← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1431

القرآن ونقض مطاعن الرهبان

صلاح الخالدي

Полный текст (753 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

رسولِ اللهِ ﷺ . وإِنما هو من فعل اللهِ وحدَه، فالكلامُ كلامُه، والأَمرُ أَمرُه، وهو أَعلمُ بما يُنزلُ من الآيات، وأَعلمُ بما يَنَسخُ ويُبدلُ ويُبقي من الأَحكام. ولذلك لما طلبَ الكفارُ من النبيِّ ﷺ تغييرَ القرآنِ أَو تبديلَه، كان يردُّ عليهم بأَنه لا يكونُ له ذلك، لأَنه متَّبعٌ لشرعِ الله، قال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) . فلا تَعارضَ بين الآياتِ التي تَنفي إِمكانيةَ التبديلِ لكلماتِ الله، وتلك التي تُثبتُ ذلك، لأَنَّ كُلَّ مجموعةٍ متوجهةٌ إِلى حالَة، بتَناسقٍ وتَوازنٍ وتَكامل. الآياتُ التي تَنفي التبديلَ متوجهةٌ إِلى المخلوقين، فلا يُمكنُ لأَيِّ مخلوقٍ - مهما عَلَتْ منزلتُه وعَظُمتْ قوتُه - أَنْ يُغيرَ أَو يُبدلَ كلماتِ الله، سواء كانتْ أَقدارَ الله، أَو كانت بعضَ آياتِ كتابِه. والآياتُ التي تُخبرُ عن إِمكانيةِ تبديلِ آياتِ القرآن، تجعلُ ذلك بيدِ اللهِ وحده، فهو صاحبُ الحَقِّ في نسخِ وتبديلِ ما يشاءُ من آياتِه، وفْقَ ما يعلمُه من الحكمة، وما يحققُه لعبادِه من المصلحة. فأَينَ التعارضُ والتناقضُ بين الآيات؟ المشكلةُ في جهلِ الفادي المفترِي، الذي يصدقُ فيه قولُ الشاعر: وَكَمْ من عائِبٍ قَوْلاً صَحيحاً ... وآفَتُه هي الفَهْمُ السَّقيمُ ثانياً: التفاوت في مقادير أيام الله: زعمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآن متناقِضٌ في حديثِه عن مقاديرِ الأَيامِ عند الله، فما مقدارُ اليوم، هل هو أَلْفُ سنة، أم هو خمسونَ أَلْفَ سَنَة؟!. هناك آية تُخبرُ أَنه أَلْفُ سنة، قال تعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) . وهناك آية أُحْرى تخبرُ أَنه خمسونَ أَلفَ سنة، قال تعالى:

стр. 527

(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) . لا تتحدثُ الآيتانِ عن يومٍ واحد، حتى يُظَنَّ التناقضُ بينَهما وإِنما تتحدثانِ عن يومينِ مختلفَيْنِ في المقدار: اليومُ الأولىُ مقدارُه أَلْفُ سنة مما نَعُدُّهُ نحن البَشَر. واليومُ الثاني مقدارُه خمسونَ أَلْفَ سنة. وحتى نفهمَ التفاوتَ بين ذَيْنِكَ اليومَيْن، نتذكَّرُ تفاوُتَ أَيامِنا في الدنيا، فمن المعلومِ أَنَّ النهارَ في الشتاءِ يكونُ قصيراً، ما بينَ شروقِ الشمسِ وغروبها، لكنَّ هذا النهارَ في الصيفِ يكونُ طويلاً قد يزيدُ سبعَ ساعاتٍ على نهارِ الشتاء. فإِذا كانَتْ أَيامُنا القصيرةُ متفاوتةً في الطول والمقدار، أَفلا تكونُ الأَيامُ عندَ الله متفاوتةً في ذلك؟. الذي يَعْرُجُ إِلى الله هو الأَمْرُ الذي يُدَبِّرهُ الله، ويُنزلُه على الأَرض، ويكونُ عروجهُ إِليه في يومٍ مقدارُه أَلْف سنةَ، مما يَعُدُّهُ البشرُ من السنوات. أَمّا عُروجُ الملائكةِ والروحِ إِلى الله، فإِنه يكونُ في يومٍ مقدارُه خمسونَ أَلْفَ سنة، ليستْ مما نَعُدُّ من السنواتَ. ولذلك لم تَقُلْ آيةُ سورةِ المعارج: في يومٍ كان مقدارُه خمسينَ أَلْفَ سنةٍ مما تَعُدّون. كما قالَتْ آيةُ سورةِ السجدة!. إِنهما يومانِ مُختلفان، مُتفاوتانِ في المقدار، وفي كل منهما عروجٌ يختلفُ عن العروجِ في اليومِ الآخَر، فعُروجُ الأَمْرِ إِلى الله يومُه أَقْصَرُ من يومِ عُروجِ الملائكة، ولذلك ذُكِرَ عَدُّ سَنَواتِ البشرِ في اليومِ الأَقْصَر، ولم يُذْكَرْ في اليومِ الأَطول. ثالثاً: بين نفي الشفاعة وإثباتها في الآخرة: نفى القرآنُ في بعضِ آياتِه وُجودَ شفاعَةٍ في الآخرة، وأَثْبَتَ في آياتٍ أُخرى وُجودَها، فوقَعَ الفادي الجاهلُ في حَيْرَة، ومن ثَمَّ اتَّهَمَ القرآنَ بالتناقض. والذي أَوصلَه إِلى هذا جهْلُه وحِقْدُه، وتحامُلُه على القرآن. من الآياتِ التي نَفَت الشفاعة عن غيرِ الله، وقَصَرتْها عليه وَحْدَه

стр. 528

سبحانه، قوله تعالى: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) . فالشفاعَةُ لله وَحْدَه، وهي بيدِ اللهِ وَحْدَه، هو المالكُ لها وللبشرِ، وللسمواتِ والأَرض، وللدنيا والآخرة. ومنها قوئه تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) . وبعدما سَجَّلَ الفادي الجاهلُ الآيتَيْن، سجَّلَ آيةً كريمةً اعْتَبَرَها مُصرحةً بالشفاعة، وهي قولُه تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣) . هل تتناقَضُ الآيةُ الثالثةُ مع الآيتَيْن السابقتَيْن؟ لا أَدري كيفَ يفهمُ الفادي الجاهلُ القرآنَ؟ وما عِلْمُه باللغةِ العربيةِ لغةِ القرآن؟. آيةُ سورةِ الزمرِ تَجعلُ الشفاعةَ لله وحده: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا) ومن معاني قَصْرِها على الله، أَنه لا يَشفعُ أَحَدٌ إِلّا بإذْنِه سبحانه، لأَنَّ الأَمْرَ أَمْرُه سبحانه، ولا سلُطانَ لأَحَدٍ مع سُلطانِه، لا في الدَّنيا ولا في الآخرة. وهذا ما تُقَرِّرُهُ الآيةُ الثانية: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ) ، فإذا أَذِنَ اللهُ للشفيعِ فإِنه يَشفع، وإِذا لم يَأْذَنْ له فإِنه لا يُمكنُ أَنْ يشفع، سواءٌ كان في الدنيا أَو في الآخرة. وجاءت الآية ُ الثالثةُ مُؤَكِّدَةً لما قَرَّرَتْه الآية ُ الثانية: (مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) ، فلا يَشفعُ أَيّ شفيعٍ إِلّا من بعدِ أَنْ ياذَنَ اللهُ له. أَيْنَ التناقضُ بين قولِه تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ) ، وقوله تعالى: (مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ) ؟ أَلا تَلْتَقي الآيتانِ على تقريرِ الحقيقةِ المتعلقةِ بالشفاعة، وهي أَنه لا يَشفعُ أَحَدٌ لأَحَدٍ في الدنيا وفي الآخرةِ إِلّا بإذْنِ الله؟!.

стр. 529

وقررتْ آيةُ الكرسي نفسَ الحقيقة: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) . وهكذا نَفهمُ نفيَ الشفاعةِ عن الكافرين، الواردِ في قوله تعالى: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١. وقوله تعالى الذي يقرر أنه لا يشفع الشافع إلا بأمر الله تعالى: (يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) . رابعاً: هل أهل الجنة قليلون أم كثيرون ؟ زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَ حديثَ القرآنِ عن عَدَدِ أَهْلِ الجنةِ مُتناقض، تَناقَضَ - في نظرِه - قولُه تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) . مع قوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) . لننظر: هل تَتناقَضُ الآياتُ مع بعضها؟. مَنْ هم (وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) ؟ ومَنْ هم وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) ؟ وهل أَصحابُ الجنةِ كلُّهم صنفٌ واحد؟. أَخبرتْ آياتُ سورةِ الواقعةِ أَنَّ الناسَ يومَ القيامة ثلاثَةُ أَصْناف: السابقون، وأَصحابُ اليمين، وأَصحابُ الشمال. قالَ تعالى: (وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) . أَصحابُ المشأمَةِ هم أَصحابُ الشمال، وهم الكفارُ في جهنم؟ قال الله : (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) . أَما السّابقون وأَصحابُ اليمين فهم المؤمنونَ في الجنة، وهما صنفان مُتفاوتانِ في منازلِ الجنة: السابقون المقَرَّبون في أَعْلى منازلِ الجنة، وأَصحابُ اليمينِ في أَوسطِ منازلِ الجنة. قالَ اللهُ عن الصنفِ الأَول: السابقين: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) . وقالَ اللهُ عن الصنفِ الثاني: أَصحابِ اليمين:

стр. 530

(وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) . معنى " ثُلَّةٌ ": مجموعَة. والمرادُ بالأَوَّلين: أَصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ على أَنهم أَفضلُ جيلٍ من أَجيالِ المسلمين. والمرادُ بالآخِرين الأَجيالُ المتأخرةُ من المسلمين. السابقون المقَرَّبون أَكثرهم من الأَوَّلين، وقَليلٌ منهم من الآخِرين: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) . أَمّا الصنفُ الثاني أَصحابُ اليمين، فكثير منهم من الأوَّلين السابقين، وكثيرٌ من الآخِرينَ المتأخرين: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) . إِنَّ الفادي الجاهلَ غبيّ، لا يُحسنُ فهمَ القرآن، ولذلك قالَ بالتناقض، وزالَ هذا التناقضُ المزعومُ، بمعرفةِ مَنْ تتحدثُ عنهم كُلُّ مجموعةٍ من الآيات. خامساً: هل اليهود والنصارى مؤمنون ؟ زَعَمَ الفادي أَنَّ القرآنَ مُتناقضٌ في حديثهِ عن اليهودِ والنَّصارى، فاعْتَبَرهم مرةً مؤمنين، واعْتَبَرهم مرةً كافرين. اعْتَبَرهم مؤمنين في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) . واعْتبرَهُم كافِرين، عندما اعْتَبَر الإِسلامَ وَحْدَه هو الدينَ المقبولَ عندَ الله. قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) . فهل تَناقَضَ القرآنُ في حديثِه عن اليهودِ والنَّصارى؟ الجوابُ بالنفي..

стр. 531

صرَّحَ القرآنُ بأَنَّ الإِسلامَ الذي جاءَ به رسولُنا محمدٌ ﷺ وحدَه الدينُ المقبولُ عند الله، قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) . وهذا مَعناهُ أَنَّ أَيَّ دينٍ آخَرَ غيرِ الإِسلامِ لا يُقْبَلُ من صاحبِه، أَيْ أَنه كافرٌ مخلَّدٌ في نار جهنم، قال تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) ولم يُصرحِ القرآنُ بأَنَّ اليهودَ والنَّصارى مؤمنون حتى نَتَّهِمَه بالتعارض. والآيةُ التي أَوردَها الفادي أَخْطَأَ - كعادَتِه - في فَهْمِها: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) ف (الَّذِينَ آمَنُوا) : المرادُ بهم أُمَّةُ محمدٍ ﷺ . و (الَّذِينَ) : في محل نصبِ اسْمِ " إِنَّ ". وخَبَرُ " إِنَّ " محذوف. والتقدير: إِنَّ المؤمنين فائزون مُخَلَّدون في الجنة. والواوُ في (وَالَّذِينَ هَادُوا) : حَرْفُ استئناف. وبَعْدَها جملة استئنافيةٌ جديدة. (اَلَّذِينَ هَادُوا) : في مَحَلّ رفع مبتدأ. (وَالصَّابِئُونَ) : معطوف على المبتدأ مرفوع. (وَالنَّصَارَى) : مَعطوف عليه مرفوع أَيضاً. و (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) : في محلِّ رفْع خَبر. والتقدير: واليهودُ والصابئون والنصارى المؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر منهم هو المقبولُ عند الله. إِنهما جملَتان مستقلَّتان إِذَنْ: الجملة الأولئ: (إِنَّ اَلَّذِينَءَامَنُوا) أَيْ: إِنَّ المؤمنينَ مقبولون. والجملةُ الثانية: (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ... ) أَيْ: إِنَّ المقبولَ من هذه الأَصنافِ الثلاثة هو المؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر، فإِنْ لم يكنْ مؤمناً باللهِ واليومِ الآخِر لم يُقْبَلْ منه شَيءٌ. ومتى يكَونُ اليهوديُّ والنصرانيُّ والصابئيُّ مؤمِناً باللهِ واليومِ الآخِر؟ لا يكونُ كذلكَ إِلّا إِذا آمَنَ بأَركانِ الإِيمانِ الستة: الإِيمانِ باللهِ، وملائكتِه، وكتبه، ورسلِه، واليومِ الآخر، والقَدَرِ خيرِه وشَرِّه.. لأَنَّ الإِيمانَ لا يَقبلُ التجزئةَ، وتحقيقَ بعضِه وإِنكارَ بعضه.

стр. 532

وهذا معناهُ أَنه يجبُ على كُلّ واحدٍ من الطوائفِ الثلاثِ الإِيمانُ بكلِّ الرسل، وعلى رأسِهم محمدٌ ﷺ ، كما أَنه يجبُ عليه الإِيمانُ بكلّ الكتب، وفي مقدِّمَتها القرآن. فإِنْ آمَنَ بذلك يجبُ عليه الدخولُ في الإِسلام، وإِنْ لم يدخلْ في الإِسلام لم يكنْ مؤمناً باللهِ واليومِ الآخر حقّاً!! فلا تَعارُضَ بين الآيتَيْن. سادساً: بين الأمر بالصفح والأمر بالغلظة: يَرى الفادي الجاهلُ أَنَّ قولَه تعالى: (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) ، يَتناقَضُ مع قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) . ووجْهُ التناقضِ بينهما عندَه أَنَّ آيةَ سورةِ الحجرِ تأمُرُ النبيَّ ﷺ بالصفحِ الجميلِ عن الكفار، وآيةَ سورةِ التوبة تأمُرُه بالغلظةِ على الكفارِ والمنافقين وجهادِهم، وهذا إِلغاءٌ لآيةِ الحِجْر. إِنَّ الأَمْرَ بالصفح لا يَتَنَاقَضُ مع الأَمْرِ بالجهاد، لأَنَّ الصفحَ عن صنفٍ من الكفار، والجهادَ لصنفٍ آخَرَ من الكفار. الصفحُ عن كفارٍ مُسالمين، لا يَتآمرونَ على المسلمين، ولا يُحاربونَ دينَهم، فهؤلاء تَجبُ دعوتُهم للإِسلام، فإِنْ لم يُلَبّوا الدعوة، وأَصرّوا على كُفْرِهم، وانصرفوا إِلى أَنفسِهم، يَصفحُ عنهم المسلمون ويَتْرُكونَهم. هذا ما تُقرر آيةُ سورةِ الحجر: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) . وما تُقرره آيةُ سورةِ الزخرف: (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩) . ثم إِنَّ الصفحَ عن الكفارِ كان في العهدِ المكي، حيثُ كانَ المؤمنون مأمورينَ بكَفّ أَيديهم، وعَدَم قتالِ الكفار، لكنْ بعدَ الهجرة أَذِنَ اللهُ لهم بالقتال، وأَمَرَهم بجهادِهم والغلظةِ عليهم. فالأَمْرُ بالصفْح موقوتٌ بوقْت، وعندما يَنتهي ذلك الوقتُ، يأْتي الأَمْرُ بالجهاد.

стр. 533

وهذا صريحٌ في قوله تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) . فالعفوُ والصفحُ مستمرّان إِلى أَنْ يأتيَ اللهُ بأَمْرِه، فيأمرَ المسلمينَ بأَمْرٍ جَديد، وهو الجهادُ والقتال!. أَما الأَمْرُ بجهادِ الكفارِ والمنافقين، والغِلظةِ عليهم فيه، فهذا مُوَجَّهٌ ضدَّ صنفٍ آخَرَ من المنافقينِ والكافرين، وهم أولئك الحاقدونَ المتآمرونَ على المسلمين، الذين يُحاربونَهم ويُهاجمونَ دينَهم. وبذلك نجمعُ بين الأَمْرِ بالصفح والأَمْر بالغلظةِ في الجهاد، بأَنْ يُوَجَّهَ كُلُّ أَمْرٍ إِلى صنف، ذي صفاتٍ خاصة، تختلفُ عن صفاتِ الصنفِ الآخَر، وتَقييدِ أَحَدِ الأَمريْن بزمنٍ وعهدٍ خاصّ، فإِذا اختلفَ الزمانُ أَو المكانُ أَو الأَشخاصُ فلا تَناقُضَ بين الأَمْرِ بالصلحِ والأَمرِ بالجهاد!!. سابعاً: هل يأمر الله بالفحشاء ؟ زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَ القرآنَ تَناقَضَ في حديثِه عن الفحشاء، فهو يُخبرُ أَنَ الله لا يامُرُ بالفحشاء، وذلك في قولِه تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) . وهو يُثبتُ الأَمْرَ بالفحشاءِ لله، قال تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) . وليسَ الأَمْرُ كما فهمَه الجاهل، فمن المعلومِ أَنَّ اللهَ لا يأمُرُ بالفحشاء. وهذا ما صَرَّحَتْ به آيةُ سورةِ الأَعراف، حيث رَدَّتْ على أَكاذيبِ الكافرين، فعندما كانوا يَفعلونَ الفاحشةَ كانوا يقولون: اللهُ أَمَرَنا بها، ويَرْضاها مِنّا، ولو لم يَرْضَها منّا ولم يأمُرْنا بها لأَهْلَكَنا عندما فَعَلْناها! فكَذبَهم اللهُ بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) .

стр. 534

لقد حَرَّمَ اللهُ الفحشاءَ، فكيفَ يَامُرُ بها، واللهُ لا يَامُرُ إِلّا بالقِسْطِ والخَيْر، ولذلكَ قالَ في الآيةِ التالية: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) . أَمّا آيةُ سورةِ الإِسراءِ فلا تَدُلُّ على أَنَّ اللهَ يَأْمُرُ بالفحشاء، ولا تَتَناقَضُ مع آيةِ سورةِ الأَعْراف، وإِنما تَلْتَقي معها في تقريرِ أَمْرِ اللهِ بالخيرِ والقسط، ونهيِه عن الشَّرّ والفَحْشاء. بماذا يَأمُرُ اللهُ المتْرَفين؟ هل يَأْمُرُهم بالفسق والفَحشاء؟ : (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) . يَستحيلُ أَنْ يَأْمُرَ اللهُ المتْرَفين بالفسقِ والفحشاء، لأَنه سبحانه لا يَأمُرُ بالفحشاء! وفي قولِه: (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا) كلام مُقَدَّر، يَقْتَضيه السياقُ والمعنى. والتقديرُ: أَمَرْنا مُتْرَفيها بالطاعة، فَعَصوْا أَمْرَنا وفَسَقوا فيها، وبذلك حَقَّ عليهم القولُ والحكمُ والعذاب، فأَهلكناهم ودَمَّرْناهم. ومن المعلومِ أَنَ القرآنَ المعجزَ قد يَحذفُ بعضَ الكلماتِ من تعبيرِه قَصْداً، حتى يُفَكَرَ فيه المتَدَبِّرون، ويُقَدِّروا الكلامَ الذي يَقْتَضيه السياق، ولا يَأْخُذوا الأَمْرَ على ظاهِرِه.. وهذا معنى لا يُدركُه الفادي الجاهلُ، المحجوبُ عن القرآن. ثامناً: حول القسم بالبلد الأمين: الْتَبَسَ على الفادي الجاهلِ قَسَمُ القرآنِ بالبَلَدِ الأَمينِ مكةَ المكرمة، فَظَنَّ القرآنَ متناقضاً، لأَنه لا يقسمُ به في موضع، ويُقسمُ به في موضعٍ آخر!. فهم قولَه تعالى: (لَاَ أقُسِمُ بِهَذَا البَلَدِ) نفياً للقَسَم به، واعْتَبَرَه مُنَاقضاً للقَسَمِ الصَّريح به في قوله تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) . في سورةِ التينِ قَسَمٌ صريحٌ بالبَلَدِ الأَمين، حيثُ أَقْسَمَ اللهُ بأَربعةِ أَشْياء: التينِ والزيتونِ وطور سينين والبلدِ الأَمين. والمقسَمُ عليه الإِنسانُ، الذي خَلَقَه اللهُ في أَحسنِ تقويم، ثم رَدَّهُ أَسْفَلَ سافلين.

стр. 535

وفي سورةِ البلدِ قَسَمٌ أَيْضاً، لكنَّه قَسَمٌ بأُسلوبِ آخَر: (لَاَ أقُسِمُ بِهَذَا البَلَدِ) . إِنَّ هذا ليسَ نفياً للقَسَم كما فَهِمَه الفادي الجَاهل، إِنما هو توكيدٌ للقَسَم. و" لا " هنا ليستْ حرفَ نَفْيِ في الحقيقة، إِنما هي للتوكيد، من باب التلويحِ بالقَسَم. وكأَنه يَقول: لا تجَعَلْني أُقسمُ بهذا البلد، فالأَمْرُ أَوضَحُ مِن أَن يحتاج إِلى قَسَم. وهذا أَبلغُ في القَسَمِ مما لو قال: أُقسمُ بهذا البَلَد. تاسعاً: حول المنافقين: لم يُوَضِّح الفادي الجاهلُ: " التناقضَ التاسع " الذي سَجَّلَه على القُرآن، فَذَكَرَ عمودَيْن: الأَوَّل سَمّاه " النهيُ عن النفاق "، والثاني سَمّاه " الإِكراهُ على النفاق ". وسَجَّلَ في العمودِ الأَوَّلِ قولَه تعالى: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) . كما سَجَّلَ قولَه تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨) . في هذه الآياتِ التي سَجَّلَها تَهديدٌ شديدٌ من اللهِ للمنافقين، ووعيدٌ لهم بالعذاب، وعرضُ بعضِ تصرفاتِهم وأَفعالِهم وأَقوالِهم القبيحة. وسَجَّلَ في العمودِ الثاني الذي سَمّاهُ " الإِكراه على النفاق " قولَه تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) . ولا حَديثَ في الآيةِ عن المنافقين، إِنما تتحدَّثُ عن اليهودِ والنصارى، وكُفْرِهم بالله، ونسبتِهم إِلى الله الولد، مضاهاةً وتقليداً لأَقوالِ الكافرين

стр. 536

من قبلِهم. فكيف اعتبرَ الفادي الجاهلُ الآيةَ من بابِ " الإِكراه على النفاق "؟! وما مقصودُه بهذا العنوان؟ هل يَقصدُ أَنَّ اللهَ يُكْرِهُ اليهودَ والنَّصارى على النفاقِ إِكْراهاً، ويأْمُرُهم به أَمْراً؟ وهل الآيةُ تتحدَّثُ عن ذلك؟ لا أَدري كيفَ يُفكرُ هذا الجاهل، وكيفَ ينتقدُ القرآنَ!!. ثم سجلَ قولَه تعالى: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥) . والآيةُ لا تتحدثُ عن المنافقين، وإنما تتحدثُ عن إِهلاكِ وتدميرِ السابقينَ من الكافرين.. فأَينَ الإِكراهُ على النفاق في كلماتِ الآية؟!. كلامُ الفادي الجاهلِ حولَ التناقضِ التاسع غيرُ واضح، فضلاً عن أَنه باطل، لأَنه لا تَناقُضَ في القرآن، ولا تَناقُضَ بين الآياتِ التي زَعَمَ هو تناقُضَها. عاشراً: بين النهي عن الهوى وإباحته: افْتَرى الفادي المفترِي على القرآن، وعلى رسولِ اللهِ ﷺ ، وعلى المسلمين، فزعَمَ أَنَّ القرآنَ تناقَضَ بين تحريمِ الهوى وإِباحتِه، وزعَمَ أَنَّ محمداً ﷺ كان يَتبعُ هواه وشهوتَه. أَثنى اللهُ على الصالحِ الملتزم الذي نهى نفسَه عن هواها؟ قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) . وبعدَ أَنْ أَوردَ المفترِي الآيةَ زَعَمَ أَنَّ النبيَّ ﷺ كانَ أَوَّلَ مَنْ خالَفَها، لأَنه اتبع هواه، وأَباحَ ذلك لأَصحابه!!. أ - قال المفترِي: " أَباحَ محمدٌ لأَتْباعِه القيامَ بالغاراتِ الدينية، والدخولَ على الأَسيراتِ دونَ تطليقِهنَّ من أَزواجِهن، فقال: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ..) قالَ البيضاوىِ: إِلّا ما ملكتْ أَيمانُكم من اللّاتي سُبينَ، ولهنَّ أَزواجٌ كُفار، فهنَّ حَلالٌ للسّابين، والزواجُ مرتفعٌ بالسَّبْي،

стр. 537

لقول أَبي سعيدٍ ﵁: أَصَبْنا سبايا يومَ أَوطاس، ولهنَّ أَزواجٌ كُفّار، فكَرِهْنا أَنْ نقعَ عليهن، فسأَلْنا النبيَّ ﷺ فنزلت الآية فاستحلَلْناهُنَّ. وإِيّاهُ عنى الفرزدقُ بقوله: وذَاتُ حَليلٍ أَنكحَتْها رِماحُنا ... حَلالٌ لمنْ يَبْني بها لم تُطَلَّقِ " الفادي خَبيثٌ مُغرضٌ في قوله: " أَباحَ محمدٌ لأَتْباعِه القيامَ بالغاراتِ الدينية " لأَنه يَجعلُ الصحابةَ مجموعةً من العصاباتِ وقُطّاعِ الطرق، يُغيرونَ على الآمِنين المسالمين، ويَجعلُ الجِهادَ في سبيلِ الله سَلْباً ونَهْباً وقَطْعاً للطريق، مع أَنَّ الرسولَ ﷺ وأَصحابَه كانوا يُجاهدونَ في سبيلِ الله، ويُقاتلونَ المحاربينَ لهم، والطامِعين فيهم. والفادي كان مُفْتَرٍ في قولِه: " والدخولَ على الأَسيراتِ دون تطليقِهن من أَزواجهن "، فقال: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) !! ولم يَقُلْ ذلك أَيُّ مذهبٍ إِسلامي، ولا أَيُّ عالمٍ مسلمٍ مُعْتَبَر. الأَسيراتُ هُنَّ النساءُ الكافراتُ المحاربات، اللّواتي يَخْرُجْنَ مع الرجال الكفارِ لحربِ المسلمين، وعندما تَنْتَهي المعركةُ بهزيمةِ الكفار، تَقعُ بعضُ أولئك النساءِ المحارباتِ في السَّبْي، فهنَ سبايا، ولَسْنَ " أَسيرات " كما ادَّعى المفتري الفادي؛ لأَنَّ للأَسيرِ الكافرِ المحاربِ أَحكاماً خاصة، غيرَ أَحكامِ السبايا. عندما يأخذُ المسلمون هذه النساءَ المقاتلاتِ سَبايا، ماذا يريدُ الفادي المفتري من المسلمينَ أَنْ يَتصرفوا معهنّ؟ هل يعيدونهنَّ إِلى الجيشِ الكافرِ مجنَّداتٍ فيه، ليَعُدْنَ إِلى حربِ المسلمين من جديد؟. الإسلامُ اعتبرهنَّ سبايا، وبما أَنهنَّ ليس لهنَّ أَهْل، فلَنْ يُتْرَكْنَ " على رؤوسهن " في بلادِ المسلمين، يَنشرنَ الفاحشةَ والفساد، فلا بُدَّ أَنْ يُوَزَّعْنَ على المجاهدين، بحيثُ يُؤوي المجاهدُ السَّبِيَّةَ، ويتكفلُ بأُمورها وحاجاتِها.

стр. 538

وهذه السَّبِيَّةُ تكونُ مِلْكاً له، لأَنه سيدُها والمسؤولُ عنها، ولذلك أَطْلَقَ عليها القرآنُ (مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) ، وهو يُلَبّي لها حاجاتِها الجنسيةَ بالإِضافةِ إِلى باقي حاجاتِها. لكن متى يُعاشرُ المسلمُ سبيتَه؟ ليس بمجردِ حصولِه عليها، ولكنْ بعدَ أَنْ " تَحيضَ " حيضةً عنده، وذلك " لاستبراءِ " رَحِمها، لأَنَّ مجيءَ الدورةِ الشهريةِ لها معناهُ أَنها ليستْ حامِلاً من زوجِها الكافر، فإِنْ كانَتْ " حامِلاً " لا يُعاشِرها سيدُها إِلّا بعدَ ولادتِها. وبهذا نعرفُ كَذِبَ الفادي المفترِي عندما قال: " أَباحَ محمدٌ لأَتْباعِه الدخولَ على الأَسيرات دونَ تطليقهِن من أَزواجهنّ ". فالمسلمُ لا يُعاشرُ أَمَتَه إِلّا بعدَ حيضتِها. ومعلوئم أَنَّ وُقوعَها في السَّبْيِ - وهي المحاربةُ للمسلمين - يُنهي علاقَتَها بزوجِها الكافر، ولا تَحتاجُ إِلى تطليق منه!. وهذا معنى كلامِ البيضاوي: " ما ملكتْ أَيمانُكم، من اللّاتي سُبينَ ولهنَّ أَزواجٌ كُفار، فهنَّ حَلال للسّابين، والزواجُ مرتفعٌ بالسبي ". ونُزولُ الآيةِ في سَبايا " أَوطاس " كما ذَكَرَ البيضاويُّ صحيح. روى مسلمٌ عن أَبي سعيد الخدري ﵁: أَنَّ أَصحابَ رسولِ الله ﷺ أصابوا سَبْياً يومَ أَوطاس، لهنَّ أَزواجٌ من أَهْلِ الشرك، فكانَ أُناسٌ من أَصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ كَفّوا وتَأَثَّموا من غِشيانِهنّ، فنزلَتْ هذه الآية. وروى الترمذي الحادثة بلفْظٍ آخر، عن أَبي سعيدٍ الخدري ﵁ قال: أَصَبْنا سَبْياً من سَبْي أَوطاس، ولهنَّ أَزواج، فكَرِهْنا أَنْ نَقَعَ عليهنَّ ولهنَ أَزواج، فسأَلْنا النبيَّ ﷺ ، فنزلَتْ هذه الآية ... وكانتْ غَزوةُ أَوطاس في السنةِ الثامنةِ من الهجرة بعدَ غزوةِ حنين، وقد هُزِمَ فيها جيشُ المشركين، ووقعَتْ بعضُ المشركاتِ المحارباتِ في الأَسْر، فأَخذهنَ المسلمون سبايا، ووَزَّعَهُنَ رسولُ اللهِ ﷺ على المجاهدين، وكان بعضُهنَّ متزوجاتٍ من المشركين، فتحرَّجَ بعضُ المسلمين عن معاشرتِهن،

стр. 539

ولما سألوا رسولَ اللهِ ﷺ أَباحَ لهم معاشرتَهن، وأَنزلَ اللهُ الآيةَ في إباحةِ ذلك، وهذا بعدَ استبرائِهن، بأَنْ تَحيضَ الأَمَةُ عند سيدِها حَيْضة، ويَثبتَ له عدمُ حَمْلِها. ومعنى هذا أَنَّ وُقوعَ الكافرةِ المقاتلةِ في السَّبْيِ يُنهي زَواجَها من زوجِها الكافر، لكنها لا تَحِلُّ لسَيِّدِها إِلّا بعدَ استبرائِها وحيضِها عندَه. ولذلك قال ابنُ كثيرٍ في تفسير الآية: (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) : إِلّا ما ملكْتُموهن بالسَّبْي، فإِنه يَحِلُّ لكم وَطْؤُهنَّ، إِذا استبرأْتُموهن ". وبهذا نعرفُ أَنَّ ما فعلَه الصحابةُ بالسبايا يومَ أَوطاس اتِّباع لشرعِ الله، وليس اتِّباعاً للهَوى، كما زَعَمَ المفْتري! وكان الصحابةُ مُحاربينَ لأَهوائِهم، نَهوا نُفوسَهم عن الهوى، كما أَمَرَهم الله سبحانه. ب - افترى الفادي على رسولِ اللهِ ﷺ ، عندما قالَ: إِنه كانَ مُتَّبِعاً لهَواه وشهوتِه، وذلك في قولِه الفاجر: " أَباحَ محمدٌ الزواجَ بأَيِّ مَنْ تَهواهُ ويَهْواها، بلا قَيْدٍ أَوْ شَرط، فوقَ زوجاتِه العديدات، وفوقَ ما ملكَتْ يمينُه، فقال: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) . زعمَ الفادي أَنَّ القرآنَ من تأليفِ وكلامِ محمدٍ ﷺ ، وليس وحياً من عندِ الله، ولذلك نَسَبَ الآيةَ من سورةِ الأَحزابِ إِليه، وليسَ إِلى اللهِ، وأَسندَ الحكمَ الذي فيها إِليه، وليسَ إِلى الله، فقال: أَباحَ محمدٌ لنفسِه الزواج ... وانظرْ إِلى وقاحَتِه وسوءِ أَدبه وفجورِه، وهو يتكلَّمُ عن رسولِ الله ﷺ : " أَباحَ محمدٌ الزواجَ بأَيّ مَنْ تَهواهُ ويَهْواها بلا قَيْدٍ أَو شَرْط ... ". ونُنزهُ حَبيبَنا محمداً ﷺ عن هذا الكلامِ السوقيِّ الساقط، فكيفَ يُتَّهَمُ بأَنه يَهوى ويَعشقُ امرأةً ليستْ زوجاً له؟ وكيفَ تَهواهُ وتعشقُه امرأةٌ أَجنبيةٌ عنه؟!. وما أَباحَتْه الآيةُ له ليس اتّباعاً للهَوى والشهوة، إِنما هي حالَةٌ خاصة،

стр. 540

في امرأةٍ خاصةٍ واحدة، لم تتكرَّر له ولا لغيرِه: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) . روى البخاريُّ ومسلمٌ عنْ سهلِ بنِ سعدٍ الساعديّ ﵁ قال: إِني لفي القومِ عندَ رسولِ اللهِ ﵇ إِذ قامت امرأةٌ، فقالَتْ: يا رسولَ الله! إِنها قد وَهَبَتْ نفسَها لك، فَرَ فيها رأَيَك. فلم يُجِبْها شيئاً. ثم قامت فقالَتْ: يا رسولَ الله! إِنها قد وَهَبَتْ نفسَها لك، فَرَ فيها رأيَك. فلَم يُجِبْها شيئاً. ثم قامت الثالثةَ فقالَتْ: إِنها قد وهبَتْ نفسَها لك، فَرَ فيها رأْيَكَ. فقامَ رجل فقالَ: يا رسولَ الله: أَنْكِحْنِيها. فقال: هل عندَك من شيء؟. قال: لا. قال: اذهَبْ فاطلُبْ ولو خاتَماً من حديد. فذهَبَ وطَلَبَ، ثم جاءَ فقال: ما وجدْتُ شيئاً، ولا خاتَماً من حَدِيد! قال: هل معكَ من القرآنِ شيء؟. قال: معي سورةُ كذا وسورةُ كذا. قال: أَنْكَحْتُكَهَا بما مَعَك من القرآن! ". هذه المرأةُ وهبتْ نفسَها للنبيِّ ﷺ ، بمعنى أَنها فَوَّضَتْ أَمْرَها إِليه، لأَنه إِمامُ المسلمين، وهو أَوْلى بهم من أَنفسِهم، وصَرَّحَ القرآنُ بذلك، قال تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) . عندما فَوَّضَتْ أَمْرَها إِليه قالَتْ له: فَرَ فيها رَأْيَك! وليس معنى هذا أَنها رَمَتْ نفسَها عليه، وأَنها هَويَتْه وعشقَتْه، وطلبَتْ منه أَنْ يتزوَّجها، إِنما فوَّضَتْه في التصرُّف المناسب، وأَعَادَتْ عليه الكلامَ ثلاثَ مرات، فطلبَ رجَلٌ من المسلمين أَنْ يُزَوِّجَه إِياها، لأَنه وَليُّ أَمْرِها، فطَلَبَها منه كما يطلبُ أَيُّ خاطبٍ البنتَ من أَبيها، فزوَّجها له بما معه من القرآن!. أَينَ هذا من اتِّهامِ الفادي المفترِي الرسولَ ﷺ بالهوى والشهوةِ، وهو لم يتزوَّجْ تلك المرأة، إِنما زَوَّجَها لأَحَدِ أَصْحابه؟. ب - استدلَّ الفادي المفترِي على أَنَّ المسلمينَ مُتَّبعون لأَهوائِهم وشهواتِهم: بأَنَّ النبيَّ ﷺ وَعَدَهم بالاستمتاعِ الجنسيّ بالحورِ العينِ في الجنة! قال: " كما أَنَّ محمداً جعلَ نِكاحَ النساءِ أَمَلَ المستقبلِ في الجنة، فقال:

стр. 541

(حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ) .. (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) .. (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ) . الفادي وأَهْلُ ملَّتِه يُؤْمنون بأَنَ نَعيمَ الجنةِ معنويّ وليس ماديّاً، فليس في الجنةِ طَعامٌ ولا شرابٌ ولا استمتاعٌ بالنساء! ولذلك اعتبرَ حديثَ القرآنِ عن نساءِ الجنةِ من بابِ إِغراءِ المسلمين بذلك، لأَنهم مُتَبِعون للهوى. أَما نحنُ المسلمين فإِنَنا نؤمنُ أَنَّ نعيمَ الجنةِ مادّيّ ومعنوي، ففيها طَعامٌ وشَرابٌ واستمتاعٌ بالنساء، وفيها قُصورٌ وأَثاث، وأَرائكُ ولباس، وفيها بساتينُ وجنات، وفيها فوق هذا كُلّه رضوانٌ من اللهِ عليهم، وسَعادَةٌ غامرةٌ تَملأُ حياتَهم " قال تعالى: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) . وهم لم يَدْخُلوا الجنةَ إِلّا بعدما صَدَقوا مع اللهِ في الدنيا، وأَحسنوا عبادَتَه، ونَهوا نُفوسَهم عن الهوى والشهوةِ في الدنيا " قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) . أحد عشر: التناقض في الخمر بين الحل والحرمة: كيفَ حَرَّمَ اللهُ الخمرَ في الدنيا، وأَباحَها للمؤْمنين في الجَنَّة؟ اعتبرَ الفادي هذا تَناقُضاً في القرآن. ذَكَرَ الآيةَ التي حَرَّمت الخمرَ في الدُّنيا، وهي قولُ اللهِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) . وذَكَرَ مُقابِلَها الآيةَ التي أَباحت الخمرَ في الآخرة، وهي قولُ اللهِ : (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى..) وذكر بجانبها قوله تعالى عن شرب المؤمنين الخمر فىِ الجنة، وهي قوله تعالى: (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) .

стр. 542

ولا تَناقُضَ بين حديثِ القرآنِ عن حرمةِ الخمرِ في الدنيا وإِباحتِها في الآخرة، لأَنَّ خمرَ الدنيا ليستْ كخمر الجَنّة. خمرُ الدنيا من أَسلحةِ الشيطانِ في إِغواءِ وإِفسادِ الناس، وإِيقاعِ - العَداوةِ والبغضاءِ بينهم، قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) . وخمرُ الدنيا تذهبُ بعقولِ شاربيها، فعندما يَسكرونَ يَفقدونَ السيطرةَ على أَقوالِهم وأَفعالهم، ولذلك حَرَّمَها اللهُ على الناس. وخمرُ الجنة منزهةٌ عن هذه العيوبِ والمفاسد، فلا سُلطانَ للشيطانِ عليها في الجنة، وهي لا تَغتالُ عُقولَ شاربيها المؤمنين، قال تعالى: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) . وقال لعالى: (وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) . فالخمرُ السيئةُ التي حَرَّمَها اللهُ في الدنيا أُمُّ الخبائث، وهي غيرُ الخمرِ الطيبةِ التي أَباحَها اللهُ للمؤمنينَ في الجنة. فلا تَناقُض بين حرمةِ هذه وإِباحةِ تلك!!. ثاني عشر: بين النهي عن إيذاء الكفار والأمر بقتالهم: زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآنَ مُتناقضٌ في حديثِه عن الكافرين، وفي توجيهِ المسلمين إِلى كيفيةِ التعاملِ معهم، فأَوردَ خمسَ آياتٍ تَنْهى عن إِيذاءِ الكفار، وتأمرُ المسلمين بحسنِ معاملتِهم، وأَوردَ في مقابِلِها خمسَ آياتٍ تتناقضُ معها، وتأمرُ المسلمينَ بقتالِ الكفارِ وقَتْلِهم: أ - نهى اللهُ النبيَّ ﷺ عن إِيذاءِ الكفار، قال تعالى: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨) . الآيةُ محكَمة، وهي تَنهى عن إِيذاءِ الكافرين والمنافقين، صَحيح، لكن مَنْ هم الذينَ تَنهى الآيةُ عن إِيذائِهم، إِنهم الكافرونَ والمنافقونَ الذين

стр. 543

لا يُؤذونَ المسلمين، ولا يَتَآمرون عليهم، ولا يُحاربونَهم، وإِنما هم مُوادِعونَ مُسالِمون ساكتون، ومن المعلومِ أَنَّ إِيذاءَ المسالمِ الساكنِ عدوانٌ عليه، وهذا محرمٌ في الإِسلام. ولا ننسى أَنَّ الآيةَ التي نهتْ عن إِيذاءِ الكافرين والمنافقين، نَهَتْ أَيْضاً عن طاعتِهم ومتابعتِهم وموافقتِهم على باطلِهم، ولا بُدَّ أَنْ نجمعَ بينَ جملتي الآية، ولا يَجوزُ أَنْ نُلغيَ الجملةَ الأولى ونُبقي الجملةَ الثانية: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ) . ب - أَوردَ الآيةَ التي تَنْهى عن الإِكراهِ في الدين؟ قال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) . تَنهى الآيةُ إِكْراهَ أَي كافرٍ على الدخولِ في الدينِ الإِسلامي، لأَنَّ الدخولَ في الإِسلامِ لا بُدَّ أَنْ يكونَ عن اقتناع. لكن لا يعني هذا أَن لا نَدْعوه للإِسلام، فلا بُدَّ أَنْ نُفَرقَ بين الدعوةِ والإِكراه ... يَجبُ علينا أَنْ نَدعوَ كُلَّ كافرٍ للدخولِ في الإِسلام، مهما كان دينه، لأَن الإِسلامَ دعوةٌ للعالمين جميعاً. وعندما نوجِّهُ له الدعوةَ نكون قد أَدَّيْنا الواجبَ الذي علينا، فإِن استجابَ للدعوة واعتنقَ الإِسلام، فازَ وأَفْلح، وإِنْ رفضَ الدعوةَ وأَصَرَّ على كفره كان من الخاسرين، ونحن لا نُكرهُه على الإِسلام، ولا نُؤْذيه لِكفرِه طالما هو متوقّفٌ عن إِيذائِنا، فإِنْ آذانا دَفَعْنا الإِيذاء. جـ - أَوردَ الآيةَ التي تُرشدُنا إِلى مساعدةِ الكفار مالِياً، قال تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) . ليسَ علينا هدى الكفار، لكن بَعْدَ أَنْ نُوَجِّهَ لهم الدعوةَ، ونُقدمَ لهم المساعدةَ الماليةَ إِذا كانوا محتاجين، وهذا بعدَ أَنْ يُعْلِنوا خُضوعَهم لسلطانِ

стр. 544

المسلمين، بدفْعِ الجزية، ويَكُفّوا أَيديهم عن إِيذاءِ المسلمين. ومن روائع ما يُروى عن أَميرِ المؤمنين عمرَ بنِ الخطاب ﵁ أَنه رأَى نصرانياً عَجوزاً هَرِماً محتاجاً، فأَمَرَ بإِعطائِه مساعدةً من بيتِ مالِ المسلمين، وقال: ما رحمْنا الرجلَ إِذا أَخَذْنا منه المال - الجزية - شابّاً، وتخلَّينا عنه وهو هَرِم!. د - زَعَمَ الفادي أَنَّ اللهَ أَمَرَ المسلمينَ بتَرْكِ الكفارِ وشأنهم، واستدلَّ على ذلك بقوله تعالى: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠) . وهذا استدلالٌ باطلٌ، فإِنَّ الآيةَ صريحةٌ في دعوتِهم للدخولِ في الإِسلام، قال تعالى: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ) . إِنه لا يتركُهم وشأْنَهم، وإِنما يُحاججُهم ويُحاجّونَه، ويُكَلِّمُهم ويُكَلِّمُونَهُ، فإِنْ لم يَسْتَجيبوا له صارحَهم بإِسْلامِه، وهو يَدْعوهم دعوةً صريحةً للدخولِ في الإِسلام: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ) . فإِنْ رَفَضوا الدعوةَ وأَصَرّوا على الكفر، أَيْقَنّا أَنهم كافِرون خاسِرون هالِكون، وإِنْ كَفُّوا أَيديَهم عن إِيذائِنا تَرَكْناهم وشأنهم. واستدلَّ أَيضاً على تركِ الكافرين بقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧) . وهذا استدلال باطل أَيضاً، لأَنَّ الرسولَ ﷺ مأمورٌ بتبليغِ الكفارِ الدعوة، وإِقامةِ الحجةِ عليهم، فإِنْ رَفَضوا الدعوةَ تركَهم وشأنَهم، ويكونُ قد قامَ بواجبِه، ولم يجعَلْه اللهُ حَفيظاً ولا وكيلاً عليهم، ولم يأمُرْه بقذْفِ الإِيمانِ في قلوبِهم، لأَنَّ هذا بيدِ الله. واستدلَّ الفادي الجاهلُ أَيضاً على وجوبِ تركِ الكافرين وشأنهم بقولِه

стр. 545

تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) . لا تَنفي الآيةُ وُجوبَ دعوةِ الكفارِ للإِسلام، فإِنّ هذا واجبٌ على الدعاةِ، إِنما تَنفي إِكراهَ الكفارِ على الإِيمان، لأَنه لا إِكراهَ في الدينِ، وبعدَ تبليغِ الدعوةِ وإِقامةِ الحجةِ يُتْرَكُ الكفارُ وشأنهم. هـ - أَمَرَ اللهُ المسلمين بدعوةِ الكفارِ إِلى سبيلِ اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، وأَوردَ الفادي قولَه تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) . والآيةُ محكمة، وتوضحُ لنا أُسلوبَ الدعوة، وكيفيةَ التعاملِ مع الآخَرين، وتقديمِ الدعوة لهم، وإِقامةِ الحجةِ عليهم. وأَوردَ الفادي المفترِي خمسَ مَجموعاتٍ من الآياتِ، اعْتَبَرَها متناقضةً مع المجموعاتِ السابقة، ولذلك اتهمَ القرآنَ بالتناقض. ١ - أَمَرَ اللهُ النبيَّ ﷺ بتحريضِ المؤمنين على قِتالِ الكافرين، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ..) . واعتبرَ الفادي الآيةَ متناقضةً مع الآيةِ التي تَنْهى عن إِيذاءِ الكافرين، وهي قولُه تعالى: (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) . ولا تَناقُضَ في الحقيقةِ بينَ النهيِ عن إِيذاءِ الكافرين، والأَمْرِ بالتَّحريضِ على قِتالِهم، لأَنَّ الكفارَ نوعان: النهيُ عن الإِيذاءِ ينطبقُ على نوعٍ من الكفار، وهم الكفارُ المسالمونَ المحايدون، الذين لا يَتآمرونَ على المسلمين ولا يُحاربونهم. أَمَّا الأَمْرُ بقتالِ الكفارِ فإِنه ينطبقُ على نوعٍ آخرَ من الكفار، وهم الذين يَتَآمَرونَ على المسلمين ويُحاربونَهم، ويَطْعَنونَ في دينِهم، ويَمنعونَ دعوتَهم، ويَفْتِنون الناسَ عن الإِسلام.

стр. 546

٢ - لا تَناقُضَ بين قولِه تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) ، وبينَ قولِه تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) . تمنعُ الآيةُ الأُولى إِجبارَ الكفارِ على اعتناقِ الإِسلام، لأَنَّ الإِسلامَ لا يَقبلُ الإِكراهَ والإِجبار، ولا بُدَّ من أَنْ يَقتنعَ الإِنسانُ بالإسلامِ قناعةً خاصّة، ينتجُ عنها اعتناقُه الإِسلام، ولكنَّ عَدَمَ إِكراهِهم على اعتناقِ الإِسلام لا يُلْغي وُجوبَ دعوتهِم للدخولِ فيه، فعلى الدعاةِ أَنْ يَدعوهم لهذا الدين، لأَنه رسالةٌ عالمية، ودينُ اللهِ للعالَمين جَميعاً، فإِنْ رَفَضوا الدعوةَ وأَصَرّوا على كفرِهم تركْناهم وشأْنَهم، وحسابُهم عند اللهِ، على أَنْ يَخْضَعوا لسلطان المسلمين. فإِذا وَقَفَ الكفارُ أَمامَ الدعاة، ومَنَعوهم من أَداءِ واجبِ الدعوةِ، وفتنوهم وآذوهم وعَذَّبوهم واضطهدوهم، كانوا هم المعْتَدين الظالمين، وعند ذلك أَباحَ لنا اللهُ مواجَهَتهم، وأَمَرَنا بقتالِهم، والدفاعِ عن الناسِ المعَذَّبين المفتونين الذينَ تحتَ سُلطانِهم! وإِذا تَركوا الدعاةَ يَدْعونَ ويتحركون، ولم يَتَعَرَّضوا لهم بفتنةٍ ولا إِيذاء - وهذا نادراً ما يحصلُ من الكفار - فإِنهم لا يُقاتَلون. ٣ - لا تَناقُضَ بين تقديمِ الأَموالِ والمساعداتِ للكفار، الذي أَشارَ له قولُه تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) ، وبينَ الأَمرِ بقتالِهم حتى يَدفعوا الجزيةَ، الذي وَرَدَ في قولِه تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) . فإِنَّ القتالَ مُوَجَّهٌ للكفارِ المقاتلينَ المحاربينَ المعتدينَ على المسلمين، المتآمِرين عليهم، وهم يُقاتَلونَ لأَنهم هم البادئونَ بالعُدوانِ والقتال، والبادئُ أَظلم.. فإِذا هُزِمَ الكفارُ المقاتِلون فلا بُدَّ أَنْ يَخْضَعوا لسلطانِ المسلمين، ويَعْتَرفوا بقوَّتهم، والدليلُ على ذلك دفعُ الجزيةِ لهم، وهذه الجزيةُ على القادرين منهم، يَدْفَعونَها للمسلمين مقابلَ حمايتِهم لأَنفسِهم ودمائِهم وأَموالِهم، ودفاعِهم عنهم.

стр. 547

وإِدْا كان هؤلاء الكفارُ المسالمونَ مُحتاجين إِلى المال، وَجَبَ على المسلمين تَقديمُ المساعدةِ لهم، وهم مأجورونَ على ذلك: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) . ٤ - لا تناقُضَ بين تركِ الكفار وشأنِهم الذي قد يُؤْخَذُ من قوله تعالى: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) ، ولا بين ملاحقتِهم والأَمْر بقتالِهم، الذي وَرَدَ في قولِه تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) . إِنَّ تركَهم وشأنَهم يكونُ بعد تقديمِ الدعوةِ الإِسلاميةِ لهم، وإِقامةِ الحجةِ عليهم، فإِنْ أَصَرّوا على كُفْرِهم، تَرَكَهُم المسلمون وشَأنَهم، بشرطِ أَنْ لا يَتَآمَروا على المسلمين، ولا يَقِفوا أَمامَ دينِهم، ولا يَطْمَعوا فيهم، وهذا ما تُقررُه آيةُ سورةِ يونس. أَما إِذا تآمَرَ الكفارُ على المسلمين، وحارَبوهم، أَو فَتَنوهم عن دينهم، ونَشَروا بينهم الكفرَ والفساد، فإِنهم يكونونَ مُعْتَدين على المسلمين، وعند ذلك يُقاتِلُ المسلمون هؤلاء الكفارَ المُعْتَدين الظالمين، وهذا ما تصرحُ به آيةُ سورةِ النساء، فهي تتحدثُ عن صنفٍ خاصٍّ من الكفار، وهم الذين قالَتْ عنهم: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) . إِنهم يَحرصون على كفرِ المسلمين، ويَنشرونَ بينهم الكفر والانحراف، ليستووا معهم، فإِن لم يَتَوقَّفوا عن هذا العدوان وَجَبَ على المسلمين قِتالُهم وأَخْذُهم: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) . ٥ - لا تَناقُضَ بين وُجوب دعوةِ الكفارِ بالحسنى، الذي وَرَدَ في قولِه تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ، وبينَ الأَمْرِ بقتالِهم، الذي وَرَدَ في قوله تعالى:

стр. 548

(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) . إِنَّ الدعوةَ هي أَولُ ما يُوَجَّهُ إِلى الكفار، وهي لا تَكونُ إِلّا بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، فإِنْ رَفَضوا الدعوة، وقاموا بقِتالِ المسلمين وَجَبَ على المسلمين قِتالُهم لأَنهم معتدون ظالمون. وكم كان الفادي مُفْتَرِياً عندما اعتبرَ قِتالَ الكفارِ المقاتِلينَ دعوةً بالسيف، علماً أَنَّ السيفَ لم يكنْ يوماً أُسلوباً من أَساليبِ الدعوةِ إِلى الإِسلام، لأَنه يَهدفُ إِلى تحطيمِ قوةِ الكفارِ العسكرية، التي يُحارِبونَ بها الإِسلام والمسلمين، ويَحرمونَ شعوبَهم من نورِ الإِسلام، وعندما يَتحققُ هذا الهدفُ بالقتالِ وتَتحطمُ قوةُ الكفارِ العسكرية، ويَخضعونَ لسلطانِ المسلمين، يتوقَّفُ المسلمونَ عن قتالِهم وقَتْلِهم، ويتوجَّهون إِلى شعوبِهم بالدعوة، التي لن تكونَ إِلَّا بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة. وكان الفادي كاذباً على رسولِ اللهِ ﷺ ، عندما قالَ عنه: " لهذا فَتَكَ محمدٌ بمعارضيه في الدين، مثلُ كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ، وأَبي عَفْك، وأَبي رافعِ بنِ أَبي عَقيق ". إِنه لا يُحسنُ قراءةَ الأَسماء، فالثاني ليس " أَبا عَفْك الشيخ "، وإِنما هو " ابنُ أَبي عَفْك "، والثالث ليس: " أَبا رافع بنِ أَبي عَقيق "، وإِنما هو: " أَبو رافع بنُ أَبي الحقيق ". ولقد أَمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ بقَتْلِ هؤلاءِ الثلاثة - وآخرينَ غيرِهم مَعْروفين في كتبِ السيرة - ليس لأَنَّهم كُفارٌ مُعارِضونَ له في الدين، فقد كان كُفار كَثيرون يُعارضونَه في الدّين، ويَسْتَحِبّونَ الكفرَ على الإِيمان، ومع ذلك لم يَقْتُلْهم، وكان منهم منافقون مثلُ عبدِ الله بن أُبَيّ، وكان منهم يهودٌ مثلُ كَعْبِ بنِ أَسَد، زعيمِ يهودِ بني قريظة، الذي عَقَدَ معه رسولُ اللهِ ﷺ عَهْداً، ومثلُ حُيَيِّ بنِ أَخْطَب زعيمِ يَهودِ بني النضير، الذي عَقَدَ معه رسولُ الله ﷺ عهداً آخر.

стр. 549

قَتَلَ رسولُ اللهِ ﷺ هؤلاء الكفارَ الثلاثة: ابنَ الأَشرف، وابنَ أَبي عفك، وابنَ أَبي الحقيق، لأَنهم تآمَروا على المسلمين، وجَيَّشوا الجيوشَ ضدَّ المسلمين، وحَرَّضوا الآخَرين على قتالِهم، وشَنّوا على المسلمينَ حَرْباً إِعلاميةً شَعْواء، وبذلك كانوا مُعْتَدين، فَقَتَلَهم لعدوانِهم وليس لمجرد كفرِهم، كذلك قَتَلَ ابْنَ أَخطب وابْنَ أَسَد لأَنهما نقضا عَهْدَهما معه، وحارَباه مع جنودِ الأَحزاب. " ثالث عشر: هل نجا فرعون أم غرق ؟ : زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآنَ تَناقَضَ في حديثِه عن نهايةِ فرعون، فذكَرَ في سورتي الإِسراءِ والقَصصِ أَنه غَرِقَ مع جنودِه في اليَمّ، وذَكَرَ في سورةِ يونس أَنَّ اللهَ نَجَّاه ببدنِه.. فهل نَجا أَمْ غَرِق؟!. كانَ القرآنُ صَريحاً في إِخبارِه عن غَرَقِ فرعونَ مع جنودِه، وأَوردَ الفادي آيتَيْن صريحتَيْن بذلك، هما: قولُه تعالى: (فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) . وقولُه تعالى: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) . والآيةُ التي لم يَفهم الفادي مَعْناها لجهْلِه، فاعْتَبَرَها إِخباراً عن نجاةِ فرعونَ من الغرقِ هي قولُه تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢) . دليلُ عدمِ موتِ فرعونَ ونجاتِه من الغرقِ في نظرِ الفادي الجاهلِ جملَةُ: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ) ، أَيْ: أَنَّ اللهَ أَنْقَذَهُ من الغَرق، ونَجّاه ببدَنِه وروحِه

стр. 550

وعادَ إِلى شعبه مَلِكاً عليهم! وهذا فهمٌ خاطئ يَدُلُّ على جهلِ الفادي بلغةِ القرآن. تتحدَّثُ آياتُ سورةِ يونس عن اللحظاتِ الأَخيرةِ من حياةِ فرعون.. لما لحقَ فرعونُ وجنودُه موسى ﵇ وأَتْباعَه، وأَنْجى اللهُ موسى ومَنْ معه، ودَخَلَ فرعونُ وجنودُه الطريقَ اليَبَسَ في البحر، أَطبقَ اللهُ عليهم البحر، وصاروا تحتَ الماء، فأَهلكهم الله. أَمّا فرعونُ فلم يكتفِ القرآنُ بذكْرِ وفاتِه، وإِنما ذَكَرَ اللحظاتِ الأَخيرةَ من حياتِه، قبلَ خروجِ روحِه، وذِكْرِ ماذا قالَ وماذا قيلَ له.. أَطبقَ اللهُ عليه الماءَ، وصارَ هو تحتَ الماء، ولما أَدركَه الغرق وأَحاط به من كُلِّ جانب، وأَيقنَ بالموت، أَعلنَ إِيمانَه بالله، الذي حارَبه وهو في قمةِ مُلْكِه: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) . وكان بجانِبه الملائكةُ الموكَّلون بقبضِ روحه، وسَمعوهُ وهو يُعلنُ إِيمانَه، وأَحَبّوا أَنْ يُشْعِروهُ بخسارتِه، ليزدادَ نَدَماً وخِزْياً قبلَ موتِه، فأَمرهم اللهُ أَنْ يقولوا له: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً..) . والمعنى: آلآنَ أَعلنتَ إِيمانَك يا فرعون؟! لقد جاءَ إِيمانُك متأَخِّراً، ولو جاءَ في وقتِه المناسبِ لقُبِلَ منك، أَما الآنَ فإِنه لَنْ يُقبلَ منك، وستموتُ تحتَ الماء، وسنُنَجيك ببدنِكَ بعدَ خروجِ روحِك، ولن يَسقطَ بدنُك في قاعِ البحر، ولن يكونَ طعاماً للسَّمك، وسنأْمُرُ موجَ البحرِ أَنْ يَقذِفك على شاطئ البحر، وسيَرى الناسُ بدنَك الهامدَ على الشاطئ، فتكونُ لمن خَلْفَك آيةً وعبرة، ودلالةً على أَنك مخلوق ضعيف، ولستَ إِلهاً وربَّاً للناس. ونجَّى اللهُ بَدَنَ فرعونَ بعدَ خروجِ روحِه وموتِه، ولم يَسقطْ بدنُه في قعرِ البحر، ولم تبتلِعْه الأَسماك، وأَمَرَ الموجَ أَنْ يقذفَه على الشاطئِ، ومَرَّ به رجالُ دولتِه، وشاهَدوه جُثَّةً هامدة، وأَيْقَنوا أَنه ماتَ تحتَ الماء، وأَنَّ بَدَنَه

стр. 551

على الشاطئ، أَخذوه وحَنَّطوه، ووَضعوهُ فِي تابوتِهِ، ودَفَنُوهُ في مدافنِ الملوك في وادي طيبةَ عاصمتهم. واكتشفَ علماءُ الآثارِ جُثَّتَه، واسْتَخْرَجوها من المدافن، وعُرِضَتْ في متحفِ الآثار، وأَبقى اللهُ جثةَ فرعونَ آيةً على مدارِ القرون، وما زالتْ آيةً تنشرُ دروسَها وعِبَرَها بعد مرورِ آلافِ السنين على موتِ صاحبها!. وبهذا نعرفُ التوافقَ بين قولِه تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً) ، وقوله تعالى: (فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا) . رابع عشر: السماء والأرض أيهما خلقت أولاً ؟ : زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآنَ مُتناقضٌ في حديثِه عن خَلْقِ السماءِ والأَرض، ففيه آياتٌ تُخبرُ أَنَّ الأَرضَ خُلِقَتْ أَولاً، وفيه آياتٌ تُخبرُ أَنَ السماءَ خُلقتْ أوَّلاً. فأَيهما خُلقتْ أَولاً؟. سَجَّلَ الفادي آياتٍ من سورةِ فُصِّلَتْ، على أَنَّ اللهَ خلقَ الأَرضَ أَوَّلاً. قال تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) . وسجلَ مقابلَها آياتٍ من سورةِ النازعات، على أَنَّ اللهَ خلقَ السماءَ أَوَّلاً. قال تعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣) . وانطلاقاً من القاعدةِ اليقينيةِ من أَنه لا تَناقُضَ في القرآن، فمن الواجبِ إِمعانُ النظرِ في هذه الآيات، والجمعُ بينها، وإِزالةُ التناقضِ الظاهري عنها. توحي لنا آياتُ القرآنِ على أَنَّ خَلْقَ السمواتِ والأَرضِ كان على مرحلتَيْن:

стр. 552

المرحلة الأولى: خَلْقُهُما خَلْقاً أَوَّليّاً، بدون تفصيلٍ أَو تَقْدير. خُلقت السماءُ أَوَّلاً، ثم الأَرضُ بعد ذلك، وهذا ما أَخبرتْ عنه آياتُ سورةِ النازعات، فهي صريحةٌ في أَنَّ اللهَ خَلَقَ السماء أَوَّلاً: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) .. ثم خَلَقَ الأَرضَ بعد ذلك: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) . المرحلة الثانية: تقديرُ وتَفصيلُ وترتيبُ السمواتِ والأَرض. وكانَ هذا في الأَرضِ أَوَّلاً، ثم صارَ في السماءِ بعد ذلك، وهذا ما أَخبرتْ عنه آياتُ سورةِ فصلت. فاللهُ خَلَقَ الأَرضَ في يومين: (أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) وفَصلَها وقَدَّرَها، وجعلَ فيها جبالَها وأَنهارَها، وقَدَّرَ فيها أَقواتَها، في يومَيْن آخرين، فكانَ مجموعُ خَلْقِ الأَرض أَربعةَ أَيام: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) . وبعدما تَمَّ تَفصيلُ وتَرتيبُ خَلْقِ الأَرص، استوى اللهُ إِلى السماء، فسوّاهُنَّ سبعَ سمموات، وذلك في يومين: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا) . ويمكنُنا أَنْ نقولَ في ترتيبِ خَلْقِ السمواتِ والأَرض: السماءُ، ثم الأَرض. وأَنْ نقولَ في تفصيلِ خلْقِهما: الأَرضُ، ثم السماءُ ... أَيْ: سماء، أَرض.. ثم: أَرض، سماء.. خامس عشر: هل القرآن محكم أو متشابه ؟ : زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآنَ متناقضٌ في إِخبارِه عن طبيعتِه، فأَخبرَ أَنه مُحْكَمٌ مُبينٌ واضح، وأَخبرَ في موضعٍ آخرَ أَنه متشابه!. سَجَّلَ آيةً تُخبرُ أَن القرآنَ مُبين، وهي قوله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) . وسَجَّلَ مقابلَها آيةً تُخبرُ أَنَّ القرآنَ متشابه، وهي قولُه تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) .

стр. 553

إِنَّ الذي يُقابلُ التشابهَ هو الإِحكامُ وليسَ الإِبانة، فنقول: هو مُحْكَم، في مقابلِ قولِنا: هو مُتَشابه. فَوَضْعُ الفادي " المبينَ " مقابل " المتشابه " دَليلُ جهلِه باللغةِ العربيةِ ومصطلحاتِ القرآن. فالقرآنُ كُلّه مُبين، أَيْ: كُلُّهُ واضحٌ ظاهرٌ مَفهومٌ بَيَنٌ للناس. أَما الإِحكامُ فهو الإِتقانُ والإِجادةُ والدقة، وحُسْنُ الترتيب والتفصيل، والقرآنُ كُلُّه مُحْكَمٌ مُتقنٌ مفصَّلٌ بهذا الاعتبار؟ قال تعالى: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) . وأَمّا التشابهُ فهو التماثلُ والتَّساوي، يقال: فُلانٌ يُشْبِهُ فُلاناً، أَيْ: هو يُماثلُه ويُساويه، فَهما مُتَماثِلان مُتَشابهان. والقرآنُ كُلُّه متشابهٌ بهذا المعنى، لأَنَّ سُوَرَهُ وآياتِه متماثلة، متساويةٌ في الوضوحِ والبيان، والفصاحةِ والبلاغة، وفي الدلالةِ على أَنها من عندِ الله. وصَرَّحَ القرآنُ بأَنه كُلَّه متشابهٌ بهذا المعنى للتشابه. قال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) . وللتّشابهِ معنى آخر هو: الاشْتِبَاه، بمعنى أَنَّ القارئَ يَقَعُ في اشتباهٍ وشُبْهَة، ويَختلطُ عليه الأَمْرُ، ويَلتبسُ عليه المعنى، بسببِ لَبْسٍ في الكلامِ الذي أَمامه، وغُموضٍ في معناه. وفي القرآنِ بعضُ الآيات ِ المتشابهاتِ بهذا المعنى، كما وَضحَتْ سورةُ آلِ عمران: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) . وتُشيرُ الآيةُ إِلى أَنَّ مُعظمَ آياتِ القرآنِ محكمات، أَيْ واضحاتُ الدلالة على المعنى، لا تَحتاجُ إِلى آياتٍ أُخرى لحُسْنِ فهم المعنى، وهذه الآيات ُ المحكماتُ هُنَّ أُمُّ الكتاب، وأَصْلُه الذي لا بُدَّ أَنْ يُعادَ كُلُّ شيء إِليه.

стр. 554

كما تشيرُ الآيةُ إِلى أَنَّ بعضَ آياتِ القرآنِ متشابهات، وهذه الآياتُ المتشابهاتُ قليلةٌ بجانبِ المحكمات. وسَببُ التشابهِ في الآياتِ القليلةِ المتشابهةِ هو " الغموضُ المقصود " في معناها، واللَّبْسُ الذي قد يَقَعُ فيه بعضُهم عندما ينظرُ فيها، كما فَعَلَ هذا الفادي الجاهلُ في تناقضاتِه الخمسة عشر التي زَعَمَ وُجودَها في القرآن، والتي نَقَضْناها في هذا المبحث. وأَخبرت الآية ُ عن اختلافِ نظرةِ الناسِ للآياتِ المتشابهات، فقالت: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) . (الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) : هم الذين يَبحثونَ عن الشبهاتِ والإِشكالات، ويُريدونَ اتباعَ الباطل، ويَهدفونَ إِلى فتنةِ الناس، من أَمثال هذا الفادي الجاهلِ مريضِ القلب، هؤلاءِ يَتَّبعونَ الآياتِ المتشابهاتِ لتحقيقِ أَهدافِهم المريضة. (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) : هم المتمكِّنونَ من العلم، الذين يُحسنونَ فَهْمَ القرآن، ولذلك يَحْملونَ الآياتِ المتشابهاتِ القليلةِ على الآياتِ المحكماتِ الكثيرة، التي هي أُمُّ الكتابِ وأَصْلُ المتشابهات، ويَخرجونَ من ذلك بزيادةِ الإِيمانِ واليقين، ويُعْلنونَ ذلك قائلين: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) . أَيْ: آمَنَّا بالقرآن، وأَيْقَنّا أَنه كَلامُ الله، وكُلٌّ من آياتِه المحكَماتِ والمتشابهاتِ من عندِ ربنا. وبالمثال يَتَّضِحُ المقال: قال اللهُ عن عيسى ابنِ مريم ﵇: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) . في معنى هذه الآيةِ لَبْسٌ وغُموض، فما معنى قول اللهِ له: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) ؟ قد يَحتجُّ بها اليهودُ على أَنهم صَلَبوا عيسى ﵇ وقَتَلوه، وقد يحتجُّ بها النَصارى على أَنَّ عيسى ﵇ قُتِلَ وصلِبَ، ودينُهم يقومُ على

стр. 555

الصَّلْب، وشعارُه الصليب.. وقد يقولُ لنا قسّيسٌ جاهِلٌ مثلُ هذا الفادي: لماذا لا تُصَدّقونَ قرآنَكم أَيها المسلمون، وهو يُصرحُ بأَنَّ عيسى توفَّاهُ الله، ومعناهُ أَنه ماتَ، وخرجَتْ روحُه على الصليب!!. نقولُ لهؤلاء: حتى نَفهمَ هذه الآيةَ التي فيها تَشابُهٌ ولَبْس وغموض، لا بُدَّ أَنْ نَحملَها على آيةٍ محكَمَة، هي لها أُمٌّ وأَصْلٌ، لإزالةِ لَبْسِها وغُموضِها " وهي قول الله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) . إِنّنا نوقنُ بما صرَّحَتْ به هذه الآية ُ المحكَمَة، من أَنَّ اليهودَ لم يَقْتُلوا عيسى ﵇ ولم يَصْلُبوه، والذي قَتَلوهُ وصَلَبوهُ شخْصٌ آخرُ شُبِّهَ لهم، ورَفَعَ اللهُ عيسى حَيّاً إِلى السماء، بروحِه وجِسْمِه، وهو الآنَ حَيٌّ عندَ الله، بروحِه وجِسْمِه. وعندما نَحْملُ قولَه: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) على قوله: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) نقول: المرادُ بالتَّوَفّي هو القبضُ والتَّغييبُ، وذلك عن طريقِ النوم، أَيْ: أَلْقى اللهُ على عيسى ﵇ في تلك الليلةِ النَّوْمَ، وتوفَّاهُ وهو نائم، أَيْ غَيَّبَهُ وقَبَضَه وهو نائم، ورفَعَهُ إِليه وهو مُتَوفّى نائمٌ. *** حول التكرار في القرآن أَثارَ الفادي الجاهلُ إِشْكالاً حولَ التكرارِ في القرآن، تحتَ عنوان " الكلامُ المتكرر "، واعتبرَ هذا الكلامَ عَيْباً وخَلَلاً، وداعياً إلى المَلَل، وقالَ في آخِر اعتراضِه: " ونحنُ نسأل: أَليسَ في هذا التكرارِ عيبُ الخَلَلِ والملل، والبُعْدُ عن ضُروبِ البلاغة؟ " (١) .

стр. 556

اعترضَ على تكرارِ قولِه تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) في سورة الرحمن، حيث ذُكرت الآيةُ إِحدى وثلاثين مرةً. وهذا ليسَ تِكراراً في الحقيقة، وإِنما هو " تَنْويعٌ " في العرض، وفَرْق بين التكرارِ والتنويع، فالتكرارُ هو إِعادَةُ الآيةِ أَو القصةِ أَو الموضوعِ مرةً أُخرى، بدونِ إِضافةٍ معلومةٍ أَو جملةٍ أَو كلمة، وبدونِ هدفٍ وغَرَضٍ جَديد. وهذا التكرارُ عيبٌ في التأليف، وضعفٌ في الأُسلوب، ودليلٌ على الخلل، والتدنّي في البلاغةِ والفصاحة، يُنَزِّهُ الكاتبُ البليغُ كلامَه عنه. ولذلك نقول: لا تكرارَ في القرآن. إِنّ الذي في القرآنِ هو التنويع، وذلك بأَنْ يُضيفَ القرآنُ الجديدَ في كُلِّ مَرَّةٍ يُعيدُ فيها ذِكْرَ القصةِ أَو الآيةِ أَو الجملةِ أَو الكلمة، إِما معلومةٌ جديدة، وإِما كلمةٌ جديدة، وإِمّا لهدفٍ جَديد، وإِمّا للتناسبِ مع سياق جديد.. وهذا ليسَ تكراراً كما زَعَمَ الفادي الجاهل، وإِنما هو تَنويع. إِنَّ قولَه تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) قد ذُكِرَ في سورةِ الرحمن إحدى وثلاثين مرةً، ولكنَّ هذه الآيةَ كانت تُذْكَرُ في كُل مرةٍ لهدفٍ جديد، وكانت متناسبةً مع الآياتِ التي سَبَتَتْها، وخاتمةً مناسبةً لها، لأَنَّ سورةَ الرحمن كُلَّها معرضٌ لآلاءِ اللهِ وبعَمِه، وكانت كُلَّما تَذكُرُ بعضَ نِعَمِ الله أَو أَفعالِه أَو الأَدلةِ على وحدانيتِه وعظمتِه تَختمُ ذلك بالآية: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) على اعتبار أَنَّ الموضوعَ الذي تتحدَّثُ عنه هو بعضُ آلاءِ الله.. فهي أَشبهُ ما تكونُ بلازمةٍ شعرية، كتلكَ اللّوازمِ الشعريةِ التي كانَت تُخْتَمُ بها رباعياتُ بعضِ القصائدِ الشعريةِ الموزونة. ولْنأخذْ على ذلك مثالاً من السورة: ذُكِرَت: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) في آية (١٨) لغيرِ الهدفِ الذي ذُكِرَتْ لأَجْلِه في آية (١٦) . إِنها في الآيةِ السادسة عشرة مرتبطةٌ مع الآياتِ التي قبلَها، والتي تتحدثُ عن خلقِ الإِنسِ والجن، قال تعالى: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) .

стр. 557

فهي تَذكيرٌ بنعمةِ خَلْقِ الإِنسِ والجِنَ. أَما في الآيةِ الثامنة عشرة فإِنها مسبوقة بقولِه تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) ، فهي بهدفِ التذكيرِ بمُلْكِ اللهِ لكلِّ ما في الكون، ومنه مُلْكُه للمشرقَيْن وللمغربَيْن. وهي في الآية (٢١) خاتمة لموضوع جَديد، وردَ في قولِه تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) . وهو التذكيرُ بنِعَمِ اللهِ وقدرتِه وعظمتِه، في خلقِ الماءِ العذبِ والماءِ المالح. وهكذا في باقي مَرّاتِ وُرودِها، فليسَ الأَمْرُ تَكراراً مُخِلّاً، كما زعَمَ الفادي الجاهل، وإِنما هو تَنويعٌ وإضافة. وانتقدَ الجاهلُ وُرودَ بَعْضِ قَصصِ القرآنِ في أَكثرَ من سورة، واعْتَبَرَ ذلك من التَّكرارِ المعنوي، قال: " وفي القرآنِ الكثيرُ من التكرارِ اللفظي، كما في سورةِ الرحمن، والتكرارِ المعنوي كما في قَصص الأَنبياء، فَضْلاً عما فيها من سَجْعٍ مُتَكَلَّفٍ ". وذَكَرَ بعضَ القَصصِ التي اعْتَبَرَها مُكَررَة، والسورِ المذكورةِ فيها كُلُّ قِصَّة، وهي: " قصة آدم، وقصة نوح، وقصة إبراهيم، وقصة لوط، وقصة موسى، وقصة سليمان، وقصة يونس - الذي سماه يونان، وقصة عيسى - صلى الله عليهم وسلم -. وكلامُ الجاهلِ باطل، وانتقادُه مردودٌ عليه، فهو يعيبُ ما لا عيبَ فيه، وهو يُخَطِّئُ الصَّوابَ، ويَنتقدُ الصحيح، وإِنَ ذِكْرَ القصةِ القرآنيةِ في أَكثرَ من سورةٍ ليسَ من بابِ التكرارِ المُمِلّ والمُخِلِّ، وإِنما هو من بابِ التنويعِ الهادف، والإِضافةِ الحكيمة، والتناسقِ المعجز. وعندما نتدبَّرُ المواضعَ المختلفةَ التي وَرَدَتْ فيها القصةُ القرآنية، فسنجدُ أَنَّ اللقطاتِ المعروضةَ من القصةِ متناسبة ومتناسقة ومترابطةٌ مع موضوعِ

стр. 558

السورة، ومعَ السياقِ الذي وردَتْ فيه، ومتصلةٌ بما قبلَها وما بعدَها، وتَلْتقي مع السياقِ في تحقيق أَهدافِه العلميةِ والإِخباريةِ والتربوية ... وفي كُلّ مرةٍ جديدةٍ تُعرضُ فيها بعضُ لقطاتِ القصةِ تكونُ فيها معلومةٌ جديدة، أَو فيها جزئيةٌ جَديدة، تضافُ للمعلومةِ المذكورةِ سابقاً. ولا يَتسعُ المجالُ لتفصيلِ القولِ في هذا الموضوع، ولا لعرضِ الأَمثلةِ التطبيقيةِ من القصصِ القرآني، فإِنَّ الكلامَ في هذا يَطول!. إِنَّ من الخطأ الكبيرِ أَنْ نَقولَ: تَكَرَّرَ ذِكْرُ قصةِ آدم - مَثَلاً - في سور: البقرة، والأَعراف، والحجر، وطه، وصَ. والواجِبُ أَنْ نقول: ما هو الجزءُ من القصةِ المعروضُ في سورةِ البقرة، وما الذي أَضافَتْهُ سورةُ الأَعرافِ على سورة البقرة، وما الذي ذَكَرَتْه سورةُ طه أَو الحِجْر أَو (ص) ، وما وَجْهُ الاتصالِ والارتباطِ بين المعروضِ في سورةِ الأَعراف - أَو أَيّةِ سورةٍ أُخرى - وبينَ موضوع السورة، والسياقِ الذي ورد فيه.. إِنَّ هذا التنويعَ الهادفَ الحكيمَ وَجْهٌ من وجوهِ الإِعجازِ القرآني، ومزيةٌ من مزايا القرآنِ العظيمة، وليس مَأخَذاً على القرآن. *** هل في القرآن من كلام الآخرين ؟ خَصَّصَ الفادي المفترِي الجاهلُ هذا المبحثَ من كتابه لاتِّهامِ القرآنِ بأَنَّه من تأليفِ محمد ﷺ ، وأَنه نَقَلَه عن كلامِ الآخرين، من العربِ واليهودِ والنَّصارى والفرسِ وغيرهم، فهو أَساطيرُ الأَوَّلين اكْتَتَبها. ولْننظرْ في اتِّهاماتِه التي أَوردَها تحتَ عنوانِ " الكلام المنقول "، لنرى سَخافَتَها وتَفاهَتَها، وجَهْلَ مَنْ أَطْلَقوها. سَجَّل في بدايةِ اتهاماتِه قولَه تعالى: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) .

стр. 559

ثم علق على الآيتَيْن تَعْليقاً فاجِراً قبيحاً، قال: "تدلُّ هذه الآية ُ على أَنَّ محمداً قال: إِنَّ القرآنَ نَزَلَ عليه وَحْياً مِن الله ... ولكنَّ مُعاصريه لم يَجِدوا في ما جاءَ به شيئاً جَديداً، فقالوا: إِنَّه جاءَ بأساطيرِ الأَولين، التي كانَ يَسمعُها، وكَتَبَها قرآناً. فهي ليستْ وَحْياً! لقد اقتبسَ محمدٌ أَشعارَ امرئ القيس، وأَقوالَ عمرَ بن الخطاب، وكُتُبَ جُهّالِ اليهودِ والمسيحيين، وكُتُبَ الفرسِ، وكُتُبَ الحنفاءِ، وغيرهم ... ". هكذا بجملةٍ فاجرةٍ يُلْغي هذا الفاجرُ الوحيَ والنبوةَ والرسالة، ويَعتمدُ اتهاماتِ الكفرةِ الفجرةِ السابقين، التي ذَكَرَها القرآن، ثم نَقَضَها وَرَدَّها، لكنه لكُفْرِه وفُجورهِ لا يَقْبَلُ رَدَّ القرآنِ عليها. قالَ الكفارُ عن آياتِ القرآن: هيَ أَساطيرُ الأَوَّلين، وقَصصُ السابقين وأَخبارُهم، طلبَ محمدٌ من الكُتّابِ أَنْ يكْتُبوها له، فَفَعَلوا وقَدَّموها له، وصارَتْ تُملى عليه في الصباحِ والمساء، فأَخَذَها منهم، وزعَمَ أَنها جاءَتْه وحياً من عندِ الله، وليس في المسألةِ وَحْيٌ ولا نبوَّة!!. وَرَدَّ اللهُ على هذا الاتهامِ بتقريرِ حقيقةِ الوحي، وتَأكيدِ أَنَّ القرآنَ كَلامُ الله (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) . واللهُ يَعلمُ السِّرَّ ويَعلمُ الجهر، لكنه ذَكَرَ هنا السِّرَّ دونَ الجهر، لأَنَّ إِنزالَ القرآنِ عن طريقِ جبريل ﵇، كان بطريقةٍ غيبيةٍ خفيَّةٍ سِرِّيَّة. والفادي الحاقدُ أَغفلَ عامداً كلامَ اللهِ الذي رَدَّ على اتِّهامِ الكفار، وأَبْقى كلامَهم مُعْتَمِداً له. ومن أَكاذيبهِ الصارخةِ المتهافتةِ قولُه عن الكفار: " ولكنَّ مُعاصِريه لم يَجِدوا في ما جاءَ به شَيْئاً جديداً ". أَيْ أَنَّ القرآنَ تكرارٌ لما قالَه السابقون، وتَرديدٌ لكلامِهم، وليس فيه أَيُّ شيء جديد! علماً أَنَّ القرآنَ لم يتأَثَّرْ بما كانَ حولَه من معارفَ وثقافاتٍ وخرافات، وكُلُّ ما أَتى به فهو جَديد، لم يُسْبَقْ إِليه.

стр. 560

أولاً: ماذا أخذ الرسول ﷺ من امرئ القيس؟ : زَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ الرسولَ ﷺ أَخَذَ بعضَ كلامِ الشاعرِ الجاهليِّ المشهورِ " امرئِ القَيْس "، وسَجَّلَه في القرآن، ونَسَبَه إِلى الله، وادَّعى أَنَّ اللهَ أَنزلَه عليه! وقَدَّمَ الغبيُّ دليلاً على دعْواه وزعْمِه أَبياتٍ ركيكة، ادَّعى أَنها لامرئ القيس، مع أَنها ليستْ له، وإِنما هي في غايةِ الضعفِ والركاكة، وشعْرُ امرئ القيس في غايةِ الفصاحةِ والبلاغة. ولْنقرأْ هذا الشعرَ الركيكَ، الذي صاغَه شاعِرٌ متأَخِّر، ونَسَبَه الفادي الجاهلُ إِلى امرئ القيس: دَنَت السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرْ ... عَنْ غَزالٍ صادَ قَلْبي ونَفَرْ أَحْوَرٌ قَدْ حِرْتُ في أَوْصافِهِ ... ناعِسُ الطَّرْفِ بِعَيْنَيْهِ حَوَرْ مَرَّ يَوْمَ العيدِ بي في زينةٍ ... فَرَماني فَتَعاطى فَعَقَرْ بِسِهامٍ مِنْ لِحاظٍ فاتِكٍ ... فَرَّ عَنّي كَهَشيمِ المُحْتَظِرْ وَإِذا ما غابَ عَنِّي ساعَةً ... كانَت السَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرّ كَتَبَ الحُسْنُ على وَجْنَتِهِ ... بِرَحيقِ المِسْكِ سَطْراً مُخْتَصَرْ عادَةُ الأَقْمارِ تَسْري في الدُّجى ... فَرَأَيْتُ اللَّيْلَ يَسْري بالقَمَرْ بالضُّحى وَاللَّيْلِ مِنْ طُرَّتِهِ ... فَرْقُهُ ذا النَّورِكَمْ شَيءٌ زَهَرْ قُلْتُ إِذْ شَقَّ العِذارُ خَدَّهُ ... دَنَت السّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرْ ليسَ مُحمدٌ ﷺ الذي أَخَذَ بعضَ جُمَلِ هذه القصيدة، وَوَضَعَها في القرآن، كما ادَّعى الفادي الجاهل، وإِنما الشَاعِرُ الضعيفُ الركيكُ المتأَخِّر - الذي لم أَعرف اسْمَه - هو الذي حاكى القرآنَ كَلامَ الله، واقْتَبسَ من القرآنِ بعضَ جُمَلِه، زَيَّنَ بها قَصيدَتَه. وديوانُ الشاعرِ الجاهليِّ البليغِ امرئ القيسِ مَطْبوعٌ مُتَداوَل، ونَتَحَدّى الفادي الجاهلَ أَو أَيَّ واحدٍ من أَهْلِ مِلَّتِه أَنْ يُرينا هذه القصيدةَ الركيكةَ في ديوانِ امرئِ القيس! فافتراءُ الفادي المفترِي لا يَثْبُتُ أَمامَ البحثِ العلمي.

стр. 561

أَخَذَ الشاعرُ المتأخِّرُ من سورةِ القمرِ قولَه تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) فافتتَحَ بها قصيدَتَه، كما خَتَمَها بها في الشطرِ الثاني من بيتِه الأَخير، مع بعضِ التحوير. حيثُ قال: دَنت الساعةُ وانشقَّ القمر. كما أَخَذَ من السورة قولَه تعالى: (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ) ، ووضَعَه في الشطرِ الثاني من البيتِ الثالث: فرماني فتعاطى فعقر. وأَخَذَ من السورةِ قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) ، ووَضَعه في الشطرِ الثاني من البيتِ الرابع: فَرَّ عَنّي كهشيمِ المحتَظِر. وأَخَذَ من السورةِ قولَه تعالى: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) ، ووضَعَه في الشطرِ الثاني من البيتِ الخامس: كانت الساعةُ أَدهى وأَمَرّ. وأخذ من سورة الضحى قوله تعالى: وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) . ووضعه في الشطر الأول من البيت الثامن: بالضحى والليل من طُرَّتِه.. وذَكَرَ الفادي المفترِي بَيْتَيْنِ آخَرَيْن، لا يَختلفانِ عن الأَبياتِ السابقةِ في الركاكةِ والضَّعف، والغَزَلِ الساقط، نَسَبَهما لامرئ القيس أَيْضاً، وزَعَمَ أَنَ محمداً ﷺ أَخَذَ منهما كلاماً في القرآن. وهما: أَقْبَلَ وَالعُشّاق مِنْ حَوْلِهِ ... كأَنَّهم من كلِّ حَدْبِ يَنْسِلونْ وَجاءَ يَوْمَ العيدِ في زينَتِه ... لِمِثْلِ ذا فَلْيَعْمَلَِ العامِلونْ وما قلناهُ عن الأَبياتِ السابقةِ نقولُه هنا، ويَبدو أَنهما لنفسِ ناظمِ الأَبياتِ السابقة، حاكى القرآنَ، وأَخَذَ منه بعضَ كلامِه، وَوَظَّفَهُ بوَقاحَةٍ للغزل بعشيقِه والثناءِ عليه. أَخَذَ من سورةِ الأَنبياءِ قولَه تعالى: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) . ووضَعَه في الشطرِ الثاني من البيتِ الأَول: كأَنهم من كلِّ حَدَبٍ ينسلون. وأَخَذَ من سورةِ الصافاتِ قولَه تعالى: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١) .. وَوَضَعَه في الشطرِ الثاني من بيته الثاني.

стр. 562

ثانياً: ماذا أخذ الرسول ﷺ من كللام عمر بن الخطاب ؟ : زَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ محمداً ﷺ أَخَذَ كَلاماً لعمرَ وَوَضَعَهُ في القرآن، وهو المسَمّى بموافقاتِ عُمَر. والموافقاتُ التي ذَكَرَها صاغَها بأُسلوبه، وَوَظَّفَها دَليلاً لاتهاماتِه. أ - موافَقَة عمر في عداوة الله عدوَّ جبريل: قالَ عن هذه الموافقة: كانَ لعمرَ بن الخطاب أَرضٌ بأَعلى المدينة، وكان مَمَرُّهُ على مِدْراسِ اليهود، فكانَ يَجلسُ إِليهم، ويَسمعُ كَلامَهم.. فقالوا يوماً: ما في أَصحابِ محمدٍ أَحَبُّ إِلينا منك، وإِنا لنطمعُ فيك! فقالَ عُمَر: واللهِ ما آتيكم لحُبِّكم، ولا أَسأَلُكم لأَني شاكٌّ في ديني، وإِنما أَدخلُ إِليكم لأَزدادَ بصيرةً في أَمْرِ محمدٍ. فقالوا: مَنْ صاحبُ محمدٍ الذي يأْتيه من الملائكة؟ قال: جبريل. قالوا: ذلكَ عَدُوُّنا. فقال عمر: مَنْ كانَ عدوّاً للهِ وملائكتِه ورسلِه وجبريلَ وميكالَ فإِنَّ اللهَ عَدُوُّه. فلما سمعَ محمدٌ بذلك قال: هكذا أُنزلَتْ، وأَوردَها في قرآنِه في سورةِ البقرة. وقالَ محمد لعمر: لقد وافَقَكَ رَبُّك يا عمر. وعَلَّقَ على ما أَوردَه بقوله: " ونحنُ نسأل: أَليسَ الأَصحُّ أَنْ يقولَ محمد: إِنَّ عُمَرَ وافقَ رَبَّه، لا العكس؟ والأَغربُ من هذا أَنَّ محمداً يَنتحلُ أَقوالَ عمر، ويقولُ: إِنها هكذا نَزَلَتْ! وفي هذه الحالة: هل يُعْتَبَرُ عمرُ نبيّاً يوحى إِليه؟ أَمْ أَنَّ محمداً انتحلَ أَقوالَ غيره، وقال: إِنها وَحْي؟ ". وهذه الروايةُ في سببِ نزولِ قولِه تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) . التي اعتَمَدَها الفادي المفترِي لأَنها توافقُ هواه، رواية ضعيفة، مذكورة في بعضِ التفاسير عن الشعبيّ عن عمرَ بن الخطاب، ومذكورةٌ بأسانيدَ أُخرى عن قتادةَ عن عُمَر، وحكمَ عليها بالضعفِ الإِمامُ الحافظُ ابنُ كثير.

стр. 563

قالَ ابنُ كثير عن روايةِ الشعبيِّ بعد أَنْ أَوْرَدَها بإِسنادَيْن: " وهذانِ الإِسنادان يَدُلّانِ على أَنَّ الشعبيَّ حَدَّثَ به عن عمر، ولكن فيه انْقطاعٌ بينَه وبينَ عمر، فإِنَّه لم يُدْرِكْ زَمانَه، واللهُ أَعلم ". وقال عن إسنادِ روايةِ قتادة: " وهو أَيضاً منقطع ". وإِذا كانت هذه الروايةُ منقطعةَ الإِسنادِ، فهي ضعيفةٌ مردودةٌ لم تَصح، وبما أَنها مردودة، فإِنَّ تَساؤُلاتِ الفادي المفترِي عليها داحِضةٌ زائفة، وهو مُجرمٌ مفترٍ، متحامِلٌ خَبيث، عندما قال: " والأَغْرَبُ من هذا أَنَّ محمداً يَنتحلُ أَقوالَ عُمَر ويقول: هكذا أُنزلَتْ!!. والروايةُ الصحيحةُ في سببِ نُزولِ قولِه تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) . تُصَرِّحُ بأَنَّ الحادثةَ جَرَتْ بينَ النبيِّ ﷺ وبين اليهود. روى أَحمدُ والطبرانيُّ والبيهقيُّ عن ابنِ عباس ﵄ قال: حَضَرَتْ عصابة من اليهودِ نبيَّ اللهِ ﷺ يَوْماً، فقالوا: يا أَبا القاسم! حَدّثْنا عن خِلالٍ نسأَلُكَ عنهنّ، لا يعلمهنَّ إِلّا نبيّ. قال: سَلُوني عما شِئْتُم. ولكن اجْعَلوا لي ذِمَّةَ الله، وما أَخَذَ يعقوبُ ﵇ على بَنيه، لئنْ حَدَّثْتُكُم شيئاً فعرفْتُموه، لَتُتابِعُنّي على الإِسلام!. قالوا: فذلكَ لك. قال: فَسَلوني عما شئْتُم. فسأَلوهُ أَربعةَ أَسئلة، وأَجابَهم عليها، ووَافَقوهُ على الجَواب، وشَهِدوا أَنه جَوابٌ صَحيح. ولكنَهم تَهَرَّبوا من تنفيذِ ما وَعَدوهُ به - كعادتهم - وأَثاروا مشكلةً جديدة،

стр. 564

فقالوا له: حَدِّثْنا مَنْ وَليُّك من الملائكة؟ فعندَها نُجامِعُك أَو نُفارِقُك!. قال: فإِنَّ وَلِيِّي جبريلُ، ولم يَبعث اللهُ نبيّاً قَطّ إِلّا وهو وَلِيُّه. قالوا: فعندَها نُفارقُك، لو كان وَلِيُّكَ سِواهُ من الملائكة لتابَعْناك وصَدَّقْناك. قال: فما يمنَعُكُم من أَنْ تُصَدقوه؟. قالوا: إِنّه عَدُوُّنا!!. فأَنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ) . ب - ثلاث موافقات لعمر: ذَكَرَ الفادي المجرمُ حديثَ البخاريِّ في موافقاتٍ ثَلاثٍ لعُمَرَ ﵁، لكنه عَلَّقَ عليها تَعليقاً خَبيثاً، حيثُ وَظَّفَها دَليلاً على أَنَّ القرآنَ من كلامِ البشر. قال: " روى البخاريُّ وغيرُه عن عمرَ أَنه قال: وافَقْتُ رَبّي في ثلاث: قُلْتُ: يا رسول الله! لو اتخذْتَ من مَقامِ إِبراهيمَ مُصَلّى. فأَخَذَها من لسانِه، وأَوردَها في قرآنه، بأَنْ قال: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) . وقلتُ: يا رسول الله إِنَّ نساءَكَ يدخلُ عليهنَّ البَرُّ والفاجر، فلو أَمرتَهنَّ أَنْ يحتجِبْن. فأَخَذَها محمدٌ من لسانِ عمر، وأَوردَها في آية (٥٣) من سورة الأحزاب. واجتمعَ على محمدٍ نساؤُه في الغيرة، فقالَ عمرُ لهنَّ: عسى ربُّه إِنْ طلقكُنَّ أَنْ يُبدِلَه أَزواجاً خيراً منكن. فأَخَذَها محمد بنَصها، وأَوردَها في سورةِ ْالتحريم. فهل يؤخَذُ كَلامُ اللهِ من أَفواهِ الناس؟ ". إِنَّ الفادي الخبِيثَ غيرُ أَمينٍ على الكلامِ الذي يَنقلُه، وهو يُغَيِّرُ ويُبَدّلُ فيه على هَواهُ، ويَتَلاعَبُ بأَلفاظِه، ويَزيدُ ويُنْقِصُ منها، ويُضيفُ لها ما يُريد. روى البخاريُّ ومسلم وغيرهما عن أَنَسِ بنِ مالك ل به قال: قال عُمَرُ بنُ الخطاب ﵁: وافَقْتُ ربي في ثلاث؟ فقلْتُ: يا رسول الله! لو اتَّخَذْنا من

стр. 565

مقامِ إِبراهيمَ مُصَلّى. فنزلَت الآية: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) . وقلتُ: يا رسولَ الله! لو أَمرتَ نساءَك أَنْ يَحتجِبْن، فإِنه يُكَلِّمُهنَّ البَرّ والفاجر، فنزلَتْ آيةُ الحجاب: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ..) . واجتمعَ نساءُ النبيِّ ﷺ في الغيرة عليه، فقلْتُ لهنَّ: عسى ربُّه إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبدِلَه أَزواجاً خيراً منكنّ. فنزلَت الآية: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ... ) . موافقاتُ عمرَ ﵁ ليستْ كما نَظَرَ إِليها هذا الفادي المجرمُ الخَبيث، وإِنما هي من " أَسباب النزول "، وأَسبابُ النزولِ علْمٌ ضروريٌّ من علوم القرآن، لا بُدَّ لكلِّ ناظرٍ في القرآنِ منْ أَنْ يتعلَّمَه ويَفْهَمه، فهناك بعضُ آياتِ القرآنِ نزلَتْ بعد حادثةٍ أَو مشكلةٍ وقعَتْ بين الصحابة. وهذا من حيويةِ القرآنِ وأَثَره في المسلمين، وحَلِّه لمشكلاتِهم، وهذه مزيةٌ له، وليستْ مَطْعَناً يوجَّهُ له. وأَشارَ إِليها قولُه تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) . وموافقاتُ عمرَ ﵁ دَليلٌ على فطنتِه وذكائِه، وعلى حُسْنِ تَفكيرِه ونَظَرِه، وعلى حُضورِ ذِهْنِه واهتمامِه بأَحوالِ المسلمين، فهو يُفكرُ ويَنظرُ ويَجتهدُ، ويَقترحُ ويَنصحُ ويُشير، وشاءَ اللهُ الحكيمُ أَنْ يُنزلَ الآياتِ الثلاث - الصلاةِ في مقامِ إِبراهيم، وأَمْرِ نساءِ النبيِّ بالحجاب، وتهديدِهنَّ إِنْ لم يتوقَّفْن عن الغيرة - بعدَ ثلاثةِ اقتراحاتٍ لعمر، وبذلك ويكونُ التفاعلُ والتأَثُّرُ بالآياتِ أكثر، ويكونُ ثناءً على عمرَ العبقريِّ ﵁.. واللهُ حكيم في ما كانَ يُنْزِلُه من آياتِ القرآن، يَختارُ بحكمتِه سبحانه الوقْتَ المناسب لإِنزالِ الآية أَو الآيات، ويَجعلُ ذلك الإِنزالَ مُتوافِقاً مع حالةِ المسلمين، أَوْ حَلّاً لمشكلة، أَو علاجاً لحادِثَة. ولكنَّ الجاهلَ المفتريَ يَجعلُ مزيةَ القرآنِ مَطْعناً فيه، ويَعتبرُ مَنْقَبَتَه دَليلاً على اتِّهامه، والسببُ هو تَحامُلُه وحِقْدُه وسَفَهُه وعُدوانيتُه!!.
следующие страницы →