← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1431

القرآن ونقض مطاعن الرهبان

صلاح الخالدي

Полный текст (753 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

إِنَّ إِعدادَ السلاحِ والقوةِ للأَعْداء واجب، والأَعداءُ هم الكفارُ الذين يُعادونَ المسلمين، ويتآمرون عليهم، ويُخَطّطونَ لقتالِهم، ويَقِفُونَ أَمامَ دينهم، والهدفُ من هذا الإِعدادِ هو " إِرهابُ " أولئكِ الأعداء، وتخويفُهم وردْعُهم، ليتوقَّفوا عن مخططاتِهم.. و" إِرهابُ " أَعداءٍ آخرين، يتهيَّؤُون للهجومِ على المسلمين. لم يكن هدفُ المسلمين من التسلحِ والاستعدادِ غزوَ الكفار، واحتلالَ بلادِهم، وإِزهاقَ أَرواحِهم، ونَهْبَ أموالِهم، وِإكرا هَهم على الدخول في الإِسلام، كما قال الفادي المفترِي. وصحيح أَن السيفَ هو حجةُ الذي لا يَحْتملُ المناظرة، وِإنّ الإِسلامَ يُقَدِّمُ نفسَه بالحُجةِ والبرهان، ويَدخلُ إِلى العقولِ والقلوب. والمسلمون مأمورون بالدعوةِ إِلى اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، فهذا هو الأَصلُ في الدعوةِ إلى الله. فإذا ما وقفَ الظالمونَ الكافرونَ أَمامَ الدعاةِ إِلى اللهِ بالحجةِ والحكمةِ والمنطق، وفَتَنوهم وَعذَّبوهم وقَتَلوهم، فلن يقفَ المسلمون ساكتينَ على هذا العدوان، وسينتَصرون لإِخوانِهم الدعاة، وسيُواجهون أُولئك الأَعداءَ. فالإِعدادُ والاستعدادُ إنما هو للأَعْداء المقاتِلين المعْتَدين، وليس للشعوبِ المسالمةِ الوادعة، التي تَكُفُّ أَيْدِيَها عن الدعاةِ، المبلِّغين لدينِ الله!. *** حول النهي عن موالاة الكفار اعترضَ الفادي المفترِي على القرآن، لأَنه نهى المؤمنين عن موالاةِ الكفارِ من اليهودِ والنصارى، وذلك في قولِه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) .

стр. 457

ذَكَرَ ما قالَه الإِمامُ البيضاويّ في تفسيرِها، ثم عَلَّقَ على ذلك بقولِه: " ونَحنُ نسأل: ما هي نتيجةُ هذه النصيحةِ القرآنية، إِلّا الانكفاءُ على الذات؟ وكيف يُوَفِّقُ المسلمُ بين الزواجِ من كتابيةٍ، تُرَبّي عِيالَه وتتولّى أُمورَ بيتِه، وبينَ هذه الآيةِ المنغلقةِ الفكرِ؟ وما أَكثرَ الكفاءاتِ التي أُهدرَتْ بسببِ التفرقةِ الدينية! إِنَّ المسيحية تَدْعو للسلامِ والمحبةِ وخدمةِ الجميع، على مِثالِ ما فعلَ المسيحُ رَبُّ السلام، الذي عَلَّمَنا في مَثَلِ السامريِّ الصالحِ كيفَ نُضحِّي، ونخدُم جميعَ الناسِ على السواء، من جميعِ الأَجناسِ واللُّغاتِ والأَديان. إِنَّ نصيحةَ القرآنِ مناسبةٌ ما دامَ المسلمونَ غالبين، أَمّا اليومَ فهي تُقَوِّضُ روحَ التآخي بينَ شعوبِ الأرض، وتُعَطِّلُ تَقَدُّمَ المسلمين ". يَعتبرُ الفادي المفترِي عَدَمَ مُوالاةِ المسلمين للكافرين انكفاءً على الذات، وتَقَوْقُعاً على النفس، وقَطْعاً للصلَةِ بالآخرين، وهَدْراً للكفاءات، وتَفْريقاً للناس، وهذا يُعَطِّلُ تَقَدّمَ المسلمين، ويُقَوِّضُ روحَ التآخي بين الشعوب. ويَعتبرُ الفادي القرآنَ مُنغلقاً، وداعِياً إِلى العزلة، وهذا ليس في مصلحةِ المسلمين، ويُقارِنُ بين القرآنِ والنصرانية، ففي الوقتِ الذي يَدْعو القرآنُ المسلمين إِلى العزلة والتقوقعِ والانكفاءِ على الذات - حَسب رأْيِ الفادي - تَدْعو النصرانيةُ إِلى المحبَّةِ والانفتاحِ على الآخرين، وخِدمَتهم ومساعدتِهم، على اختلافِ أَجناسِهم ولغاتِهم وأَديانهم. ولا يدري الفادي المفترِي كيفَ يوفق بين هذه الآيةِ المنغلقةِ الفكرِ وبين زواجِ المسلمِ من الكتابية، التي تُرَبّي عِيالَه وتُدَبِّرُ بيتَه!. إِنَّ الفادي لا يفرقُ - لجهْلِه - بين الولاء المحَرَّم وحسنِ المعامَلَةِ المباح، فالولاءُ يَقومُ على التحالُفِ والتناصُرِ والتوادُدِ، وربطِ المصير بالمصير، ومحبةِ هؤلاءِ الكفار، والرِّضا بهم، والانحيازِ إليهم، والأَنسِ بهم، وجعلِهِم أعواناً

стр. 458

وأَنصاراً وأَحباباً، وخبراءَ وناصحين ومستشارين، وإطلاعِهم على أَسرارِ المسلمين، مع أَنهم كفارٌ أَعداء للمسلمين، حَريصون على إِفسادِهم وإِضلالِهم. والآياتُ القرآنيةُ التي تُحَرِّمُ هذا النوعَ من الصلةِ بينَ المسلمين وأَعدائِهم الكافرين كثيرة. أَمّا حسنُ المعاملةِ بين المسلمين والكفارِ المسالمين فهي مَطلوبة، وتَتمُّ بها خدمةُ الآخَرين ومساعدتُهم. وقد فَرَّقَ القرآنُ بين الولاءِ المُحرَّم والمعاملةِ الحسنة، فقال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩) . *** هل يدعو القرآن إلى الكراهية ؟ وَقَفَ الفادي أَمامَ آيتَيْن، معتَرِضاً عليهما، لأَنَّهما تَدْعُوانِ في نظرِهِ إِلى كراهيةِ كُلِّ البَشَر، وهما قولُ اللهِ : (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) . وقول الله : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) . وسَجَّلَ المفترِي فريتَه الكبيرة قائلاً: " لَمّا كانَ محمدٌ بمكةَ كان يُسالِمُ جميعَ الناس، ويَحترم اليهودَ والنَّصارى والصابئين، ويَقولُ: إِنَّ لهم الجَنَّة انظر: سورة المائدة: الآية ٦٩،، ولكن لما اشْتَدَّ ساعِدُهُ في المدينةِ بالأَنْصار أَمَرَ بقَتْلِ جميعِ غيرِ المسلمين، أو يَدْفَعوا الجزية، أَوْ يَدْخُلوا الإِسلام، وهذا يَعْني الاقتصارَ على الأُخُوَّةِ الإِسلامية، وهَدْمَ أَركانِ الأُخُوَّةِ العَامَّة، وقَطْعَ أَواصِرِ المحبةِ وحُسْنِ المعاملةِ بينَ طَبَقاتِ البَشَر، وهكذا حَرَّمَ المسلمونَ الاستيطانَ

стр. 459

في كُل بلادِ الحجازِ على كل غيرِ المسلمين ". وفي هذا الكلامِ المفترى مجموعةٌ من المغالطات والأَكاذيب: ١ - يَزعمُ المفترِي أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان في مَكَّةَ يُسالمُ جَميعَ الناس، ويَحترمُ اليهودَ والنَّصارى والصابئين، ويَقولُ: إنَّ لهم الجَنَّة. وهذا زَعْمٌ باطِل، فلم يكنْ في مكَّةَ وُجودٌ لليهودِ أَو النَّصارى أَو الصابئين. لأَنَّ أَهلَ مكةَ كانوا من قريشٍ والعرب، وكان فيها ثلاثةٌ أَو أَربعةٌ من النَّصارى، فكيفَ يزعُمُ الفادي المفترِي أَنه كان يحترمُ اليهودَ والنَّصارى والصا بئين؟!. ولم يكنْ محمدٌ ﷺ مُسالماً للنّاسِ في مكة، إِنما كانَ داعيةً مُذَكِّراً مُبَلِّغاً للدين، يُنذرُهم من عذابِ الله، وكان مأموراً هو وأَتْباعُه المؤمنون بكَفِّ أَيديهم عن قتالِ المشركين لحِكَم كَثيرة.. لكِنَّه كانَ يعلمُ أَنه ستأتي مرحلةٌ جديدة، يكون فيها قِتالٌ ومُواجهة. ٢ - يَكْذِبُ المفترِي عندما يزعمُ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أَخبرَ وهو في مكةَ أَنَّ اليهودَ والنَّصارى والصابئين في الجنة، وأَحالَ على قولِه تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) . إنَّ هذه الآيةَ مدنيّة، لأَنَّ سورة المائدةِ مدنية، وليستْ مكيهً كما ادَّعى المفتري!. ثم إِنَّ الآيةَ لا تُخبرُ أَنَّ اليهودَ والنَّصَارى والصابئين في الجنة، إِنما تُخبرُ أَنَّ المؤمنين المسلمين المتَّبِعين لرسولِ الله ﷺ هم المؤمنون حقاً، وهم أَهلُ الجنة، أَمّا اليهودُ والنصارى والصابئون، فلا يُقْبَلُ إِيمانُ أَحَدٍ منهم، إِلّا إِذا آمَنَ باللهِ وعَمِلَ صالحاً وآمَنَ باليومِ الآخر، ولَنْ يتحقَّقَ ذلك إِلّا إِذَا آمَنَ بكل كُتُبِ الله، ومنها القرآنُ، وآمَنَ بكُلِّ رسلِ الله، ومنهم محمدٌ ﷺ ،

стр. 460

فإذا لم يُؤْمن اليهودي أو النصرانيُّ أَو الصابِئُ بالقرآنِ وبالرسولِ ﷺ لم يَكُنْ مؤمِناً، ولم يكنْ من أَهْلِ الجنة، لأَنَّهُ فَرَّقَ بين رسلِ الله، فآمَنَ ببعضِهم وكَفَرَ بآخَرين، وهذا هو الكُفْرُ الصريح. قالَ اللهُ : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢) . ٣ - يَزعُمُ المفترِي أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لما هاجَرَ إِلى المدينةِ واشْتَدَّ ساعِدُه، وتَقَوّى بالأَنْصار، وزادَ عَدَدُ أَتْباعِه، غَيَّرَ أَفكارَه ونظرَتَه إِلى الآخرين، وتَخَلّى عن مسالمةِ الناس، وأَعلنَ الحرْبَ عليهم، وأَمَرَ بقَتْلِ كُلِّ مَنْ كانَ غيرَ مُسْلِم، إِذا لم يَدْفَع الجزية، وكانَ أَمامَهُ أَحَدُ خياراتٍ ثلاثة: الإِسلامُ أَو الجزيةُ أَو القِتال. وهذا الزعْمُ والافتراءُ يعني أَنَّ محمداً ﷺ يُغَيِّرُ مبادِئَه وأَفكارَه من عنْدِه، ويُؤَلِّفُ القرآنَ من عِنْدِه، ويَضَعُ أَحكامَ الإِسلامِ من عنْدِه!. إِنَّ اللهَ هو الذي أَمَرَ المسلمينَ في مكةَ بكَفّ أَيْديهم عن قتالِ المشركين، والصَّبْرِ على أَذاهم، وهو سبحانَه الذي فَتَحَ لهم بابَ الفَرَج في المدينة، ونَصَرَ دينَه بالأَنصارِ فيها، وهو الذي أَنزلَ السورَ المدنيّةَ وأَمَرَ فيها بقتالِ المعْتَدين، وَوَرَد هذا في سورِ البقرةِ وآل عمران والنساء والأنفال والتوبة ومحمد والصف وغيرها. ٤ - يَزعمُ المفْتَرِي أَنَّ القرآنَ بدعوتِه إِلى الأُخُوَّةِ الإِسلاميةِ بينَ المسلمين يَدْعو إِلى هَدْمِ أَركانِ الأُخُوة العامّة، وقَطْعِ أَوَاصرِ المحبةِ وحُسْنِ المعاملةِ بينَ الناس. وهذا افتراءٌ منه على القرآن، فدعوةُ القرآنِ إلى تعميقِ وتوثيقِ الأُخوةِ الإِسلامية بين المسلمين لا تَعْني قَطْعَ الأُخُوَّةِ بين الناس، فاللهُ أَمَرَ المْسلِمين أَنْ يُوَثقوا صِلَتَهم بغيرهم، ويُحْسنوا معامَلَتَهم، ويُقدِّموا لهم الخير، واعتبرَ

стр. 461

هذا من البِرِّ والإِحسان، يتقرَّبونَ به إلى الله قال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) . وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣) . أَما تحريمُ إِقامةِ غيرِ المسلمين في بلادِ الحجاز، فلأَنَّ الحجازَ والجزيرةَ العربية كلَّها صارَتْ دارَ إِسلام، وقد أَسلمَ أهْلُها جَميعاً في حياةِ رسول اللهِ ﷺ ، وبما أنهم مسلمونَ فإِنَّ مَنْ تَرَكَ الإِسلامَ منهم يكونُ مرتدّاً، والمرتَدُّ يُقْتَلُ إِنْ لم يَعُدْ للإِسلامِ، وغيرُ المسلمين من البلدانِ الأُخرى ليسوا من أَهْلِ الحجاز، فلماذا يُقيمونَ ويستَوْطِنون فِيها؟!. لو طَرَدَ المسلمونَ أَحَدَ أَهلِ الحجازِ الأَصلِيِّين يمكنُ أَنْ يُلامُوا، لكنَّهم لا يُلامونَ على عَدَمِ السماحِ للمسلمِ بالردة، ولا على عدمِ السماحِ لابنِ غيرِ المنطقةِ الكافرِ بالإِقامةِ فيها. *** حول تقبيل الحجر الأسود زَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ شعائرَ الحَجِّ التي يُؤَدّيها المسلمون، ليستْ من عندِ الله، وإنما هي من أعمال الجاهلية، بما في ذلك تقبيلُ الحَجَرِ الأَسودِ عند الطَّواف. قال: "معلومٌ أَنَّ الحَجَّ إِلى الكعبةِ وشعائِرَهُ هي من شعائرِ الجاهلية، بما في ذلك تقبيلُ الحجرِ الأَسود! قال عمرُ بنُ الخَطَّاب للحَجَرِ الأَسود: أَما والله لقد عَلمتُ أَنك حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَع، ولولا أًني رأيتُ رسول اللهِ يقبّلُك ما قَبَّلْتُك "!. وقد سبقَ أَنْ أَثارَ المفترِي فريةَ أَخْذِ شعائرِ الحَجّ من الجاهلية، وسَبَقَ أَنْ رَدَدْنا عليه، وذَكَرْنا أَمْرَ اللهِ بالحَجِّ من أَيامِ إِبراهيمَ ﷺ ، وأنَّ الجاهليّين

стр. 462

توارثوه من أَيامِ إِبراهيمَ ﵇، لكنَّهم أضافوا له كثيراً من ممارساتِهم الجاهليةِ الباطلة، فأزالَ اللهُ ذلك، وأَعادَ لشعائر الحَجِّ صِفَتَها الإِيمانيةَ الخالصة، فعندما يُؤدّي المسلمونَ مناسِكَ الحَجّ فإِنهم يُنَفِّذونَ بذلك أَمْرَ اللهِ سبحانه.. قالَ تعالى في أَمرِ إِبراهيم ﵇ بالحج: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) . أَمّا تَقبيلُ الحجرِ الأَسود فقد تهكَّمَ الفادي السفيهُ عليه بسوءِ أَدَب " قال: " ونحنُ نَسْأَلُ: هل في الحجر الأَسودِ روحٌ حتى يحسَّ بحرارةِ القُبْلَةِ التي يَطبَعُها المسلمون عليه، أَو هل فيه عَقْلٌ يُدركُ تَقديرَ المسلمينَ له وِإِكرامَهم إِيَّاه؟ ولماذا يُعطي المسلمونَ كَرامةً لحَجَر، كان يُؤَدّيها عَرَبُ الجاهليةِ لأَوثانِهم أو كيفَ أَقْدَمَ محمدٌ على هذا الإِكرام الديني للحَجَر؟ وكيفَ أبقى محمدٌ هذا الحَجَرَ في الكعبةِ، ولم يَعْزِلْه كما عَزَلَ بقيةَ الأَصنام؟! ". إِننا نتركُ الأُسلوبَ البذيء الذي صاغ المجرمُ به أَسئلتَه الوقحة، ونُقَرِّرُ أَنَّ العَرَبَ الجاهليين لم يَكونوا يَلْمَسون الحَجَرَ الأَسودَ أَو يُقَبِّلونَه، عندما كانوا يطوفونَ بالكعبة. وإنَّ لَمْسَ الطائفينَ له وتقبيلَه تَشريعٌ إسلاميّ، وليس عادَةً جاهلِية. وهذا لا يَعني إِكرامَ المسلمينَ له لأَنه مجرَّدُ حَجَر، ولكنهم بذلك يُنَفَذون أَمْرَ الله، وهم بذلك يَعْبُدونَ الله، وتَقبيلُهم الحَجَرَ الأَسودَ كالطوافِ بالكعبة، وهم عابِدونِ للهِ عندما يَطوفون بالكعبة، وعابِدونَ لله عندما يُقَبّلونَ الحَجَرَ الأَسود. وما أَجملَ ما قالَه عمرُ بن الخطابِ ﵁ وهو يُقَبل الحَجَرَ الأَسودَ أَثناءَ طوافِه: " واللهِ إِنِّي لأَعلمُ أنك حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنفع، ولولا أَنّي رأيتُ رسولَ الله ﷺ يُقَبّلُك ما قَبَّلْتُك ".

стр. 463

إِنَّ هذا الكلامَ الرائعَ لِعُمر أَبلغُ رَدٍّ على مزاعمِ المفَتري، وهو صريحٌ في نظرةِ المسلمينَ إِلَى الحجرِ الأَسود وهم يُقَبِّلونَه، كما أَنه دَليلٌ على صفاءِ توحيدِ الله في تصوُّرِ المسلمين. *** حول عدم الاستعانة بالكافرين نهى اللهُ المسلمينَ عن اتِّخاذِ الكافرينَ الأَعداءَ أَولياءَ، وأَشارَ إِلى ذلك قولُه تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) . ونَقَلَ الفادي كلامَ البيضاويِّ في تفسيرَ الجملةِ الأَخيرةِ من الآية: (وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) : يَعني جانِبوهم رأساً، ولا تَقْبَلوا منهم ولايةً ولا نصرةً ولا نصيراً تَنْتَصِرونَ به على عدُوّكُم. وعَلَّقَ على ذلك بقولِه: " ونحنُ نسأل: هل يَتفقُ هذا مع تاريخِ المسلمين، الذين اسْتَعانوا بالمسيحيّين في عصورٍ كثيرةٍ؟ إِنَّ الضرورةَ الاجتماعيةَ والعسكرية تُحَتّمُ التعاونَ مع الغير، فالعزلة السياسيةُ تتعَارضُ مع القوانينِ المدنية، وقد لَفَظَها المجتمعُ لعدمِ صلاحيَّتِها ". دَعا الإِسلامُ المسلمين إِلى عدمِ موالاةِ الكافرين، وعدمِ الاستعانةِ بهم، وخاصةً إِذا كانوا مُحارِبين، وهذا لَم يُعجب الفادي، ولذلك رَفَضَهُ لأَنَّه يَدْعو إِلى العزلةِ السياسيةِ للمسلمينَ، ويَتعارَضُ مع القوانينِ المدنية. ويزعمُ الفادي أَنَّ هذه الدعوةَ القرآنيةَ لم يَلتزمْ بها المسلمون أَنفسُهم، بل خَرَجوا عليها في تاريخِهم، واستعانوا بالمسيحيين في عصورٍ كثيرة.

стр. 464

ونحنُ لا يُهِمُّنا ما - فعلَه المسلمون في تاريخِهم، ولا نقرُّهم على مخالفتِهم توجيهات القرآن، ونعترفُ أَنَّ كثيراً منهم لم يلتزموا بالقرآن، في تحدِيدِ صِلاتهِم وارتباطاتِهم بغيرِهم، فمِنهم مَن استعانَ بالنَّصارى المحارِبين، ومنهم مَنْ تحالَفوا مع الأَعداءِ ضدَّ إِخوانِهم المسلمين، وقاتَلوا إِخوانَهم المسلمين بهم!! وهذه التصرفاتُ كلُّها مخالِفَة للإِسلام، نرفضها وننكرُها، في الوقتِ الذي يعتزُّ بها الفادي المفترِي؛ لأَنها مظهر من مظاهرِ مخالفةِ المسلمين لدينِهم!. إِنَّ الآيةَ التي اعترض عليها الفادي المفترِي تتحدَّثُ عن كُفارٍ أَعداءٍ للمسلمين، محاربين لهم، حَريصين على رِدَّتِهم عن إِسلامِهم، وبسببِ هذه المعاداةِ فإِنَّ الآيةَ تدعو المسلمين إِلى الحَذَرِ والانتباه، وعدمِ موالاةِ هؤلاء الأعداءِ، وعدم الاستنصارِ بهم، إِذ كيفَ يُوالونَ مَنْ هذه صِفَتُهم وكيفَ يَطلبونَ النصرةَ من الحريصين على إِضعافِهم وردَّتِهم؟ ولماذا يعترضُ المفترِي على هذه الدعوةِ القرآنية؟!. *** حول انتشار الإسلامِ في العالم وقفَ الفادي أَمامَ سورةِ النصر، التي تُبَشَرُ بنصْرِ الإِسلامِ وانتشارِه؟ قال تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣) . واعترضَ الفادي على السورة، واعتبرَ انتشارَ الإِسلامِ ليسَ فَضلاً من الله، ولا دليلاً على أَنه من عندِ الله، ولذلك عَلَّقَ على ذلك قائلاً: " ونحنُ نسأل: إِذا كانَ من المعلومِ أَنَّ الناسَ بطبيعتِهم مُقَلِّدون، وأَنَّ تَأَثُّرَ الجماعاتِ والقبائل بَعضهم من بعض، قادَ العربَ وغيرَهم للدُّخول في الإِسلام ... واعتبرَ المسلمونَ أَنَّ هذا تيسيرٌ من الله لم يَخطرْ على بال أَحَد، وأَنَ هذا شهادةٌ للإِسلام ...

стр. 465

فماذا يقولُ المسلمون في انتشارِ الدينِ الوثنيّ، وعَدَدُ أَتْباعِه أَضعافُ المتدينين بدينِ محمد، وله من الأَديرةِ والمعابد ما لا يُحصى عَدّاً. وكثيرٌ منها غايةٌ في الجَمالِ والغِنى، وهو ممتدٌّ من غربِ الهندِ إِلى حدودِ سَيْبيريا، فهل تكونُ الوثنيةُ من عندِ الله؟ ". للمفتري تفسيرٌ خَبيثٌ لسرعةِ انتشارِ الإِسلام قُبيلَ وَفاةِ رسولِ اللهِ ﷺ يُخالفُ التفسيرَ الصحيحَ، الذي يتفقُ مع المنطقِ والمنهجيةِ! إِنه يَعْزو ذلك إِلى البُعْدِ القَبَلِيّ والعَشائري، فالناسُ في العُرْفِ القبليّ يَتَّبِعونَ شيخَ القبيلة، ولا يُناقشونه ولا يَعترضونَ عليه، ولهذا قَلَّدَ رجالُ القبائلِ الأَقوياءَ منهم، الذين دَخَلوا في الإِسلام، وتابَعَ الناسُ شُيوخَ قبائلِهم!!. ولو كانَ كَلامُه صحيحاً لأَسلمَ الناسُ في الجزيرةِ العربيةِ منذُ السنواتِ الأُولى.. لقد حارَبَتْ قُريشٌ الإِسلامَ عشرينَ سنةً بكلِّ ما أُوتيتْ من قوة، ولم تَدخُلْ في الإسلامِ إِلاّ بعدَ هزيمتِها أمامَه. وإنَّ الله هو الذي جاءَ بالنصرِ والفتح، وهو الذي شَرَحَ له صُدورَ الناس، فصاروا يَدخلونَ فيه أَفواجاً، وهو الذي وَعَدَ المسلمينَ بذلك قبلَ تَحَقُّقِه ومجيئِه في أَكثرَ من آية، منها قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) . ومنها قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) . وقولُ الفادي: إِنَّ الوثنيين أَضعافُ عدِد المسلمين، كَذِبٌ وافتراء، فالمسلمونَ هم الملةُ الثانيةُ في العَدَدِ بعد النصارى!.

стр. 466

وما زالَ الدينُ الإِسلاميّ قَويّاً، رغمَ تصعيد الأَعداء حربَهم له، وكُلُّ يومٍ يدخل فيه أَفرادٌ جُدُد في مختلفِ بِقاع العالمِ، مع أَنه لا توجَدُ دولة تحملُه وتُطبقُه بصدقٍ في هذا الزمان، فهو دينٌ زاحفٌ، رغم أنفِ الأعداءِ وكثرةِ المعَوِّقات!. وقد أَخبرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أَنَ الإِسلام سينتشرُ في الأَرض كُلِّها، ويدخلُ كلَّ بيتٍ عليها، وسيبلغُ ما بَلَغُ الليلُ والنهار، وسيَقضي على كُلِّ الأَديانِ الباطلة.. ونقول للفادي: حَلِّلْ كما تَشاء، ومُتْ بغَيْظِك!!. *** حول تقاتل المسلمين امتَنَ اللهُ على المسلمينَ بأَنه أَلَّفَ بين قلوبهم، وجَعَلهم إِخْواناً مُتحابّين. قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) . ولكنَّ الفادي المفترِي اعترضَ على الآيةِ وكَذَّبَها، وذَكَرَ أَمثلةً ونماذجَ لاختلافِ المسلمين وتقاتُلِهم وتَطاحُنِهم، وقالَ: إِنَّ الحروبَ التي وَقَعَتْ بين المسلمين في صَدْرِ الإِسلامِ أَكثرُ وأعنفُ وأَشَدُّ من الحروبِ التي وقَعَتْ بين العربِ الجاهليّين!. قال: " يَرى المسلمونَ أَنه من فضائلِ الإِسلامِ الدالَّةِ على أَنه من عندِ الله، أَنَّه أَلَّفَ بينَ قُلوبِ العرب، بعدَ أَنْ كانوا قبائلَ تَشُنُّ الحروبَ بعضُها على ونحنُ نَرُدُّ: إِنَّ هذا القول باطل، فالحروبُ والغزواتُ كانت على أَشُدِّها بين العربِ أَيامَ محمد. ولما ماتَ قامَ أَبو بكر بحروبِ الرِّدَّة، وبعدَ موتِ عُمَرَ أَعملَ المسلمون السيفَ بعضُهم برقابِ بَعْض، فماتَ عمرُ وعثمانُ مقتولَيْن،

стр. 467

وحَدَثَتْ حَرْبُ الجَمَلِ بين عائشة وعلي، ثم بينَ معاويةَ وعلي وابنِه الحسين ... ثم كانت فتنةُ عبد الله بن الزُّبَيْر والحربُ بينه وبينَ الحَجّاجِ في خلافةِ عبدِ الملك بن مروان ... هكذا كان حالُ العربِ في صَدْرِ الإِسلام، يقتلُ بعضهم بعضاً، مُواجهةً وخِدعةً وغَدْراً، فأَين التآلفُ وإِصلاحُ ذاتَ البينِ الذي أَتى به الإسلام؟! ". إِنَّ من المتفقِ عليه أَنَّ العداوةَ والبغضاءَ كانتْ شديدةً بين العربِ في الجاهلية، وأَنَّ حياتَهم كانت تَقومُ على الغزوِ والقَتْل، والسلبِ والنهب، والظلمِ والعدوان، وكانت تنشبُ بينهم الحروبُ الطويلةُ لأَتْفَهِ الأَسباب.. وجَمَعَهم اللهُ بعدَ ذلك لما أَسلموا على القرآن، وامتنَّ اللهُ على المسلمين بذلك، ودعاهم إِلى الاعتصام به، وتَذَكُّرِ ما كانوا عليه من العَداوة، وما صَاروا إليه من الأُخُوَّةِ والمحبَّة، وشَتّانَ بين ماضيهم الجاهليِّ وحاضرِهم الإِيمانيّ!. ونَعتَرفُ بأَنهُ حَصَلَ للمسلمين تَفَرُّقٌ واختلافٌ بعد وفاةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وأَدّى هذا إِلى تَقاتُلٍ ونزاعٍ، ونَشَبَت المعاركُ بين المسلمين، في البصرةِ وصفّين، واستشهدَ كثيرٌ من خِيارِ المسلمين. لكنَّ هذه الفترةَ كانت غاشيةً غشيت المسلمين، ثم تَلاشَتْ وزالَتْ، وحَلَّ مَحَلَّها اتفاقُهم واجتماعُهم وتَلاقيهم. ثم إِنَّ هذا الاختلافَ والتقاتُلَ لم يُؤَدِّ إِلى خروجهم عن الإِسلام، ومع أَنَّ الأَصْلَ أَنْ لا يكون، لكنَّ وُقوعَه أَمْر حتميّ بينَ مختلفِ الناس. كما قال الله : (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) . ولا يَزالُ القرآنُ عاملَ اجتماعِ وتعاونِ المسلمين، تَأتلفُ عليه قلوبُهم، ويُخففُ آثارَ الاختلافِ الذي لا بُدَّ أَنْ يقعَ بين البَشَر!.

стр. 468

الفصل الثامن نقض المطاعن العلمية

стр. 469

هل لتمثال العجل خوار ؟ أَخبرَ اللهُ أَنه في غيبةِ موسى ﵇ عن بَنِي إِسرائيل، فَتَنَهم وأَضَلَّهُم السامريُّ الكافر، فأَخَذَ حُليَّهُم وزينَتَهم، وصَنَعَ منها تمثالاً ذَهَبِيّاً، على شَكْلِ عجل، ودَعَاهُم إِلى عبادَتِه، على أَنه إلهُهُم، ومن بابِ فتنتِهم كان لهذا التمثالِ خُوَارٌ كخوارِ العِجْل. قال تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨) . وقال تعالى: (قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ) . وقد اعترضَ الفادي على كلام القرآن، واعتبرَه مُتَناقضاً مع حقائق العلم، إِذْ كيفَ يُمكنُ للبشرِ أَنْ يَصْنَعُوا تِمثالاً ناطِقاً متكَلِّماً؟ قال: " ونَحْنُ نَسأل: من أَينَ استقى القرآنُ هذا الخَبر، الذي ليس له أَساسٌ تاريخي؟ وهل من المعقولِ أَنَّ العجلَ الذهبيَّ يَخورُ كالعجلِ الطبِيعيّ؟ وهل يتمنّى السامريُّ المزعومُ ذلك، ويَطلبُه هارونُ من الله، فيوافقُ اللهُ على تَحسينِ الصَّنَمِ فيخورُ، ليُغريَ الناسَ ليَعْبُدوهُ من دونِ الله؟ وهل صارَ السامريُّ وهارونُ واللهُ شركةً واحدةً في صُنعِ العجل؟! ". يتساءَلُ الفادي بخُبْث: " من أَينَ اسْتَقى القرآنُ هذا الخبرَ؟ الذي ليس له أَساسٌ تاريخي؟ " إِنَّهُ بهذا التَّساؤُل يُريدُ أَنْ يُقَرِّرَ بشريةَ القرآن، فلأَنَّه من عند البَشَر فلا بُدَّ أَنْ يكونَ لما يَقولُه مصدَرٌ يأخُذُه منه، فمن أَينَ أَخَذَ القرآنُ فِكرةَ العجْلِ البشري؟.

стр. 470

ونحنُ نوقنُ أَنَّ القرآنَ كلامُ الله، وكلّه صادق، لأَنَّه لا أَحَدَ أَصْدَقُ حَديثاً وَقْولاً من الله، ولا يَجوزُ أَنْ نبحثَ عن مصدَرٍ بشري لما يذكُرُه القرآن، ويَكفي ذِكْرُ الخبر في القرآنِ دَليلاً على تَصديقه. ويُكَذِّبُ الفادي المفترِي القرآنَ عندما يَزعمُ أَنَّ إِخبارَه عن عجلِ السامريِّ ليس له أَساسٌ تاريخي، ونقول له: مرجعيَّتُنا هي القرآن، لأَنه كلامُ الله، ويَجبُ أَنْ نؤمنَ بكلِّ ما وردَ فيه، وَمَنْ كَذَّبَ شيئاً مما ذُكِرَ فيه، فهو مُكَذّبٌ لله، كافرٌ به. وبعدَ ذلك نقول للفادي: لقد ذَكَرَ كِتَابُكَ المقَدَّسُ الذي تُؤمنُ به قصةَ صنْعِ العجل، لكنَّ الحاخامات الذين أَلّفوا أَسفارَ العهد القديم كَذَبوا على الله وعلى هارونَ النبيِّ ﵇، حيثُ زَعَموا أَنه هو الذي صنَعَه، ودَعا قومَه إِلى عبادتِه!. وَرَد في سِفْرِ الخُروجِ ما يلي: " ورأى الشعبُ أَنَّ موسى قد تَأَخَّرَ في النزول من الجبل، فاجتمعَ الشعبُ على هارون، وقالوا له: قُمْ فاصنعْ لَنا آلهةً تسيرُ أَمامَنا، فإنَّ موسى ذلك الرجل الذي أَصْعَدَنا من أَرضِ مصر لا نَعلمُ ماذا أَصابَه!!. فقال لهم هارون: انْزعوا حَلَقاتِ الذَّهَبِ التي في آذانِ نسائِكم وبَناتِكم وبَنيكم، وأتوني بها ... فَنَزَعَ كُلُّ الشَّعْبِ حَلَقاتِ الذَّهَبِ التي في آذانِهم، وأَتَوْا بها هارون ... فأَخَذَها وصَبَّها قالباً، وصَنَعَها عِجْلاً مسبوكاً ... فقالوا: هذه آلهتُكَ يا إِسرائيل، التي أَصعدَتْكَ من أَرضِ مصر، فلما رأى هارونُ ذلك بنى مَذْبحاً أَمامَ العجل، ونادى قائلاً: غداً عيدٌ للرّبّ! فَبكَّروا في الغَدِ، وأَصْعَدوا مُحَرَّقات، وقَرَّبوا ذبائح، وجَلَسَ الشعبُ يأكلُ ويشربُ، ثم قامَ يَلْعَب ... ولما عادَ موسى ﵇ إلى قومِه غَضْبانَ أَسِفاً، لامَ هارونَ لَوْماً شَديداً على ما فَعَلَه، وقال له: ماذا صَنَعَ بك هذا الشعبُ، حتى جَلَبْتَ عليهم خطيئةً عظِيمة.

стр. 471

فقالَ هارون: أَنتَ عارفٌ أَنه شعبٌ شِرّير، قالَ لي: اصنَعْ لنا آلهةً تَسيرُ أَمامَنا، فإنَّ موسى ذلك الرجل الذي أَصعَدَنا من أَرضِ مِصْر، لا نَعْلمُ ماذا أَصابه.. فقلْتُ لَهم: مَنْ له ذَهَبٌ فلينزَعْه.. فأْتوني به، فأَلقيتُه في النّار، فخرجَ هذا العجل ... " [سفر الخروج: ٣٢/ ١ - ٦ و: ٣٢/ ٢١ - ٢٤] . الفادي يقول: هل من المعقولِ أَنَّ العجلَ الذهبيَّ يَخورُ كالعجلِ الطبيعي؟ ونقول: نَعَمْ من المعْقول، إِذْ ليس في هذا ما يَتناقضُ مع العَقْلِ، لأَنه لم يحدُثْ بفعلِ السّامريّ، إِنما حَدَثَ بإرادةِ الله، والسّامريُّ لم يخلقْ عجْلاً طبيعيّاً حقيقيَّاً، لأَنَّ الخالقَ هو الله، كلُّ ما فعلَه أَنه صَنَعَ من الذهبِ والحِلِيّ عِجْلاً جَسَداً، وتمثالاً مُجَسداً، واللهُ هو الذي جَعَلَ لهذا العجلِ التمثالِ خُواراً، وجَعَلَ له صَوْتاً كصوتِ العِجْل، مُبالغةً في ابتلاءِ وامتحانِ بني إِسْرائيل، ولقد رَسَبوا في الامتحان، وخَسِروا في الابتلاء، وكانوا كُلَّما سَمِعوا خُوارَ العجلِ التمثالِ ازْدادوا إِقْبالاً عليه وفَرَحاً به! ومن المعلوم أَن الله يَبْتَلي عبادَه بالخيرِ والشَّرّ، كما قالَ تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥) . ثم ما هو الذي يتعارَضُ مع العقلِ في خُوارِ العجلِ الجَسَد؟ أَلا يُمكنُ تَقريبُ ما جرى من خلال تَذَكُّرِ آلاتِ العَزْفِ الموسيقية، حيثُ يُخرجُ العازفُ أَلْحاناً موسيقيةً من ضربه على بعضِ الآلاتِ الجامدة، أَو نَفْخِهِ في آلاتٍ أُخرى؟ فإذا كانَ الإِنسانُ يَستطيعُ إِخْراجَ أَلَحانٍ مختلفةٍ من الآلاتِ التي يَتعامَلُ معها، أَيعجِزُ الله سبحانه عن إِخراجِ صوتِ خُوارِ العجلِ من تمثالِ عجلٍ مجسَّد؟!. المشكِلةُ ليستْ في إِخْبارِ القرآنِ عن خُوارِ تِمثالِ العجل، إِنما المشكلةُ في ما نَسَبَهُ الأَحبارُ الكُفارُ إِلى النبيِّ هارونَ ﷺ من كفر! فهل يُعقلُ أَنْ يستجيبَ النبيُّ هارونُ ﷺ إِلى طلباتِ قومِه الكافرة، ويَصنعَ لهم من حُلِيِّهم عِجْلاً، ويَقولُ لهم: إِنَّ هذا هو إِلهُكُم، فتَعالوا واعْبُدوه؟!. وقد نَصَّ القرآنُ على أَنَّ هارونَ ﷺ أَنكرَ عليهم عبادتَهم العجلَ، قال تعالى: (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) .

стр. 472

أسطورة خاتم سليمان حَمَّلَ الفادي المسلمين أُكذوبةَ خاتَمِ سليمانَ ﵇، التي ذَكَرَها بعضُ المَفسِّرينَ، الذينَ يَذْكرُونَ الإِسرائيلياتِ والخرافاتِ والأَساطير، وذلك أَثناءَ تفسيرِهم لقولِ الله : (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) . قالَ: " قالَ مفسرو المسلمين: إِنَّ سُليمانَ قَتَلَ مَلِكَ صَيْدون، وأَخَذَ ابْنَتَهُ جَرادَةَ لجَمالِها، فكانَتْ تَبْكي في بيتِ سليمانَ على أَبيها. فأَوصى سليمانُ الشياطينَ، فعَمِلوا تِمثالاً لأَبيها، وضعَتْه أَمامَها، وكانتْ تسجدُ له أَربعين يوماً ... وكان لسليمانَ خاتمٌ يلبسُه، وكان إِذا دَخَلَ للطهارةِ يُعْطِيه لزوجتِه أَمينة! فَمَرَّةً دخلَ للطهارة، وظهَرَ الشيطانُ لأَمينَة في شكْلِ سُليمان، وأَخَذَ الخاتم، وجَلَسَ على سَريرِ الملِك، وتَزَوَّجَ بنساءِ سليمان، واستمرَّ في المُلْكِ أَربعين يوماً، وسليمانُ مطرودٌ، يستنكرُه كلُّ مَنْ رآه.. وطارَ الشيطان، وسَقَطَ منه الخاتمُ في البحر، وصادَ الصَّيّادون سَمَكاً، وأَعْطوا سليمانَ سمكتَيْن أُجْرَةً له، على خدمتِه في حَمْلِ السَّمَك، فَوَجَدَ الخاتمَ في جوفِ السمكة، ولما لبسَه عادَ إِليه المُلْك! ".. وعَلَّق الفادي على هذه الأُسطورةِ بقوله: " فما معنى هذا الخاتم السحري، الذي مَنْ يلبسُه من الإِنسِ أَو الجنِّ يَصيرُ مَلِكاً؟ وكيفَ يتزوَّجُ الشيطانُ النِّساءَ وهو من الأَرواح؟ ومتى كان سليمانُ الملكُ شَحّاذاً وحَمّالَ سَمَكٍ أَرْبعين يوماً؟! ".

стр. 473

إِنَّ هذا الكلامَ مردودٌ مكذوب، لم يَرِدْ في كتابِ الله، ولا في حديثِ رسولِ الله ﷺ ، ولم يقلْه واحد من الصحابةِ أَو التابعين، وهو من الإِسرائيلياتِ والخرافاتِ والأَساطيرِ الباطلة، التي لا يَجوزُ أَنْ نُفَسِّرَ بها كلامَ الله.. وسامَحَ اللهُ الإِخباريّينَ والرواةَ من المسلمين، الذين أَجازوا لأَنفسِهم تفسيرَ كلامِ اللهِ بهذا الهراءِ التافه، حتى يأتيَ إِنسان مُغْرِض مثلُ الفادي يجعلُه مَطْعَناً يوجِّهُه إِلى كتابِ الله . ثم إِنَّ هذا الكلامَ الباطِلَ يَطعنُ في نبوةِ سليمانَ ﷺ وعصمتِه وإِيمانه، ويُصوِّرُهُ بصورةِ الذي يَرضى بالشِّرْكِ بالله في بيته، بل يَرضى أَنْ يَصنعَ الأَصنامَ لامرأتِه المشركة، ويَدْعوها لعِبَادَتِها، إِنَّ هذا لا يفعَلُه مسلمٌ عادي، فكيفَ يفعلُه النبيُّ الملكُ القويُّ سليمانُ ﷺ ؟!. وما هو هذا الخاتمُ السحريُّ الذي كان يَحكمُ به سليمانُ الإِنسَ والجنّ؟ وكيفَ يرضى اللهُ أَنْ يُسْلَبَ سُليمانُ الملكَ؟ وأَنْ يَحلَّ محلَّه شيطانٌ رجيم؟ وكيفَ يَطَأُ ويُجامعُ هذا الشيطانُ الكافرُ أَزواجَ سليمانَ واحدةً واحدة؟ وكيف؟ وكيف؟ وكيف؟ ... إِنَّنا نبرأُ إِلى الله من هذه الأُسطورةِ المكذوبة، ونُبَرِّئُ سليمانَ ﵇ منها!. *** لماذا إنكار عذاب القبر ؟ يُنكرُ الفادي المفترِي عَذابَ القبر، ويَعتبرُه مما لا يتفقُ مع العلم، ومما يَتَناقَضُ مع العقل، ويُخَطِّئُ الرسولَ ﷺ في حديثِه عنه. وإِنَّ إِنكارَه عذابَ القبرِ لا يَتفقُ مع موضوعِ كتابِه، الذي خَصَّصَه لانتقادِ القرآن، وهو في هذا الموضوعِ يَنتقدُ حديثَ رسولِ الله ﷺ !. ذَكَرَ قولَ اللهِ (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) .

стр. 474

وذِكْرُه للآيةِ في معرضِ حديثِه عن عذابِ القبرِ دَليلُ جهْلِه، فالآيةُ لا تتحدَّثُ عن عذابِ القبر، وإِنما تتحدَّثُ عن الموت، الذي لا بُدَّ أَنْ يُصيبَ الإِنسانَ مهما فَرَّ منه. والآيةُ شبهُ الصريحةِ في عذابِ القبر هي قولُ اللهِ : (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦) . وذكَرَ الحديثَ الذي رواهُ البخاريُّ عن عائشةَ ﵂ قالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ عجوزان من عجائزِ يهودِ المدينة، فقالَتا: إِنَّ أَهلَ القُبورِ يُعَذَّبونَ في قبورِهم، فكذَّبْتُهما، فَخَرَجَتا.. ودَخَلَ النبيُّ ﷺ ، فقلْتُ له ما قلْتُ لهما، وإِني لم أُصَدِّقْهما في ذلك، فقال: " صَدَقَتا، إِنهم يُعَذَّبون في قُبورِهم عذاباً تَسمعُه البهائمُ كلُّها. فما رأيْتُه بعدَ ذلك في صلاةٍ إِلّا تعوَّذَ من عذابِ القبر ". ثم ذَكَرَ حديثاً آخَرَ في تَعَوُّذِ رسولِ اللهِ ﷺ من العجزِ والكسلِ والجبنِ والبخلِ وعذابِ القبر، وحَديثاً ثالثاً في سؤالِ الملَكَيْن لمن يوضَعُ في قبرِه. وعَلَّقَ على تلك الأَحاديثِ الثلائة قائلاً: " ونحنُ نسأَل: إِذا كان الميتُ يَسمعُ ويتعذَّبُ في القبر، فلماذا لا يَسمعُ عذابَ أَهلِ القبرِ إِلّا البهائم؟ وإِذا كان أَهلُ المقابرِ الذين يَعترفونَ بنبوَّةِ محمدٍ يُعْفَوْنَ من العذاب، فلماذا كان النبيُّ نفسُه دائماً يتعوَّذُ من عذابِ القبر؟ لعلَّ خُرافةَ العجوزَيْن (اللتَيْن كذَّبَتْهما عائشة) تَعودُ إِلى أنهما سمعتا عن شخصٍ دُفِنَ بسرعةٍ بعدَ أَنْ ظَنّوه مات، ولما أَفاقَ في القبرِ استغاث، وليسَ مَنْ يُغيث، فماتَ، فخرجَتْ إِشاعَةُ أَنَّ أَهلَ القبورِ يُعَذَّبون!! ". بهذا التفسيرِ الساذج، الذي يدلُّ على الغَباء، يُفَسِّرُ الفادي الجاهلُ عذابَ القبر: شابّ أُغْمِيَ عليه، فظُنَّ أَنه مات، فدُفِنَ في قبرِه، وهناك استيقَظ، فصاحَ وصَرَخَ واسْتَغاث، وماتَ الموتَ الحقيقي.. ولما سمع الناسُ صُراخَه (ولا أدري كيفَ سمعوه) أَشاعوا إِشاعةَ عَذابِ القبر!!.

стр. 475

وكلامُ الفادي مردود، ونحنُ نؤمنُ بأَنَّ عذابَ القبرِ حَقّ، لأَنَّ الرسولَ ﷺ أَخبرَ بذلك، وإِذا صَحَّ الحديثُ عن رسولِ اللهِ ﷺ وَجَبَ الأَخْذُ به، والإِيمانُ بما وَرَدَ فيه. *** حول ناقة صالح ﵇ - لما بَعَثَ اللهُ صالِحاً ﵇ رسولاً إِلى قومِ ثَمودَ آتاهُ الناقةَ آية، وطَلَبَ منهم أَنْ لا يَمَسّوها بسوء، لكنَهم لم يَستجيبوا له، ولما عَقَروها وَقَعَ بهم العَذاب.. قال تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) . ولما أَرادَ الفادي أَنْ يتعرفَ على قصةِ الناقةِ ذَهَبَ إِلى المفسّرين المولَعين بذكْرِ التفاصيلِ المستمدَّةِ من الإِسرائيليات، والتي لا دليلَ عليها من الكتابِ والسُّنَّة، وأَخَذَ منهم تلك التفاصيل، ثم رَدَّها وأَنكَرَها، بحجَّةِ مخالفتِها للعلمِ والعَقْل، وحَمَّلَها للقرآن، وخَطَّأَه بسببها، مع أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْ بها!. زَعَمَ هؤلاءِ أَنَّ قومَ ثمودَ طَلَبوا من صالحٍ ﵇ آية، فأَخْرَجَ لهم ناقَةً من الصَّخرة، وأَخرجَ من الصخرةِ ابنَها، فآمَنَ به بعضُهم وكَفَرَ به آخرون، وكانت الناقةُ تُخيفُ أَنعامَهم، وتَشربُ ماءَهم، وهم في المقابلِ يَشْرَبون لَبَنَها، فاتَّفَقوا على قَتْلِها واقتسام لَحْمها، ولما قَتَلوها أَخْفَت الأَرضُ داخلَها ابنَها، وبعدَ ثلاثةِ أَيام وَقَعَ بهم العذابُ، وأَنْجى اللهُ صالحاً ﵇ إِلى فلسطين. وعَلَّقَ الفادي على ذلكَ بقوله: " هل من المعقولِ أَنَّ الصخرةَ تَلِدُ ناقة؟ وأَنَّ الناقةَ تَشربُ كُلَّ البئر، وتُطعمُ كُلَّ المدينة؟ وهل من المعقولِ أَنه عندما تتسبَّبُ الناقةُ في أَذِيَّة المدينة بَطرْدِ الأَنعامِ شِتاءً وصَيفاً، فيذبَحُها الناس،

стр. 476

فيُهلكُ اللهُ المدينةَ كُلَّها مقابلَ ذبْح نَاقة؟ وهلْ من المعقولِ أَنْ تَسمعَ الصخرةُ رُغاءَ الفَصيل، فتنشقَّ ويدخلَ فيها، ويَعودَ جُزْءاً من الصخرة كما كان؟ أَليسَ هذا أَشبهَ بحكاياتِ أَلْفِ لَيْلَةٍ ولَيْلَة؟! " (١) . الواجبُ علينا أَنْ نبقى مع حديثِ القرآنِ عن ناقةِ صالح ﵇، لا سيما أَنه لا يوجَدُ حَديثٌ صحيحٌ عن رسولِ اللهِ ﷺ يُفَصِّلُ ما أَجْملَه القرآنُ عنها، ولا يجوزُ لنا أَنْ نَذهبَ إِلى الأَساطيرِ والرواياتِ غير الصحيحة، كما فَعَلَ الفادي الجاهل!. لم يَقُل القرآنُ: إِنَّ الناقةَ خرجَتْ من الصخرة، وأَنَّ ابْنَها خَرَجَ منها بَعْدَها، ولم يَقُل القرآن: إِنّ الناقةَ كانت تُلاحِقُ وتُطارِدُ أَنعامَ ثَمود، ولم يَقُل القرآنُ: إِنَّ ابْنَها عادَ إِلى الصخرةِ بعدَ ذبْحِ أُمِّه، ولم يُفَصل القرآنُ كيفيةَ ذبْحِ الناقة، ولم يَقُل القرآنُ: إِنَّ وجوهَ قومِ ثمودَ اصْفَرَّتْ في اليومِ الأَوَّلِ بعدَ ذبْح الناقة، واحمَرَّتْ في اليومِ الثاني، واسْوَدَّتْ في اليومِ الثالث. وبهذا تُصبحُ كلّ الأَسئلةِ الإِنكاريةِ التي أَثارَها الفادي لاغية، لأَنَّها تُوَجَّهُ إِلى التفاصيلِ الأُسطورية، ولا تُوَجَّهُ إِلى القرآن!. كُلُّ ما قالَه القرآنُ: إِنَّ اللهَ جَعَلَ الناقةَ آيةً لقومِ ثمود، ولا نَعرفُ كيفَ كانَتْ آية، وأَنهم لم يَلْتَزِموا بتحذيرِ صالحٍ لهم من ذَبْحها، وأَنهم عُذِّبوا بعدَ ثَلاثةِ أَيامٍ من ذَبْحِها!!. *** حول إهلاك قوم مدين أَخبرَ اللهُ عن قصةِ قومِ مَدْيَن مع نبيّهم شعيبٍ ﵇، ووردَتْ قصتُهم في أَكثرَ من سورةٍ في القرآن.

стр. 477

وقد ذَكَرَ الفادي خمسَ عشرةَ آيةً تحدثَتْ عن قصةِ قومِ مَدْيَنَ في سورةِ الشعراء [الشعراء: ١٧٦ - ١٩٠] ، ثم ذَكَرَ كلاماً مَنْسوباً لابنِ عباسٍ في كيفيةِ إِهلاكِ قومِ مدين، خُلاصتُه أَنَّ اللهَ بَعَثَ عليهم حَرَّاً شديداً من جَهَنَّم، بحيثُ لم ينفَعْهم ظِلّ ولا ماء ولا سِرْداب، فَهَرَبوا إِلى البريَّة، فأَرسلَ اللهُ لهم سَحابَةً أَظَلَّتْهم، فوجَدوا لها بَرْداً ونَسيماً، ولما تَنادَوْا إِليها وصاروا تَحْتَها، جَعَلَها الله عليهم ناراً فأَحرقَتْهم!. وعَلَّقَ الفادي على ذلك بقولِه: " ونحنُ نسأل: لا نَجِدُ في الكتابِ المقَدَّسِ كلمةً عن رجلٍ اسْمُه شُعَيب، أُرسلُ إِلى مَدْيَن، ولا أَنَّ مَدْيَن هلكَت بالنّار، وهل من المعقولِ أَنَّ سَحابة تَبعَثُ نَسيماً عَليلاً وهَواءً طيباً، وهي نارٌ حاميةٌ تَحرقُ المدُنَ فتُفْنيها؟ ". إِنّ الفادي المفترِي يُكَذِّبُ كلامَ القرآنِ عن نبوَّةِ شُعيبِ ﵇، وعن إِهْلاكِ مَدْيَن، لأَنَّ الكتابَ المقَدَّسَ الذي يؤمنُ به لم يَذْكُرْ ذلك، ونحنُ نؤمنُ بأَنَّ شُعَيباً ﵇ هو رسولُ اللهِ إِلى مَدْيَن، وأَنهم لما كَذَّبوه أَهلكَهم الله، لأَنَّ اللهَ ذَكرَ ذلك في القرآن. والخلافُ بَيْنَنا وبين الفادي في المرجعية، إِنَّ مرجعيَّتَه هي ما يسمِّيه بالكتابِ المقَدَّس، وهو يؤمنُ بكلِّ ما وَرَدَ فيه، ويُكَذِّبُ كُلَّ ما لَم يَرِدْ فيه، لأَنه عنده كلامُ الله! ونحنُ لا نُؤمنُ بذلك، لأَنَّ اللهَ أَخْبَرَنا أَنَّ اليهودَ حَرَّفوا التوراة، وأَنَّ النصارى حَرَّفوا الإِنجيل، فكَثيرٌ مما ذُكِرَ في أَسفارِ الكتاب المقَدَّس من كَلامِ الأحبارِ والرُّهبان المشكوكِ فيها!. ومرجعيتُنا نحنُ هي القرآن، لأَنه كلامُ الله، وكلُّ ما وردَ فيه نؤمنُ به ونصَدِّقُه، ولكنَّه يُنكرُ أَنْ يكونَ القرآنُ من عندِ الله، ولذلك يُكَذِّبُ ما وَرَدَ فيه!. نحنُ نؤمنُ أَنَّ اللهَ بَعَثَ شُعَيْباً ﵇ نبيّاً رسولاً إِلى قومِ مَدْيَن، وأَنَّ معظمَهم كَذَّبوه وكَفَروا به، فعذَّبَهم اللهُ بالرجفةِ والظُّلَّةِ فأَهلَكَهم وقَضى عليهم.

стр. 478

ولا دليلَ على ما ذَكَرَهُ الفادي من تَفْصيل عَذابِهم بالحَرّ، ولم يَصِحَّ هذا الكلامُ إِلى ابنِ عباسٍ ﵄، ولذلك نحنُ لا نَقولُ به ونَرُدُّه، فلم يَبعثْ لأَهْلِ مَدْيَنَ سَحابةً منعشةً فوقَهم، نسيمُها طَيِّبٌ وظِلُّها لطيف، فلما تجمعوا تَحتَها تَحَوَّلَ ذلك النَّسيمُ إِلى لهب وتَحَوَّلَت السحابةُ إِلى نارٍ حارقة! لا نَقولُ بذلك لأنه لم يُذْكَرْ في القرآنِ الكريم، ولا في حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ . ثم مَنْ قالَ: إِنَّ اللهَ عَذبَ قومَ مَدْيَن بالظُّلَّةِ (السحابةِ الباردة) ، فلما تَجَمَّعوا تَحْتَها حَوَّلَها اللهُ إلى نارٍ حارقة؟!. لقد أَخبرَ اللهُ أنه أَهلكَ قَوْمَ مدينَ بالرَّجفَةِ والصيْحةِ والظُّلَّةِ: قالَ تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) . والرَّجْفَةُ هي حركةُ الأَرضِ من تحتِهم، حيثُ زُلزلتْ ورَجفتْ وتَحركتْ واضْطربتْ. وقال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) . والصيحةُ هي الصوتُ العالي المدَوّي، الناتجُ عن زلزالٍ أَو انفجارٍ هائل. وقال تعالى: (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) . والظُّلَّةُ هي السَّحابة، وكانت تلك السحابةُ سحابةً بركانيةً حارقة، وليستْ باردةً أَو منعشة. وقد يَتهمُ بعضُهم القرآنَ بالتناقضِ في حديثهِ عن إِهلاكِ قومِ مَدْيَن، فسورةُ الشعراءِ تُخبرُ أَنَّ إِهْلاكَهم كانَ بالظُّلَّة، وسورةُ الأَعرافِ تُخبرُ أَنَّ إِهلاكَهم كانَ بالرجفة، وسورةُ هودٍ تُخبرُ أَنَ إِهلاكَهم كان بالصيحةِ! فبماذا كان إِهلاكُهم؟ ولماذا تَناقضت السُّوَرُ الثلاثُ في حديثِها عن إِهلاكِهم؟.

стр. 479

وعند تدبُّرِ الآيات ِ في السورِ الثلاث، المتحدثةِ عن إِهلاكِهم، فإِننا لا نَجدُ فيها تَعارضاً أَو تَناقضاً، إِنما نَجِدُ فيها تَكامُلاً في الإِخبارِ عن ما جَرى. لقد كان إِهلاكُهم على ثَلاثِ. مراحلَ مُتدرّجةٍ مُتَعاقبة، وتحدثَتْ كُلُّ سورةٍ عن مرحلةٍ منها، ولا بُدَّ من جَمْعِ المراحلِ والخطواتِ الثلاث: المرحلةُ الأُولى: في سورةِ الأَعراف.. حيثُ أَخبرتْ أَنهم أُهْلِكوا بالرَّجْفَة، وهي الزلزلة، حيث زَلْزَل اللهُ الأَرضَ من تحتِهم، فَرَجَفَتْ وتحركَتْ واضطربَتْ وانشَقَّتْ. المرحلةُ الثانية: في سورة هود.. حيثُ أَخبرتْ أَنهم أُهلكوا بالصيحة، وهي الصوتُ المدَوِّي العالي، الذي يَصُمُّ الآذان من شدَّتِهِ وعُلُوِّه، وهذه الصيحةُ ناتجةٌ عن الرجفةِ والزلزلة، فلما انشَقَّتِ الأَرض، حَدَثَ انفجارٌ بركانيٌّ كبير مُدَوٍّ، وسَمعوا صوتَ ذلك الانفجارِ، فأُصيبوا بالفَزَع والهَلَع!!. المرحلة الثالثة: في سورةِ الشعراء.. حيثُ أَخبرتْ أَنهم أهلكوا بالظُّلَّة، وهي السحابةُ التي أَظَلَّتْهم، وهي ليستْ سحابةً عاديةً كباقي السُّحُب، ولكنها سحابَةٌ بركانيةٌ نارية حارقة، وهذه السحابةُ ناتجةٌ عن ذلك الانفجارِ البركانيِّ الضخْم، الذي قَضى عليهم. فالرجفةُ في الأَرض، أَحْدَثَتْ صيحةً مُدَوّيَةً، ونتجَ عنها ظُلَّة نارية حارقة. أَين هذا من الأَساطيرِ التي يذكُرُها الفادي، ثم يَنسبُها للقرآنِ، ويُخَطِّئُهُ بسببِها؟!. *** كيف مُسخ اليهود قردة ؟ ذَكَرَ القرآنُ قصةَ أَصحابِ القريةِ من اليهود، الذين اعْتَدَوْا في السَّبتَ، وخالَفوا حُكْمَ اللهِ في تحريمِ صيدِ السَّمَكِ يومَ السَّبْتَ، ولم يَستَمِعوا لنُصْحِ

стр. 480

إِخْوانِهم، الملْتَزِمينَ بحكمِ الله، فأَوقعَ اللهُ بهم العِقاب، وأَنجى إِخوانَهم الملْتَزِمين الناصحين!. وكانَ عِقابُهم اَيةً من آياتِ الله، حيثُ مَسَخهم اللهُ قردةً خاسِئين " قال تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦) . ونَقَلَ الفادي الجاهلُ من تفسيرِ البيضاويِّ كَلاماً في تفسيرِ مَسْخِهم قردَةً، ثم عَلَّقَ على ذلك مُنْكِراً حُصولَه، لأَنه يتعارضُ مع العقلِ والعلمِ الحديثِ. قال: " ونحنُ نسأل: هل من المعقولِ أَنْ نُقابِلَ إِنْساناً مُسِخَ قِرْداً أَو خِنزيراً؟ أَلا تُعَلِّمُنا الطبيعةُ أَنَّ كُلَّ شيءٍ يُبْذَرُ بِذْراً كجنْسِه؟ أَليسَ مَنْ يَقولُ: إِنَّ القمحَ صارَ شعيراً، وإِنَّ العِنَبَ صارَ تيناً، كمنْ يَقولُ: إِنَّ الإِنسانَ صارَ قِرداً أَو خِنزيراً؟ ". وللرَّدِّ على استغرابِ الفادي وإِنكارِه نَقول: ذَهَبَ بعضُ المفَسِّرين إِلى أَنَّ مَسْخَ اليهود قِرَدَة، لم يَكُنْ مسخاً حقيقيّاً، أَيْ لم يَتَحَوَّلوا من بَشَرٍ إِلى قُرود، وِإنما مُسخَتْ أَرواحُهم وقُلوبُهم، بمعنى أَنهم تَخَلّوا عن فطرتِهم الإِنسانية، ومشاعِرِهم واهتماماتِهم العالية، وصارُوا كالقُرودِ في الاكتفاءِ بالطعامِ والشَراب. وممن قالَ بهذا القولِ المفسّرُ التابعي مجاهدُ بنُ جَبْر. ولَسْنا مع الإِمام مجاهدٍ في قولِه بالمسْخ المعنويّ، ونحنُ مع جمهورِ المفسّرين في أَنَ المسخَ كانَ مَسْخاً حقيقيّاً، بحيثُ حَوَّلَهم اللهُ من بَشَر آدَميّين إِلى قُرود، عقاباً لهم على عُدوانِهم في السبت. والراجحُ أَنُ هؤلاء القُرودَ لم يُعَمِّروا طويلاً، وإِنما تُوُفُّوا بعدَ المسخِ مباشرة، فالقرودُ الموجودةُ هي حيواناتٌ حقيقية، وليستْ يَهوداً مُتحوِّلينَ إِلى قرود. واعتراضُ الفادي على هذا المسخ دَليلُ جَهْلِه وغَبائِه، وتَساؤُلُه في غيرِ مَحَلّه، والمثالُ الذي ذَكَرَهُ هنا لا يَنطبقُ على المَسخ، لأَنَّ القمحَ لا يَصيرُ

стр. 481

شَعيراً، والعنبَ لا يَصيرُ تيناً، في الوضع الطبيعي، لأَنَّ القمحَ قمحٌ، والشَّعيرَ شعيرٌ.. لكن لو أَرادَ اللهُ أَنْ يَجعَل القمح شعيراً فَعَل، فلا رادَّ لمشيئته. والإِنسانُ لا يَصيرُ قِرْداً في الوضع الطبيعي، لأَنَّ الإِنسانَ إِنْسان، والقِردَ قِرْد، واليهودُ سكانُ تلك القريةِ لم يَكونوا أَصلاً قُروداً، ولم يَصيروا قُروداً برغبتِهم واختيارِهم وإِرادتِهم. إِنَّ اللهَ هو الذي مَسَخَهم قُروداً، وحَوَّلَهم من بَشَرٍ إِلى قُرود، ومَنْ نَظَر إِليهم رآهُم قُروداً، وكان هذا المسخُ والتحويلُ خارقةً من الخوارق، وآيةً من آياتِ الله، ولذلك لا يَدْعو الأَمْرُ إِلى الاستغرابِ والإنكار والاعتراض، ومرجعيّتنا هي القرآنُ الكريم، وكلُّ ما وردَ فيه نؤمنُ به، ونصَدقُه، وبما أَنَّ اللهَ قالَ لأولئك القومِ: كُونوا قردةً خاسئين، فقد صاروا قردةً خاسئين، لأَنَّ اللهَ يَقول: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) . *** حول عالم الجن للفادي المفترِي موقفٌ خاص من الجنّ، فهو يَرفضُ وُجودَ هذا العالَم الخَاصّ، الذي أَخبرَ عنه القرآن، ولذلك هو يُخَظَئُ القرآنَ في كلامِه عنه.. وقد سَجَّلَ الفادي آياتٍ من سبعِ سورٍ تتحدَّثَ عن الجن: سورةُ الحجر: ٢٧، وسورةُ هود: ١١٩، وسورةُ الأَحقاف: ٢٩ - ٣٠، وسورةُ الذاريات: ٥٦، وسورةُ الجن: ١ - ١٧، وسورةُ سبأ: ١٢ - ١٣، وسورة النمل: ١٧ و ٣٨ - ٣٩. وقالَ بعدَ تلك الآيات: "يُخبرُ القرآنُ بوجودِ خليقةٍ غيرِ الشياطينِ اسْمُها الجنُّ والعَفاريت، مخلوقونَ من نارِ جهنّم، وهم يأكُلونَ ويَشربون، ويتزوَّجون، ويَحيون ويَموتون، ومنهم المسلمونَ الذينَ كانوا يزدَحِمون حول محمدٍ عندَ قراءَتِه القرآن، وأَنهم كانوا مُسَخَّرين من سليمانَ لبناءِ الهيكل والقصور والتماثيل وغير ذلك ".

стр. 482

وقد أَخطأَ الفادي عندما قالَ عن المادَّةِ التي خَلَق اللهُ منها الجنّ، حيثُ قال: " وهم مخلوقونَ من نارِ جَهَنَّمَ "! وكأَنه لا نارَ إِلّا نارُ جهنَّم!!. خَلَقَ اللهُ الجنَّ من نارِ السَّموم، لقوله تعالى: (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) . ولكنَّ هذه النارَ الحارةَ الحاميةَ نارٌ في الدُّنيا، وليستْ نارَ جَهَنَّمَ.. وكأَنَّ الفادي الجاهلَ لا يَرى إِلّا نارَ جَهَنَّمَ!! إِنهما ناران: نارُ الدنيا المعروفَة.. ونارُ جَهَنَّمَ التي أَعَدَّها اللهُ للكافرين. والنارُ التي خَلَقَ اللهُ منها الجنَّ هي نارُ الدنيا. وعَلَّقَ على ذلك بأَسئلتِه التشكيكيةِ التي أَثارَها: " ونحنُ نسأل: إِن كانت العفاريتُ مخلوقةً من نار، وهي روحانيةٌ تَصْعَدُ وتَنزل، وتخترقُ جميعَ الأَماكن، فكيفَ تتزوَّجُ؟ وكيفَ تموت؟ ". إِنه يريدُ أَنْ يَقيسَ عالَمَ الجنِّ على عالَمِ الإِنس، فعالَمُ الإِنسِ عالَمٌ مادِّيّ مشاهَدٌ محسوس، يأكلُ ويَشرب، ويَتزوجُ ويَعملُ ويَتحرك.. لكنَّ عالَمَ الجنِّ عالمٌ آخَرُ خاصٌّ، وهو عالمٌ غيبيّ، له مقاييسُه الغيبيةُ الخاصَّة، التي لا تُقاسُ على مقاييسِ عالَمِ الإِنسِ الماديّ. وطريقُنا إِلى معرفةِ عالمِ الجنِّ الغيبيِّ هي النَّصّ، القائمُ على آياتِ القرآن، وما صَحَّ من حديثِ رسولِ الله ﷺ ، فما قالَه اللهُ عن عالَمِ الجنِّ يَجبُ قبولُه وأَخْذُهُ والإيمانُ به. وللإِجابةِ على تَساؤُلاتِ الفادي الجاهلِ نَقول: خَلَقَ اللهُ الجِنَّ من مارجٍ من نار، وهم ذُكورٌ وإِناث، ولذلك يَتَزوَّجون ويَتَناسَلونَ ويَتكاثرون، وهم يَأكلونَ ويَشربون، ويَصْعَدون ويْنزِلون، ويَعْمَلون، ويَتحركون، ويعيشونَ ويموتون.. ومنهم المؤمنودن الصالحون، ومنهم الكافرون المجرمون، وهم مُكَلَّفونَ مِثْلَنا بكلّ تكاليفِ الإِسلام، فمنهم مَنْ يُطيعُ ويُنفِّذُ، ومنهم مَنْ يَعصي ويُخالف.. وليس في الإِيمانِ بِالجنِّ ما يُخالِفُ العلمَ، أَو يتناقَضُ مع العقل!.

стр. 483

حول التداوي بالعسل أَخبرَ اللهُ أَنَّ في العسل شِفاءً للناس، قال تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) . واعترضَ الفادي المفترِي على الآية، وعلى حديت لرسول اللهِ ﵇ بشأنِ العَسَل. وارتكبَ المجرمُ أَثَناءَ اعتراضِه جريمةَ التحرِيفِ والافتراء، فلما ذَكَرَ حديثَ رسول اللهِ ﷺ لم يذكُرْه كامِلاً، وإِنما اجتزأ منه ما وَظَّفَهُ ضدَّ القرآن، وحَذَفَ منه ما لا يَتفقُ مع ذلك، وأَوهم القارئَ أَنه لم يَحذفْ منه شيئاً. قال: " عن قتادةَ: أَنَّ رَجُلاً جاءَ إِلى رسول اللهِ ﵇ فقال: إِنَّ أَخي يَشتكي بَطْنَه. فقال: اسْقِهِ العسل، فَذَهَبَ ثم رجعَ، فقال: قد سقَيْتُه فما نَفَعَ، فقال: اذْهَبْ واسْقِه عَسَلاً، فقد صَدَقَ اللهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيك ". وعَلَّقَ على الحادثةِ مُكَذِّباً القرآن، ومكَذِّباً رسول اللهِ ﵇ فقال: " ونحنُ نسأَل: إِذا كانَ المريضُ لم يَنَل الشِّفاء، فكيفَ يُصَدَّق اللهُ ويُكَذَّبُ بَطْنُه؟ وهل هذا الرَّدُّ يُبَيِّنُ صِدْقَ محمد؟ أَمْ صِدْقَ تَأْثيرِ العَسَل؟ ". يُريدُ المفترِي أَنْ يُخبِرَنا أَنَّ الرجلَ لم يتمَّ شِفاء بَطنِه، رغمَ أَنه شرِبَ العَسَلَ مرتَيْن، وهذا معناهُ أَنَّ العسلَ ليس فيه شفاءٌ للناس كما ذَكَر القرآن! ولذلك كان تَعليقُ المفترِي على الحديثِ خَبيثاً، فبما أَنَّ المريضَ لم يَنَل الشّفاء، فكيفَ يُصَدَّقُ اللهُ وتُكَذَّبُ بَطْنُ أَخيه؟.

стр. 484

فهل بقيَ بَطْنُ المريضِ بدونِ شِفاء؟ أَمْ شفي بعدَ شُرْبِ العَسَلِ؟ لِنَنْظُر: روى البخاري ومسلم عن أَبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁: أَنَّ رَجُلاً أَتى النبيَّ ﷺ فقال: أَخي يَشْتَكي بَطْنَه. فقال: " اسْقِه عَسَلاً! ثم أَتاهُ الثانية، فقال: اسْقِهِ عَسَلاً، ثم أَتاهُ الثالثة، فقال: اسْقِهِ عَسَلاً. ثم أَتاهُ، فقال: قد فَعَلْت! فقال: صَدَقَ اللهُ وكَذَبَ بَطْنُ أَخيك. اسْقِه عَسَلاً.. فسَقاهُ فَبَرَأ ". أُصيبَ ذلك الرجلُ بمرَضٍ في بطْنهِ، حيثُ أُصيبَ بالإِسهال - (استطلَقَ بطْنُه) في روايةٍ ثانيةٍ للحديث - ومعلومٌ أَنَّ المصابَ بالإِسهال يُمْنَعُ عنه الشَرابُ الحُلْو، والعَسَلُ شَرابٌ حلو. فلما ذَكَرَ أَخو الرجلِ الأَمْرَ للنبيِّ ﷺ ، طَلَبَ منه أَنْ يَسقيَه عَسَلاً، على اعتبارِ أَنَّ في العسلِ شِفاءً، ولكنَّ إِسهالَ الرجلِ ازداد، فأَمَرَ النبيُّ ﷺ أَنْ يُسقى عَسلاً للمرةِ الثانية، ثم للمرةِ الثالثة، ولكنَّ الإِسهَال لم يتوقَفْ بل ازداد. فأمَرَ النبيُّ ﷺ أَنْ يُسقى عَسَلاً للمرةِ الرابعة، وقال للرجل: صَدَقَ اللهُ وكَذَبَ بَطْنُ أَخيك!.. فلما أُسقيَ العسلَ للمرةِ الرابعة بَرأَ!!. وكأَنَّ الرسول ﷺ يُريدُ أَنْ يَقول للرجل: لقد أَخبرَ اللهُ أَنَّ في العسلِ شِفَاءً للناس، وهو صادِقٌ في إِخبارِه، وبَطْنُ أَخيك كاذب، لأَنه لم يَشْفَ بعدَ شُرْبِ العسلِ ثَلاثَ مَرّات، ولا بُدَّ أَنْ يَشفى! ولعلَّ السببَ في أَنَّه لم يَشْفَ إِلّا في المرةِ الرابعةِ أَنَّ الميكروباتِ المسبِّبَةَ للإِسهال كانت متمكِّنَةً من بَطْنِه، فاحتيجَ إِلى جرعاتٍ كثيرةٍ من العسل للقَضَاءِ عليها. وتُعْجِبُكَ الثقةُ المطلقةُ من الرسول ﷺ بالقرآن، بحيثُ أَيْقَنَ يَقيناً جازماً أَنَّ العسلَ لا بُدَّ أَنْ يشفيَ للرجلِ بَطْنَه بإِذْنِ الله، وبما أَنَّ بَطْنَه لم يتجاوَبْ مع العسل فهو كاذب! وقد بَرَأَ الرجلُ بعدَ ذلك، لما قضى العسلُ على المسبِّبِ للإِسْهال. ونحنُ نَقْتَدي برسولِ الله ﷺ في تصديقِنا المطلَقِ بالقرآن، فنقول: صَدَقَ اللهُ وكَذَبَ الفادي المفتري! ففي العَسَلِ شِفاءٌ للناس. وبقيَ أَنْ نُشيرَ إِلى أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْ: إِنَّ العسلَ شفاءٌ لكلِّ الأَمراض، إِنما ذَكرَ أَنه شِفاءٌ لبَعْضِ الأَمراض: (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) ، ولو كانَ العسلُ شِفاءً لكُلِّ الأَمراضِ لقال: " هو الشِّفاءُ للناس "! (١) .

стр. 485

أين شهود الإسراء والمعراج ؟ وَقَفَ الفادي المفترِي أَمامَ قولِ اللهِ وَبَئ: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) . ونَقَلَ من تفسيرِ البيضاويِّ خُلاصَةَ حادثةِ الإِسراءِ برسولِ الله ﷺ من المسجدِ الحرامِ في مكةَ إِلى المسجدِ الأَقصى في بيت المقدس، ثم عروجِه إِلى السمواتِ العُلى، ثم عودَتِه إِلى مكة، واستغرابِ المشركين الحادثة، وتصديقِ المؤمنين بها. وعَلَّقَ على ذلك بقولِه: " ونحنُ نسأل: مَنْ هم شُهودُ معجزةِ الإِسراءِ المحمدية؟ إِنَّ من شروطِ المعجزةِ أَنْ تكونَ أَمامَ شُهود، وأَنْ تَكونَ ذاتَ فائدة، وهذا ما لا يتوفَّرُ للإِسراءِ والمعراج، كما أَنَّ المسجدَ الأَقصى لم يكنْ مَوْجوداً زمنَ محمد، بل بُنِيَ بعدَ موتِه بنحوِ مئةِ سنةِ، فكيفَ صَلّى فيه وَوَصَفَ أَبوابَه ونوافذَه؟! ". يُكَذِّبُ المفترِي الحادثة، ويُنْكِرُ وُقوعَها، ويُخَطِّئُ القرآنَ في حديثهِ عنها، - لأَنَّها تَتَعارَضُ مع العقلِ والعلمِ في زَعْمِه، إِذ كيفَ يَنتقلُ إِنسان قبلَ خمسةَ عشرَ قَرْناً من مكةَ إِلى القُدس، بدونِ وسيلةِ نَقْل، ثم يَصعَدُ إِلى السماء، ثم يَعودُ إِلى مكة، في جزءٍ من الليل؟. ونقولُ له: نَعَمْ. الأَمْرُ مُستحيل! أَنْ يَنتقلَ شخص من مكةَ إِلى القدس، ثم يَصعَدَ إِلى السماء السابعة، ثم يهبطَ من السماءِ السابعةِ إِلى القُدس، ثم يعودَ إِلى مكة، بدونِ وسيلةِ نَقْل!! ولو زَعَمَ أَحَدٌ أنه فعلَ ذلك بنفسِه لحكَمْنا عليه بالكذب!. والرسولُ ﷺ لم يَدَّعِ ذلك، والقرآنُ لم ينسبْ ذلك لرسولِ ﷺ .

стр. 486

فإِذا كانَ الحَدَثُ قد تَمَّ بأَمْرِ الله، القادرِ على كُلِّ شيء، فليس فيه ما يَدْعو إِلى الاستغراب أَو الاعتراضِ أَو التكذيب، لأَنَّ اللهَ فَعّالٌ لما يُريد، ولا يُعجزُه شيءٌ في الأَرضِ ولا في السماء. أَسندَ القرآنُ الحادثةَ إِلى اللهِ سبحانَهُ: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ... ) ، فاللهُ هو الذي أَسْرى بعبدِه محمدٍ ﷺ ، ثم عَرَجَ به إِلى السماء، ثم أَعادَهُ إِلى مكة، ولا يُسْتَبْعَدُ صدورُ ذلك الحدَثِ عن اللهِ العليِّ العظيم. وإِنكارُ الفادي المفترِي للحَدَث، تكذيبٌ منه للهِ وللرسولِ ﷺ وللقرآن، وهذا كُفْرٌ منه بالله . أَمّا نحنُ فإننا نؤمنُ أَنَّ الحَدَثَ وَقَع، كما أَخْبَرَ اللهُ عنه. ومن أَدِلَّةِ الفادي على عَدَمِ وُقوعِ حادثةِ الإِسراءِ والمعراج عَدَمُ وُجودِ شُهود، شاهَدوا الرسولَ ﷺ عندَ إِسرائِه ومِعْراجِه، ومن شروطِ المعجزةِ عندَه حتى يُؤْخَذَ بها أَنْ يشاهدها الناسُ ويَشْهَدوا عليها!. ولا أَدري من أَيْنَ جاءَ المفترِي بهذا الشَّرْط! فهناكَ مُعجزاتٌ شاهدَهَا أُناس، وهناك معجزات لم يُشاهِدْها أَحَد. إِنَّ نُزولَ جبريلَ بالوحي على أَيّ رسولٍ من رسلِ اللهِ معجزةٌ شخصية، لم يُشاهِدْها أَحَد، ومع ذلك آمَنَ بها المؤمن!. ويكفي لثُبوتِ المعجزةِ عندنا ذِكْرُها في القرآن، أَو فيما صَحَّ من حديثِ رسولِ الله ﷺ . فصحةُ النقل عندَنا هي شرطُ المعجزة، وبما أَنَّ معجزةَ الإسراءِ والمعرَاجِ مذكورةٌ في القرآنِ والسنة فنُثبتُ وُقوعَها ونَجزمُ بذلك. وخَطَّأَ المفترِي القرآنَ في ذِكرِه المسجدَ الأَقصى: (أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا ... ) . فكيفَ يجعلُه مَسْجِداً ولم يكنْ له وجودٌ ليلةَ الإِسراء، وكيفَ يكونُ رسولُ ﷺ قد صَلّى فيه، ورأى أَبوابَه ولم يَكُنْ مَبْنِيّاً، لأَنه بُنِيَ في خلافةِ الوليدِ بنِ عبدِ الملك؟. وتَخطئَتُه دَليلُ جهْلِه فلم يكنْ بِناءُ المسجدِ الأَقصى زمنَ الوليدِ بنِ عبدِ الملك، وإِنما كانَ بناؤُه قبلَ الإِسلامِ بمئاتِ السّنين.

стр. 487

الراجحُ أَنَّ الذي بَنى المسجدَ الأَقصى هو إِبراهيمُ ﵇، وقد أَخْبَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أَنَّ أَوَّلَ مسجدٍ بُنِيَ هو المسجدُ الحرام، وأَنّ الثاني هو المسجدُ الأَقصى.. روى مسلم عن أَبي ذَر الغفاريِّ ﵁ قال: قلْتُ: يا رسولَ الله! أَيُّ المساجِدِ بُنِيَ أَوَّلاً؟ قال: " المسجدُ الحرام ". قلت: ثم أَيّ؟ قال: " المسجدُ الأَقصى ". قلتُ: كم بَيْنَهما؟ قال: " أَربعونَ سَنَة! ". وأَوَّلُ مَنْ بنى المسجدَ الحرامَ هو إِبراهيمُ وابنُه إِسماعيلُ ﵉. قال تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) . فإذا كانَ إِبراهيمُ هو باني المسجدِ الحرامِ يكونُ هو الذي بنى المسجدَ الأَقصى بعدَ ذلك بِأَربعينَ سَنَة!. وقد عَدَت العوادي على المسجدِ الأَقصى بعدَ ذلك، وتَأَثَّرَ بالأَحداث، فَهُدِمَ، ثم أُعيدَ بِناؤُه، ثم هُدِمَ، ثم أُعيدَ بِناؤُه ... ومن الذين أَعادوا بناءَه بعدَ ذلك النبيُّ الملكُ سليمانُ بنُ داود عليهما الصلاة والسلام، حيث جَدَّدَ بناءَ المسجدِ الأَقْصى، ولم يَبْنِ الهيكلَ المزعوم، الذي يزعُمُه اليهود. فلما أُسريَ برسولِ الله ﷺ كان المسجدُ الأَقصى مُتَهَدِّماً، ولكنْ كانَتْ بعضُ معالِمه وأَطلالِه موجودة، فالأَرضُ هي أَرضُ المسجِد، وبعضُ حجارتِه مُتَناثرَة عليها، وبعضُ جدرانِه وأَعمدتِه موجودة، وبعضُ أَبوابِه موجودة، ولكنَّ البناءَ مُتَهَدِّم.. ولما نَزَلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن "البُرَاقِ " - الدابَّةِ التي ركبَها في الإِسراء - رَبَطَهُ في حلقةِ بابِ المسجدِ الأَقصى، حيث كانَ الأَنبياءُ يَربطونَ دوابَّهم، وصَلَّى في المسجدِ بالأَنبياء، الذين جَمَعَهم اللهُ له. وعند الفتحِ الإِسلاميِّ لبيتِ المقْدِس كانت أَطلالُ المسجدِ قائمة، ولما دَخَلَ عمرُ بن الخطاب ﵁ القدسَ وَقَفَ على أَطلالِ المسجدِ وصارَ يُنَظِّفُه.. ثم بنى الخليفةُ الأَمويّ الوليدُ بنُ عبدِ الملك المسجدَ الأَقصى. أَوْ قُلْ: جَدَّدَ بناءَ المسجدِ الأَقصى الذي بَناهُ إِبراهيمُ ﵇ من قبل.

стр. 488

حول مهمة الهدهد زمن سليمان ﵇ - تَحدثَتْ آياتُ سورةِ النملِ عن قصةِ سليمانَ ﵇، وأَخبرتْ أَنه وَرِثَ أَباهُ داودَ ﵇ في النبوَّةِ والملك، وأَنَّ اللهَ عَلَّمَهُ منطقَ الإِنسِ والجِنِّ والطيرِ والحَشَرات، وكانَ جنودُه من الإِنسِ والجِنِّ والطير، فَسارَ بهم يوماً حتى أَتَوْا على وادي النَّمل، وسمعَ سليمانُ ﵇ نملةً تنصحُ باقي النملِ، أَنْ يَدخُلوا مساكنَهم تحتَ الأَرض، لئلا يَحطمَهم جنودُ سليمانَ وهم لا يَشْعُرون! ولما سمعَها سليمانُ ﵇ تَبَسَّمَ ضاحِكاً من قولها.. ثم تفقدَ الطيرَ في جيشِه، فلم يَجد الهدهدَ، فهدَّدَه بالعذابِ إِنْ لم يُبَرّرْ غيابَه، ولما عادَ الهدهدُ أَخبرَ سليمانَ ﵇ عن مملكةِ سبأ وملكتِها وعرشِها، وإِشراكِ أَهْلها بالله، فأَرسلَ سليمانُ معه رسالةً إِلى ملكةِ سَبَأ، يطلبُ منها الإِيمانَ بِه، والإِسلامَ معه للهِ ربِّ العالَمين، ولما استشارت الملكةُ قومَها، ووكلوا الأَمْرَ إِليها، قَرَّرَتْ أَنْ تُرسلَ هديةً رشوةً لسليمان، ولما وصلتْ إِليه ردَّها وهَدَّدَ القومَ بغزوِ بلادهم، وطلبَ من رجالِ حاشِيتِه أَن يُحْضِروا له عرش ملكةِ سبأ، فعرضَ عفريت من الجنِّ أَنْ يأتيَ بالعرشِ قبلَ أَنْ يقَومَ سليمانُ من مقامِه، وعَرَضَ الذي عنْدَه علم من الكتابِ أَنْ يأتيَ بالعرشِ قبل أَنْ ترمش عينُه، وما هي إِلّا لحظةٌ حتى رأى سليمانُ ﵇ عرش ملكةِ سبأ أَمامَه، فحمدَ اللهَ على ذلك. ولما توجَّهتْ ملكةُ سبأ إِلى سليمانَ طلبَ أَنْ يُنَكِّروا لها عَرْشَها، ولما رأَتْه سُئلَتْ: أَهكذا عرشُكِ؟ قالتْ: كأَنَّه هو. وأَعَدَّ سليمانُ ﵇ لها مفاجأةً أُخرى، حيث جعلَ لها بركةَ ماءٍ مغطاةً بالزُّجاج، ولما طُلِبَ منها اجتيازُ البركةِ حَسِبَتْها لجةَ ماء، فكشفَتْ عن ساقَيْها فقيل لها: إِنّه صَرْحٌ من زجاج!! عند ذلك اعترفَتْ لسليمانَ بالنصرِ والقوة، وقالَتْ: رَبّ إِنّي ظلمْتُ نفسي وأَسْلَمْتُ مع سليمانَ للهِ ربِ العالمين. وتحدثَتْ عن قصةِ سليمانَ ﵇ مع النملةِ والهدهدِ وملكةِ سبأ آياتُ سورةِ النمل: (١٥ - ٤٤) .

стр. 489

واعترضَ الفادي المفترِي على القرآنِ في إخباره عن ذلك، واعتبرَه يَتعارضُ مع العقل. قال: " ونحنُ نسأَل: كيفَ يتصوَّرُ عاقلٌ أَنْ تكونَ حاشيةُ سليمانَ الملك من الجنِّ والطُّيور؟ وكيفَ يكونُ الهدهدُ أَكثرَ حكمةً وعلماً، ويتحدّى سليمانَ قَائلاً: أَحطتُ بما لم تُحِطْ به، وجئْتُكَ من سبأ بنبأ عظيم؟ وكيفَ يهجو الهدهدُ عِبادَةَ الأَوثانِ ويمتدحُ الوحدانية؟ وكيفَ يقوم الهدهدُ بدوْرِ المراسلة؟ وكيفَ يتصرفُ الهدهدُ في مملكة سليمان تَصَرُّفاً يفوقُ تَصرُّفَ الملوكِ والوزراءِ والفلاسفة؟ ". زعَمَ الفادي أَنَّ القرآنَ جَعَلَ حاشيةَ سليمانَ ﵇ مكوَّنَةً من الجنّ والطيور، واعتبرَ هذا كلاماً لا يُصدِّقُه عاقل! وهو بهذا يُكذِّبُ قولَ الله : (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) . ولم يَجعل القرآنُ حاشيةَ سليمانَ من الجِنّ والطيورِ فقط، والكلامُ في الآيةِ عن جَيْشِ سليمان، حيثُ كانَ مُكَوَّناً من " الجِنِّ والإِنْسِ والطير ". ولا غَرابَةَ في هذا، فاللهُ أَخْضَعَ له الجنّ، وجَعَلَهم يُنَفّذونَ أَمْرَه، واللهُ عَلَّمَه لُغَةَ الجنِّ والطيرِ! فالأمْرُ أَمْرُ الله، وليس على اللهِ شيءٌ غريب، فهو الفَعّالُ لما يريدُ، سبحانه. وحَديثُ القرآنِ عن الهدهد لا يَدْعو للاستغراب، وليسَ فيه ما يتناقَضُ مع العلمِ والعقل، وأسئلةُ المفترِي حولَه مردودَةٌ عليه! فالهدهدُ طائرٌ من خَلْقِ الله، مؤمنٌ بالله، مُسَبِّحٌ بحمدِ الله، كَباقي المخلوقاتِ الِحية التي خلَقها اللهُ مُسَبّحَةً ساجدةً له. قالَ الله : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) . وقالَ أيضاً: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) . وهذا الهدهدُ المؤمنُ باللهِ جَعَلَ اللهُ عندَه بعضَ العلمِ والحكمة، وبعضَ

стр. 490

الجهدِ والاهتمامِ، وبعضَ الفهمِ والإِدراك، وبعضَ الحرصِ في الدعوةِ إِلى الله، وكانَ هذا معجزةً من اللهِ، جعلَها في هذا الطائر، ومَيَّزَهُ بهذا عن باقي " الهَداهِدِ " الطيورِ، ليقومَ بهذه المهمةِ الخاصَّةِ، ويَكتشفَ مملكةَ سبأ، لتدخُلَ بعد ذلك في الإِسلام! لقد أَرادَ اللهُ الحكيمُ أَنْ يَعرفَ سليمانُ ﵇ مملكةَ سبأ عن طريقِ ذلك الهدهد، وليس عن طريقِ الوحيِ المباشر ... وأَخبرَنا اللهُ عن مهمةِ الهدهدِ ودوْرِه في الدعوةِ إِلى الله، ليكونَ هذا عبرةً لنا، وليوجِدَ عندَنا نوعاً من الباعثِ على الدعوة، والاقتداءِ بذلك الهدهدِ الداعية!. ولم يكن الهدهدُ أَكثرَ علماً وحكمةً من سليمانَ ﵇، فكلامُ الفادي عنه باطل، وذلك عندما تَساءَل: " كيفَ يكونُ الهدهدُ أَكثرَ حِكْمَةً وعلماً؟! ". سليمانُ رسولٌ كريمٌ ﵊، وهو الأَكثرُ عِلْماً وحكمة، وعِلْمُ الهدهدِ خاصٌّ بمملكةِ سَبَأ! وعَلَّمَهُ اللهُ ذلك ليتعلَّمه سليمانُ ﵇، فهو وسيلةٌ ربانيةٌ لتعليمِ سليمانَ ﵇. وقالَ المفترِي الجاهل: " كيفَ يَتَحَدّى الهدهدُ سليمانَ قائلاً: أَحطتُ بما لم تُحِطْ به.. "؟ ولا أَدري كيفَ فهمَ الفادي تَحَدّي الهدهدِ لسليمانَ ﵇، عندما أَخْبرَهُ عن مملكةِ سبأ، وهو المهَدَّدُ بالتعذيبِ لغيابِه؟ قال تعالى: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) . إنَّه يُخاطِبُ سليمانَ ﵇ بافتخارٍ واعتزاز، وليسَ بتَحَدٍّ وتَكَبُّر، ويُخبرُهُ أَنَّ اللهَ عَلَّمَه عِلْماً لم يُعَلِّمْه سليمانَ ﵇: (أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ) ، ولم يُنكرْ سليمانُ ﵇ عليه قولَه، ولم يُعاقِبْه عليه، وهو القائِدُ الحازم، لأَنه فهمَ الإِشارةَ من الهدهد، فعليه أَنْ " يَتَواضَعَ " بينَ يديه، وهو النبيُّ المعَلِّمُ ﵇، ويَعترفَ بقُصورِ عِلْمِه، فاللهُ أَعطى الهدهدَ عِلْماً لم يُعْطِه منه وهو النبي!!. ويَستغربُ الفادي من ذَمِّ الهدهدِ لشركِ ملكةِ سبأ وقومِها بالله، وعبادتِهم

стр. 491

للشمسِ من دونِ الله، فلم يَستوعبْ عَقْلُه " الصغيرُ " فهمَ طائرٍ للإِيمانِ والشرك، ودعوتِه إِلى وحدانيةِ اللهِ والسجودِ له وحْدَه! ولقد قُلْنا: إِنه هدهدٌ خاصٌّ، عَلَّمَهُ اللهُ وفَهَّمَه بتعليمٍ وتفهيم خاص، وأَخْبَرَنا عن بيانِه الدعويّ في قولِه تعالى: (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) . ونقول: لقد كانَ هذا الهدهدُ المؤمنُ أَكثرَ عِلْماً من الفادي المفترِي، وأَعمقَ إِيماناً وتَوحيداً لله منه، فهذا الفادي المتعالمُ المتفلسفُ لا يَتبعُ الحَقَّ الموجودَ في الإِسلام، ويُصِرُّ على الإِيمانِ بالأَقانيمِ الثلاثة: الآبِ والابنِ والروحِ القُدُس، ويجعلُ المسيحَ ﵇ ابْناً لله، وها هو الهدهدُ يَدْعو إِلى توحيدِ اللهِ بهذا المنطقِ الدعويّ الرائعِ، وهذا الحماسِ الإيمانيِّ المؤَثِّر!! ويتساءل الفادي الجاهلُ بإِنكار؟ " كيفَ يَقومُ الهدهدُ بدوْرِ المراسَلَة؟! ". وقد سبقَ أَنْ قُلْنا: إِنه هدهدٌ خاصٌّ، عَلَّمَه اللهُ ومَيَّزَهُ عن باقي الطيور، ومَكَّنَهُ من أَنْ يَقومَ بمهمتِه الدعويةِ في مملكةِ سبأ، فَحَمَلَ الرسالةَ الخاصة، وقَطَعَ المسافَةَ الطويلة، وأَلقى الرسالةَ إِلى ملكةِ سَبَأ، وتوقَّفَ عندَ قَصْرِها يُراقبُ ويَرصد، ويَرى ماذا سيكون رَدُّ فعْلِها هي وقومُها! إِنه ليسَ مجرَّدَ طائر، ولكنّه هدهدٌ خاصّ، جعلَ اللهُ فيه فهماً وإدراكاً خاصّاً!! وقد أَخبرَ اللهُ عن مهمةِ الهدهد، والكتاب الذي حَمَلَه. قال تعالى: (قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) .

стр. 492

ولا تَدُلُّ مهمةُ الهدهدِ الدعويةُ على أَنَه أَعلى منزلةً من كُلِّ الوزراءِ عند سليمان ﵇، وكان الفادي غبيّاً في تَساؤُلِه: " وكيفَ يتصرَّفُ الهدهدُ في مملكةِ سليمانَ تَصرُّفاً يَفوقُ تَصَرفَ الملوكِ والوزراءِ والفلاسفة؟! ". فمن غيرِ المعقولِ أَنْ يُعَيِّنَ سليمانُ ﵇ الهدهدَ الطائرَ وَزيراً عنْدَه، مَسؤولاً عن الوزراءِ البَشَر.. كلُّ ما في الأَمْرِ أَنَّ هذا الهدهدَ قامَ بمهمةٍ دعويَّة، أَعانَهُ اللهُ على القيامِ بها، ووفَّقَهُ إِليها، ونتجَ عنها دخولُ ملكةِ سبأ وشعْبِها في الإِسلام، ومتابعةِ النبيِّ الملكِ سليمانَ ﵇. *** ما هي الدابة التي تخرج في آخر الزمان ؟ تحتَ عنوان: " دابةٌ بينَ الأَنبياء " اعترضَ الفادي على حديثِ القرآنِ عن الدابَّةِ التي تَخرجُ في آخِرِ الزمان، وذلك في قولِه تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢) . وقد نقلَ الفادي من تفسير البيضاويِّ كَلاماً عن الدابةِ، يَذكرُ فيه كيفيةَ ومَكانَ خروجِها، ويُقَدِّمُ لها بعضَ المواصفات، ويَنسبُ لها بعضَ الأَعمالِ عند خُروجِها، وبعضُ ذلك الكلامِ مَسْنَدٌ إِلى رسولِ الله ﷺ . ثم عَلَّقَ على ذلك بقوله: " ونحنُ نسأل: هل من المعقولِ أَنْ نتصوَّرَ دابَّةً لها أَربع قوائمَ مثلُ الحيوان، وريشٌ وزغبٌ وجناحان مثلُ الطيور، وتتكلمُ مثلَ الإِنسان، وتعظُ مثلَ الأَنبياء، بسلطانِ موسى، وحكمةِ سليمان، وأَنها تحتفظُ بعصا موسى وخاتمِ سليمان؟! ". المشكلةُ عنْدَ الفادي المفترِي هي جَهْلُه وغَباؤُه، وعدمُ اعترافِه بذلك، وادِّعاؤُه العلمَ والمعرفة، وتعالُمُ الجاهلِ جريمةٌ مزدوجة، جَمَعَ فيها بينَ الجهلِ والتَّعالُم!.

стр. 493

لم يقف الجاهلُ عند - حديثِ القرآنِ عن الدَّابّة، وذهبَ إِلى بعضِ الكتبِْ التي لا تتحرَّى الصحيحَ فيما تَذْكُر، وتَجمعُ كُلَّ ما وصلَ إِليها من أَخبارٍ وروايات، ولو لم تصحّ، وأَخَذَ منها تلكَ الخرافاتِ التي نرفضها نحنُ أَيضاً، وحَمَّلَها للقرآنِ، وأَدانَه وخَطَّاَه بسببِها!. لم يصحّ حديثٌ عن رسولِ اللهِ ﷺ حولَ الدّابّةِ وخُروجِها وصِفاتِها وأَعمالِها، ونتوقَّفُ في الرواياتِ غيرِ الصحيحة التي تحدَّثُ عنها، والتي ذَكَرَها بعضُ المفسِّرين سامَحهم الله، ولا نَعتمدُها لعدمِ ثُبوتِها. وهذا معناهُ أَنْ نبقى مع القرآنِ في إِشارتِه لها، ولا نَزيدُ عليه شيئاً آخَر. ونقولُ للفادي الجاهل: ليس في كلامِ القرآنِ عِن الدَّابّة ما يَتَعارَضُ مع العقلِ والعلم، لأَنَّ اللهَ هو الذي سيخلقُ هذه الدابة في آخرِ الزمان، قُبيلَ قيامِ الساعة، وسيجعلُ لها مهمَّةً خاصَّة، وبما أَنَّ الأَمْرَ أَمْرُه، والفعلَ فعلُه سبحانَه، فلا غرابةَ فيه، ولا اعتراضَ عليه. يُخبرُ اللهُ أَنه: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ) : أَي اقتربَ وقْتُ تحقُّقِ ما أَخبرَ اللهُ عنه، وَوَعَدَ الناسَ به، وهو قربُ انتهاءِ الحياةِ الدُّنيا، وقيامِ الساعة. (أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ) : اللهُ هو الذي سيُخرجُ للناسِ تلك الدابة، وهو الفَعّالُ لما يُريدُ سبحانَه، ولا يُعجزُهُ أَيُّ شيءٍ في الأرضِ ولا في السماء. ولقد أَبهمَ القرآنُ صفال الدابَّة، فلم يذكُرْ عنها شيئاً، واكتفى بذكْرِ كلمةِ " دابّة " نَكِرَة، وتَنكيرُها لإِبهامِها، وهذا التنكيرُ دعوةٌ لنا لعدمِ الخوضِ في الدابة، وعدمِ محاولةِ معرفةِ ذلك. لعدمِ وجودِ دليلٍ عليه، ولعدمِ تَحَقُّقِ الفائدةِ منه. وهذه الدابَّةُ سيُخرجها اللهُ من الأَرض، بدونِ تَحديدِ مَكانِ خُروجها أَو كيفيةِ خروجِها. وهذه الدابةُ ستكلمُ الناسَ الأَحياءَ وَقْتَ خُروجِها: (تُكَلِّمُهُمْ) ، واكتفى

стр. 494

القرآنُ بذكْرِ أَنَّ الدابةَ ستكلمُ الناس، ونَبقى عندَ حديثِ القرآنِ عن كلامِها، ولا نُجاوزُهُ إِلى غيره، فهي ستكلمهم والسّلام! ولا نَعرفُ كيفَ تُكلمُهم، ولا بأيّ لغة ستكَلّمُهم، ولا بأَيّ جزءٍ من جِسْمِها ستكلّمُهم، ولا كيفَ سيسمَعون كلامَها، فعِلْمُ ذلك كلّه عندَ اللهِ وحدَه!. واللهُ الذي خَلَقَ الدابَّة، وأَخرجَها من الأَرضِ، هو الذي جَعَلَها تتكلَّم، وبما أَنَّ الدابَّة لا تتكلمُ بقدرتِها الذاتية، وإِنما بأَمْرِ اللهِ، فلا غرابةَ في ذلك. واللطيفُ أَنَّ القرآنَ الذي أَبهمَ الكلامَ عن صفاتِ وأَعمالِ الدابة، أَخبرَ عن ما سَتُكَلِّمُ الدابةُ الناسَ به، وما ستَقولُه لهم: (تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢) . أَيْ: أَنَّ الناسَ يَكْفُرون بآياتِ الله، ويُنكرونَ ما أَخبرتْ عنه تلكَ الآيات، ومن ذلك بَعْثُ الناسِ بعدَ الموت، وإِخبارُ الدابة بذلك قُبيلَ قيامِ الساعة من بابِ ذَمّ الكفارِ الموجودين عند خروجها، لأَنهم ذاهبون إِلى الموت، ثم البعثِ بعده!. وبهذا نَعرفُ غَباءَ الفادي الجاهلِ في أَسئلتِه التي اعترضَ بها على القرآنِ، في إخباره عن الدابة، ونعرفُ سفاهَتَه في عنوانِه: " دابَّة بين الأَنبياء "، فمنْ قالَ: إِنَ تلك الدابةَ ستكونُ بين الأَنبياء؟ ومَن الذي جمَع بين الدابةِ الحيوان وبينَ الأَنبياءِ الذين هم أفضلُ الناسِ عندَ الله؟!. *** حول موت سليمان ﵇ - اعترضَ الفادي المفترِي على حديثِ القرآنِ عن موتِ سليمانَ ﵇، وجَعَلَ عنوانَ اعتراضِه: " مَيِّت يتوكَّأُ على عَصا مدةَ سَنَة "!. قالَ اللهُ عن وفاةِ سليمانَ ﵇: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤) .

стр. 495

أَخبرَ اللهُ أَنه لما قَضى على سليمانَ ﵇ الموتَ وَحانَ أَجَلُه، تَوفّاهُ اللهُ وقبضَ روحَه، ولم يَعْلم الجنُّ بوفاتِه إِلّا بعدَ أَنْ أَكلتْ دابَّةُ الأَرضِ مِنْسَأَتَه، وهي عصاهُ التي كان يستعملُها، فبعدَما أَكلتْ دابَّةُ الأَرض عَصاه، خَرَّ سليمانُ ﵇ على الأَرض، وسَقَطَ جثةً هامدة، ففوجئَ الجِنُّ بذلك وثبتَ لهم أَنهم لا يعلمونَ الغيب، فلو كانوا يَعلمونَ الغيبَ لعَرَفوا بموتِه. وذهبَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاوي ليأخذَ منه تفسيرَ الآية، وأَخَذَ منه كَلاماً لم يَثبت، وقَدَّمَ تفصيلاتٍ لموتِ سليمان ﵇ ليس عليها دليلٌ صحيح. تقولُ تلك الروايات: " بَدَأ داودُ ﵇ بناءَ الهيكلِ في بيتِ المقْدِس، لكنّه ماتَ قبلَ إِتمامِ البِناء، فتولَّى ابنهُ سليمانُ ﵇ إِتمام البناء، واستخدم الجنَّ في البناء، وكانَ شَديداً عليهم، ودَنا أَجلُه، وخشيَ إِنْ ماتَ قبلَ إِكمالِ البناء، أَنْ يتوقَّفوا عن العمل، فأَمرهم أَنْ يَبْنوا له بَيتاً من زُجاج، ليسَ له باب، ودَخَلَ سليمانُ البيتَ الزجاجي، وقامَ يُصلّي وهو مُتَّكِئٌ على عصاه، وهم يَعمَلونَ في البناء.. ومات وهو متكئٌ على عَصاه، وهم يرونَه يَنظرُ إِليهم. وبقيَ مُتَّكئاً على العَصا حتى أَكَلَتْها الأَرَضَةُ، عند ذلك سَقَطت العصا، فخرَّ على الأَرض، ولما حَسَبَ الجنُّ الزمنَ وَجدوه قد مات قبلَ سنة، فتعَجَّبوا! ". وعَلَّقَ الفادي على هذه الأُسطورةِ بقوله: " ونحنُ نسأَل: كيفَ يَموتُ سليمانُ الملك، ويَستمرُّ سَنَةً دونَ أَنْ يَعلمَ به أَحَد؟ أَينَ نساؤُه؟ وأَينَ أَولادُه؟ وأَينَ حاشيتُه؟ وأَينَ شعبُه؟ ألا يوجَدُ واحدٌ من هؤلاء يَسأَلُ عنه؟ وهل يتصوَّرونَه قائماً يُصَلّي على عَصاهُ سَنَةً كاملةً، بدونِ نومٍ ولا أكلٍ ولا شربٍ ولا اسْتِحْمام؟ وكيفَ لما ماتَ على عَصا لم يَسْقُط؟ أَلم يتحلَّلْ جسدُه ويُصِبْهُ النَّتنُ والتَّعفنُ؟ ولما أَكلت الأَرَضَةُ جُزْءاً من العصا أَلَمْ يختلّ توازُنُه ويَسْقُط؟ أَليس تآكلُ العَصا في يوم يَكفي لسقوطِ الميتِ، كتآكُلِها إِلى آخِرِها لمدةِ سَنَة؟ وإِذا كان سليمانُ قد بنى على نفسِه صَرْحاً من قواريرَ لِيُعَمِّي عينَ الإِنسِ والجنِّ عن موتِه، فلماذا لم يَعلمْ مُقدَّماً الدور الذي ستَلْعبُه الأَرَضَة؟ ".
следующие страницы →