ البيتِ الحرام
وزيارَتِه، عَلى الوجهين المخصوصَيْن.
(فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) :
كانَ إِسافُ على الصفا، ونائلة على المروة، وكانَ أَهْلُ الجاهلية إِذا سَعَوا
مَسَحوهُما، فلما جاءَ الإِسلامُ وكُسِرَت الأَصنامُ، تَحَرَّجَ المسلمونَ أَنْ يَطَّوَّفوا بينَهما لذلك، فنزلَتْ، والإِجماعُ على أَنَّه مَشروعٌ في الحَجِّ والعمرة!.
" ونحنُ نسأَل: كيفَ يَجعلُ القرآنُ الشعائِرَ الوثنيةَ شعائِرَ الله؟
وهل كان الوَثَنِيُّون مُلْهَمين فيها من الله؟ ".
إِنَّ تساؤُلَ الفادي خَبيث، وهو يَهدفُ إِلى التشكيكِ في أَحكامِ القرآن،
والاعتراضِ عليها، ونفيِ أَنْ تَكونَ من عندِ الله.
стр. 387
كانَ العربُ في الجاهليةِ يَحُجّونَ على طريقتِهم، ويَطوفونَ بالبيت،
ويَسعونَ بينَ الصَّفا والمروة، ويَقِفونَ بعَرَفات، ويُقيمونَ في مِنى.
ولما جاءَ الإِسلامُ أَمَرَ المسلمينَ بالحَجِّ، واعتَبَرَهُ رُكْناً من أَركانِ الإِسلام.
ومن أَركانِ الحَجِّ السعيُ بينَ الصَّفا والمروة، بنَصّ الآيةِ المذكورة،
وبفعْلِ رسولِ اللهِ ﷺ .
صَحيحٌ أَنَّ العربَ الجاهليّين الوثنيِّين كانوا يَسعونَ بينَ
الصَّفا والمروة، لكنَّ القرآنَ لم يَأَخُذ تشريعَه عنهم، كما يَزعمُ الفادي
المفتري، فليس في مناسِكِ الحَجِّ شيءٌ من شعائِرِ الجاهلية.
إِنَّ الحَجَّ مرتبطٌ بإبراهيمَ وإِسماعيلَ - صلى الله عليهما وسلم -، فهما اللَّذان بَنَيا البيتَ الحرام، أَوَّلَ بيتٍ وُضِعَ للناسِ في الأَرضِ لعبادةِ الله، ولما فَرَغا من بنائِه أَمَرَ اللهُ إِبراهيمَ ﵇ أَنْ يُؤَذِّنَ في الناسِ بالحَجّ، فَفَعَل، وحَجَّهُ أَوَّلُ فوجٍ من الحُجّاجِ زمنَ إِبراهيمَ ﷺ .
قالَ تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) .
واستمرَّ الناسُ يَحُجّون، منذُ إِبراهيمَ ﵇، يَتَوارَثونَ الحَج منذُ ذلك التاريخ، لكنَّهم يَرتكبونَ فيه كَثيراً من مظاهرِ الشركِ والمخالفات.
فلما جاءَ الإِسلامُ طَهَّرَ الحَجَّ من ممارساتِ الجاهليِّين الباطلة، وأَعادَ له صِلَتَهُ الإِيمانية بإبراهيمَ ﷺ ، وأَعطاهُ طابَعَهُ الإِيمانيّ، وجَعَلَه عبادةً خالصةً لله .
وبذلك صارَتْ شعائرُ الحَجِّ إِسلاميةً ربانية، وليستْ وثنيةً جاهلية!.
ومما يُؤَكِّدُ هذا المعنى الحوارُ الذي دار بين عروةَ بنِ الزبير وخالتِه
عائشة ﵂.
روى البخاريُّ ومسلمٌ عن عروةَ بنِ الزبير: أَنه قالَ لعائشةَ ﵂: قوله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) .
فما أرى على أحد شيئاً أن لا يطوف بهما!
فقالَتْ عائشة: لو كانَتْ كما تَقولُ لكانَتْ: " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ".
стр. 388
إِنما أُنزلَتْ هذه الآية ُ في الأَنْصار، كانوا يُهلّونَ لمناة، وكانَتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيْد، وكانوا يتحرَّجون أَنْ يَطَّوفوا بينَ الصفا والمروة، فلما جاءَ الإِسلامُ سأَلوا رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، فأَنزلَ اللهُ الآية ...
تُصَحِّحُ عائشةُ ﵂ لابن أُخْتِها عروةَ بنِ الزبيرِ معنى الآية، فقد فَهِمَ عُروةُ من الآيةِ أَنها تُبيحُ للحاجِّ أَو المعتمرِ عَدَمَ الطَّوافِ بهما، فبيَّنَتْ له أَنَّ الآيةَ توجِبُ عليه الطوافَ بهما، وأَنه لو كانَ مَعْناها كما فَهِمَ عروةُ لقالَتْ: " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ".
ثم ذَكرتْ عائشةُ ﵂ مُناسبةَ نُزولِ الآية، وأَشارَتْ إِلى بعضِ ممارساتِ العربِ الجاهليّين في الحج، فكانَ العربُ من أَهْلِ المدينة لا يَطوفونَ بينَ الصّفا والمروة، فلما أَسْلَموا ورأَوا المسلمينَ من المهاجِرين يَفْعلونَ ذلك
سأَلوا الرسولَ ﷺ ، فأَنزلَ اللهُ الآيةَ يَأَمرُ المسلمين أَنْ يَسْعَوْا بينَ الصَّفا والمروة، ويُزيلُ التحرجَ الذي كانَ عليه أَهْلُ المدينةِ قبلَ الإسلام: (فَلَا جُنَاحَ عَليهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا) .
وبهذا نعرفُ افتراءَ الفادي المفترِي عنْدَما جعلَ السعيَ بين الصَّفا
والمروةِ شعيرةً وثنيةً جاهلية! فهو تَشريعٌ قرآني، وأَمْرٌ ربّاني، وعبادةٌ
خالصةٌ لله!.
***
حول إباحة التجارة في موسم الحج
اعترضَ الفادي على وُرودِ آيةٍ قرآنيةٍ تُبيحُ التجارةَ في موسمِ الحَجِّ؟
لأَنَّ الأَمْرَ سَهْلٌ لا يَستدعي نَصَّ القرآنِ عليه!.
قال: " جاءَ في سورةِ البقرة: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) .
كانَ العربُ في الجاهليةِ يَتَّجرونَ في أَسواق عُكاظ ومَجَنَّةَ وذي المَجاز، وكانَ لهم مواسم، فكانوا يُقيمونَ بعُكاظَ عِشْرِين
стр. 389
يوما من ذي القعدة، ثم يَنْتَقلون إِلى مَجَنَّة، وهي عند عَرَفَة، فيُقيمونَ بها ثمانيةَ عَشَرَ يوماً، عشرةُ أَيامٍ من آخِرِ ذي القعدة، وثمانيةُ أَيام من أَولِ ذي الحجة، ثم يَخْرُجون إِلى عَرَفَة.
فلما كانَ الإِسلام، فكأَنهم تَأَثَّموا أَنْ يَتَّجروا في الموسمِ، فأَجازَ لهم
محمدٌ ذلك.
وعن أَبي ماجه [الصحيح: أَبي أُميمَة] ، التيمي قال: كُنتُ رَجُلاً أُكْرى في
هذا الوَجْه، وكانَ الناسُ يقولونَ لي: إِنَّه ليسَ لَكَ حَجّ، فلقيتُ ابْنَ عُمَرَ
وسأَلْتُه عن ذلك، قال: إِنَّ لك حَجّاً.
وجاءَ رجلٌ إِلى محمد، فسأَلَه عن ذلك، فلم يُجِبْهُ، وأخيراً قال بالجَوَازِ ...
ونحنُ نَسأل: هل كَانَ في الأَمْرِ شيءٌ جَديدٌ يَحتاجُ إِلى وَحْي؟
أَليسَ إباحَةُ محمدٍ للتجارة في موسمِ الحَجّ شيئاً عاديّاً يتَنَاسَبُ مع مَصالحِ العَرَبِ الدنيويَّة؟ ".
الروايةُ الصحيحةُ في نزول الآيةِ ليستْ هكذا، فالفادي يأخُذُ الروايةَ من
مصادرَ غيرِ موثوقة، علاوةً على تصرُّفهِ في كلماتِ النَّصّر الذي أَمامَه.
روى البخاريُّ عن ابنِ عباس ﵄ قال: كانَتْ عُكاظُ ومَجَنَّةُ وذُو المجاز أَسْواقاً في الجاهلية، فتَأَثَّموا أَنْ يَتَّجِروا في المواسِم، فنزلَت الآيَة: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) : في مواسِمِ الحج.
والروايةُ في السببِ المباشرِ لنزول الآيةِ أَخرجَها أَبو داود وأَحمدُ عن
أَبي أُمامَةَ التيمي قال: قُلْتُ لابنِ عُمَر: إِنّا قَوْمٌ نُكْرى، فهل لنا حَجّ؟
قال: أَليسَ تَطوفونَ بالبيت، وتَأَتونَ المعَرَّفَ، وتَرمونَ الجِمار، وتَحْلِقونَ رُؤوسَكم؟
قُلْنا: بَلى..
قال: جاءَ رَجُلٌ إِلى النبيّ ﷺ فسأَلَه عن الذي سأَلْتَني عنه، فلم يَدْرِ ما يَقول له، حتى نَزَل جبريلُ مم ﵇ عليه بهذه الآية: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) .
فقالَ النَّبِي ﷺ : أَنتم حجاج.
стр. 390
واعتراضُ الفادي على الآيةِ دَليلُ جَهْلِه، فقد ظَنَّ لجَهْلِهِ أَنَّ لأَمْرَ لا
يَسْتَدعي نُزولَ الآيةِ بإِباحةِ التجارةِ في موسمِ الحج؟
لأَنَّ العَرَبَ في الجاهليةِ كانوا يُتاجرون، والأَصْلُ بَقاءُ الأَمْرِ على ما كانَ عليه، فما الدّاعي لإِنزالِ آيةٍ تُبيحُ شَيْئاً هو مُباح؟!.
لقد كانَ العربُ في الجاهليةِ يُتاجِرونَ في موسمِ الحَجّ، فلما أَسْلَموا
تَحَرَّجوا من ذلك، وتَأَثَّموا منه، ولذلك توقَّفوا عَنْه، لأَنهم ظَنُّوه غيرَ جائِز،
ولا يَتفقُ مع التَّجردِ للهِ أَثناءَ أَداءِ المناسك.
وجاءَ أَحَدُهم إِلى النبى ﷺ يسأَلُه عن جواز ذلك، فتوقَّفَ النبيُّ ﵇ عن الجواب، لأَنَّه ليس عندَه فيه شيءٌ جَديد، فأَنزلَ اللهُ الآيةَ جواباً على السؤال، مُبيحاً التجارةَ في الحج.
وهذا التحرُّجُ والتوقُّفُ من الصحابةِ بانتظارِ معرفةِ الحكْمِ الشرعيِّ شهادةٌ
لصالحهم، لأَنه يدلّ على التزامِهم بحكْمِ الله، وعدمِ مخالفَتِه، بحيثُ يتوقَّفون
عَمَّا كانوا يَعملونَه، بانتظارِ حُكم الله فيه.
فلما أَنزلَ اللهُ الآيةَ وأَباحَ فيها التجارةَ في موسمِ الحج، أَزالَ تَحَرجَهم
وتَأَثّمَهم، وأَعْطى تَصرُّفَهم السابقَ بُعْداً إِسلاميّاً.
***
من الدي حدد وقت الحج ؟
ذَهَبَ الفادي المفترِي إِلى أَنَّ الرسولَ ﷺ هو الذي حَدَّدَ وَقْتَ الحَجّ، وأَنه في شهرِ ذي الحِجَّة!
قالَ في افترائه: " كانَ بعضُ أَهْلِ الجاهليةِ يَقفُ بعَرَفَة، وبعضهم بمزدَلِفة، وكان يَحُجُّ بعضهم في ذي القعدة، وبعضهم في ذي الحِجّة!
وكلٌّ يَقول: الصوابُ فيما فَعَلْتُه!
فقال محمد: لا شكَّ أَنَّ الحَجَّ في ذي الحِجّة ".
стр. 391
ولا يَعْنينا اختلافُ القبائلِ العربيةِ الجاهليةِ في وَقْتِ الحَجِّ ومكانِه، فقد
كانوا في الجاهلية يَخْتَلفون في كُلِّ شيء.
إنما يَعنينا تقريرُ حقيقةٍ إسلاميةٍ تشريعية، وهي أَنَّ اللهَ هو صاحبُ الحكْمِ
والتشريع! فالأَوامرُ والتَّشريعاتُ من عند الله، أَمَرَ بها النبي ﷺ ، ولم يَشْرَعْها ويَبْتَدِعْها رسولُ اللهِ ﷺ .
إِنَّ اللهَ هو الذي حَدَّدَ مكانَ الحَجِّ وزَمانَه وأفعالَه..
وكان الفادي كاذِباً مفترياً عندما زَعَمَ أَنَّ الرسولَ ﷺ هو الذي فَعَلَ ذلك! قال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) .
واللهُ هو الذي شَرَعَ الحَجَّ منذُ أَيامِ إِبراهيمَ ﵇.
قال تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) .
وكم كانَ الفادي مُفْتَرياً ومُجْرِماً عندما قال: " ونحنُ نَسْأَلُ: أَليسَ هذا
ْالقولُ هو من الأَدِلَّةِ على أَنَّ ديانَتَه هي من مُشْركي العرب؟ ".
وهذا الذي يُريدُ المجرمُ أَنْ يَصلَ إِليه، فهو يَرى أَنَّ مُحَمَّداً ﷺ ليس رسولَ الله، وأَنَّ القرآنَ ليس كلامَ الله، وأنَّ الإِسلامَ ليس دينَ الله، وإِنما أَخَذَهُ محمدٌ ﷺ من المشركين الذينَ حولَه!.
وقد كانَ القرآنُ واضحاً صَريحاً في تَقْريرِ حقيقةِ أَنَّ الإِسلامَ هو الدينُ
الذي ارْتَضاهُ اللهُ لنا، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .
واعترضَ الفادي على الأَمْرِ بالتزوُّدِ للحَجِّ، فقال: " إِنَ باقي الآيةِ يَقول:
(وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) .
وسببُ هذا أَنَّ أُناساً من أَهْلِ اليمن كانوا يَخْرُجون للحَح من غيرِ زادِ، ويقولون: نحن متوكِّلون.
стр. 392
ويقولون: نحنُ نحجُّ بيتَ رَبّنا أفلا يُطْعِمُنا؟!
فإذا قَدِموا مكةَ تَسَوَّلوا طَعامَهم، وربما أَفْضى بهم
الحال إِلى السَّلْبِ والنَهْب، فقال لهم محمد: " فتزودوا "..
وهو أَمْرٌ بَدَهي، ليس فيه شيءٌ فوق مستوى العقل، حتى يَحتاجَ إِلى وَحْي..
".
إِنَه يَرى أَنَّ التزوُّدَ بالزادِ للحَجِّ أَمْرٌ بَدَهِيٌّ عاديّ، يَفعلُه كُلُّ إِنسانٍ يُريدُ
السَّفَر، ولا يَحتاجُ إِلى تَدَخُّلِ الوَحْي.
وهو يُخطئُ في النظرِ إِلى الوَحْي، عندما يَظُن أَنَ الوحْيَ لا يتدَخَّلُ إِلّا
في الأُمورِ الصعبة، التي هي فوقَ مستوى العقل!.
لقد عَرَفْنا من تَنَزُّل القرآن وأَسبابِ نزول بَعْضِ آياتِه، أَنَّ كَثيراً من آياتِ
القرآنِ كانت تنزل ابتداءً، بدونِ حادثةٍ أَو سَبَب، ولا تَتحدَّثُ عن أُمورٍ فوقَ مستوى العَقْل، إِنما تتحدَّثُ عن أُمورٍ عادِيةٍ حياتيةٍ خَبَرِيةٍ عملية..
وما نَزَل من الآياتِ على أَسبابٍ خاصة لم تكن تلكَ الأَسبابُ أو الحوادثُ فوقَ مستوى العَقْل، وإِنما كانت أَسْباباً مألوفةً عاديةً في حياةِ المسلمين.
ثم إِنَّ قولَه تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) نَزَل لِيُصَوِّبَ ويُصحِّحَ
نظرةَ بعضِ المسلمين في التوكلِ على الله، فقد كانَ بعضُ أَهْلِ اليمنِ يأتونَ للحج، وليس معهم شيءٌ من الزاد، ويقولون: نحنُ متوكّلونَ على الله، ونحنُ ضُيوفُ الله وحُجّاجُ بيتِه، ومن غير المعقول أَنْ يَتَخَلّى اللهُ عَنا وأَنْ لا يَرْزُقَنا!.
فكانَ إنزال هذه الجملة من الآيةِ لِتصحيحِ هذه النظرة، وإِبطال ما فيها
من خَطَأ، وهَدَفت الآية ُ إلى أَنَّ التوكُّلَ على اللهِ لا يَعني عدمَ الأَخْذِ
بالأَسْباب، بل إِنه يوجِبُ على المتوكلِ الأَخْذَ بالأَسباب.
فقُدومُ الحُجّاجِ إِلى الحَج متوكّلينَ على اللهِ يوجِبُ عليهم التزوُّدَ بالزادِ
المادي والزادِ المعنويّ الذي هو التقوى!.
ومن حِقْدِ الفادي وكُرْهِه وبُغْضه لرسول اللهِ ﷺ ، وحربِه للقرآنِ
стр. 393
والإسلام، أَنه كانَ حَريصاً على عدمِ الإخبارِ بأَنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ، والتأكيدِ على أَنه كلامُ محمدٍ ﷺ ، ويَبدُو هذا في قولِه: فقال لهم محمد: (وَتَزَوَّدُوا) فهذه الكلمةُ في الآية، لكنَّ المفترِي جَعَلَها من كلامِ رسولِ الله ﷺ .
***
هل الإفاضة من أعمال الجاهلية ؟
اعتبرَ الفادي قولَ اللهِ : (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) ، دَليلاً على أَنَّ أَعْمالَ الحَجّ التي يُؤَدّيها المسلمون من أَعمالِ
الوثنيّين الجاهليّين، وليسَ تَشريعاً من الله رَبّ العالمين!.
الأَمْرُ في الآيةِ لقريش، يَأمُرُهم فيه بالتَّخَلّي عن عادتِهم التي كانوا عليها
في الجاهلية، فقد كانَ القرشيّون في الجاهليةِ يُسَمّون أَنْفُسَهم " الحُمْس "،
لأَنَّهم سَدَنَةُ بيتِ اللهِ الحرام، وكانوا لا يَقِفون مع النّاسِ في عَرَفات، ويتميَّزونَ عنهم بالوقوفِ في المزدلفة، ويَعتبرونَ الوقوفَ مع عامةِ الناسِ لا يَتفقُ مع منزلتِهم الدينية.
فلما أَوجبَ اللهُ على المسلمين الحَجَّ دَعا أَهْلَ قريشٍ المسلمين إِلى عَدَمِ
التميزِ عن باقي الحجاج، وأَوجبَ عليهم الوقوفَ بعَرَفَة معهم، والإفاضةَ من
عرفاتٍ إِلى مزدلفةَ ليلةَ العيدِ معهم، والسيرَ معهم، وعَدَمَ التميز عنهم.
قالَ الفادي: "..
قالَ أَهلُ التفسير: كانت قريشٌ ومن دانَ بدِينِها - وهم الحُمْسُ - يَقِفون بالمزدلفة، ويَقولون: نَحْنُ أَهْلُ الله..
وكانوا يَتعاظمون أَنْ يَقفوا معَ سائرِ الناسِ بعرفات، فإِذا أَفاضَ الناسُ من عرفاتٍ أفاضَ الحُمْسُ من المزدلفة، فلما جاءَ محمدٌ أَمَرَهم أَنْ يَقِفوا مع سائِر الناس، ثم يُفيضوا منها إِلى جمع ".
وخَرَجَ من ذلك بالنتيجةِ الشيطانيةِ الخبيثة، التي اعتبرَ بها الإِسلامَ
стр. 394
مأخوذاً من الجاهلية، قال: " ونحنُ نسأل: أَليسَ الأَمْرُ بالوُقوفِ على عرفات والإِفاضةِ منها كسائرِ الناسِ في الجاهلية دَليلاً على أَنَّ أَركانَ الحَجّ من أَصْلٍ وثنيّ، وأَنه ليس من التشريعِ السماويِّ في شيء؟ ".
طريقةُ الفادي في البحثِ والاستدلالِ والاستنباطِ عجيبة غريبة، مُثيرةٌ
للسخريةِ.
فالإِسلامُ عنده مأخوذ منَ الممارساتِ الجاهلية، والعاداتِ الوثنية،
بدليل وجودِ آيةٍ في القرآن تُصحّحُ أَداءَ قريشٍ لمناسكِ الحج، فقد كانَ
القرشيّونَ في الجاهليةِ لا يَحُجّونَ مع باقي الناس، فلما أَمَرَهم القرآنُ بالحجّ
مع الناس، والوقوفِ بعرفةَ مع الناس، والإِفاضةِ معهم إِلى مزدلفة، دَلَّ هذا
على أَنَّ محمداً ﷺ أَخَذَ أَحكامَه من الجاهلية! مع أَنه يَدْعوهم إِلى التخلّي عن تلك الجاهلية!.
***
هل أركان الحج من الجاهلية ؟
عادَ الفادي المفترِي إِلى التأكيدِ على أَنَّ كُلَّ أَعمالِ الحَجِّ ومناسِكِه
مأخوذة من الجاهلية، وهي المسألةُ التي تحدَّثَ عنها أَكثرَ من مرةٍ فيما مضى.
فبعدَ أَنْ ذَكَرَ أَربعَ آياتٍ من سورةِ البقرةِ تتحدَّثُ عن الحج، استخرجَ منها دلالتَه العجيبةَ المعتادة: " كان اسْمُ شهرِ ذي الحِجَّةِ المخصَّصِ
للحَجِّ موجوداً قبلَ الإِسلام، وكذلك كان الإِحرامُ (وهو البُعْدُ عن الرَّفَثِ
والصَّيْد) موجوداً قبلَ الإِسلام، كما كانت التجارةُ في الحَجّ موجودةً قبل
الإِسلام، وكذلك الإِفاضةُ من عرفاتٍ وإِلقاءُ الخُطَب وذِكْرُ المناقبِ عندَ
المشْعَرِ الحرام ...
فاتَّخَذَ الإِسلامُ عاداتِه وشعائِرَه من عادات العرب المشركين..".
стр. 395
الإِسلامُ عند الفادي المفترِي ليسَ من عندِ الله، وإِنما هو من وَضْعِ
واختيارِ محمدٍ ﷺ ، أَخَذَه وانْتَقاهُ من عادات العرب المشركين في الجاهلية، حيثُ كان يَلْتَقي بهم، ويَختارُ من حياتِهم ما يريد، ثم يُسجلُه ويقدمُه لأَصحابِه، زاعماً أَنَّ اللهَ أَوحى به إِليه!.
والدليلُ عندَ المفترِي على ذلك، أَنَّ محمداً ﷺ أَخَذَ شعائرَ وعاداتِ الحج من العربِ الجاهليّين، وزَعَمَ أَنَّ اللهَ هو الذي أَوحى به إِليه: أَبْقى اسْمَ شهرِ الحَجّ " ذي الحجة " على اسْمِه الجاهلي، وأَبْقى الإِحرامَ على صورتِه الجاهلية، وأَبْقى التجارةَ في موسمِ الحَجِّ كما كانتْ عليه في الجاهلية، وأَبْقى الإِفاضةَ من عرفاتٍ على ما كان يَفعلُه أَهْلُ الجاهلية!!.
ولو كانَ الحَجُّ تشريعاً من عندِ الله لأَلْغى كُلَّ هذه الأَعمالِ الجاهلية،
وأَمَرَ بأَعمالٍ إسلاميةٍ جديدة!!.
وقد سبقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي المفترِي في هذا الأَمْر، وبَيّنّا أَنَّ الحَجَّ ذو
نَسَبِ إِيماني، وأَنه سابِقٌ على العَرَبِ الجاهليّين، وأَوَّلُ مَنْ حَجَّ هو إِبراهيمُ
الخلَيلُ ﵇، والعَربُ المشركونَ في الجاهليةِ تَوارَثوا أعمالَ وشعائِرَ الحَجِّ عن إبراهيم ﵇، وأَضافوا لها الكثيرَ من ممارساتِهم الخاطئة، التي تَقومُ على الشركِ بالله، فلما جاءَ الإِسلامُ أَزالَ الممارساتِ الجاهليةَ الخاطئةَ عن مناسكِ الحج، وأَعادها إِلى أَصْلِها الإِيمانيِّ العريق، وأَبقى الأَعمالَ النظيفةَ والشعائِرَ الصحيحةَ، لأَنها إِيمانيةُ الأَصل، كالوقوفِ بعَرَفَة والإِفاضة والإِحرام، فهي ليستْ عاداتٍ وشعائرَ مأخوذةً من الجاهليةِ كما زَعَمَ الفادي الجاهل!.
***
حول توزيع الزكاة
حَدَّدَ اللهُ الأَصنافَ الذين تُدْفَعُ لهم الزكاة، وبَيَّنَ أَنها ثَمانيةُ أَصْنافٍ
فقط! قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) .
стр. 396
وقد اعترضَ الفادي المفترِي على بَعْضِ مَصارفِ الزكاة، واعتبرَ دَفْعَها لبعضِ
الأَصنافِ المذكورين في الآية نوعاً من الرشوة، التي لا تَتفقُ مع دينِ الله!
قال: " ومَعلومٌ أَنَّ الزكاةَ هي أَحَدُ أَركانِ الدينِ الإِسلاميِّ الخمسة، التي هي: الصلاةُ والزكاةُ والصومُ والحَجُّ والشهادتان.
فهي من صميم الدينِ الإِسلامي، وهي ليستْ مخصصَةً للفقراءِ والمساكين، ولكن يُصْرَفُ منها في أَغراضٍ إِسلاميةٍ بحتة، وصُرِفَ
منها للمؤلَّفةِ قلوبُهم، ولو كانوا أَغنياء، لاستمالتِهم لقَبولِ الإِسْلام، وتُصْرَفُ في شراءِ الأَسلحةِ وتَجهيزِ الجُنْدِ لقتال الكفار، والجهادِ في سبيل الإِسلام ...
وللمسيحيّين كتابُهم المقَدَّس، الذي يَقْضي بتقديم العُشورِ للصَّرْفِ على
الفقراء، وتَعمير الكنائس، وإعالةِ رجال الدين، ونَشْرِ الكتابِ المُقَدَّس ومبادئ المسيحية..
ويُحَرِّمُ الكتابُ المقَدَّسُ الدعوةَ للدّين باستخدامِ المال للاستمالة،
أَو السيفِ للإِرهاب، فأَتْباعُ الدينِ المسيحيِّ قَدَّموا دعوتَه بالمحبةِ والشجاعةِ
والتضحيةِ على مثال المسيح.. " (١) .
يَرى المفترِي أَنَّ إِعطاءَ المؤلَّفَةِ قلوبُهم من الزكاة خَطَأٌ " لأَنه لا يَجوزُ
استخدامُ المال لنشْرِ الدعوةِ أَوْ ترغيبِ الآخَرين، ويَذْكُرُ أَنَّ الكتابَ المقَدَّسَ
يُحَرِّمُ ذلك على المسيحيّين، ويأمُرُهم بالدعوةِ بالمحبةِ والشجاعةِ والتضحية!.
وإِنَّ اللهَ العليمَ الحكيمَ يَعلمُ أَثَرَ المال الإِيجابيَّ في بعضِ النًّفوس،
ولذلك أَجازَ تأْليفَ قُلوبِ بَعْضهم بجزءٍ من مالِ الزكاة، إمّا بترغيبهم في
الإسلام واستمالتِهم وتقريبِهم إِليه، وإِمّا بتحييدِهم أَوْ تَقَليلِ عَداويهم للإِسلامِ والمسلمين.
وليس في هذا شيء، فما زال الناسُ قَديماً وحَديثاً يُعْطون
ويُهْدون، ويُوَثّقونَ روابطهم وعلاقاتِهم بشيءٍ من المال يدفعونَه لهذه الغاية!.
ويَفْتَري القادي عندما يَزعمُ أَنَّ الكتابَ المقَدَّسَ حَرَّمَ على النصارى
стр. 397
استخدامَ المالِ للدعوةِ والاستمالةِ والتَبْشير، فالجمعيّاتُ التنصيريةُ النصرانيةُ
هي أَكثرُ الجمعياتِ استخْداماً للمالِ للتَّنْصير، والرهبانُ أَكثرُ الناسِ دَفْعاً
للأَموال تَرْغيباً في اعتناقِ النصرانية، وتَرْصدُ الكنائسُ الملايينَ من الدولاراتِ
لهذه الغاية، وتنتشرُ مجموعاتُ التَّنْصيرِ في كلِّ بِلادِ العالم، وتُرَكِّزُ على
ممارسةِ التَّنْصِيرِ بينَ المسلمين على وَجْهِ الخصوص، وتَقومُ على الدفعِ
والإِغراءِ بالمال..
ويقولُ لنا الفادي المفترِي بعدَ ذلك: يَحرمُ على النصارى
استخدامُ المالِ للدعوة.
وهم يَنْشرونَ دعوتَهم بالمحبةِ والتضحية!!.
كما يَرى الفادي المفترِي أَنَّ صرفَ جُزْءٍ من الزكاةِ لجهادِ وقتالِ الكفارِ
خَطَأ، ويعتبرُه نوعاً من سوءِ استخدامِ المال، وإِنفاقِهِ للإِرْهاب!.
وكلامُه باطل، فاللهُ أَوْجبَ على المسلمين جهادَ الأَعداءِ الطّامعين فيهم،
والشِّد والغلظةَ في قتالِهم، وإِيقافَ عُدْوانهم، وإِبطالَ مكائِدِهم ومُخَطّطاتِهم
ضدَّهم، وَوَعَدَهم على ذلك جزيلَ الأَجْرِ والثواب!
ومعلومٌ أَنَّ الجهادَ في سبيلِ اللهِ يَحتاجُ إِلى كثيرٍ من الأَموالِ للإِنفاقِ عليه، ولذلك جعلَ اللهُ الإِنفاقَ عليه سهماً من أَسهمِ الزكاةِ الثمانية، واللهُ عليمٌ حكيمٌ في تَشريعِه سبحانه!.
***
توجيه تفضيل الرجال على النساء
ذَكَرَ الفادي آيَتَيْنِ تَتَحَدَّثانِ عن الصلةِ بينَ الرجالِ والنِّساء.
هما قولُه تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) .
وقولُه تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) .
ونَقَلَ كَلاماً للبيضاويِّ في تفسيرِ الآيَتَيْن، وبيانِ معنى القوامةِ والدرَجة، وأسبابِ ذلك.
ثم عَلَّقَ على ذلك مُخطِّئاً القرآنَ والإسلام، فقال: " ونحنُ نَسأل: لماذا
يَهْضِمُ الإِسلامُ حُقوقَ المرأة، فيعتبرُ من حَقِّ الرجلِ أَن يَملكَ نفسَها،
стр. 398
بينما لا تمتلكُ المرأةُ إِلّا نَصيباً منْ مالِه؟
الطبيعيُّ أَنْ يكونَ جسدُ الرجلِ مِلْكَ المرأة، وجَسَدُ المرأةِ مِلْكَ الرجُل، ولماذا يستبدُّ الرجلُ بالفِراق، ولا يُسمحُ للمرأَةِ بالفراق إِذا رَأَتْ ذلك، في حالةِ خيانتِه، وإِنْ كانَ من العيبِ أَنْ تَضربَ المرأةُ الرجلَ، فلماذا تَسمحُ الشريعةُ الإِسلاميةُ للرجلِ أَنْ يَضربَ المرأة؟ " (١) .
يَجِبُ أَنْ نُفرقَ أَوّلاً بينَ القوامةِ والتَّفْضيل، فالقوامَةُ منزلةٌ دنيوية، تَقومُ
على المسؤوليةِ لمواهبَ وقُدُرات، أَمّا التفضيلُ فهو منزلةٌ دينية إِيمانية، يَرتفعُ
بها صاحِبُهَا عندَ الله.
لقد جعل اللهُ القوامةَ في الدنيا للرجالِ على النِّساء، بمعنى أَنه أَعطى
مسؤوليةَ إِدارةِ الأُسرةِ والبيتِ للرجُل، فهو صاحبُ القِوامةِ والمسؤوليةِ والقيادةِ والحكمِ في هذه المؤسسة.
وذَكرت الآيةُ سَبَبَيْن لجعْلِ القوامةِ للرجال:
(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) ...
السببُ الأوَّل: ما منحهُ اللهُ للرجالِ من مواهبَ وطاقاتٍ خاصّة، تَمَيَّزوا
بها عن النساء، تُؤَهِّلُهم للقيامِ بواجبِ القوامة، وإِدارةِ شُؤونِ الأُسْرَة،
وفَضَّلَهم اللهُ بهذه المواهبِ تَفْضيلاً دُنيوياً.
السببُ الثاني: ما أَوجبهُ اللهُ على الرجال من إِنفاقِ الأَموالِ على مُؤَسَّسةِ
الأُسْرَة، فالإِنفاقُ واجبٌ على الرجل، ولا يَجبُ على امرأَتِه أَنْ تُنفقَ شيئاً ولو كانتْ تملكُ المالَ الكثير.
وكونُ القوامةِ الدنيويةِ بيدِ الرِّجالِ لا يَعْني أَنَّ جِنْسَ الرجالِ أَفْضلُ من
جنس النساءِ عندَ الله، فأَساسُ التفضيلِ عندَ الله ليس الجنسَ أَو اللون، إِنما
هو الإِيمانُ والتقوى، كما قالَ الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ،فإذا كانت المرأةُ صالحةً تقيةً كانتْ أَفضلَ عندَ الله من زوجِها
غيرِ التَّقِيّ، أَو الأَدنى منها في التقوى.
стр. 399
وقد جَعَلَ اللهُ للرجال على النساءِ درجةً، بعدَما ساوى بينهما في الحقوق
والواجبات، وذلك في قوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) .
والدرجةُ التي للرجال على النساء مرتبطةٌ بالقوامة، فالذي له القِوامَةُ له
على الطَّرف الآخر درجة.
فهذه الدرجةُ دنيوية، متعلِّقَةٌ بدفعِ المهر والنفقة وغيرِ ذلك من الأُمورِ الماليةِ الدنيوية، والدرجةُ الدنيويةُ لا تَعْني الدرجةَ الدينيةَ عند الله، فقد تكونُ المرأةُ أَعْلى درجةً عند الله من زوجها لتَقْواها.
وقد أَكرمَ الإِسلامُ المرأةَ عندما نَصَّ على أَنَّ لها على زوجِها حقوقاً،
مثلَ ما عليها له من واجبات: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) .
وبعدَ هذه الآيةِ الصريحةِ يأتي شَخْصٌ جاهِلٌ مثْلُ هذا الفادي، ليقول:
لماذا يَهضمُ القرآنُ حُقوقَ المرأة؟.
وإِنَّ الأَسئلةَ التي يَطرحُها الفادي دالَّةٌ على جَهْلِه وغَبائِه، فهو يَقول:
لماذا يَملكُ الرجلُ المرأَةَ بينما هي لا تملِكُه، إِنما تَملكُ جُزْءاً من مالِه؟
وإِذا كان قَصْدُه من سؤالِه مِلْكَ الأَمْرِ والنهي والمسؤولية، فإِنَّ هذا مرتبطٌ بالقِوامة، ومؤسسةُ الأُسرةِ لا بُدَّ لَها من مسؤولَ، والمسؤوليةُ للرجل، والمرأةُ تابعةٌ له في المؤَسَّسة، وهذا لا يُنقصُ منزلَتَها، إِنما هو شَرَفٌ لها.
وإِذا كان قَصْدُهُ مِلْكَ التَّلَذُّذِ والاستمتاعِ وقَضاءِ الشهوة، فكلٌّ منهما يملكُ
جَسَدَ الآخَر، الرجلُ يَملكُ جَسَدَ المرأةِ ويتلَذَّذُ ويَستمتعُ بها، وهي تملكُ
جَسَدَهُ وتتلذذُ وتستمتعُ به، مع أَنَّ الرجلَ صاحبُ القوامةِ والدرجةِ الدنيوية.
ويُطالبُ الفادي الجاهلُ أَنْ يَكونَ الطلاقُ والفراقُ بيدِ المرأة، مثلَ ما
هو بيدِ الرجل!
وهذا خلافُ الفطرةِ وسُنَّةِ الحياة! فالذي يتزوجُ هو الذي
يُطَلّقُ، والذي يَدفعُ مهرَ الزواجِ هو الذي يَدفعُ نفقةَ الطلاقِ، وصاحبُ القوامةِ في مؤسسةِ الأُسْرَةِ هو الذي يُطَلِّقُ ويُفارقُ، ويَدفعُ ثَمَنَ فِراقِهِ وطَلاقِه (١) .
أَما انتقادُ الفادي في آخرِ كلامِه مبدأَ ضرْبِ الرجلِ لامرأتِه فقد سبقَ أَنْ
ناقَشْناه فيه، وَوَجَّهْنا الأَمْرَ، وبَيّنّا حكمتَه وصَوابَه!.
стр. 400
هل صلاة المسلمين تقليد وثني ؟
وَضَعَ الفادي المفْتَري عنواناً استفزازيّاً مُثيراً، اسْتَفَزَّ به مشاعِرَ
المسلمين: " الصلاةُ الإِسلاميةُ تَقليدٌ وثنيّ "!!.
ذَكَرَ في تَساؤُله قولَ اللهِ : (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) .
ثم زَعَمَ أَنَّ المسلمينَ أَخَذوا صَلَواتِهم الخمسَ عن الصابئين، فقال: " فرضَ الإِسلامُ على المسلمين خمسَ صلواتٍ يومياً، وهي: صلاةُ الفجرِ والظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاء.
وهي نفسُ مواقيتِ الصلاةِ عند اليهود والمسيحيّين والصابئين ...
وقالَ أَبو الفِداءِ في تاريخِه: للصَّابئين عبادات، منها سَبْعُ صَلًوات، منهنّ خمسٌ تُوافِقُ صلواتِ المسلمين، والسادسةُ صَلاةُ الضحى، والسابعةُ صلاةٌ يَكونُ وَقْتُها في تمامِ الساعةِ السادسةِ من الليل.
وصلاتُهم كصلاةِ المسلمين من النية، وأَلّا يَخْلطَها المصلي بشيءٍ من غيرِها، ولهم الصلاةُ على الميت، بلا ركوع ولا سجود..
ونحنُ نسأل: لماذا اقتبسَ المسلمون نِظامَ صَلواتِهم من الصابئين؟ ".
بَدَأَ الفادي كلامَه بكذبةٍ كُبْرى، عندما زَعَمَ أَنَّ اليهودَ والنَّصارى
والصابئين يُصَلّونَ كُلَّ يومٍ خَمسَ صَلَواتٍ مثلَ المسلمين!
وسُؤالُ أَي يهوديٍّ أَو نصرانيٍّ أَو صابئي كَفيلٌ ببيانِ كَذِبِ هذا المفْتَري.
ثم نَقَلَ كَلاماً أَوردَه أَبو الفِداء، زَعَمَ فيه أَنَّ الصّابئين يُصَلّونَ سَبْعَ
صلواتٍ في اليومِ والليلة، وأَنَ كيفيةَ صَلاتِهم كَصلاةِ المسلمين، من الركوعِ
والسجودِ والتلاوة، وأَنَّهم يُصَلّونَ على موتاهم كصلاةِ المسلمين على
موتاهم!!.
стр. 401
وأُعجبَ الفادي بكلامِ أَبي الفِداء، وَوَظَّفَهُ دَليلاً على اتِّهامِ الإِسلام، بأَنَّه
أَرضيّ بَشَرِيٌّ، وليسَ تشريعاً من عندِ الله، وعَلَّقَ عليه بسؤالِه المثيرِ الخطير:
" لماذا اقتبس المسلمونَ نظامَ صَلَواتِهم من الصّابِئِين؟ ".
كلامُ أَبي الفِداءِ غيرُ صحيح.
ولا أَدْري من أَيْنَ أَخَذَ كَلامَه، وعلى أَيِّ مَصْدَرٍ اعتمد، المهمُّ أَنه لم يأخُذْه من حديثٍ صحيحٍ مرفوعٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ ،
ولا من قولٍ صحيحٍ لصحابي أَو تابعيّ.
فليس صحيحاً أَنَّ الصابئين يُصَلّونَ سَبْعَ صلوات، وأَنَّ صَلاتَهم كصلاةِ
المسلمين، وها هم الصابِئون " الميدانيّون " موجودون في العراق، اسْأَلوهم عن عَدَدِ وكيفيةِ صَلاتِهم، إِنْ كانَ في دينهم صلاةٌ أَصْلاً!.
وهذا معناهُ أَنَّ المسلمينَ لم يَأَخُذوا صلاتَهم عن الصابئين أَو غيرِهم،
وأَنَّ الصلاةَ الإِسلاميةَ ليستْ تَقْليداً وثنيّاً كما زَعَمَ هذا الكاذِبُ المفترِي.
الصلاةُ ركنٌ من أَركانِ الإِسلام، واللهُ هو الذي أَمَرَ رسولَه ﷺ بها، منذُ أَيامِ الدعوةِ الإِسلاميةِ الأُولى في مكة، وفي ليلةِ المعراج أَمَرَ اللهُ رسولَه ﷺ بخمسِ صَلَواتٍ في اليومِ والليلة، وهُنَّ خمْس صلواتٍ في العَدَدِ، ولكنهنَّ خُمسونَ صلاةً في الأَجْر، وثَبَتَ هذا عن رسولِ اللهِ ﷺ ، فى الصحيحين وغيرهما من كُتُبِ السنن.
واللهُ هو الذي حَدَّدَ مواقيتَ الصلوات، وأَشارَ إلى هذا قولُه تعالى:
(أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) .
وبَعَثَ اللهُ جبريلَ للنبيِّ ﷺ وحَدَّدَ له وَقْتَ كُلِّ صلاةٍ
من الصلواتِ الخَمْس، بدايةً ونهايَة..
واللهُ هو الذي حَدَّدَ للرسولِ ﷺ كيفيةَ
كُل صلاة، أَفعالَها وأَقوالَها وأَذكارَها وحَركاتِها، وأَركانَها وسُنَنَها وهيئاتِها..
وأَمَرَ الرسولُ ﷺ المسلمين أَنْ يُصَلّوا مثْلَ صلاته، فقال: " صَلّوا كما رأيتُموني أُصَلّي ".
إِنَّ كُلَّ ما يتعلَّقُ بالصلاةِ من قولٍ أَو فعل أَو حركةٍ من الله، أَوحى به
стр. 402
للرسولِ ﷺ ، وإِنَّ الإِسلامَ اخْتَصَّ وتَمَيَّزَ وتَفَرَّد بالصلاة، ولا يُصَلّي أَصحابُ أَيِّ دينٍ كما يُصَلّي المسلمون، سواء كانوا يَهوداً أَو نصارى أَو صابئين أَو غيرَهم!.
***
حول التطهر بالتيمم
أَثارَ الفادي المفترِي عِدة إِشْكالاتٍ حولَ التَّطَهُّرِ بالتَّيمم، وتَلاعبَ في
حديثِه عن سببِ نُزولِ آيةِ التَّيمم، وحَرَّفَ كَلامَ البيضاويِّ وغيرِه، كعادتِه في التَّلاعبِ والتَّحريف، والكذبِ والافتراء، والزَّعْمِ والادِّعاء.
الآيةُ التي شَرَعت التيممَ هي قولُ اللهِ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) .
وكانَ نزولُ هذه الآية في حادثةِ عائشةَ ﵂، عندما أَضاعَتْ عِقْدَها.
ذَكَرَ الفادي روايةَ البخاري قائلاً: " روى البخاريّ عن عائشةَ قالَتْ:
سَقَطَتْ قِلادَةٌ لي بالبَيْداء، ونَحنُ داخلونَ المدينة، فأَناخَ محمدٌ ونَزَل، فَثَنى
رأسَه في حِجْري راقِدا، وأَقبلَ أَبو بكر، فَلَكَزني لَكْزَةً شديدة، وقالَ: حَبَسْتِ الناسَ في قِلادة..
ثم إِنْ محمداً استيقظ..
وحَضَرت الصبْحُ، فالْتُمِسَ الماءُ، فلم يوجَدْ، فاستعوَضَه بالتُّراب..
وعن عائشةَ قالت: لما كانَ من أَمْرِ عِقْدي ما كان، وقالَ أَهلُ الإِفْكِ ما قالوا، خرجْتُ معَ محمدٍ في غزوةٍ أُخْرى، فسقَطَ أَيْضاً عِقْدي، حتى حَبَسَ الناسَ عن الْتماسِه، فقالَ لي أبو بكر: بُنَيَّة!
في كُلِّ سفر تكونينَ عَناءً وبَلاءً على الناس..
ولكنْ لما كانَتْ هي سببُ التيممِ رضيَ عَنْها أَبو بَكْر.. "
стр. 403
هل هذه روايةُ البخاري؟
وهل كان الفادي أَميناً في النّقل؟
لِنقرأ الروايةَ من صحيحِ البخاري، ولْنقارنْ بينَ الكلامِ الذي فيه، والكلامِ الذي نَقَلَهُ الفادي عنه.
روى البخاريُّ عن عائشةَ ﵂ قالَتْ: " خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ ﷺ في بَعْضِ أَسفارِه، حتى إِذا كُنّا بالبَيْداء، أَوْ بذاتِ الجَيْش، انقطعَ عِقْدٌ لي، فأَقامَ رسولُ اللهِ ﷺ على الْتماسِه، وأَقامَ الناس معه، ولَيْسوا على ماء..
فأَتَى الناسُ إِلى أَبي بكر الصّدّيق، فقالوا: أَلا ترى ما صَنَعَتْ عائشةُ؟
أَقامَتْ برسولِ اللهِ ﷺ والناسِ، ولَيْسوا على ماء، وليس مَعهم ماءٌ.
فجاءَ أَبو بكر، ورسولُ الله ﷺ واضع رأسَه على فَخِذي قَدْ نَام، فقال: حَبَسْتِ رسول اللهِ ﷺ
والنّاسَ، ولَيْسوا على ماء، وليسَ معهم ماء! فعاتبَني أَبو بكر، وقالَ ما شاءَ اللهُ أَنْ يَقول، وجَعَلَ يَطْعَنُني بيدِه في خاصِرَتي، فلا يَمنعُني من التحرُّكِ إِلّا مَكانُ رسولِ اللهِ ﷺ على فَخذي، فقامَ رسولُ اللهِ ﷺ حينَ أَصبحَ على غيرِ ماء، فأَنزلَ اللهُ آيةَ التيمّم، فتيمموا..
فقال أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْر: ما هي بأولِ بركتِكم يا آلَ أَبي بكر ...
فَبَعَثْنا البعيرَ الذي كنتُ عليه، فأَصَبْنا العِقْدَ تَحْتَه " (١) .
الفادي المفترِي حَريصٌ على حَذْفِ كلمةِ " رسولِ اللهِ ﷺ من الرواية، ووضْع الاسمِ المجرَّدِ " محمد " مكانَها.
ولو كان أَميناً في النَّقْلِ لَنَقَلَ العبارةَ كما هي، مع أَنه لا يُؤمنُ أَنَّ محمداً هو رسولُ اللهِ ﷺ .
وصرَّحَتْ عائشةُ ﵂ بأَنَّ اللهَ أَنزلَ آيةَ التيمم في صَباحِ تلك الليلة، فتيممَ المسلمونَ بعدَ نزولِ الآية.
والفادي المفترِي لا يُريدُ الإِخبارَ عن إِنزالِ الوحي من عندِ الله، حتى لو كان يَنْقُلُ من نَصٍّ أَمامَه! ولذلك زَعَمَ أَنَّ محمداً ﷺ هو الذي أَمرهم بالتيممِ من عندِ نفسه: " وحَضرت الصبحُ فالتُمِسَ
الماءُ فلم يوجَدْ، فاستَعْوَضَه بالتُّراب "!
وهذه الجملةُ غيرُ مذكورةٍ في الأَصل!
لكنَّها من تلاعُبِ الفادي وتحريفه.
стр. 404
ومِنْ تَلاعُبِ الفادي وتحريفه زَعْمُه أَنَّ أَبا بكر شَتَمَ ابنَتَه عائشة ﵄، وقالَ لها: " بُنَيَّة: في كلِّ سَفَرٍ تكونينَ بَلاءً وعناءً على الناس! ".
ولا أَدري من أَينَ جاءَ المفترِي بهذه العبارة.
مع أَنَّ عائشةَ ﵂ كانَتْ موضعَ ثَناء، وانظرْ ما أَجْمَلَ ما قالَه أُسَيْدُ بنُ حُضيْرٍ ﵁: ما هي بأولى بركاتِكم يا آلَ أَبي بَكْر.
واللهُ حَكيم، فهو الذي قَدَّرَ أَنْ يُقطعَ عِقْدُ عائشةَ ﵂، وقَدَّرَ أَنْ يَبْرُكَ عليه البَعيرُ، وأَنْ يتَأَخَّرَ المسلمون في البحثِ عنه، وذلك ليضطروا إِلى التيمم، ويُنزل اللهُ عليهم برحمتِه آيةَ التيمم، واللهُ عليمٌ حكيم! لكن هذا معنى لا يَنتبهُ له الفادي؛ لأَنه محجوبٌ عن الله!!.
وقَدَّمَ الفادي حَديثاً غَريباً في التيمم، لا أَدْري من أَينَ جاءَ به، قال:
" جاءَ في الحديثِ: "الصَّعيدُ الطيبُ وضوءُ المسلم، ولو إِلى عَشْرِ سنين، حتى يَجِدَ الماءَ، وإِذا وَجَدَهُ فَلْيُمسَّه جِلْدَه"!!.
وزعمَ المفترِي أَنَّ عائشةَ ﵂ خَرَجَتْ مع رسول اللهِ ﷺ في غزوةٍ أُخرى، وأَنها أَضاعَت فيها عِقْداً آخَرَ لها، وأَنَّ اللهَ أَباحَ للمسلمينَ التيمم: " وعن عائشةَ قالَتْ: لما كانَ من أَمْرِ عِقْدي ما كان، وقال أَهْلُ الإِفْكِ ما قالوا خَرَجْتُ مع محمدٍ في غزوةٍ أُخرى، فسقطَ أَيضاً عِقْدي، حتى حَبَسَ الناسَ عن التماسه..".
وعَلَّقَ المفترِي على هذه الحادثةِ بكلامٍ خَبيت، فقال: " ونحنُ نسأَل:
كانَتْ عائشةُ سببَ مشكلةٍ لمحمدٍ في الغزوةِ التي اتُّهِمَتْ فيها مع صفوانَ بن
المعَطّل، فلماذا أَخَذَها معه في غزوةٍ أُخرى؟! ".
وزَعَمَ الفادي المفترِي أَنهما حادثَتان مُختلفتان، أَضاعَتْ عائشةُ في كُل
حادثةٍ عِقْداً، وأَنزل اللهُ في كُلِّ حادثةٍ آية تبيحُ التيمم، وهذا جهلٌ منه، فلم تكنْ إِلّا حادثةً واحدة، وهي التي رَواها البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشة ﵂.
وادَّعى المفترِي أَنَّ حادثةَ فَقْدِ العِقْدِ وإِنزال آيةِ التيمم هي نفسُ حادثةِ
حَديثِ الإِفْك، عندما اتَّهمَ المنافقونَ عائشةَ ﵂، وهو ادِّعاءٌ باطل، فحادثةُ فَقْدِ العِقْدِ غيرُ حادثةِ حَديثِ الإِفْك.
стр. 405
والعبارةُ التي ذَكَرَها المجرمُ في اتهامِ عائشةَ ﵂ فاجرة، أَرادَ بها تأكيدَ اتِّهامِها في عِرْضِها.
قال: " كانتْ عائشةُ سببَ مشكلةٍ لمحمدٍ في الغزوةِ التي
اتُّهِمَتْ فيها مع صفوانَ بنِ المعَطّل ".
وصَفوانُ بنُ المعَطّل صحابيٌّ جَلِيلٌ ﵁، وهو الذي اتَهَمَ المنافقونَ المجرمونَ عائشةَ ﵂ به، وقد أَنزلَ اللهُ براءةَ عائشةَ في آياتِ سورةِ النور، وذَمَّ الذين اتَّهموها في عِرْضِها، وأُقيمَ عليهم حَدُّ القَذْف.
وقد تكلمَ الفادي على التيمم بوقاحةٍ وسوءِ أَدَب.
قال: " ما معنى الاستعاضة عن الماءِ بالتراب؟
أَليستْ هذه قذارة ومَدْعاة للمرضِ لا للصحة؟
وأَيُّ عاقلٍ يَتصوَّرُ في الماءِ أَو الترابِ تكفيراً عن الذنوب؟ ".
إِنه يُخَطِّئُ القرآنَ في تشريعِه التيممَ عند فَقْدِ الماء، أَو العجزِ عن
استعمالِه، ويتهمُ التيممَ بأَنه قَذارةٌ ومَدْعاةٌ للمرض، وهذا اتِّهامٌ للهِ سبحانَه، وتَخْطئةٌ له في أَحكامِه وتَشريعاتِه، وتَكذيبٌ له في أَوامِرِه وتوجيهاتِه.
فاللهُ يَقولُ في بيانِ حكمةِ التيمم: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) .
وهو يُكَذِّبُ كَلامَ اللهِ فيقول: " وما معنى الاستعاضةِ عن الماءِ بالتراب؟
أَليستْ هذه قذارة ومَدْعاة للمرضِ لا للصحة؟ ".
والوُضوءُ أَو التيممُ تَطهيرٌ للمؤمن وتكفيرٌ له عن سيئاتِه وذُنوبه، والفادي
المفتري يَرفضُ ذلك قائلاً: " وأَيُّ عاقلٍ يَتَصَوَّرُ في الماءِ أَو الترابِ تكفيراً عن
الذنوب؟ " وما درى الجاهلُ أَنَّ تَنفيذَ أَوامرِ اللهِ تطهيرٌ ومغفرةٌ للذنوب.
وقد أَخْبَرَنا رسولُ الله ﷺ أَنَّ الوضوءَ تكفيرٌ للذنوب.
روى مسلمٌ عن أَبي هريرةَ ل به: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: " إِذا تَوَضَّاَ العبدُ المسلمُ، فَغَسَلَ وَجْهَه، خَرَجَ من وجهِه كُلُّ خَطيئةٍ نَظَرَ إِليها بعيْنَيْه، معَ الماءِ، أَو معَ آخَرِ قَطْرِ الماءِ، فإِذا غَسَلَ يَدَيْه، خرَجَ من يَدَيْه كُلُّ خطيئةٍ كانتْ
стр. 406
بطشَتْها يَداهُ، مع الماء، أَو مع آخِرِ قَطْرِ الماءِ، فإذا غَسَلَ رجْلَيْه، خرجَتْ كُلُّ خطيئةٍ مَشَتْها رِجْلاه مع الماء، أَو معَ آخرِ قَطْرِ الماء، حتى يَخرجَ نقيّاً من
الذُّنوب! ".
***
تفسير سياسي لتحويل القبلة
وَقَفَ الفادي أَمامَ حادثةِ تَحويلِ القبلة، وتَحَدَّثَ عنها بسَفاهَةٍ وَوَقاحَة.
لما كانَ المسلمونَ في مكةَ كانَتْ قبْلَتُهم في صلاتِهم الكَعْبَة.
ولما هاجروا إِلى المدينة جَعَلَ اللهُ قبلَتَهم بيتَ المقْدِس، وبعدَ ستةَ عَشَرَ شَهْراً أَوْ سبعةَ عَشَرَ شَهْراً، حَوَّلَ اللهُ القبلة، وأَعادَها إِلى الكعبة، وجاءَ هذا التحويلُ صَريحاً في قولِه تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) .
واعتبرَ القرآنُ أَنَّ الذينَ يَعترضونَ على تحويلِ القبلةِ سُفَهاء، قال تعالى:
(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) .
وتوقَّفَ الفادي السفيهُ مع آياتِ تَحويلِ القبلة من سورةِ البقرة، ونَقَلَ
بعضَ كلامِ البيضاويّ في تَفسيرِها.
ثم سَجَّلَ اعتراضَه على ذلك التحويل بِسَفاهة.
قال: " ونحنُ نسأل: إِذا كانَت القبلةُ شريعةً وركناً من أَركانِ الصلاة،
فلماذا تتغَيَّر؟
هل هي لعبةٌ سياسيةٌ لاستمالةِ قُلوبِ العربِ تارة، واستمالةِ قُلوب
اليهودِ أُخْرى؟
فاتَّجَهَ مع العربِ في مكةَ إِلى الكعبة، ولما هاجَرَ إِلى المدينة
حيثُ الكثيرُ من اليهودِ اتَّجَهَ إِلى بيتِ المقْدِس، ولما هاجَمَهُ اليَهودُ جَعَلَ قبلَتَه
الكعبةَ مَغ أُخْرى!
لقد كَانَ لتغييرِ القبلةِ طَنَّةٌ وَرَنَّةٌ، حتى ارتَدَّ كثيرونَ عن الإِسلامِ إِلى اليهودية، وقالوا: رَجَعَ محمدٌ إِلى دينِ آبائِه، وتَرَكَ قبلةَ اليَهود، التي هيَ حَقّ!..
وعَيَّرَ اليهودُ المسلمين، فقالَ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ وأَصحابُه من
стр. 407
اليهود: أَخْبرونا عن صلاتِكم إِلى بيتِ المقْدِس: إِنْ كانَتْ على هدى، فقد
تخلَّيْتُم عنه، وإِنْ كانَتْ على ضَلالَةٍ، فقد دِنْتُم اللهَ بها، وَمَنْ ماتَ عليها فقد ماتَ على ضَلالة ...
فلماذا طَعَنَ محمدٌ في الذينَ اعْتَرَضوا عليه بأَنهم من السُّفهاء؟
لقد كانَ لهم كُلُّ الحَقِّ أَنْ يَسْأَلوا ... ".
لم ينظر الفادي السَّفيهُ لمسألةِ تَحويلِ القبلة على أَنها تشريعٌ رباني،
وتوجيهٌ مباشِرٌ من الله سبحانه، وحَلَّلَها تَحْليلاً تافِهاً سَفيهاً، مرتبطاً مع نَظرتِه للقرآنِ والوحي..
إِنه لا يَعترفُ بنبوةِ محمدٍ ﷺ ، ولا بأَن القرآنَ وَحْيٌ من الله، ولذلك اعتبرَ القبلةَ اختياراً خاصّاً من الرسولِ ﷺ ، فهو الذي يَختارُ ما يَشاء، ويَجعلُه قِبْلَة، ويأمُرُ أَتْباعَه بالتوجُّهِ حيثُ يَشاء! وهذا تأكيدٌ منه على بَشَريةِ القرآنِ والإِسلام!.
ثم يَنتقلُ المجرمُ إِلى جريمةٍ أُخرى، حَيثُ يَجعلُ تَحويلَ القبلةِ " لُعْبَةً
سياسية " من الرسولِ ﷺ ...
فلما كانَ في مكةَ جَعَلَ قبلَتَه الكعبةَ ليَستميلَ العربَ الجاهليّين، ولما هاجَرَ إِلى المدينةِ حَوَّلَ قبلَتَه إِلى اليهودِ ليَستميلهم، ولما لم يَنجحْ في ذلك وغَضِبَ منهم أَعادَ قبلتَه إِلى الكعبة!!
بهذه السفاهةِ حَلَّلَ الفادي السفيهُ مَسألةَ تَحويلِ القبلة، ودافَعَ عن السفهاءِ السابقين من أَمثالِه، الذين اعْتَرَضوا على تحويلِ القبلة، واعْتبروه تَلاعُباً، ولما رَدَّ اللهُ عليهم اعْتَبَرهم سُفَهاء.
قال الفادي مُدافعاً عَنْهم: " فلماذا طَعَنَ محمدٌ في الذينَ اعْتَرَضوا عليه بأَنهم من السُّفهاء؟
لقد كانَ لهم كُلُّ الحَقِّ أَنْ يَسْأَلوا ".
اعتبرهم اللهُ سُفهاءَ لاعتراضِهم على تَحويلِ القبلة، والفادي المفتري
رَدَّ كَلامَ اللهِ، واعْتَبرهم حُكَماء، وعلى حَقٍّ فِي اعتراضِهم.
لِيَقُل الفادي السفيهُ عن تحويلِ القبلةِ ما يَشاء، فكلامُه وتحليلُه مَردودٌ
عليه، ونحنُ نوقِنُ أَنَّ استقبالَ القبلةِ في الصلاة كانَ بأَمْرٍ من الله، وأَنَّ تَحديدَ القبلةِ كانَ بأَمْرٍ من الله، وأَنَّ تَحويلَ القبلةِ كان بأَمْرٍ من الله، لتحقيقِ حكمةٍ أَرادَها الله..
стр. 408
إِنَّ اللهَ هو الذي جَعَلَ القبلةَ في مكةَ الكعبة، واللهُ هو الذي أَمَرَ
المسلمينَ بعدَ الهجرةِ بالتوجُّهِ إِلى بيتِ المقدس، لحكمةٍ يُريدُها سبحانه، ولما
تَحققتْ تلك الحكمةُ الربانيةُ هو الذي أَمرهم بالعودَةِ إِلى القبلة الأُولى
الكعبة..
فالأَمْرُ والتحويلُ والتوجيهُ من اللهِ سبحانه، الذي له الأَمْرُ والنَّهْي،
وما الرسولُ ﷺ إِلّا مُنَفّذٌ لأَمْرِ الله.
وقد كان هذا المعنى واضحاً صَريحاً في حديثِ القرآنِ عن تحويلِ القبلة.
قال تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) .
الدلالاتُ التي يمكنُ أَنْ تُؤْخَذَ من هذه الآياتِ الأَربعِ عديدة، ليس هذا مكانَ
الحديثِ عنها، ونُشيرُ هنا إِشاراتٍ خاطفةً إِلى بعضِ حقائقِ الآياتِ حول القبلة:
١ - تَنُصُّ الآيات ُ على أَنَّ الذينَ يَعْترضونَ على تحويلِ القبلةِ سُفَهاء،
وهذا يَشملُ كُلَّ المعترِضين في أَيِّ زَمانٍ ومكان، فالفادي المفْتَري سَفيهٌ من
السفهاء: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) .
٢ - كانَ تحويلُ المسلمين إِلى بيتِ المقْدِس امتحانا من اللهِ لهم: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) .
стр. 409
٣ - كانَ الرسولُ ﷺ يتمنّى أَنْ تَتَحَوَّلَ القبلةُ عن بيتِ المقدسِ إِلى الكعبة، لكنه كان متأدِّباً مع الله، فلم يَطْلُبْ منه ذلك، وإِنما كان يُقَلِّبُ وجهه في السماء، متمنِّياً أَنْ ينزل جبريلُ بالتوجُّهِ إِلى القبلةِ الجديدة: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ... ) .
٤ - تُصرحُ الآياتُ بأَنَّ اللهَ هو الذي وَلّى رسولَه ﷺ إِلى القبلةِ الجديدة:
(فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) .
إِنَّ هذه التعبيراتِ الصريحةَ تُبَيِّنُ كَذِبَ وسَفَهَ الفادي المفترِي في اعتراضه
على تحويلِ القبلة، وتحليلِه المتهافتِ لذلك التحويل!.
***
اعتراض على الصلوات الخمس
أَمَرَ اللهُ المسلمينَ أَنْ يُصلّوا خمسَ صَلواتٍ في اليومِ واللَّيلة، وحَثَّهم
على المحافظةِ عليها في القرآنِ.
قال تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) .
والصلاةُ الوسْطى المذكورةُ في الآيةِ هي صَلاةُ العصر، لِما وَرَدَ في ذلك
عن رسول اللهِ ﷺ .
واعترضَ الفادي الجاهلُ على تكليفِ المسلمينَ بالصلواتِ الخمس.
قال: " ونَحنُ نَسْأَل: ما فائدةُ الصلواتِ المتكررةِ يوميّاً خمسَ مَرّات، وأُسبوعيّاً وشهريّاً وسنويّاً، وإِلى ما شاءَ اللهُ في الحياة، بدونِ زيادةٍ ولا نُقصان؟
إنَّ الصلاةَ تَعبيرٌ متجددٌ لمشاعرِ الإِنسانِ نحوَ الله.
قال المسيح: وحينَما تُصلّونَ لا تُكَرِّروا الكلامَ باطلاً كالأُمم، فإِنهم يَظُنُّونَ أَنه بكثرةِ كلامِهم يُستجابُ لهم، فلا تَتَشَبَّهوا بهم ".
إِنَّ هذا الجاهلَ يَرى أَنه لا فائدةَ من أَداءِ خَمْسِ صلواتٍ يوميّاً، حتى
стр. 410
انتهاءِ العمر؟
لأَنه لا تَجديدَ فيها، ولا تَفاعُلَ معها، ولا بُدَّ أَنْ تُجَدِّدَ الصلاةُ
مشاعرَ الإِنسان.
ولم يَذكر لنا الجاهلُ المفترِي كيفَ يُصَلّي هو - وأَهْلُ مِلَّتِه من النصارى،
وكيفَ يُجَدِّدُ هو وأَهْلُ مِلَّتِه مشاعِرَهم نحو الله، وهل يَجْتَهدون ويُغَيِّرونَ
ويُبَدِّلونَ في صَلاتِهم، بهدفِ تَجديدِ مشاعرِهم، أَم أَنهم يَستمرون على الكيفيةِ التي تَعَلَّموها؟!.
إِن الصلاةَ عند المؤمنين عِبادةٌ وذكر لله، وتوثيقٌ لصلتِهم بالله، وهي
ليستْ صلاةً جامدة، تُؤَدّى بطريقةٍ روتينيةٍ رَتيبة، وإِنما يَتفاعلُ المؤمنُ بها وهو يُؤَديها، وينشطُ لها، ويَسعدُ وهو يُناجي اللهَ فيها! ...
صحيحٌ أَنه لا يَجوزُ التغييرُ والتبديلُ والزيادةُ والنقصانُ في أَوقاتِها وأَعدادِها وأَركانِها وأَدائِها، لكنَّ التجديدَ في النظرةِ لها، والتفاعلَ في أَدائِها، وفي الحالةِ الإِيمانيةِ العاليةِ أَثناءَ أَدائِها، وفي الثمراتِ والنتائجِ التي تُؤْخَذُ منها.
ويَكفينا قولُ اللهِ تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦) .
ولذلك كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إِذا حَزَبَه أَمرٌ فَزعَ إِلى الصلاة..
وكانَ ﷺ يَقولُ: " أَرِحْنا بها يا بِلال ".
ولمعرفةِ فَضْلِ الصلواتِ الخمسِ نتذكَّرُ ما رواهُ البخاريُّ ومسلم عن أَبي
هريرةَ ﵁ عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: " أَرأَيْتُم لو أَنَّ نهراً ببابِ أَحَدِكم يَغتسلُمنه كلَّ يومٍ خمسَ مَرّات، هل يَبْقى من دَرَنه شيء؟
قالوا: لا يَبْقى من دَرَنه شيء..
قال: فكذلك مَثَلُ الصلواتِ الخمس، يَمحو اللهُ بهنَّ الخطايا ".
وإِنَّ اللهَ العليمَ الحكيمَ أَوجبَ علينا الصلواتِ الخمس، وجعلَ الصلاةَ
ركناً مهمّاً من أَركانِ الإِسلام؟
لأَنه يَعلمُ آثارَ الصلاةِ الإيجابيةَ في الشخصيةِ الإِسلامية.
قال تِعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ) .
стр. 411
وبهذا نَعرفُ سَفَهَ الفادي عندما اعترضَ على الصلواتِ الخَمْس، وجعلَ
عنوان اعتراضِه استفزازيّاً: " تِكرارُ الصَّلاةِ باطلٌ "!!.
***
الصلوات وليلة المعراج
أَثارَ الفادي المفترِي اعتراضَه على فرضِ الصلواتِ الخمس ليلةَ
المعراج، وعَرَضَ الحادثةَ بتحريفٍ وتَغييرٍ وتَبديل!.
قال: " قالَ علماءُ المسلمين: لما أَسرى اللهُ بمحمد، ورأى حورَ العين،
وسَلَّمَ عليهنَّ، وقابَلَ موسى، سأَلَه موسى: ما فَرَضَ ربُّكَ عليك؟
وقيل: إِنَّه سأَلَه: بمَ أُمِرْتَ؟
قال: خمسينَ صلاة، قال: ارجعْ إِلى رَبِّك فاسْأَلْه التخفيفَ.
وفي البخاري: إِنَّ أُمَّتَك لا تَستطيعُ خمسينَ صلاةً كُلَّ يَوْم، وإِنّي واللهِ جَرَّبْتُ
الناسَ قَبْلَك، وعالَجْتُ بني إِسرائيل أَشَدَّ المعالَجَة.
أَيْ: إِنَّه فُرِضَ عليهم صلاتان، فما قاموا بهما، رَكْعَتان بالغَداة، ورَكْعتان بالعشِيِّ!
وفي تفسير البيضاوي أنه فُرِضَ عليهم خمسونَ صلاة، غيرَ أَنَّ السيوطي قال: إِنَّ هذا باطل ...
ثم قالَ موسى: ارجعْ إِلى رَبِّكَ فاسْأَله التخفيفَ لأُمَّتِك.
قال: فرجعْتُ إِلى رَبّي، فقلت: يا رَبِّ خَفِّفْ عن أُمتي.
فحَطَّ عَنّي خَمْساً. فرجَعْتُ إِلى موسى، فقلْتُ: حَطّ عنّي خَمْساً.
قال: إِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطيقُ ذلك، فارجِعْ إِلى رَبِّك فاسْأَلْه التَّخْفيف..
قال: فلم أَزَلْ أَرجع بينَ ربّي وبين موسى، حتى قال الله: يا محمد! إنهنَ خمسُ صَلَواثٍ في كُلِّ يومٍ وليلة، لكلِّ صلاةٍ عَشْرٌ، فذلك خمسون.
قال: فنزلْتُ حَتى انتهيْتُ إِلى موسى فأَخَبرْتُه، فقال: ارجِعْ
إِلى رَبِّك فاسْأَلْه التخفيف.
قلتُ: قد رجعْتُ إِلى رَبّي حتى استحييتُ منه! ".
ولْنقرأ الحادثةَ من صحيحِ مسلم.
فقد روى مسلمٌ عن أَنَسِ بنِ مالك ﵁، عن رسولِ اللهِ ﷺ أَنه حَدَّثَ عن ما جَرى في رحلةِ الإِسراءِ
والمعراج، ومن ذلك قوله: " ... فأَوحى اللهُ إِليَّ ما أَوحى، فَفَرَض عليَّ
خمسين صلاةً في كُلِّ يومٍ وليلة، فنزلتُ إِلى موسى ﵊،
стр. 412
فقال: ما فَرَضَ ربُّكَ على أُمَّتِك؟
قلتُ: خمسينَ صلاة.
قال: ارجعْ إِلى رَبِّك فاسْأَله التخفيف، فإِنّ أُمَّتَك لا يُطيقون ذلك، فإني قد بلوْتُ بني إِسرائيلَ وخَبَرْتُهم.
فرجعْتُ إِلى رَبّي، فقلْتُ: يا ربي! خَفَّفْ على أُمَّتي.
فَحَطَّ عَنّي خَمْساً.
فرجعْتُ إِلى موسى فقلت: حَطَّ عَنّي خَمْساً.
قال: إِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطيقونَ ذلك، فارْجِعْ إِلى رَبك، فاسْأَلْهُ التخفيف.
فلم أَزَلْ أَرجعُ بينَ ربّي ﵎ وبينَ موسى ﵇، حتى قال: يا محمد، إِنهنَّ خمسُ صلواتٍ كُلَّ يومٍ وليلة، لكلِّ صلاةٍ عَشْر، فذلك خَمسونَ صلاة.
ومَنْ هَمَّ بحسنةٍ فلم يَعْمَلْها كُتبتْ له حَسَنَة، فإِنْ عَمِلَها كُتبتْ له عَشْراً، ومَنْ هَمَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها لم تُكْتَبْ شيئاً، فإنْ عَمِلَها كُتبتْ سيئةً واحدة.
فنزلْتُ حتى انتهيتُ إِلى موسى ﵇ فأَخبرتُه.
فقال: ارْجِعْ إِلى ربّك فاسأَلْه التخفيف..
فقلْتُ: قد رجعْتُ إِلى رَبّي فاستحييتُ منه " (١) .
وقد اعترضَ الفادي المفترِي على حادثةِ الصلواتِ الخمس، وأَثارَ
شُكوكَه حولَ الوحيِ والنبوةِ والإِسلام، قال: " ونحنُ نَسأل: هل الأَنبياءُ أَكثرُ معرفةً بأَحوالِ الناسِ من اللهِ سبحانه؟
وهل يتبعُ اللهُ رأيَ الناس؟
أَليس هذا كلُّه ناشئاً عن عدمِ معرفةِ محمدٍ بصفاتِ الله، وأَنَّ الصلاةَ أُنْسٌ بالله، وليستْ فرضاً ولا عبودية؟
والمسلمُ الذي يهتمُّ بالوضوءِ ونظافةِ البدنِ أَكثر من نظافةِ القلب
لا يُدرِكُ معنى الصلاة؟
لأَنه يهتمُّ بالاتجاهِ للقبلةِ أَكْثَرَ من اتجاهِ ضميرِه لله، ويتمسكُ بأَلفاظٍ محفوظةٍ دونَ الاهتمامِ بالتعبير عن حاجاتِه الخاصة، ويَعتبرُ أَنَّ الصلاةَ في ذاتِها حَسنةٌ تُذْهِبُ السيئة، ويَهتَمُّ بالنَحْرِ مع الصلاة، كقوله:
(فَصَل لِرَبِّكَ وَاَنحَر) ، دونما إِدراكٍ لمعنى كفارةِ المسيح؟! ".
إِنه لجهلِه وغبائِه لا يَعرفُ الحكمةَ من تشريعِ الصلواتِ الخمس بهذه
الطريقة، ولذلك أَثارَ أَسئلتَه التهكُّمية، وحَلَّلَ الحادثةَ تحليلاً استفزازياً، شَتَمَ
فيه الرسولَ ﷺ والإِسلامَ والمسلمين!.
стр. 413
كلُّ الأَوامرِ والنواهي والتكاليفِ الشرعية كَلَّفَ اللهُ بها رسولَه ﷺ بطريقةِ الوحي، إِلّا الصلواتُ الخمس، فإنه شاءَ أَنْ يكَلِّفَه بها بهذه الطريقةِ الخاصة، حيثُ استدعاهُ وعَرَجَ به إِلى السماء، وكَلَّفَه بها، وذلك لأَهميةِ الصلواتِ الخمس وعِظَمِ منزلتِها في هذا الدين، وعِظَمِ مهمَّتِها وآثارها في حياةِ المسلمين.
وشاءَ اللهُ العليمُ الحكيمُ أَنْ يكونَ التكليفُ بالصلواتِ الخمسِ على هذه
الصورةِ المتدرجةِ اللطيفة، ولو شاءَ أَنْ يُكَلِّفَه بخمسِ صَلَواتٍ من أَوَّلِ الأَمْرِ
لفَعَل، لكنَّه شاءَ أَنْ يُكلفَه بخمسينَ صلاةً أَولاً،.
وأَنْ يُسْقِط بَعْضاً من أَعدادِها كلَّما ذَهَبَ محمدٌ ﷺ إِلى موسى ﷺ ثم عادَ إِليه، حتى أَنزلَ أَعدادَها من خمسينَ إِلى خمس، مع إِبقائِهن في الأَجْرِ خمسين، أَيْ أَنهنَّ خمسٌ في العدد، وخَمسونَ في الأَجْر.
فَعَلَ اللهُ ذلك بالصلواتِ الخمس، ليمتَنَّ على المسلمين بذلك، ويُبَيِّنَ
لهم رحمتَه بهم، رحمتَه في تخفيضِهن من خمسينَ إِلى خمس، ورحمتَه في
إبقائِهنَّ على خمسينَ في الأَجرِ.
ولا نتصوَّرُ مقدارَ المشقةِ والحَرَج لو أَبْقاهُنَّ اللهُ خمسينَ صلاةً في اليوم!
فإِذا كانَ بعضُ المسلمين قد يَتَثاقَلُ عن الصلواتِ الخمس، فكيف لو كُنَّ خمسينَ صلاة؟!.
إِنَّ اللهَ الحكيمَ يتحببُ إِلى المسلمين، ويقدمُ لهم مظاهرَ من رحمتِه
ورأفتِه بهم، وذلك ليعرفوا فضلَه وكرمَه وإِنعامَه، ويتذوقوا مظاهرَ رحمتِه وبرِّه ومحبتِه، وبذلك يزدادونَ محبةً له، وذكراً وشكراً له، ونشاطاً وحيويةً في عبادتِه وطاعتِه ومناجاتِه.
وإنَّ الجاهلَ السفيهَ محجوبٌ عن هذه المعاني الروحية، لكفرِه وضَلاله،
ولذلك لم يَفهم الحكمةَ من فرضِ الصلواتِ الخمسِ بهذه الطريقةِ المحببة،
ومن ثم كَذَّبَ القرآنَ وكَذَّبَ رسولَ الله ﷺ ، وأَثارَ أَسئلتَه الاستفزازية.
إِنَّ الجاهلَ الغبيَّ يسأَل: هل الأَنبياءُ أَكثرُ معرفةً بأَحوالِ الناسِ من الله؟
стр. 414
أَيْ: كيفَ يَفرضُ اللهُ خمسينَ صلاة، وموسى ﷺ يقولُ: إِنَّ الناسَ لا يتحملونَ ذلك؟
لأَنه جَرَّبَ بني إِسرائيل! ؟.
لم يَقُلْ مسلمٌ عاقلٌ: إِنَّ موسى ﷺ أَعرفُ بأَحوالِ الناسِ من الله، فالله هو الأَعلم، وعِلْمُه شاملٌ
لكلِّ شيء، ولكنَّ اللهَ الحكيمَ شاءَ أَنْ يكونَ الإِنقاصُ في عددِ الصلواتِ بهذه
الطريقةِ التي حَلَّلْناها قبلَ قليل.
وكان الجاهلُ مجرماً عندما شتمَ نبيَّنا محمداً ﷺ في قوله: " أليس هذا كلُّه ناشئاً عن عدمِ معرفةِ محمدٍ بصفاتِ الله؟! ".
وإِذا كان نبيُّنا ﷺ لا يَعرفُ صفاتِ الله فمن الذي يعرِفُها؟!
هل هو هذا الجاهلُ الغبيُّ المتعالم؟!..
لقد كان رسولُ اللهِ ﷺ أَعرفَ الناسِ بالله، وأَكثرَهم تقوى لله، وأَقربَ الناسِ إِلى الله.
ولذلك قال ﷺ : "أَلا إِنّي أَتْقاكُم لله وأَخشاكُم له "!.
وكان المجرمُ ضالا بَذيئاً عندما شَتَمَ المسلمين، واتهمَهم في نياتِهم
وقلوبِهم وضمائِرِهم وإِخلاصِهم، وكأَنه مُطَّلِعٌ على ما في قلوبهم، ويَعلمُ ما في صدورِهم!!.
إِنَّ الإِسلامَ يَدْعو المسلمينَ إِلى الاهتمامِ بنظافةِ قلوبهم أَكثرَ من
اهتمامهم بنظافةِ أَبدانِهم، وإِنَّ الصلاةَ تزكيةٌ للنفس، وتطهيرٌ للقلب، وسُمُوُّ بالروح، وعندما يُطَهِّرُ المؤمنُ بَدَنَه، يُقبلُ على ربِّه في صلاته، ويَسعدُ بذكْرِه ومناجاتِه..
ويكونُ حاضرَ العقلِ والقلبِ وهو يُصَلّي ويدعو ربَّه..
وما إِنْ ينتهي من صلاته حتى يكونَ قد تزوَّدَ بالزادِ الإِيمانيِّ العظيم.
***
حول فرض صيام رمضان
أَعادَ الفادي المفتري اعْتِراضَه على صيامِ رمضان، ونفى عنه صفةَ
الوَحْي، وزَعَمَ أَنَّ محمداً ﷺ أَخَذَه عن الصابئين.
ذَكَرَ خمسَ آياتٍ من سورةِ البقرة تتحدَّثُ عن بعضِ أَحكامِ الصيامٍ، ثم
نَقَلَ كلاماً من تفسير البيضاويّ، ذَكَرَ فيه أَنَّ صومَ رمضان كان واجباَ على
стр. 415
النَّصارى، وأنهم نَقَلوا الصومَ إلى الربيعِ ليكونَ أَسهلَ عليهم، وزادوا عليه
عشرينَ يوماً، فصارَ صِيامُهم خمسينَ يوماً!! ثم نَقَلَ كَلاماً للمؤَرّخِ أَبي الفِداء،
ذَكَرَ فيهِ أَنَّ الصابئينَ كانوا يَصومونَ ثلاثين يوماً، وكانَ صيامُهم من الفجرِ إِلى المغرب! " وقالَ أَبو الفداءِ في تاريخه: وللصّابئين عبادات، منها سَبْعُ
صَلَوات، ويَصومون ثَلاثينَ يوماً، وإِنْ نَقَصَ الشهرُ الهلاليُّ صاموا تسعاً
وعشرين يوماً، وكانوا يُراعون في صومِهم الفِطْرَ والهِلال، بحيثُ يكونُ الفطرُ وقد دَخَلت الشمسُ الحَمَل، ويَصومون من ربعِ الليلِ الأَخيرِ إِلى غروبِ قرصِ الشمس ".
ومعنى كلام أَبي الفِداء أَنَّ الصابئين كانوا يَصومونَ كصيامِ المسلمين،
فكانَ صيامُهم ثلاثين يوماً أَو تسعةً وعشرين يوماً، وكانَ صيامُهم من الفجر
إلى المغرب! وبما أَنَّ الصابئين كانوا قبلَ المسلمين، فإِنَّ المسلمينَ أَخَذُوا
أَحْكَامَ صيامِهم عن أولئك الصابئين!!.
وهذه هي النتيجةُ التي خَرَجَ بها الفادي المفتري!
قال: " ونحنُ نَسْأَل: إِنْ كانَ صيامُ رمضانَ ليس شرعاً جَديداً، ولا هو من الدينِ السماويِّ في شيء، بل هو مأخوذٌ من الصابئين في بلادِ العَرَب، فكيفَ يَقول: إنَّ مَصدَرَه وحيٌ سماوي؟
ولا يوجَدُ دليلٌ واحدٌ على صحةِ القول: إنَّ رمضانَ كُتِبَ أولاً على النَّصارى ".
لم يَثبتْ عندنا بحديثٍ صحيح أَنَّ صومَ رمضانَ كتِبَ على
النصارى، وما ذَكَرَهُ البيضاوِيُّ ليس عليه دَليل معتَمد، ولذلك نتوقَفُ فيه
ولا نَقولُ به.
وقد ذَكَرَ القرآنُ أَنَّ اللهَ كَتَبَ علينا الصيام كما كَتَبه على الذين من قبلِنا.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) .
وهذه إشارةٌ قرآنية مجملَة، لم يَرِدْ حِديثٌ
стр. 416
صَحيحٌ بتفصيلها، فنُبْقيها على إجمالِها، ولا نخوضُ في بيانِها، لعدمِ وجودِ
دليلٍ نعتمدُ عليه.
فكلُّ ما نقولُه: أَوجَبَ اللهُ علينا الصيام، كما أَوجبه على
الذينَ من قبلِنا، فكانَ المسلمون السابقونَ يَصومون، أَمّا كيفَ كانوا يَصومون؟
وكم كانوا يَصومون؟
ومِنْ أَيِّ شهرٍ كانوا يصومونِ؟
فعِلْمُ ذلك عندَ الله.
أَما ما ذَكَرَه أَبو الفداء في تاريخه عن صومِ الصابئين فإنه لا دَليلَ عليه
عندنا، حيث لم يَرِدْ فيه نقلٌ صحيحٌ عن رسولِ اللهِ ﷺ أو الصحابة، ولذلك نتوقف فيه ولا نعتمدهُ، ولا نَعرفُ كيف كان يَصومُ الصابئون!.
بعد هذا البيانِ ننظرُ في ما قالَه الفادي الجاهل: " ونحنُ نسأَل: إِنْ كانَ
صيامُ رمضانَ ليس شَرْعاً جَديداً، ولا هو من الدينِ الإِسلاميِّ في شيء، بل
هو مأخوذٌ من الصابئين في بلادِ العرب، فكيفَ يقول: إِنَ مصدرَه وحيٌ
سماوِي؟ ".
إِنَّ هذا قولٌ متهافتٌ سخيفٌ، مبنيٌّ على كلامٍ غيرِ صَحيح ولا مَقبول،
والمهمّ عند الفادي إِدانةُ القرآن، واتِّهامُه بالخَطأ، ونفيُ كونهِ من عندِ الله،
والزعمُ بأَنَّه من البشر، ولذلك يَعتمدُ أيَّ كَلامٍ يُحققُ له هذا الهدفَ الخبيث، حتى لو كانَ ذلك الكلامُ باطلاً مردوداً ...
وما بالُكَ في مَنْ يزعمُ أَنه باحِث، وهو يَعتمدُ على كلامٍ غير صحيح؟!.
إِنَّ صومَ شهرِ رمضان شرعٌ إسلاميٌّ جَديد، خاصٌّ بالمسلمين، واللهُ هو
الذي كَتَبَه عليهم وأَمَرَهم به، كما وردَ في الآياتِ الصريحة، وخَصَّهم بأحكامِه التشريعية..
ولا يَنفي هذه الحقيقة القاطعة تشبيهُ صيامِنا بصيامِ مَنْ قبلنا: (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، فوجْهُ الشَّبَهِ هو في وُجوبِ الصِيام، وهو الامتِناعُ عن الطعامِ والشرابِ.
أما كيفيةُ الصيامِ وأحكامُه وعَدَدُ أيامِه، فلكلِّ أُمَّةٍ تَشْرِيعُهَا الربانيُّ الخاصُّ بها، كما قالَ اللهُ تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) .
стр. 417
حول حرمة الأشهر الحرم
أَوردَ الفادي عدةَ آياتٍ تتحدَّثُ عن القتالِ في الأَشهرِ الحُرُم، والأَشهرُ
الأَربعةُ التي وادَعَ عليها رسولُ اللهِ ﷺ المشركين المعاهَدين.
والآياتُ التي ذَكَرَها سبعُ آياتٍ من سورة التوبة (١ - ٥) و (٣٦) و (٣٧) ، وآية من سورة البقرة (١٩٤) ، وآيتان من سورة المائدة و (٩٧) .
وبعد ذلك أَثارَ أَسئلتَه الاعتراضيةَ التشكيكية، قال: " ونحنُ نسأل: لماذا
يُحَرِّمُ القرآنُ القتالَ في الأَربعةِ أَشهرٍ الحُرُم فقط، ويُحَلِّلُهُ في بقيةِ شُهورِ السَّنة؟
أَليسَ الأَجدرُ أَنْ يُحَرمَ القتالَ دائماً ليحيا الناسُ في سَلام؟
ولماذا يُخالفُ القرآنُ ما اصطلحَ عليه العربُ من منعِ القتالِ في الأَشهرِ الحُرُم، بعد اعترافِه أَنّ ذلك من شعائِرِ الله؟
ويُلَطِّخُ الأَشهرَ الحُرُمَ بِسفْكِ الدِّماءِ، مما جَعَلَ العربَ يُعَيِّرونَه بالغَدْر والخيانة؟
وما بالُ القرآن بعد هذا يُدافعُ عن الأَشهر الحُرُم،
فيخلط بين السَّنَةِ القمريةِ والسَّنَةِ الشمسيَّة، ويَزعمُ أَنَّ الاعتراف بالسَّنَةِ الشمسيةِ كُفْرٌ؟
وإذا كانَت الأَشهرُ الحُرُمُ من شعائرِ الله، فلماذا بَطَلَ اعتبارُها في جميعِ
العالمِ الإسلاميِّ في الوقْتِ الحاضِر؟ ".
يَعترضُ الفادي على تَحريمِ القِتالِ في الأَشهرِ الحُرمِ فقط، ويَقترحُ تَعميمَ
تَحريمهِ على أَشهرِ السَّنَةِ كُلِّها، ليَعيشَ الناسُ في سَلام! في الوقتِ الذي
يُخَطِّطُ فيه الأعداءُ لقتالِ المسلمين، ولا يتوقَّفُ تَخطيطُهم أَو حَشْدُ جيوشِهم
في أَيِّ شهرٍ من شُهورِ السَّنَة! فما معنى ذلك؟
إِنها دعوةٌ خبيثة من هذا الفادي وأمثالِه، لِيَقْتُلَ روحَ الجهادِ في نفوسِ المسلمين، لكي لا يُواجِهوا الأعداءَ الحريصينَ على قِتالِهم!
وتَأَمَّلْ مَعَنا براءةَ دعوةِ الفادي: الأَعداءُ لا يتوقَّفون عن ضَرْبِنا ومواجهتِنا، ويَجبُ على قرآنِنا أَنْ يُحَرِّمَ علينا قتالَهم!!.
стр. 418
ثم يَعترضُ الفادي على القرآنِ في حديثِه عن الأَشهرِ الحُرُم، ويتهِمُه
بالتناقُض! فبعدما اعترفَ القرآنُ أَنَّ الأَشهرَ الحُرُمَ من شعائرِ اللهِ التي يَحرمُ
القِتالُ فيها، ونهى المسلمينَ عن استحلالِ القتالِ فيها، وذلك في قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) .
عادَ وأَباحَ للمسلمين القتالَ في الشهرِ الحَرام، وذلك في قوله تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) .
مع أَنَّ الأَمْرَ ليس كما - فهمَه ذلك الجاهل، وإِنَّنا نوقنُ أَنه لا تَعارُضَ بين
- آياتِ القرآن.
فالقراَنُ حَرَّمَ على المسلمين بدءَ القتالِ في الأَشهرِ الحُرُم؛ لأَنها من شعائر الله التي لا يَجوزُ استحلالُ القِتال فيها، حتى العربُ في الجاهليةِ
احترموها ولم يَتَقاتَلوا فيها، ولذلك كان المسلمونَ أَكْثرَ احْتِراماً لها.
لكنَّ القرآنَ أَجازَ للمسلمينَ الرَّدَّ على قِتالِ الأَعداءِ لهم فيها، ولا يُلامُ
المسلمونَ على رَدِّ العُدوانِ في الأَشهرِ الحُرُم، إِنما يُلامُ الأَعداءُ المعتَدون،
الذين انتهكوا حرمةَ تلك الأَشهر الحُرُم، وليس من المعقولِ أَن يُهاجِمَ
الأَعداءُ المسلمين، وأَن يسكتَ عليهم المسلمونَ بحجةِ حرمةِ القِتالِ في
الأَشهُرِ الحُرُم! وعلى هذا قولُه تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) .
وبهذا الجمع بين الآيات التي تُحَرِّمُ بَدْءَ القتالِ في الأَشهر الحُرُم، والآياتِ التي تُبيحُ رَدَّ الاعتداءِ في الأَشهرِ الحُرُم نُدركُ حكمةَ التشريعِ الإسلاميِّ الجهادي.
والأَمْرُ في هذه المسألةِ مثلُ حُكْمِ القتالِ عند المسجدِ الحرام، فاللهُ حَرَّمَ على المسلمين البدءَ بقتالِ الكافرين عندَ المسجدِ الحرام، لكنه أَجازَ لهم الرَّدَّ على قتالِهم.
قال تعالى: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) .
стр. 419
ولكنَّ الفادي الجاهلَ مطموسُ البصيرة، محجوبُ القلب، لا يُوَفَّقُ لهذه
المعاني لكفرِه وضَلالِه، ولذلك يُسارعُ بتخطئةِ المرآنِ واتهامِه بالتناقُض!!.
ولم يفهم الغبيُّ حديثَ القرآنِ عن شهورِ السنة، وما فيها من أَشهرٍ
حُرُم، وما كانَ يَفْعَلُهُ الجاهليّون من نَسيءٍ فيها.
قال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ) .
المعتَمَدُ في الإِسلامِ هو الحسابُ القمري، والسَّنَةُ القمريةُ اثْنا عَشَرَ
شَهراً، منها أَربعةُ أَشهرٍ حرم وهي: ذو القعدةِ، وذو الحجةِ، ومحرمٌ،
ورجب.
ودَعا اللهُ المسلمين إِلى عدمِ ظُلْم أَنفسِهم بارتكابِ المعاصي، ومنها
انتهاكُ حرمةِ الأَشهرِ الحُرُم، ببدءِ قِتالِ الأًعداءِ فيها، فَإنْ قاتَلَهم الأَعداءُ فيها جازَ لهم قِتالُهم والرَّدُّ على عدوانِهم، كما تُصرحُ آياتُ سورةِ البقرة وسورةِ التوبة: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) و (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) .
تَذُمُّ الآياتُ بعدَ ذلك المشركينَ في الجاهلية، لما كانوا يُمارسونَه من
نَسيء، وذلك بنقلِ حُرْمةِ شهرٍ حَرامٍ إلى شهرٍ آخر، إِذا احتاجوا لقِتالِ الآخَرين فيه، وقد زادَهم هذا النَّسيءُ والتلاعبُ كُفْراً وضلالاً.
هذا ما تقرره الآيتانِ (٣٦ - ٣٧) من سورةِ التوبة، وكم كان الفادي
الجاهلُ غبياً عندما استخرجَ منهما قولَه: " ما بالُ القرآنِ بعد هذا يُدافعُ عن
الأَشهرِ الحُرُم، فيخلطُ بين السَّنَةِ القمريةِ والسَّنَة الشمسية، وَيزعمُ أَنَّ الاعترافَ بالسَّنَةِ الشمسيةِ كُفْر؟ ".
لا أدري كيفَ خَلَطَ القرآنُ في الآيتَيْن السابقتَيْن بين السنةِ القمريةِ والسنةِ
стр. 420
الشمسية! إِنَّ كلامَه هو عن السَّنَةِ القمرية، ولم يَتكلمْ عن السَّنَةِ الشمسيةِ كلمةً واحدة!
ولا أَدري من أَينَ أخذ الغبيُّ أَنَّ القرآنَ اعتبرَ الاعترافَ بالسَّنةِ الشمسيةِ
كفراً، مع أَنه لم يَذْكُرْها أَصْلاً.
إِنه من السهلِ توزيعُ الاتهاماتِ جزافاً، وقد يُخْدَعُ بها بعضُ الناسِ
أَحياناً، لكن ماذا يكونُ موقفُ المفْتَري عندما تتلاشى اتهاماتُه، ويعرفُ
المراقبونَ والمتابعون تَفاهتها؟!.
***
هل انتشر الإسلام بالسيف ؟
ذَكَرَ المفترِي قولَ اللهِ : (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦) .
ونَقَلَ كلاماً من تفسيرِ البيِضاويِّ في تفسيرِ الآية، وَوَقَفَ أَمامَ جملةِ:
(تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) ، ونَقَل تفسيرَ البيضاويِّ لها: " أَيْ: يكونُ أَحَدُ
الأَمْرين: إِمّا الإِسلامُ أو المقاتَلَة، لا غير..
ومَنْ عَداهُمْ يقاتَلُ حتى يُسلمَ أَو يعطيَ الجزية.
(فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا) هو الغنيمةُ في الدنيا، والجنةُ في الآخرة ".
أَيْ أَنَّ المشركين في بلادِ العرب يُقاتَلون، ولا يَتوقَّفُ قتالُهم إلَّا بإسْلامهم..
أَمّا أَهلُ الكتابِ من اليهودِ والنصارى فأَمامَهم خياران: إِمّا الإِسلامُ وإِما دَفْعُ الجزية، وهو ما دَلَّ عليه قولُه تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) .
واعترضَ الفادي المفْتَري على هذه الدعوةِ القرآنية، واعتَبَرَها دَليلاً على
انتشارِ الإِسلامِ بالسيف.
قال: " ونحنُ نسأَلُ: هل يقومُ دينٌ صادِق إِلّا على
стр. 421
الحُجةِ والبُرهان، لا على الإرهابِ والاستبداد؟
وإنْ كانتِ الآيات ُ المكيةُ تَحُضُّ على السِّلْم، والآياتُ المدنيةُ تحضُّ على القتال، فأَيُّ آياتٍ منها أَرسخُ وأَثبتُ؟
وأَيُّها أَنسبُ من حيثُ الإيمانُ والثواب؟.
إنَّ الإِرهابَ يَدْفَعُ للنفاق.
قالَ الشاعر:
أَسْلَمَ الكافِرونَ بِالسيْفِ قَهْراً ... وإذا ما خَلَوَا فَهُمْ مُجْرِمونَ
سَلِموا مِنْ رَواحِ مالٍ وَروحٍ ... فَلَا هُمْ سالِمونَ ولا مُسْلِمونَ
يَزعمُ المفترِي وُجودَ تَعارضٍ بينَ الآياتِ المدنيةِ والآياتِ المكيَّة،
فالآياتُ المكيةُ تحضُّ على السّلْم، والآياتُ المدنيةُ تحضُّ على القِتال " فأَيُّها
أَصْدقُ؟ وأَيُّها يُتَّبَعُ"؟ (١) .
وهذا زَعْمٌ باطل، فالآياتُ المكيةُ سَكَتَتْ عن قِتالِ الكفار، فكانَ قِتالُهم
من الأمرِ المؤَجَّل، الذي لم يَحِنْ وَقْتُ الحديثِ عنه، وليس معنى هذا أَنَّ
الآياتِ المكيةَ كانتْ تَنْهى عن القِتال، وتحضُّ على السَّلام.
وبعدما أَقامَ المسلمونَ مجتمعَهم الإِسلاميَّ بعد الهِجرة، واعتَدى عليهم
الكافرون، أَذِنَ اللهُ لهم بالقِتال، وأمرهم به، وحَثَّهُم عليه.
وأشارَت الآيات ُ المدنيّةُ إِلى ما كانَ عليه المسلمونَ في مكة.
قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) .
ويَقومُ سؤالُ الفادي على المغالطةِ والاتِّهام: " هل يقومُ دينٌ صادقٌ إلّا
على الحُجَّةِ والبُرهان، لا على الإرهاب والاستبداد؟ "..
ومن المتفقِ عليه أَنَّ أَيَّ دينٍ لا يَقومُ إلّا على الحُجةِ والبرهان.
والإِسلامُ دينٌ يخاطبُ العقلَ والقلبَ والروح، ويقدمُ للناسِ حقائِقَه بالحُجَّةِ والبرهان، والدليلِ المقنعِ الذي يُخاطبُ العقل.
وانتشرَ الإسلامُ في العالمِ بالدعوةِ وليسَ بالسيفِ، وقامَ على الحُجَّةِ
стр. 422
والبرهان، وخاطَبَ الدعاةُ الناسَ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، ودَخَلَتْ بِلادٌ
واسعةٌ في الإِسلام.
لم تحدثْ فيها معركةٌ واحدة، مثلُ أندونيسيا وماليزيا..
ولو انتشرَ الإِسلامُ بالسيف، وأَسَلمَ الناسُ مُكْرَهين، لارتَدّوا عن الإِسلام
عندما ضَعُفَ سلطانُ المسلمينَ السياسي، وتَقلَّصَ نفوذُ الإِسلامِ من
المجتمعات.
وها هو الإِسلامُ يَكتسبُ عُقولاً وقُلوباً جديدةً في العالمِ الغربي،
ويُسلمُ أُناسٌ من قادةِ الفكْرِ والرأيِ والعلمِ والمعرفةِ عندهم، مع أنه لا يوجَدُ
للإِسلامِ دولةٌ تَتَبَنّاهُ بصدْق، وتَدعو إليه بإِخلاص، ومع اشتدادِ الهجمةِ الشرسة عليه من قِبَلِ قُوى البغيِ والعدوان، بقيادَةِ اليهوديةِ الخبيثةِ والصليبيةِ الحاقدة، فلو لم يُقَدِّمْ حقائِقَه بالحجةِ والبرهانِ لما أَثَّرَ في النّاس!.
والإِسلامُ لا يَقومُ على الإِرهابِ والاستبداد، ولم ينتشرْ بالسيفِ والعُنْفِ
والإِكراه.
وقد صَرَّحَ القرآنُ بعدمِ الإِكراهِ على اعتناقِ الإِسلام.
قال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) .
ولم يكن القتال وسيلةً للدعوةِ إِلى الإِسلام ونَشْرِه بينَ الناس، إِنما القتالُ
وسيلةٌ لردِّ عُدْوانِ الكافِرين على الإِسلامِ والمسلمين، ورَدِّ عُدوانِهم على بلادِ المسلمين، ورَدِّ عدوانِهم على الدعاةِ المسلمين المنتشرين بين الشعوب،
يَدْعونَ إِلى الإِسلامِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة!.
إِنَّ القتالَ في الإِسلامِ قِتالٌ للقوةِ الماديةِ الكافرة، التي تَقِفُ أَمامَ
دينِ الله.
ولم يكنْ هدفُ القِتالِ إِدخالَ الناسِ بالإِسلامِ مُكْرَهِين، كما يَزعمُ
الفادي المفترِي، إنما هَدَفُ القتالِ تَحطِيمُ قُوةِ الكفارِ العسكرية، المتمثلةِ في
الجيشِ والأَسلحةِ والعَتاد! هَدَفُه إِزالةُ النظامِ الكافر، الذي يُحارِبُ بكل
مؤسساتِه الإِسلامَ، ويَمنعُ شَعْبَه من اعتناقِ الإِسلام عن بصيرة! هَدَفُه تَحريرُ
الشعوبِ الكافرةِ المستعْبَدَةِ من قِبَلِ الحكامِ الطواغيت.
وبعدَما يُحققُ القتالُ هَدَفَه ويُحَطِّمُ القوةَ الماديةَ العسكريةَ، ويُحررُ
الشعوبَ المستعْبَدَة، يُقَدِّمُ الإِسلامُ نَفْسَهُ إِلى هؤلاءِ المحَرَّرين، ويُخاطبُهم
стр. 423
بالحجةِ والبرهان ويَدعوهم إِلى الدخولِ فيه عن قَناعةٍ واختيار..
فمن اقتنعَ ودَخَلَ فيه فقد فازَ في الدنيا والآخرة، ومن رَفَضَ ذلك وأَصَرَّ على كفرِه تَرَكَهُ المسلمون، وطالَبوه بدفعِ مبلغٍ من المال، اسْمُه " الجزية "، مُقابِلَ حمايتِهم له.
***
حول القصاص في القتل
وَقَفَ الفادي أَمامَ آيةِ القصاص في القَتْل، وهي قولُ اللهِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) .
وذَكَرَ تفسيرَ البيضاويِّ للآية، واختلافَ المذاهبِ في قَتْلِ الحُرِّ بالعَبْدِ
والذَّكَر بالأُنثى، مع أَنَّ الآية لا تَدُلُّ على جوازِ ذلكِ ولا على مَنْعِه، كما قال البيضاوي: " ولَا تدلُّ الآيةُ على أَنْ لا يُقْتَلَ الحُرُّ بالعَبْد، والذكَرُ بالأُنثى، كما لا تَدُلُّ على عكْسِه ".
فمسأَلَةُ قَتْلِ الحُرِّ بالعَبْدِ، والذكْرِ بالأُنثى، والمؤمنِ بالكافر، لم يتكلَّمْ
فيها القرآنُ كَلاماً صَريحاً، وإِنما اختلفَ فيها العلماء والمذاهبُ اختلافاً
كبيراً..
ومع ذلك اعترضَ الفادي المفترِي على القرآنِ فيها، وخَطَّأَه وانْتَقَدَه،
مع أَنه لم يتكلَّمْ فيها!!
قال: " ونحنُ نسأل: لماذا سمحَ محمدٌ وأَبو بكر وعمرُ وعليٌّ للأَغنياءِ والسادةِ أَنْ يَقْتلُوا العبيدَ دونَ أَنْ يَقْتَصوا منهم، وجَعلوا عَدَمَ قتْلِ الحُرّ بالعبدِ والمسلمِ بذي عَهْد سُنَةً أَقَرَّها المذهبُ المالكيُّ والمذهبُ الشافعي؟
ولماذا لم يَعْتبِروا قول التوراةِ المحكيَّ في القرآنِ (النَّفْس بِالنَّفْسِ)
قانوناً إِلهياً واجبَ الاتِّباع، مُدَّعين أَنَّ التوراةَ لا تَنسخُ القرآن، رغمَ أَنَّ عبارةَ القرآنِ تُنافي قواعدَ العدلِ والمساواةِ بين البشر؟
إِنَّ اللهَ واحد، وقانونَه واحد، فلماذا يُحابي الإسلامُ الأَغنياء، فلا يُطالبُ بدماءِ العبيدِ من أَعناقِ السادةِ؟
ومن الغريبِ أَنَ الشرعَ الإِسلاميَّ يصرحُ أَنه لا يُقْتَلُ مؤمنٌ بدمِ كافرٍ، ولا بدَمِ ذي عَهْد.
стр. 424
أَلا يُعتبرُ هذا رخصةً من الإِسلامِ للعَبَثِ بأرواحِ جميعِ بني آدم،
واعتبارِ العهودِ قُصاصةً على وَرَق؟ ! ".
اعتراضُ الفادي المفترِي على القرآن لا يتناسبُ مع موضوعِ كتابِه، وكان
الأولى به أَنْ لا يجعلَه في الكتاب، لأنه خَصَّصَ الكتابَ لاكتشافِ الأَخطَاءِ
في القرآن، وهذا ليسَ موضوعاً قرآنياً، ولكنه يُريدُ أَنْ يُسَجِّلَ كُلَّ ما يُثيرُ الشبهةَ والتشكيكَ في القرآن!.
إِنَّ مسألةَ الاختلافِ في قتلِ الحُرِّ بالعبدِ والذكَرِ بالأنثى والمؤمنِ بالكافرِ
مسألةٌ فقهية، وليستْ مسألةً قرآنية أَو حديثية، والأَوْلى أَنْ تُبْحَثُ ضمنَ
المباحثِ الفقهية، وقد اختلفَ فيها الفقهاء.
فالشافعيةُ يرونَ أَنه لا بُدَّ من التكافؤ في القصاص، بمعنى أَنْ يَكونَ القتيلُ مُكافِئاً للقاتلِ ليتمَّ القِصاص، وبما أنه لا تَساويَ بين الحُرِّ والعبد، والمؤمنِ والكافر، والذكرِ والأُنثَى، فلا قصاصَ بينهم، فإذا قَتَلَ الحُرُّ عَبْداً، أَو المؤمن كافراً، أَو الرجلُ امرأة، دفعَ القاتِلُ الدِّيَةَ ولم يُقْتَصَّ منه.
أَما الأَحنافُ فإنهم لا يشترطونَ التكافؤَ في القصاص، ويَجوز قَتْلُ
الأَعلى بالأَدنى، أَيْ أَنه يُقْتَلُ عندهم الحُرّ إِذا قَتَلَ عَبْداً، ويُقْتَلُ المؤمنُ إِذا قتَلَ كافراً ذِمِّيّاً معاهِداً، ويُقْتَلُ الرجلُ إذا قَتَلَ امرأة.
ومع أَنَّ المسألةَ خلافية بين المذاهِب، فيجوزُ أَخْذُ أَيّ قَوْل، وتَرجيحُه
على الأَقوالِ الأُخْرى، دودنَ ذَمٍّ لأَصحابِ الأَقوال الأُخرى، أَو اتهامِ الإِسلامِ والقرآنِ بالخطأ أَو الظلمِ والمحاباة، كما فعلَ الفادي المفترِي.
وإِنّني أَميلُ منذُ مُدَّة إلى ترجيح قولِ الأَحنافِ في هذه المسألة، مع أَني
شافعيُّ المذْهَب، لأَنني أَراه أَكثرَ اتفاقاً مع المساواةِ وإنسانيةِ الإِنسان، وتحقيقِ
العدالةِ الإنسانية، مع احترامي للأَقوالِ الأخرى فيها.
وإِنَّ عَدَمَ قتلِ الحُرِّ بالعبدِ كما يُقررُ المذهبُ الشافعي لا يعني مُحاباةَ الأَغنياءِ والسادة.
стр. 425
ولا يَعني ذهابَ دِماءِ العبيدِ هَدْراً، لأَنَّ الحكم يَنتقلُ من
القِصاصِ إِلى الدِّيَة، يَدْفَعُها أَهلُ القاتلِ إِلى أَهلِ القتيل.
والفادي المفترِي الذي شَنَّ على النَّسخِ هُجوماً شَديداً، يَدْعو الآنَ إِلى
اعتمادِه والقولِ بِه، لأَنه يتفقُ مع هواه! فقد أَخْبَرَنا الله في القرآنِ عن حُكْمِهِ
في التوراة بوجوب قَتْلِ أَيِّ نفسٍ بأَيّ نفس.
قال تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) .
وعَلَّقَ الفادي على هذا بقوله: " ولماذا لم يَعْتَبِروا قولَ التوراةِ المحكيَّ بالقرآن: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) قانوناً إِلهياً واجبَ الاتِّباعِ، مُدَّعين أَنَّ التوراة لا تَنسخُ القرآن! ".
وكيفَ يُريدُ للتوراةِ النازلةِ قبلَ القرآن بمئاتِ السِّنين أَنْ تنسخَه، مع أَنه
من المتفق عليه عند العُقَلاءِ أَنَّ السابقَ المتقدِّمَ لا ينسخُ اللاحقَ المتأَخِّر.
وإذا كان اللهُ قد أَوجبَ القِصاصَ في التوراة، وأَوجبَ قَتْلَ النفسِ
بالنفس، فقد أَوجبَ ذلك في القرآن، عندما أَمَرَ بالقصاصِ في القَتْلى، وفَصَّلَ
ذلك بقولِه: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) .
فهذه الحالاتُ الثلاثةُ في الآيةِ تفسيرٌ للنفسِ بالنفس.
أَما الجملةُ التي ذَكَرَها الفادي: " إِنَّ عبارةَ القرآنِ تُنافي قواعدَ العدلِ
والمساواةِ بين البشر " فهي جملةٌ فاجرة، شَتَم المجرمُ بها القرآنَ، مع أَنَّ
العبارةَ التي اعترضَ عليها لا تَتَنافى مع العدلِ والمساواةِ بينَ البَشَر، وإِنما
تَعْمَلُ على إقرارِها وسيادتِها.
وإِذا كانَ بعضُ المذاهبِ لا يُجيزونَ قَتْلَ المسلمِ بالذِّمّيّ قِصاصاً؟
فإِنَّ مذاهبَ أُخرى أَجازَتْ ذلك، وسبقَ أَنْ ذَكَرْنا أَنَّ المذهبَ الحنفيَّ يقولُ بذلك، وأننا رجَّحْنا هذا القول.
وحتى عندَ الذينَ لا يَقْتُلونَ المسلمَ بالذِّمِّيِّ المعاهَدِ قِصاصاً، فإِنَّ دَمَ
الذِّمّيِّ القتيلِ لا يَذهَبُ هَدْراً؟
لأَنَّ الواجبَ ينتقلُ إلى الديَة، يدفعُها أَهلُ القاتلِ لأهلِ القتيل!.