ولا تَدُلُّ مهمةُ الهدهدِ الدعويةُ على أَنَه أَعلى منزلةً من كُلِّ الوزراءِ عند
سليمان ﵇، وكان الفادي غبيّاً في تَساؤُلِه: " وكيفَ يتصرَّفُ الهدهدُ في مملكةِ سليمانَ تَصرُّفاً يَفوقُ تَصَرفَ الملوكِ والوزراءِ والفلاسفة؟! ".
فمن غيرِ المعقولِ أَنْ يُعَيِّنَ سليمانُ ﵇ الهدهدَ الطائرَ وَزيراً عنْدَه، مَسؤولاً عن الوزراءِ البَشَر..
كلُّ ما في الأَمْرِ أَنَّ هذا الهدهدَ قامَ بمهمةٍ دعويَّة، أَعانَهُ اللهُ على القيامِ بها، ووفَّقَهُ إِليها، ونتجَ عنها دخولُ ملكةِ سبأ وشعْبِها في الإِسلام، ومتابعةِ النبيِّ الملكِ سليمانَ ﵇.
***
ما هي الدابة التي تخرج في آخر الزمان ؟
تحتَ عنوان: " دابةٌ بينَ الأَنبياء " اعترضَ الفادي على حديثِ القرآنِ عن
الدابَّةِ التي تَخرجُ في آخِرِ الزمان، وذلك في قولِه تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢) .
وقد نقلَ الفادي من تفسير البيضاويِّ كَلاماً عن الدابةِ، يَذكرُ فيه كيفيةَ
ومَكانَ خروجِها، ويُقَدِّمُ لها بعضَ المواصفات، ويَنسبُ لها بعضَ الأَعمالِ
عند خُروجِها، وبعضُ ذلك الكلامِ مَسْنَدٌ إِلى رسولِ الله ﷺ .
ثم عَلَّقَ على ذلك بقوله: " ونحنُ نسأل: هل من المعقولِ أَنْ نتصوَّرَ دابَّةً
لها أَربع قوائمَ مثلُ الحيوان، وريشٌ وزغبٌ وجناحان مثلُ الطيور، وتتكلمُ مثلَ الإِنسان، وتعظُ مثلَ الأَنبياء، بسلطانِ موسى، وحكمةِ سليمان، وأَنها تحتفظُ بعصا موسى وخاتمِ سليمان؟! ".
المشكلةُ عنْدَ الفادي المفترِي هي جَهْلُه وغَباؤُه، وعدمُ اعترافِه بذلك،
وادِّعاؤُه العلمَ والمعرفة، وتعالُمُ الجاهلِ جريمةٌ مزدوجة، جَمَعَ فيها بينَ
الجهلِ والتَّعالُم!.
стр. 493
لم يقف الجاهلُ عند - حديثِ القرآنِ عن الدَّابّة، وذهبَ إِلى بعضِ الكتبِْ
التي لا تتحرَّى الصحيحَ فيما تَذْكُر، وتَجمعُ كُلَّ ما وصلَ إِليها من أَخبارٍ
وروايات، ولو لم تصحّ، وأَخَذَ منها تلكَ الخرافاتِ التي نرفضها نحنُ أَيضاً،
وحَمَّلَها للقرآنِ، وأَدانَه وخَطَّاَه بسببِها!.
لم يصحّ حديثٌ عن رسولِ اللهِ ﷺ حولَ الدّابّةِ وخُروجِها وصِفاتِها وأَعمالِها، ونتوقَّفُ في الرواياتِ غيرِ الصحيحة التي تحدَّثُ عنها، والتي ذَكَرَها بعضُ المفسِّرين سامَحهم الله، ولا نَعتمدُها لعدمِ ثُبوتِها.
وهذا معناهُ أَنْ نبقى مع القرآنِ في إِشارتِه لها، ولا نَزيدُ عليه شيئاً آخَر.
ونقولُ للفادي الجاهل: ليس في كلامِ القرآنِ عِن الدَّابّة ما يَتَعارَضُ مع العقلِ
والعلم، لأَنَّ اللهَ هو الذي سيخلقُ هذه الدابة في آخرِ الزمان، قُبيلَ قيامِ
الساعة، وسيجعلُ لها مهمَّةً خاصَّة، وبما أَنَّ الأَمْرَ أَمْرُه، والفعلَ فعلُه
سبحانَه، فلا غرابةَ فيه، ولا اعتراضَ عليه.
يُخبرُ اللهُ أَنه: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ) :
أَي اقتربَ وقْتُ تحقُّقِ ما أَخبرَ اللهُ عنه، وَوَعَدَ الناسَ به، وهو قربُ انتهاءِ الحياةِ الدُّنيا، وقيامِ الساعة.
(أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ) : اللهُ هو الذي سيُخرجُ للناسِ تلك الدابة،
وهو الفَعّالُ لما يُريدُ سبحانَه، ولا يُعجزُهُ أَيُّ شيءٍ في الأرضِ ولا في
السماء.
ولقد أَبهمَ القرآنُ صفال الدابَّة، فلم يذكُرْ عنها شيئاً، واكتفى بذكْرِ كلمةِ
" دابّة " نَكِرَة، وتَنكيرُها لإِبهامِها، وهذا التنكيرُ دعوةٌ لنا لعدمِ الخوضِ في
الدابة، وعدمِ محاولةِ معرفةِ ذلك.
لعدمِ وجودِ دليلٍ عليه، ولعدمِ تَحَقُّقِ الفائدةِ منه.
وهذه الدابَّةُ سيُخرجها اللهُ من الأَرض، بدونِ تَحديدِ مَكانِ خُروجها أَو
كيفيةِ خروجِها.
وهذه الدابةُ ستكلمُ الناسَ الأَحياءَ وَقْتَ خُروجِها: (تُكَلِّمُهُمْ) ، واكتفى
стр. 494
القرآنُ بذكْرِ أَنَّ الدابةَ ستكلمُ الناس، ونَبقى عندَ حديثِ القرآنِ عن كلامِها، ولا نُجاوزُهُ إِلى غيره، فهي ستكلمهم والسّلام! ولا نَعرفُ كيفَ تُكلمُهم، ولا بأيّ لغة ستكَلّمُهم، ولا بأَيّ جزءٍ من جِسْمِها ستكلّمُهم، ولا كيفَ سيسمَعون كلامَها، فعِلْمُ ذلك كلّه عندَ اللهِ وحدَه!.
واللهُ الذي خَلَقَ الدابَّة، وأَخرجَها من الأَرضِ، هو الذي جَعَلَها تتكلَّم،
وبما أَنَّ الدابَّة لا تتكلمُ بقدرتِها الذاتية، وإِنما بأَمْرِ اللهِ، فلا غرابةَ في ذلك.
واللطيفُ أَنَّ القرآنَ الذي أَبهمَ الكلامَ عن صفاتِ وأَعمالِ الدابة، أَخبرَ
عن ما سَتُكَلِّمُ الدابةُ الناسَ به، وما ستَقولُه لهم: (تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢) .
أَيْ: أَنَّ الناسَ يَكْفُرون بآياتِ الله، ويُنكرونَ ما أَخبرتْ عنه
تلكَ الآيات، ومن ذلك بَعْثُ الناسِ بعدَ الموت، وإِخبارُ الدابة بذلك قُبيلَ
قيامِ الساعة من بابِ ذَمّ الكفارِ الموجودين عند خروجها، لأَنهم ذاهبون إِلى
الموت، ثم البعثِ بعده!.
وبهذا نَعرفُ غَباءَ الفادي الجاهلِ في أَسئلتِه التي اعترضَ بها على
القرآنِ، في إخباره عن الدابة، ونعرفُ سفاهَتَه في عنوانِه: " دابَّة بين الأَنبياء "، فمنْ قالَ: إِنَ تلك الدابةَ ستكونُ بين الأَنبياء؟
ومَن الذي جمَع بين الدابةِ الحيوان وبينَ الأَنبياءِ الذين هم أفضلُ الناسِ عندَ الله؟!.
***
حول موت سليمان ﵇ -
اعترضَ الفادي المفترِي على حديثِ القرآنِ عن موتِ سليمانَ ﵇، وجَعَلَ عنوانَ اعتراضِه: " مَيِّت يتوكَّأُ على عَصا مدةَ سَنَة "!.
قالَ اللهُ عن وفاةِ سليمانَ ﵇: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤) .
стр. 495
أَخبرَ اللهُ أَنه لما قَضى على سليمانَ ﵇ الموتَ وَحانَ أَجَلُه، تَوفّاهُ اللهُ وقبضَ روحَه، ولم يَعْلم الجنُّ بوفاتِه إِلّا بعدَ أَنْ أَكلتْ دابَّةُ الأَرضِ مِنْسَأَتَه، وهي عصاهُ التي كان يستعملُها، فبعدَما أَكلتْ دابَّةُ الأَرض عَصاه، خَرَّ سليمانُ ﵇ على الأَرض، وسَقَطَ جثةً هامدة، ففوجئَ الجِنُّ بذلك وثبتَ لهم أَنهم لا يعلمونَ الغيب، فلو كانوا يَعلمونَ الغيبَ لعَرَفوا بموتِه.
وذهبَ الفادي إِلى تفسيرِ البيضاوي ليأخذَ منه تفسيرَ الآية، وأَخَذَ منه
كَلاماً لم يَثبت، وقَدَّمَ تفصيلاتٍ لموتِ سليمان ﵇ ليس عليها دليلٌ صحيح.
تقولُ تلك الروايات: " بَدَأ داودُ ﵇ بناءَ الهيكلِ في بيتِ المقْدِس، لكنّه ماتَ قبلَ إِتمامِ البِناء، فتولَّى ابنهُ سليمانُ ﵇ إِتمام البناء، واستخدم الجنَّ في البناء، وكانَ شَديداً عليهم، ودَنا أَجلُه، وخشيَ إِنْ ماتَ قبلَ إِكمالِ البناء، أَنْ يتوقَّفوا عن العمل، فأَمرهم أَنْ يَبْنوا له بَيتاً من زُجاج، ليسَ له باب، ودَخَلَ سليمانُ البيتَ الزجاجي، وقامَ يُصلّي وهو مُتَّكِئٌ على عصاه، وهم يَعمَلونَ في البناء..
ومات وهو متكئٌ على عَصاه، وهم يرونَه يَنظرُ إِليهم.
وبقيَ مُتَّكئاً على العَصا حتى أَكَلَتْها الأَرَضَةُ، عند ذلك سَقَطت العصا، فخرَّ على الأَرض، ولما حَسَبَ الجنُّ الزمنَ وَجدوه قد مات قبلَ سنة، فتعَجَّبوا! ".
وعَلَّقَ الفادي على هذه الأُسطورةِ بقوله: " ونحنُ نسأَل: كيفَ يَموتُ
سليمانُ الملك، ويَستمرُّ سَنَةً دونَ أَنْ يَعلمَ به أَحَد؟
أَينَ نساؤُه؟ وأَينَ أَولادُه؟ وأَينَ حاشيتُه؟ وأَينَ شعبُه؟
ألا يوجَدُ واحدٌ من هؤلاء يَسأَلُ عنه؟
وهل يتصوَّرونَه قائماً يُصَلّي على عَصاهُ سَنَةً كاملةً، بدونِ نومٍ ولا أكلٍ ولا شربٍ ولا اسْتِحْمام؟
وكيفَ لما ماتَ على عَصا لم يَسْقُط؟
أَلم يتحلَّلْ جسدُه ويُصِبْهُ النَّتنُ والتَّعفنُ؟
ولما أَكلت الأَرَضَةُ جُزْءاً من العصا أَلَمْ يختلّ توازُنُه ويَسْقُط؟
أَليس تآكلُ العَصا في يوم يَكفي لسقوطِ الميتِ، كتآكُلِها إِلى آخِرِها لمدةِ سَنَة؟
وإِذا كان سليمانُ قد بنى على نفسِه صَرْحاً من قواريرَ لِيُعَمِّي عينَ الإِنسِ والجنِّ عن موتِه، فلماذا لم يَعلمْ مُقدَّماً الدور الذي ستَلْعبُه الأَرَضَة؟ ".
стр. 496
الأَسئلةُ التي يُثيرُها الفادي هنا وجيهةٌ ومَعْقُولة، نحنُ معه في إِثارتِها،
ولكنَّها لا تُوَجَّهُ إِلى القرآنِ في حديثِه عن موتِ سليمانَ ﵇، وإنما تُوَجَّهُ إِلى تلك الأَسطورةِ، التي صَوَّرَتْ موتَ سليمانَ ﵇ بهذه الصورةِ غير المعقولة، والتي يرفضُها كُلُّ عاقل.
إِنَّ هذه الأَسطورةَ التي أَخَذَها الفادي من تفسيرِ البيضاوي، والتي أَخذَها
البيضاويُّ من بعضِ التفاسيرِ السابقة، التي لا تَتَحَرّى الصحةَ فيما تُورده، هذه الأَسطورةُ مرفوضةٌ عندنا لأَنها لم تَصحّ عن رسولِ الله ﵇، ولا عن أصحابِه الكرام.
وقد سبقَ أَنْ قَرَّرْنا أَن قَصصَ السابقين لا تُؤْخَذُ تفاصيلُها إِلّا من آياتِ
القرآنِ الصريحة، وأَحاديثِ رسولِ اللهِ ﷺ الصحيحة.
والمشكلةُ عندَ الفادي المفترِي هي جهْلُه، فهو يَعتمدُ كَلاماً غيرَ مقبولٍ
عندَ العلماء والمحققين، ثم يُحَمِّلُ القرآنَ تِبعتَه، ويُخَطِّئُ القرآنَ بسببِه، مع أَنَّ القرآنَ لم يَقُلْه، وبذلك تتهاوى أَسئلةُ الفادي الجاهل.
إِنَّ القرآنَ لا يتحمَّلُ إِلّا ما يذكُرُه هو في آياتِه، وما يَذكُرُه لا خَطَأَ فيه
ولا اعتراضَ عليه، أَمّا الفهمُ البشريُّ لآياتِه الذي صَدَرَ عن المفَسِّرين فلا
يتحمَّلُه القرآن، لأَنَّ هذا الفهمَ البشريَّ قد يكونُ خاطئاً!.
لا بُدَّ أَنْ نفهمَ الآية التي تحدَّثَتْ عن موتِ سليمانَ ﵇ فَهْماً - صحيحاً، لا سيما أَنه لا يوجَدُ عندنا حديثٌ صحيحٌ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، يُضيفُ جَدِيداً إِلى ما ذَكَرَتْه الآيَة.
أَرادَ اللهُ أَنْ يَجعلَ موتَ سليمانَ ﵇ آيةً وعبرةً للإِنسِ والجِنّ، ودَليلاً على عدمِ عِلْمِهم بالغيب، لأَنَّ عِلْمَ الغيبِ خاصّ باللهِ سبحانه..
فقد كانَ سليمانُ ﵇ يَحكمُ الإِنْس والجِنَّ والطير، وكانَ يُسَخِّرُ الجِنَّ في الأَعمالِ الكبيرة، وكان مَلِكاً حازماً يَهابُهُْ الذين يَعملونَ عنده من الإِنْسِ والجِنّ.
ولما حانَ أَجَلُ سليمانَ ﵇، كان الجنُّ يَعملونَ بينَ يَدَيْه، وكانَ هو واقفاً أَمامَهم، مُتَّكِئاً على عصاه، يُراقِبُهم ويَضبطُهم، وهم يَنْشَطونَ في العمل، ولا يَرْفَعونَ رؤوسهم ناظِرينَ إِليه هيبةً له.
стр. 497
وشاءَ اللهُ الحكيمُ أَنْ يَقبضَ روحَ سليمانَ ﵇ وهو متكئٌ على عَصاه..
وبقيَ متكئاً على عَصاهُ بعد خروجِ روحه، والجنُّ منهمكون في العَمَل، لا
يَعلمونَ بموتِه..
وَوَجَّهَ اللهُ دودةَ الأَرض " الأَرَضة " إِلى عصاهُ فأَكَلَتْها ونَخَرَتْها،
وكُسِرت العصا وسَقَطَتْ، وخَرَّ سليمانُ ﵇ جُثَّةً هامِدة..
وفوجئَ الجنُّ بذلك، وعَرفَوا قُصورَ علمِهم، فهم لا يَعلمونَ الشهادة، فَضْلاً عَنْ أَنْ يَعْلَموا الغيب، فها هو سليمانُ ماتَ أَمامَهم وهم لا يَعلمونَ بموتِه!!.
والفترةُ الزمنيةُ بين موتِه وسقوطِه لم تكنْ سَنَواتٍ ولا سَنَة، ولم تكنْ
شُهوراً أَو أَياماً، إِنما كانَتْ فترةً قصيرةً، ونحن لا نحاولُ تحديدَ تلكَ الفترة،
لأَننا لا نجدُ دَليلاً على ذلك، فَنَكِلُ العلمَ بها إلى الله إ!.
***
رفع جبل الطور فوق بني إسرائيل
اعترضَ الفادي المفترِي على إِخبارِ القرآنِ عن رَفْعِ جَبَلِ الطّورِ فوقَ بني
إِسرائيل، وجعلَ عنوانَ اعتراضِه: " جَبَل يُحَلِّقُ في الجَوّ! " وهو عنوانٌ للتهكمِ والاستهز اء.
والآيةُ التي اعترضَ عليها، واعْتَبَرَها متناقضةً مع العلمِ والعقل، هي
قولُ اللهِ (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) .
وبعدَما نَقَلَ المفترِي بعضَ ما ذكَرَه البيضاويُّ في تفسيرِ الآية، استبعدَ ما
ذكَرَتْه فقالَ: " ونحنُ نسأل: هَلْ من المعقول أَنْ يَخْلَعَ اللهُ جَبَلاً من الأَرض، يَعْلو في الفضاء، ويَظَلُّ مُعَلَّقاً على لا شيء، ليُخيفَ الناس، ويُرغمَهم ليَقْبَلوا شريعتَه؟
وهل يوافِقُ هذا علميّاً ناموسَ الجاذبية؟
وأَدَبِيّاً ناموسَ المحبةِ الإلهِية؟ ".
стр. 498
لم يَستوعِبْ عَقْلُ الفادي الصغيرُ أَنْ يخلعَ اللهُ جَبَلاً من الأَرض، وأَنْ
يرفعَه إلى الأَعلى وأَنْ يوقفَه فوقَ مجموعة من الناس! وكيفَ يَحصلُ هذا؟
ولماذا لم يَقعْ على رؤوسهم؟
فما ذكَرَه القرآنُ - في رأْيه - غيرُ صَحيح!!.
لو زَعَمَ إِنسانٌ قويٌّ أَنه خَلَعَ جبلاً ورَفَعَه في الجو لما صَدَّقْناه، لأَنَّ
القوةَ البشريةَ محدودة، ولا تَستطيعُ قوةُ أَيِّ شخصٍ أو دولةٍ فعلَ ذلك، مهما عَظمَتْ.
أما قوةُ اللهِ فإِنَّها مُطْلَقَة، لا حُدودَ لها، ولا قُيودَ عليها، وقُدْرَتُه نافذةٌ
فاعلة، لا يوقِفُها أَيُّ شيء، فاللهُ قويٌّ قادرٌ على قَلْعِ الجبلِ من الأَرضِ،
وإِيقافِه في الجوِّ بين السماءِ والأَرض، بدونِ أَعمدة، وإِعادتِه مكانَه، يَفعلُ
هذا، ويفعلُ ما هو أَكْبرُ منه! وبما أَنه أَخْبَرَنا عن ذلك في القرآن، فإِننا نجزمُ
أَنَّ ذلك حَصَل، لأَننا نُصدِّقُ كُلَّ ما وَرَدَ في القرآن!.
ولا أَدري لماذا يَستبعدُ الفادي ذو العقلِ الصغيرِ هذه الحادثة، وقد وَرَدَ
في كتابِه المقَدَّسِ حوادِثُ أَكبرُ منها، وهو يؤمنُ بها لأَنها واردةٌ في كتابِه.
من ذلك شَقُّ البحرِ لموسى ﵇، ونجاتُه هو وأَتباعه من بني إِسرائيل، عندما لحقَهم فرعونُ وجنودُه.
وقد أخبرَنا اللهُ عن ذلك في القرآن، قال تعالى: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) .
موسى ﵇ يقفُ أَمامَ البحر، ويأْمُرُه اللهُ أَنْ يضربَه بعصاه، ولما فَعَلَ فَلَقَ اللهُ البحرَ فلقتَيْن، وقَسَمَه إِلى قِسْمَيْن، بينهما فاصِلٌ من الأرضِ الصلبةِ اليابسة، ووقفَ الماءُ على الجانبَيْنِ كالجبلِ العظيم، لا يمسكُه سَدّ أَو حاجِز!
فمن الذي فَعَلَ ذلك؟
ومَن الذي أَوجَدَ الطريقَ اليَبَسَ ليَمُرَّ عليه موسى ومَنْ معه؟
ومَن الذي أَمسكَ الماءَ على الجانبين فلم يُغْلِقِ الطريقَ ولم يجتمعْ مع بعضه؟
إِنه الله!.
стр. 499
أَيهما أَوضحُ وأَكبرُ معجزةً، وأَعظمُ وأَضخمُ آيةً؟
شَقّ البحرِ أَمْ رفعُ الجبلِ، إِنَّ شَقّ البحر أَضخمُ وأَعظمُ.
فلماذا آمَنَ الفادي به وكَذَّبَ وأَنكرَ ما دونَه؟
أَلأنَّه وَرَدَ في كتابه صَدَّقَه، ورفعُ الجبل لم يَرِدْ في كتابِه فاعتَبره مُسْتَحيلاً
عقليّاً؟
أَيْنَ المنهجيةُ والموضوعيةُ التي ادَّعاها في بحثِه؟
ولماذا لم يَقِسْ رَفْعَ الجبل على شَقِّ البحر؟.
أَما نحنُ المسلمين فإِننا نؤمنُ بشَقِّ البحر ورفْعِ الجبل، لأَنَّ الله ذكَرَ
المعجزتَيْن في القرآن، ولأَنهما من فعلِ الله، والله فَعّالٌ لما يُريدُ سِبحانهَ.
***
هل تتكلم الجبال ؟!
تحتَ عنوان: " جَبَلٌ يتكلَّم "!
اعترضَ الفادي على إِخبارِ القرآنِ عن تَكَلّمِ الجبال، وقد ذَكَرَ القرآنُ ذلك مرتَيْن.
المرةُ الأولى: في حديثِه عن قصةِ داودَ ﵇، فعندما كانَ يُسَبِّحُ اللهَ سبحانَه كانت الجبالُ والطيورُ تُسَبِّحُ معه.
قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ) .
ومعنى (أَوِّبِي) : رَدّدي ورَجِّعي مَعَه.
أَيْ: سَبِّحي مَعَه عندما يُسَبّحُ.
فكانَ داودُ ﵇ عندما يُسَبِّحُ اللهَ يَسمعُ الجبالَ
تُسَبِّحُ اللهَ معهِ، ويَسمعُ الطيورَ تُسَبّحُ اللهَ مَعَه!!.
إِنَّ اللهَ هو الذي سَخَّرَ الجبالَ للتسبيحِ معه، وأَمَرَ الطيرَ أَنْ تُسَبّحَ معه.
قال تعالى: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) .
ولم يُصَدِّق الفادي المفترِي القرآنَ في إخبارِه عن ذلك، واعْتَبَرَه مما
يتناقَضُ مع العِلْمِ والعَقْل.
قال: " وهل للجبالِ عَقْلٌ وتَمييزٌ وعَواطفُ، لِتُرَدّدَ صلواتِ واعترافاتِ وتسابيحَ داودَ؟! ".
ونَقولُ له: نَعَم.
إِنَ اللهَ خالِقَها هو الذي أَرادَ أَنْ تُسَبحَ، وأَمَرَها أَنْ
стр. 500
تُسَبِّح، فنفَّذَتْ أَمْرَه سبحانه وسَبحَتْ، ولا نَدري كيفَ سَبَّحَتْ، وهي الجمادُ الذي لا عَقْلَ عندَه ولا إِدْراك.
المهمُّ أَنَّ اللهَ هو الذي أَوجَدَ عندَها القدرةَ على التسبيح فَسَبَّحَتْ!
والأَمْرُ ليس غريباً على الله، وليس مستَبْعَداً عند الله، فهوعلى كُلًّ شيء قدير!.
والمرةُ الثانية: في حديثِه عن الأَمانةِ التي حَمَلَها الإِنسانُ الظَّلومُ الجَهول.
قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) .
عَرَضَ اللهُ أَمانَةَ التكليفِ على السمواتِ والأَرضِ والجبال، لكنهنَّ أَبينَ أَنْ يحملْنَها ويُكَلَّفْنَ بِها، لأنهنَّ أَشفقْن منها، وخِفْنَ من التقصيرِ فيها.
ولما عُرِضَت الأَمانةُ على الإِنسانِ استَعَدَّ أَنْ يَحملَها، رغمَ المسؤوليةِ والتبعةِ والحساب، وهو بذلك ظلوم جهول!!.
وقد اعترضَ الفادي على ذلك، فقال: " ونحنُ نَسأَل: هل للجبالِ فَهْمٌ،
يَجعلُها تُدركُ ما لا يُدركُه أَكثرُ البَشَر، فترفضُ الأَمانَةَ المعروضة عليها؟! ".
ونَقولُ له: وما المانعُ العقليُّ من ذلك؟
إِنَّ اللهَ هو الذي جعلَ فيها نوعاً من الإِدْراك، بحيثُ تَسمعُ وتَفهمُ وتُجيب، وهو ليسَ كسَماعِنا وفَهْمِنا وإدْراكِنا وكَلامنا وجوابِنا، وإِنما نوعٌ خاصٌّ على مُستواها، وهو ليس أمْراً عاديّاً، وإنما هو خارقةٌ من الخوارق، ومعجزةٌ من المعجزات!! واللهُ يَفعلُ ما يشاء، ويوجِدُ فيه ما يَشاء، ولا شيءَ مستحيلٌ على إِرادةِ الله.
ولماذا يَستبعدُ الفادي ذو العقلِ الصَّغيرِ كلامَ الجبال، ويَجعلُهُ مُستحيلاً
عَقْلاً، ولم يَستبعدْ تحويلَ العَصا اليابسةِ إِلى أَفْعى فيها روحٌ وحياة!..
كانَ موسى ﵇ يُمسكُ عَصا يابسةً بيدِه، ولما أَلْقاهَا بأَمْرِ اللهِ جَعَلَ اللهُ فيها حياة، وحَوَّلها إِلى أَفعى تَسعى، وَحَمَلها موسى بيدِه وهي حَيَّة، ولما أَلْقاها على الأَرضِ ثانيةً أَعادَها اللهُ عصا يابسة!! وكان هذا كُلّه بأَمْرِ اللهِ، فالذي جَعَلَ العصا الخشبيةَ حَيَّة تَسعى هو نفسُه الذي جعلَ الجبالَ تتكلم.
стр. 501
وليستْ هذه أَوَّلَ مَرَّةٍ يَجعلُ اللهُ في السمواتِ والأَرضِ والجبال قُدرةً
على الفهم والكلامِ والجَوابِ على السُّؤال - على مُسْتَواها الضعيف المحدود -، فلما خَلَقَها اللهُ خاطَبَها وأَجابَتْ؟
قال تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ) .
سَمعت السمواتُ والأَرضُ خِطابَ اللهِ لهما، وفَهِمَتاهُ على طريقَتِهما،
وأَجابَتا اللهَ قائلَتَيْن: أَتَيْنا طائِعين!
ولا نَدري كيفَ حَصَلَ ذلِك، لأَنَّ هذا معجزةٌ من الله، أَوجَد فيهما سبحانَه إِدْراكاً خاصّاً، وسَماعاً خاصّاً وفَهماً خاصّاً، وأَجابَتا جَواباً خاصّاً أَيضاً!
فالأَمْرُ أَمْرُه، والإِرادَة إِرادَتُه .
***
الله يلين الحديد لداود ﵇ -
تَحتَ عنوانِ: " الحَديدُ يَلينُ كالشَّمْع "
اعترضَ الفادي على كَلامِ القرآنِ عن إِلانَةِ الحَديدِ لداودَ ﵇.
وذلك في قولِه تعالى: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) .
وذَكَر كلامَ البيضاويِّ في تفسير الآية: " قالَ البيضاوي: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) جعلناهُ في يَدِه كالشمع يُصَرِّفُهُ كيفَ يشاء، من غيرِ إِحْماءٍ وطَرْقٍ بآلاتِه
أو بقُوَّتِه ".
وعَلَّقَ على ذلك بقوله: " ونحنُ نسأل: كيفَ يُغَيِّرُ الحديدُ خاصِّيتَه بينَ
يَدَيْ داودَ، فيفقدُ صلابَتَه، ويتحوَّلُ إِلى لُيونَةِ ومُرونَةِ الشمعِ، بغرِ إِحماءٍ أَو
طَرْق؟
وما هو الهَدَفُ من هذهِ المعجزةِ التي لو كانَتْ قد جَرَتْ فِعْلاً لَذَكَرَتْها
التوارةُ المقَدَّسَة؟.
اكتفى القرآنُ بقولِه: (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) .
ولم يَقُل القرآنُ: جعلْنا الحديدَ في يَدِه كالشمعِ، يُصرِّفُه كيفَ يَشاء، من غيرِ إِحماءٍ وطَرْقٍ بآلاتِه.
стр. 502
والذي قالَ هذا هو البيضاوي فإِذا اعتَرضَ الفادي على كلامِ البيضاويّ، فلْيعترضْ عليه، والبيضاويُّ هو الذي يتحمَّلُ مسؤوليةَ وتبعةَ كلامِه، فلماذا يُحَمِّلُ الفادي القرآنَ مسؤوليةَ كَلامٍ لم يَقُلْه؟.
علينا أَنْ نَبقى مع القرآن، ولا نُضيفَ عليه شَيْئاًْ، إِلّا ما صَحَّ من حديثِ
رسولِ اللهِ ﷺ ، وفي موضوعِ إلانةِ الحديدِ لداودَ ﵇، أجملَ القرآنُ الكلامَ عنها، ولم يُفْصِّلْه، والأَولى أَنْ نُبقيهِ على إِجمالِه، وأَنْ لا نَخوضَ في تفصيلِه، لعدم وُجودِ دَليلٍ صَحيحٍ معتمدٍ عليه في ذلك.
إِنَ الفعلَ (وَأَلنًّا لَهُ الْحَدِيدَ) مُسْنَدٌ إِلى الله، فاللهُ هو الذي أَلانَ الحديدَ
لداودَ ﵇، وعَلَّمَه صنعَ الصناعاتِ الحديدية منه: (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ... ) وهذه الجملةُ تفسيرٌ للإِلانة، وبيانٌ لما نتجَ عنها من أَعمالٍ وصناعات! وهي متعلِّقَةٌ بفعلٍ مُقَدَّر، تقديرُه: وأَلَنّا له الحديد، وقُلْنا له: اعملْ سابغاتٍ وقَدِّرْ في السَّرْد.
و (سَابِغَاتٍ) : صفة لموصوفٍ محذوف، تقديرُهِ: دُروعاً سابغاتٍ، ومَعنى
(سَابِغَاتٍ) طويلة، بحيثُ تُغَطِّي الجسمَ كُلَّه، وذلك ليَقِيَ أجسامَ الجنودِ في
الحربِ من الخَطَر
و (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) : بمعنى إِتقانِ صُنْع الدروعِ السابغاتِ الحربية،
وتوصيلها بالمسامير، وذلك بأَنْ يكونَ هناك تَناسُبٌ بينَ المسمارِ وفَتْحَتِه، فلا
تكونُ تلك الفتحةُ أَكبرَ منه، بحيثُ لا تتماسَكُ أَجزاءُ الدّرع، ولا تكونُ أَصغرَ منه فلا يُحْكَمُ الصُّنْع!!.
وبمعنى هذه الآيةِ قولُ الله وَبَئّ: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) .
ويُفهمُ من الآية: (أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) .
أَنَّ لداودَ ﵇ جُهْداً في الدروعِ الحديديةِ التي صَنَعَها، فهو يَصنعُ المسامير، ويَقُصُّ الحديدَ، ويَفتحُ فيه فتحاتٍ مقدَّرةً، مناسبةً للمسامير.
стр. 503
أَما إِنكارُ الفادي المفترِي لهذه الآية، لعدمِ ذِكْرِها في التوارة، فهو
مردودٌ عليه، لأَنَّ القرآنَ أَضافَ كثيراً على المذكورِ في الكتابِ المقَدَّسِ فيما
يتعلَّقُ بقَصَصِ الأَنبياء، وهذا مَعناهُ أَنَّهُ لا يَجوزُ إِنكارُ الخَبَر الذي ذَكَرَهُ القرآن إِذا لم يَذْكُرْهُ الكتابُ المقَدَّس، فذِكْرُه في القرآنِ كافٍ لقَبولِه!.
***
حول نوم أصحاب الكهف
ذَكَرَ اللهُ قصةَ أَصحابِ الكهفِ في ثماني عشرةَ آيةً من سورةِ الكهف،
وقد سَجَّلَ الفادي المفترِي آياتِ القصة، ثم اعترضَ عليها بقولِه: " ونحنُ
نسأل: كيفَ يَتسَنّى لسبعةِ غِلمانٍ وكلبِهم أَنْ يَعيشوا ثلاثمئةٍ وتسعَ سنين، بدونِ أَكْلِ ولا شُربٍ ولا مَشْيِ ولا تَبَوُّلٍ ولا تَبَرُّز، تحسبُهم أَيقاظاً وهم رُقود، يتقلًّبونَ ذاتَ اليمينِ وذاتً الشّمال، وكلبُهم باسط ذراعيه بفناء المغارة؟
وما هو الدرسُ المستفادُ من هذه القصةِ لنا اليوم؟ ".
يَنظرُ المفترِي للمعجزاتِ المذكورةِ في القرآن نظرةً ماديَّةً دائماً، ويَقيسُها
بالأُمور العاديّة المألوفة للناس، وبما أَنها لا تُقاسُ بها لأَنها معجزات، لذلك
يُنكرُ وُقوعَها ويُكذِّبُ بها، وبما أَنَّ القرآنَ ذَكَرَها، لذلك يُخَطِّئُ القرآنَ
ويَعترضُ عليه، ويتهمُه بذكْر أَشياءَ لم تَحْدُث، وعَرْضِ أُمورٍ لا يُصَدّقُها العقل!
أَما المعجزاتُ المذكورةُ في كتابِه المقَدّس فإِنه يؤمنُ بها، مع أَنها لا تُقاسُ
بالأمور العادية! فلماذا يَكيلُ المفْتَري بمكيالَين، وَيُصَدِّقُ المذكورَ في كتابِه
المقدس، ويُكَذِّبُه إِذا ذُكِرَ في القرآن؟
مع أَن الموضوعَ فيها واحد!!
إِنه التحاملُ على القرآن!.
ذَكَر القرآنُ قصةَ أصحابِ الكهف الذينَ جعلَهم الله آيةً وعبرة، وأَكرمَهم
стр. 504
ببعضِ الكراماتِ المعْجزات، في مقدمتِها أَنه جعلَهم يَنامونَ ثلاثَمئةٍ وتسعَ
سنوات، بدونِ موتٍ أَو تَعَفُنٍ أَو فساد، ثم أَيقَظَهم من نومِهم لفترةٍ قصيرة، ثم أَماتَهم الموتَ الحقيقي.
قال تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) .
ويُنكِرُ الفادي المفترِي صحةَ ذلك، ويَعْتَبِرُه مُتَناقِضاً مع العلمِ
والعَقْل، إِذْ كيفَ يَنامونَ ثلاثمئةٍ وتسعَ سنوات، بدونِ أَكْلٍ ولا شُرْبِ ولا
مَشْيٍ ولا تَبَولٍ ولا تَبَرُّز؟!.
ولو كانَ الأَمْرُ عادياً وفقَ مألوفِ الناسِ وعاداتِهم لقُلْنا: هذا مستحيلٌ
وغيرُ معقول.
ولكنَّه من أَمْرِ الله، واللهُ فَعَّالٌ لما يريد، وهو معجزةٌ خارقةٌ
للعادة، ولو لم تكن خارقةً لما كانَتْ معجزة.
شاءَ اللهُ أَنْ يُبْقِيهم نائمينَ هذه المدةَ الطويلة، وهَيَّأَ الأَمورَ حولَهم لئلا
يَبْلوا ويَتَعَفَّنوا، فضربَ على آذانِهم، وفَتَحَ عيونَهم، وجعلَ الشمسَ تَميلُ عنهم في الصباحِ ذاتَ اليمينِ، وتبتعدُ عنهم عند المساءِ ذاتَ الشمال، حتى لا تُؤْذيهم بأَشعتِها وحرارتِها، وقَلَّبَهم على الأرضِ ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، لئلا تَقْضي عليهم الرطوبةُ والعَفَن ...
ثم بَعَثَهم بعدَ ذلك من نومِهم وأَيقظَهم ...
وطالما أَنَّ الأَمْرَ معجزةٌ خارقة، من فِعْلِ اللهِ سبحانه، فلا استبعادَ أَو إِنكارَ له.
والفادي المفترِي دائمُ الافتراءِ والتلاعب والتحريف، فاللهُ يقولُ عن
أَصحابِ الكهف: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) ، وقد أَسندت الآيةُ تَقْليبَهم إِلى الله، لأَنَ الأمْرَ معجزةٌ وليس عادياً..
ولكنَّ الفادي أَسندَ التقليبَ إليهم، فقال: تحسبُهم أَيقاظاً وهم رُقود، يتقلَّبون ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمال!! وفَرْقٌ بعيدٌ بين قولِ الله تعالى: (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ) ، وبينَ قولِ المفتري
المتلاعِب: " يَتَقَلَّبونَ ذاتَ اليمين.. "!!
стр. 505
حول الريح المسخرة لسليمان ﵇ -
ذَكَرَ القرآنُ الريحَ التي سخَّرَها اللهُ لسليمانَ ﵇
قال تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) .
وقال تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) .
وقال تعالى: (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦) .
ونَقَلَ الفادي كعادتِه من تفسيرِ البيضاويِّ بعضَ كلامِه عن الريح.
قال: (الرِّيحَ عَاصِفَةً) : شَديدَة الهُبوب، من حيثُ إنها تَبْعُدُ بكرسِيِّه في مدَّةٍ يَسيرة، كما قال تعالى: (غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ) .
وكانت (رُخَاءً) في نفسِها طيبة.
وقيل: كانَتْ رُخاءً تارة وعاصفةً أُخرى، حسبَ إِرادتِه.
(إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) إِلى الشام.
وعَلَّقَ على ذلك مُشَكِّكاً فيه، فقال: " ونحنُ نسأل: ما الفائدةُ من تسخيرِ
الريحِ لسليمان، فتحملُ عرشَه مَتى شاء إِلى أَينَ شاء، وتشتَدُّ إِذا رَغِب، وتَلينُ إِذا رَغب؟
وما هو الهدَفُ من كُلِّ هذا؟
ماذا عادَ على بَني إِسرائيل أَو عَلى مملكةِ اللهِ من كلِّ هذا؟ ".
أَخَذَ الخُرافةَ، وحَمَّلَها للقرآن، وكَذَّبَه وخَطَّأَهُ بسببها!.
ذَهَبَ رُواةُ الخرافاتِ والرواياتِ غيرِ الصحيحة إِلى أَن الريح كانَتْ
خاصَّةً لسليمانَ ﵇، فقد كانَتْ تَحملُ عرشَه وكُرْسِيَّه وهو جالسٌ عليه، وتَطيرُ به في الجَوِّ، وتأْخُذُه حيثُ يَشاء، وهو راكب على " بِساطِ الريح "! وهي تُشبة طيرانَ الطائراتِ وسفنِ الفضاءِ في زماننا!.
ولذلك اعتبرَ الفادي هذه الريحَ بدونِ فائدةٍ لبني إِسْرائيل، فهي كأَنها طائرةٌ
стр. 506
شخصيةٌ لسليمانُ ﵇، يُسافِرُ عليها إِلى مختلفِ البلدان، ولذلك قال: " ما هو الهَدَفُ من كُلِّ هذا؟
وماذا عادَ على بني إِسرائيل ومملكةِ اللهِ من كُلِّ هذا؟ ".
ونقول للفادي: المستفيدُ من هذه الريحٍ هم بنو إِسْرائيل، ولم تكن الريحُ
تَطيرُ بسليمانَ ﵇ وعرشِه وكرسِيِّه، إِنما كانتْ تأَتي بالغيثِ والمَطَر، وتَحملُ معها الرّخاءَ والخصْب..
وكانت تبقى ومعَها الغيثُ فوقَ الأَرضِ المباركةِ مُدَّةً طويلة، متمثلةً في منخفضٍ جَوِّيٍّ عمَيق، وتستمرُّ شهراً في غُدُوِّها، وشهراً في رَواحِها، نعمةً من اللهِ على سليمان ﵇ وقومِه.
***
حول أصحاب الفيل والطير الأبابيل
اعترضَ الفادي المفترِي على سورةِ الفيل، التي تَحدثَتْ عن أَصحابِ
الفيل، وسَجَّلَ اعتراضَه وتساؤُلَه تحتَ عنوان: " الطيرُ تُحاربُ بالحجارة "!.
وأَخَذَ من تفسيرِ البيضاويِّ خُلاصَة حادثةِ أَصحابِ الفيل، التي أَشارَتْ
لها السورة، والمعروفةُ للباحثين والدارسين..
ثم عَلَّقَ على ذلك بإِثارةِ أَسئلةِ تافهة، فقال: " ونحنُ نسأل: كيفَ آثَرَ الفيلُ أَنْ يُعاوِنَ الوثنيّين، ويَهْرُبَ من معاونة المسيحيّين، فكلَّما وجَّهوه لكعبةِ الأَوثانِ رَفَضَ السير، وكلَّما وَجَّهوهُ إِلى اليمنِ هَرْوَل؟
وكيفَ أَدركت الطيرُ ذلك، فاشتركَتْ في الحربِ معِ الوثنيِّين
ضدَّ المسيحيّين؟
وكيف تفاهَمت جماعاتُ الطير، وعرفَتْ مكانَ المعركة، وأحضرت الحجارة، وملأَتْ أَفواهَها وأَرجلَها، ورمَتْ بها جيشَ المسيحيينَ دون الوثنيّين؟
وكيفَ انحازَ الرَّبُّ للفيلِ وللطيرِ، ولأَصحابِ الكعبةِ الوثنيين
ضدَّ المسيحيين؟
وكيفَ يَنزل الحجرُ الذي هو أَصغرُ من الحمصةِ من فمِ الطائرِ
إِلى رأْسِ الرجلِ، فيخرقُ رأْسَه وعنُقَه وصَدْرَه وبَطنَه، ويَخرجُ من دُبُرِه؟! ".
стр. 507
التساؤلاتُ التي أَثارَها المفترِي على الحادثةِ تُفيدُ إِنكارَه لها، وتكذيبَه
لوقوعِها، مع أَنَّ القرآنَ كانَ صريحاً في إِثباتِها: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) .
لقد صوَّرَ له عقْلُه الصغيرُ أَنَّ المعركةَ كانت بينَ الأَحباشِ النَّصارى وبين
العرب الوثنيّين، والنَّصارى أَقربُ إِلى اللهِ منِ الوثنيّين، فكيفَ انحازَ الله ُ إِلى
الوثنيّين ضدَّ النَّصارى المؤمنينَ به؟!
هذا غيرُ معقول، وأَخْطَأ القرآنُ في القولِ به!!
والكعبةُ عندَه " كعبة الأوثان " وبَيْت تُجْمَعُ فيه الأَصنام، فكيفَ يُدافعُ اللهُ عنها؟!.
وكيفَ آثَرَ الفيلُ أَنْ يكونَ مع العربِ الوثنيّين ضدَّ النَّصارى؟
إِنَ هذا غيرُ معقولٍ!
وكيفَ تداعَتْ جَماعاتُ الطيرِ واشتركَتْ في المعركة، وانحازَتْ إِلى
الوثنيّين، وحارَبَت النَّصارى المؤمنين بالحجارة؟
هذا كلّه لا يُصَدِّقُه العَقْل، ولذلك لم يَحدث!!.
إِنَّ الأَمْرَ ليس على هذه الصورةِ التي فَهِمَها الفادي خَطأ، وإنَ اللهَ لم
يَنْحَزْ للعربِ الوثَنيّين ضد المسيحيّين، إِنما دافَعَ اللهُ عن بيتِه المحَرَّمِ المعَظَّم.
لقد توجهَ أَبرهةُ بجيشِه وفيلِه ليهدِم الكعبة، لا ليقاتِلَ قُرَيْشاً، فمعركَتُه
ليستْ ضدّ قريشٍ الوثنيّين، وإنما هي ضدَّ البيتِ المحرَّم! ولذلك لما وَصَلَ إِلى
ضواحي مكةَ لم يشتبكْ في حَرَبٍ مع قُرَيْش، ورِجالُ قريشٍ عَرَفوا هذا، حيثُ أَخْلَوْا له مَكَّة، وصَعَدوا إِلى الجبالِ، يُراقبونَ ما سيَحْدُث، ولما راجَع
عبدُ المطلبِ زعيمُ مكة أَبرهةَ بشأَنِ إِبلِهِ التي أَخَذوها منه، قال له: أَنا رَبُّ
الإِبل، وللبيتِ رَبّ يَحْميه!!.
وإنَّ اللهَ يَعلمُ أَنَّ قريشاً مَلؤوا الكعبة بالأصنام، التي عَبَدوها وجَعَلوها
آلِهَة، وهو سبحانه لم يُدافِعْ عنهم ولا عن أَصنامِهم.
إِنَّ حادثةَ الفيلِ كانتْ دِفاعاً عن الكعبةِ المُشَرَّفَة، حمى اللهُ فيها الكعبةَ
من الهَدْم، هذه الكعبةُ ضمنَ بيتِ اللهِ الحرام، أَوَّلِ بيتٍ بُنِيَ في الأَرضِ
стр. 508
لعبادَةِ الله، والذي بَناهُ إِبراهيمُ وإِسماعيلُ ﵉ لعبادَةِ الله، وستكونُ هذه الكعبةُ المشرفَةُ قِبْلَةً للأُمةِ المسلمةِ القادمة، التي سَيستخلِفُها اللهُ على الأُمم، وسيولَدُ بالقربِ من الكعبةِ محمدُ بنُ عبدِ الله، الذي سيكونُ النبيَّ الخاتم ﷺ .
ومن أَجْلِ هذه المعاني حمى اللهُ الكعبةَ من جيشِ أَبْرَهَة، لا من أَجْلِ
قريشٍ الوثنيّين، وأَمَرَ اللهُ الفيلَ أَنْ لا يَستجيبَ لأَمْرِ أَبرهَةَ بالسيرِ نحو الكَعْبَة، ونَفَّذَ الفيلُ أَمْرَ رَبِّه، وكان ذلك الفيلُ أَعْقَلَ من هذا الفادي صاحبِ العَقْلِ الصَّغير الذي أَنكرَ الحادثة!.
ولم تتوجّه الطيرُ الأَبابيلُ إِلى أَصحابِ الفيلِ بنفسها، إِنما اللهُ هو الذي
وَجَّهَها وأَرسَلَها، واللهُ هو الذي حَمَّلَها الحجارةَ من سِجّيل، وأَمَرَها أَنْ
تقصفَ بها أَصحابَ الفيل.
إِنَّ الأَفعالَ في سورةِ الفيلِ مسنَدَة إِلى الله، فاللهُ هو الذي فَعَلَ بأَصحابِ
الفيل ما فَعَل، وهو الذي أَرسلَ عليهم الطيرَ الأَبابيل، وهو الذي أمَرَها أَنْ
تَرميهم بالحِجارة، وهو الذي أَهْلَكَ أَصحابَ الفيل، وهو الذي جَعَلَهم كعصفٍ مأكول ...
وكانت حادثةُ أَصحابِ الفيل " إِرْهاصاً " ومُقَدّمَةً للإِسلام، وتهيئَةً له،
والرسولُ ﷺ وُلِدَ عام الفيل، وبَعَثَهُ الله ُ نبيّاً بعدَ أَربعينَ سنةً من الحادثة.
ولذلك ذَكَرَها اللهُ في القرآن، باعتبارِها آيةً من آياتِه.
***
هل خاف يعقوب على أبنائه من العين ؟
عندما تَوَجَّهَ أَبناءُ يَعقوبَ الأَحَدَ عَشَرَ إِلى عَزيزِ مِصر - الذي هو أَخوهم
يوسُفُ وهم لا يَعرفونَه - طَلَبَ منهم أَبوهم أَنْ لا يَدْخُلُوا من بابِ واحد،
وإِنما يَدخلونَ من أَبوابٍ متفرقَة، قالَ اللهُ : (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) .
стр. 509
لماذا طلبَ يعقوبُ ﵇ من أَبنائِه هذا الطَّلَب؟
أَتْعَبَ بعضُ المفَسِّرينَ والإِخباريّين أَنفسَهم في محاولةِ معرفةِ ذلك..
وذَهَبَ الفادي كعادَتِه إِلى تفسير البيضاوي، ونَقَلَ منه قولَه: " قال البيضاوي: لأَنهم كانوا ذَوي جَمالٍ وأُبَّهَة، مُشْتَهرينَ في مِصرَ بالقُرْبِ والتَّكريمِ عندَ الملِك، فخافَ عليهم أَنْ يَدْخُلوا كوكبةً واحدةً فَيُعانُوا - أَيْ يُصابُوا بالعَيْن - ولعَلَّهُ لم يُوصِهِم بذلك في المرةِ الأَولى لأَنهم كانوا مَجْهولين حِينئذٍ، أَو كانَ الداعي إِليها الخَوْف على بُنْيامين..
وللنفس آثارٌ منها العين ... ".
وعَلَّقَ الفادي على كلامِ البيضاويِّ بقوله: " ونحنُ نسأل: مِنْ أَينَ جاءَ
القرآنُ بهذه القصَّةِ التي لم تَذْكُرْها التوراة، فَنَسَبَ لواحدٍ من أَنبياءِ اللهِ خُرافَةً تُنافي العِلْم، وتُنافي الإِيمانَ بعنايةِ الله؟! ".
مَن الذي أَخبرَ رُواةَ الإِسرائيلياتِ أَنَّ يَعقوبَ ﵇ كان يَخشى على أَبنائِه أَنْ يُصابُوا بالعين، لجَمالِهم وكثرتِهم وتَقريبِ العَزيزِ لهم؟
وحتى يَنْجوا من شَرِّ العَيْن أَمْرَهُم أَنْ يَدْخُلوا من أَبواب متفرقَة! لم يُذْكَرْ هذا التعليلُ في حديثٍ صحيحٍ لرسولِ الله ﷺ ، ولهذا نتوقًّفُ في قَبولِ هذا التعليل!.
وقد أَبهمَ القرآنُ الحديثَ عن ذلك، ودَعا إِلى عَدَمِ الخوضِ فيه، لِعَدَمِ
وُجودِ دليلٍ عليه.
ولْنقرأ هاتَيْنِ الآيتَيْن بإِمعانٍ، قالَ تعالى: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨) .
قالَ يَعقوبُ ﵇ لأَبنائِه مُعَلِّلاً دُخولَهم من أَبوابِ متَفَرّقة: (وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) .
أَيْ: دُخولكُم من أَبوابٍ متفرقَةٍ لاَ يُغْني عنكم شيئاً من الله، ولا يَدْفعُ عنكم شَيْئاً من قَدَرِ الله، ومهما حَذِرْتُم فإِنَّه لا يُغْني حَذَرٌ من قَدَر!.
стр. 510
وأَكملَ كلامَه لهم بالإِشارةِ إِلى أَنَّ الحُكْمَ حُكْمُ الله، نافذ على عبادِه،
وهو متوكَلٌ على الله، مُسَلّم أَمْرَهُ لها: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) .
وأَشارَ القرآنُ إِلى أَنَّ يَعقوبَ ﵇ قَضى وحَقَّقَ حاجَةً في نفسه، عندما نَفَّذَ أَبناؤُه طَلَبَه، ودَخَلوا من حيثُ أَمَرَهم: (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا) .
وإِبهامُ القرآنِ لتلك الحاجةِ دَعوة لنا لعَدمِ البحثِ فيها، وعَدَمِ مُحاولةِ
بَيانِها، ومعرفَتُها لا دلَيلَ عليها ولا فائدة منها، ولا يَضيرُنا الجهلُ بها، ولو
علمَ اللهُ في ذِكْرِها خَيْراً لنا لَذَكَرَها.
وليتَ الذينَ حَدَّدوا تلك الحاجةَ فَهموا هذه الإِشارة القرآنية، ولم يُتْعِبوا أَنفسَهم في تحديدِ تلك الحاجةِ بأَنها لدفْعِ العَيْن!.
وبهذا نعرفُ أَنَّ يعقوبَ ﵇ كان كل متوكّلاً على الله عندما طَلَبَ من أَبنائِه أَنْ يَدْخلُوا من أَبوابٍ متفرقة، وأَنَّ هذا ليس خرافةً تُنافي العلْمَ والإِيمان، كما زَعَمَ المفْتَري.
وقد نفى الفادي هذه الحادثة، رَغْمَ وُرودِها في القرآن لأَنها لم تُذْكَرْ في
التوراة وهذا باطل، ومرجَعِيَّتُنا ليست التوراة، إِنما هي القرآن، وذِكْرُ الحادثةِ في القرآن يَكفي لقَبولِها والإِيمانِ بها، سواءٌ ذَكَرَتْها التوراةُ أَمْ لا.
***
حول بقرة بني إسرائيل
ذَكَرَتْ سورةُ البقرةِ قصةَ بقرةِ بني إسرائيل في سَبْعِ آياتٍ منها ٦٧ - ٧٣.
وخُلاصَتُها أَنه قُتِلَ قَتيلٌ من بني إِسْرائيل، زَمَنَ موسى ﵇، ولم يُعْرَف القاتل، ولما رَفَعوا القضيةَ إِلى موسى ﵇، أَخْبَرَهم بأَمْرِ اللهِ لهم أَنْ يَذْبَحوا بقرة، فعَجِبوا من ذلك، وظَنّوهُ يَهزأُ بهم ما فنفى ذلك، ولما سَأْلوهُ عن عمرِها
стр. 511
ولونِها وعملِها أَخبرهم، عند ذلك ذَبَحوها مُكْرَهين.
وضُربَ القَتيلُ بجزءٍ من تلك البقرة، فأَحياهُ اللهُ وأَخبرَ عن القاتِل!!.
وقد رَفَضَ الفادي المفترِي ما قالَه القرآنُ عن قصةِ البقرة، واتَّهمَ
النبيَّ ﷺ بأَخْذِ القصةِ من التوراة، لأَنَّ القرآنَ عندَه ليس كلامَ الله، وإِنما هو من تأليفِ النبيِّ ﷺ أَخَذَهُ من مصادرَ بشرية؟
قال: " وتَاريخُ بني إِسرائيل من أَوَّلِه إِلى آخرِه خالٍ من هذه القصة.
ولعلَّ صاحبَ القرآنِ أَخَذَ طَرَفاً من روايتِه من التوراة ".
القصةُ عندَه غيرُ صَحيحة، لأَنها لم تَرِدْ في التوراة، ومرجعيَّتُه هي
التوراة، فما ذُكِرَ فيها فهو الصواب، وما لم يُذْكَرْ فيها فهو الخَطَأ..
مع العلمِ بأَنَّ التوراةَ مُحَرَّفَة، أَضافَ الأَحبارُ فيها كلامَ البشرِ إِلى كلامِ الله ...
أَما نحن المسلمين فإِنَّ القرآنَ هو مرجعيَّتُنا، ما ذُكِرَ فيه نجزمُ بأَنه هو الصوابُ
والصحيح، وما لم يُذْكَرْ فيه نتوقَّفُ في قَبولِه! وما خالَفَه نجزمُ بأَنه خَطَأ.
وبما أَنَّ قصةَ البقرةِ مذكورةٌ في سورةِ البقرة، فإِننا نجزمُ بوقوعِ أَحداثِها
التي ذَكَرَها القرآن، ولْيَقُل الفادي ما شاء!!.
ولاحِظْ عبارةَ الفادي القبيحة: " ولعلَّ صاحبَ القرآنِ أَخَذَ طَرَفاً من
روايتِه من التوراة "، فقد صَرَّحَ فيها بأَنَّ القرآنَ من كلام البشر، وليس كلامَ الله.
وبعدَما استعرضَ بعضَ كَلامِ التوراة حولَ القتلِ وأَحكامِه أَجرى مقارنَةً
بين كلامِ التوراة وما وَرَدَ في القرآن.
قال: " فهذه هي شريعةُ التوراة، التي تبيّنُ بَشاعةَ القَتْل، وتُعلنُ اعترافَ شيوخِ الشعبِ أَنهم لا يَعرفون القاتِل، بغسْلِ أيديهم على الذبيحةِ رمز البَراءَة، ثم يَطلبونَ الغُفْرانَ لتلك الخطيةِ المجهولَةِ الفاعِل! وهذا كُلُّه مَعْقول.
ولكنْ هل من المعقولِ أَنَّ قطعةَ لَحْمٍ من العجلةِ يُضْرَبُ بها القتيل، فيَحيا ويَتَكَلَّم؟! ".
يُنكرُ الفادي المعجزةَ في قصةِ البقرة، وهي التي أَشارَ لها قولُه تعالى:
стр. 512
(فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣) .
بعدما ذَبَحوا البقرة، أَخذوا قطعةَ لَحْمٍ منها، وضرَبوا القَتيل بها،
فأَحياهُ الله، وعَرَّفَ على قاتِلِه ثم مات.
وهذا غيرُ معقول عند الفادي الجاهل، لأَنه يَظُنُّهُ فِعْلاً عاديّاً، كباقي
أَفعال البشر..
لأَنه لا يُفَرِّقُ بينَ الفعلِ البشريِّ العادي، وبين المعجزةِ الربانية، التي يُجريها الله، ويَجعلُها آيةً لعباده، وهذه المعجزةُ لا بُدَّ أَنْ تكونَ
خارقةً لعاداتِ البشر!.
***
هل الرعد ملاك ؟
وَقَفَ الفادي المفترِي أمامَ قولِ اللهِ (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ) .
ونَقَلَ كلامَ البيضاوي في تفسيرِ الآية، الذي ذَكَرَ فيه بعضَ الرواياتِ عن
الرعد، بأَنه مَلَكٌ من الملائكة، ومعه مخاريقُ من نارٍ يَسوقُ بها السَّحاب،
والبرقَ بأَنه مَلَكٌ آخُر من الملائكة!.
وعَلَّق الفادي على ما نَقَلَه عن البيضاويِّ بقولِه: " ونحنُ نَسأل: إِذا كانَ
الرعدُ والبرق من الظواهر الطبيعيةِ الناتجةِ عن احتكاكِ السَّحابِ ببعضها،
فكيفَ يقولونَ إِنها ملائكة؟! ".
إِنَّ البرقَ والرعدَ من الظواهرِ الطبيعيةِ الجوية، ولَيْسا مَلَكَيْنِ من الملائكةِ
يَسوقانِ السحاب، وما نَقَلَه البيضاويُّ في تفسيرِه إِنما هو أَقوالٌ ذَكَرَها بعضُ
السابقين، الذين لا يُقَدِّمونَ الدليلَ على ما يَقولون، ولا يَتَحَرَّونَ الدقةَ فيما
يَنْقُلون..
وما نَقَلَه من أَحاديث عن رسولِ الله ﵇ لم تَصحّ.
стр. 513
وبما أَنه لم يثبُتْ شيءٌ عن رسولِ الله ﷺ في أَنَّ الرعدَ والبرقَ مَلَكان من الملائكة، فإِننا لا نقولُ بذلك!.
واعتراضُ الفادي على الآيةِ مردود، واتهامُه للقرآنِ بأَنه يجعلُ الرعْدَ
مَلَكاً مردودٌ أَيضاً، لأَنَّ القرآنَ لم يَقُلْ بذلك.
الذي قالَه القرآنُ أَنَّ الرعْدَ يسبحُ بحمدِ الله، لأَنَّ الرعدَ مخلوقٌ من
مخلوقاتِ الله، وكُلُّ المخلوقاتِ تُسَبِّحُ اللهَ، قال تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) .
وليس معنى إِسناده التسبيح للرَّعْد أَنْ يكونَ الرعْدُ مَلَكاً يُسَبِّحُ، بل هذا
من حيويةِ التعبيرِ القرآني، الذي يستخدمُ طريقةَ التصوير، حيث قَدَّمَ الرعد في صورةٍ حيةٍ شاخصة، في صورةِ رجلٍ خاشعٍ عابدٍ يسبحُ اللهَ .
***
حول سحر الرسول ﷺ -
وَقَفَ الفادي أَمامَ سورةِ الفَلَق، وما قيلَ في سببِ نُزولِها، من أَنَّها نزلَتْ
في سِحْرِ رسولِ اللهِ ﷺ ..
ونَقَلَ كلامَ البيضاويِّ في تفسيرِ السورة..
" رُويَ أَنَّ يهوديّاً سَحَرَ النبيَّ ﷺ في إِحْدى عشرةَ عُقْدَة، في وترٍ دَسَّهُ في بئْر، فمرضَ النبيُّ، ونزلتِ المعوِّذَتَان..
وأَخبرَه جبريلُ بموضعِ السِّحْر، فأَرسلَ عليّاً، فجاءَ به، فقرَأهما عليه، فكانَ كُلَّما قَرَأ آيةً انحلَّتْ عُقْدَة، وَوَجَدَ بعضَ الخِفَّة..
ولا يوجبُ ذلك صِدْقَ الكَفَرَةِ في أَنه مَسْحور، لأَنهم أَرادوا به أَنه مجنون بواسطةِ السحر ".
ثم ذَكَرَ الفادي الآيةَ التي تتحدَّثُ عن قصةِ هاروتَ وماروت، وفيها قولُه
تعالى: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .
وتَدُلّ الآيةُ على أَنَّ السِّحْرَ قد يَضرُّ المسحورَ بإِذْنِ الله، وأَنَّ السحرةَ قد يُؤْذونَ الإِنسان، ويُفَرِّقونَ بين المرْءِ وزوْجِه.
стр. 514
وذَكَرَ الفادي أقوالاً من الكتابِ المقَدَّس، تَنْهى عن تَعَلُّمِ السِّحر، منها
أَقوالٌ لبولُسَ وبطرس.
وخرجَ من ذلك بأَنَّ محمداً ﷺ ليس رسولَ الله، لأَنَّه لو كانَ رسولَ الله لما أَثَّرَ فيه السحرُ، ولنهى عن السحر كما نهى عنه بولُسُ وبطرس! قال: " ونحنُ نسأَلُ: كيفَ يُصيبُ السحرُ المؤمنَ المحفوظَ بعنايةِ الله؟..
ولقد نهتْ شريعةُ اللهِ عن السحر.. " ...
وبعدما ذَكَرَ أَقوالَ بولسَ وبطرسَ في النهيِ عن السحرِ قال:
" هذه هي شريعةُ اللهِ حقّاً، وهؤلاء هم الرسلُ اللهِ فِعْلاً، يَنتهرون السَّحَرَةَ، ويُعطلونَ أَعمالَهم، وقوةُ الله فوقَ قوى السَّاحرين ".
حادثةُ سِحْرِ رسولِ اللهِ ﷺ ثابتةٌ في الحديثِ الصحيح.
روى البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشةَ ﵂، قالت: سَحَرَ رسولَ اللهِ ﷺ يهوديّ من يَهودِ بني زريق، يُقالُ له: لَبيدُ بنُ الأَعْصَم، حتى كانَ يُخَيَّلُ إليه أَنه يفعلُ الشيءَ، وما يَفْعَلُه ...
حتّى إِذا كانَ ذاتَ يوم، دعا رسولُ الله ﷺ ثم دَعا، ثم دَعا، ثم قالَ: " يا عائشة! أَشَعَرْتِ أَنَّ اللهَ أَفْتاني فيما استفتيتُه فيه، أَتاني رَجُلان، فقعدَ أَحَدُهما عندَ رأسي، والآخَرُ عند رجْلَي.
فقالَ الذي عند رأسي للآخَر: ما بالُ الرجل؟
قال: مَطْبوب.
قال: ومَنْ طَبَّهُ؟
قالَ: لَبِيدُ بنُ الأَعْصَم.
قالَ: في أَي شيء؟
قال: في مِشْطٍ ومُشاطَة.
قال: أَيْنَ؟
قال: في جُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ، تحتَ راعوفةٍ في بئرِ ذَرْوان ".
قالَتْ عائشة: فأَتى النبيُّ ﷺ البئرَ في أُناسٍ من أَصحابِه، حتى استخرجَه..
ثم قالَ: " يا عائشةُ! هذه البئرُ التي أُريتُها، وكأَنَّ ماءَها نُقاعَةُ
الحِنَّاء، وكأَنَّ نَخْلَها رؤوسُ الشياطين.. ".
فقلتُ: يا رسولَ الله، أَفلا أَحْرَقْتَه!
قال: " لا؟
أَمّا أَنا فقد عافاني اللهُ، وكرهتُ أَنْ أُثيرَ على الناسِ شَرّاً..
فأَمَرْتُ بها فدُفِنَتْ ... ".
стр. 515
خُلاصَةُ حادثةِ سِحْرِ رسولِ ﷺ أَنَّ اليهوديَّ لَبيدَ بنَ الأَعْصَمِ كان ساحِراً، وأَرادَ أَنْ يسحر رسولَ الله ﷺ ، فأَخَذَ مِشْطاً كان يَمتشِطُ فيه رسولُ اللهِ ﷺ ، وأَخَذَ " مُشاطة " - وهي بقايا الشَّعْرِ الذي كان يَسقطُ من رسولِ الله ﷺ ، ويَبْقى في المشْط - ونَفَثَ في ذلك المشطِ والمُشاطة، ولَفَّهُما على سِحْرِه، ووضَعَهما في " جُفِّ طَلْعَةِ ذَكَر "، وهو الغِشاءُ الذي يَكونُ على طَلْعِ النخل، ثم وَضَعَ الوعاءَ تحتَ راعوفةٍ في بئرِ ذَروان، والرّاعوفةُ هي الحجرُ الكبيرُ تكونُ في قَعْر البئر، يَنزلُ الإِنسانُ إِليها، ويَقِفُ عليها، إِذا احتاجَ إِلى النزولِ للبئر ...
وبئرُ " ذَرْوان " واقعةٌ في بستانٍ في المدينة.
وشاءَ اللهُ أَنْ يُؤَثِّرَ هذا السحرُ في الجانبِ البشري لرسولِ اللهِ ﷺ ، ولَفْظُ الحديثِ دَقيق: " حتى كانَ يُخَيَّلُ إليه أنه يَفعلُ الشيءَ، وما يَفعلُه "..
أَي: كانَ أَثَرُ السحرِ على بَصَرِه فَقَط ﷺ ، بحيثُ يدفعُه إِلى مجردِ التخيُّلِ بالبَصَر!.
ولم يستمرّ هذا طَويلاً، فلما أَحسَّ رسولُ اللهِ بالتخيُّل على بَصَرِه لَجَأَ
إِلى اللهِ بالدُّعاء، فدعاهُ ﷺ ثم دَعاهُ، ثم دَعاهُ، وطَلَبَ منه أَنْ يُزيلَ عنه ما يَجدُه..
واستجابَ اللهُ دعاءَ رسولِه ﷺ وأَزالَ عنه أَثَرَ السحر بفضْلِه سبحانه، ولم يَعُدْ يتخيَّلُ ببصرِه غيرَ الموجود..
وأَحَسَّ رسولُ الله ﷺ بذلِك فحمدَ اللهَ،
ثم قالَ لعائشةَ ﵂: "لقد أَفْتاني اللهُ فيما استَفْتَيْتُه "، أَيْ: عافاني ممّا أَجِدُه، واستجابَ دعائي!.
وأَرسلَ اللهُ اثنَيْنَ من الملائكةِ في صورةِ رجلَيْن، فقعَدَ أَحَدُهُما عند
رأسِه، وقَعَدَ الآخرُ عند رجلَيْه، وتحاوَرا فيما بينَهما ليَسمعَ كلامَهما، فعرفَ منهما أَنه مَسْحور، وأَنَّ الذي سَحَرَهُ هو اليهوديُّ لبيدُ بنُ الأَعصم، وعَرَف مكانَ السحْر..
فذهبَ مكل مجموعةٍ من الصحابةِ فاستخرجَه.
وقد اقترحَتْ عائشةُ ﵂ عليه أَنْ يحرقَه، ولكنَّه أَبى ذلك، حتى لا يُثيرَ على الناس شَرّاً.
وأَمَرَ به فدُفِنَ في الأَرض.
стр. 516
وإِنَّ حَادِثةَ سِحْرِ الرسولِ ﷺ دليلٌ على بشريَّتِه، وأَنه تُؤَثّرُ فيه الأَحْداثُ، ويَجري عليه قَدَرُ الله، كما أَنها تَدُل على أَنَّ السحْرَ يَضُرُّ بإِذْنِ الله.
ولا إِشكالَ في سحرِ الرسولِ ﷺ ، لأَنَّ جانبَ النبوةِ لم يَتَأَثَّرْ بالسِّحر، فهو محفوظٌ بحفظِ الله، إِنما كانَ تأثيرُه على حاسَّةِ بصرِه فقط، بحيثُ كان يتخيَّلُ أَنه فَعَلَ الشيءَ، مع أَنه لم يفعَلْه، أَما عقْلُه وقلْبُه وروحُه وأَعصابُه فقد بقيَتْ سليمة ...
وسرعانَ ما أَزالَ اللهُ عن بَصَرِه أَثرَ السحر، بعد أَنْ دَعاهُ
وتَضَرَعَ إِليه.
وقد كانَ الفادي جاهلاً عندما وَظَّفَ حادثةَ سِحْرِه ﷺ دَليلاً على عدم نبوَّتِه، وذلك عندما تساءَلَ بخُبْث: " كيف يُصيبُ السحرُ المؤمنَ المحفوظَ بعناية الله؟! ".
إِنَّ اللهَ يَحفظُ عبادَه المؤمنين، ومع ذلك يَبْتَليهم بالضّرِّ، ويَأْذَنُ أَنْ يُصابوا
بالأَذى، وليس وقوعُ هذا بهم دليلاً على عدمِ محبَّتِه لهم، أَو تخلّيه عنهم..
وهم عندما يُصابونَ بالضُّرِّ والأَذى يلجؤون إِليه، ليكشفَ عنهم ما بهم..
وبذلك يَزدادونَ قُرْباً منه سبحانه.
وهذا ما حَصَلَ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، ولكنَّ الفادي مطموسٌ على قلبه، لذلك يجهلُ هذه الحقائق والمعاني والدروسَ والدلالات! (١) .
стр. 517
الفصل التاسع نقض المطاعن الفنية
стр. 518
ما المراد بالحروف المقطعة ؟
اعترضَ الفادي المفترِي على القرآن، لإِيرادِه الحروفَ المَقطَّعَةَ في بدايةِ
بعضِ سورهِ، وذَكَرَ اعتراضَه تحتَ عنوانٍ قبيح، هو " الكلامُ العاطِل " أَيْ أَنَّ في القرآنِ كَلاماً عاطِلاً، وهذه صفةٌ مرذولةٌ، يوصَفُ بها الشيءُ التافهُ الساقط، ولقد أَرادَ المجرمُ بهذا العنوانِ شَتْمَ القرآنِ شَتْماً سوقيّاً بَذيئاً!!.
ومعلومٌ أَنَّ السورَ المفتتحة بالحروفِ المقطَّعَةِ تسع وعشرون سورة، على
عددِ حروفِ الهجاءِ في اللغةِ العربية.
والحروفُ المذكورة فيها هي:
- (الم) : في سور: البقرة وآل عمران والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة.
- (الر) : في سور: يونس وهود ويوسف وِإبراهيم والحجر.
- (حم) : في سور: غافر وفصلت والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف.
- (طسم) : في سورتي: الشعراء والقصص.
- وسورةٌ واحدةٌ لكلٍّ مما يلي: (المص) : سورة الأعراف.
و (المر) : - سورة الرعد.
و (كهيعص) : سورة مريم.
و (طه) : سورة طه.
و (طس) : سورة النمل.
و (يسَ) : سورة يس.
و (حم عَسق) : سورة الشورى.
و (ص) : سورة صَ.
و (ق) : سورة قَ.
و (ن) : سورة القلم.
وقالَ الفادي المفترِي في بدايةِ اعتراضِه: " جاءَ في فواتحِ تسعٍ وعشرين
سورة بالقرآن حروفٌ عاطِلَة، لا يُفْهَمُ معناها! ".
وبعدما ذَكَرَ أَسماءَ تلك السور قال: " ونحنُ نسأل: إِنْ كانتْ هذه
الحروفُ لا يعلمُها إِلّا الله كما يَقولون، فما فائدتُها لنا؟
إِن اللهَ لا يوحي إِلّا بما يُفيد، فكلامُ الله بلاغَ وبَيانٌ وهدى للناس " (١) .
стр. 519
وللردّ عليه، نقررُ أنه لا يوجَدُ في القرآنِ حروفٌ أَو كلمات أَو جُمَل
عاطلة، لا معنى لها، أو لا يمكنُ أَنْ يُفْهَمَ معناها، كما أَنه لا توجَدُ في
القرآن حروفٌ أَو كلماتٌ زائدة..
وكلُّ حرفٍ في القرآن له معنى ووظيفة، ويُؤدّي معناه ضمنَ السياقِ الذي وَرَدَ فيه، وإِذا حُذِفَ اختلَّ المعْنى، وضعُفَ التركيبُ، ونَقَصت الدِّلالة!!.
وهذا معناهُ أَنَ الحروفَ المقطَّعَةَ في افتتاحياتِ بعضِ السور ليستْ عاطلةً
أَو مهملةً، أَو ليس لها معنى ودلالة، أو ليس لورودها على هذه الصورة حكمةٌ أَو فائدة.
ونعترفُ أَنَّ العلماءَ والمفسرين اخْتَلَفوا في نظرِهم إِلى الحروفِ
المقطَّعَة، وانقسموا في ذلك إِلى فريقين:
- الفريق الأول: لم يَخوضوا فيها، ولم يُحاوِلوا تفسيرَها، أَو بيانَ
مَعْناها والحكمةِ منها، وقالوا: هي مما استَأثَرَ اللهُ بعلمِه، فلا يعلمُها إِلّا هو،
ونحنُ لا نخوضُ فيها.
- الفريق الثاني: وَقَفوا أَمامَها، وتأَمَّلوا فيها، وحاولوا بيانَ معناها،
والحكمة من ورودِها!.
والراجحُ هو ما ذَهَبَ إِليه الفريقُ الثاني، لأَنَّ الله َ أَوجبَ علينا تَدَبُّرَ
القرآن، وفَهْمَ معانيه، ولم يَجعلْ فيه ما ليسَ له معنى، أَو ما لا يمكنُ أَنْ
نفهمَه، فكل ما في القرآنِ له معنى، وكلُّ ما فيه يمكنُ أَنْ نفهمَه.
والراجحُ أَن افتتاحَ بعضِ السورِ القرآنية بالحروفِ المقطّعَةِ للتَحدي
والإِعجاز، وإِثباتِ أَنَّ القرآنَ كلامُ الله.
وبيانُ هذا، أَنه لما سمعَ المشركونَ القرآنَ من رسولِ الله ﷺ رَفَضوا الاعترافَ بأَنه من عندِ الله، واتَّهموا النبي ﷺ بتأليفه، ثم ادَّعوا بأَنَّ عندهم القدرةَ على الإِتيانِ بمثْلِه لو أَرادوا..
فتحدَّاهم الله، وطَلَبَ منهم الإِتيانَ بمثْلِه، أَو بعشْرِ سورٍ مثْلِه، أَو بسورةٍ مثلِه ...
стр. 520
ومن بابِ المبالغةِ في التحدي افتتحَ بعضَ السورِ بالحروف المقَطَّعَة، باعتبارِ الحروفِ هي المادَّة الأولية للكلامِ العَرَبي، لأَنَّ الكلمةَ مكوَّنَة من تلك
الحروفِ البنائية..
وكأَنَه لي قولُ لهم: القرآنُ بلسانٍ عربيٍّ مُبين، مكوَّن من هذهِ
الحروف، ولغتُكم العربيةُ مكوَّنَة من هذه الحروف، وأَنتم تُحسنونَ الكلامَ بهذهِ اللغة وتَزعمونَ أَنَّ محمداً ﷺ أَلَّفَ القرآنَ من هذه الأَحرف..
فخُذوا هذه الأَحرفَ مفكوكَةً مَفْرودَة، وصُوغوا منها سورةً أَو عَشْرَ سُوَرٍ مثلَ هذا القرآن!
فإِن استطعْتُم ذلك ثَبَتَ أَن القرآنَ من تأليفِ محمد ﷺ ...
وإنْ لم تَستطيعوا وعَجَزْتُم عن الإِتيانِ بالمطلوب ثبتَ أَنَّ القرآنَ كلامُ الله، وأَنَّ محَمَّداً هو رسولُ اللهِ ﷺ ، ووجبَ عليكم تصديقُه والدخولُ في دينه!.
والدليلُ على أَنَّ هذا هو الرأيُ الراجح، أَنَّ الحروفَ المقطَّعَة الواردةَ في
بدايةِ بعضِ السور أَربعةَ عَشَرَ حرفاً.
بعدَ إِسقاطِ المكرر منها، وأَنَّ بعضَهم جمعَها في جملةٍ مفيدةٍ ذاتِ دلَالة، وهي: نَصّ حَكيمٌ قاطِعٌ لَهُ سِرٌّ.
ومما يُشيرُ إِلى هذه الدلالةِ والحكمةِ والنتيجةِ من ورودِ الحروفِ المقطعةِ في
افتتاحياتِ بعضِ السور، ورودُ آيةِ التحدي في سورةِ هود، وهي مفتتحةٌ بقوله تعالى: (الر) .
وقالَ اللهُ فيها يتحدّى المشركين: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) .
***
هل في القرآن كلام أعجمي ؟
وَقَفَ الفادي أَمامَ بعضِ الكلماتِ القرآنية التي ظَنَّها أَعجمية، واعتبرَ
وُجودَها في القرآن يَتعارضُ مع الآياتِ التي تتحدَّثُ عن عربيةِ القرآن، كقوله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) .
وقوله تعالى: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) .
стр. 521
وتساءَلَ بخبْثٍ قائلاً: " ونحنُ نسألُ: كيفَ يكونُ القرآنُ عَربيّاً مُبيناً، وبه
كلماتٌ أَعجميةٌ كثيرة، من فارسيةٍ وآشوريةٍ وسريانيةٍ ويونانيةٍ ومصرية وحبشية، وغيرها؟! " (١) .
والكلماتُ غيرُ العربية التي ذَكرها تسعٌ وعشرون كلمة، ما بين عبريةٍ
وفارسيةٍ وآشورية، ومصرية ويونانية وآرامية، وسريانيةِ وحبشية ولاتينية.
وقد اختلف العلماءُ في القولِ بوجودِ كلماتٍ أعجميةٍ في القرآن:
- فمنهم مَنْ ذهبَ إِلى أَنَّ في القرآنِ كلماتٍ كثيرةً بلغاتٍ غيرِ عربية؟
ففيه كلمات فارسيةٌ وحبشيةٌ وسريانيةٌ وآراميةٌ ويونانية.
- ومنهم مَنْ نفى وُجودَ أَيّ كلمةٍ غيرِ عربيةٍ في القرآن، فكلُّ كلماتِه عربيةُ
الأَصل، حتى أَسماء الأَعلامِ للأَشخاصِ والأماكنِ والمواقع.
- ومنهم مَنْ تَوَسَّطَ، فقالَ: كلُّ كلماتِ القرآنِ عربية، إلّا أَسماءُ بعض
الأَشخاصِ والأَماكنِ والمواقع، مثلُ: آدمَ وإِبليسَ وإبراهيمَ وإِسماعيلَ وفرعونَ ومصر.
والراجحُ هو ما ذهب إليه الفريق الثالث، فما في القرآن من الكلمات
الأَعجمية أَسماءُ الأَعلامِ فقط، أَما غيرُ الأَعلامِ فكلُّها كلماتٌ عربيةٌ مشتقة،
يمكنُ إِعادتُها إِلى جذورِها وأُصولِها العربيةِ، ويمكنُ تحديدُ معناها العربي.
ووجودُ بعضِ الأعلامِ الأَعجميةِ في القرآنِ لا يَتعارضُ مع عربيةِ القرآن،
وأَنه نَزَلَ بلسانٍ عَربيٍّ مبين، لأَنها كلماتٌ مترجمةٌ إِلى العربية، ومسجلَةٌ في
القرآن بحروفٍ عربية.
ومعلومٌ أَنْ أَسماءَ الأَعلام تُنقلُ وتُترجمُ من لغتِها الأَصليةِ إِلى اللغاتِ الأُخرى، بحروفِ تلك اللُّغات، وهذا أَمْرٌ متفقٌ عليه بينَ اللغات.
فالأَعلامُ الأَعجميةُ هكذا هي في لغاتِها الأَصلية، وهي مترجمةٌ إِلى اللغةِ
العربية، ومذكورةٌ في القرآنِ بالحروفِ العربية.
ومن أَسماءِ الأَعلامِ الأَعجميةِ في القرآن، أَسماءُ بعضِ الأَنبياء: آدم،
стр. 522
نوح، لوط، إبراهيم، إسماعيل، زكريا، يحيى ...
وغيرهم عليهم الصلاة والسلام.
وأسماءُ بعضِ المواقع، مثل: مصر، والجودي، وأسماءُ بعضِ
الأَشخاص، مثلُ: إِبليس، وفرعون، وَوَدّ، وسُواعٌ، ويَغوثُ، ويَعوقُ، ونَسْرٌ.
ومن الأَسماءِ الأَعجميةِ التي ذكَرَها الفادي، والتي نوافقهُ على أَنها
أَعجمية، لكنها معربةٌ في القرآنِ بحروفٍ عربية: آدمُ، وإِبراهيمُ، وتوراة،
وإنجيل، وفرعون، وهاروت، وماروت.
وأَكثرُ من عشرينَ كلمةً من الكلماتِ القرآنيةِ التي زَعَمَها الفادي أَعجميةً
هي كلماتٌ عربية، لها جذورٌ وأُصولٌ عربية:
أباريق: مشتقةٌ من: بَرْقٌ..
و: أَرائك: مشتقةٌ من: أَرْكٌ..
و: إِستبرق: مشتقةٌ من: بَرْقٌ..
و: تابوتٌ: مشتقةٌ من: تَبْتٌ..
و: جهنمُ: مشتقَّةٌ من: جَهْمٌ..
و: خَبَرٌ: مشتقةٌ من: خَبْرٌ..
و: حُورٌ: مشتقةٌ من: حَوْرٌ..
و: زكاةٌ: مشتقةٌ من: زَكْوٌ..
و: زنجبيلٌ: مشتقّ من: زَنْجٌ..
و: السَّبْتُ: مشتقّة من: سَبْتٌ..
و: سِجّيل! : مشتقّة من: سَجْلٌ..
و: سُرادِقٌ: مشتقة من: سَرْدٌ..
و: سَكينَةٌ: مشتقة من: سَكْنٌ..
و: سورَةٌ: مشتقةٌ من: سَوْرٌ..
و: صِراطٌ: مشتقةٌ من: صَرْطٌ..
و: طاغوتٌ: مشتقّة من: طَغْوٌ..
و: عَدنٌ: مشتقةٌ من: عَدْنٌ..
و: فرْدَوسٌ: مشتقةٌ من: فَرْدٌ..
و: ماعونٌ: مشتقّة من: مَعْنٌ..
و: مشكاةٌ: مشتقةٌ من: شَكْوٌ..
و: مَقاليدُ: مشتقةٌ من: قَلْدٌ..
ولفظ الجلالة: اللهُ: مشتقٌ من: أَلْهٌ.
***
دعوى التناقض في القرآن
ذَكَرَ الفادي المفترِي قولَ اللهِ : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) .
وتدعو الآية ُ الناسَ جميعاً إِلى تدبُّرِ القرآن، وإمعانِ النظر فيه، وتَجزمُ بأَنهم لن يَجدوا فيه خَطَأً أو نقصاً،
стр. 523
أَو اختلافاً أَو اضطراباً..
وعدمُ وجودِ ذلك فيه دَليل على أنه من عندِ الله، ولو كان من عندِ غيرِ اللهِ لما سَلِمَ من هذه العيوب.
وقد تحدّى القرآنُ الكفارَ أَنْ يَجدوا اختلافاً وتناقضاً فيه، ودَعاهُم إِلى
إِمعانِ النظر، وإِطالةِ التدبُّر..
واستمرَّ التحدي منذُ نزولِ القرآنِ على رسول الله ﷺ ، وما زالَ التحدي مستمراً خمسةَ عَشَرَ قَرْناً، وسَيبقى مستمراً
حتى قيامِ الساعة.
ونَظَرَ الكفارُ في القرآن، وتدبَّروه، وادَّعوا أَنهم وَجدوا فيه اختلافاً
وتناقضاً..
وقَدَّموا ما زعموهُ..
وعندما نظر العلماء في ما قدموه وَجدوهُ تافِهاً، يمكنُ الرَّدُّ عليه بمنتهى السهولة.
ومن هؤلاءِ الكفارِ الفادي المفترِي، الذي ادَّعى أَنّه وَجَدَ اخْتِلافاً
وتَناقضاً كَثيراً في القرآن.
ولذلكَ قالَ بعدَ أَنْ ذكرَ الآيَةَ السابقة: " ولكنّنا نجِدُ فيه التناقضَ الكثير ".
ثم سَجَّلَ المفترِي خمسةَ عَشَرَ موضوعاً في القرآن، ادَّعى أَنَ القرآنَ
متناقضٌ في حديثِه عن كلِّ واحدٍ منها، وكانَ يَضَعُ عمودَيْن ليبيِّنَ التناقضَ في
القرآن، يجعلُ في العمودِ الأَولِ الآياتِ التي تتحدَّثُ عن الموضوع، ويجعلُ
في العمودِ المقابلِ الآياتِ التي تتناقضُ مع الآياتِ المقابلة.
والموضوعاتُ التي ادعى تناقضَ القرآنِ في حديثِه عنها هي: تَبديلُ
وتَغييرُ كَلامِ اللهِ في القرآن.
ومقدارُ اليومِ عند الله.
ووقوعُ الشفاعةِ في الآخرة..
وعَدَدُ أَهْلِ الجنة..
وأَيُّ دينٍ هو المقبولُ عندَ الله..
والصفحُ عن المخالفين..
والنهيُ عن الفحشاء..
والقَسَمُ بمكَّة..
والنهيُ عن النفاق..
والنهيُ عن الهوى..
والموقفُ من الخمر..
والموقفُ من الكفار..
وكيف كانت نهايةُ فرعون..
وخَلْقُ الأَرض والسماء..
والإِحكامُ والتشابهُ في القرآن.. (١)
وسوفَ ننظرُ في الآيات ِ التي زَعَمَها متناقضة، ونَرُدُّ زعمَ التناقَضِ
فيها بعونِ الله..
стр. 524
أَوَّلاً: هل يتبدَّلُ كلامُ الله ؟
: ذَكَرَ الفادي ثلاثَ آياتٍ تدلُّ على أَنَّ كلامَ اللهِ لا يَتَبَدَّلُ.
قال تعالى: (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ) ..
وقال تعالى: (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) .
وقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) .
ما هو موضوعُ الآيةِ التي أَخبرتْ أَنَّه لا مُبَدِّلَ لكلماتِ الله؟.
آيةُ سورةِ يونس في سياقِ الحديثِ عن حفظِ اللهِ لأوليائه.
قال تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) .
المرادُ بكلماتِ اللهِ هنا قَدَرُ اللهِ وإِرادَتُه ومشيئَتُه سبحانه، وليس كلامَه
القرآنَ الكريم، فاللهُ قَدَّرَ سعادةَ وفوزَ أَوليائِه المتقينَ في الدنيا والآخِرة، وهذا لا بُدَّ أَن يَتَحَقَّقَ، لأَنَّ اللهَ هو الذي قَدَّره وأَرادَه، ولا رادَّ لأَمْرِه، ولا تَبديلَ لقَدَرِ اللهِ وإِرادتِه.
وآيةُ سورةِ الكَهفِ تأمُرُ بتلاوةِ القرآن، قال تعالى: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) .
" مُبَدِّلَ ": اسم فاعل.
وهو اسْمُ " لا " النافية للجنس.
والمرادُ بكلماتِه هنا آياتُ القرآنِ وجُمَلُه وأَلفاظُه.
والتقدير: لا يَقْدِرُ أَحَدٌ من المخلوقينَ على أَنْ يُبَدّلَ كلماتِ الله، التي أَنزلَها على رسولِه ﷺ .
ومصداق هذه الآية ما صَرَّحَتْ به آيةُ سورةِ الحجر: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) . فبما أَنَّ اللهَ تعهَّدَ بحفْظِ كتابه، فلا يَقْدِرُ أَحَدٌ على أَنْ يُغَيِّرَ أَوْ يُبَدِّلَ فيه ".
لِننظر الآنَ في الآياتِ التي زَعَمَ الفادي الجاهلُ تعارُضَها مع هذه الآيات!.
стр. 525
قال تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) .
وقال تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) .
وقال تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) .
هل هذه الآيات ُ متعارضةٌ مع الآيات ِ السابقة؟
وما وَجْهُ معارضتِها لها؟
الآياتُ السابقةُ تقررُ أَنه لا يَقْدِرُ أَحَدٌ من المخلوقين على تبديلِ كلماتِ الله،
فهل تُقررُ هذه الآياتُ أَنه يمكنُ لأَحَدٍ من المخلوقين تبديلُ كلماتِ الله؟.
آيةُ سورةِ الرعدِ لا تتحدَّثُ عن آياتِ القرآن، وإِنما تتحدَّثُ عن المحوِ
والإِثباتِ والتغييرِ والتبديلِ في قَدَرِ الله، وتِجعلُ هذا بيَدِ اللهِ وحده.
فالله يَمحو ويُغيرُ ما يَشاءُ من قَدَرِه، ويُثْبِتُ ويُبْقي ما يَشاءُ من قَدَرِهِ، وله الحكمةُ في ما يَمْحو وما يُثْبِت، وعنده أُم الكتاب، وهو اللوحُ المحفوظ، الذي جعلَ فيه كُلَّ ما يريدُ فِعْلَه في هذا الكونِ، قبلَ خَلْقِ السمواتِ والأَرض.
وظَنَّ الفادي الجاهلُ أَنَّ المرادَ بأُم الكتابِ هنا القرآنُ كُلُّه، أَو سورةُ
الفاتحة، وهذا ظَنّ باطِل، فالمرادُ بأُمِّ الكتابِ هنا اللوحُ المحفوظ.
وتتحدَّثُ آيةُ سورةِ البقرةِ عن النسخ، وتجعلُه بيدِ اللهِ وحْدَه سبحانه، فإذا
نسخَ اللهُ آيةً من آياتِ القرآن، وأَلْغى حُكْمَها، فإِنه يأتي بآيةٍ أُخْرى، فيها حُكْم خيرٌ من حُكْمِ الآيةِ المنسوخة، أَو هو مثْلُه.
فاللهُ هو الذي ينسخُ ما يشاءُ من أَحكامِ القرآن، أَمّا المخلوقُ فإِنه
يَستحيلُ عليه نسخُ أَو تبديلُ القرآن، وكلُّ مسلمٍ يعتقدُ هذا عن يَقين.
وتَرُدُّ آيةُ سورةِ النحل على اتهاماتِ وإِشاعاتِ الكفار، فإذا نَسَخَ اللهُ اَيَةً
بآية، وبَدَّلَ آيةً مكانَ آية، اتهمَ الكفارُ النبيَّ ﷺ بالتلاعبِ والتحريف، وقالوا له: إِنما أَنتَ مُفْتَرٍ..
فتردّ عليهم الآيةُ بأَن النسخَ والتبديلَ لم يَصدرْ عن
стр. 526
رسولِ اللهِ ﷺ .
وإِنما هو من فعل اللهِ وحدَه، فالكلامُ كلامُه، والأَمرُ أَمرُه، وهو أَعلمُ بما يُنزلُ من الآيات، وأَعلمُ بما يَنَسخُ ويُبدلُ ويُبقي من الأَحكام.
ولذلك لما طلبَ الكفارُ من النبيِّ ﷺ تغييرَ القرآنِ أَو تبديلَه، كان يردُّ عليهم بأَنه لا يكونُ له ذلك، لأَنه متَّبعٌ لشرعِ الله، قال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) .
فلا تَعارضَ بين الآياتِ التي تَنفي إِمكانيةَ التبديلِ لكلماتِ الله، وتلك
التي تُثبتُ ذلك، لأَنَّ كُلَّ مجموعةٍ متوجهةٌ إِلى حالَة، بتَناسقٍ وتَوازنٍ وتَكامل.
الآياتُ التي تَنفي التبديلَ متوجهةٌ إِلى المخلوقين، فلا يُمكنُ لأَيِّ
مخلوقٍ - مهما عَلَتْ منزلتُه وعَظُمتْ قوتُه - أَنْ يُغيرَ أَو يُبدلَ كلماتِ الله، سواء كانتْ أَقدارَ الله، أَو كانت بعضَ آياتِ كتابِه.
والآياتُ التي تُخبرُ عن إِمكانيةِ تبديلِ آياتِ القرآن، تجعلُ ذلك بيدِ اللهِ
وحده، فهو صاحبُ الحَقِّ في نسخِ وتبديلِ ما يشاءُ من آياتِه، وفْقَ ما يعلمُه من الحكمة، وما يحققُه لعبادِه من المصلحة.
فأَينَ التعارضُ والتناقضُ بين الآيات؟
المشكلةُ في جهلِ الفادي المفترِي، الذي يصدقُ فيه قولُ الشاعر:
وَكَمْ من عائِبٍ قَوْلاً صَحيحاً ... وآفَتُه هي الفَهْمُ السَّقيمُ
ثانياً: التفاوت في مقادير أيام الله:
زعمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآن متناقِضٌ في حديثِه عن مقاديرِ الأَيامِ
عند الله، فما مقدارُ اليوم، هل هو أَلْفُ سنة، أم هو خمسونَ أَلْفَ سَنَة؟!.
هناك آية تُخبرُ أَنه أَلْفُ سنة، قال تعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) .
وهناك آية أُحْرى تخبرُ أَنه خمسونَ أَلفَ سنة، قال تعالى:
стр. 527
(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) .
لا تتحدثُ الآيتانِ عن يومٍ واحد، حتى يُظَنَّ التناقضُ بينَهما وإِنما
تتحدثانِ عن يومينِ مختلفَيْنِ في المقدار: اليومُ الأولىُ مقدارُه أَلْفُ سنة مما
نَعُدُّهُ نحن البَشَر.
واليومُ الثاني مقدارُه خمسونَ أَلْفَ سنة.
وحتى نفهمَ التفاوتَ بين ذَيْنِكَ اليومَيْن، نتذكَّرُ تفاوُتَ أَيامِنا في الدنيا،
فمن المعلومِ أَنَّ النهارَ في الشتاءِ يكونُ قصيراً، ما بينَ شروقِ الشمسِ
وغروبها، لكنَّ هذا النهارَ في الصيفِ يكونُ طويلاً قد يزيدُ سبعَ ساعاتٍ على
نهارِ الشتاء.
فإِذا كانَتْ أَيامُنا القصيرةُ متفاوتةً في الطول والمقدار، أَفلا تكونُ
الأَيامُ عندَ الله متفاوتةً في ذلك؟.
الذي يَعْرُجُ إِلى الله هو الأَمْرُ الذي يُدَبِّرهُ الله، ويُنزلُه على الأَرض،
ويكونُ عروجهُ إِليه في يومٍ مقدارُه أَلْف سنةَ، مما يَعُدُّهُ البشرُ من السنوات.
أَمّا عُروجُ الملائكةِ والروحِ إِلى الله، فإِنه يكونُ في يومٍ مقدارُه خمسونَ
أَلْفَ سنة، ليستْ مما نَعُدُّ من السنواتَ.
ولذلك لم تَقُلْ آيةُ سورةِ المعارج: في يومٍ كان مقدارُه خمسينَ أَلْفَ سنةٍ مما تَعُدّون.
كما قالَتْ آيةُ سورةِ السجدة!.
إِنهما يومانِ مُختلفان، مُتفاوتانِ في المقدار، وفي كل منهما عروجٌ
يختلفُ عن العروجِ في اليومِ الآخَر، فعُروجُ الأَمْرِ إِلى الله يومُه أَقْصَرُ من يومِ
عُروجِ الملائكة، ولذلك ذُكِرَ عَدُّ سَنَواتِ البشرِ في اليومِ الأَقْصَر، ولم يُذْكَرْ
في اليومِ الأَطول.
ثالثاً: بين نفي الشفاعة وإثباتها في الآخرة:
نفى القرآنُ في بعضِ آياتِه وُجودَ شفاعَةٍ في الآخرة، وأَثْبَتَ في آياتٍ
أُخرى وُجودَها، فوقَعَ الفادي الجاهلُ في حَيْرَة، ومن ثَمَّ اتَّهَمَ القرآنَ
بالتناقض.
والذي أَوصلَه إِلى هذا جهْلُه وحِقْدُه، وتحامُلُه على القرآن.
من الآياتِ التي نَفَت الشفاعة عن غيرِ الله، وقَصَرتْها عليه وَحْدَه
стр. 528
سبحانه، قوله تعالى: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) .
فالشفاعَةُ لله وَحْدَه، وهي بيدِ اللهِ وَحْدَه، هو المالكُ لها وللبشرِ، وللسمواتِ والأَرض، وللدنيا والآخرة.
ومنها قوئه تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) .
وبعدما سَجَّلَ الفادي الجاهلُ الآيتَيْن، سجَّلَ آيةً كريمةً اعْتَبَرَها مُصرحةً
بالشفاعة، وهي قولُه تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣) .
هل تتناقَضُ الآيةُ الثالثةُ مع الآيتَيْن السابقتَيْن؟
لا أَدري كيفَ يفهمُ الفادي الجاهلُ القرآنَ؟
وما عِلْمُه باللغةِ العربيةِ لغةِ القرآن؟.
آيةُ سورةِ الزمرِ تَجعلُ الشفاعةَ لله وحده: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا)
ومن معاني قَصْرِها على الله، أَنه لا يَشفعُ أَحَدٌ إِلّا بإذْنِه سبحانه، لأَنَّ الأَمْرَ أَمْرُه سبحانه، ولا سلُطانَ لأَحَدٍ مع سُلطانِه، لا في الدَّنيا ولا في الآخرة.
وهذا ما تُقَرِّرُهُ الآيةُ الثانية: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ) ، فإذا
أَذِنَ اللهُ للشفيعِ فإِنه يَشفع، وإِذا لم يَأْذَنْ له فإِنه لا يُمكنُ أَنْ يشفع، سواءٌ كان في الدنيا أَو في الآخرة.
وجاءت الآية ُ الثالثةُ مُؤَكِّدَةً لما قَرَّرَتْه الآية ُ الثانية: (مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) ، فلا يَشفعُ أَيّ شفيعٍ إِلّا من بعدِ أَنْ ياذَنَ اللهُ
له.
أَيْنَ التناقضُ بين قولِه تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ) ، وقوله تعالى: (مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) ؟
أَلا تَلْتَقي الآيتانِ على تقريرِ الحقيقةِ المتعلقةِ بالشفاعة، وهي أَنه لا يَشفعُ أَحَدٌ
لأَحَدٍ في الدنيا وفي الآخرةِ إِلّا بإذْنِ الله؟!.
стр. 529
وقررتْ آيةُ الكرسي نفسَ الحقيقة: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) .
وهكذا نَفهمُ نفيَ الشفاعةِ عن الكافرين، الواردِ في قوله تعالى:
(فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١.
وقوله تعالى الذي يقرر أنه لا يشفع الشافع إلا بأمر الله تعالى: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) .
رابعاً: هل أهل الجنة قليلون أم كثيرون ؟
زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَ حديثَ القرآنِ عن عَدَدِ أَهْلِ الجنةِ مُتناقض،
تَناقَضَ - في نظرِه - قولُه تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) .
مع قوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) .
لننظر: هل تَتناقَضُ الآياتُ مع بعضها؟.
مَنْ هم (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) ؟
ومَنْ هم وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) ؟
وهل أَصحابُ الجنةِ كلُّهم صنفٌ واحد؟.
أَخبرتْ آياتُ سورةِ الواقعةِ أَنَّ الناسَ يومَ القيامة ثلاثَةُ أَصْناف:
السابقون، وأَصحابُ اليمين، وأَصحابُ الشمال.
قالَ تعالى: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) .
أَصحابُ المشأمَةِ هم أَصحابُ الشمال، وهم الكفارُ في جهنم؟
قال الله : (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) .
أَما السّابقون وأَصحابُ اليمين فهم المؤمنونَ في الجنة، وهما صنفان
مُتفاوتانِ في منازلِ الجنة: السابقون المقَرَّبون في أَعْلى منازلِ الجنة،
وأَصحابُ اليمينِ في أَوسطِ منازلِ الجنة.
قالَ اللهُ عن الصنفِ الأَول: السابقين: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) .
وقالَ اللهُ عن الصنفِ الثاني: أَصحابِ اليمين:
стр. 530
(وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) .
معنى " ثُلَّةٌ ": مجموعَة.
والمرادُ بالأَوَّلين: أَصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ على أَنهم أَفضلُ جيلٍ من أَجيالِ المسلمين.
والمرادُ بالآخِرين الأَجيالُ المتأخرةُ من المسلمين.
السابقون المقَرَّبون أَكثرهم من الأَوَّلين، وقَليلٌ منهم من الآخِرين: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) .
أَمّا الصنفُ الثاني أَصحابُ اليمين، فكثير منهم من الأوَّلين السابقين،
وكثيرٌ من الآخِرينَ المتأخرين: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) .
إِنَّ الفادي الجاهلَ غبيّ، لا يُحسنُ فهمَ القرآن، ولذلك قالَ بالتناقض،
وزالَ هذا التناقضُ المزعومُ، بمعرفةِ مَنْ تتحدثُ عنهم كُلُّ مجموعةٍ من
الآيات.
خامساً: هل اليهود والنصارى مؤمنون ؟
زَعَمَ الفادي أَنَّ القرآنَ مُتناقضٌ في حديثهِ عن اليهودِ والنَّصارى، فاعْتَبَرهم مرةً مؤمنين، واعْتَبَرهم مرةً كافرين.
اعْتَبَرهم مؤمنين في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) .
واعْتبرَهُم كافِرين، عندما اعْتَبَر الإِسلامَ وَحْدَه هو الدينَ المقبولَ عندَ الله.
قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) .
فهل تَناقَضَ القرآنُ في حديثِه عن اليهودِ والنَّصارى؟
الجوابُ بالنفي..