أَخَذَ الشاعرُ المتأخِّرُ من سورةِ القمرِ قولَه تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) فافتتَحَ بها قصيدَتَه، كما خَتَمَها بها في الشطرِ الثاني من بيتِه
الأَخير، مع بعضِ التحوير.
حيثُ قال: دَنت الساعةُ وانشقَّ القمر.
كما أَخَذَ من السورة قولَه تعالى: (فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ) ،
ووضَعَه في الشطرِ الثاني من البيتِ الثالث: فرماني فتعاطى فعقر.
وأَخَذَ من السورةِ قوله تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) ، ووَضَعه في الشطرِ الثاني من البيتِ الرابع: فَرَّ عَنّي
كهشيمِ المحتَظِر.
وأَخَذَ من السورةِ قولَه تعالى: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) ، ووضَعَه في الشطرِ الثاني من البيتِ الخامس: كانت الساعةُ أَدهى وأَمَرّ.
وأخذ من سورة الضحى قوله تعالى: وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) . ووضعه في الشطر الأول من البيت الثامن: بالضحى والليل من طُرَّتِه..
وذَكَرَ الفادي المفترِي بَيْتَيْنِ آخَرَيْن، لا يَختلفانِ عن الأَبياتِ السابقةِ في
الركاكةِ والضَّعف، والغَزَلِ الساقط، نَسَبَهما لامرئ القيس أَيْضاً، وزَعَمَ أَنَ
محمداً ﷺ أَخَذَ منهما كلاماً في القرآن.
وهما: أَقْبَلَ وَالعُشّاق مِنْ حَوْلِهِ ... كأَنَّهم من كلِّ حَدْبِ يَنْسِلونْ
وَجاءَ يَوْمَ العيدِ في زينَتِه ... لِمِثْلِ ذا فَلْيَعْمَلَِ العامِلونْ
وما قلناهُ عن الأَبياتِ السابقةِ نقولُه هنا، ويَبدو أَنهما لنفسِ ناظمِ الأَبياتِ
السابقة، حاكى القرآنَ، وأَخَذَ منه بعضَ كلامِه، وَوَظَّفَهُ بوَقاحَةٍ للغزل بعشيقِه والثناءِ عليه.
أَخَذَ من سورةِ الأَنبياءِ قولَه تعالى: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) .
ووضَعَه في الشطرِ الثاني من البيتِ الأَول: كأَنهم من كلِّ حَدَبٍ ينسلون.
وأَخَذَ من سورةِ الصافاتِ قولَه تعالى: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١) ..
وَوَضَعَه في الشطرِ الثاني من بيته الثاني.
стр. 562
ثانياً: ماذا أخذ الرسول ﷺ من كللام عمر بن الخطاب ؟ :
زَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ محمداً ﷺ أَخَذَ كَلاماً لعمرَ وَوَضَعَهُ في القرآن، وهو المسَمّى بموافقاتِ عُمَر.
والموافقاتُ التي ذَكَرَها صاغَها بأُسلوبه، وَوَظَّفَها دَليلاً لاتهاماتِه.
أ - موافَقَة عمر في عداوة الله عدوَّ جبريل:
قالَ عن هذه الموافقة: كانَ لعمرَ بن الخطاب أَرضٌ بأَعلى المدينة،
وكان مَمَرُّهُ على مِدْراسِ اليهود، فكانَ يَجلسُ إِليهم، ويَسمعُ كَلامَهم..
فقالوا يوماً: ما في أَصحابِ محمدٍ أَحَبُّ إِلينا منك، وإِنا لنطمعُ فيك! فقالَ عُمَر: واللهِ ما آتيكم لحُبِّكم، ولا أَسأَلُكم لأَني شاكٌّ في ديني، وإِنما أَدخلُ إِليكم لأَزدادَ بصيرةً في أَمْرِ محمدٍ.
فقالوا: مَنْ صاحبُ محمدٍ الذي يأْتيه من الملائكة؟
قال: جبريل.
قالوا: ذلكَ عَدُوُّنا.
فقال عمر: مَنْ كانَ عدوّاً للهِ وملائكتِه ورسلِه وجبريلَ وميكالَ فإِنَّ اللهَ عَدُوُّه.
فلما سمعَ محمدٌ بذلك قال: هكذا أُنزلَتْ، وأَوردَها في قرآنِه في سورةِ البقرة.
وقالَ محمد لعمر: لقد وافَقَكَ رَبُّك يا عمر.
وعَلَّقَ على ما أَوردَه بقوله: " ونحنُ نسأل: أَليسَ الأَصحُّ أَنْ يقولَ
محمد: إِنَّ عُمَرَ وافقَ رَبَّه، لا العكس؟
والأَغربُ من هذا أَنَّ محمداً يَنتحلُ أَقوالَ عمر، ويقولُ: إِنها هكذا نَزَلَتْ! وفي هذه الحالة: هل يُعْتَبَرُ عمرُ نبيّاً يوحى إِليه؟
أَمْ أَنَّ محمداً انتحلَ أَقوالَ غيره، وقال: إِنها وَحْي؟ ".
وهذه الروايةُ في سببِ نزولِ قولِه تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) .
التي اعتَمَدَها الفادي المفترِي لأَنها توافقُ هواه، رواية ضعيفة، مذكورة في بعضِ التفاسير عن الشعبيّ عن عمرَ بن الخطاب، ومذكورةٌ بأسانيدَ أُخرى عن قتادةَ عن عُمَر، وحكمَ عليها بالضعفِ الإِمامُ الحافظُ ابنُ كثير.
стр. 563
قالَ ابنُ كثير عن روايةِ الشعبيِّ بعد أَنْ أَوْرَدَها بإِسنادَيْن: " وهذانِ
الإِسنادان يَدُلّانِ على أَنَّ الشعبيَّ حَدَّثَ به عن عمر، ولكن فيه انْقطاعٌ بينَه
وبينَ عمر، فإِنَّه لم يُدْرِكْ زَمانَه، واللهُ أَعلم ".
وقال عن إسنادِ روايةِ قتادة: " وهو أَيضاً منقطع ".
وإِذا كانت هذه الروايةُ منقطعةَ الإِسنادِ، فهي ضعيفةٌ مردودةٌ لم تَصح،
وبما أَنها مردودة، فإِنَّ تَساؤُلاتِ الفادي المفترِي عليها داحِضةٌ زائفة، وهو
مُجرمٌ مفترٍ، متحامِلٌ خَبيث، عندما قال: " والأَغْرَبُ من هذا أَنَّ محمداً يَنتحلُ أَقوالَ عُمَر ويقول: هكذا أُنزلَتْ!!.
والروايةُ الصحيحةُ في سببِ نُزولِ قولِه تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨) .
تُصَرِّحُ بأَنَّ الحادثةَ جَرَتْ بينَ النبيِّ ﷺ وبين اليهود.
روى أَحمدُ والطبرانيُّ والبيهقيُّ عن ابنِ عباس ﵄ قال: حَضَرَتْ عصابة من اليهودِ نبيَّ اللهِ ﷺ يَوْماً، فقالوا: يا أَبا القاسم! حَدّثْنا عن خِلالٍ نسأَلُكَ عنهنّ، لا يعلمهنَّ إِلّا نبيّ.
قال: سَلُوني عما شِئْتُم.
ولكن اجْعَلوا لي ذِمَّةَ الله، وما أَخَذَ يعقوبُ ﵇ على بَنيه، لئنْ حَدَّثْتُكُم شيئاً فعرفْتُموه، لَتُتابِعُنّي على الإِسلام!.
قالوا: فذلكَ لك.
قال: فَسَلوني عما شئْتُم.
فسأَلوهُ أَربعةَ أَسئلة، وأَجابَهم عليها، ووَافَقوهُ على الجَواب، وشَهِدوا
أَنه جَوابٌ صَحيح.
ولكنَهم تَهَرَّبوا من تنفيذِ ما وَعَدوهُ به - كعادتهم - وأَثاروا مشكلةً جديدة،
стр. 564
فقالوا له: حَدِّثْنا مَنْ وَليُّك من الملائكة؟
فعندَها نُجامِعُك أَو نُفارِقُك!.
قال: فإِنَّ وَلِيِّي جبريلُ، ولم يَبعث اللهُ نبيّاً قَطّ إِلّا وهو وَلِيُّه.
قالوا: فعندَها نُفارقُك، لو كان وَلِيُّكَ سِواهُ من الملائكة لتابَعْناك
وصَدَّقْناك.
قال: فما يمنَعُكُم من أَنْ تُصَدقوه؟.
قالوا: إِنّه عَدُوُّنا!!.
فأَنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ) .
ب - ثلاث موافقات لعمر:
ذَكَرَ الفادي المجرمُ حديثَ البخاريِّ في موافقاتٍ ثَلاثٍ لعُمَرَ ﵁، لكنه عَلَّقَ عليها تَعليقاً خَبيثاً، حيثُ وَظَّفَها دَليلاً على أَنَّ القرآنَ من كلامِ البشر.
قال: " روى البخاريُّ وغيرُه عن عمرَ أَنه قال: وافَقْتُ رَبّي في ثلاث:
قُلْتُ: يا رسول الله! لو اتخذْتَ من مَقامِ إِبراهيمَ مُصَلّى.
فأَخَذَها من لسانِه،
وأَوردَها في قرآنه، بأَنْ قال: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) .
وقلتُ: يا رسول الله إِنَّ نساءَكَ يدخلُ عليهنَّ البَرُّ والفاجر، فلو أَمرتَهنَّ أَنْ
يحتجِبْن.
فأَخَذَها محمدٌ من لسانِ عمر، وأَوردَها في آية (٥٣) من سورة
الأحزاب.
واجتمعَ على محمدٍ نساؤُه في الغيرة، فقالَ عمرُ لهنَّ: عسى ربُّه إِنْ
طلقكُنَّ أَنْ يُبدِلَه أَزواجاً خيراً منكن.
فأَخَذَها محمد بنَصها، وأَوردَها في سورةِ ْالتحريم.
فهل يؤخَذُ كَلامُ اللهِ من أَفواهِ الناس؟ ".
إِنَّ الفادي الخبِيثَ غيرُ أَمينٍ على الكلامِ الذي يَنقلُه، وهو يُغَيِّرُ ويُبَدّلُ
فيه على هَواهُ، ويَتَلاعَبُ بأَلفاظِه، ويَزيدُ ويُنْقِصُ منها، ويُضيفُ لها ما يُريد.
روى البخاريُّ ومسلم وغيرهما عن أَنَسِ بنِ مالك ل به قال: قال عُمَرُ بنُ
الخطاب ﵁: وافَقْتُ ربي في ثلاث؟
فقلْتُ: يا رسول الله! لو اتَّخَذْنا من
стр. 565
مقامِ إِبراهيمَ مُصَلّى.
فنزلَت الآية: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) .
وقلتُ: يا رسولَ الله! لو أَمرتَ نساءَك أَنْ يَحتجِبْن، فإِنه يُكَلِّمُهنَّ البَرّ
والفاجر، فنزلَتْ آيةُ الحجاب: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ..) .
واجتمعَ نساءُ النبيِّ ﷺ في الغيرة عليه، فقلْتُ لهنَّ: عسى ربُّه إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبدِلَه أَزواجاً خيراً منكنّ.
فنزلَت الآية: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ... ) .
موافقاتُ عمرَ ﵁ ليستْ كما نَظَرَ إِليها هذا الفادي المجرمُ الخَبيث، وإِنما هي من " أَسباب النزول "، وأَسبابُ النزولِ علْمٌ ضروريٌّ من علوم القرآن، لا بُدَّ لكلِّ ناظرٍ في القرآنِ منْ أَنْ يتعلَّمَه ويَفْهَمه، فهناك بعضُ آياتِ القرآنِ نزلَتْ بعد حادثةٍ أَو مشكلةٍ وقعَتْ بين الصحابة.
وهذا من حيويةِ القرآنِ وأَثَره في المسلمين، وحَلِّه لمشكلاتِهم، وهذه مزيةٌ له، وليستْ مَطْعَناً يوجَّهُ له.
وأَشارَ إِليها قولُه تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) .
وموافقاتُ عمرَ ﵁ دَليلٌ على فطنتِه وذكائِه، وعلى حُسْنِ تَفكيرِه ونَظَرِه، وعلى حُضورِ ذِهْنِه واهتمامِه بأَحوالِ المسلمين، فهو يُفكرُ ويَنظرُ ويَجتهدُ، ويَقترحُ ويَنصحُ ويُشير، وشاءَ اللهُ الحكيمُ أَنْ يُنزلَ الآياتِ الثلاث - الصلاةِ في مقامِ إِبراهيم، وأَمْرِ نساءِ النبيِّ بالحجاب، وتهديدِهنَّ إِنْ لم يتوقَّفْن عن الغيرة - بعدَ ثلاثةِ اقتراحاتٍ لعمر، وبذلك ويكونُ التفاعلُ والتأَثُّرُ بالآياتِ أكثر، ويكونُ ثناءً على عمرَ العبقريِّ ﵁..
واللهُ حكيم في ما كانَ يُنْزِلُه من آياتِ القرآن، يَختارُ بحكمتِه سبحانه الوقْتَ المناسب لإِنزالِ الآية أَو الآيات، ويَجعلُ ذلك الإِنزالَ مُتوافِقاً مع حالةِ المسلمين، أَوْ حَلّاً لمشكلة، أَو علاجاً لحادِثَة.
ولكنَّ الجاهلَ المفتريَ يَجعلُ مزيةَ القرآنِ مَطْعناً فيه، ويَعتبرُ مَنْقَبَتَه دَليلاً
على اتِّهامه، والسببُ هو تَحامُلُه وحِقْدُه وسَفَهُه وعُدوانيتُه!!.
стр. 566
ثالثاً: ماذا أخذ رسول الله ﷺ من كتب اليهود ؟ : وَضعَ الفادي المفترِي عنواناً مثيراً: " ما أَخَذَهُ من كُتُبِ جُهّالِ اليهود "،
وقالَ تحتَ هذا العنوان: " هاكُم جَدْولاً بالموضوعاتِ التي انتحلَها محمد،
ومكانُها في المؤلفاتِ اليهوديةِ التي أَخَذ عنها " (١) .
والموضوعاتُ التي ذكرها أَحَدَ عَشَرَ موضوعاً، وكان يذكُرُ موضِعَ كُلِّ
موضوعٍ في القرآن، وموضعَه في كتبِ اليهود.
والموضوعاتُ التي ذَكَرَها هي:
١ - تَعَلُّمُ " قايين " من الغرابِ كيفيةَ دَفْنِ أَخيه.
وهو ابنُ آدمَ الكافر، الذي سَمّاهُ اليهودُ والنصارى " قايين "، وسَمّاهُ بعضُ المسلمين " قابيل ".
علماً أَنَّ اسْمَه لم يُذْكَرْ في القرآن.
وقد ذُكرتْ قصةُ ابْنَي آدم في سورة المائدة: ٣٠ - ٣٥،.
وادعى الفادي أن محمداً ﷺ أخذ هذا الموضوع من الكتاب اليهودي " فرقى ربي أليعزر، فصل: ٢١ ".
٢ - طرحُ نمرودَ لإِبراهيمَ في النار، وعدمُ مقدرةِ النارِ على إِحراقه.
وقد ذكر هذا في السور التالية: الأنبياء ٥٧ - ٧٥،.
والصافات: ٩١ - ٩٨،.
وادعى الفادي الجاهلُ أَنَّ قصةَ إِلقاءِ إِبراهيمَ في النارِ وَرَدَتْ في تسعِ
سُوَر، هي: البقرة: ٢٦٠.
والأنعام: ٧٤ - ٨٤.
والأنبياء: ٥٢ - ٧٢.
والشعراء: ٦٩ - ٧٩.
والعنكبوت: ١٥ - ١٦.
والصا فات: ٨١ - ٨٥.
والزخرف: ٢٥ - ٢٧.
والممتحنة: ٤.
وهذا دليلُ جهْلِه بالعلمِ والبحثِ وبالقرآن، لأَنَّ الكلامَ ليس عن قصة إِبراهيمَ ﵇، ومواجهتِه لقومِه، وإِنما الكلامُ عن محاكمتِه بعد تحطيمِه الأَصنامَ، وحُكْمِهم عليه بالإِحراقِ بالنّار، وهذا لم يَرِدْ إِلّا في سورةِ الأَنبياء وسورةِ الصافات.
ولَسْنَا مع الإِخبارِيّين الذين جَعَلوا اسْمَ الملِكِ زمنَ إِبراهيم ﵇: " نمرود ".
стр. 567
وهو الذي أَشارَ له قولُه تعالى:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) ، ويُلاحَظُ أَنَّ الآيةَ لم تَذْكُر اسْمَه، وبما أَنَّ اسْمَه لم يَرِدْ في حَديثٍ صَحيحٍ عن رسول الله ﷺ ، فإِنَّنا نتوقَّفُ في ذِكْرِ اسْمِه، ونَجعل ذلك من مبهمات القرآن، ونقول: الله أعلم باسمه.
وادَّعى الفادي أَنَّ محمداً ﷺ أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتاب اليهودي: " مدراس رباه " فصل: ١٤.
في تفسير تك: ١٥ - ١٧.
ولا أَدري من أَيْنَ أَخَذَ رسول الله ﷺ هذا الكتابَ اليهودي، وهو الأُمّيُّ، والكتابُ المذكورُ مجهول عند حاخاماتِ اليهود؟!.
٣ - اجتماعُ سليمانَ ﵇ مع رجال جيشهِ من الجنِّ والإِنسِ والطير، وقصةُ الهدهدِ معَ ملكةِ سبأ، وإِحضاره عرشَ ملكةِ سبأ.
وقد وَرَدَ هذا الموضوعُ في سورةِ النمل: ١٧ - ٤٤،.
وادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمداً ﷺ أَخَذَ قصةَ سليمانَ ﵇ مع ملكةِ سبأ من الكتابِ اليهودي: " الترجوم الثاني عن كتاب أَستير ".
ولا أَدري كيفَ قرأَ الرسولُ الأُميُّ محمدٌ ﷺ هذا الكتابَ اليهوديَّ المفقودَ، الذي لم يكنْ موجوداً عند اليهودِ في الحجاز؟!.
٤ - لم يُحسن الفادي الجاهلُ فَهْمَ إِشارةِ القرآنِ إِلى قصةِ الملَكَيْن اللَّذَيْنِ
أَنزلهما اللهُ في مدينة بابل، والتي وردَتْ في الآيةِ: (٩٦) من سورة البقرة.
وأَخَذَ تفاصيل إِسرائيلية باطلة، واتهمَ الملَكَيْن هاروت وماروت بالباطل.
قال عنهما: " تَركيبُ الشهوةِ في الملاكين هاروت وماروت، وارتكابُهما شربَ الخمرِ والزنى والقتلَ وتعليمَ الناس السحر ".
وادَّعى الجاهلُ أَنَّ محمداً ﷺ أَخَذَ قصةَ هاروتَ وماروت من الكتابِ اليهودي: " مدراس بلكوت ": الفصل: ٤٤.
وكَذَبَ اليهودُ في اتهامِهم المَلَكَيْن هاروتَ وماروتَ بارتكابِ جرائمِ
شربِ الخمرِ والزنى والقتل، بعدَ أَنْ رَكَّبَ اللهُ فيهما الشهوة.
ويَجِبُ علينا أَنْ
стр. 568
نَبقى مع الإِشارةِ القرآنيةِ المجملةِ إِلى قصتهما، فهما مَلَكان كريمان، أَنزلَهما اللهُ من السماء على أَهل بابل، ليُحَذِّراهم من السحر، ويَنْهَيَاهُمْ عن ممارستِه، ثم صَعَدا إِلى السماء مَلَكَيْن كريمَيْن، لم يَفْعَلا ذنباً، ولم يرتكبا فاحشة.
٥ - وَرَدَ رفعُ جبلِ الطورِ فوقَ رؤوسِ اليهودِ في سورة البقرة: (٦٣)
و (٩٣) .
وفي سورة الأعراف: (١٥٥) و (١٧١) .
وادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمداً ﷺ أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليهودي: " عبوداه زاراه ": الفصل الثاني.
٦ - ذَكَرَ القرآنُ عبادةَ بني إِسرائيل العجلَ الذهبيَّ الذي له خُوار، أَثناءَ
غيبةِ موسى ﵇ عنهم، ذاهباً إِلى جبلِ الطور.
وورد ذلك في سورة الأعراف: (١٤٨ - ١٥٣) .
وورد في سورة طه: (٨٦ - ٩٨) .
وادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمداً ﷺ أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليهودي: " فرقى ربي أليعازر. فصل: ٤٥ ".
٧ - ذَكَرَ القرآنُ أَنَّ اللهَ جَعَلَ من السماءِ سبعَ سمواتٍ في أَكثرَ من آية،
منها آيةُ (٢٩) من سورة البقرة.
كما ذَكَرَ أَنَّ لجهنَّمَ سبعةَ أَبواب، كما وردَ في آيةِ (٤٤) من سورة الحجر.
وَزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ محمداً ﷺ أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليهوديِّ " حكيكا ٥ " باب: ٩. فصل: ٢.
وكتاب: " زوهر " فصل: ٢.
٨ - أَخبرَ اللهُ أَنه لما خَلَقَ السمواتِ والأَرضَ كان عرشُه على الماء.
وَوَرَدَ هذا في الآية من سورةِ هود.
وادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ الرسولَ ﷺ أَخَذَ هذا الموضوعَ من كتابِ اليهود: " تفسير راشي في تك " ١: ٢.
٩ - تكلَّمَ القرآنُ عن أَصحابِ الأَعراف، وما يقولونَه لأَصحابِ الجنة
وأَصحابِ النار.
وَوَرَدَ هذا في سورةِ الأَعراف: آيات ٤٦ - ٤٩،.
وادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ الرسولَ ﷺ أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليهوديِّ: " مدراس تفسير جامعة ٧: ١٤ ".
стр. 569
١٠ - أَخبرَ اللهُ أَنَّ علامةَ بَدْءِ الطوفان زَمَنَ نوحٍ ﵇ هو فورانُ الماءِ من وسطِ التَّنّور.
وَوَرَدَ هذا في سورةِ هود، آية (٤٥) .
وادَّعى الفادي الجاهلُ أَنّ رسولَ الله ﷺ أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليهودي: " روش هشاناه " فصل ٢: ١٦.
١١ - أَشارَ القرآنُ إِلى أَن اللهَ حَفِظَ القرآنَ المجيدَ في اللوحِ المحفوظِ
عنده، وَوَرَدَ هذا في آيَتَى (٢١ - ٢٢) من سورةِ البروج.
وادَّعى الفادي المفتري أَنَّ محمداً ﷺ أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليهودي: " فرقي أبوت " باب: ٥، فصل: ٦.
والكتبُ اليهوديةُ التي ذَكَرَها الفادي المفترِي لا يَعرفُها معظمُ الأَحْبارِ
والحاخامات اليهود، ولم تكنْ موجودةً عند اليهودِ في بلادِ الحجاز، فمن أَيْنَ
اطَّلَعَ عليها محمدٌ ﷺ ؟!!
ومِنْ مَنْ أَخَذَها، وهو لم يُجالس اليهودَ والنصارى في مكة؟
وكيف يَقرأُ فيها باللغةِ العبرية وهو الأُمِّيُّ الذي لم يَقْرَا ولم يَكتبْ باللغةِ
العربية؟!.
رابعاً: ماذا أَخدْ رسول الله ﷺ من كتب النصارى؟
:
ادّعى الفادي المفترِي أَنَّ رسولَ الله ﷺ أَخَذَ بعضَ موضوعاتِ القرآنِ من " كتب جهلة المسيحيين " على حَدِّ قولِه.
وذَكَرَ خمسة موضوعاتٍ في القرآن، وذكر في مقابلِها الكتبَ النصرانيةَ التي أَخَذَ منها.
١ - ادَّعى أَنَّ قصةَ أَصحابِ الكهف التي وَرَدَتْ في سورةِ الكهف ٩١ -
٢٦، أَخَذَها رسولُ اللهِ ﷺ من الكتابِ النصرانيِّ: " مجد الشهداء " فصل: ٩٥. تأليف غريغوريوس.
٢ - ذَكَرَ القرآنُ قصةَ مريم، منذُ أَنْ كانَتْ جَنيناً في رَحِمِ أُمِّها، إِلى أَنْ
كفَّلَها اللهُ زكريا ﵇، وَوَرَدَ هذا في الآيات: ٣٥١ - ٤٨، من سورة آل عمران.
стр. 570
وزَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ محمداً ﷺ أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ النصراني: " بروت يو أنجيليون ": إصحاح: ٣، ٤، ٥، ٧، ٨، ١٩، ١١، ١٥.
٣ - ذَكَرَ القرآنُ حَمْلَ مريمَ بعِيسى ﵇، وكيف انْتَبَذَتْ من أَهْلِها مكاناً قصياً، وكيفَ أَنجبتْ عيسى، وبماذا أَرشدها وليدُها.
وَوَرَدَ هذا في آياتِ (١٦ - ٢٦) من سورة مريم) .
وادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ الرسولَ ﷺ أَخَذَ هذا الموضوعَ من الكتاب النصراني: " حكاية مولد مريم وطفولة المخلص " الفصل: ٢٥.
٤ - ذَكَرَ القرآنُ أَنّ عيسى ﵇ كانَ يَصنعُ من الطينِ كهيئةِ.
الطير، ثم يَنفخُ فيه فيكونُ طَيْراً بإِذنِ الله.
وادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمداً ﷺ أَْخَذَ هذا الموضوعَ من الكتابِ اليوناني: " بشارة هوما الإسرائيلي ". فصل: ٢.
٥ - صَرَّحَ القرآنُ بأَنَّ اليهودَ والرومانَ لم يَقْتُلوا عيسى ﵇ ولم يَصْلُبوه، وإِنما شُبّهَ لهم، فقَتَلوا وصَلَبوا الشَّبيه.
وَوَرَدَ هذا في آية (١٥٧) من سورة النساء.
وادَّعى الفادي المفترِي أنَّ محمداً ﷺ أَخَذَ هذا الموضوعَ من رجل نصراني اسْمُه " باسيليوس ".
قال عنه: " حَسْبَ بدعةِ باسيليوس، الذي قالَ: إِنَّ
المسيحَ أُلْقِيَ شَبَهُهُ على " سمعان القيرواني "، فصُلِبَ بَدَنُه، لأَنَّ المسيحَ ليس له جَسَدٌ حقيقي، بل أُخذ شبه جسد ".
وكيفَ يَدّعي هذا المفترِي أَنَّ الرسولَ ﷺ قرأَ كُتُباً نصرانية متخصصةً بعدَّةِ لغات، في أَماكنَ خاصة، في كنائسَ عديدة، في بلادِ الشامِ ومصر، بل وفي اليونان! وكأَنَّ النبيَّ الأُمّيَّ ﵇ كان عالماً بعدةِ لُغاتٍ؟
منها: الآرامية واليونانية، اللَّتين كُتبت بهما الأَناجيل! وكأَنه ﷺ سافَرَ إِلى كنائسِ الشام ومصر واليونان، وتَعَلَّمَ من رُهبانِها تلك الكتب، وأَخَذَ من كُلّ كتابٍ أَشطُراً أو صفحات!!
стр. 571
لا أَدري أَينَ ذهبَ عَقْلُ هذا الفادي المفترِي وهو يكتبُ هذا الكلام؟!.
خامساً: ماذا أخذ رسول الله ﷺ من كتب الفرس؟ :
ادَّعى الفادي المجرمُ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أَخَذَ كَثيراً من القرآنِ من كتب الفرس، وأَنه سَمِعَ قَصَصَ ملوكِ الفرسِ وعَقَائِدَهُمْ من الناسِ حولَه، ثم أَلَّفَ منها قرآنَه.
قالَ المجرم: " ومن المعلوم أَنَ الفرسَ كانوا مُتَسَلِّطينَ على كثيرٍ من
قبائلِ العرب، قبلَ مولدِ محمدٍ وفي عصره، فانتشرَتْ قَصصُ ملوكهِم
وعقائِدُهُمْ وخرافاتُهم بين العرب، فتركَتْ تأثيرها على محمد، وَدوَّن منها
الشيءَ الكثيرَ في قرآنِه ".
ومَن الذي اكتشفَ محمداً ﷺ وهو يَسطو على قَصصِ الفرسِ ويَضَعُها في قرآنِه، كما يَدَّعي الفادي المجرم؟
إِنه الزعيمُ القرشي " النَّضرُ بنُ الحارث "!
قالَ المجرم: " يَشهدُ القرآنُ أَنَّ النَّضْرَ بنَ الحارث كان يُعَيِّرُ محمداً بأَنه ناقلُ
أَقوالِ الفرس، ولم يأخُذ من الوحيِ شيئاً ...
وكان النَّضرُ بنُ الحارث يُحَدِّثُ الناسَ عن أَخبارِ ملوكِ الفرس، ثم يقول: واللهِ ما محمدٌ بأَحسنَ حَديثاً منّي، وما حديثُه إِلّا أَساطيرُ الأَولين، اكتتَبَها كما اكْتَتَبْتُها..
فردَّ عليه محمدٌ في قرآنِه بقولِه: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) .
وجعل يسب النضر قائلاً: (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) ".
يُصَرّحُ المجرمُ في الفقرةِ السابقةِ أَنَّ القرآنَ ليسَ وحياً من عندِ الله، وإِنما
هو من صياغةِ محمدٍ ﷺ ولذلك قالَ: " فَرَدَّ عليه محمدٌ في قراَنِه بقولِه: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) ".
أَيْ أَنَّ هذه الآيةَ من سورةِ القلمِ من تأليفِ محمدٍ ﷺ ، هو الذي صاغَها وَوَضَعَها في سورةِ القلم.
وسَجَّلَ المجرمُ آيتَيْن من سورةِ الجاثية اعتبَرَهما " سَبَّاً " صاغَهُ محمدٌ ﷺ وشَتَمَ به النَّضْرَ بنَ الحارِث، وَوَضَعَهُ في السورة.
وصَدَّق المفترِي افتراءَه، وجعلَه حقيقةً يَقينيَّة، ورَتَّبَ عليه نتائجَ اعتبرها
стр. 572
قاطعة، ولذلك قالَ: " ونحنُ نسأَل: كيفَ يَسمحُ محمدٌ لنفسِه أَنْ يَشْتُمَ النَّضْرَ، وقد اقتبسَ في قرآنِه من أَساطيرِ الفرس، ما كان من معراج أَرتيوراف، وَوَصْفَ الفردوس بِحورِه ووِلْدانِه؟
وقد جَعَلَ محمدٌ فِعْلاً مُعَلِّمَه " سلمانَ الفَارسيَّ " واحداً من الصحابة؟ ".
وللردّ على المفترِي المجرمِ نقول: لم يَشْتُم الرسولُ ﷺ النَّضْرَ بْنَ الحارث، لأَنه لم يكن سَبّاباً ولا لَعّاناً ولا شاتِماً، ولم يكنْ فاحِشاً بذيءَ اللسان، وكان كَلامُه كلُّه رِقَّةً وأَدَباً وذوقاً، ولم تَصدُرْ عنه كلمةٌ واحدةٌ جارحة..
وأَخطأَ الفادي المجرمُ الجاهلُ في زعمِه أَنَّ آيةَ سورةِ القلمِ وآيتيْ
سورةِ الجاثية السابقة نزلَتْ في النَّضْرِ بنِ الحارثِ.
وقد وَرَدَتْ بعضُ الرواياتِ في أَنَّ الذي نزلَ في النَّضرِ بنِ الحارث قولُه
تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) .
ولكنَّ الراجحَ أَنه لم يَنْزلْ فيه، كما أَنه لم ينزلْ فيه آياتُ سورةِ القلمِ
والجاثية..
ولم تَصحّ قصةُ النضرِ بن الحارث، وأَنه كان " يُشَوِّشُ " على
رسولِ اللهِ ﷺ ، بما كانَ يَحكي للناسِ من قَصصِ مُلوكِ الفرس، ولم يَصِحّ إِنزالُ آياتٍ في قصته.
ولكنَّ الفادي جاهل، وهو لجهلِه يَعتمدُ على رواياتٍ موضوعة، وأَخبارٍ
باطلة، ويَبْني عليها اتهاماتِه ضِدَّ القرآنِ والرسولِ ﷺ ، وهو يَجمعُ بينَ الجهلِ والحِقْدِ والافتراءِ والادّعاء!!.
أ - هل أخذ رسول الله ﷺ حادثة المعراج من الفرس؟ :
ادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمداً ﷺ لم تَحْدُثْ له حادثةُ الإِسراءِ والمعراج، وإنما قرأَ هذه القصةَ في كتابٍ فارسي، بلغةٍ فارسية، ونَسَبَها لنفسه، وادَّعى أَنه هو الذي عُرِج به!!.
стр. 573
لِنقرأ هذه الفقرةَ الفاجرةَ من كلامِ الفادي الفاجر: " جاءَتْ قصَّةٌ فارسيةٌ
قديمةٌ في كتابٍ باللغةِ الفارسية، اسْمُه: " أرتيوراف نامك "، كُتِبَ سنةَ أَربعمئةٍ قبلَ الهجرة، وموضوعُ القصةِ أَنَّ المجوسَ أَرْسَلوا روحَ " أَرتيوراف " إِلى السماءِ، وَوَقَعَ على جسدِه سُبات، وكان الغرضُ من رحلتِه هو الاطلاع على كُلِّ شيء في السماء، والإِتيانَ بأَنبائِها..
فعَرَجَ إِلى السماء، وأَرشَدَهُ أَحَدُ رؤساءِ الملائكة، فَجالَ من طبقة إِلى طبقة، وترقى بالتدريج إِلى أَعلى فأَعلى ...
ولما اطَّلَعَ على كُلِّ شيء أَمَرَه " أُورمَزْد " الإِلهُ الصالحُ أَنْ يَرجعَ إِلى
الأَرضِ، ويُخبرَ الزرادشتيةَ بما شاهَد.
فأَخَذَ محمدٌ قصةَ مِعْراج " أَرتيوراف "، وجَعَلَ نفسَه بَطَلَها!
وقال: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) .
وقال محمدٌ في الحديثِ عن ليلةِ الإِسراء: " أُتِيتُ بدابَّةٍ دونَ البَغْلِ وفَوْقَ
الحمارِ، أَبيض يُقالُ له: البُراق، يَضَعُ خَطْوَهُ عند أَقصى طَرْفِه، فجلَسْتُ عليه، فانْطلَقَ بي جبريل، حتى أَتى السماءَ الدنيا، فاستفتَحَ ورأى آدم، ثم صَعَدَ بي إِلى السماءِ الثانية، فرأيتُ عيسى ويحيى، ثم صَعَدَ بي إِلى السماءِ الثالثة فرأيتُ يوسف، ثم صَعَدَ بي إِلى السماءِ الرابعة فرأيتُ إِدريس، ثم صَعَدَ بي إِلى السماءِ الخامسة فرأيتُ هارونَ، ثم صَعَدَ بي إِلى السماءِ السادسة فرأيتُ موسى، ثم صَعَدَ بي إِلى السماءِ السابعةِ فرأيتُ إِبراهيم، ثم رجعْتُ إِلى سدرةِ المنتهى، فرأيتُ فيها أَربعةَ أَنهار، منها النيلُ والفرات، ثم أُتيت بإِناءٍ من خَمْرٍ وإِناءٍ من لَبَن، وإِناءٍ من عَسَل، فأَخَذْتُ اللَّبَن، فقال: هي الفطرةُ أَنتَ عليها وأُمَّتُكَ ... ".
إِذَنْ: لم يحدث الإِسراءُ برسولِ الله ﷺ ، ولا العروجُ به إِلى السمواتِ العُلَى، والذي اكتشفَ هذه الحقيقةَ هو هذا القِسّيسُ الفادي، حيث اطَّلعَ هذا الفادي على المرجعِ الذي أَخَذَ منه رسولُ الله ﷺ ادِّعاءَه.
إِنه كتاب فارسي قَديم، مُؤَلَّف بلغةٍ فارسيةٍ قديمة، يتحدَّثُ عن أُسطورةِ معراج " أَرتيوراف "،
стр. 574
وقد اطَّلَعَ محمدٌ ﷺ على هذا الكتابِ الفارسي، وهو متمكِّنٌ من اللغةِ الفارسية في نظرِ الفادي المكتَشِف، لأَنه عالِمٌ باللُّغاتِ المختلفة، قراءةً وكتابةً ومحادثة،
ومنها العربيةُ والآراميةُ والحبشيةُ والفارسية واليونانية والرومانية والعبرية و ...
وأُعجبَ محمدٌ ﷺ بقصةِ أَرتيوراف، وادَّعاها لنفسه، وكَذَبَ على الناس، وزَعَمَ أَنه هو الذي عُرِجَ بهِ إِلى السماءِ وليس أَرتيوراف!! وأَثبتَ ذلك في قرآنِه الذي أَلَّفَه، وادَّعى أَن اللهَ أَوحى به إِليه!!.
هكذا يُسجلُ الفادي المجرمُ كلامَه، ويُدَوِّنُ اتِّهاماتِه لرسولِنا محمدٍ ﷺ ، ويَلْبَسُ ثوبَ الموضوعيةِ والحياد، ويقولُ كَلاماً حاقِداً لا يَصدُرُ عن منصفٍ مُحايد!!.
ب - هل أخذ رسول الله ﷺ وصف الحور العين من الفرس؟ :
ادَّعى الفادي المجرمُ أَنَّ محمداً ﷺ أَخَذَ وَصْفَ الحورِ العينِ في الجنةِ عن كُتُبِ الفرس، ووَضَعَه في القرآن، ونَسَبَه إِلى الله، قال: " أَخَذَ القرآنُ الاعتقادَ بوجودِ الحورِ العينِ في الجَنَّةِ مما قَالَه الزرادشتيةُ القُدَماءُ، عن وُجودِ أَرواح الغاديات الغانياتِ المضيئاتِ في السماء، وأَنَّ مكافأةَ أَبطال الحروبِ هي الوجودُ مع الحورِ ووِلْدانِ الحور، وكانَ الاعتقادُ بوجودِ الحورِ سارِياً عندَ الهنودِ أَيْضاً، وكلمةُ " حوري " في لغةِ " أُوْستا " (وهي من لُغاتِ الفرسِ القديمة) تَعْني الشمسَ وَضَوْءَها، وفي اللغةِ البهلويةِ " هور "، وفي لغةِ الفرسِ الحديثةِ " حنورِ "، ولَفَظَها العَرَبُ " حُور " أكتاب " شرائع منوا " فصل: ٥، البيت: ٨٩، فَجَرْياً على هذهِ العقيدةِ الفارسيةِ والتعبيرِ الفارسيِّ قال القرآن: (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) .
وقال: (وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) ".
رسول اللهِ ﷺ مطلعٌ على كُتُبِ الفرسِ القديمة، وخبيرٌ باللغةِ الفارسية، يَذهبُ إِلى بلادِ الفرس، ويقرأُ تلك الكتب، ويأخُذُ منها ما يُريد، ويَصوغُه
стр. 575
باللغةِ العربية، ويجعَلُه قرآناً، واكتشفَ الفادي الباحثُ ذلك، وذَكَرَ لنا الكتابَ الذي كان محمدٌ ﷺ يأخذُ منه إ!.
من ما أَخذَه من ذلك الكتابِ القولُ بأَنَّ في الجنةِ نساءً من الحورِ العين،
فهذه عَقيدةٌ فارسيةٌ زرادشتيةٌ، وكلمةُ " حور " هنديةٌ فارسية، معناها الشمسُ، حَوَّرَها الفرسُ إِلى " هور "، وأَخَذَها منهم محمدٌ ﷺ وحَرَّفَها إِلى كلمةِ " حور "..
هذا ما يقررُه الباحثُ المتمكِّنُ من فقهِ اللغات، الفادي أَفندي!!.
إِن كلمةَ " حَوْرٌ " كلمةٌ عربيةٌ.
أَصيلة، وكانَ يَستعملها العربُ في الجاهليةِ قبلَ الإِسلام، ويَجعلونَها وَصْفاً للنساءِ الحسانِ الجَميلات.
قالَ العالمُ اللغويُّ الإِمامُ ابنُ فارس: " الحَوَرُ: شِدَّةُ بَياضِ العينِ في
شِدَّةِ سَوادِها.
قالَ أَبو عمرو: الحَوَرُ: أَنْ تَسْوَدَّ العَينُ..
وإِنما قيلَ للنِّساءِ: " حورُ العين " لأَنهنَّ شُبّهْنَ بالظِّباء ".
وجاءَ في لسانِ العرب: " الحَوْرُ: الرُّجوعُ عن الشيء، وإِلى الشيء.
حارَ إِلى الشيء: رَجَعَ إِليه.
وأَحارَ عليه جوابَه: رَدَّهُ.
و: المحاورةُ: المجاوبة.
و: الحَوَرُ: أَنْ يَشتدَّ بياضُ العينِ وسَوادُ سَوادِها، وتَستديرَ حَدَقَتُها، وتَرِقَّ
جُفونُها، ويَبْيَضَّ ما حوالَيْها.
وقيل: الحَوَرُ شِدَّةُ سَوادِ المقلَةِ في شِدَّةِ بياضِها، في شِدَّةِ بَياضِ الجَسَد.
قال الأَزهري: لا تُسَمّى حوراءَ حتى تكونَ مع حَوَرِ
عَيْنَيْها بيضاءَ لونِ الجَسَدِ ...
والأَعرابُ تُسَمّي نساءَ الأَمصارِ حواريات لبياضهِنَّ، وتَباعُدِهنَّ عن قَشْفِ الأَعراب بنظافتِهنَّ ...
فالحواريّاتُ من النساء: النقيّاتُ الأَلوانِ والجُلودِ لبياضهِنَّ".
وبهذا نَعرفُ أَنَّ مادَّةَ " حَوْرٌ " عربيةٌ أَصيلة، في جَذْرِها واشتقاقاتِها
وتَصريفاتِها واستعمالاتِها، وليستْ فارسيةً أَو مُعَرَّبَةً عن الفارسية، كما زعمَ
هذا الفادي المفترِي.
وقد وَرَدَتْ مادَّةُ " حَوْرٌ " في القرآنِ ثلاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً، وَوَرَدَ منها الكلماتُ
стр. 576
التالية: يَحورُ بمعنى: يَرجعُ: مرةً واحدة.
و: يُحاورُ بمعنى: يُراجعُ ويُناقشُ
ويُجادلُ في الكلام. وَرَدَ مرتَيْن.
و: تَحاوُرٌ: بمعنى المراجعة والمناقشة. وَرَدَ مرةً واحدة.
و: حورٌ عين: صفةُ نساءِ الجَنَّة. وَرَدَ أَربعَ مرات.
و: الحواريّون: أَصحابُ عيسى ﵇. وَرَدَ خمسَ مرات.
قال اللهُ عن الحورِ العين: (كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) .
وقال تعالى: (مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) .
وقال تعالى: (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) .
وقال تعالى: (وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) .
ب - هل سلمان الفارسي هو مؤلف القرآن؟ :
من مفترياتِ الفادي المفترِي الكبيرةِ الفاجرةِ زَعْمُهُ أَنَّ مُعَلِّمَ النبيِّ ﵇ هو سلمانُ الفارسيُّ ﵁، كان يُلَقِّنُ النبيَّ ﷺ القرآنَ، فيصوغُه بدوْرِه بالعربية، ويَنسبُه إِلى الله!!.
قال تحتَ عنوان: " مُلَقِّنُ محمدٍ: سلمان الفارسي ": " شهدَ القرآنُ أَنَّ
المقصودَ بإِملائِه القصصَ الفارسيةَ علي محمدٍ هو سلمانُ الفارسي، فقال:
(وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) .
وسلمانُ هذا فارسيّ أَسلم، وكان من الصحابة، وهو الذي أَشارَ على
محمدٍ وَقْتَ حصارِ المدينة بحفْرِ الخندق، فنفَّذَ محمدٌ نصيحتَه، وهو الذي
أَشارَ على محمدٍ باستعمال المنجنيقِ في غزوةِ ثقيف في الطائف.
وقد اتهمَ العربُ محمداً أَنَّ سلمانَ هذا هو الذي ساعَدَه على تأليفِ قرآنه، ومنه اسْتَقى الكثيرَ من قَصَصه وعباراتِه، ومع أَن محمداً قال: إِن سلمانَ أَعجميّ والقرآنَ عربيّ، ولكن هذا لا يمنعُ أَنْ تكونَ المعاني لسلمان، وصياغتُها في أُسلوبها العربي لمحمد".
стр. 577
يَكْذِبُ المفْتَري عندما يَزعُمُ أَنَّ القرآنَ شَهِدَ أَنَّ المقصودَ بإِملاءِ القَصصِ
الفارسيةِ على رسولِ اللهِ ﷺ هو سلمانُ الفارسيُّ ﵁، وأَنه هو الأَعجميُّ المقصودُ بقوله تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) .
لم يَقُلْ أَحَدٌ من العلماءِ المسلمين أَن الآيةَ نازلة في سلمانَ الفارسي، لأَنَّ سورةَ النحلِ مكية، ولم يكنْ سلمانُ مُسْلماً وقْتَ نزولِها، إِنما أَسلمَ في
المدينةِ بعدَ الهجرة.
والراجحُ أَنَّ المقصودَ بالآيةِ بعضُ العبيدِ الأَعاجمِ في مكة.
روى الواحديُّ في " أَسبابِ النزول "، والطبريُّ في تفسيرِه، عن عبدِ الله بنِ
مسلم الحضرميِّ ﵁: أَنه كانَ لهم عَبْدانِ من أَهْلِ غَيْرِ اليمن، وكانا طِفْلَيْن، وكان يُقالُ لأَحَدِهما: يَسار، وللآخَر. جَبْر.
فكانا يَقْرَأانِ التوراةَ، وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ ربما جَلَسَ إِليهما.
فقالَ كفارُ قريش: إِنما يَجلسُ إِليهما يتعلَّمُ منهما، فأَنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) .
وقالَ محمدُ بنُ إِسحاق في السيرة: كانَ الغلامُ النصرانيُّ واسْمُه " جَبْر "
عَبْداً لبعضِ بني الحَضْرَمي.
وقالَ عِكرمةُ وقَتادة: كان اسْمُه يعيش.
وقالَ ابنُ عباس: كان اسْمُه بلعام.
وبعدَ أَنْ ذكرَ الحافظُ ابنُ كثير الاختلافَ في اسمِ ذلك الغلامِ
الأَعجميّ، قال: " وقالَ الضَّحّاكُ بنُ مزاحم: هو سلمانُ الفارسي.
وهذا القولُ ضَعيف، لأَنَّ هذه الآيةَ مكية، وسلمانُ إِنما أَسلمَ بالمدينة ".
وقالَ ابنُ كثير في تفسيرِ الآية: " يَقولُ تعالى مُخْبِراً عن المشركين، ما
كانوا يقولونَه من الكذبِ والافتراءِ والبُهْت، أَنَّ محمداً إِنما يُعَلِّمُه هذا الذي
يَتْلوهُ علينا من القرآنِ بَشَر..
ويُشيرونُ إِلى رجلٍ أَعجمي كان بينَ أَظْهرِهم،
стр. 578
غُلامٌ لبعضِ بُطونِ قريش، كان بَيّاعاً يَبيعُ عند الصفا، وربما كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَجلسُ إِليه ويُكلمُه بعضَ الشيء، وذاك كانَ أَعجميَّ اللسانِ لا يَعرفُ العربية، أَو أَنه كانَ يَعرفُ الشيءَ اليسير، بقَدْرِ ما يَرُدُّ جَوابَ الخطابِ فيما لا بُدَّ منه، فلهذا قالَ اللهُ تعالى رَدّاً عليهم في افترائِهم ذلك: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) .
أَي: القرآنُ لسانٌ عربيٌّ مبين، فكيفَ يتعلَّمُ مَنْ جاءَ بهذا القرآنِ - في فصاحتِه وبلاغتِه ومعانيه التامةِ الشاملة، التي هي أَكملُ من كُلِّ كتابِ نَزَلَ على بني إِسرائيل - من رجلٍ أَعجميٍّ؟
لا يَقولُ هذا مَنْ له أَدنى مِسْكَةٍ من عَقْل.. ".
لقد كَذَبَ الفادي المفترِي كذبتَيْنِ كبيرتَيْن: كَذَبَ عندما زَعَمَ أَنَّ
الرسولَ ﷺ أَخَذَ هذا القرآنَ عن رجلٍ أَعجمي، ولا نجدُ في الرَّدِّ عليه أَبلغَ من قولِه تعالى: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) .
والكِذْبةُ الثانيةُ عندما زَعَمَ أَنَّ هذا الأَعجميّ المعلِّمَ هو سلمانُ
الفارسيّ ﵁، وهو يقولُ هذا الكلامَ لأَنه جاهلٌ بالقرآنِ، وبالسيرةِ، وبالتاريخِ، وبأُسس البحثِ العلميِّ المحايدِ النزيه.
إِنه جاهِلٌ لا يَعرفُ أَنَّ سورةَ النحل مكيّة، وجاهلٌ لأَنه لا يَعرفُ أَنَّ
إِسلامَ سلمانَ الفارسيِّ كانَ في المدينة.
وهو حاقدٌ متحاملٌ، يُغالطُ عندما يَدَّعي أَنَّ سلمانَ الفارسيَّ كان يُعلمُ الرسولَ ﷺ العلومَ والقصصَ والأَخبارَ
والمعاني، باللغةِ الفارسية، فيتلقَّفُها منه، ويَصوغُها بلغتِه العربية: " ولكنَّ
هذا لا يَمنعُ أَنْ تكونَ المعاني لسلمان، وصياغتها في أُسلوبِها العربيِّ
لمحمد ".
وقد كانَ سلمانُ الفارسيُّ ﵁ خبيراً بشؤونِ الحرب، ولذلك هو الذي أَشارَ على رسولِ الله ﷺ بحَفْرِ الخندق، في السنةِ الخامسةِ من الهجرةِ،
стр. 579
لما هاجمتْ أَحزابُ الكفارِ المدينة، ففوجئوا بذلك الخندق، الذي لم يَألَفوه من
قبل.
كما أَشارَ على رسول اللهِ ﷺ بضربِ الطائفِ بالمنجنيق، في السنةِ الثامنةِ من الهجرة.
سادساً: ما الذي أخذه رسول الله ﷺ من كتب الحنفاء؟ :
تكلمَ الفادي الجاهلُ عن " الحنفاءِ " كَلاماً باطلاً، دَل على جهلِه
وافترائِه، وزَعَمَ فيه أَنَّ هؤلاءِ الحنفاءَ كانوا من الذين عَلَّموا رسول اللهِ ﷺ .
أ - من هو الحنيف؟ :
من جهل الفادي أنه لم يَعْرِفْ معنى كلمة " حنيف " في اللغةِ العربية، فبَعْدَ
أَنْ دكَرَ بعضَ الآياتِ التي وَصفَتْ إِبراهيمَ ﵇ بأَنه حَنيفٌ، كقوله تعالى: (قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) .
ادَّعى الجاهلُ الغبيُّ أَنَ كلمةَ " حَنيف " عبريةٌ وسريانيةٌ وليست عربية.
قال في افترائِه: " وكلمةُ (حنيف) في اللغةِ العبريةِ والسريانيةِ تَعْني " نَجساً " أَو " مُرْتَدّاً "، وُصِمَ بها العربُ الذين هَجَروا عبادةَ الأَصْنام، وارتَدُّوا عن دينِ أَسلافِهم ".
" حَنيف " عند الجاهلِ ليستْ صفةَ مَدْح، بل صفة ذَمِّ، بمعنى: نَجِس،
وهي عبريةٌ وليستْ عربية! هكذا يَدَّعي هذا الباحثُ الموضوعيُّ المحايد!!.
علماً أَنَّ الكلمةَ عربيةٌ أَصيلةٌ، ذاتُ جَذْرٍ لغويّ صحيح، ومعنى عربي:
واضح مفهوم.
هل الحنيفُ هو النجسُ؟ لِنَنْظُر:
قال ابنُ فارس: " الحَنَفُ هو الميْلُ.
ورجلٌ أَحْنَف: مائِلُ الرّجْلَيْن.
والحَنيفُ: المائل إِلى الدينِ المستقيم.
ويُقال: الحَنيفُ هو النّاسِك، والحَنيفُ هو المستقيمُ الطريقة، وهو يَتَحَنَّفُ.
أَيْ: يَتَحَرّى أَقومَ الطَّريق ".
وجاءَ في لسانِ العرب: " الحَنيفُ: المسلم، الذي يَتَحَنَفُ عن الأَدْيان،
стр. 580
أَيْ: يَميلُ إِلى الحَقّ.
وقيلَ: هو الذي يَستقبلُ قبلةَ البيتِ الحرامِ على ملَّةِ
إِبراهيم، على نبيّنا وعليه الصلاةُ والسلام.
وقيلَ: هو المخْلِص، وقيل: هو مَنْ أَسْلَمَ في أَمْرِ الله، فلم يَلْتَوِ في شيء.
وقيل: كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ لأَمْرِ اللهِ ولم يَلْتَوِ فهو حَنيف.
فالحَنيفُ: المستقيم، والحَنَفُ: الاستقامة.
والدّينُ الحَنيفُ: الإِسلام.
والحنيفيةُ: مِلَّةُ الإِسلام.
وفي الحديث: " بُعِثْتُ بالحنيفيةِ السَّمْحَة ".
قالَ الزجاج: الحَنيفُ في الجاهليةِ: مَنْ كانَ يَحُجُّ البيتَ، ويَغتسلُ من
الجَنابة، ويَختتن، فلما جاءَ الإِسلامُ كانَ الحنيفُ المسلمَ.
وفي الحديثِ القدسيّ: " خَلَقْتُ عبادي حُنَفاء ".
أَيْ: طاهِري الأَعضاء من المعاصي ... ".
الحَنيفُ في اللغةِ العربيةِ هو الطاهرُ وليس النَّجس، وهو المسلمُ وليس
المرتَدّ، وهو المستقيمُ على الحَقّ، وليس المنحرفَ عنه، فهو صفةُ مدحٍ
وثناء، وليسَ صفةَ ذَم، كما ادّعى هذا الجاهلُ الغبيُّ.
ولذلك جاءَتْ هذه الصفةُ للمدحِ والثناء، وَوُصِفَ بها إِبراهيم ﵇ أَكثرَ من مَرَّة.
كما في قولِه تعالى: (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) .
وكما في قولِه تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) .
وكما في قولِه تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) .
ولذلك أَمَرَ اللهُ رسولَه محمداً ﷺ أَنْ يَقْتديَ بإِبراهيمَ ﵇، وأَنْ يكونَ حَنيفاً مثْلَه.
قالَ تعالى: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) .
وقال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) .
стр. 581
وأَمَرَ اللهُ كُلَّ عبادِه المسلمين أَنْ يَكونوا حُنَفاء، على اختلافِ زمانِهم أَو
مكانِهم.
قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) .
إِبراهيمُ ﵇ حَنيفٌ، ورسولُنا ﷺ حَنيفٌ..
والنَّجِسُ المرتَدُّ الخبيثُ المفتري هو هذا الفادي المجرمُ، الذي يتلاعَبُ حتى بمعاني الكلمات!.
ب - حول نشأة الحنفاء ونهايتهم:
يواصِلُ الفادي الجاهلُ جَهْلَه، فيتحدَّثُ عن نشأَةِ الحُنَفاء، ويَذْكُرُ أَمْراً
ساذجاً مُضْحِكاً، يَدَّعي أَنه نَقَلَه عن السيرةِ النبويةِ لابنِ هشام.
زَعَمَ أَنَّ قُريشاً اجتمعتْ في يومِ عيدٍ لهم، حول صنمٍ من أَصنامِهم،
يَعبدونَه ويُعَظّمونه ...
فاعتزلهم أَربعةُ نَفَر، وجَلَسُوا يتحدثون فيما بينهم، وهم: وَرَقَةُ بنُ نوفل، وعبيدُ الله بن جحش، وعثمانُ بن الحويرث، وزيدُ بن عمرو بن نفيل..
وقال بعضُهم لبعض: تَعلمونَ أَنَّ قومَكم ليسوا على شيء، وأَنهم تركوا دينَ أَبيهم إِبراهيم، وعبدوا أَحجاراً لا تَضُرُّ ولا تَنفع ...
وتواصى هؤلاء الأَربعةُ أَنْ يَتَفَرَّقوا في البلدان، للبحثِ عن الدينِ الحق.
وزَعَمَ الفادي أَنَّ وَرَقَة بنَ نوفل تَنَصَّر، وأَنَّ عُبيدَ اللهِ بنَ جحشِ بقيَ
حائِراً، إِلى أَنْ أَسلمَ ثم تَنَصَّر، وأَنَّ عثمانَ بنَ الحويرث تَنَصَّر، وزيدَ بنَ عمرو اعتزل قَومَه، وطَردوه من مكة، وأَقامَ على جبل حراء".
وهذا كلامٌ باطل، يَدُل على أَنَّ " الحنفاءَ " لم يوجَدوا إِلّا في قريش،
قُبيلَ بعثةِ رسول اللهِ ﷺ ، وأَنهم أَربعةُ رجالٍ فقط، انتهى ثلاثةٌ منهم إِلى النصرانية وصاروا نصارى، والرابعُ هو الذي عَلَّمَ محمداً ﷺ القراَن!!.
" الحُنَفاءُ " هم: الذينَ لم يُشركوا بالله، ولم يَعْبُدوا الأَصنام، وآمَنوا بالله
وحْدَه لا شريكَ له، وبَقوا على دينِ إِبراهيمَ ﵇، فقد كانوا يَعلمونَ أَنَّ
стр. 582
إِبراهيمَ ﵇ كان " حَنيفاً "، ولهذا أَعلنَ كُلُّ واحدٍ منهم أَنه حنيف، يَقْتَدي بإِبراهيم ﵇، وسُمّوا بالحنفاء.
أَيْ أَنَّ دينَهم كانَ " الحنيفية "، القائمةَ على توحيدِ الله، وعدمِ الشركِ به.
وكان هؤلاء قبلَ بعثةِ محمدٍ ﷺ بمئاتِ السِّنين، ولم يتوقَّفْ وجودُ الحنفاءِ في بلادِ العرب منذُ إِسماعيلَ ﵇، ولم يكونوا في مكةَ وَحْدَها، إِنما كانوا موجودين في مختلفِ بلادِ العرب، كمكةَ والمدينةِ والطائف ونجد واليمن وعُمان وغيرها.
فلم يكونوا مجردَ أَربعةِ رجالِ كما زعم الفادي.
وكَذَبَ الفادي المفترِي عندما ادَّعى أَنَّ ورقةَ بنَ نوفل اعتنقَ النصرانية،
وذلك في قولِه: " فأَما وَرَقَةُ بنُ نوفل فاستحكَمَ في النصرانية، واتبعَ الكتبَ من أَهلِها، حتى عَلِمَ عِلْماً من علمِ أَهْلِ الكتاب ".
لقد بقيَ وَرَقَةُ على الحنيفية، ولم يَدخلْ في اليهوديةِ ولا في النصرانية،
لقد كان قارِئاً كاتِباً، مطَّلِعاً على التوراة، يقرأُ فيها، ويعرفُ النبوةَ والأَنبياء، لكنه لم يَعتنقْ أَيّاً من الديانتَيْن اليهوديةِ والنصرانية.
وبقيَ ورقةُ بنُ نوفلَ حَيّاً حتى بعثةِ محمدٍ ﷺ ، وكان قَريباً لزوجِه خديجةَ ﵂، وقد قابلَ الرسولُ ﷺ ورقةَ بعدَ نزولِ الوحيِ عليه، وثَبّتَه على الحَقّ.
روى البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشةَ ﵂ حديثَ " بدءِ الوحي " الطويل، ونسجلُ هنا الجزءَ المتعلقَ بورقة، قالت: " ... فقالَتْ خديجةُ لورَقَة: أَي عَمّ! اسمعْ من ابنِ أَخيك.
فقالَ له ورقة: يا بنَ أَخي ماذا تَرى؟ فأَخبره رسولُ الله ﷺ خَبَرَ ما رآه.
فقالَ له ورقَة: هذا الناموسُ الذي أُنزلَ على موسى ﵇، يا لَيْتَني فيها جَذَعاً، يا لَيْتَني أَكونُ حيّاً إِذْ يخرجُك قومُك! فقال رسولُ الله ﷺ .
((أَوَ مُخْرِجيَّ هُمْ؟ ".
قَالَ ورقَة: نَعَمْ. لم يأتِ رجلٌ قَط بمثْلِ ما جئْتَ به إِلّا عودِي، وإِنْ يدركْني يومُك أَنْصرْكَ نَصراً مُؤَزَّراً.
ثم لم يَنشِب ورقةُ أَنْ تُوُفَي ".
стр. 583
وَرَقَةُ حَنيفٌ مُوَحِّد، يَعرفُ النبوةَ والأنبياء، لذلك عَرَفَ أَنَّ اللهَ بَعَثَ
محمداً رسولاً نبياً ﷺ ، وأَنزل عليه الوحيَ، وأَنَّ جبريلَ الذي أُنزلَ عليه هو الذي أَنزلَه اللهُ على كُل نبيٍّ قبلَه..
وأَخبرَ ورقةُ محمداً ﷺ أَنْ قُريشاً
سيُخرجونَه من مكة، وسيُعادونَه ويُحاربونَه، لأَنَّ الأَقوامَ السابقين عادوا
أَنبياءَهم وحارَبوهم، وتمنّى لو كانَ في شبابِه وقُوَّتِه لينصُرَه ويؤَيدَه ويكونَ معه، وَوَعَدَه أَنْ يَدخلَ في دينِه إِنْ أَدركَه وبقيَ حَيّاً، لكنَّه سرعانَ ما توفي!.
أَيْ أَنَّ ورقةَ أَيقنَ أَنَّ محمداً هو رسول الله ﷺ ، وتمنّى لو دَخَلَ هو في الإِسلام، وكان يَنْوي ذلك، لكنَّه ماتَ قبلَ أَنْ يبدأَ رسول الله ﷺ بالدعوة.
ب - زيد بن عمرو ورسول الله ﷺ :
ادعى الفادي المجرمُ أَنَّ قُريشاً نَفَوا زيدَ بنَ عمرو، فأَقامَ في غارِ حراء،
وهناك كانَ يجتمعُ به محمد ﷺ ، فعلَّمَه زيدٌ القرآن!! قالَ الفاجرُ فَضَّ اللهُ فاه:
" وأَما زيدُ بنُ عمرو فلم يدخُلْ في يهوديةٍ ولا نصرانية، وفارَقَ دينَ قومِهِ،
فاعتزلَ الأَوثانَ، ونهى عن قتْلِ الموءودةِ، وقال: أَعبدُ رَبَّ إِبراهيم، ونادَى
قومَه بعيبِ ما هم عليه، وكان يَجهرُ في الكعبةِ بمبادئِه، فطردَه عَمُّه خَطَّاب من مكة، وأَلزمَه أَن يُقيمَ على جبلِ حراء أَمامَ تلك المدينة، ولم يَأذَنْ له بالدخولِ إِلى مكة..
وكان محمدٌ يَذهبُ إِلى جبلِ حِراء، ويَصرِفُ هناكَ شهراً كُلَّ سنة،
حَيثُ طبعَ زيدٌ على محمدٍ في ذلك الغارِ أَكبرَ أَثَرٍ في أَفكارِهِ وتوجيهِه ".
ما ادَّعاهُ المجرمُ غيرُ صَحيح، فلم تَنْفِ قريشٌ زيدَ بنَ عمرو من مكة،
ومن ثَمَّ لم يكنْ مُقيماً في غارِ حِراء، فقد كانَ مُقيماً في مكَّة، ويتجوَّلُ فيها،
ويَجلسُ عند الكعبة، ويَنشُدُ الأَشْعار، ويَنطقُ بالأَقوال في عَيْبِ الشركِ بالله، والجهرِ بتوحيدِ الله، وكانوا يَسمعونَه ولا يهتَمُّون به.
ولم يَلْتقِ رسولُ الله ﷺ بزيدِ بنِ عمرو في غارِ حِراء، كما ادعى المجرمُ، وماتَ زيدُ بنُ عمرو قبلَ بعثةِ رسولِ الله ﵇، والذي أَدرك النبوةَ هو ابنُه
стр. 584
سعيدُ بنُ زيد، الذي كانَ من خَيارِ الصحابة، ومن العشرةِ المبَشَّرين بالجنة.
وانظر إِلى فُجورِ الفادي عندما يُوَظِّفُ الروايةَ الصحيحةَ تَوْظيفاً سيئاً،
يوافِقُ هواه، ويَستدلُّ بها على ادِّعاءاتِه واتهاماتِه.
فالرسولُ ﷺ كان يَذهبُ إِلى غارِ حراءَ شَهْراً في السنة، هو شَهْرُ رمضان، هذا صحيح، حيثُ كان يَخْلو
إِلى نفسِه، يُفَكِّرُ ويتأَمَّل ...
لكنَّه لم يكن هناك مع زيدِ بنِ عمرو، ولم يُعَلِّمْه زيدٌ القرآنَ، ولم يُلَقّنْه التوحيدَ.
وعندما كان رسولُ اللهِ ﷺ وحيداً في غارِ حِراءَ فاجأَه الوحْيُ، وأَنزلَ اللهُ عليه جبريلَ ﵇.
روى البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشةَ أُمِّ المؤمنين ﵂ قالت: " أَوَّلُ ما بُدِئَ به رسولُ الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحةُ في النومِ، فكانَ لا يَرى رؤيا إِلّا جاءَتْ مثلَ فَلَقِ الصُّبْح ...
ثم حُبِّبَ إِليه الخَلاء، وكانَ يَخْلو بغارِ حِراء، فيتحنَّثُ فيه - وهو التعبّدُ - الليالي ذواتِ العَدَد، قبلَ أَنْ يَنْزعَ إِلى أَهْلِه، ويتزوَّدَ
لذلك، ثم يَرجعَ إِلى خَديجة، فيتزوَّدَ لمثْلِها ...
حتى جاءَهُ الحق وهو في غارِ حراء..
فجاءَه المَلَكُ، فقالَ: اقْرَأ ... ".
د - هل أَثَّرَ زيدُ بنُ عمرو في القرآن؟ :
ما زالَ الفادي المفْتَري مُصرًّاًعلى فُجورِه ومزاعمِه بأَنَّ محمداً ﷺ تَلَقّى القرآنَ عن زَيْدِ بنِ عمرو.
وأَورَدَ بعضَ الأَبياتِ الشعريةِ التي نُسبتْ لزيدِ بن عَمرو، ولَخَّصَ هو بعضَ أَفكارِها، الرافضةِ للشرك، والداعيةِ إِلى التوحيد، ثم زَعَمَ أَنَّ هذه الأَبياتِ أَثَّرَتْ في القرآن.
قال المجرم: " أَقوالُ زيدِ بنِ عمرو وأَثَرُها في القرآن:
قالَ زيدُ بنُ عمرو في فراقِ قومِه:
أَرَبّ واحدٌ أَمْ أَلْفُ رَبٍّ ... أَدينُ إِذا تَقَسَّمَتِ الأُمورُ
عَزَلْتُ اللَّاتَ والعُزّى جَميعاً ... كَذلكَ يَفْعَلُ الجَلِدُ الصَّبورُ
فَلا عُزّى أَدينُ وَلا ابْنَتَيْها ... وَلا صَنَمَى بَني عَمروٍ أَزورُ
وَلا هُبَلاً أَدينُ وَكانَ رَبّاً ... لَنا في الدَّهْرِ إِذ حِلْمِي يَسيرُ
стр. 585
عَجِبْتُ وَفي اللَّيالي مُعْجباتٌ ... وَفي الأَيّامِ يَعْرِفُها البَصيرُ
بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَفْنى رِجالاً ... كَثيراً كانَ شَأْنُهُمُ الفُجورُ
وَأَبْقى آخَرينَ بِبِز قَوْمٍ ... فَيَكْبُرُ مِنْهُمُ الطفْلُ الصَّغيرُ
وَبَيْنا المَرْءُ يَفْتُرُ ثابَ يَوْماً ... كَما يَتَرَوَّحُ الغُصْنُ المَطيرُ
وَلكِنْ أَعْبُدُ الرَّحْمنَ رَبّي ... لِيَغْفِرَ ذَنْبِيَ الرَّبُّ الغَفورُ
فَتَقْوى الله رَبِّكُمُ احْفَظوها ... متى ما تَحْفَظوها لا تَبورُ
تَرى الأَبْرارَ دارَهُمُ جنانٌ ... وللكُفّارِ حامِيَةٌ سَعيرُ
وَخِزْيٌ في الحَياةِ وَإِنْ يَموتوا ... يُلاقوا ما تَضيقُ به الصُّدورُ "
وعَلَّقَ المفْتَري على شِعْرِ زيدِ بنِ عمرو بقوله: " فهذه القصيدةُ العامرةُ
تُبَيِّنُ مَبادئَ الحُنَفاءِ التي تَأَثَّرَ بها محمد، وجَعَلَها من مقوِّماتِ دينِه، فقصيدةُ
زيدِ بنِ عمرو قبلَ الإِسلام تُعلنُ المبادئَ التالية:
رفضُ عبادةِ الأَوثان.
والإِقرارُ بوحدانيةِ الله.
والوعدُ بالجنة.
والوعيدُ بالعذابِ في سَعيرِ جهنم.
وأَسماءُ اللهِ الرَّبِّ الرحمنِ الغفور.
والمناداةُ بدينِ إِبراهيم.
وقد أَخَذَ الإِسلامُ أَهَمَّ مبادِئِه عن الحنفاء، كما عَلمَها زيدُ بنُ عمرو
لمحمدٍ!! ".
صحيحٌ أَنَّ زيدَ بنَ عمرو قال بعضَ أبياتِ هذه القصيدة التي نُسبتْ له،
وبعضُ أَفكارِها التي وَرَدَتْ كانَ زيدٌ مؤمناً بها، لأَنه كانَ مُوَحِّداً حنيفاً، على
دينِ إِبراهيمَ ﵇.
ولكنَّ زيداً ماتَ قبلَ بعثةِ محمدٍ رسولِ الله ﵇، ولزيدٍ
أَبياتٌ وعباراتٌ توحيدية أُخرى، لأَنه كانَ مؤمناً مُوَحداً لله.
ولا يُسْتَغْرَبُ اتفاق بعضِ المبادئ والأَفكارِ التي كان يُؤمنُ بها زيدُ بنُ
عمرو - أَو غيرُه في العربِ الحنفاء - مع ما جاءَ في القرآنِ، لأَن تلكَ المبادئَ أَخَذوها عن دينِ إِبراهيمَ ﵇.
стр. 586
لقد جاءَ إِبراهيمُ ﵇ بالتوحيد، وجاءَ محمدٌ ﷺ بالتوحيد، وجاءَ كُلُّ نبيٍّ بالتوحيد، ولا خِلافَ في العقيدةِ بينَ رسولٍ ورسول، فكلّهم جاؤوا بعقيدةٍ واحدة، ولا غرابةَ في اتفاقِ القرآنِ مع ما كان يؤمنُ به المؤمنُ الحنيفُ زيدُ بن عمرو.
قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) .
وقال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) .
سابعاً: ما الذي أخذه رسول الله ﷺ من الكتب السماوية؟ :
ادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمداً ﷺ أَخَذَ القرآنَ من الكتبِ السماوية السابقة، المتمثلةِ في أَسْفارِ العهدِ القديمِ وأناجيلِ العهدِ الجديد، وادَّعى أَنَّ القراَنَ اعترفَ بذلك، واستشهدَ على ذلك بقولِه تعالى: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩) .
ومعنى الآيةِ عندَه أَنَّ آياتِ القرآنِ موجودةٌ في الصحف الأُولى، كصحفِ
إِبراهيمَ وموسى ﵉.
أَيْ أَنَّ محمداً ﷺ أَخَذَ آياتِ القرآنِ من الصحفِ
الأُولى، التي أُنزلَتْ على إِبراهيمَ وموسى، وزَعَمَ أَنَّ اللهَ أَنزلَها عليه.
وهذا الفهمُ الخاطئُ للآيةِ سَبَبُهُ جهلُ الفادي وغباؤُه، اسْمُ الإِشارةِ " هذا "
في الآية: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى) يَعودُ في زعمِه على القرآن.
وهذا باطلٌ.
إِنَّ اسْمَ الإِشارةِ يَعودُ على المعنى الذي قَرَّرَتْه الآياتُ السابقةُ من
السورة، مثلُ قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) .
أَيْ: هذا المعنى في الآياتِ موجودٌ في الصحفِ الأُولى، كصحفِ إِبراهيمَ وموسى.
وهذه الآياتُ تُقررُ حقائقَ إِيمانيةً عقيدية، وهذه الحقائقُ موجودةٌ في
стр. 587
الصحفِ الأُولى، فاللهُ أَخبرَ " في صحفِ إِبراهيمَ وموسى أَنَّ مَنْ تَزَكّى وذَكَرَ
اسْمَ ربِّه فصلّى، فهو مفلحٌ فائزٌ ناجح..
ولكنَّ معظمَ الناسِ لا يَأخذون بذلك، وإنما يُؤْثِرونَ ويُفَضلونَ الحياةَ الدنيا، وهم خاسرونَ مُخطئون في إِيثارِهم واختيارِهم، لأَنَّ الآخِرَةَ خَيرٌ وأَبقى.
فهذه الآيات ُ شاهدةٌ بوحدةِ الصحفِ والكتبِ التي أَنزلَها اللهُ على رسلِه،
ووحدةِ الرسالاتِ في الأُصول، وهي مسائلُ الإِيمانِ والعقيدة، وكلُّهم جاؤوا
بعقيدةٍ واحدةٍ، تقومُ على توحيدِ الله، وإفرادِه بالعبادةِ والاستعانة، وطالَبوا
بتحقيقِ أَركانِ الإِيمان، والخلافُ بينَهم إِنما كان في الشرائعِ، لقوله تعالى:
(لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) .
وذَكَرَ الفادي المفْتَري بعضَ الموضوعاتِ التي أَخَذَها محمدٌ ﷺ من الكتبِ السابقة فقال: "..
وفي هذا اعترافٌ صريحٌ أَنَّ القرآنَ (عَدَا قصص نساءِ محمدٍ وغاراته) مأخوذٌ عن الكتابِ المقدس..
فمِنْ سِفْرِ التكوينِ اقتبسَ قصةَ الخليقةِ وآدمَ وحَوّاء وقايينَ وهابيلَ وأَخنوخَ ونوحٍ وإبراهيمَ ولوطٍ وإسحاق ويَعقوبَ ويوسُفَ ...
وعن سِفر الخروج أَخَذَ قصةَ موسى وفرعون وعامودَ السحاب والمنِّ والسلوى والصخرةِ والوصايا العشر والعجل الذهبي واللوحين
والتابوت ...
وعن سِفر اللّاويين أَخَذَ شريعةَ العينِ بالعينِ والسِّنِّ بالسن والذبائح الدموية ...
وعن سِفْرِ العددِ أَخَذَ قصةَ الجواسيس وقورح والبقرة
الحمراء وبلعام ...
وعن سفرِ التثنية أَخَذَ أَنَّ موسى كتبَ التوراة، وأَنَّ الكهنةَ
حفظوها ...
ومن سِفْرِ يَشوع اقتبسَ قصةَ دُخول بني إِسرائيلَ أَرضَ الموعد..
وأَخَذَ قصةَ جَدْعون عن سِفْرِ القضاة..
وقصةَ شاول وداود وجوليات وتوبةَ داود عن سِفْرَي صموئيل..
وقصةَ سليمان من سِفر المزامير وأَشعياء وحزقيال.
وقصةَ يونان عن سِفر يونان..
وقصةَ زكريا ويحيى ومريم العذراء
وميلاد المسيح ومعجزاتِه وموته وصعوده عن الأَناجيل.
وانتشار المسيحية ومجمع أورشليم ورسامة القساوسة عن أعمال الرسل..
وبعضَ الآياتِ اقتباساً من رسائل بولس الرسول إِلى أَهلِ رومية وكورنثوس وغلاطية وفيلبي
стр. 588
وتسالونيكي والعبرانيين، ومن رسائل يعقوب وبطرس ورؤيا يوحنا
اللاهوتي ".
إِذا توافَقَ القرآنُ في أَيِّ قصةٍ أَو خَبَرٍ مع أَسفارِ التوراةِ والأَناجيل، فهو
دليلٌ على أَنَّ محمداً " ﷺ أَخَذَ ذلك من تلك الكتب، أَيْ أَنه رجعَ إِليها وقرأَ فيها وحفظها، ثم أَخَذَ واقتبسَ وصاغَ منها ما يَشاء، وادَّعى أَنَّ اللهَ أَنزلَها عليه!!.
لا أَدري كيفَ يَلبسُ هذا الفادي الجاهلُ ثوبَ البحثِ العلميِّ الموضوعيِّ
المنصفِ المحايد، ولا كيفَ يَفهمُ الأُمورَ، ولا كيفَ يَقرأُ في الأَديانِ
والرسالات!!.
إِننا نؤمنُ أَنَّ اللهَ أَنزلَ التوراةَ على موسى ﵇، قبلَ أَنْ يُحَرّفَها اليهود، كما نؤمِنُ أَنَّ اللهَ أَنزلَ الإِنجيلَ على عيسى ﵇، قبلَ أَنْ يُحرفَه النَّصارى، وبما أَنَّ الكتبَ الثلاثةَ من عندِ اللهِ فلا بُدَّ أَنْ تكونَ متوافقةً متساندة، ولا يَجوزُ أَنْ تكونَ مُتعارضةً متناقضة.
ويَجبُ أَنْ يَكونَ الكتابُ اللاحقُ المتأَخِّرُ مُصَدِّقاً للكتابِ السابق، وإذا جاءَ مُناقِضاً له، أَو مُخَطِّئاً أَو مُكَذِّباً لما فيه، فأَحَدُ الكتابَيْنِ ليسَ من عند الله!!.
وإِنَّ من المتَّفِقِ مع التفكيرِ العقليِّ المنطقيِّ أَنَّ كَلامَ اللهِ صادقٌ صَحيحٌ
صائب، وأَنه لا يَجوزُ لبعضِ كلامِ اللهِ أَنْ يُخَطِّئَ أَو يكَذِّبَ أَو يَنْقُضَ أَو يَرُدَّ
بعضَ كَلامِ الله.
ولهذا نقول: يَستحيلُ عَقْلاً وشَرْعاً أَنْ يُخَطِّئَ الإِنجيلُ
التوراة، أَو أَنْ يُناقِضَ القرآنُ ما في الإِنجيلِ والتوراة!!
كلُّ ما وردَ في الإِنجيلِ النازلِ على عيسى ﵇ مُوافقٌ ومُصدِّقٌ للتوراةِ النازلةِ على موسى ﵇.
وكلُّ ما وردَ في القرآنِ النازلِ على محمدٍ ﷺ موافِقٌ ومُصَدِّقٌ لما وَرَدَ في التوراةِ النازلةِ على موسى، والإِنجيلِ النازلِ على عيسى ﵇.
هذا أَمْرٌ بَدَهيّ عقليّ مُقَرّر!!.
стр. 589
وقد أَخبرَ اللهُ أَنَّ عيسى جاءَ مُصَدّقاً لموسى ﵇، وأَنَّ الإِنجيلَ جاءَ مُصَدّقاً للتوراة.
قال تعالى عن ما قالَه عيسى ﵇ لبني إِسرائيل: (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) .
وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) .
وقال تعالى عن موافقة وتصديق الإِنجيل للتوراة: (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) .
ويُلاحَظُ أَنَّ الحالَ " مُصَدّقاً " وَرَدَ في الآيةِ مرتَيْن.
كان في المرةِ الأُولى حالاً لعيسى ﵇: (بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ..) .
وكانَ في المرةِ الثانيةِ حالاً للإِنجيل: (وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ) .
ومن المعلومِ أَنَّ الإِنجيلَ مُكَمّلٌ للتوراة، حتى الأَناجيل المحرفة التي
كَتَبها النصارى، متوافقةٌ في كثيرٍ من أَفكارِها مع أَسفارِ العهدِ القديم المحرَّفَةِ
التي كتبها الأَحْبار.
فلماذا لم يَتَّهِم الفادي المجرمُ عيسى ﵇ بأَنه أَلَّفَ الإِنجيلَ من عنده، لأَنه متوافقٌ مع التوراة في كثيرٍ من الأَخبارِ والقَصصِ والحكايات؟
بينما اتَّهَمَ محمداً ﷺ بأَنه أَلَّفَ القرآنَ من عندِه، لأَنه متوافقٌ مع التوراةِ والإِنجيل؟!
ولماذا حَرَّمَ على القرآنِ ما أَباحَه للإِنجيل؟
وأَينَ هذا من الموضوعيةِ والمنهجية؟!.
لو خالَفَ القرآنُ التوراةَ والإِنجيل، ولو كَذَبَ ما فيهما من حقائقَ صادقة
فسوفَ يُشَكُّ في أَنَّه من عندِ الله، لأَنَّ مَنْ ناقَضَ وكَذَّبَ كَلامَ الله فليس من
عندِ الله.
ولذلك نَعتبرُ موافقةَ القرآنِ للتوراةِ والإِنجيل، وتصديقَه لما فيهما،
стр. 590
شهادةً له تُقررُ أَنه من عندِ الله، أَوحى به إِلى محمدٍ ﷺ ، وليس شُبهةً تُوَْجَّهُ ضِدَّه، كما فَعَلَ ذلك الفادي المفترِي.
وأَخْبَرَنا اللهُ في القرآنِ أَنه جعلَ القرآنَ مُصدِّقاً لما قبلَه من التوراةِ
والإِنجيل، قال تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) .
والقرآنُ ليس مجردَ مصدّقٍ للتوراةِ والإِنجيل، وإِنما هو مهيمنٌ عليهما،
فهو الحاكمُ عليهما، وهو المرجعُ لما وَرَدَ فيهما، لأَنَّ اللهَ أَنزلَه بعدهما "
قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) .
ونُذَكِّرُ بحقيقةٍ قاطعةٍ هي أَنَّ القرآنَ مُصَدِّق للتوراةِ الربانية، التي أَنزلَها اللهُ
على موسى ﵇، وللإِنجيلِ الربانيّ الذي أَنزلَه اللهُ على عيسى ﵇..
أَمّا التوراةُ التي بينَ أَيدي اليهودِ الآنَ فإِنَّ القرآنَ مُكَذِّبٌ لما فيها من أَخطاء
وأَكاذيب، لأَنها من تأليفِ الأَحبار الكافرين.
والأَناجيلُ التي بين أَيدي النصارى الآن يُكَذّبُ القرآنُ ما فيها من أَكاذيب، لأَنها من تأليفِ الرهبان!!.
***
حول إنزال القرآن مفرقاً
شاءَ اللهُ الحكيمُ إِنزالَ الكتبِ السابقةِ جملةً واحدة، وشاءَ الحكيمُ
سبحانه أَنْ لا يكونَ إِنزالُ القرآنِ كذلك، ولذلك أَنزلَه مُفَرَّقاً مُنَجَّماً، واستمرَّ إِنزالُه مدة البعثة، التي كانت ثلاثةً وعشرين عاماً.
وقد أَثارَ الكفارُ السابقونَ اعتراضاً وإِشكالاً على ذلك، واقترحوا أَنْ
ينزلَ القرآنُ جملةً واحدة، كالكتبِ السابقة، وذَكَرَ اللهُ قولَهم ورَدَّ عليه في أَكثر من آية.
стр. 591
وأَعادَ الفادي المفترِي اعتراضَ السابقين، واعْتَبَرَه مَطْعَناً يوجَّهُ ضِدَّ
القرآن، ودَليلاً على أَنه ليسَ من عندِ الله.
وجعلَ اعتراضَه تحتَ عنوان: " الكلامُ المفَكَّك ".
أَيْ أَنَّ القرآنَ كلامٌ مُفَكَّك مُتقطع متفرِّق، لا يَجمعُه نظام أَو تناسُق، فهو
مُتَعارِض مُتَناقِض مع نفسِه، فما قالَه قبلَ عَشْرِ سنوات يُخالِفُه الآن، وما أَخبرَ عنه في الماضي يَتَراجَعُ عنه في الحاضر، وما أَباحَه سابقاً يتراجَع عنه لاحِقاً.
وهذا التعارضُ والاختلافُ دَليل على أَنه ليسَ من عندِ الله!!.
أَوردَ المفترِي قوله تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) .
تُشيرُ الآيةُ إِلى حقيقةِ إِنزالِ القرآنِ مُفَرَّقاً منجماً، على حسبِ الحوادثِ والأَسباب، وتُبينُ الحكمةَ من هذا الإِنزال، وهي أَنْ يقرَأَهُ
الرسولُ ﷺ على الناسِ على مُكْثٍ وتَمَهُّل.
ثم ذَكَرَ المفترِي تَفسيرَ البيضاوي للآيَة، وتَلاعَبَ في كلامِه كعادتِه،
وقَدَّمَ وأَخَّرَ وحَذَفَ.
وأَوردَ قولَه تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) .
تَذْكُرُ الآيةُ اعتراضَ الكفارِ على إِنزالِ القرآنِ مُنَجَّماً، وتَرُدُّ عليهم بالإِشارةِ إِلى حكمةِ ذلك التنزيل.
ثم ذَكَرَ المفترِي تفسيرَ البيضاوي للآية، الذي سَجَّلَ فيه لسِتَّ حِكَم تبدو
من ذلك، وقَدَّمَ وأَخَّرَ في ما ينقلُه كعادتِه.
ثم سَجَّلَ اعتراضَه الفاجرَ بقوله: " ونحنُ نسأل: كيفَ يكونُ القرآنُ
وحياً، وهو متقطِّغ مُفَرَّق، يأتي بعضُه في وَقْتٍ، ويتأخَّرُ بعضُهِ إِلى وقتٍ آخَر؟
لقد كانَ محمدٌ يَرتبكُ عندما كان العربُ أَو اليهودُ أَو النَّصارى يسأَلونَه،
стр. 592
وأَحياناً كان يَحْتجُّ بأَنَّ جبريلَ تَأْخَّرَ بسببِ وُجودِ الكلاب! ".
إِنَّ هذا الفادي المفترِي، مثله مثل باقي الكفار، لا يعجبُه شيء في ما
يتعلَّقُ بالقرآن، لأَنَّ القرآنَ عندَه مُتَّهَم دائماً، ومُخْطِئ دائماً.
فلو أَنَّ اللهَ أَنزله دفعةً واحدةً لاعترضَ عليه هذا الفادي، وقال: إِنَّ محمداً أَخَذَهُ من التوراة، وادَّعى أَنَّ اللهَ أَنزلَه عليه دفعةً واحدةً مثل التوراة!.
وبما أَنَّ اللهَ أَنزلَه عليه منجَّماً مفرَّقاً، فقد اعترضَ الفادي على ذلك، وقالَ - كما قالَ كفارُ قريش -:
لماذا لم يُنزلْه عليه دفعةً واحدةً مثلَ التوراةِ والإِنجيل؟!
وهذا الاعتراضُ المستمِرُّ منه على القرآنِ دليلُ انحرافِ فكرِه، وسَوادِ قلبِه، واتِّباعِه لهواه، ورفضِه الاستجابة لمنطقِ الحق.
ونصَّ القرآنُ على حكمةِ إِنزالِه منجَّماً مفرَّقاً، وذَكَرَ المفسِّرون ومؤَلّفو
الكتبِ في علومِ القرآنِ الحِكَمَ العديدةَ من هذا التفريقِ في إِنزاله.
فاللهُ يقول: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) .
الحكمةُ هي أَنْ يقرَأَهُ الرسولُ ﷺ على الناس، وأَنْ يُعَلِّمَهم إِياه، ويُربيهم به، وهم أُمّيّون لا يُحسنونَ الكتابةَ والقراءة، فكان من الحكمةِ إِنزالُه مفرقاً، ليُحْسِنوا التعاملَ والتفاعلَ معه، وتنفيذَ أَحكامِه، وتربيةَ نفوسِهم به..
ومعلوم أَنه لا بُدَّ في التربيةِ والمجاهدةِ من المكثِ والتَّأَنّي والتمهُّلِ والتدرُّج، وهذا يتطلَّبُ التفريقَ والتنجيم.
واللهُ تعالى يقولُ: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) .
الحكمةُ التي ذَكَرَتْها الآيةُ هي تَثبيتُ فُؤادِ النبيِّ ﷺ ، وذلك بمواساتِه على ما يَجِدُ من حَرْبِ وتَكْذيبٍ وعِداء، ففي كُلِّ موقفٍ من مواقفِ مواجهتِه للكفار، يُنزلُ اللهُ عليَه آياتٍ جديدة، يُحَدِّثُه فيها عن ما جَرى لنبي قَبْلَه، أَو يُفَرِّحُه بأَنه معه، ويَدْعوهُ إِلى الصبرِ والثبات.
стр. 593
وقد ذَكَرَ العلماءُ حِكماً عديدةً من إِنزالِ القرآنِ مُنَجَّماً مُفَرَّقاً، نَكتفي
بالإِشارةِ إِلى الحِكَمِ التي ذَكَرَها البيضاوي، ونَقَلَها عنه المفترِي رافضاً
لها:
١ - المساعَدَةُ على حِفْظِ الرسولِ ﷺ للآيات، لأَنه أُمِّىّ، فلو أُنزلَ عليه جملةً واحدة لَخُشِيَ أَنْ لا يَحْفَظَه.
٢ - نُزولُه مُنَجَّماً بحسبِ الحوادثِ يساعِدُ على حُسْنِ فَهْمِ المؤمنين للآياتِ
وتدبُّرِها.
٣ - استمرارُ تَحَدّي الكفار، ومطالبتهِم بالإِتيانِ بمثله، واستمرارُ إِظهارِ
عجْزِهم، وهذا يُؤَكِّدُ حقيقةَ كونِ القرآنِ من عندِ الله.
٤ - تَثبيتُ فؤادِ الرسولِ ﷺ وقلوبِ المؤمنين على الحق، في كُلّ دفعةٍ جديدةٍ من الآيات.
٥ - تربيةُ المسلمين، فعندما تقع الحادثةُ تَنزلُ آياتٌ جديدةٌ تُعالجُها، وهذا ما
ثَبَتَ في علْمِ " أَسباب النزولِ "، الذي هو من أَهَمِّ عُلومِ القرآن.
٦ - معرفةُ الحكمِ المتأَخِّرِ الناسخِ للحُكْمِ المنسوخِ المتَقَدّم.
والفادي غَبِيّ جاهِلٌ، لا يَعرفُ هذه الحِكَمَ من إِنزالِ القرآنِ مُنَجَّماً، ولذلك اعتبرَهُ كَلاماً مُفَكَّكاً.
عِلْماً أَنَّ القرآنَ كُلَّه وحدةٌ موضوعيةٌ واحدة، تَقومُ على التناسقِ
والتناسبِ والترابط، فرغْمَ أَنَّ نُزولَه استمرَّ ثلاثةً وعشرين عاماً، إِلّا أَنّه
مُتَكامِلٌ مُتَرابط، لا تَرى فيه تَفَكُّكاً أَو انفِصالاً أَو اختِلافاً أَو اضطِراباً، وأَكَّدَ هذه الحقيقةَ قول اللهِ : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) .
ويَبدو التناسقُ والترابطُ في الوحداتِ التالية: كلماتُ الجملةِ القرآنية،
стр. 594
وجُمَلُ الآيةِ الطويلة، وآياتُ السورة، وسُورُ القرآنِ مجتمعة..
وهذا لا يوجَدُ في الكتبِ السابقة، التي حَرَّفَتْها أَيْدي البَشَر.
وقد اعتنى علماءُ ومفَسِّرونَ ببيانِ وإظهارِ التناسقِ بينَ آياتِ السورة، وفي
مقدمةِ هؤلاءِ الإِمامُ المفَسِّرُ البقاعيُّ في تفسيرِه " نَظْمُ الدُّرَر في تناسبِ الآيِ
والسور ".
وسيد قطب في تفسيرِه: " في ظلال القرآن ".
ويأتي بعد هذا المفترِي المجرمُ ليزعُمَ أَنَّ القرآنَ كَلامٌ مُفَكَّكٌ مُجَزَّأٌ،
ويَطرَحَ تَساؤُلَه الفاجرَ الدالَّ على خُبْثِه وجَهْلِه: " كيفَ يكونُ القرآنُ وَحْياً وهو منقطعٌ مُفَرَّقٌ، يأتي بعضُه في وَقْت، ويتأَخَّرُ بعضُه إِلى وَقْتٍ آخر؟ ".
وهو لا يتوقَّفُ عن الافتراءِ والكذبِ عندما يقولُ: " لقد كانَ محمَّدٌ
يَرتبكُ عندما يسأَلُه العَرَبُ أَو اليهودُ أَو النصارى، وأَحياناً كان يحتجّ بأَنَّ
جبريلَ تَأَخَّرَ بسببِ وُجودِ الكلاب ".
لم يَرتبِكْ رسولُ اللهِ ﷺ مرةً واحدة، عندما وُجّهَ له أَيُّ سؤال، ولم يَضطربْ ويتلعْثَم لأَنه لم يَعرف الجواب..
إِذا كانَ يَعرفُ جوابَ السؤالِ ذَكَرَه، وإذا لم يَعرف الجوابَ يَنتظرُ الجوابَ من الله، والانتظارُ ليسَ ارْتِباكاً أَو اضطراباً كما ادَّعى الجاهل، إِنما هو تأكيدٌ على حقيقةِ نبوتِه وتَلَقّيه الوحْيَ من الله.
وهذا موجودٌ في مبحثِ " نُزولِ القرآن "، واسْمُه: " ما نزلَ بعد طولِ
انتظار "، مثلُ إِنزالِ الآياتِ بشأنِ خولةَ بنتِ ثعلبة وزوجِها أَوسِ بن الصامت، وإنزالِ الآيات ِ ببراءَةِ عائشة ﵂ بعدَ حديثِ الإِفْك، وإنزالِ الآياتِ بشأْنِ قصةِ أَصحاب الكهف وذي القرنين والروح، وهي موجودَةٌ في كتبِ التفسيرِ والحديثِ لا يتسعُ المَجالُ لذِكْرِها.
وأَمَّا أَنَّ جبريلَ لم يَنزلْ على رسولِ الله ﷺ لوجودِ كلبٍ عندهُ فهذه أُكذوبةٌ مضحكةٌ وروايةٌ باطلة، وَرَدَتْ في بعضِ الكتبِ التي لا تتحرّى الدِّقَّةَ والصحة، فتلَقفَها الفادي المجرمُ المفترِي وَرَدَّدَها..
وتَزعمُ الروايةُ الأُكذوبةُ أَنَّ جبريلَ تَوَقَّفَ لعدةِ أَسابيع عن النزولِ على رسولِ الله ﷺ ، فرآهُ في الطريقِ وسأَلَه عن سببِ توقُّفِه، وقال له: لماذا لم تَنْزِلْ عَلَيَّ فأَنا مشتاقٌ إِليك؟
стр. 595
فقالَ له: كيفَ أَنزلُ عليك وفي بيتك كَلْبٌ ميتٌ منذُ أَسابيع!
فأَخرجَ الرسولُ كَلْباً ميتاً تحتَ سريرِه، فنزلَ عليه جبريلُ فوراً بسورة الضحى، التي قال الله له فيها: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) .
إِنَّ أَيَّ إِنسانٍ عاقلٍ يرفضُ هذا الهُراء، والمَثَلُ يقولُ: إِذا كان المتكلِّمُ
مجنوناً فلْيكن المستمعُ عاقلاً!!
فهلْ يُعْقَلُ أَنْ يَدْخُلَ كلبٌ بيتَ النبيِّ ﷺ ولا يَراه
هو أَو أَحَدٌ من أَهلِ بيتِه؟
ويَبْقى مختفياً تحتَ سريره؟
وهل يُعْقَلُ أَنْ يَموتَ الكلْبُ تحتَ سريره، وتبقى جُثَّتُه عدةَ أَسابيع، لم يُلاحِظْها أحد من أَهلِ بيتهِ؟
أَلم تَخرجْ منها الرائحةُ الكريهة؟
أَلم تَتَحَلَّلْ؟
أَلم يشمَّ الرسولُ ﷺ رائحتَها وهو
نائمٌ على السرير، وهي متحللةٌ تحتَ السرير؟
يُريدُ المفترِي منّا أَنْ نُلغيَ عُقولَنا، وأَنْ نُصَدِّقَ هذا الهراءَ السخيف الذي قالَه، والذي يَصْدُقُ فيه كلامُ الشاعر:
هذا كَلامٌ لَهُ خَبيءٌ ... معْناهُ لَيْسَتْ لَنا عُقولُ
***
حول الكلمات الغريبة في القرآن
وَجَّهَ الفادي المفترِي انتقادَه لوجودِ كلماتٍ غريبةٍ في القرآن، وقال: " في
القرآنِ كثيرٌ من الكلماتِ الغريبة، وهاكُم جَدْولاً ببعضِها ".
وبعدَ أَنْ سجلَ عشرينَ كلمةً منها، ذَكَرَ موقفَ عمرَ بنِ الخطاب وعبد الله بن عباس ﵄ من هذه الكلمات، قال: " قَرَأَ عمرُ بنُ الخطابِ على المنبر: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) .
فقال: هذه الفاكهةُ قد عرفْناها، فما الأَبُّ؟
ثم رجعَ إِلى نفسه فقال: إِنَّ هذا لهو التكلفُ يا عمر..
وقالَ ابنُ عباس: لا أَعرفُ غِسْلينَ وحَناناً وأَوّاه والرَّقيم "
وختمَ كلامَه بسؤالِه الخبيث: " ونحن نسأل: أَليستْ هذه الأَلفاظُ الغريبةُ
مخالِفةً للذوقِ السليمِ في فَنِّ الإِنشاء؟! ".
стр. 596
ولنقضِ شبهاتِه ودحضِ افتراءاتِه نُقررُ أَنَّ الكلماتِ الغريبةَ في القرآنِ
كلماتٌ عربيةٌ أَصيلة، لها أُصول وجُذورٌ عربية فصيحة، وليستْ كلماتٍ
أَعجميةً أَو معرَّبة، ووجْهُ غرابتِها هو نُدرةُ استعمالِها في الأَساليبِ العربية،
ونُدرةُ دورانِها على أَلسنةِ وأَقلامِ العرب، مما جعلَها شبهَ مهجورةِ
الاستعمال، فغابَ عن الذهنِ العربيِّ المعنى المباشِرُ لها، مما تَطَلَّبَ العودةَ
إِلى القواميسِ والمعاجم لمعرفةِ معناها..
فهي ليستْ غريبةً على اللغةِ العربية في جذورِها واشتقاقاتِها، ولكنها غريبة على الثقافةِ العربية عند المتكلمينَ العرب، وإِذا جازَ توجيهُ اللومِ فإِنه لا يُوَجَّهُ إِلى القرآنِ الذي استعملَها، وإِنما يُوَجَّهُ إِلى القُرّاءِ والكُتّابِ والمثَقَّفينَ العرب، لأَنهم لم يَرْتَقوا إِلى مستوى البلاغةِ القرآنية..
وأَنت لا تَلومُ السامي في ارتقائِه، وإِنما تلومُ الذي لا يرتقي إِلى مستواه.
ثم إِنَّ غرابةَ معاني تلك الكلماتِ، تَزولُ بالعودةِ إِلى كتبِ التفسيرِ
المختصرة، ومَنْ أَرادَ التوسُّعَ والاستزادةَ فيمكنُه ذلك، بالعودةِ إِلى كتبِ
القواميسِ والمعاجم.
ويَكفي لمعرفةِ المعاني السريعةِ لهذه الكلماتِ وغيرِها اصطحابُ كتابِ " كلمات القرآن: تفسير وبيان " لحسنين مخلوف ﵀..
وقد طُبعَ هذا الكتابُ عدةَ طَبْعاتٍ على هامشِ المصحف، ويمكنُ لقارئ القرآنِ أَن يَنظرَ إِلى هامشِ الصفحةِ من القرآنِ، ليَعرفَ معنى الكلمةِ الغريبةِ في الآية.
وبهذا لم تَعُدْ تلك الكلماتُ الغريبةُ غريبةً، لا على القارئِ العادي للقرآن، ولا على الباحث في معاني وتفسيرِ القرآنِ!!.
إِننا نَعتبرُ وُجودَ هذه الكلماتِ الغريبةِ في القرآن شهادَةً للقرآنِ في
بلاغتِه وسُمُوّه وإِعجازِه، وجَمالاً جَديداً يُضافُ إِلى مظاهرِ جَمالِه في
أَساليبِ بيانِه، وهي ليستْ مخالِفةً للذوقِ السليمِ في فنِّ الإِنشاءِ كما زَعَمَ
الفادي الجاهل.
والروايةُ عن عمرَ بنِ الخطاب ﵁ في موقفِه من " الأَبِّ " في القرآنِ صحيحة، لكنَّ الفادي الجاهلَ لم يَعرفْ مَعْناها، فأَساءَ توظيفَها ضدَّ القرآن.
стр. 597
إِنَّ عمرَ ﵁ عربيٌّ فصيح، وهو يَعرِفُ معنى " الأَبِّ " في اللغة، ويَعرفُ معناها في الآية: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) ، ويَعلمُ أَنها مذكورو في مقابلِ الفاكهةِ المخصَّصةِ للإنسان، فهي طعامٌ للأَنعام.
ووجْهُ تَرَدُّدِه ولومِه لنفسِه أَنه أَرادَ أَنْ يُحددَ أَصنافَ الأَبِّ، من أَيِّ أَنواعِ النباتِ هو؟
فكأَنه يقول: عَرَفْنا الفاكهةَ، التي منها الزيتونُ والأَعنابُ والرمانُ والتمر، فما هو الأَبُّ الذي تأكله الأَنعام؟
هل هو " البَرسيمُ والفَصَّةُ"؟
وهل هناك أَسماءٌ غيرها؟
ثم تراجَعَ وقال: إِنَّ هذا لهو التكلُّفُ يا عمر.
فالتكلُّفُ ليسَ في محاولةِ معرفةِ معنى الأَبّ، لأَنه يَعرفُ معناه، ولكنَّه
في محاولةِ تحديدِ أَنواعِه وأَصنافِه وأَسمائِه.
أَما الروايةُ المنسوبةُ إِلى ابنِ عباس ﵄: "لا أَعرفُ معنى غسلين وحناناً وأواه والرقيم " فهي ليسَتْ صحيحة، وهي مطعونٌ فيها، وتَتعارضُ مع علمِ ابنِ عباس ﵄ بمعاني القرآن، الذي كانَ أَعلمَ الصحابةِ بالقرآن، وقد استجابَ اللهُ دعاءَ الرسول ﷺ له: " اللهمَّ فَقهْهُ في الدينِ وعَلِّمْهُ التأويل ".
وهو الصحابيُّ الذي حازَ لَقَبَ: (حَبْرُ الأُمَّة وتُرجمانُ القرآن) .
وما من كلمةٍ من كلماتِ القرآن إلا وكانَ يَعرفُ معناها الدَّقيقَ،
وكانَ يحفظُ الشواهدَ عليها من الشعرِ العربيّ الجاهليّ.
وقد امتحنَه زَعيمُ الخوارجِ نافعُ بنُ الأَزرق، وسأَله عن معنى حوالي مئةِ كلمةٍ غريبةٍ في القرآن، وعندما كانَ يُجيبُهْ كانَ يطالبه بالشاهد الشعري، فيقول له: " وهل تعرف العرب ذلك من كلامها؟ "، فكان ابنُ عباس يُقَدمُ له المطلوب.
وقد جَمعتْ تلك الأَسئلةَ والأَجوبةَ والشواهدَ الشعريةَ الدكتورةُ عائشةُ
عبد الرحمن - بنتُ الشاطئ - في كتابها: " إِعجازُ القرآن البياني ومسائل
نافعِ بنِ الأَزرق " ...
والذي عنده هذا العلمُ لا يَقول: لا أَعرفُ معنى كذا في القرآن!.
стр. 598
حول الناسخ والمنسوخ في القرآن
خَصصَ الفادي المفترِي حَيِّزاً كبيراً من كتابِه للاعتراضِ على النسخِ في
القرآن، وإِثارةِ الشبهاتِ والإِشكالاتِ عليه.
وجَعَلَ تلك الاعتراضاتِ في المباحثِ التالية: عُيوبُ الناسخِ والمنسوخ..
وأَمثلةٌ للناسخِ والمنسوخ..
والأَسبابُ الحقيقيةُ للناسخِ والمنسوخ.
وبدأَ كلامَه بذكرِ أَربعةِ آياتٍ أَخبرتْ
عن النسخِ في القرآن، هي: سورة البقرة: ١٠٦.
وسورة النحل: ١٥١.
وسورة الرعد: ٣٩.
وسورة الحج: ٥٢.
وتحتَ عنوان: " عُيوب الناسخِ والمنسوخ " سَجَّلَ ستةَ عيوبٍ لوجودِ
النسخ في القرآن! وادَّعى أَنَّ القرآنَ وحْدَه الذي فيه ناسخٌ ومنسوخ، من بينِ سائرِ الكتبِ الدينية، ووجودُ النسخ في القرآن دَليلٌ على أَنه ليس كلامَ الله، لأَنَّ " كَلامَ اللهِ الحقيقيَّ لا يَجوزُ فيه الناسخُ والمنسوخ ".
ولا يهمُّنا البحثُ عن الناسخِ والمنسوخِ في التوراةِ والإِنجيل، وإِنما
يهمُّنا ثقريرُ الأَساسِ المنطقيِّ المنهجيِّ للنظرِ إِلى النسخِ في القرآن، فالنسخُ في
القرآنِ ليس مشكلة، ولا يَتناقَضُ مع العقلِ والمنطق، فاللهُ هو الحاكمُ المشرعُ سبحانه، يُشَرِّعُ ما شاءَ من الأَحكام وفقَ حكمَتِه سبحانه، ويَجعلُ بعضَ تلك الأَحكامِ موقوتةً بزمنٍ محدَّد، وفقَ حكمتِه سبحانه، وعندما يَنتهي ذلك الزمنُ ويُحقِّقُ ذلك الحكمُ هَدَفَه يَنسخُه اللهُ ويُلْغيه، وفقَ حكمتِه سبحانه..
فالحكْمُ السابقُ شَرَعَه الله، والحكمُ الناسخُ له فيما بعد شَرَعَه الله، وبما أَنَّ الناسخَ والمنسوخَ من عندِ الله، فاللهُ الحكيمُ العليمُ يَفعلُ ما يشاء، لا رادَّ لأَمْرِه، ولا مُعَقِّبَ لحكْمِه..
وهذا معناه أَنَّ الفادي المفترِي كاذبٌ في زعمِه أَنَّ كلامَ اللهِ
الحقيقيَّ لا يَجوزُ فيه النسخ.
стр. 599
وبعد هذه المقدمةِ العقليةِ المنهجيةِ نَبحثُ عن النسخ في القرآن، هل
تَحَدَّثَ القرآنُ عن النسخ؟
فإذا وردتْ آيةٌ واحدةٌ في القرآن، فإِنها كافيةٌ لإِثباتِ النسخِ وإِيمانِنا به، لأَنَ القرآنَ يُعلِّمُنا المنهجيةَ العلمية، ويَجعَلُ عُقولَنا تَابعةً لكلامِ الله، فاهمةً متدبِّرَةً له، تَدورُ معه حيثُ دار، وتَقولُ بما قالَ به، وتُؤمِنُ
بما وردَ فيه، ولا يَجوزُ لأَيِّ عقلٍ أَن يكونَ فوقَ كلامِ الله، وأَنْ يكونَ هو
الحَكَمَ والمهيمنَ على كَلامِ الله.
أَكثرُ من آيةٍ قَررت النسخ، وجعلَتْه بيدِ الله، منها قولُه تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) ، فاللهُ هو الذي يَنسخُ
الآيةَ أَو يُنْسِيْهَا، واللهُ هو الذي يأْتي بخيرٍ منها أَو مثلِها، واللهُ على كل شيء
قديرٌ، وهو الحكيمُ الخبير.
ومنها قولُه تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) .
إِننا نعتمدُ على هاتيْن الآيتيْن في إِيمانِنا بالنسخِ في القرآن، وفي فهمِنا للناسخِ والمَنسوخِ أولاً: لا عيوب في النسخ في القرآن:
سَجَّلَ الفادي الجاهلُ ستةَ عيوبِ للنسخِ في القرآن..
وهي لا تَصمدُ أَمامَ النظرِ والبحث، ولا تَثبتُ أَمامَ المنَهجيةِ والعلمية:
١ - اعتبرَ الجاهلُ النسخَ مُتَناقِضاً مع الحكمةِ والصدقِ والعلم، فقال:
" لأَنَّ الناسخَ والمنسوخَ في كلام الله ضدّ حكمتِه وصدْقِه وعلْمِه، فالإِنسانُ
القصيرُ النظرِ هو الذي يَضعُ قوانين، ويُغَيّرُها ويُبدلُها بحسبِ ما يَبدو له من
أَحوالٍ وظروف..
لكنَّ اللهَ يَعلمُ بكلِّ شيء قبلَ حدوثِه، فكيفَ يُقالُ: إِنَّ اللهَ
يُغيرُ كلامَه ويبدلُه وينسخُه ويُزيلُه؟
أَليسَ من الأَوفقِ أَنْ ئنزهَ اللهَ فنقولَ: ليس اللهُ إِنْساناً فيكذب، ولا ابنَ إِنسانٍ فيندم؟! " (١) .
стр. 600
اعتبرَ الجاهلُ النسخَ ثمرةً للبَداء، وهو ظهورُ الشيء بعدَ خَفائِه، واللهُ
منزَّهٌ عن البَداء، لأَنه سبحانه أَحاطَ بكلِّ شيء علْماً، وهو يعلمُ الشيءَ قبلَ
حُدوثِه..
ومن جهلِ الفادي قياسُه فعْلَ اللهِ على فعْل الإِنسان، وعدمُ ملاحظتِه
الفرق بينَ مَقامِ اللهِ وضَعْفِ الإِنسان.
فالإِنسانُ جاهلٌ قَصيرُ النظر، ولذلك يُغَيِّرُ ويُبَدّلُ في قوانينِه، بحسَب ما يَبدو له من علمٍ جَديد.
ونسخُ اللهِ لبعضِ أحكامِه ليس من هذا الباب، فلا بَداءَ في علْمِ الله،
وهو سبحانه يَجعلُ بعضَ أَحكامِه موقوتةً بزمنٍ مُحَدَّد، لتحقيق مصلحةِ
المسلمين، فإِذا انتهى زَمَنُها نَسَخها وأَتى بأَحكامِ أُخْرى بَدَلَها.
وهو العليمُ الخبيرُ الحكيم.
ويُشيرُ إِلى هذه الحقيقةِ قولُه تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) .
فالآيةُ صريحةٌ في تَقريرِ حقيقةِ علْمِ اللهِ بما يُنزل، وجاءَ هذا التقريرُ في جملةٍ معترضةٍ للاستدراك (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ) ..
فالنسخُ والتبديلُ في الآياتِ مبنيّ على علْمِ اللهِ بما يُنزلُ قبلَ أَنْ يُنزلَه، فلا بِداءَ فيه.
٢ - ادَّعى الجاهلُ المفترِي أَنه لا يوجَدُ نَسخ في اليهوديةِ والنصرانية،
ونَقَلَ كَلاماً منسوباً لعيسى ﵇ في نفيِه.
قال: " لأَنَّ الناسخَ والمنسوخَ ليس له وُجود في اليهوديةِ ولا في المسيحية.
قالَ المسيح: لا تَظنوا أَنِّي جئتُ لأَنقضَ الناموسَ أَو الأنبياء، ما جئتُ لأنقضَ بل لأُكملَ، فإِنِّي الحقَّ أَقولُ لكم: إلى أنْ تزولَ السمواتُ والأرضُ لا يَزولُ حرفٌ واحدٌ أَو نقطة واحدةٌ من الناموس، حتى يكونَ الكُلّ ".
وادّعاءُ الجاهلِ باطلٌ مردودٌ عليه، وهو مُفْتَرٍ في نفيِه النسخَ بين اليهوديةِ
والنصرانيةِ، وقد نَسَخَ اللهُ برسالةِ عيسى ﵇ بعضَ الأَحكامِ التي جعلَها على اليهود، وجاءَ هذا المعنى صريحاً في قولِه تعالى: (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) .