← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1431

القرآن ونقض مطاعن الرهبان

صلاح الخالدي

Полный текст (753 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الحُجةِ والبُرهان، لا على الإرهابِ والاستبداد؟ وإنْ كانتِ الآيات ُ المكيةُ تَحُضُّ على السِّلْم، والآياتُ المدنيةُ تحضُّ على القتال، فأَيُّ آياتٍ منها أَرسخُ وأَثبتُ؟ وأَيُّها أَنسبُ من حيثُ الإيمانُ والثواب؟. إنَّ الإِرهابَ يَدْفَعُ للنفاق. قالَ الشاعر: أَسْلَمَ الكافِرونَ بِالسيْفِ قَهْراً ... وإذا ما خَلَوَا فَهُمْ مُجْرِمونَ سَلِموا مِنْ رَواحِ مالٍ وَروحٍ ... فَلَا هُمْ سالِمونَ ولا مُسْلِمونَ يَزعمُ المفترِي وُجودَ تَعارضٍ بينَ الآياتِ المدنيةِ والآياتِ المكيَّة، فالآياتُ المكيةُ تحضُّ على السّلْم، والآياتُ المدنيةُ تحضُّ على القِتال " فأَيُّها أَصْدقُ؟ وأَيُّها يُتَّبَعُ"؟ (١) . وهذا زَعْمٌ باطل، فالآياتُ المكيةُ سَكَتَتْ عن قِتالِ الكفار، فكانَ قِتالُهم من الأمرِ المؤَجَّل، الذي لم يَحِنْ وَقْتُ الحديثِ عنه، وليس معنى هذا أَنَّ الآياتِ المكيةَ كانتْ تَنْهى عن القِتال، وتحضُّ على السَّلام. وبعدما أَقامَ المسلمونَ مجتمعَهم الإِسلاميَّ بعد الهِجرة، واعتَدى عليهم الكافرون، أَذِنَ اللهُ لهم بالقِتال، وأمرهم به، وحَثَّهُم عليه. وأشارَت الآيات ُ المدنيّةُ إِلى ما كانَ عليه المسلمونَ في مكة. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) . ويَقومُ سؤالُ الفادي على المغالطةِ والاتِّهام: " هل يقومُ دينٌ صادقٌ إلّا على الحُجَّةِ والبُرهان، لا على الإرهاب والاستبداد؟ ".. ومن المتفقِ عليه أَنَّ أَيَّ دينٍ لا يَقومُ إلّا على الحُجةِ والبرهان. والإِسلامُ دينٌ يخاطبُ العقلَ والقلبَ والروح، ويقدمُ للناسِ حقائِقَه بالحُجَّةِ والبرهان، والدليلِ المقنعِ الذي يُخاطبُ العقل. وانتشرَ الإسلامُ في العالمِ بالدعوةِ وليسَ بالسيفِ، وقامَ على الحُجَّةِ

стр. 422

والبرهان، وخاطَبَ الدعاةُ الناسَ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، ودَخَلَتْ بِلادٌ واسعةٌ في الإِسلام. لم تحدثْ فيها معركةٌ واحدة، مثلُ أندونيسيا وماليزيا.. ولو انتشرَ الإِسلامُ بالسيف، وأَسَلمَ الناسُ مُكْرَهين، لارتَدّوا عن الإِسلام عندما ضَعُفَ سلطانُ المسلمينَ السياسي، وتَقلَّصَ نفوذُ الإِسلامِ من المجتمعات. وها هو الإِسلامُ يَكتسبُ عُقولاً وقُلوباً جديدةً في العالمِ الغربي، ويُسلمُ أُناسٌ من قادةِ الفكْرِ والرأيِ والعلمِ والمعرفةِ عندهم، مع أنه لا يوجَدُ للإِسلامِ دولةٌ تَتَبَنّاهُ بصدْق، وتَدعو إليه بإِخلاص، ومع اشتدادِ الهجمةِ الشرسة عليه من قِبَلِ قُوى البغيِ والعدوان، بقيادَةِ اليهوديةِ الخبيثةِ والصليبيةِ الحاقدة، فلو لم يُقَدِّمْ حقائِقَه بالحجةِ والبرهانِ لما أَثَّرَ في النّاس!. والإِسلامُ لا يَقومُ على الإِرهابِ والاستبداد، ولم ينتشرْ بالسيفِ والعُنْفِ والإِكراه. وقد صَرَّحَ القرآنُ بعدمِ الإِكراهِ على اعتناقِ الإِسلام. قال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) . ولم يكن القتال وسيلةً للدعوةِ إِلى الإِسلام ونَشْرِه بينَ الناس، إِنما القتالُ وسيلةٌ لردِّ عُدْوانِ الكافِرين على الإِسلامِ والمسلمين، ورَدِّ عُدوانِهم على بلادِ المسلمين، ورَدِّ عدوانِهم على الدعاةِ المسلمين المنتشرين بين الشعوب، يَدْعونَ إِلى الإِسلامِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة!. إِنَّ القتالَ في الإِسلامِ قِتالٌ للقوةِ الماديةِ الكافرة، التي تَقِفُ أَمامَ دينِ الله. ولم يكنْ هدفُ القِتالِ إِدخالَ الناسِ بالإِسلامِ مُكْرَهِين، كما يَزعمُ الفادي المفترِي، إنما هَدَفُ القتالِ تَحطِيمُ قُوةِ الكفارِ العسكرية، المتمثلةِ في الجيشِ والأَسلحةِ والعَتاد! هَدَفُه إِزالةُ النظامِ الكافر، الذي يُحارِبُ بكل مؤسساتِه الإِسلامَ، ويَمنعُ شَعْبَه من اعتناقِ الإِسلام عن بصيرة! هَدَفُه تَحريرُ الشعوبِ الكافرةِ المستعْبَدَةِ من قِبَلِ الحكامِ الطواغيت. وبعدَما يُحققُ القتالُ هَدَفَه ويُحَطِّمُ القوةَ الماديةَ العسكريةَ، ويُحررُ الشعوبَ المستعْبَدَة، يُقَدِّمُ الإِسلامُ نَفْسَهُ إِلى هؤلاءِ المحَرَّرين، ويُخاطبُهم

стр. 423

بالحجةِ والبرهان ويَدعوهم إِلى الدخولِ فيه عن قَناعةٍ واختيار.. فمن اقتنعَ ودَخَلَ فيه فقد فازَ في الدنيا والآخرة، ومن رَفَضَ ذلك وأَصَرَّ على كفرِه تَرَكَهُ المسلمون، وطالَبوه بدفعِ مبلغٍ من المال، اسْمُه " الجزية "، مُقابِلَ حمايتِهم له. *** حول القصاص في القتل وَقَفَ الفادي أَمامَ آيةِ القصاص في القَتْل، وهي قولُ اللهِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) . وذَكَرَ تفسيرَ البيضاويِّ للآية، واختلافَ المذاهبِ في قَتْلِ الحُرِّ بالعَبْدِ والذَّكَر بالأُنثى، مع أَنَّ الآية لا تَدُلُّ على جوازِ ذلكِ ولا على مَنْعِه، كما قال البيضاوي: " ولَا تدلُّ الآيةُ على أَنْ لا يُقْتَلَ الحُرُّ بالعَبْد، والذكَرُ بالأُنثى، كما لا تَدُلُّ على عكْسِه ". فمسأَلَةُ قَتْلِ الحُرِّ بالعَبْدِ، والذكْرِ بالأُنثى، والمؤمنِ بالكافر، لم يتكلَّمْ فيها القرآنُ كَلاماً صَريحاً، وإِنما اختلفَ فيها العلماء والمذاهبُ اختلافاً كبيراً.. ومع ذلك اعترضَ الفادي المفترِي على القرآنِ فيها، وخَطَّأَه وانْتَقَدَه، مع أَنه لم يتكلَّمْ فيها!! قال: " ونحنُ نسأل: لماذا سمحَ محمدٌ وأَبو بكر وعمرُ وعليٌّ للأَغنياءِ والسادةِ أَنْ يَقْتلُوا العبيدَ دونَ أَنْ يَقْتَصوا منهم، وجَعلوا عَدَمَ قتْلِ الحُرّ بالعبدِ والمسلمِ بذي عَهْد سُنَةً أَقَرَّها المذهبُ المالكيُّ والمذهبُ الشافعي؟ ولماذا لم يَعْتبِروا قول التوراةِ المحكيَّ في القرآنِ (النَّفْس بِالنَّفْسِ) قانوناً إِلهياً واجبَ الاتِّباع، مُدَّعين أَنَّ التوراةَ لا تَنسخُ القرآن، رغمَ أَنَّ عبارةَ القرآنِ تُنافي قواعدَ العدلِ والمساواةِ بين البشر؟ إِنَّ اللهَ واحد، وقانونَه واحد، فلماذا يُحابي الإسلامُ الأَغنياء، فلا يُطالبُ بدماءِ العبيدِ من أَعناقِ السادةِ؟ ومن الغريبِ أَنَ الشرعَ الإِسلاميَّ يصرحُ أَنه لا يُقْتَلُ مؤمنٌ بدمِ كافرٍ، ولا بدَمِ ذي عَهْد.

стр. 424

أَلا يُعتبرُ هذا رخصةً من الإِسلامِ للعَبَثِ بأرواحِ جميعِ بني آدم، واعتبارِ العهودِ قُصاصةً على وَرَق؟ ! ". اعتراضُ الفادي المفترِي على القرآن لا يتناسبُ مع موضوعِ كتابِه، وكان الأولى به أَنْ لا يجعلَه في الكتاب، لأنه خَصَّصَ الكتابَ لاكتشافِ الأَخطَاءِ في القرآن، وهذا ليسَ موضوعاً قرآنياً، ولكنه يُريدُ أَنْ يُسَجِّلَ كُلَّ ما يُثيرُ الشبهةَ والتشكيكَ في القرآن!. إِنَّ مسألةَ الاختلافِ في قتلِ الحُرِّ بالعبدِ والذكَرِ بالأنثى والمؤمنِ بالكافرِ مسألةٌ فقهية، وليستْ مسألةً قرآنية أَو حديثية، والأَوْلى أَنْ تُبْحَثُ ضمنَ المباحثِ الفقهية، وقد اختلفَ فيها الفقهاء. فالشافعيةُ يرونَ أَنه لا بُدَّ من التكافؤ في القصاص، بمعنى أَنْ يَكونَ القتيلُ مُكافِئاً للقاتلِ ليتمَّ القِصاص، وبما أنه لا تَساويَ بين الحُرِّ والعبد، والمؤمنِ والكافر، والذكرِ والأُنثَى، فلا قصاصَ بينهم، فإذا قَتَلَ الحُرُّ عَبْداً، أَو المؤمن كافراً، أَو الرجلُ امرأة، دفعَ القاتِلُ الدِّيَةَ ولم يُقْتَصَّ منه. أَما الأَحنافُ فإنهم لا يشترطونَ التكافؤَ في القصاص، ويَجوز قَتْلُ الأَعلى بالأَدنى، أَيْ أَنه يُقْتَلُ عندهم الحُرّ إِذا قَتَلَ عَبْداً، ويُقْتَلُ المؤمنُ إِذا قتَلَ كافراً ذِمِّيّاً معاهِداً، ويُقْتَلُ الرجلُ إذا قَتَلَ امرأة. ومع أَنَّ المسألةَ خلافية بين المذاهِب، فيجوزُ أَخْذُ أَيّ قَوْل، وتَرجيحُه على الأَقوالِ الأُخْرى، دودنَ ذَمٍّ لأَصحابِ الأَقوال الأُخرى، أَو اتهامِ الإِسلامِ والقرآنِ بالخطأ أَو الظلمِ والمحاباة، كما فعلَ الفادي المفترِي. وإِنّني أَميلُ منذُ مُدَّة إلى ترجيح قولِ الأَحنافِ في هذه المسألة، مع أَني شافعيُّ المذْهَب، لأَنني أَراه أَكثرَ اتفاقاً مع المساواةِ وإنسانيةِ الإِنسان، وتحقيقِ العدالةِ الإنسانية، مع احترامي للأَقوالِ الأخرى فيها. وإِنَّ عَدَمَ قتلِ الحُرِّ بالعبدِ كما يُقررُ المذهبُ الشافعي لا يعني مُحاباةَ الأَغنياءِ والسادة.

стр. 425

ولا يَعني ذهابَ دِماءِ العبيدِ هَدْراً، لأَنَّ الحكم يَنتقلُ من القِصاصِ إِلى الدِّيَة، يَدْفَعُها أَهلُ القاتلِ إِلى أَهلِ القتيل. والفادي المفترِي الذي شَنَّ على النَّسخِ هُجوماً شَديداً، يَدْعو الآنَ إِلى اعتمادِه والقولِ بِه، لأَنه يتفقُ مع هواه! فقد أَخْبَرَنا الله في القرآنِ عن حُكْمِهِ في التوراة بوجوب قَتْلِ أَيِّ نفسٍ بأَيّ نفس. قال تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) . وعَلَّقَ الفادي على هذا بقوله: " ولماذا لم يَعْتَبِروا قولَ التوراةِ المحكيَّ بالقرآن: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) قانوناً إِلهياً واجبَ الاتِّباعِ، مُدَّعين أَنَّ التوراة لا تَنسخُ القرآن! ". وكيفَ يُريدُ للتوراةِ النازلةِ قبلَ القرآن بمئاتِ السِّنين أَنْ تنسخَه، مع أَنه من المتفق عليه عند العُقَلاءِ أَنَّ السابقَ المتقدِّمَ لا ينسخُ اللاحقَ المتأَخِّر. وإذا كان اللهُ قد أَوجبَ القِصاصَ في التوراة، وأَوجبَ قَتْلَ النفسِ بالنفس، فقد أَوجبَ ذلك في القرآن، عندما أَمَرَ بالقصاصِ في القَتْلى، وفَصَّلَ ذلك بقولِه: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) . فهذه الحالاتُ الثلاثةُ في الآيةِ تفسيرٌ للنفسِ بالنفس. أَما الجملةُ التي ذَكَرَها الفادي: " إِنَّ عبارةَ القرآنِ تُنافي قواعدَ العدلِ والمساواةِ بين البشر " فهي جملةٌ فاجرة، شَتَم المجرمُ بها القرآنَ، مع أَنَّ العبارةَ التي اعترضَ عليها لا تَتَنافى مع العدلِ والمساواةِ بينَ البَشَر، وإِنما تَعْمَلُ على إقرارِها وسيادتِها. وإِذا كانَ بعضُ المذاهبِ لا يُجيزونَ قَتْلَ المسلمِ بالذِّمّيّ قِصاصاً؟ فإِنَّ مذاهبَ أُخرى أَجازَتْ ذلك، وسبقَ أَنْ ذَكَرْنا أَنَّ المذهبَ الحنفيَّ يقولُ بذلك، وأننا رجَّحْنا هذا القول. وحتى عندَ الذينَ لا يَقْتُلونَ المسلمَ بالذِّمِّيِّ المعاهَدِ قِصاصاً، فإِنَّ دَمَ الذِّمّيِّ القتيلِ لا يَذهَبُ هَدْراً؟ لأَنَّ الواجبَ ينتقلُ إلى الديَة، يدفعُها أَهلُ القاتلِ لأهلِ القتيل!.

стр. 426

وهذا لا يُؤَدّي إِلى اعتبارِ العهدِ في الإِسلامِ لا قيمةَ لها، فالإِسلامُ دَعا إِلى الالتزام بالعهودِ والوَفاءِ بها، والمسلمون من أَكثرِ النَّاسِ التزاماً وَوَفاءً بالعهود. كما أنه يَعتبرُ المحافظةَ على الأَرواحِ والدّماءِ من مقاصدِه الأَساسية، ولا يُجيزُ سَفْكَ دَمِ أَيِّ إنسانٍ أَو إِزهاقِ روحِه إِلَّا بسببٍ مَشْروع، مثل الجهادِ للمُعتَدين، أو تطبيقِ الحَدِّ الشرعيِّ على المجرمين. *** حكم قتل المرتد أَوردَ الفادي المفترِي آياتٍ تتحدَّثُ عن المرتدِّ عن الإِسلام؟ منها قولُه تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) . وأساءَ الفادي فهمَ قول اللهِ : (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) . فهمَ منها أَنها تحكمُ بالكفرِ على المؤمنين الذين تثاقلوا عن الهجرةِ إلى المدينة. قال: " والظاهرُ من سورة البقرة أَنَّ مَنْ يرتدّ عن الإِسلامِ إِلى أَيّ دينٍ آخَرَ يُعتبر كافراً. والظاهرُ من سورة النساءِ أَنَّ الذين أَظْهَروا الإِسلامَ ثم قعدوا عن الهجرة، أَوجبَ القرآنُ على المسلمين أَنْ يَقْتُلُوهم حيث وَجَدُوهم، كسائرِ الكَفَرَةِ، فَأَيْنَ حريةُ العقيدةِ والدين؟! إنها وصمةُ عارٍ أن يُقْتَلَ الذي يرى في الإسلامِ غيرَ الذي يرونه! " (١) . إنَّ هذه الآيةَ من سورةِ النساءِ لا تَحكمُ بالكُفْر على مُسْلمين لأَنهم تَثَاقَلُوا عن الهجرة، ولا تَأْمُرُهم بالقتْلِ لمجردِ هذا السَّبَب، كما فهمَ الفادي

стр. 427

منها هذا، وإِنما تتحدَّثُ عن مُنافقينَ كافِرينَ حقيقة، وكُفْرُهم ليسَ بسببِ عَدَم الهجرة، وإِنما كُفْرُهم بنفاقِهم، والمنافقون كُفّارٌ في الحقيقة، رغْمَ إِظهارِهم الإِسلام. قال تعالى: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) . هم منافقونَ لقولِه: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ..) وهم كفارٌ حقيقةً لقوله: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) وتَنهى الآياتُ المؤمنين عن اتخاذِ أولئك المنافقين الكافرين أَولياء، حتى يُهاجِروا في سبيلِ الله، ومعنى هجرتِهم في سبيل الله أَنْ يَدْخُلوا في الإِسلام أَوَّلاً، ثم يُهاجِروا بعدَ ذلك؛ لأَنَّ الهجرةَ مبنيةٌ على الإِسلام. فإِنْ رَفَضوا الدخول في الإِسلام، ورَفَضوا الهجرةَ في سبيلِ الله، فعلى المسلمينَ أَنْ يَأخُذوهُم ويَقْتُلوهُم حيث وَجدوهم، والسببُ هو كفْرُهم ونفاقُهم وعداوتُهم للمسلمينَ وحربُهم لهم، وهذه جرائمُ استحقّوا بها القَتْل!!. وتباكى الفادي على المُرْتَدِّين الذينَ حارَبَهم أَبو بكر الصديقُ ﵁، واعْتَبَرَهم مظلومين معتدى عليهم، قال: " أَينَ حريةُ العقيدةِ والدين؟ إِنها وصمةُ عارٍ أَنْ يُقْتَلَ الذي يَرى في الإِسلامِ غيرَ الذي يروْنَه.. أَلَمْ يُلَطخْ أَبو بكر الصَّدّيقُ يَدَيْه بِدماءِ أُلوفِ المرتدين؟! ". كما تباكى على جَبَلَةَ بنِ الأَيْهم آخرِ مُلوكِ الغساسنة، الذي دَخَلَ في الإِسلامِ بعدَ فتحِ بلادِ الشام، ولم يكن إِسلامُه عن قَناعَة، ولما حَكَم عمرُ ﵁ أَنْ يَقْتَصَّ منه ذلك الأَعرابيُّ الذي لَطَمَه أَثناءَ الطواف، اعتبرها جَبَلَةُ إِهانةً له، وهَرَبَ من المدينة إِلى بلادِ الروم مرتدّاً عن الإِسْلام، عائِداً إلى النصرانية!. واعتراضُ الفادي المفترِي على قَتْلِ المرتَدّ لا يَتَّفِقُ مع موضوع كتابه، الذي خَصَّصَه لانتقادِ وتخطئةِ القرآن، وهذه المسألة مسألةٌ حديثية فقهية.

стр. 428

فالقرآنُ لم يتحدَّثْ عن قَتْلِ المرتَدِّ، والذي أَمَرَ بذلك هو رسولُ اللهِ ﷺ . وذلك في قوله: " لا يَحِلُّ دَمُ امرئ مسلمٍ إلّا بإِحْدى ثلاث: النفسُ بالنفس، والثَّيِّبُ الزَّاني، والتاركُ لدينهِ المفارقُ للجماعة ". مَن الذي أَمَرَ الإِسلامُ بقَتْله؟ إِنه ليس الكافرَ أَصْلاً، المصِرَّ على كُفْرِه، ولكنه الكافرُ الذي دَخَلَ في الإِسلام، ثُمّ خَرَجَ منه وعادَ إِلى الكفر. إِنَّ الردةَ دليلٌ على التلاعبِ بالعقيدةِ والإِيمان، والاستهزاءِ بالإِسلامِ والقرآن، والكيدِ ضدَّ المسلمين. إِنَّ المرتَدَّ يُعْلِنُ بردَّتِه خطأَ الإِسلامِ وبُطلانَه، وهو بردَّتِه يَدعو المسلمين إِلى الاقتداءِ به، والارتدادِ عن الإِسلام مِثْله!. والإِسلامُ حَقٌّ وصَواب، ودعوةٌ للعالَمين جميعاً، والمرتَدُّ عن الإِسلام محاربٌ له بردَّتِه، وصادٌّ عنه، وهذه الجرائمُ استحَقَّ بها القَتْل. والمرتَدُّ لا يُقْتَلُ فوراً، إِنما يُناقَشُ أَوَّلاً، وتُزالُ الشبهاتُ التي عنده، وتُقَدمُ له الحججُ والبراهينُ على الحَقّ، وَيُدْعى للعودةِ إلى الإِسلامِ، كل ذلك بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، فإِنْ رَفَضَ هذا المنطقَ العقلانيَّ الدعوي، وأَصَرَّ على ارتدادِه وكُفْرِه، فيكون هذا من بابِ العِنادِ والاستكبار، ولا يَعتمدُ على دَليلٍ عقلي مُقْنِعٍ، لأَنَّ الإِسلامَ حَقٌّ يتوافَقُ مع الفطرةِ والمنطقِ والعقلِ السَّليم، وليس فيه ما يَتَصادَمُ أَو يتناقَضُ مع المنطق. عند ذلك يكونُ ارتدادُه تَلاعُباً وكيداً وحَرْباً للإسلام، ويكونُ جزَاؤُه القتل. إِنَّ حريةَ العقيدةِ والدين التي يَتَباكى عليها الفادي المفترِي ليستْ مع هذا المرتَدِّ عن الإِسلام، إِنما هي معَ الكافِر، الذي لم يَدْخُلْ في الإِسلام أصْلاً -، فهذا يُدعى للدُّخولِ في الإِسلام بالمنطقِ والحجةِ والبرهانِ، فإن اقتنعَ واعتنقَ الإِسلامَ يكونُ قد فازَ في الدنيا والآخرة، وإِنْ رَفَضَ الدعوةَ وأَصرَّ على كفرِه تركَه المسلمون وشأنَه، من بابِ حريةِ العقيدةِ والدين التي يُنادي بها الفادي، ولا يُجْبِرونَه على الدخولِ في الإِسلام، لأَنَ اللهَ يقول: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)

стр. 429

معَ اليقينِ بأَنَّ هذا الذي رفضَ الدخولَ في الإسلام كافرٌ ضالّ خاسِرٌ، فاسقٌ ظالم مجرم، ليس على هدى أو إِيمانٍ أو حق، وهو في الآخرةِ مخلَّدٌ في نارِ جهنم. *** حكم الزواج بالكتابيات أَباحَ اللهُ للمسلمينَ الزواجَ بالكتابيات، قال تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) . وعَلَّقَ الفادي على هذا بقولِه: " يُجيزُ القرآنُ للمسلمينَ أَنْ يَتَزَوَّجوا المسيحيات.. بينما يُحَرِّمُ الإِنجيلُ تَحريماً باتّاً زواجَ المسيحياتِ بغيرِ المسيحيّين، ويقول: " فهي حُرَّةٌ لكي تتزوج بمَنْ تُريُد، في الرَّبِّ فقط ".. وهذا إِعلانٌ قرآنيّ باحترامِ الإِيمانِ المسيحيّ، لأَنَّ الزوجةَ المسيحية سَتُرَبّي أَولاد الزوج المسلم ". زَعَم الفادي أَنَّ الإِنجيلَ حَرَّمَ زواجَ النصرانيةِ منَ غيرِ النصراني، فكيفَ تُوافقُ النصرانيةُ على الزواجِ من المسلم؟ إِنها بذلك تُخالفُ أَحكامَ دينِها، فما رأيُ الفادي في هذه المخالفة؟ ولماذا يُجيزُ - وهو القِسّيسُ - للنصرانياتِ الزواجَ من المسلمين؟ إنه يَعْتَبِرُ إِباحةَ زواجِ المسلم بالكِتابِيَّةِ إِعْلاناً قرآنياً باحترامِ الإِيمانِ المسيحي، وتفويضَ المرأَةِ النصرانيةِ بتربيةِ أَولادِ زوجهما المسلمَ. لقد أباحَ القرآنُ للمسلمِ الزواجَ بالكتابية، لأَنها تؤمنُ بالتوراةِ أَو

стр. 430

الإِنجيل، وهما كتابان من كتبِ الله، صحيحٌ أَنّ اليهود والنَّصارى حَرَّفوهما بعدَ ذلك، لكنَّ أَصْلَهما من عندِ الله، فهو يتعامَلُ معهما على هذا الأَساس. ولا يَعني إِباحةُ الزواجِ من الكتابيةِ الاعترافَ بأَنها مؤمنةٌ مُوَحِّدَة، بل هي كافرة؛ لأَنّ مَنْ لم يكنْ مسلماً فهو كافرٌ بنصِّ القرآن. قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) . ونُقَرِّرُ أَنَّ القرآنَ لم يُبحِ الزواجَ بالنصرانيةِ فقط، وإِنما أَباحَ الزواجَ باليهوديةِ والنصرانيةِ، لأنهما كتابيَّتانَ، والزواجُ بهما مُباحٌ، وليس واجباً أَو مندوباً أَو سُنَّةً مُتَّبَعَة، والأَوْلى والأَفْضَلُ أَنْ لا يكون، لكنه مُباحٌ لمن أَراده. وهو ليس مباحاً مُطْلَقاً، إِنما هو مباحٌ بشرطِ أَنْ تكونَ الكتابيةُ مُحْصَنَة لقوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) . والمرادُ بالإِحصانِ هنا العفةُ وإِحصانُ الفَرْج، وعدمُ ارتكابِ فاحشةِ الزنى، ولا بُدَّ للمسلمينَ الراغبينَ في الزواجِ من الكتابياتِ من أَنْ يكونوا مُحْصنين عَفيفين، غيرَ زناةٍ مسافحين ولا متخذي أَخْدان. والخلاصَةُ أَنَّ الزواجَ بالكتابياتِ اليهودياتِ والنصرانيات مُباحٌ إِباحة، مع أَنَّ الأَولى أَنْ لا يكون، وهو مباحٌ بشرْطِ الإِحْصانِ في الطرفين، الإحصانُ في الرجلِ المسلمِ وعدمُ زِناهُ، والإِحصانُ في المرأةِ الكتابيةِ وعَدَمُ زناها.. وفَتِّشْ عن امرأةٍ كتابيةٍ غربيةٍ محصَنَة غَيرَ زانيةٍ في هذا الزمان!.

стр. 431

الفصل السابع نقض المطاعن الاجتماعية

стр. 432

لماذا شهادة المرأة نصف شهادة الرجل ؟ اعترضَ الفادي الجاهلُ على تفريقِ القرآنِ بينَ الرجلِ والمرأةِ في الشهادة، حيثُ جعلَ شهادةَ المرأةِ على النصفِ من شهادةِ الرجل، وذلك في قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) . الموضوعُ الذي تأمُرُ الآيةُ بالإِشهادِ عليه هو الدَّيْن، وهو موضوغ ماليّ تفصيليّ إِجرائي، يقومُ على المعاملاتِ بينَ الناس، ومعلومٌ أَنَّ هذه التفاصيلَ الدقيقة تَعْني الرجال غالباً وتَستهويهم، أَمّا النساء فإِنهنَّ لا يَنتبهنَ لها غالِباً، لأنها لا تتفقُ مع ميولِهنَّ. وإِذا طُلِبَ من المرأةِ أَنْ تَنْتَبِهَ لهذه التفصيلات وتخفظَها فإِنَّها لا تَضبطُ ذلك، وإِنْ طُلِبَ منها أَنْ تَذكرَ تلك التفصيلاتِ بعدَ فترةٍ فإِنها لا تُحسنُ أَداءَ ذلك. فإذا جُعلت المرأةُ شاهدةً على تلك التفصيلاتِ المالية، وطُلبَ منها أَداءُ الشهادة، فإِنها غالِباً لا تَستحضرُ تلك التفصيلات، وبذلك لا تُؤَدِّي الشهادةَ على أُصولِها، وبذلك قد يَضيعُ الحَقُّ على صاحبِه!!. وإِنَّ اللهَ العليمَ الحكيمَ الذي خَلَقَ المرأةَ على هذه الصورةْ، يَعلمُ ذلك منها، ولذلك جعلَ شهادةَ المرأَتَين مُقابلَ شهادةِ الرجلِ الواحد، وعَلَّلَ ذلك بقوله: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) . أي: تَأْتي المرأَتانِ لأَداءِ شهادتِهما على تَفْصيلاتِ الدَّيْن، وتوقَفُ الشاهِدَتان معاً، فإِذا نَسيتْ إِحداهُما بعضَ تلك التفصيلاتِ ذَكَّرَتْها صاحبتُها، وبذلك تتكامَلُ شَهادَتَاهما على تقريرِ الحقيقة!. ولكنَّ الفادي لا يَعرفُ هذا المعنى، لذلك اعترضَ على القرآنِ وخطَّأَهُ،

стр. 433

واعتَبَرَهُ امتهاناً للمرأة. قال: " ونحنُ نَسأل: كم هو مقْدارُ الغبْنِ والمهانة، التي تَشعرُ بها السيداتُ من هذا المبدَأ المُهين، البَعيدِ كُلَّ البعدِ عن مبدأ المساواةِ في الشخصيةِ الإِنسانية؟ كم من امرأةٍ واحدةٍ فاضِلةٍ خيرٌ من عديدٍ من الرجالِ الجُهّال؟! ". وكلامُه دليلُ جَهْلهِ وغبائِه، فالأَمْرُ ليس كما تَصَوَّرَه، وليس الكلامُ عن الغبنِ والظلم، والاحتقارِ والمهانَة، وليس فيه تفضيلُ جنسِ الرِّجالِ على جنسِ النساء، بل هو موضوعٌ ماليّ إِجرائيّ تَفصيليٌّ خاصّ كما ذكرنا. والمرأةُ مساويةٌ للرجلِ في الإِنسانية، وفْقَ التصور الإِسلامي، ثم تَفترقُ عنه بعدَ ذلك في فُروق خاصَّةٍ بها، جعلَها اللهُ في كيانِها، لتُحققَ رسالتها الإِنسانية، كما يفترقُ الرجلُ عنها في فروقٍ خاصَّةٍ به، ليُحققَ رسالسَه الإِنسانية. ولا ننكرُ أَنَّ بعضَ النساءِ المؤمناتِ الصالحاتِ الفاضلات، أَفضلُ مِن كثيرٍ من الرجالِ غيرِ الصالحين؛ لأَنَّ التَّقوى هي أَساسُ التكريمِ عندَ الله. *** لماذا ميراث المرأة نصف ميراث الرجل ؟ اعترضَ الفادي المفترِي على قولِ الله (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) تجعلُ الآية ُ ميراثَ الرجلِ ضعْف ميراثِ الأُنثى، فالرجلُ يأخذُ مثلَ نصيبِ المرأَتَيْن. وهذا أَثارَ اعتراضَ الفادي، فقال: " ونحنُ نسأل: لماذا لا يَتساوى الولدُ والبنتُ في الميراث؟ أَليسَ لكل منهما جَسَدٌ يَحتاجُ للِكساء، ومعدةٌ تحتاجُ للقوت؟ أَليستْ مطالبُ المعيشةِ على كلَيْهما واحدة؟ بل قد تكونُ أقسى على البنتِ وهي قاصرٌ أو عانس أَو أَرملة! ". يَقترحُ الفادي أَنْ يَتَساوى الرجلُ والمرأةُ في الميراث، بحجةِ تَساويهما في

стр. 434

الحاجاتِ من طَعامٍ وشَرابٍ وكِساء، بل إِنَّ المرأةَ أَكثرُ حاجةً في ذلك من الرجل. ويَعتبرُ أَخْذَ الرجل ضعْفَ نصيبِها من الميراث ظُلْماً لها، وتفضيلاً للرجلِ عليها. إِنَّ إِعطاءَ الرجلِ ضعْفَ نصيبِ المرأةِ ليس مرتَبطاً بالتفضيل، أَيْ ليس الرجلُ أَفضَلَ من المرأةِ تَفْضيلاً جنسيّاً، فلا يُفَضلُ لِأَنَّه رَجُل.. ويَقومُ التفضيلُ عندَ اللهِ على أَساسِ العملِ، بدونِ اعتبارٍ للجنسِ أو اللونِ أَو اللغةِ أَو العمر أَو التملكِ أَو النَّسَبِ، فالأَكرمُ عندَ اللهِ هو الأَتْقَى، سواء كانَ رَجُلاً أو امرأة، غنياً أَو فقيراً، شَريفاً أَو وضيعاً، أَبيضَ أَو أسود. لقوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) . وهذا معناهُ أَنَّ المرأةَ الصالحة التقية أَفضلُ عند اللهِ من آلافِ الرجالِ غيرِ الصالحين. وتوزيعُ الميراثِ لا يُنْظَرُ فيه إِلى حاجاتِ الجسمِ من طَعامٍ وشَرابِ وكساء، لأَنَّ الرجلَ والمرأةَ يَتَساويان في ذلك. لقد أُعْطِيَ الرجلُ ضعفَ نَصيبِ المرأة بسببِ المسؤولياتِ الموكولةِ إِليه، فالرجلُ هو المسؤولُ مَهْما كانَ وضْعُه العائليّ، سواء كان أَباً أَو زوجاً أَو أَخاً أَو ابناً، هو المعيلُ لمن عنْدَه من النساء، الزوجاتِ والأُمهاتِ والأَخَواتِ والعَمّاتِ، وهو المتكفلُ بحاجاتِهنّ، والمُنْفِقُ عليهن.. أما المرأةُ فإنه لا يجبُ عليها إِنفاقُ أَيِّ شيء من مالها، مهما كان وَضْعُها العائلي، ومهما كانَ مالُها، إِلّا إِذا أرادَتْ أَنْ تُنفقَ من مالِها كَرَماً منها!! أَيْ أَنَّ الرجلَ هو الذي يَدفعُ دائَماً، والمرأةُ هي التي تأخذُ وتَكْسِبُ دائماً ... ألا يتطلَّبُ ذلك إِعطاءَ الرجلِ ضِعْفَ نَصيبِ المرأةِ من الميراث؟. *** حول تعدد الزوجات اعترضَ الفادي المفترِي على الآيةِ التي تُبيحُ تَعَدُّدَ الزوجات، وهي قولُ الله : (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) .

стр. 435

وبعدما سَجَّلَ الفادي خُلاصَةَ تفسيرِ البيضاوي للآية أَعلنَ رَفْضَه لها. قال: " ونحنُ نسأل: أَليست الأُسرةُ هي خليَّةً مصغَّرَةً للمجتمع؟ إِنَّ وُجودَ رجلٍ واحدٍ بينَ أَربعِ نساء، وعَدَدٍ كبيرٍ من السَّراري مصنَعٌ للمظالم، وميدانٌ للبغضاءِ والمشاحنات، ومعملٌ لتخريجِ المطلَّقات والمشَرَّدينَ من الأَطفالِ الأَبرِياء، وإِذا تزوَّجَ الرجلُ بأَربعٍ أو أَكثرَ في آنٍ واحد، فلماذا لا تتطلَّعُ المرأةُ للتزوُّجِ بأربعةِ رجالٍ في آنٍ واحد؟ أَليسَ العدلُ أَنْ تُراعِيَ القانونَ الأَصْليَّ وهو: حواءُ واحد " لآدمَ واحد؟ ". وقد سبقَ أَنْ أَثارَ المفترِي الشبهاتِ حولَ تَعَدّدِ الزوجات، وناقَشْناهُ في ذلك، وذَكَرْنا أَنَّ التعدُّدَ رخصة مشروطة، وليسَ واجباً عينياً على كُلِّ رجل، وهو مشروطٌ بعدْلِ الرجلِ بين زوجاتِه، فإِنْ لم يعدلْ كان آثماً، وعندما يَعدلُ الرجلُ بين زوجاتِه تزولُ المخاطرُ التي أَثارَها المفترِي حولَ التعدد، إِذْ يجعلُ البيتَ الذي فيه أَكثرُ من زوجةٍ مَصنَعاً للمَظالم، ومَيْداناً للبَغْضاءِ والمشاحنات، ومَعْملاً لتخريجِ المَطلَّقاتِ والمشَرَّدينَ من الأَطفالِ الأبرياء!! فبالعدلِ بين الزوجاتِ يكونُ البيتُ واحةَ سَلامٍ وأَمان، ومكانَ مودَّةٍ ومحبةٍ، ويَنشأُ الأَطفالُ فيه نشأةً سويةً سعيدة.. هكذا كانت بيوتُ الصحابة، الذين أخذوا برخصةِ التعَدُّد، وكانوا عادِلينَ بينَ زوجاتهم. وإِذا كان بعضُ المسلمينَ الآخِذين برخصةِ التَّعَدُّدِ يُسيئونَ استخدامَ هذه الرخصة ويَظلمونَ زوجاتِهم، فهم المؤاخَذونَ أَمامَ الله، وهم الذين يَتَحمَّلونَ تبعةَ ظُلْمِهم وسوءَ تصرُّفِهم، ولا يتحمَّلُ ذلك القرآنُ الذي أَباحَ التعددَ مَشْروطاً بالعَدْل. وافترى الفادي على الله عندما زَعَمَ أَنَّ سنةَ اللهِ هي تزوُّجُ الرجل بامرأةٍ واحدة، لأَنَّ آدَمَ تزوَّجَ بحواءَ فقط.. وهذا كذبٌ من المفترِي، فآدمُ تزوَّجَ بحواءَ فقط، لأَنه لم يكنْ عنْدَه أُنثى غيرُها من البَشَر. وقد تَزَوَّجَ كثيرٌ من الأَنبياءِ بأَكثرَ من امرأةٍ واحدة، مثلُ سيدِنا محمد ﷺ ، ومثلُ داودَ وسليمان - صلى الله عليهما وسلم -، اللَّذان تزوَّجا بأكثرَ من زوجةٍ واحدة.

стр. 436

وبما أَنَّ اللهَ أَذِنَ بتعدُّدِ الزوجاتِ في هذ الآيةِ الصريحةِ، فهذا هو الحقُّ والصواب، والحكمةُ دائماً تتحقَّقُ من كلّ ما أَبَاحَهُ اللهُ أَو أَمَرَ به. واعتراضُ الفادي على حْكُمِ اللهِ دليلُ جَهلِهِ، وكُفْرِه بالله، وعدمِ تقديرِه سبحانَهُ حَق قَدْرِه. وأَيُّهما أَفْضَلُ وأَطهرُ وأَكرمُ للمرأة، أهو تعدُّدُ الزوجاتِ، بِأَنْ تعيشَ أَكثرُ من امرأةٍ تحتَ رعايةِ رجلٍ واحد، أَمْ تعدُّدُ " العشيقات "، الذي يَقومُ على امتهانِ المرأةِ، وتحوِيلها إلى مجردِ جَسَدٍ يُشْتَهى، ويُؤدّي إِلى شيوع الفواحش؟. أما ما يطالبُ به من تعدُّدِ الأَزَواجِ للمرأةِ، مقابلَ تعدّدِ الزوجاتِ للرجل، فهذا من فُحْشِه وبذاءَتِه، ودليلٌ على جهْلهِ وغبائِه، فاللهُ خلقَ الرجل طالِباً للمرأة، وجَعَلَ المرأةَ تابعةً للرجل! فيكفي المرأةَ رجلٌ واحدٌ يقومُ عليها ويتكفَّلُ بها. ثُمَّ إِنَّ تَعَدُّدَ الأَزواجِ للمرأةِ يؤَدِّي إِلى اختلاط الأنساب، فلا يَعرفُ الولَدُ مَنْ أَبوه، لاحتمالِ أَنْ يكون كلُّ واحدٍ من أزواجها أَباً له، وفي هذا من المفاسدِ الاجتماعيةِ والنفسيةِ والإنسانيةِ ما فيه!!. *** ضرب الزوجات: لماذا؟ ومتى؟ وكيف ؟ اعترضَ الفادي على إِباحةِ ضربِ الزوجاتِ في بعضِ الحالات، وهي التي أَشارَ لها قولُ اللهِ : (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) . وعَلَّقَ على الآيةِ بقولِه: " يُصرحُ القرآنُ أَنه إِذا خافَت المرأةُ من إِعراضِ زوجِها عنها فلْتلجأ إِلى هيئةِ تَحكيم، من أَهْلِها وأَهْلِه، ليُصْلِحا بينَهما صُلْحأ: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) . ولكنَّه يقولُ: إنه إذا خافَ الرجلُ من إعراضِ زوجتِه عنه فعلَيْه أَنْ يَعِظَها، ثم يَهْجُرَها، ثم يضربَها، سواءٌ صَفْعاً باليد، أَو لَكْماً بجمعِ اليَد، أَو رَفْساً ورَكْلاً بالرِّجْل، أَو نهشاً بالكُرباج، أَو لَفْحاً بالعَصا ... ".

стр. 437

ثم أَوردَ نَصاً من الإِنجيلِ على محبةِ الرجلِ لامرأتِه، لأَنها جُزْءٌ منه.. ويَهدفُ الخبيثُ من ذلك إِلى المقارنةِ بينَ القرآنِ والإِنجيلِ في النظرِ إِلى الزوجة، واتِّهامِ القرآنِ بأَنه دَعا إِلى ظلمِ المرأةِ وإِهانَتِها، بينما دَعا الإِنجيلُ إِلى مَحَبَّتِها وتكريمها. وقد دَعَا القرآنُ الرجلَ إِلى السكونِ إِلى امرأتِه، وجَعَلَ ذلك آيةً من آياتِ الله، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) . ونهى اللهُ الرجالَ عن ظلمِ نسائِهم وإِيذائِهن، وأَوجبَ عليهم معاشرتَهُن بالمعروف " قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١) . وفي حالاتٍ نادرةٍ قد تختلفُ المرأةُ مع زوجها، وتبدأُ بالنشوز والتمرُّدِ على زوجها، عند ذَلك لا بُدَّ أَن يُعالجَ زوجُها الأَمْرَ، ويَقضي على النُّشوز، قبلَ أَنْ يَصِلَ إِلى الطلاق.. وقد أَرْشدَه اللهُ في هذه الحالةِ إِلى القيامِ بثَلاثِ خطواتٍ متدرِّجَة: يبدأُ بوعْظِها وتذكيرِها بالله، وتحذيرِها من عواقبِ النشوز، فإِنَ لم تنفعْ معها هذه الوسيلةُ لجأَ إِلى هجرِها في المضجع، فإِنْ لم تتوقَّفْ عن نُشوزِها ضَرَبَها ضَرْباً خفيفاً غيرَ مُبَرِّح!. وإنَّ اللهَ الحكيمَ الذي شَرَعَ هذه الوسائلَ لعلاجِ النشوزِ لَيعلم أَنَّ بعضَ حالاتِ النشورِ والتمردِ لا يَنفعُ معها إِلا الضربُ الخفيفُ، ولذلك شَرَعَهَ وأَذِنَ به. وقد كانَ الفادي مفترياً كاذباً عندما وَصَفَ الضربَ وَصْفاً همجيّاً وحشيّاً. حيثُ قال: " ثم يَضربُها، سواءٌ صَفْعاً باليَد، أَوَ لَكْماً بجمْعِ اليَد، أَو رفْساً ورَكْلاً بالرِّجْل، أَو نهشاً بالكرباج، أَو لَفْحاً بالعَصا ".

стр. 438

ولم يَأذَن القرآنُ ولا رسولُ اللهِ ﷺ بهذا الضرب، ولم يَصِفْهُ أَيّ عالمِ أَو مفسِّر أَو فقيهٍ بهذا الوصف، ولا يَجوزُ استعمالُ الكرباجِ أَو العصا أَو الرَّجْلِ في ضربِ الزوجة؛ لأَنَّ هذا ضربُ انتقام، وليسَ وسيلةَ تربيةٍ وأُسلوبَ علاج. إِنَّ ضَرْبَ الزوجةِ الناشزِ كأُسلوبِ علاجٍ لا بُدَّ أَنْ يكونَ ضرباً خفيفاً، بِكَفٍّ أَو إِصبع، على أن يتجنب الوجه لأنه مكرم عند الله، وعلى أن لا يترك أثراً، وأن لا يكون مبرِّحاً، ونكرر أن معظم الأزواج لا يضطرون إلى هذا الأسلوب مع زوجاتهم، وأنه لا يستعمل إلا في حالات نادرة جدّاً. *** ماذا بعد الطلقة الثالثة ؟ وَرَدَ في القرآنِ أَنه إِذا طَلَّقَ الرجلُ زوجتَه الطلقةَ الثالثة، فإِنّها لا تحلُّ له إِلّا بعدَ أَنْ تَنكحَ زوجاً غيرَه. قال تعالى: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) . والمعنى أَنه إِنْ طَلَّقَها زوجُها الطلقةَ الثالثة فإنها لا تحلّ له حتى تنكحَ زَوْجاً غيرَه، وذلك بأَنْ يتزوَّجَها الثاني، ويدخُلَ بها، ويُجامعَها، فإِنْ طَلَّقَها زوجُها فلا جناحَ على زوجِها الأَوَّلِ أَنْ يتزوَّجَها من جَديد. أَما إِذا عَقَدَ الزوجُ الثاني العقدَ عليها فقط، بهدفِ تحليلِ عودتِها إِلى زوجِها الأَول، ولم يُجامعْها، فهذا لا يَجوز، وقدْ لعنَ رسولُ اللهِ ﷺ الرجلَيْن، المحلِّلَ وهو الزوجُ الثاني، والمحلَّلَ له، وهو زوجُها الأَوَّل، وقال ﷺ : "لَعَنَ اللهُ المحلِّلَ والمحَلَّلَ له ". وهذا التشريعُ كُلُّه لم يُعْجب الفادي المجْرِم، وأَثارَ عليه اعْتِراضَه وإِنْكِارَه، وخَظَأَ القرآنَ، وشَتَمَ رسولَ اللهِ ﷺ ببذاءَة. قال: " ونحنُ نَسأَل: أَلا يَستنكرُ العُقلاءُ هذا النظامَ الغَريب؟ لماذا يُصَرّحُ القرآنُ بصُلْحِ المطَلقةِ

стр. 439

ورُجوعِها إلى زوجِها، بشرطِ أَنْ تُجامِعَ رَجُلاً غيرَه يُسَمَّى مُحَلِّلاً؟ ولماذا لَعَنَ محمدٌ المحَلّلَ والمحَلَّلَ له؟ أَليسَ الأَحَقُّ باللَّعن هو المُشرِّع؟! " (١) . وكلامُ المجرمِ يَقومُ على التلاعبِ والتحريفِ، والتَّدْليسِ والتَّمويه، إِنه لإِجْرامِه وشيطنَتِه يُريدُ أَنْ يُمَوِّهَ على القارئ!. إِنه يَدْعو العُقَلاءَ إِلى استنكارِ هذا النِّظام الغَريب، ويزَعُمُ أَنَه لا يتقبَّلُه العقلُ السَّليم.. ولا أَدري أَينَ مصادمَتُهُ للعقل. لقد شرَعَ اللهُ الطَّلاق، وحَدَّدَ عَدَدَ الطلقات بالثَّلاث، بعدَ أَنْ كانَ مَفْتوحاً مُطْلَقاً في الجاهلية، فقد يُطلِّقُ الرجلُ منهم زوجَتَه مئةَ طَلْقَة، ويُبْقيها زوجةً له، فجاءَ الإِسلامُ وحَدَّدَه بثَلاثِ طَلْقات.. ويمكنُ للمرأةِ أَنْ تتزوَّجَ رجُلاً آخَرَ بعد انقضاءِ عِدَّتِها من زوجِها الأَوَّل. وماذا في هذا من تَصادُمٍ مع العقل؟ ويمكنُ لزوجِها الثاني أَنْ يُطَلِّقَها إِذا أَراد، وماذا في هذا؟ وما المانعُ من أَنْ تَعودَ إِلى زوجِها الأَوَّل بعدَ انقضاءِ عِدَّتِها من زوجِها الثاني؟ أَينَ الذي يرفُضُه العقلُ السَّليمُ من هذا التشريع؟ ثم أَليس هو شرعَ الله، جاءَ صَريحاً في القرآن؟ وهل في شرعِ اللهِ ما يتناقَضُ مع العقلِ السليم؟. وجملةُ المجرمِ مَلْغومَة: " بشَرْطِ أَنْ تُجامِعَ رَجُلاً غيرَه يُسَمّى المحَلِّل "، ويَقصدُ المجرمُ بالجماعِ هنا الجماعَ المُحَرَّمَ الذي هو الزِّنى، لأَنه يستنكرُ زواجهَا الثاني ويعتبرُه زنى، والجِماعُ المباحُ في الإِسلام هو الذي يكونُ بينَ الزوجَيْنِ زَواجاً شرعياً. والزوجُ الثاني إِنْ تزوَّجَ المرأةَ على الأُصولِ الشرعيةِ زوجٌ كاملُ المواصفاتِ الزوجيةِ وحقوق الزوج، ولا يُسَمّى محلّلاً، إِنما يُسَمّى مُحَلِّلاً إِذا تزوَّجَها بهدف تحليلِ إِعادتِها إِلى زوجِها الأَوّل، واشترطَ عليه أَنْ لا يُجامِعَها!. وكم كانَ الفادي مُجْرِماً بَذيئاً مَلْعوناً عندما وَجَّهَ لعنة مباشرةً لرسولِنا ﷺ ، وذلكَ في قوله: " ولماذا لَعَنَ محمدٌ المحَلّلَ والمحَلَّلَ له؟ أليسَ الأَحَقّ باللعنةِ هو المشَرِّع؟ ".

стр. 440

ولا نقولُ إِلَّا أَنَّ هذا المجرمَ عليه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أَجْمعين. *** حول حجاب المرأة اعترضَ الفادي المفترِي على القرآنِ لأَنه أَمَرَ المرأةَ المسلمةَ بالاحْتِجاب، وذلكَ في قوله تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) . قال: " والخُمُرُ جمعُ خِمار، وهو ما تُغَطّي به المرأةُ رأْسَها. و" جيوبهن " جمعُ جيب، وهو القَلْبُ أَو الصدْرُ، والجيبُ أَيضاً هو طَوْقُ القَميص، فيكونُ المعنى: يَسْتُرْنَ أَعناقَهن بغطاء رؤوسهن. - ونحنُ نسأَل: كيفَ توضَعُ المرأةُ في حِجابِ يُشْبِهُ السِّجْن؟ إِنَّ الحجابَ يقتلُ في المرأةِ روحَ العمل والنشاطِ والحريةِ الشخَصية، ويَرجِعُ بالإِنسانيةِ إِلى عهودِ الرِّقِّ والعبودية ". لا أَدري لماذا يُهاجمُ الفادي الحِجابَ، ويَصفُه بهذه الصفاتِ المذمومة؟ وهو رَجُلُ الدّينِ النَّصْراني، الذي يَزعمُ حِرْصَه على العَفافِ والطُّهْر، ومُحاربةِ الانحلالِ والعُهْر، وإِنَّ الحجابَ صيانةٌ وحفظٌ للمرأة، ونَشْرٌ للطهارةِ والفضيلةِ في المجتمع. ومَن الذي قالَ: إِنَّ الحجابَ سجنٌ للمرأة؟ ولماذا يُرَدِّدُ الفادي دِعاياتِ الشَّياطِين. إِنَّ دُعاةَ الشهوات، الحريصين على نَشْرِ الفواحِش، يُريدونَ فتنةَ الناسِ بالمرأة، فيُخْرِجونَها متبرجةً متزينةً مغرية، ويُحاربونَ حِجابَها وسِتْرَها، وما الفادي إِلَّا واحدٌ من هؤلاءِ الشياطينِ المفسدين، ولذلك يُهاجمُ الحجاب ويَجعلُه مُدمِّراً للمرأة، قاتِلاً لروحِ العمل والنشاطِ فيها، علماً أَنَّ المحَجَّباتِ من أَنشطِ النساءِ في المجتمع!.

стр. 441

حول قتال مانعي الزكاة ذَكَرَ الفادي آياتٍ من سورةِ التوبة تتحدَّثُ عن إخراج الزكاة، ثم ذَكَرَ قِتالَ أَبي بكرٍ الصّدّيق ﵁ مانعي الزكاة، حيثُ أَرسلَ خالدَ بنَ الوليدِ ﵁ فقاتَلَهم وأَعادَهم للإسلام. ثم اعترض على ذلك بقولِه: " ونحنُ نسأل: إذا كانت الزكاةُ رُكْناً من أَركانِ الدين، والدينُ لله، فهل يُعْتَبَرُ الدِّينُ قَيِّماً إِذا كُنّا نُمَارسُهُ لا رغبةً وتَطَوّعاً، بل جَبْراً وقَسْراً، وإِنَّ زكاةً يجمعُها سيفُ خالدِ بنِ الوليد وأَمثالِه، يَرفُضها الله! لأنها ليستْ إِحْساناً ". إِنَّ اعتراضَه هنا خارجٌ عن موضوعِ الكتابِ، فالكتابُ مُخَصَّصٌ للحديثِ عن أَخطاءِ القرآنِ في زَعْمِه، وهذا الاعتراضُ على ما فَعَلَه أَبو بكر وخالدٌ ﵄ من قِتالِ مانعي الزكاةِ من المرتَدين العرب!. ومع ذلك نقول: صَحيح أَنَّ الزكاةَ رُكْنٌ من أَركانِ الإِسلام، وأَنه لا بدَّ للمسلمِ من أَنْ يَدْفَعَها وهو منشرح مُتَفاعِل، وأَنْ يَتَفاعَلَ كيانُهُ كُلّه بإِعطائِها، كما قالَ الله : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) . والمسلمونَ يقومونَ بشعائِر الإِسلام رغبةً وتَطَوّعاً، لأَنهم يَتَقَرَّبون بذلك إِلى الله، ويَفرحونَ لأنهم بذلك يَنالونَ جَنَّتَه ورِضوانَه. وقتالُ مانِعي الزكاةِ زمنَ الصدّيقِ ﵁ ليسَ من أَجْلِ إِكراهِهم على دفْع الزكاةِ جبراً وقَسْراً، كما ظَنَّ الفادي الجاهل، بل من أَجْلِ أَنهم مُرْتَدّون كُفّار " لأَنهم أَنكروا وُجوبَ الزكاة، وإِنكار وُجوبِها خروجٌ من دينِ الله.. ومن المعلومِ أَنَّ قِتالَ المرتَدّين واجب.

стр. 442

فلما عَادوا للإِسلامِ دَفَعوا الزكاةَ راضين مُتَقَرِّبينَ بذلك إِلى الله!. *** حول توزيع الغنائم اعترضَ الفادي المفترِي على القرآنِ في توزيعِه الغنائم، وذلك في قولِه تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) . والغنائمُ هي كُلُّ ما أَخِذَ من الكفارِ بعد هزيمتِهم واستسلامِهم. وهذه الغنائمُ أَحَلَّها اللهُ للمؤمنين المجاهدين، ولم يُبِحْها للمسلمين السابقين، فلما كان السابقونَ يُجاهدونَ الكافرين ويَهزمونَهم، ويَأخُذون منهم الغنائم، كانوا يَجْمَعون تلك الغنائمَ ويَحْرِقونَها بالنار، وعلى هذا قولُ رسولِ اللهِ ﷺ : " وأُحِلَّتْ لي الغنائم، ولم تُحَلَّ لأَحَدٍ من قبلي.. ". وأَمَرَ اللهُ بتَخْميسِ الغنائم. أَيْ: تَقْسيمها إِلى خمسةِ أَخْماسٍ متساوية، تُعْطى أَربعةُ أَخْماسٍ منها للمجاهِدين تكريماً ومكافأةً لهم. والخُمسُ الخامسُ يَقَسَّمُ على خمسةِ أَصناف، ذَكَرَتْهم الآية: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) . وقد اعترضَ الفادي على هذا، فقال: " ونحنُ نسأَلُ: كيفَ تُستباحُ أَموالُ الناسِ بعد إِراقةِ دمائِهم باسمِ الله؟ وكيفَ يأخُذُ القائدُ الدينيُّ غنيمة؟! ". يُنكرُ الفادي المفترِي قِتالَ الكافرين، حتى لو بَدَؤوا هم بالعُدْوان على المسلمين وقتالِهم، ويَعتبرُ قَتْلَهُمْ سَفْكاً للدمِ بالباطل، ويعتبرُ المسلمين معتدين!. وإذا كان الفادي الجاهلُ يَعترضُ على القرآنِ لإِباحتِه قِتال الكفار، فإنه

стр. 443

يعترضُ على القرآنِ أَيضاً لأَنه أَباحَ أَخْذَ الغنائم من الكفارِ المعتدين، وقَسَّم تلكَ الغنائمَ عليهم، وأَعطى النبيَّ جُزْءاً من تلك الغنائم!. واعتراضُ الفادي مردود؛ لأَنه يعترضُ على أَمْرٍ أَباحَه الله، وَوَرَدَ النصُّ عليه في كتابِ الله قال تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩) . *** حول أخذ الجزية من أهل الكتاب اعترضَ الفادي المفترِي على قولِ الله : (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) . لأَنَّ الآيةَ تأمرُ المؤمنين بقتالِ الكفارِ من اليهودِ والنصارى من أهلِ الكتاب، وتُبَيِّنُ المبرراتِ التي تَدْعو إِلى قِتالِهم، ولا يتوقفُ قِتالُهم إِلّا بخضوعِهم للمسلمين، ودفعِهم الجزيةَ وهم صاغرون. ونَقَلَ من تفسيرِ البيضاوي تفسيرَ الآية وبيانَ مَعْناها، ومعنى الجزية، ومَن الذين تُؤْخَذُ منهم، وكَيفيةَ أَخَذِها منهم، واختلافَ المذاهبِ في ذلك. وقالَ بعدَ ذلك: " ونحنُ نسأَل: كيفَ يُبيحُ قَوْمٌ لِأَنْفُسِهم أَنْ يُقاتِلوا الناس باسمِ الدين، ويُخَيِّروهُم بينَ الإِسلام أَو الموت أَو الجزية؟ " (١) . أَيْ أَنَّ الفادي المفترِي لا يُجيزُ قِتال الآخرين، ولا أَخْذَ الجزيةِ منهم؛ لأَنَّ هذا ظلْم لهم واعتداءٌ عليهم. إنّ قِتالَ الكفارِ من أَهلِ الكتابِ وأَخْذَ الجزيةِ منهم، ليس اجتهاداً من المسلمين، حَتّى نقولَ: إِنْ هذا اجتهاد خاطِئ، وفَعْلٌ باطل، ولكنَّ هذا أَمْرٌ صريحٌ من اللهِ ، أَنزلَه في كتابِه الكريم، والمسلمونَ مكُلَّفونَ بتنفيذِه..

стр. 444

وبما أَنَّه أَمْرٌ من اللهِ فهو صواب، لا خَطَأَ فيه، ولا اعتراضَ عليه؛ لأَنَّ اليقينَ عند كُلّ مسلمٍ وجوبُ الالتزامِ بأَحكامِ الله، وتنفيذِ أَوامِرِه. لماذَا أَمَرَ اللهُ بقتالِ أَهل الكتابِ من اليهودِ والنصارى؛ لأَنَّهم كُفّار أَوَّلاً: (لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ) . ثم لأَنهم يتآمَرونَ على المسلمين، ويَعْتَدُونَ عليهم، ويَطْمَعون فِي بُلدانِهم، ولا يتوقَّفونَ عن قتالِهم، وإنْ ظَهَروا عليهم وغَلَبوهم ارْتَكَبوا ضِدَّهم الجرائمَ الفَظيعة: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨) . ولماذا أَخْذُ الجزيةِ منهم؟. إِنَّ دفْعَ هؤلاء الكافرين المعتدينَ الجزيةَ لليسلمين دليل على خُضوعِهم لسلطانِ المسلمين، وتوقفِهم عن العدوانِ عليهم، وهذا معناهُ أَنْ يتكفَّلَ المسلمونَ بحمايتِهم والدفاعِ عنهم، والمحافظةِ على دمائِهم وأموالِهم، وهم يَدْفَعون مبلغاً من المال للمسلمين، مقابلَ هذه الحماية، وسُمّيَتْ جزيةً من الجَزاء، وهو دَفْعُ شيءٍ جَزاءً لشيء، فهم يكسبونَ من المسلمين الحماية والأَمان، ويَبْذُلونَ المال جزاءً ومكافأةً لذلك!. *** حول إكراه الجواري على الزنى اعترضَ الفادي المفترِي على قولِ الله : (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) . نَقَلَ الفادي عن تفسيرِ البيضاويّ سببَ نُزولِ هذه الآيةِ وتفسيرَها. وخلاصَةُ ذلك أَنه كانَ لعبدِ الله بنِ أُبَيّ ستّ جَوارٍ من الإماء، وكان

стр. 445

يُكْرِهُهُن على الزنى، ويُطالبهنَّ بِدْفعِ ضريبةٍ ماليةٍ له مقابل ذلك، فشكا بعضُهنَ الأَمْرَ إِلى رسول اللهِ ﷺ .. فأَنزل اللهُ الآيةَ لِذَمِّ ابنِ أَبَيّ ومَنْعِه من فعْلِهِ. والمعنى: لا يجوزُ إِكراهُ الجواري على الزِّنى أَصْلاً، ولا يَجوزُ إِرسالُهنَّ إِلى الزنى أَصلاً، حتى لو لم تَكُنَّ مُكْرَهات، فالموافقةُ على زناهُنَّ حَرام، وإِرسالُهنّ للزِّنى حَرام، وإِكراههنَّ على الزّنى حرام. والشرطُ في قولِه: (إن أردنَ تحصناً) ليس قَيْداً للنَّهي، لأَنَّ النهيَ عن زناهُنَّ عامّ، سواءٌ أَرَدْنَ تَحَصناً أَمْ لا، لكنَّ هذا الشرط لبيانِ الواقع، لأَنَّ الآيةَ نَزَلَتْ في إماءٍ تَعفَّفْنَ وأَردْن التحصُّن.. فإِذا كُنَّ هؤلاء الإماءُ يُردْنَ التحصُّنَ والتعففَ وهنَّ إِماء، فكيفَ بغيرِهن من الحرائر، اللَّواتي يَنْفُرْنَ من الزنَى أساساً؟!. وقد اعترضَ الفادي على الآيةِ وصياغَتِها. قال: " ونحنُ نسأل: أليس الأَولى أَنْ يَأمُرَ الفتياتِ أَنْ يُشهِرْنَ الطاعةَ لله، والعصيانَ على البشر، فلا يَقْبَلْنَ ارتكابَ المنكر؟ وكان الأَوْلَى بدَل أَنْ يقول: (فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أنْ يقول: إن الله شديد العقاب، إلا على من تاب ". واقتراحُ الفادي دَليلٌ على جهْلِه وغَبائِه، فهو يَرى أَنَّه كانَ الأَوْلى بالآيةِ أَنْ تَأَمُرَ أُولئك الفتياتِ الجواري بإِعلانِ الطاعةِ لله، ورفْضِ ارتكابِ المنْكَرِ. ومَنْ قال: إِنَّهُنَ لم يفعَلْنَ ذلك؟! لقد عَصَيْنَ سيدَهُن عبدَ الله بنَ أَبَيّ، ورفضنَ تنفيذَ طَلَبه، وشَكَوْنَهُ إِلى رسول اللهِ ﷺ ، وفعَلْنَ ذلك من بابِ طاعَتِهنَ لله! فلماذا يَقترحُ الغبيُّ على الآيةِ طَلَبَ شيءٍ منهنَّ فعلْنَه ونَفَّذْنَه؟!. ويُنكرُ الجاهلُ على الآيةِ خَتْمَها بجملةِ: (فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ويقترحُ خَتْمَها بجملةِ: "فإن الله شديد العقاب إلا على من تاب". يَتَعالَمُ الجاهلُ ويَتَفاصَحُ على القرآنِ العظيم المعْجِز، ويَرى عِبارتَهُ أَبْلغَ وأَفصحَ من عبارةِ القرآن، فيرَى أَنَّ خَتْمَ آيةٍ تَنهى عن الحَرَامِ والمْنكَرِ بالترغيبِ بالمغفرةِ والرحمةِ غَيْرُ مناسِب، وكانَ الأَوْلى أَنْ تُخْتمَ الآية ُ بالتهديدِ بالعِقاب!.

стр. 446

إِنَّ الأَنْسَبَ هو خَتْمُ الآيةِ بالترغيبِ بالمغفرةِ والرحمة، وهذا التَّرغيبُ ليسَ للذي يُكْرِهُهُنَّ على البِغاء، إِنما هو ترغيِبٌ لهن، فقد يَزْنينَ مُكْرَهاتٍ نافرات، فَتَدْعوهُنَّ الآيةُ إِلى التوبةِ والاستغفار، واللهُ غفورٌ رحيم، يَغفرُ لهنَّ ويَرْحَمُهُن!. أَمّا الذي يُكْرِهُهُنَّ فإنَّ الله سيحاسِبُه ويُعَذِّبُه. والتقدير: ومَنْ يُكْرِهْهُنَّ فسوفَ يُحاسبه الله، أَمّا هُنَّ فإِنَّ اللهَ سيغفرُ لهنّ؟ لأَنَّه غَفورٌ رحيم. *** حول الشهود على الزنى اعترض الفادي المجرمُ على قولِ اللهِ وَبَئ: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) . تُحَذِّرُ الآية ُ من الحديثِ عنِ الأَعراضِ والاتِّهامِ بالزِّنى، وتُطالِبُ المُسْلِمِينَ بالاحتياطِ والحَذَرِ والتَّشَدُّد، وذلكَ بالإِتيانِ بأَربعةِ شُهود، شاهَدوا الرجلَ يَزْني بالمرأة، فإِنْ لم يَشْهد الأَربعةُ على ذلك جُلِدوا حَدَّ القَذْف. وعَلَّق الفادي على ذلك مُعْتَرِضاً فقال: " ونحنُ نسأل: كيِفَ يَتَسَنّى لأَربعةٍ أَنْ يَكونوا شُهوداً لحادثةٍ فِيها دائماً كتمان وسِرِّيَّة؟ وكيفَ يُحْكمُ بالجلدِ ثمانينَ جلدةً على ثلاثةِ شُهود، ولو رأوْا بأَعْيُنِهم ارتكابَ الحادث وشهِدُوا عليه؛ لأَنَّه ليسَ معهم شاهِدٌ رابع؟ إِنَّ المطالبةَ بأَربعةِ شهودٍ أَقربُ إِلى المستحيل، وتعجيزٌ وتعطيل، بهدفِ تبرئةِ المذنب " (١) . يعترضُ الفادي على طلبِ إِحضارِ أَربعةِ شُهود، رَأَوُا الزّنى بأَعينهِم " لأَنَّ هذا شِبْهُ مستَحيل، ولأَنَّ الزِّنى يكونُ غالِباً في مكانٍ خاصّ، فالهدفُ من اشتراطِ أَربعةِ شُهودٍ هو تبرئةُ الزَّانِيَيْنِ، وتَعطيلُ الحَدّ!.

стр. 447

إِنّ ما ذكَرَتْه الآية من اشتراطِ أَربعةِ شُهودٍ هو الحَقُّ والصَّواب، وحكمَةُ ذلك المحافَطةُ على الأعراضِ وصِيانَتُها وعَدَمُ جَعْلِها وسيلةً للإِشاعاتِ وأَحاديثِ المجالس. تَتَناقَلُها وتُرَدّدُها الأَلسنة، وبهذا تنتشرُ الرذيلة، وتُوحي بسهولةِ ارْتكَابِها بينَ الناس، وتُغْري رُوّادَ الفواحشِ بيُسْرِ الحصولِ عليها. لذلك حَرَّمَ الإِسلامُ الحديثَ في الأَعْراض، وقَذْفَ الناسِ بالزنى، واشْتَرَطَ على المتحدّثِ تَقْديمَ أربعةِ شُهودٍ شاهَدوا ارتكابَ الفاحشةِ بعُيونِهم، فإِنْ لم يَتِمَّ ذلك أُقيمَ على المتكلّمين حَدُّ القَذْف، وجُلِدَ كُلّ واحدٍ منهم ثَمانين جلدة. صحيحٌ أَنه من المتَعَذِّرِ رؤيةُ أَربعةِ رجالٍ الزَّانِيَيْنِ وهما يَزْنِيان " لأَنَّ الزِّنى فية إِسرارٌ وتكتُّمٌ واخْتِفاء، لكن لا بُدَّ من شهودٍ وبَيِّنَة، ثم إِنه ليس من هدفِ القرآنِ إِقامةُ حَدّ الزِّنى على الزانِيَيْن، بل هدفُه تطْهيرُ المجتمعِ الإِسلاميّ من فاحشةِ الزِّنى، ومحاربتُها ومطاردتُها، وإبعادُها عن تفكير ومشاعرِ الراغِبين فيها، بحيثُ يضطرُّ المجرمان المتَّفِقانِ على الزِّنى إِلى الاختفاءِ عَن عيونِ الناس، وارتكابِ الفاحشةِ في غُرْفَةٍ محكمةِ إِغلاق الأَبوابِ والنوافذِ! وهما إِنْ نَجَيا من إِقامَةِ الحَدِّ في الدنيا، فلن يَنْجُوا من عذَابِ اللهِ في الآخرة!. وعجيبٌ أَمْرُ هذا الفادي المجرم: إِنَّ أَيَّ آيةٍ في القرآنِ تُثيرُ اعْتراضَه وإِنكارَه، فاشتراطُ الآيةِ أَربعةَ شهودٍ جَعَلَها تلاَعباً وتبرئةً للزانيَيْن، ولو تساهَلَت الآيةُ في إِثباتِ الزنى لجعَلَها قاسيةً شديدةً! فمهما قال القرآنُ فهو عنْدَه خطأ!!. *** لماذا جلد الزاني أمام الناس ؟ عندما أَمَرَ اللهُ بإِقامةِ حَدّ الجَلْدِ على الزانيةِ والزاني، أَوجبَ أَنْ يَكونَ ذلك أَمامَ المؤمنين؟ قال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) .

стр. 448

واعترضَ الفادي المفترِي على ذلك، فقال: " ونحنُ نَسأل: أَليسَ الأَجْدَرُ أَنْ يُعالَجَ أَمثالُ هؤلاء المذنبين بروحِ الوداعةِ والشفقة؟ والمسيحيةُ لا تأمُرُ بطرْدِ المخطئ، بل بفرزِهِ من الجماعةِ تَخْجيلاً له، ثم قَبولُه والترحيبُ به إِذا نَدِمَ وأَعْلَنَ توبَتَه ". يَرى الفادي أَنَّ جَلْدَ الزاني عقوبةٌ قاسيةٌ شديدة، فيها انتقامٌ ووحشيةٌ وعُنْف، لا سِيَّما أَنَّ الجَلْدَ لا بُدَّ أَنْ يكون علنيّاً، وأَن يشهدَه طائفةٌ من المؤمنين. ويُفَضِّلُ الفادي عقوبةَ الزاني في الإِنجيلِ على عقوبتِه في القرآنِ، لأَنَّ العقوبةَ في الإِنجيلِ تتمُّ بروحِ الوَداعةِ والشفقة، وتقومُ على فرْزِهِ وفصْلِه عن الجماعةِ تَخْجيلاً له، وإِذا ندمَ وتابَ يُعادُ إِلى الجماعة!!. وإِنَّ اعتراضَ الفادي مردودٌ باطل، لأَنه مُوَجَّهٌ إِلى حكمٍ صادِرٍ عن اللهِ، وإِنَّ اللهَ العليمَ الحكيمَ يَعلمُ أَنه بتطبيقِ هذا الحكمِ يرتدع الزُّناةُ ويتأَدَّبونَ، لأَنهم يخشونَ الفضيحةَ العلنية، والعقوبةَ المرئية، ويحسِبون لها كُلَّ حساب: (وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) . وبعضُ الذين لا يَخافون من حسابِ اللهِ وعقابِه، قد يخافونَ من الفضيحة، فيتوقَّفونَ عن ارتكابِ الحَرام إِذا نتجَ عنه فضيحة. ودَعا الله المؤمنين إلى عقاب الزانيةِ والزاني بمئةِ جَلْدَة، ونَهاهُما عن إيقاف العقابِ بحجَّةِ الرأفةِ بهما: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) . وهذا رَدّ على تَعالُمِ المعْتَرِضين على حُكْمِ الله، من أَمْثالِ الفادي، الذينَ يَظُنّونَ أَنهم أَرأَفُ وأَرحمُ بالعُصاةِ من اللهِ ربِّهم، فيرفُضونَ حكْمَه، ويُقَدّمونَ بديلاً له، يَظُنُّونَهُ أَفضلَ.. إِنَّ الأَفضلَ للناسِ هو تطبيقُْ حُكْمِ الله، ولا يُرَبّيهم ويُزَكّيهم إلّا حُكْمُ الله، ولا بَديلَ لحُكْمِ الله.. ونقولُ للفادي وأمثالِه ما عَلَّمَنا القرآنُ: (قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) .

стр. 449

المنسوخ والناسخ في حد الزنى اعترضَ الفادي على آيةٍ تتحدَّثُ عن عقوبةٍ منسوخةٍ للزنى، وهي قولُ الله : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) . النساءُ اللواتي يرتكبنَ فاحشةَ الزِّنى، يَجبُ أَنْ يَشهدَ - عليهنَّ أَربعةُ شُهود، فإِنْ شهِدوا عوقِبنَ بالحبسِ في البيوت، حتى يَحينَ أَجَلُهُنَّ وتَنتهي أَعمارُهن، أَو يأتيَ حكْمٌ جديدٌ من اللهِ يَنسخُ هذا الحكم: (حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) . وهذا الحكمُ أَثارَ اعتراضَ الفادي المفترِي، فقال: " ونحنُ نسأَلُ: هَلْ يُصْلِحُ الحبسُ المؤَبَّدُ في مثلِ هذه الحالةِ المذْنِبَ؟ كَيفَ يَحْبِسونَ فَتاةً في السادسةَ عشرةَ من عمرِها مَثَلاً، إِذا قُدِّرَ لها أَنْ تَعيش ثمانينَ سنة؟ الأَصلحُ أَنْ تُعطى الخاطئةُ فُرْصَةً للتوبةِ والحياةِ المقدسةِ الجديدة. ويقولُ عُلماءُ المسلمين: إِنَّ هذه الآيةَ منسوخةٌ بِحَدِّ الجَلْدِ للزانيةِ غيرِ المحصَنَة في سورةِ النور، وبحَدّ الرجمِ للزانيةِ المحصَنَة، ولو أَنَّ آيةَ الرجْمِ نُسِخَتْ تِلاوة.. ويقولُ القرآنُ: إِنَّ حَدَّ الإِماءِ نصفُ حَدِّ الحرائر، ولكنَّنا لا نعلمُ ما هو نِصْفُ الرَّجْم "!. يَرى الفادي أَنَّ حبسَ المرأةِ الزانيةِ في البيت لا يُصْلِحُها، والأَصْلَحُ لها أَنْ تُعطى فرصةً جديدةً للتوبة، والتخلّي عن الفاحشة، ولا أَدري كيفَ تُعْطى لها هذه الفُرصة! ويتهكَّمُ على الحكم على الزانيةِ بالحبسِ حتى الموتِ بأَنه حُكمٌ بالسجنِ المؤَبَّدِ، وسيكون هذا عشراتِ السنين!.

стр. 450

وكلامُه يدل على جَهْلِه، فهو لا يَعلمُ بأَنَّ الحكْمَ بحبسِ الزانية إِنما هو حُكُمٌ مُؤَقَّت، وسينسخُه اللهُ فيما بَعْد. ولم يُطبَّقْ هذا الحُكْمُ على عهدِ رسول الله ﷺ ، فلم تُسَجِّل الرواياتُ الصحيحةُ حادثةً واحدةً حُكِمَ فيها على امرأةٍ زانيةٍ بالحبْسِ في البيتِ حتى الموت، ولم تَمُتْ زانيةٌ واحدو وهي محبوسةٌ في بيتها؛ لأَنه لم تَثْبُتْ حالةُ زنى واحدةٌ خلال هذه الفترة. والدليلُ على أَنَّ الحكمَ بالحبسِ مُؤَقَّتٌ قول الله: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) أيّ: سيأتي اللهُ بحكْمٍ آخرَ، يَنسخُ هذا الحكْمَ. وجاءَ الحكمُ الناسخُ في سورةِ النور، قال تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) . نَسَخَ اللهُ حكْمَ حَبْسِ الزانياتِ في البيوتِ بجِلْدِهِنَّ مئةَ جَلْدة، إِذا كُنَّ غيرَ متُزَوِّجاتٍ وقد صَرَّحَ رسول اللهِ ﷺ بأَنَّ آيةَ سورةِ النورِ ناسخةٌ لآيةِ سورةِ النساء، والسبيلَ الذي وعَدَتْ به آيةُ سورةِ النساء هو ما ذكَرَتْهُ آيةُ سورةِ النور. روى مسلمٌ عن عبادةَ بنِ الصامت ﵁، عن رسول اللهِ ﷺ قال: " خُذُوا عَنّي، خُذُوا عَنّي، قد جَعَلَ اللهُ لهنَّ سبيلاً، البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مئةٍ ونفيُ سَنَة، والثيبُ بالثيبِ جَلْدُ مئةٍ والرَّجْم". وإذا كان حَدُّ الزاني البكرِ الجلدُ مئةَ جلدةٍ، قد ثَبَتَ في سورةِ النور، فإنَّ حَدَّ الزاني المتزوج الرجمَ حتى الموتِ، قد ثَبَتَ في حديثِ رسول الله ﷺ ، حيثُ رَجَمَ زُناةً متَزوِّجين!. والراجحُ أَنَّ الرجْمَ لم يُذْكَرْ في القرآن، كما أَنَّ الراجحَ أَنه لا توجَدُ آيَةٌ منسوخةُ التلاوةِ في القرآن، وأَنَّ النسخَ الذي في القرآنِ هو نسخُ الحكمِ مَعَ بقاءِ التلاوة. روى مسلمٌ عن عبد الله بنِ عباس ﵄ قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ وهو جالسٌ على منبر رسولِ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ بَعَثَ محمداً ﷺ بالْحقّ، وأَنزل

стр. 451

عليه الكتاب، فكانَ مما أَنزلَ عليه آيةُ الرجم، قرأناها ووَعَيْناها وعَقلناها، فَرَجَم رسولُ اللهِ ﷺ ورَجْمنا بَعْدَه، فأخشى إِنْ طالَ بالناسِ زَمان أَنْ يقول قائل: ما نَجدُ الرجمَ في كتابِ الله، فيَضلّوا بتركِ فريضةٍ أَنزلَها الله، وإنَّ الرجْمَ في كتابِ اللهِ حَقٌّ على مَنْ زنى إِذا أُحْصِنَ، من الرجالِ والنساء، إِذا قامت البينةُ أَو كانَ الحَبَلُ أَو الاعتراف ". ومعنى كلامِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ الله هو الذي أَمَرَ برجْمِ الزاني المحْصَن، وأوحى بهذا الحكمِ لرسولِ اللهِ ﵇، وعَدَمُ وُجودِه في القرآنِ منصوصاً عليه، لا يَعْني أَنه غَيْرُ مَشْروع، فوجودُه في السُّنَّةِ كافٍ لإِثباتِ مشروعيتِه!. أَمّا الجواري الإِماءُ فإِن عقوبتَهنَّ نِصْفُ عقوبةِ الحَرائر، كما صرَّحَ بذلك القرآن، قال تعالى: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) . ومعنى قولِه: (فَإِذَا أُحْصِنَّ) : إِذا تَزوَّجْنَ، فإِذا زَنَت الأَمَةُ بعدَ الزواج أُقيمَ عليها الحَدُّ، وهو على النِّصْفِ من الحَدِّ الذي يُقامُ على الحُرَّة، وبما أَنَّ حَدَّ الحرةِ المحصنةِ هو الرجم، فإِنه لا يُقامُ على الأَمَةِ نصفُ الرجم " لأَنَّ الرجْمَ لا يُنَصفُ. وقد كانَ الفادي خَبيثاً عندما قالَ مُشَكِّكاً: " ويَقولُ القرآنُ: إِنَّ حَدَّ الإِماءِ نصفُ حَدِّ الحَرائِر، ولكنَّنا لا نَعْلَمُ ما هو نصْفُ الرجم! ". بما أَنَّ الرجمَ لا يتنصَّفُ، فينقل الحكْمُ إِلى الجلدِ مئهَ جَلْدَة، وبما أَنَّ الحرةَ تُجْلَدُ مئةَ جلدة فإِنَّ الأَمَةَ تُجْلَدُ خمسينَ جلْدَة!!. *** هل أخد الرسول ﷺ بثأر حمزة ؟ وَقَفَ الفادي أَمامَ قولِ الله : (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) .

стр. 452

وكان نزولُ هذه الآيةِ بعد غزوةِ أُحُد، في السنةِ الثانيةِ من الهجرة، التي جَرى فيها للمسلمين ما جَرى، وقد استشهدَ حمزةُ ﵁، بعد أَنْ بَقَرَ المشركونَ بَطْنَه ومَثَّلوا به. وقد نَقَلَ الفادي عن البيضاويِّ أَنَّه لما رأى رسولُ اللهِ ﷺ حمزةَ وقَدْ مُثِّلَ به، قال: " واللهِ لئن أَظْفَرني اللهُ بهم، لأَمَثِّلَنَ بسبعينَ منهم مكانَك "، فأنزلَ اللهُ الآية، وكَفَّرَ رسولُ الله ﷺ عن يمينِه. وعَلَّقَ الفادي المغرضُ على ذلك بقولِه: " ونحنُ نَسأل: هل الأَخْذُ بالثأرِ يُهَذّبُ النفسَ ويَحفظُ الأَمْن؟ إِنّنا نُعاني من عادةِ الأَخْذِ بالثأرِ ويلاتٍ مُرَّة.. قال المسيح: إِنَّ الذينَ يأخُذونَ السيفَ بالسيفِ يَهْلِكون.. وما أبعدَ الفرق بينَ قولِ محمدٍ: " والله لئن ظَفِرْتُ بهم لأُمَثلَنَّ بسبعينَ مكانك " وبين قولِ المسيح: إِنْ أَخْطَأَ إِليكَ أَخوكَ سبعينَ مَرَّةً سبْعَ مراتٍ فاغفِرْ له ". تُبيحُ الآيةُ لمن اعْتُدِيَ عليه وعُوقِبَ وظُلِمَ من المسلمين أَنْ يَنتصفَ ويَأخذَ حَقَّه ممنْ ظَلَمَه واعتدى عليه، وترشدُه إِلى ما هو أَوْلى، وهو الصبرُ على الأذَى، والعفوُ عنِ العِقابِ. واعترضَ الفادي على الآية، لأَنها تُبيحُ الأَخْذَ بالثأر، وهو ينشرُ الفَسادَ ويُخَرّبُ الأَمْنَ، ولا يُهَذّبُ النَفْسَ. والعِقابُ بالمثْل، والإِذْنُ بِرَدِّ الاعتِداء، ليسَ من بابِ الأَخْذِ بالثَّأْرِ " لأَنَّ الأَخْذَ بالثأرِ عادَةٌ عشائرية، والعِقابُ بالمثْلِ مبدَأٌ إِسلامي، وفَرْقٌ بين الأَمْرَيْن. ورغمَ أَنَّ القرآنَ أَجازَ الانتصافَ من الظالمِ والمعْتَدي إِلّا أَنَّه وَجَّهَ المسلمينَ إِلى الأَفضل، وهو العَفْوُ والصفْح. قالَ تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) .

стр. 453

وقد انتقصَ الفادي المفْتَري رسولَ اللهِ ﷺ لأَنه قالَ: " واللهِ لئن أَظْفَرَني اللهُ بهم لأُمَثِّلَنَّ بسبعينَ مكانَك " لأَنه أَخْذٌ بالثَّارِ على الطريقةِ الجاهلية، حيث سيَقْتُلُ سَبْعين شَخْصاً مقابلَ حمزَة ﵁، وقارَنَ بين هذا الموقِف، وموقفِ عيسى ﷺ الذي دَعا فيه إِلى العَفْوِ عن مَنْ أَخْطَأَ على الإِنسانِ سَبْعينَ مَرَّة. وكَلامُ الفادي مَرْدود، لأَنه مبنيّ على باطِل، فلم يَقُلْ رسولُ اللهِ ﷺ " ما نُسِبَ إِليه، وقد رَدَّ المحَدِّثونَ والمفَسّرونَ هذا الحديثَ لأَنه لم يَصِحّ. قالَ الإِمامُ ابنُ كثير في حُكْمِه على الحديث: " وقالَ محمدُ بنُ إِسحاق: عن بعضِ أَصحابِه، عن عطاءِ بن يسارِ قال: قُتِلَ حمزَةُ ﵁، ومُثّلَ به يومَ أُحُد، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لئن أَظْهَرَني اللهُ عليهم لأُمَثِّلَنَّ بثلاثين رَجُلاً منهم، فلما سمعَ المسلمونَ ذلك قالوا: واللهِ لئنْ أظْهَرَنا اللهُ عليهم لنُمَثِّلَنَّ بهم مُثْلَةً لم يُمَثِّلْها أَحَدٌ من العربِ بأَحَدٍ قط، فأَنزلَ الله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ... ) إِلى آخرِ السورة. وهذا مُرْسَلٌ، وفيه رَجُلٌ مُبْهَمٌ لم يُسَمَّ!!. وقد رُوِيَ هذا من وجْه آخَر مُتصل.. عن أَبي هريرة ﵁: أَنَّ رَسولَ الله ﷺ وَقَفَ على حَمزةَ بن عبدِ المطلب ﵁ حين اسْتُشْهِد، فَنَظَرَ إِلى مُنْظرٍ لم يُنْظَرْ إِلى مَنظرٍ أوجع للقَلْب منه، وقد مُثِّلَ به، فقال: " رحمةُ اللهِ عليك، إِن علمتُكَ إِلّا وَصولاً للرَّحِم، فَعولاً للخَيْرات، واللهِ لولا حُزْنُ مَنْ بَعْدَكَ عليك، لسَرَّني أَنْ أَتركَك حَتَّى يَحشُرَك اللهُ من بُطونِ السِّباع، أَما واللهِ لأُمَثّلَنَّ بسبعينَ كمُثْلَتِك " فنزل جبريلُ ﵇ على محمدٍ ﷺ بهذه السورةِ: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ) ، فكَفَّرَ رسولُ الله ﷺ عن يَمينِه، وأَمسكَ عن ذلك ". وهذا إِسنادٌ فيه ضَعْف، لأَنَّ صالِحاً هو ابنُ بشيرٍ المرّي، ضعيفٌ عند الأئمة. وقال البخاري: هو منكرُ الحديث ". وبَنى الفادي لجهلِه كَلامَه على حديثٍ ضعيفٍ مردودٍ عندَ المحَدّثين، ورَتَّبَ عليه نتائج، وانتقصَ فيها رسولَ الله ﷺ ، وبما أَنَّ الأَساسَ الذي اعتمدَ عليه مَرْدود، فكلُّ النتائج التي خرجَ بها مردودة.

стр. 454

والذي صَحَّ في هذه الحادثةِ هو ما رواهُ الترمذيُّ وأَحمدُ وابنُ حِبّان والحاكمُ والطبرانى عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ ﵁ قال: أُصيبَ من الأَنصارِ يومَ أَحُدٍ أَربعةٌ وستّون، وأُصيبَ من المهاجرين ستّة، فيهم حمزةُ، فَمَثَّلوا بقَتْلاهم، فقالَت الأنصار: لئن أَصَبْنا منهم يَوماً من الدهْر لَنَرْبِيَنَّ عليهم.. فلما كان يومُ فتحِ مكَّة، نادى رجلٌ لا يُعْرَف: لا قُريشٌ بعدَ اليوم! فأنزَلَ اللهُ على نبيِّه ﷺ : (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ..) . فقال النبيُّ ﷺ : "كُفوا عن القوم ... ". ثم ماذا فَعَلَ رسولُ الله ﷺ بعدَ أَنْ أَظفرَهُ اللهُ بقُرَيْش، وذلك يومَ فتْحِ مكة؟ هل مَثَّلَ بسبعينَ رجلاً منهم؟.. لم يَقْتُلْ منهم أَحَداً، ولقد عَفا عنهم جميعاً، حتى وَحْشِي بن حَرْبٍ، الذي قَتَلَ حمزةَ مباشرة عفا عنه، وحتى هند بِنت عتبة، التي لاكَتْ كَبِدَ حمزةَ عَفا عنها. ولما جَمَع رجالَ قريشٍ قال لهم: " ماذا ترونَ أَنّي فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أَخٌ كريمٌ وابنُ أَخٍ كريم. قال: اذْهَبوا فأنتم الطُّلَقاءُ! ". وإِنَّ الفادي المفترِي يَعْلَمُ هذا قَطْعاً، لكنّه يتعمَّدُ أَنْ لا يذكُرَه، ويذكُرَ الكلامَ الضعيفَ المردودَ بَدَلَه، ليَذُمَّ النبيَّ ﷺ وينتَقِصه!!. *** حول الإعداد للأعداء اعترضَ الفادي على قولِ اللهِ : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠) .

стр. 455

وأَخَذَ من تفسير البيضاوي بعضَ ما قالَه في تفسيرِ الآية، وهي تأمرُ المسلمينَ بإِعدادِ كلّ ما استطاعوا إعدادَه من قوةٍ وسلاحٍ لمواجهةِ أَعداءِ اللهِ وأَعدائِهم، ومنْعِ عدوانِهم. وعلَّقَ على ذلك بقولِه: " ونحنُ نسأل: كيفَ يأمُرُ القرآنُ بحملِ السلاحِ، والاستعدادِ للغزوِ والفَتْحِ في سبيلِ الله، فَتُزْهَقُ أَرواحُ البَشَر، وتُنْهَبُ الأَموالُ في سبيلِ الدين، وقَهْرِ الناسِ على قَبولِه؟ إِنَّ السيفَ هو حُجَّةُ الذي لا يَحتملُ المناظرة "!. لا يُريدُ الفادي المفترِي من القرآنِ أَنْ يُوَجِّهَ المسلمين إِلى حَمْلِ السِّلاحِ لقتالِ ألأَعداء المحاربين، الطّامعين في بلادِ المسلمين وأَموالِهم، لأَنه يُريدُ أَنْ يُواجِهَ المسلمونَ العُدوان بالاستسلام، والحربَ بالسَّلام، وإِذا ما قاتَلَهم أَعداؤُهم كَفّوا أَيديهم عنهم! وعلى القرآنِ أَنْ يَكونَ كتابَ محبة، يأمُرُ المسلمين بفتْحِ قُلوبِهم وأَيدِيهم لأَعدائِهم!!. لن يكفَّ الأَعداءُ عن الطمعِ في المسلمين، والتآمر عليهم، وتَحَيُّنِ الظرفِ المناسبِ لقتالِهم، والهجومِ عليهم، واحتلالِ بلادِهم. وقد سَجَّلَ التاريخُ الإِسلاميُّ الشواهدَ العمليةَ الكثيرةَ على مصداقيةِ هذه الحقيقة، ولم تَخْلُ فترةٌ من حربِ الأَعداءِ ضدَّ المسلمين، في صورةٍ من صورِ الحربِ العديدة. وإِنّ ما يقولُه الفادي المفترِي في اعتراضِه على الآية لا يَتفقُ مع المنطق! إِنَّ أَيةَ أُمةٍ - مهما كان دينُها - تَقفُ أَمامَ أعدائِها الطامعين فيها، والمحاربينَ لها؛ لَأَنَّ الدفاعَ عن النفسِ والمالِ والأَرض، وصَدَّ عُدوانِ المعتدين، فطرةٌ إِنسانية، فَطَرَ اللهُ الناسَ عليها، ولا تبديلَ لهذه الفطرة. مَنْ هم الذينَ أَمَرَ اللهُ المسلمين بمواجهتِهم؟ إِنهم أَعداؤُهم: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) .

стр. 456

إِنَّ إِعدادَ السلاحِ والقوةِ للأَعْداء واجب، والأَعداءُ هم الكفارُ الذين يُعادونَ المسلمين، ويتآمرون عليهم، ويُخَطّطونَ لقتالِهم، ويَقِفُونَ أَمامَ دينهم، والهدفُ من هذا الإِعدادِ هو " إِرهابُ " أولئكِ الأعداء، وتخويفُهم وردْعُهم، ليتوقَّفوا عن مخططاتِهم.. و" إِرهابُ " أَعداءٍ آخرين، يتهيَّؤُون للهجومِ على المسلمين. لم يكن هدفُ المسلمين من التسلحِ والاستعدادِ غزوَ الكفار، واحتلالَ بلادِهم، وإِزهاقَ أَرواحِهم، ونَهْبَ أموالِهم، وِإكرا هَهم على الدخول في الإِسلام، كما قال الفادي المفترِي. وصحيح أَن السيفَ هو حجةُ الذي لا يَحْتملُ المناظرة، وِإنّ الإِسلامَ يُقَدِّمُ نفسَه بالحُجةِ والبرهان، ويَدخلُ إِلى العقولِ والقلوب. والمسلمون مأمورون بالدعوةِ إِلى اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، فهذا هو الأَصلُ في الدعوةِ إلى الله. فإذا ما وقفَ الظالمونَ الكافرونَ أَمامَ الدعاةِ إِلى اللهِ بالحجةِ والحكمةِ والمنطق، وفَتَنوهم وَعذَّبوهم وقَتَلوهم، فلن يقفَ المسلمون ساكتينَ على هذا العدوان، وسينتَصرون لإِخوانِهم الدعاة، وسيُواجهون أُولئك الأَعداءَ. فالإِعدادُ والاستعدادُ إنما هو للأَعْداء المقاتِلين المعْتَدين، وليس للشعوبِ المسالمةِ الوادعة، التي تَكُفُّ أَيْدِيَها عن الدعاةِ، المبلِّغين لدينِ الله!. *** حول النهي عن موالاة الكفار اعترضَ الفادي المفترِي على القرآن، لأَنه نهى المؤمنين عن موالاةِ الكفارِ من اليهودِ والنصارى، وذلك في قولِه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) .

стр. 457

ذَكَرَ ما قالَه الإِمامُ البيضاويّ في تفسيرِها، ثم عَلَّقَ على ذلك بقولِه: " ونَحنُ نسأل: ما هي نتيجةُ هذه النصيحةِ القرآنية، إِلّا الانكفاءُ على الذات؟ وكيف يُوَفِّقُ المسلمُ بين الزواجِ من كتابيةٍ، تُرَبّي عِيالَه وتتولّى أُمورَ بيتِه، وبينَ هذه الآيةِ المنغلقةِ الفكرِ؟ وما أَكثرَ الكفاءاتِ التي أُهدرَتْ بسببِ التفرقةِ الدينية! إِنَّ المسيحية تَدْعو للسلامِ والمحبةِ وخدمةِ الجميع، على مِثالِ ما فعلَ المسيحُ رَبُّ السلام، الذي عَلَّمَنا في مَثَلِ السامريِّ الصالحِ كيفَ نُضحِّي، ونخدُم جميعَ الناسِ على السواء، من جميعِ الأَجناسِ واللُّغاتِ والأَديان. إِنَّ نصيحةَ القرآنِ مناسبةٌ ما دامَ المسلمونَ غالبين، أَمّا اليومَ فهي تُقَوِّضُ روحَ التآخي بينَ شعوبِ الأرض، وتُعَطِّلُ تَقَدُّمَ المسلمين ". يَعتبرُ الفادي المفترِي عَدَمَ مُوالاةِ المسلمين للكافرين انكفاءً على الذات، وتَقَوْقُعاً على النفس، وقَطْعاً للصلَةِ بالآخرين، وهَدْراً للكفاءات، وتَفْريقاً للناس، وهذا يُعَطِّلُ تَقَدّمَ المسلمين، ويُقَوِّضُ روحَ التآخي بين الشعوب. ويَعتبرُ الفادي القرآنَ مُنغلقاً، وداعِياً إِلى العزلة، وهذا ليس في مصلحةِ المسلمين، ويُقارِنُ بين القرآنِ والنصرانية، ففي الوقتِ الذي يَدْعو القرآنُ المسلمين إِلى العزلة والتقوقعِ والانكفاءِ على الذات - حَسب رأْيِ الفادي - تَدْعو النصرانيةُ إِلى المحبَّةِ والانفتاحِ على الآخرين، وخِدمَتهم ومساعدتِهم، على اختلافِ أَجناسِهم ولغاتِهم وأَديانهم. ولا يدري الفادي المفترِي كيفَ يوفق بين هذه الآيةِ المنغلقةِ الفكرِ وبين زواجِ المسلمِ من الكتابية، التي تُرَبّي عِيالَه وتُدَبِّرُ بيتَه!. إِنَّ الفادي لا يفرقُ - لجهْلِه - بين الولاء المحَرَّم وحسنِ المعامَلَةِ المباح، فالولاءُ يَقومُ على التحالُفِ والتناصُرِ والتوادُدِ، وربطِ المصير بالمصير، ومحبةِ هؤلاءِ الكفار، والرِّضا بهم، والانحيازِ إليهم، والأَنسِ بهم، وجعلِهِم أعواناً

стр. 458

وأَنصاراً وأَحباباً، وخبراءَ وناصحين ومستشارين، وإطلاعِهم على أَسرارِ المسلمين، مع أَنهم كفارٌ أَعداء للمسلمين، حَريصون على إِفسادِهم وإِضلالِهم. والآياتُ القرآنيةُ التي تُحَرِّمُ هذا النوعَ من الصلةِ بينَ المسلمين وأَعدائِهم الكافرين كثيرة. أَمّا حسنُ المعاملةِ بين المسلمين والكفارِ المسالمين فهي مَطلوبة، وتَتمُّ بها خدمةُ الآخَرين ومساعدتُهم. وقد فَرَّقَ القرآنُ بين الولاءِ المُحرَّم والمعاملةِ الحسنة، فقال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) . *** هل يدعو القرآن إلى الكراهية ؟ وَقَفَ الفادي أَمامَ آيتَيْن، معتَرِضاً عليهما، لأَنَّهما تَدْعُوانِ في نظرِهِ إِلى كراهيةِ كُلِّ البَشَر، وهما قولُ اللهِ : (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) . وقول الله : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) . وسَجَّلَ المفترِي فريتَه الكبيرة قائلاً: " لَمّا كانَ محمدٌ بمكةَ كان يُسالِمُ جميعَ الناس، ويَحترم اليهودَ والنَّصارى والصابئين، ويَقولُ: إِنَّ لهم الجَنَّة انظر: سورة المائدة: الآية ٦٩،، ولكن لما اشْتَدَّ ساعِدُهُ في المدينةِ بالأَنْصار أَمَرَ بقَتْلِ جميعِ غيرِ المسلمين، أو يَدْفَعوا الجزية، أَوْ يَدْخُلوا الإِسلام، وهذا يَعْني الاقتصارَ على الأُخُوَّةِ الإِسلامية، وهَدْمَ أَركانِ الأُخُوَّةِ العَامَّة، وقَطْعَ أَواصِرِ المحبةِ وحُسْنِ المعاملةِ بينَ طَبَقاتِ البَشَر، وهكذا حَرَّمَ المسلمونَ الاستيطانَ

стр. 459

في كُل بلادِ الحجازِ على كل غيرِ المسلمين ". وفي هذا الكلامِ المفترى مجموعةٌ من المغالطات والأَكاذيب: ١ - يَزعمُ المفترِي أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان في مَكَّةَ يُسالمُ جَميعَ الناس، ويَحترمُ اليهودَ والنَّصارى والصابئين، ويَقولُ: إنَّ لهم الجَنَّة. وهذا زَعْمٌ باطِل، فلم يكنْ في مكَّةَ وُجودٌ لليهودِ أَو النَّصارى أَو الصابئين. لأَنَّ أَهلَ مكةَ كانوا من قريشٍ والعرب، وكان فيها ثلاثةٌ أَو أَربعةٌ من النَّصارى، فكيفَ يزعُمُ الفادي المفترِي أَنه كان يحترمُ اليهودَ والنَّصارى والصا بئين؟!. ولم يكنْ محمدٌ ﷺ مُسالماً للنّاسِ في مكة، إِنما كانَ داعيةً مُذَكِّراً مُبَلِّغاً للدين، يُنذرُهم من عذابِ الله، وكان مأموراً هو وأَتْباعُه المؤمنون بكَفِّ أَيديهم عن قتالِ المشركين لحِكَم كَثيرة.. لكِنَّه كانَ يعلمُ أَنه ستأتي مرحلةٌ جديدة، يكون فيها قِتالٌ ومُواجهة. ٢ - يَكْذِبُ المفترِي عندما يزعمُ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أَخبرَ وهو في مكةَ أَنَّ اليهودَ والنَّصارى والصابئين في الجنة، وأَحالَ على قولِه تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) . إنَّ هذه الآيةَ مدنيّة، لأَنَّ سورة المائدةِ مدنية، وليستْ مكيهً كما ادَّعى المفتري!. ثم إِنَّ الآيةَ لا تُخبرُ أَنَّ اليهودَ والنَّصَارى والصابئين في الجنة، إِنما تُخبرُ أَنَّ المؤمنين المسلمين المتَّبِعين لرسولِ الله ﷺ هم المؤمنون حقاً، وهم أَهلُ الجنة، أَمّا اليهودُ والنصارى والصابئون، فلا يُقْبَلُ إِيمانُ أَحَدٍ منهم، إِلّا إِذا آمَنَ باللهِ وعَمِلَ صالحاً وآمَنَ باليومِ الآخر، ولَنْ يتحقَّقَ ذلك إِلّا إِذَا آمَنَ بكل كُتُبِ الله، ومنها القرآنُ، وآمَنَ بكُلِّ رسلِ الله، ومنهم محمدٌ ﷺ ،

стр. 460

فإذا لم يُؤْمن اليهودي أو النصرانيُّ أَو الصابِئُ بالقرآنِ وبالرسولِ ﷺ لم يَكُنْ مؤمِناً، ولم يكنْ من أَهْلِ الجنة، لأَنَّهُ فَرَّقَ بين رسلِ الله، فآمَنَ ببعضِهم وكَفَرَ بآخَرين، وهذا هو الكُفْرُ الصريح. قالَ اللهُ : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢) . ٣ - يَزعُمُ المفترِي أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لما هاجَرَ إِلى المدينةِ واشْتَدَّ ساعِدُه، وتَقَوّى بالأَنْصار، وزادَ عَدَدُ أَتْباعِه، غَيَّرَ أَفكارَه ونظرَتَه إِلى الآخرين، وتَخَلّى عن مسالمةِ الناس، وأَعلنَ الحرْبَ عليهم، وأَمَرَ بقَتْلِ كُلِّ مَنْ كانَ غيرَ مُسْلِم، إِذا لم يَدْفَع الجزية، وكانَ أَمامَهُ أَحَدُ خياراتٍ ثلاثة: الإِسلامُ أَو الجزيةُ أَو القِتال. وهذا الزعْمُ والافتراءُ يعني أَنَّ محمداً ﷺ يُغَيِّرُ مبادِئَه وأَفكارَه من عنْدِه، ويُؤَلِّفُ القرآنَ من عِنْدِه، ويَضَعُ أَحكامَ الإِسلامِ من عنْدِه!. إِنَّ اللهَ هو الذي أَمَرَ المسلمينَ في مكةَ بكَفّ أَيْديهم عن قتالِ المشركين، والصَّبْرِ على أَذاهم، وهو سبحانَه الذي فَتَحَ لهم بابَ الفَرَج في المدينة، ونَصَرَ دينَه بالأَنصارِ فيها، وهو الذي أَنزلَ السورَ المدنيّةَ وأَمَرَ فيها بقتالِ المعْتَدين، وَوَرَد هذا في سورِ البقرةِ وآل عمران والنساء والأنفال والتوبة ومحمد والصف وغيرها. ٤ - يَزعمُ المفْتَرِي أَنَّ القرآنَ بدعوتِه إِلى الأُخُوَّةِ الإِسلاميةِ بينَ المسلمين يَدْعو إِلى هَدْمِ أَركانِ الأُخُوة العامّة، وقَطْعِ أَوَاصرِ المحبةِ وحُسْنِ المعاملةِ بينَ الناس. وهذا افتراءٌ منه على القرآن، فدعوةُ القرآنِ إلى تعميقِ وتوثيقِ الأُخوةِ الإِسلامية بين المسلمين لا تَعْني قَطْعَ الأُخُوَّةِ بين الناس، فاللهُ أَمَرَ المْسلِمين أَنْ يُوَثقوا صِلَتَهم بغيرهم، ويُحْسنوا معامَلَتَهم، ويُقدِّموا لهم الخير، واعتبرَ
следующие страницы →