← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 1431

القرآن ونقض مطاعن الرهبان

صلاح الخالدي

Полный текст (753 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ولنقضِ شبهاتِه ودحضِ افتراءاتِه نُقررُ أَنَّ الكلماتِ الغريبةَ في القرآنِ كلماتٌ عربيةٌ أَصيلة، لها أُصول وجُذورٌ عربية فصيحة، وليستْ كلماتٍ أَعجميةً أَو معرَّبة، ووجْهُ غرابتِها هو نُدرةُ استعمالِها في الأَساليبِ العربية، ونُدرةُ دورانِها على أَلسنةِ وأَقلامِ العرب، مما جعلَها شبهَ مهجورةِ الاستعمال، فغابَ عن الذهنِ العربيِّ المعنى المباشِرُ لها، مما تَطَلَّبَ العودةَ إِلى القواميسِ والمعاجم لمعرفةِ معناها.. فهي ليستْ غريبةً على اللغةِ العربية في جذورِها واشتقاقاتِها، ولكنها غريبة على الثقافةِ العربية عند المتكلمينَ العرب، وإِذا جازَ توجيهُ اللومِ فإِنه لا يُوَجَّهُ إِلى القرآنِ الذي استعملَها، وإِنما يُوَجَّهُ إِلى القُرّاءِ والكُتّابِ والمثَقَّفينَ العرب، لأَنهم لم يَرْتَقوا إِلى مستوى البلاغةِ القرآنية.. وأَنت لا تَلومُ السامي في ارتقائِه، وإِنما تلومُ الذي لا يرتقي إِلى مستواه. ثم إِنَّ غرابةَ معاني تلك الكلماتِ، تَزولُ بالعودةِ إِلى كتبِ التفسيرِ المختصرة، ومَنْ أَرادَ التوسُّعَ والاستزادةَ فيمكنُه ذلك، بالعودةِ إِلى كتبِ القواميسِ والمعاجم. ويَكفي لمعرفةِ المعاني السريعةِ لهذه الكلماتِ وغيرِها اصطحابُ كتابِ " كلمات القرآن: تفسير وبيان " لحسنين مخلوف ﵀.. وقد طُبعَ هذا الكتابُ عدةَ طَبْعاتٍ على هامشِ المصحف، ويمكنُ لقارئ القرآنِ أَن يَنظرَ إِلى هامشِ الصفحةِ من القرآنِ، ليَعرفَ معنى الكلمةِ الغريبةِ في الآية. وبهذا لم تَعُدْ تلك الكلماتُ الغريبةُ غريبةً، لا على القارئِ العادي للقرآن، ولا على الباحث في معاني وتفسيرِ القرآنِ!!. إِننا نَعتبرُ وُجودَ هذه الكلماتِ الغريبةِ في القرآن شهادَةً للقرآنِ في بلاغتِه وسُمُوّه وإِعجازِه، وجَمالاً جَديداً يُضافُ إِلى مظاهرِ جَمالِه في أَساليبِ بيانِه، وهي ليستْ مخالِفةً للذوقِ السليمِ في فنِّ الإِنشاءِ كما زَعَمَ الفادي الجاهل. والروايةُ عن عمرَ بنِ الخطاب ﵁ في موقفِه من " الأَبِّ " في القرآنِ صحيحة، لكنَّ الفادي الجاهلَ لم يَعرفْ مَعْناها، فأَساءَ توظيفَها ضدَّ القرآن.

стр. 597

إِنَّ عمرَ ﵁ عربيٌّ فصيح، وهو يَعرِفُ معنى " الأَبِّ " في اللغة، ويَعرفُ معناها في الآية: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) ، ويَعلمُ أَنها مذكورو في مقابلِ الفاكهةِ المخصَّصةِ للإنسان، فهي طعامٌ للأَنعام. ووجْهُ تَرَدُّدِه ولومِه لنفسِه أَنه أَرادَ أَنْ يُحددَ أَصنافَ الأَبِّ، من أَيِّ أَنواعِ النباتِ هو؟ فكأَنه يقول: عَرَفْنا الفاكهةَ، التي منها الزيتونُ والأَعنابُ والرمانُ والتمر، فما هو الأَبُّ الذي تأكله الأَنعام؟ هل هو " البَرسيمُ والفَصَّةُ"؟ وهل هناك أَسماءٌ غيرها؟ ثم تراجَعَ وقال: إِنَّ هذا لهو التكلُّفُ يا عمر. فالتكلُّفُ ليسَ في محاولةِ معرفةِ معنى الأَبّ، لأَنه يَعرفُ معناه، ولكنَّه في محاولةِ تحديدِ أَنواعِه وأَصنافِه وأَسمائِه. أَما الروايةُ المنسوبةُ إِلى ابنِ عباس ﵄: "لا أَعرفُ معنى غسلين وحناناً وأواه والرقيم " فهي ليسَتْ صحيحة، وهي مطعونٌ فيها، وتَتعارضُ مع علمِ ابنِ عباس ﵄ بمعاني القرآن، الذي كانَ أَعلمَ الصحابةِ بالقرآن، وقد استجابَ اللهُ دعاءَ الرسول ﷺ له: " اللهمَّ فَقهْهُ في الدينِ وعَلِّمْهُ التأويل ". وهو الصحابيُّ الذي حازَ لَقَبَ: (حَبْرُ الأُمَّة وتُرجمانُ القرآن) . وما من كلمةٍ من كلماتِ القرآن إلا وكانَ يَعرفُ معناها الدَّقيقَ، وكانَ يحفظُ الشواهدَ عليها من الشعرِ العربيّ الجاهليّ. وقد امتحنَه زَعيمُ الخوارجِ نافعُ بنُ الأَزرق، وسأَله عن معنى حوالي مئةِ كلمةٍ غريبةٍ في القرآن، وعندما كانَ يُجيبُهْ كانَ يطالبه بالشاهد الشعري، فيقول له: " وهل تعرف العرب ذلك من كلامها؟ "، فكان ابنُ عباس يُقَدمُ له المطلوب. وقد جَمعتْ تلك الأَسئلةَ والأَجوبةَ والشواهدَ الشعريةَ الدكتورةُ عائشةُ عبد الرحمن - بنتُ الشاطئ - في كتابها: " إِعجازُ القرآن البياني ومسائل نافعِ بنِ الأَزرق " ... والذي عنده هذا العلمُ لا يَقول: لا أَعرفُ معنى كذا في القرآن!.

стр. 598

حول الناسخ والمنسوخ في القرآن خَصصَ الفادي المفترِي حَيِّزاً كبيراً من كتابِه للاعتراضِ على النسخِ في القرآن، وإِثارةِ الشبهاتِ والإِشكالاتِ عليه. وجَعَلَ تلك الاعتراضاتِ في المباحثِ التالية: عُيوبُ الناسخِ والمنسوخ.. وأَمثلةٌ للناسخِ والمنسوخ.. والأَسبابُ الحقيقيةُ للناسخِ والمنسوخ. وبدأَ كلامَه بذكرِ أَربعةِ آياتٍ أَخبرتْ عن النسخِ في القرآن، هي: سورة البقرة: ١٠٦. وسورة النحل: ١٥١. وسورة الرعد: ٣٩. وسورة الحج: ٥٢. وتحتَ عنوان: " عُيوب الناسخِ والمنسوخ " سَجَّلَ ستةَ عيوبٍ لوجودِ النسخ في القرآن! وادَّعى أَنَّ القرآنَ وحْدَه الذي فيه ناسخٌ ومنسوخ، من بينِ سائرِ الكتبِ الدينية، ووجودُ النسخ في القرآن دَليلٌ على أَنه ليس كلامَ الله، لأَنَّ " كَلامَ اللهِ الحقيقيَّ لا يَجوزُ فيه الناسخُ والمنسوخ ". ولا يهمُّنا البحثُ عن الناسخِ والمنسوخِ في التوراةِ والإِنجيل، وإِنما يهمُّنا ثقريرُ الأَساسِ المنطقيِّ المنهجيِّ للنظرِ إِلى النسخِ في القرآن، فالنسخُ في القرآنِ ليس مشكلة، ولا يَتناقَضُ مع العقلِ والمنطق، فاللهُ هو الحاكمُ المشرعُ سبحانه، يُشَرِّعُ ما شاءَ من الأَحكام وفقَ حكمَتِه سبحانه، ويَجعلُ بعضَ تلك الأَحكامِ موقوتةً بزمنٍ محدَّد، وفقَ حكمتِه سبحانه، وعندما يَنتهي ذلك الزمنُ ويُحقِّقُ ذلك الحكمُ هَدَفَه يَنسخُه اللهُ ويُلْغيه، وفقَ حكمتِه سبحانه.. فالحكْمُ السابقُ شَرَعَه الله، والحكمُ الناسخُ له فيما بعد شَرَعَه الله، وبما أَنَّ الناسخَ والمنسوخَ من عندِ الله، فاللهُ الحكيمُ العليمُ يَفعلُ ما يشاء، لا رادَّ لأَمْرِه، ولا مُعَقِّبَ لحكْمِه.. وهذا معناه أَنَّ الفادي المفترِي كاذبٌ في زعمِه أَنَّ كلامَ اللهِ الحقيقيَّ لا يَجوزُ فيه النسخ.

стр. 599

وبعد هذه المقدمةِ العقليةِ المنهجيةِ نَبحثُ عن النسخ في القرآن، هل تَحَدَّثَ القرآنُ عن النسخ؟ فإذا وردتْ آيةٌ واحدةٌ في القرآن، فإِنها كافيةٌ لإِثباتِ النسخِ وإِيمانِنا به، لأَنَ القرآنَ يُعلِّمُنا المنهجيةَ العلمية، ويَجعَلُ عُقولَنا تَابعةً لكلامِ الله، فاهمةً متدبِّرَةً له، تَدورُ معه حيثُ دار، وتَقولُ بما قالَ به، وتُؤمِنُ بما وردَ فيه، ولا يَجوزُ لأَيِّ عقلٍ أَن يكونَ فوقَ كلامِ الله، وأَنْ يكونَ هو الحَكَمَ والمهيمنَ على كَلامِ الله. أَكثرُ من آيةٍ قَررت النسخ، وجعلَتْه بيدِ الله، منها قولُه تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) ، فاللهُ هو الذي يَنسخُ الآيةَ أَو يُنْسِيْهَا، واللهُ هو الذي يأْتي بخيرٍ منها أَو مثلِها، واللهُ على كل شيء قديرٌ، وهو الحكيمُ الخبير. ومنها قولُه تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) . إِننا نعتمدُ على هاتيْن الآيتيْن في إِيمانِنا بالنسخِ في القرآن، وفي فهمِنا للناسخِ والمَنسوخِ أولاً: لا عيوب في النسخ في القرآن: سَجَّلَ الفادي الجاهلُ ستةَ عيوبِ للنسخِ في القرآن.. وهي لا تَصمدُ أَمامَ النظرِ والبحث، ولا تَثبتُ أَمامَ المنَهجيةِ والعلمية: ١ - اعتبرَ الجاهلُ النسخَ مُتَناقِضاً مع الحكمةِ والصدقِ والعلم، فقال: " لأَنَّ الناسخَ والمنسوخَ في كلام الله ضدّ حكمتِه وصدْقِه وعلْمِه، فالإِنسانُ القصيرُ النظرِ هو الذي يَضعُ قوانين، ويُغَيّرُها ويُبدلُها بحسبِ ما يَبدو له من أَحوالٍ وظروف.. لكنَّ اللهَ يَعلمُ بكلِّ شيء قبلَ حدوثِه، فكيفَ يُقالُ: إِنَّ اللهَ يُغيرُ كلامَه ويبدلُه وينسخُه ويُزيلُه؟ أَليسَ من الأَوفقِ أَنْ ئنزهَ اللهَ فنقولَ: ليس اللهُ إِنْساناً فيكذب، ولا ابنَ إِنسانٍ فيندم؟! " (١) .

стр. 600

اعتبرَ الجاهلُ النسخَ ثمرةً للبَداء، وهو ظهورُ الشيء بعدَ خَفائِه، واللهُ منزَّهٌ عن البَداء، لأَنه سبحانه أَحاطَ بكلِّ شيء علْماً، وهو يعلمُ الشيءَ قبلَ حُدوثِه.. ومن جهلِ الفادي قياسُه فعْلَ اللهِ على فعْل الإِنسان، وعدمُ ملاحظتِه الفرق بينَ مَقامِ اللهِ وضَعْفِ الإِنسان. فالإِنسانُ جاهلٌ قَصيرُ النظر، ولذلك يُغَيِّرُ ويُبَدّلُ في قوانينِه، بحسَب ما يَبدو له من علمٍ جَديد. ونسخُ اللهِ لبعضِ أحكامِه ليس من هذا الباب، فلا بَداءَ في علْمِ الله، وهو سبحانه يَجعلُ بعضَ أَحكامِه موقوتةً بزمنٍ مُحَدَّد، لتحقيق مصلحةِ المسلمين، فإِذا انتهى زَمَنُها نَسَخها وأَتى بأَحكامِ أُخْرى بَدَلَها. وهو العليمُ الخبيرُ الحكيم. ويُشيرُ إِلى هذه الحقيقةِ قولُه تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) . فالآيةُ صريحةٌ في تَقريرِ حقيقةِ علْمِ اللهِ بما يُنزل، وجاءَ هذا التقريرُ في جملةٍ معترضةٍ للاستدراك (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ) .. فالنسخُ والتبديلُ في الآياتِ مبنيّ على علْمِ اللهِ بما يُنزلُ قبلَ أَنْ يُنزلَه، فلا بِداءَ فيه. ٢ - ادَّعى الجاهلُ المفترِي أَنه لا يوجَدُ نَسخ في اليهوديةِ والنصرانية، ونَقَلَ كَلاماً منسوباً لعيسى ﵇ في نفيِه. قال: " لأَنَّ الناسخَ والمنسوخَ ليس له وُجود في اليهوديةِ ولا في المسيحية. قالَ المسيح: لا تَظنوا أَنِّي جئتُ لأَنقضَ الناموسَ أَو الأنبياء، ما جئتُ لأنقضَ بل لأُكملَ، فإِنِّي الحقَّ أَقولُ لكم: إلى أنْ تزولَ السمواتُ والأرضُ لا يَزولُ حرفٌ واحدٌ أَو نقطة واحدةٌ من الناموس، حتى يكونَ الكُلّ ". وادّعاءُ الجاهلِ باطلٌ مردودٌ عليه، وهو مُفْتَرٍ في نفيِه النسخَ بين اليهوديةِ والنصرانيةِ، وقد نَسَخَ اللهُ برسالةِ عيسى ﵇ بعضَ الأَحكامِ التي جعلَها على اليهود، وجاءَ هذا المعنى صريحاً في قولِه تعالى: (وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) .

стр. 601

لقد جمعَتْ هذه الآيةُ الحكيمةُ بينَ " الإِحكامِ والنسخ " في رسالةِ عيسى ﵇. - الإِحكامُ في قوله: ((وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) . لقد كانَ عيسى ﵇ مُصدِّقاً للتوراةِ ومُؤَيّداً لها في الجانبِ المحكَمِ منها الذي لا نَسخَ فيه، وهو الجانبُ الإِيمانى والأَخلاقيُّ والإِخْبارِيّ. ومعلوم أَنه لا نَسخَ في العقائدِ أَو الأَخلاقِ أَو الأَخبارِ، فالإِنجيلُ موافقٌ تَماماً للتوراةِ النازلةِ على موسى ﵇ في ذلك وهو لا يَعترفُ بأَسفارِ العهدِ القديمِ التي كَتبها الأَحبارُ ونَسبوها إِلى الله زوراً. على هذا الجانبِ المحْكَم من التوراة نَحملُ الكلامَ الذي نَسَبَه الفادي إِلى عيسى ﵇ إِنْ صَحَّتْ نسبتُه له -! فهو لا يَنقضُ الناموسَ أَو الأَنبياء، وما جاءَ لينقضَ ما وردَ في التوراةِ بل ليُكَمّلَه ويُصَدّقَه، أَيْ: مسائلُ الإِيمانِ المذكورةُ في التوراةِ ثابتةٌ محكَمَة، لا نَسخَ لها، لا في الإِنجيلِ ولا في القرآن. - والنسخُ في رسالةِ عيسى ﵇ الموجهةِ إِلى بني إِسرائيلَ في قوله في الآية: (وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) . إِنَّ هذه الجملةَ صَريحةٌ في نَسْخِ الإِنجيلِ لبعضِ أَحكامِ التوراة، فقد كانت بعض الأَشياءِ محرمةً على اليهود، وجاءَ عيسى ﵇ ليُحِلَّ لهم تلك الأَشياءَ المُحرَّمة، وإِذا كانَ هذا لا يُسَمّى نَسْخاً فماذا يُسَمّى؟!. ومن الدليلِ على وُقوعِ النسخِ في الشريعةِ اليهوديةِ نفسِها أَنَّ بعضَ الأَشياءِ كانت مُباحةً لليهود، وشرعَ اللهُ إِباحتَها في التوراةِ النازلةِ على موسى ﵇، ثم حَرَّمَ اللهُ عليهم تلك المباحات، عِقاباً لهم على ظُلمِهم وعُدوانِهم. قال تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) . كانت بعضُ الطيباتِ مُباحةً لليهود، وبعدما ظَلَموا وبَغَوا عاقَبَهم الله، فنسخَ إِباحتَها، وحَرَّمَها عليهم!.

стр. 602

لقد مَرَّتْ بعضُ الأَحكامِ التىِ شَرَعَها اللهُ لليهودِ بالمراحلِ التالية: الإِباحةُ، ثم الحرمَةُ عِقاباً لهم، ثم الحِلُّ والإِباحةُ على لسان عيسى ﵇. فكيفَ يتجرأُ الفادي المدَّعي بعدَ ذلك ليقول: لا نَسخَ في اليهوديةِ ولا في النصرانية؟!. ٣ - من عيوبِ النسخِ في نَظَرِ الفادي أَنه يفتحُ بابَ الكذبِ والادّعاء، ولذلك لا بُدَّ من منعِه! قال: " لأَنَّ الناسخَ والمنسوخَ يَفتحُ بابَ الكذبِ والادِّعاء، فإِذا قالَ مُدَّعي النبوةِ قَوْلاً وظَهَرَ خَطَؤُه، أَو إِذا اعترضَ عليه سامِعوه، قال: إِنه منسوخ، ويَأتي بقولي آخَرَ.. فينسخ الله ما يلقي الشيطان، كما يَنسخُ إِلهُ محمدٍ ما يُلقيهِ عليه من قرآن ". وهذه الشبهةُ مردودةٌ على الجاهل، ولا تُوَجَّهُ إِلى النسخِ في القرآن، فالأَمْرُ ليس من بابِ الادِّعاءِ والتقوُّل والافتراء، وليسَ كما يفعلُه ويقولُه الكَذّابون المدَّعون، وإِنما هو من فعْلِ اللهِ سبحانه، ولذلك أُسندَ إِلى اللهِ وليس إِلى الرسولِ ﷺ : (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) . و (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ..) وكَلامُ مُدَّعي النبوةِ باطلٌ مردودٌ عليه، سواء ادَّعى النسخَ أَم لا!!. ٤ - تساءلَ الفادي بخبثٍ عن مصيرِ الآياتِ المنسوخة؟ قال: " لأَنَّ محمداً اعتبرَ الناسخَ والمنسوخَ من نفسِ كلامِ الله، فهل كانَ المنسوخُ كَلاماً إِلهيّاً مكتوباً في اللوحِ المحفوظ؟ وهل يَترتبُ على نسخِه في القرآن نسخُه أَيْضاً في اللوحِ المحفوظ؟ وكيفَ يَسمحُ اللهُ لكلامِه العزيزِ بالزوال والإِهمال؟ وإِلّا فلماذا كُتِبَ؟ ". وهذه الأَسئلَةُ مردودةٌ ومتهافتةٌ ولا وَزْنَ لها، لأَنَّ الراجحَ هو أَنَّ النسخَ في أَحكامِ القرآنِ وليسَ في آياتِه وكلماتِه، ولم يَثبتْ عندنا آياتٌ منسوخةٌ بكلماتِها، حتى تُوَجَّهَ لها أَسئلةُ الفادي التشكيكية! فلم تُنْسَخْ كلمةٌ أو آيةٌ

стр. 603

من القراَن، والآياتُ التي أَنزلَها اللهُ على رسولِه محمدٍ ﷺ بَقيتْ كما هي، لم تُنسخْ أَو تُغيّرْ أَو تُبدّلْ، هذا ما نقولُ به، وكلُّ كلام غير هذا مرجوحٌ مردودٌ عندنا. ٥ - ادَّعى الفادي المفترِي أَنه يتعذرُ حصرُ المنسوخِ في القرآن، مما يجعلُ القرآنَ مُبْهَماً مُلْتبساً مشكوكاً فيه، وإِذا جُرِّدَ القرآنُ من الناسخِ والمنسوخِ لم يبقَ منه شيء!!. قال: " لأَنَّ الناسخَ والمنسوخَ متغلغلٌ في جميعِ أَجزاءِ القرآن، بحيثُ يتعذَّرُ على الراسخين في العلمِ معرفةُ الناسخِ والمنسوخِ بطريقَةٍ لا تقبلُ الشك، مما يَجعلُ أَقوالَ القرآنِ مبهمةً ملتبسة ". وادَّعى أَنَّ السورَ التي فيها منسوخٌ وليسَ فيها ناسخ أَربعونَ سورة، والسورَ التي فيها ناسخٌ وليس فيها منسوخٌ سِتُّ سُور، والسورَ التي فيها ناسخٌ ومنسوخٌ خمس وعشرون سورة، والسورَ التي ليسَ فيها ناسخٌ ولا مَنسوخ ثلاثٌ وأَربعون سورة. وخَتَمَ كلامَه بعبارةٍ فاجرةٍ خبجثة، قالَ فيها: " فإِذا جُرِّدَ القرآنُ من الناسخ والمنسوخ كان كراسةً صغيرة! ومع ذلك ادَّعوا أَنه المعجزةُ الكبرى "!. إِنَّ المنسوخَ غيرُ متغلغلٍ في جميعِ أَجزاءِ القرآنِ وسورِه المكيةِ والمدنيَّة، والأَرقامُ التي ذَكرها المفترِي لأَعدادِ السورِ التي فيها ناسخٌ أَو منسوخٌ مردودة، لأَنه مُبالَغٌ فيها. والآياتُ التي فيها نسخٌ حَصرَها العلماءُ، والراجحُ أَن هذه الآياتِ لا تَتجاوزُ عَدَدَ أَصابعِ اليدَيْن!. ويُصِرّ المفترِي على القولِ بالنسخِ بالتلاوة، أَيْ إِلغاءِ كثيرٍ من آياتِ القرآن، وهذا رأيٌ مرجوحٌ ومردودٌ عندنا، رغمَ أَنه قالَ به بعضُ علماءِ المسلمين، والراجحُ عندنا أَنَّ النسخَ إِنما هو في الأَحكامِ فقط، والأَحكامُ المنسوخةُ في القرآنِ لا تتجاوزُ عشرةَ أَحكام!!. ومن غباءِ وسخفِ الفادي دعوتُه إِلى تجريدِ القرآنِ من الناسخ والمنسوخ، وادّعاؤُه أَنه لو حصلَ ذلك لما بقيَ من القرآنِ إِلّا " كراسة صغيرة"!!.

стр. 604

فإذا كانَ " نسخُ التلاوةِ " غيرَ موجودٍ في القرآن، وإِذا كانت الآياتُ التي نُسختْ أَحكامُها لا تَزيدُ على عشرِ آيات، ولا تَكادُ تملأ صفحةً واحدة، فكيفَ يقولُ هذا الغبيُّ المفترِي ما قال؟! إِننا نوقنُ أَنّه لم تنسخْ آيةٌ واحدةٌ من القرآن بكلماتِها وصياغتِها، وأَنه لا يمكنُ إِلغاءُ آيةٍ واحدةٍ من القرآن، كما أَننا نوقنُ أَنَّ القرآنَ هو المعجزةُ الكبرى حَقّاً، وأَنه كلامُ اللهِ المحفوظ، لم يُغَيَّرْ منه كلمةٌ واحدة. ٦ - العيبُ السادسُ الذي سَجَّلَه الفادي على النسخِ قَسَّمَ فيه النسخ إِلى ثلاثةِ أَقسام، وكُلُّها في نظرِه مردودة. قال: " لأَنَّ النسخَ في القرآنِ عند علماءِ المسلمين ثلاثةُ أَنواع: فالنوعُ الأَولُ ما نُسِخَ تلاوتُه وحكْمُه، أَيْ: بعدَ كتابتِه وقراءَتِه لم يَكتُبوه ولم يَقرؤوه.. والنوعُ الثاني: ما نُسِخَ حُكمُه وبَقيتْ تلاوتُه، وهو مقدار كبيرٌ من آياتِ القرآن، يَقْرؤونها ويَعتقدون أَنَّ أَحْكامَها ملغِيَّة، فلا يَعملونَ بها.. والنوعُ الثالث: ما نُسخَتْ تلاوَتُه وبقيَ حُكْمُه.. وأَمامَ هذا النوعِ نتساءَل: لماذا يُكلفُنا اللهُ أَنْ نَعملَ بآيةٍ غيرِ موجودة؟ أَلَم يَكن الأَوْلى أَنْ تَبْقى في كتابِه حتى يُحاسِبَنا بمقتضاها؟! ". صحيحٌ أَنه لم يأتِ بأَقسامِ النسخِ الثلاثةِ من عنده، وأَنه نَقَلَها من بعضِ المراجعِ الإِسلامية، وأَنه قال بها كثيرٌ من العلماءِ المسلمين، لكنَّ تعليقاتِ المفتري واستنتاجاتِه مرذولةٌ باطلة. النوعُ الأَول: ما نُسختْ تِلاوتُه وحُكْمُه. وفَسَّرَهُ المفترِي بأَنَّ المسلمينَ لم يَكتبوه ولم يَقرؤوه، بعدَ كتابتِه وقراءتِه. وهذا يَعني أَنهم هم الذين تَصَرَّفوا بالنسخِ في القرآنِ على هواهم، وأَنهم أَهملوا الاهتمامَ بالقرآن، وأَنهم أَسْقَطوا منه كثيراً من آياتِه، وأَضاعوا كثيراً من أَحكامِه. ورغم أَنَّ كثيراً من السابقين قالوا بهذا النوعِ من النسخِ، إِلّا أَننا لا نقولُ به، ونَعتبرُه مَرْدوداً، لأَنه لم يثبتْ عندَنا نَسْخُ شيء من أَلفاظِ وكلماتِ القرآن!

стр. 605

النوعُ الثاني: ما نُسِخَ حكْمُه وبقيتْ تلاوتُه. وعَلَّقَ عليه المفترِي بقولِه: " وهو مقدارٌ كبيرٌ من آياتِ القرآن، يَقرؤونَها ويَعتقدونَ أَنَّ أَحكامها ملغيةٌ فلا يَعملونَ بها ". وهذا النوعُ هو الوحيدُ في القرآن، فالمنسوخ في القرآنِ هو بعضُ الأَحكامِ فقط، مع أَنَّ الآياتِ التي عرضَتْ تلك الأَحكام المنسوخة بقيَتْ في القرآن. لكن هذه الآياتِ المنسوخة ليستْ كثيرةً كما زعمَ المفترِي، وإنما هي - آياتٌ قليلة، لا تَتجاوزُ عَشْرَ آيات. النوع الثالث: ما نُسختْ تلاوتُه وبَقيَ حُكْمُه. وعَلَّقَ عليه المفترِي بأَنه كانَ الأَوْلى أَنْ تبقى تلك الآياتُ المنسوخةُ في القرآن، وأَنْ لا تُرفَعَ منه. ومَثَّلَ العلماءُ لهذا النوع من النسخ برجْمِ الزاني والزانية إِذا كانا محصنَيْن متزوجَيْن، ويَزعمونَ أَنه كانَتْ آيةٌ في القرآن، نَصُّها: " الشيخُ والشيخةُ إِذا زنيا فارجُموهما ألبتة "، فنَسخَها اللهُ من القرآنِ وأَبْقى حكمَها!. ونحنُ لا نقولُ بهذا النوعِ من النسخ، ونَرى أَنَّ رجمَ الزاني المحصَنِ ثبتَ بالسُّنَّة وليس بالقرآن، وثبوتُه بالسنة يكفي لاعتمادِه حُكْماً شرعياً. والخلاصةُ أَنَّ النسخَ الوحيدَ في القرآنِ هو نسخُ الحكمِ مع بقاءِ التلاوة، والآياتُ التي نُسِخَ حكمُها في القرآنِ قليلةٌ لا تَتجاوزُ عَشْرَ آيات. ثانياً: أمثلة الناسخ والمنسوخ في القرآن: عرضَ الفادي الجاهلُ خمسةَ أَمثلةٍ اعتبرَها من " الناسخِ والمنسوخ " في القرآن، كان يَذكرُ الآيةَ المنسوخة، وبجانبها الآيةَ الناسخة، والحكمَ المنسوخ والحكمَ الناسخ، ومعظمُ هذه الأَمثلةِ لا نسخَ فيها. ولْننظرْ في الأَمثلةِ التي ذكرها: ١ - الحكمُ المنسوخُ هو: السِّلْمُ في سبيلِ الدعوة، الذي قَرَّرَه قولُه تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) .

стр. 606

وقولُه تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) . وادَّعى المفترِي أَنَّ الحكمَ الناسخَ هو: القتالُ في سبيلِ الدعوة. وأَنَّ النصَّ الناسخَ هو قولُه تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) . وقولُه تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) . وكلامُ المفترِي دليلُ جهْلِه، فالدعوةُ إِلى اللهِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة أمر مُحْكَم وليس منسوخاً، وهو باقٍ حتى قيامِ الساعة، ودليلُه الآيةُ المحكمةُ: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) . وآيةُ سورةِ البقرةِ التي ذَكَرَها الفادي محكمةٌ وليستْ منسوخَة: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا) إِنها تنهى عن إِكراهِ الكافرين من اليهودِ والنصارى وغيرهم على الدخولِ في الإِسلام، وإِجبارهم عليه، لأَنَّ الدينَ لا يَقبلُ الإِجبارَ والإِكراه، وإِنما يقومُ على الرضا والاختيار والاقتناع.. ولكنَّ عدمَ إِكراهِهم على الإِسلام لا يَعْني عدمَ دعوتِهم إِليه، فيجبُ على المسلمينَ أَن يَدْعوهم إِلى الإِسلامِ، ويُقيموا عليهم الحجة، وأَنْ تَكونَ دعوتُهم بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، فإن استجابوا - للدعوةِ أَفْلَحوا، وإِلّا كانوا خاسِرين.. فلا نسخَ في قولِه تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ، ولا نسخ في قوله تعالى: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) . والآياتُ التي تأمُر بقتالِ وجهادِ الكفارِ والمنافقين ليستْ ناسخةً لآياتِ وجوبِ الدعوةِ إِلى الله، كقولِه تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) .

стр. 607

وقوله تعالى: (جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) . لأَنه لا تَعارُضَ بين الآيات ِ الآمرةِ بالجهادِ والقتالِ والآياتِ الآمرةِ بالدعوةِ بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، لأَنَّ القتالَ موجَّهٌ إِلى الأَعداءِ المحاربين، الطامِعين في بلادِ المسلمين، أَو الذينَ يَمنعونَ الدعاةَ من تبليغِ الدعوة، والهدفُ من قتالِهم هو إِيقافُ عدوانِهم، وتحطيمُ قوتِهم، وليس إِكراهَهم على الدخولِ في الإِسلام. فإِذا تَوقَّفَ الأَعداءُ عن العدوان، قام الدعاةُ بدعوتِهم إِلى هذا الدين، فإِنْ رَفضوا الدعوةَ وأَصَرّوا على كفرهم، تُرِكوا وشأنهم، وعذابُهم عندالله!!. ٢ - الحكمُ المنسوخ: هو حبسُ الزانيات، الذي قَرَّرَه قولُه تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) . إذا ارتكبت امرأة فاحشةَ الزنى، وثَبَتَ زِناها بشهادةِ أَربعةِ شهود، وَجَبَ حبسُها في بيتِ أَهْلِها حتى تَموت، أَو يأتيَ اللهُ بحكْمٍ جديد. والحكمُ الناسخُ هو جلْدُ الزانيةِ والزاني المحصنَيْن مئةَ جلدة، الذي قَرَّرَه قولُه تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) . وهذا المثالُ للنسخ في القرآنِ صَحيح، فآيةُ سورةِ النساء أَمَرَتْ بحبسِ النساءِ الزانيات، ولكنَّ اللهَ نَسَخَ هذا الحكمَ بآيةِ سورةِ النور، حيثُ أَمَرَ بضربِ الزانيَيْن مئةَ جلدة. وَأَكَّدَ هذا النسخَ رسولُ اللهِ ﷺ . روى مسلم عن عبادةَ بنِ الصامت ﵁ عن رسولِ الله ﷺ قال: " خُذوا عَنّي، خُذوا عَنّي، قد جعلَ اللهُ لهنَّ سبيلاً. البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مئةٍ ونَفْيُ سَنَة، والثَّيّبُ بالثيبِ جلدُ مئةٍ والرجمُ ". ٣ - الحكمُ المنسوخ: ثَباتُ الواحدِ لعشرةٍ من الكفار في القتال، الذي قرره قوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) .

стр. 608

أَمَرَ اللهُ المؤمنين بقتالِ الكفار، والثباتِ في قتالِهم، وعدمِ الفرارِ منهم، وأَوجبَ على المسلمِ أَنْ يَثبتَ أَمامَ عشرةِ كفار. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) . والحكمُ الناسخ هو ثباتُ الواحدِ لاثنين من الكفارِ في القتال، والذي قَرَّرَهُ قولُه تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ) . وهذا المثالُ صحيحٌ للنسخِ في القرآن، ويبدو أَنَّ وُجوبَ ثباتِ المؤمنِ أَمامَ عشرةٍ من الكفارِ كانَ في بدايةِ الدعوةِ الإِسلامية، حيثُ كان عددُ المسلمين قليلاً، وكانَ إِيمانُهم كبيراً، وكانتْ حماستُهم للقتالِ عالية، ويمكنُ للمؤمنِ أَنْ يُقاتِلَ عشرةً، وأَنْ يَصمدَ أَمامَهم. وفيما بعدُ انتشرَ الإِسلام، وازدادَ عددُ المسلمين، ولعلَّه تَدَنّى مستوى حماسِهم، ودَبَّ فيهم الضعف، فخفَّفَ الله عنهم، ونَسَخَ الحكمَ السابق بحكْمٍ جديد، هو أَنْ يثبتَ المؤمنُ أَمامَ اثنيْن من الكفار. ٤ - الحكمُ المنسوخُ هو: اعتدادُ المتوفّى عنها زوجُها سنةً كاملة، والذي قَرَّرَهُ قولُه تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) . والحكمُ الناسِخُ هو اعتدادُ المتوفّى عنها زوجُها أَربعةَ أَشهرٍ وعشرةَ أَيام، الذي قَرَّرَه قولُه تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) . والراجحُ أَنه لا نَسْخَ في عدةِ المتوفّى عنها زوجُها، وأَنَّ الآيةَ (٢٣٤)

стр. 609

من سورةِ البقرة التي تأمرُ المرأةَ المتوفّى عنها زوجُها بالعدةِ أَربعةَ أَشهرٍ وعشرةَ أَيام ليستْ ناسخةً للآية (٢٤٠) ، التي تتحدثُ عن الإِقامةِ حَوْلاً كاملاً، ولا تَعارُضَ بين الآيتَيْن حتى نَلجأَ إِلى النسخ. عِدَّةُ المرأةِ المتوفّى عنها زوجُها هي أَربعةُ أَشهرٍ وعشرةُ أَيام: (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) . ويَحرمُ عليها أَثناءَ العدةِ أَنْ تُخْطَبَ أَوْ تَتزوج، ويَجبُ عليها أَنْ تقضيَ هذه المدةَ في بيتِ زوجِها المتوفّى. وقولُه تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) يَجعلُ للمرأةِ المتوفّى عنها زوجُها الحَقَّ في أَنْ تُقيمَ في بيتِ زوجِها المتوفّى حولاً كاملاً، وذلكَ بأَنْ تزيدَ على مدةِ العِدَّةِ الواجبةِ عليها، وعلى أَهْلِ زوجِها المتوفّى أَنْ لا يَمنعوها من ذلك، ولكنَّ هذا الحَقَّ ليس واجباً عليها، فإِنْ خرجَتْ قبلَ انقضاءِ الحولِ جازَ لها ذلك: (فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) . الآيةُ (٢٣٤) تتحدَّث عن العِدَّةِ الواجبةِ على المتوفّى عنها زوجُها، والآيةُ (٢٤٠) تتحدث عن المدَّةِ الزائدةِ التي يمكِنُ لها أَنْ تُقيمَها المعتدَّةُ في بيتِ زوجِها المتوفّى، ويَجوزُ لها أَنْ تُقَلِّلَ مدةَ الإِقامةِ عن الحَوْل، لكنَّه لا يجوزُ لها أَنْ تُنقصَ أَيامَ العِدَّةِ يوماً واحداً. ٥ - الحكمُ المنسوخ: في الخمرِ والميسرِ إِثمٌ وَمنافعُ للناس، الذي قررَه قولُه تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) . والحكمُ الناسخ هو تحريمُ الخمرِ والميسرِ لأَنهما رجسٌ من عملِ الشيطان، والذي قَرَّرَهُ قولُه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) . والراجحُ أَنه لا نسخَ في الأَمْرِ، ولا تَعارُضَ بين آيةِ سورةِ البقرة وآيةِ سورةِ المائدة.

стр. 610

فآيةُ سورةِ المائدة نَصتْ على تَحريمِ الخمرِ والميسر، وأَمَرت المسلمين باجتنابهما، ووصفَتْهما بأَنهما رجسٌ من عملِ الشيطان، وهي الدليلُ القرآنيُّ على حرمةِ الخَمرِ والميسر، حيثُ استقرَّتْ حرمَتُهما حتى قيامِ الساعة. وآيةُ سورةِ البقرة لا تَتعارضُ معها، حتى نقولَ: إِنها منسوخة، لأَنها نَزَلَتْ جواباً على سؤالٍ للنبيّ ﷺ ، وأَخبرتْ أَنّ في الخمرِ والميسر إِثماً كبيراً ومنافعَ للناس: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) . فيهما إِثم كبيرٌ لأَنهما رجسٌ من عملِ الشيطان، ولذلك حَرَّمَهما اللهُ في سورةِ المائدة. لكن فيهما منافعُ للناس، وتلك موجودةٌ فيهما حتى بعدَ تحريمِهما، وتتمثَّلُ هذه المنافعُ في المتاجرةِ فيهما صناعةً وبيعاً واكتساباً، حيثُ تُشادُ مصانعُ للخمر، وتُفتحُ محلاتٌ لبيعِ الخمر، وهذه المصانعُ والمتاجرُ تَدرُّ رِبحاً ومالاً لأَصحابِها، وهي منافعُ مالية مادية لهم.. لكنَّ هذه المنافعَ لبعضِ الناس مفاسدُ لمعظمِ الناس، ولذلك حَرَّمَ اللهُ الخمرَ رغم هذه المنافعِ للبعض، وجعَلَها أُمَّ الخبائث، للمضارِّ والمفاسدِ التي تُوقِعُها بالناس!. ثالثاً: الأسباب الحقيقية للناسخ والمنسوخ: حَشَرَ الفادي المفترِي نفسَه في الناسخِ والمنسوخِ في القرآن، وتعامَلَ معه بجهْلِهِ وغَبائِه، وفَسَّرَهُ على أَساسِ تَحامُلِه على القرآن، وسوءِ ظَنِّهِ به، واتِّهامِه له، وجَزْمِه بأَنه من كلامِ البَشَر وليس من كلامِ الله. وحاوَلَ الوقوفَ على الأَسبابِ الحقيقية للنسخِ، وهو بهذهِ النفسيةِ الحاقدةِ العدائية، وزَعَمَ أَنه عَرَفَ الأَسبابَ الحقيقيةَ لسبعةِ أمثلةٍ من النسخِ في القرآن. ونَنظرُ في الأَسبابِ التي ذَكَرَها لنقفَ على جَهْلِه وتحامُلِه وحِقْدِه: ١ - لماذا نسخ تحريم القتال في الشهر الحرام؟ : زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنَّ القرآنَ حَرَّمَ القتالَ في الشهرِ الحرام. ولم يَذْكُر الآيةَ التي حَرَّمَتْ ذلك. ثم زَعَمَ أَن هذه الحُرمةَ نُسخَتْ بالإِباحة، وذلك بآية:

стр. 611

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) . والسببُ الحقيقيُّ للنسخِ في نظرِه هو رغبةُ الرسولِ ﷺ في السَّلْبِ والنهبِ والقتل، وتبريرُه لذلك، قالَ فَضَّ اللهُ فاه: " جاءت هذه الآية ُ الناسخةُ بعد القتالِ الذي قامَ به عبدُ اللهِ بنُ جحش الأَسديُّ في الشهرِ الحرام، وإِعطائِه خُمس السَّلْبِ لمحمد، وتعييرِ قريشٍ لمحمدٍ بِسببِ ارتكابِ المسلمين القتالَ في الشهرِ الحرام. فلكَي يُسكتَهم ويُرضي أَصحابَه ويُبررَ سَلَبَه قالَ بهذه الآيةِ الناسخة! ". محمدٌ ﷺ في نظره - هو الذي يُؤَلِّفُ آياتِ القرآن، ويَنسبُها إِلى الله، وذلك ليُبررَ بها أَعمالَه ويُرضيَ أَصحابَه!! هذا هو السببُ الحقيقيُّ عند المجرمِ لنسخِ حرمةِ القتالِ في الشهرِ الحرام. فقد أَرسلَ عبدَ الله بنَ جحش، ومعه مجموعةٌ من أَصحابِه، فأَغَاروا على تجارةٍ لقريشٍ في الشهرِ الحرام، وقَتَلوا مَنْ فيها، وصادَروها، وأَعْطوا ما فيها للرسولِ ﷺ فأَلَّفَ آيةً نَسَخَ فيها حرمةَ القتالِ في الشهرِ الحرام، ليُبررَ فِعْلَه، ويُرضيَ أَصحابَه!!. وكلامُ الفادي المجرمِ خَطَأ وباطل، وهو دَليلُ جهْلِه وغَبائِه. لقد كانتْ حادثةُ سريةِ عبد اللهِ بنِ جحش ﵁ في منتصفِ السنةِ الثانيةِ للهجرة، قبلَ غزوةِ بدر، وهي لم تَنسخْ حُرمةَ القتالِ في الشهرِ الحرامِ، ولم تَجعلْ ذلك القتالَ مباحاً، بل اعتبرَتْه مُحَرَّماً، لكنَّ جرائمَ قريشٍ كانت أَكبر. وخلاصةُ حادثةِ تلك السَّرِيَّةِ أَنَّ الرسولَ ﷺ "شَكَّلَ " سريةً مجاهدةً بقيادةِ عبدِ الله بن جحش ﵁، وأَمرهم أَنْ يَتَوَجَّهوا إِلى منطقةِ " نَخْلَة "، على طريقِ مكة، وأَنْ يَرْصُدوا فيها قافلةً تجارية لقريش.. ولما كَمَنوا في المنطقةِ مَرَّتْ بهم القافلةُ المرصودة، واخْتلفَ أَصحابُ السريَّةِ في التاريخ: هل هذا اليومُ هو آخرُ أَيامِ شهرِ جمادى الثانية، الذي يَجوزُ القتالُ فيه، أَم هو أَولُ أَيامِ شهرِ رجب المحَرّم الذي يَحرمُ القتالُ فيه؟ ورجَّحوا أَنه آخرُ أَيامِ شهرِ جمادى،

стр. 612

وهاجموا القافلةَ، فَقَتلوا أَحَدَ المشركين، وأَسَروا اثنَيْن، وهربَ الرابعُ إِلى مكة، ليُخبرَ قُرَيْشاً بما جَرى، وأَتَوا بالقافلةِ والأَموالِ والأَسيرَيْن إِلى رسولِ الله ﷺ في المدينة. وأَثارَتْ قريشٌ حرباً إِعلاميةً ضخمةً ضدَّ المسلمين، وقالَتْ لقبائلِ العرب: انْظُروا إِلى محمد الذي يَزعمُ أَنه رسولُ الله، وأَنه يحترمُ الحُرُمات، ها هو ينتهكُ حرمةَ الشهرِ الحرام، الذي أَجمعَ العربُ على تحريمِ القتالِ فيه، ويَقتلُ أَحَدَ رجالِنا في رجب الحرام!. فأَنزلَ اللهُ آيةً محكمةً تَرُدُّ على إشاعاتِ قريش، وتُدينُ قتْلَ الرجلِ في الشهرِ الحرام، وتَذكرُ جرائمَ قريشٍ الكبيرةَ الفظيعةَ بجانبِ قَتْلِ ذلك الرجل! وهي قولُ اللهِ : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) . والمعنى: يَسألُ الكفارُ عن حكمِ القتالِ في الشهرِ الحرام، وعن حكمِ القَتْلِ في الشهرِ الحرام، والجوابُ على سؤالهم أَنَّ القتالَ والقَتْلَ فيه كبيرٌ. وهذا معناهُ: أَنَّ الصحابةَ الذين قَتَلوا الرجلَ في الشهرِ الحرام كانوا مُخطئين في اجتهادِهم، لأَنه لا يَجوزُ القتالُ والقتلُ في الشهرِ الحرام. لكنَّ خطأَ الصحابة في قَتْلِ الرجلِ في الشهرِ الحرام لا يَكادُ يُذْكَرُ أَمامَ سلسلةِ الجرائمِ التي ارتكبَتْها قريشٌ ضدَّ المسلمين، وذَكرت الآيةُ تلك الجرائمَ بقولها: (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) . والمعنى: إِذا أَخطأَ المسلمون بقَتْلِ رجلٍ كافرٍ في الشهرِ الحرام، فإِنَّ كُفارَ قريشٍ قد ارتكبوا سلسلةً فاحشةً من الجرائم، منها: صَدُّهم عن سبيلِ الله، والكفرُ بالله، والكفرُ والشركُ وعبادةُ غيرِ الله في المسجدِ الحرام، وإِخراجُ أَهْلِ

стр. 613

المسجدِ الحرامِ المؤمنين الصالحين من المسجد، وفتنتُهم المسلمينَ وتعذيبُهم ليرتَدّوا عن دينهم.. هذه الجرائمُ أَكبرُ عندَ الله من قَتْلِ ذلك الرجل، فلماذا تَتَباكى قريشٌ على الحرمات، وهي التي تَنتهكُ حرمَتَها؟!. وبهذا نعرفُ أَنَّ الآيةَ لم تَنْسَخْ حرمةَ القتال في الشهبرِ الحرام، كما فَهم منها الفادي الجاهل، وإِنما أَكَّدَتْ حرمةَ ذلك القتال، ولامَت الصحابةَ على قَتْلِهم الرجلَ المشرك، واعتبرتْ ذلك الحادثَ كبيراً: (قُل قِتَالٌ فِيهِ كبِير) ، لكنَّ جرائمَ قريشٍ أَكبرُ من القتل. ٢ - لماذا نسخت القبلة إلى بيت المقدس ؟ : كانتْ قبلةُ المسلمين بيتَ المقدس، وصَلّوا إِليها سبعةَ عشرَ شهراً بعدَ الهجرة، ثم نَسَخَ اللهُ تلك القبلة، وحَوَّلهم إِلى الكعبة، وذلك في قوله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) . وادَّعى الفادي المفترِي أَنه اكتشفَ الأَسبابَ الحقيقيةَ لهذا النَّسخ. قال: " جاءَتْ هذهِ الآية ُ الناسخةُ، بعدَ أَنْ كانَ المسلمون يُصَلُّون مستَقْبِلين بيتَ المقدس، وأَرادَ محمدٌ أَنْ يَستميلَ العربَ إِليه، ولكي لا يَتحوَّلوا إِلى اليهوديةِ التي كان يُقَدّسُ قبلَتَها، قال: إِنَّ اللهَ غَيَّرَ له القبلةَ إِلى القبلةِ التي يَرْضاها، فحُكْمُ النسخِ ليس حسبَ المشيئةِ الإِلهية الثابتة، بل حسبَ هوى محمدٍ ورضاه!! ". يُفَسرُ المجرمُ المفترِي الأَحكامَ الشرعيةَ تفسيراً سياسيّاً ومصلحياً، ويُنَحّي التفسيرَ الإِيماني، لأَنه يَنفي أَساساً كونَ القرآنِ من عند الله، ويجعلُه من تأليفِ محمدٍ ﷺ . كانَ محمدٌ ﷺ يُقَدِّسُ قبلةَ اليهود، وكان يُصَلِّي إِليها، لكنه خشيَ أَنْ يتأَثَّرَ قومُه العربُ باليهود، وأَنْ يَتَحَوَّلوا إِلى الديانةِ اليهودية، وبذلك يغلبُه اليهود.

стр. 614

وأَرادَ أَنْ يستميلَ العربَ إِليه، فحوَّلَ القبلةَ من بيتِ المقدسِ إِلى الكعبة، التي كان قومُه العربُ يقدسونَها، ويَعتبرونَها قبلةً لهم.. وادَّعى أَنَّ اللهَ أَنزلَ عليه القرآنَ بنسْخِ القبلةِ السابقةِ والتحوُّلِ إِلى القبلةِ الجديدة! فالنسخُ في القرآنِ ليس من عندِ الله، ولا بأَمْرِ الله، وإِنما هو وفقَ هوى ورغبةِ ورضا محمدٍ ﷺ ، يَنسخُه متى يَشاء، ويُثبتُه متى يَشاء!!. بهذا التحليلِ الخبيثِ يتعامَلُ المفترِي الحاقدُ مع مسألةِ تحويلِ القِبلة، ويُلغي الجانبَ الربانيَّ الإِلهي، ويَجعلُ الإِسلامَ والقرآنَ والشريعةَ والأَحكامَ نتاجَ اللهو واللعبِ والعبثِ والهوى والمزاج. وقد كانتْ آياتُ القرآنِ صريحةً في إِسنادِ تحويلِ القبلةِ إِلى الله، وفي الردِّ على السفهاءِ من الناس، الذين اعْتَرَضوا على تحويلِ القبلة. وعند قراءةِ كلامِ الفادي المفترِي عن سببِ تحويلِ القبلةِ نجدُ أَنه أَحَدُ هؤلاء (السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ) . قال تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧) . الآياتُ صريحة في أَنَّ نسخَ القبلةِ إِلى بيتِ المقدس، وتحويلَها إِلى

стр. 615

الكعبة، إِنما هو من الله، وله الحِكَمُ العديدةُ من القبلةِ الأُولى، ومن التحويلِ إِلى القبلةِ الجديدة، حِكَمٌ تربويةٌ وتشريعية، ورَدَّت الآياتُ على شبهاتِ واعتراضاتِ السفهاءِ من اليهود. وهذه الآياتُ أَبلغُ رَدٍّ على تحليلاتِ الفادي المفتري، ونقضٍ لاتهاماتِه ضد رسولِنا الحبيبِ ﷺ . ٣ - هل نسخ تمسك الرجل بزوجته ؟ : نَظَرَ الفادي المجرمُ نظرةً خبيثةً لحادثةِ زَواجِ الرسولِ ﷺ من زينبَ بنتِ جحشٍ ﵂، بعدَ أَنْ طَلَّقَها مُتَبَنّاهُ زيدُ بنُ حارثة ﵁، لخلافاتٍ زوجيةٍ بينهما، وفَسَّرَ المجرمُ الحادثةَ تفسيراً فاجِراً حاقِداً لئيماً، اتهمَ فيه رسولَنا ﷺ بأَنه متبعٌ للهوى والشهوة. قالَ اللهُ : (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) . ادَّعى المجرمُ المفترِي أَنَّ في الآيةِ نَسْخاً، وأَنه وفقَ هوى الرسولِ ﷺ . قال: " جاءت هذه الآية ُ الناسخةُ لزيدٍ أَنْ يتقيَ اللهَ ويتمسكَ بزوجتِه زينب، بعد أَنْ خافَ محمدٌ من تعييرِ العربِ له أَنه يتزوجُ بزوجةِ ابنِه بالتبنّي، مع ما سبقَ وأَضمَره محمدٌ في نفسِه ساعةَ رأى زينبَ واشْتهاها، فقال: سبحانَ مُقَلِّبِ القلوب. ثم قال: إِنَّ اللهَ أَمَرَه بالزواجِ من زينب! ". ادَّعى المجرمُ أَن جملةَ: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ) المذكورةَ في الآيةِ منسوخةٌ، وأَنَّ التي نسخَتْها هي الجملةُ التي بعدَها في الآية: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) . وادَّعى الفاجرُ المفترِي أَنَّ الرسولَ ﷺ رأى زينبَ زوجةَ ابنِه بالتَّبَنّي زيدِ بن حارثة، فأَحَبَّها واشْتَهاها، وأَضمرَ في نفسِه الزواجَ منها، ولكنه خشيَ

стр. 616

من تَعييرِ العربِ له، بأَنه تزوجَ امرأةَ ابنِه، وكان قد أَوصى زيداً بها قائِلاً له: أَمْسِكْ عليك زوجَكَ واتَّقِ الله. فَنَسَخَ هذه الوصية، وزعمَ أَنَّ اللهَ هو الذي زوَّجَه من زينب، وأَنزلَ عليه الآيةَ المذكورة، التي فيها جملة: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا) . مع أَنه لا يوجَدُ في الآيةِ منسوخٌ ولا ناسخ، وإِنما هذا ثمرةُ جَهلِ الفادي المفترِي وإِجرامه وفجورِه، والأَسبابُ التي ذكرها لزعْمِ النسخِ نتَاجُ حِقْدِه وخيالِه المريض. وخلاصةُ حادثةِ زواج الرسولِ ﷺ بإِيجازٍ هي: كانت زينبُ بنتُ جحشٍ ﵂ ابنةَ عمةِ النبيِّ ﷺ ، وهو يَعرفُها منذ صغرِها، وكانَ قبلَ البعثةِ قد تَبَنّى زيدَ بنَ حارثة، واشتهرَ بين قريشٍ باسمِ: زيدِ بنِ محمد، وكان زيدٌ من السابقين إِلى الإِسلام ﵁. وقد أَبطلَ اللهُ المَبني، وأَمَرَ بنسبةِ الأَبناءِ بالتبَنّي إِلى آبائِهم الحقيقيّين، وذلك في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ) . وبذلك أُعيدَتْ نسبةُ زيدٍ إِلى أَبيه حارثة، فلم يقولوا: زيدُ بنُ محمد، وإِنما يقولون: زيدُ بنُ حارثة. وأَرادَ اللهُ الحكيمُ الخبيرُ أَنْ يُبطلَ كُلَّ آثارِ التَبني، بتجربةٍ عمليةٍ على يدِ رسولِه محمدٍ ﷺ ، فأَمَرَ اللهُ نبيَّه ﷺ أَنْ يُزَوِّجَ ابنةَ عمتِه زينبَ لزيدِ بنِ حارثة، فنفَّذَ أَمْرَ اللهِ وزوَّجَه بها.. وكانَ في زينبَ حِدَّةٌ وشِدَّة، وكانتْ تَرى نفسَها أَفضلَ من زيد، لأَنها قرشيةٌ هاشمية، وهو عَبْدٌ مُحَرَّر.. ولذلك كانت تنشأُ بينهما خلافاتٌ عديدة، وكان زيدٌ يشكو زينبَ إِلى رسولِ اللهِ ﷺ ، وكانَ الرسولُ ﷺ يوصيهِ بها، ويَدْعوه إِلى الصبرِ عليها، ولما أَخبره أَنه يُريدُ أَنْ

стр. 617

يُطَلقَها نهاهُ عن ذلك، وقال له: أَمْسِكْ عليك زوجَك واتقِ اللهَ فيها. وأَخبرَ اللهُ رسولَه ﷺ أَنَّ الحياةَ الزوجيةَ لن تستمرَّ بينهما، وأَنَّ زيداً سيُطَلِّقُ زينب، وأَنه هو الذي سيتزوَّجُ زينبَ بعد تطليقِ زيدٍ لها، وذلك لإِبطال كُلِّ آثارِ التبني ... وكان ﷺ يَعلمُ أَنَّ قَدَرَ اللهِ لا بُدَّ أَنْ يَتم، وصارَ يفكرُ في ما سيقولُه عنه الناس بعد زواجِه بزينب. وطَلَّقَ زيدٌ زينب، ولما انتهتْ عِدَّتُها أَمَرَ اللهُ رسولَه ﷺ أَنْ يتزوَّجَها، وأَثارَ المنافقون الخبثاءُ الشبهاتِ ضدَّ الرسولِ ﷺ ، وقالوا: لقد تزوَّجَ مُطَلَّقَةَ ابنهِ زيد!. فأَنزلَ اللهُ الآيةَ، لإِبطالِ تلك الشبهات، وبَيَّنَ حكمةَ ذلك الزواج " قال تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠) . ذَكرت الآية ُ ما قالَه الرسولُ ﷺ لزيد: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ) . ومعنى قوله: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ) : تُخْفي في نفسِك ما أَخبرَكَ اللهُ به، من أَنَّ زيداً سَيُطَلِّقُ زينبَ، وستتزوجُها أَنت من بعدِه بأَمْرِ الله. واللهُ سيُبدي هذا الأَمْرَ ويُظهِره للناس، وسيتمُّ الطلاقُ، وستتزوَّجُها أَنت فعلاً. ومعنى قوله: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) : تُفكرُ في كلامِ الناسِ وشبهاتِهم واتهاماتِهم لك، ولحسبُ لهم حِساباً، مع أَنَّ الأَوْلى أَنْ لا تخشى الناسَ، وأَن لا تهتمَّ بما سيقولونَه عنك، لأَنك على صواب، واللهُ هو الأَحَقُّ أَنْ تَخْشاه.

стр. 618

ونَصت الآيةُ على حكمةِ هذا الزواج: (لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا) ، وأَدعياؤهم هم أَبناؤُهم بالتبني، ويَجوزُ للرجلِ أَنْ يتزوَّجَ مُطَلَّقَةَ ابنِهِ بالتبنّي، لأَنه ليس ابنَه حقيقة. وأَخبرت الآيات ُ أَنَّ محمداً ﷺ ليس أَباً لأَحَدٍ من رجالِ المسلمين: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) . وشاءَ اللهُ الحكيم أَنْ يموتَ أَبناؤُه وهم صغار. وبهذا نعرفُ أَنه لا منسوخ ولا ناسخ في الآية التي تحدثَتْ عن ذلك الزواج، وليس في الأَمْرِ هوى أَو شهوة، كما قالَ ذلك المجرمُ المفترِي. ٤ - حولَ النسخ في معاشرة الزوجات في ليل رمضان: أَثارَ الفادي المجرمُ سؤالاً خَبيثاً حولَ النسخِ في بعضِ أَحكامِ الصيام: " لماذا نُسخَ الامتناعُ عن النساءِ وقتَ الصيام ؟ ". واعترضَ فيه على قولِ اللهِ : (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) . وعَلَّقَ المجرمُ على الآيةِ زاعماً اكتشافَه السببَ الحقيقيَّ للنسخ، فقال: " جاءَتْ هذه الآيةُ الناسخةُ بعدَ اعترافِ أَصحابِ محمد، ومنهم عمرُ بن الخطاب، أَنهم خانوا نِظامَ الصيامِ المتَّبَع، بإِتْيانِهم نساءهم بعد صلاةِ العشاء، فجَعلت الآيةُ الناسخةُ الممنوعَ ممكِناً، والمحَرَّمَ مُحَلَّلاً "!!. إِنَّ المجرمَ يأْبى إِلا الغَمز واللمزَ والإِيذاء، ولذلك عَلَّقَ على القصةِ الصحيحةِ باعترافِ بعضِ الصحابة بمخالفتِهم بقوله: " فجعَلت الآيةُ الناسخةُ الممنوعَ ممكِناً، والمحرمَ مُحَلَّلاً ". مع أَنَّ النسخَ هنا ليس تَحليلاً للحرام، وإِنما هو إِلغاءٌ وإِبطالٌ للحرام، ووضْع للحَلالِ مكانَه. ولذلك عَرَّفَ العلماءُ النسخَ قائلين: هو رَفْعُ حُكْمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأَخّر.

стр. 619

وسُؤالُ المجرمِ خَبيثْ: لماذا نُسِخَ الامتناعُ عن النساءِ وقْتَ الصيام؟ هَدَفُه منه التشكيكُ بالحكمِ الشرعي، عِلْماً أَنَّ الآيةَ لم تَنسخ الامتناعَ عن النّساء وقتَ الصيام، فالامتناعُ عن النساءِ وقتَ الصيامِ في نهارِ رمضان ما زالَ قائماً، ومَنْ جامعَ امرأَتَه في نهارِ رمضان وجبَ عليه القضاءُ والكفارة، وذلك بعتْقِ رقبة، أَو صيامِ شهريْن متتابعَيْن، أَو إِطعامِ ستّين مسكيناً. وحتى نعرف النسخَ في الآية لا بُدَّ أَنْ نتعرفَ على مناسبةِ نزولِها. كانَ الإِمساكُ عن الطعامِ والشرابِ والجماعِ بمجردِ النوم في ليلِ رمضان، فإِذا نامَ المسلمُ بعدَ الإِفطار وجبَ عليه الإِمساكُ حتى مغربِ اليومِ التالي، ولو كان نومُه بعدَ صلاةِ العشاءِ مباشرة، وهذا الحكمُ ثابتٌ في السُّنَّةِ وليسَ في القرآن. وكانَ أَحَدُ الأَنصارِ - وهو قَيْسُ بنُ صِرْمَة - يعملُ في أَرضِه طولَ النهار، وعادَ إِلى بيتِه في المساء، وقامت امرأَتُه لتعِدَّ له الإِفطار، ولكنَّه غلبَتْه عينُه فنام، وجاءَتْه امرأَتُه بالطعام فوجدَتْه نائماً، فأَمسكَ ولم يَأكل، وذهبَ في الصباحِ إِلى أَرضِه، ولكنه سقطَ في الأَرضِ مغشيّاً عليه من التعبِ والجوعِ والإِرهاقِ. وجاءَ عمرُ بن الخطابِ ﵁ إِلى رسولِ الله ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله! لقد هلكْتُ! لقد عدتُ إِلى بيتي ليلةَ أَمس، فوجدْتُ امرأَتي نائمةً، فوقعْتُ عليها. فأَنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) . لقد رحمَ اللهُ المسلمين وخَفَّفَ عنهم، فأَباحَ لهم ما كانَ منعَهم فى ليلِ رمضان، وأَباحَ لهم الطعامَ والشراب ومعاشرةَ الزوجات طيلةَ ليلِ رمضان: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ) .

стр. 620

أللهُ هو الذي شرعَ لهم الحكْمَ السابقَ بالإِمساكِ بمجردِ النَّوْم، واللهُ هو الذي نَسَخَ ذلك الحكم، وأَباحَ لهم كلَّ المفطراتِ في ليلِ رمضان، وأَوجبَ الإِمساكَ بطُلوعِ الفجر. ٥ - حول نسخ ما حرمه الرسول ﷺ على نفسه: طَرَحَ الفادي المجرمُ سُؤالاً قالَ فيه: " لماذا نَسَخَ ما حَرَّمَه على نفسِه، وحَنَثَ بالقَسَم؟ ". وقالَ في توضيح الأَمر: جاءَ في سورةِ التحريم: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) . وعَلَّقَ المجرمُ على الآيةِ وما زَعَمَه فيها من نَسْخٍ بقولِه: " روى محمد هذه الآيةَ بعد أَنْ أَتى بماريةَ القبطية في بيتِ زوجتِه حفصةَ بنتِ عمر بن الخطاب، وفي غيبتِها، فَشَقَّ ذلك على حَفْصَة، فأَرضاها، وقالَ لها: اكتمي عَلَيَّ، وقد حَرَّمْتُ ماريةَ القبطيةَ على نفسي، ولكنَّ حفصةَ أَخبرَتْ عائشةَ، فغضبَ محمدٌ، وطَلَّقَ حفصة. فكيفَ السبيلُ لتحليلِ ماريةَ بعدَ أَنْ حَرَّمَها على نفسِه؟ وكيفَ السبيلُ لمراجعةِ حفصةَ التي طَلَّقها؟ أَتى الناسخ يُحللُ ذلك، ويُعفي من القَسَم! فقد أَقَرَّ اللهُ بمعاشرةِ ماريةَ المحَرَّمَة، وبرجوعِ حفصةَ المطَلَّقة ". القصةُ التي أَوردَها المفترِي مرجوحةٌ وليست راجحة، فلا نَقولُ بها. والراجحُ أَنَّ اللهَ أَنزلَ الآياتِ في عتابِ الرسولِ ﷺ ، لأَنه حَلَفَ يَميناً حَرَّمَ فيه شيئاً أَباحَهُ اللهُ له. وخلاصةُ الحادثةِ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ذَهَبَ يوماً إِلى امرأَتِهِ زينبَ بنتِ جحش ﵂، وشَرِبَ عندَها عَسَلاً، وكانَ يُحبُّ العَسَلَ. ثم غادرَ حجرةَ زينب، وتوجَّهَ إِلى حفصةَ ﵂، فقالَتْ له حفصةُ: يا رسولَ الله! لقد أَكلتَ مَغافير!.

стр. 621

والمغافيرُ اسْمٌ لنباتٍ حُلْوِ الطعمِ كَريهِ الرائَحة. وكانَ ﷺ يُحبُّ أَنْ تُشَمَّ منه دائماً رائحةٌ طيبة، فقال لها: لقد شربتُ عند زينبَ عَسَلاً، ولا أَشربُ عندها العسلَ بعد ذلك.. وأَقسمَ على ذلك اليمين.. ففرحَتْ حفصةُ بذلك، وأَخبرتْ به عائشةَ ﵂. فأَنزلَ اللهُ الايةَ يُعاتبُ رسولَه ﷺ : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) . أَيْ: لِمَ تَمتنعُ من شربِ العسلِ عندَ زينب، وقد أَباحَ اللهُ لك ذلك. ومعنى قولِه: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) : شَرَعَ اللهُ لكم التحللَ من أَيْمانِكم التي تَحلفونَها، وذلك بدفعِ الكفارة. وقد حَنثَ رسولُ الله ﷺ بيمينِه بعدَما عاتبه اللهُ، فدفعَ الكفارة بأَنْ أَعتقَ رقبة، وعادَ إِلى شربِ العسل. وبهذا نعرفُ أَنه لا مَنسوخَ ولا ناسخَ في الآيات، فمن أَينَ أتى الفادي المجرمُ الجاهلُ بدعوى النسخ؟! كُلُّ ماِ هنالك أَنَّ الرسولَ ﷺ حَلَفَ يَميناً بالامتناعِ عن بعضِ المباح، فعاتَبَه الله، ودَعاهُ إِلى دَفْعِ الكفارة. والمفتري كاذبٌ في دعوى تطليقِ حفصةَ، فلم يُطَلِّقْها رسول الله ﷺ . ٦ - هل نسخَ تَحريمُ إِتلافِ أَشجارِ الأَعداء ؟ : ادّعى الفادي المجرمُ أَنَّ محمداً ﷺ حَرَّمَ إِتْلافَ أَشجارِ الأَعداء وقْتَ حربِهم، ثم نسخَ ذلك وأَباحَ إِتلافَ أَشجارِهم والعبثَ بمزارعِهم. أَوردَ قولَه تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥) . وعَلَّقَ على الآيةِ قائلاً: " لما حاصرَ محمدٌ يهودَ بني النَّضير بجوارِ يثرب، قَطَعَ نخيلَهم، فنادوه من الحصون: يا محمد! قد كُنتَ تَنهى عن الفسادِ، وتُعيبُه على مَنْ صَنَعَهُ، فما بال قَطْعِ النخيلِ وتحريقِها؟ فارتابَ بعضُ الصحابة بِجَوازِ هذا الفعل، وتأَثَّروا من اعتراضِ بني النضير، فأَتى الناسخُ، وجعلَ هذه الأَفعالَ الفاسدةَ بإِذن الله! ".

стр. 622

لا نَسْخَ في هذه الحادثةِ، ودعوى النسخِ في ذهنِ الفادي المجرم، ليتهكَّمَ على القرآن، ويُدينَ رسولَ اللهِ ﷺ . لما حاصرَ رسولُ اللهِ ﷺ يهودَ بني النَّضيرِ في السنةِ الرابعةِ للهجرة، شَنَّ عليهم حرباً اقتصادية، فأَمَرَ الصحابةَ بقَطْعِ وحَرْقِ بعضِ نَخيلِهم في بساتينِهم، ليوقعَ الحسرةَ في نفوسِهم، فأَنكروا عليه ذلك، ونَادَوهُ من الحصونِ قائلين: يا أَبا القاسم: قد كنتَ تَنْهى عن الفسادِ، فلماذا تَقطعُ النخيلَ وتَحرقُه؟!. وكأَنَّ بعضَ الصحابةِ تَحَرَّجوا من ذلك، فأَرادَ اللهُ أَنْ يُزيلَ ذلك التحرجَ من قلوبهم، فأَنزلَ آيةً حكيمةً تبَيّنُ مشروعيتَه، وهي قولُه تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥) . أَيةُ نخلةٍ قَطعوها كان ذلك بإِذْنِ الله، وأَيةُ نخلةٍ تَركوها قائمةً على أُصولِها كان ذلك بإِذن الله، والمرادُ بإِذْنِه سبحانه رِضاهُ عن ذلك وإِباحتُه، ومنحُ الثوابِ للصحابةِ الذين فَعَلوه، ومن حِكَمِ ذلك أَنه أَرادَ سبحانه أَنْ يَنصرَ المؤمنين، ويُخزيَ اليهودَ الفاسقين الكافرين. واللهُ هو الذي أَوحى إِلى نبيِّه ﷺ بذلك، وهو أَمَرَ الصحابةَ به فنفَّذوه. فأَينَ الناسخُ والمنسوخُ في الآية؟ وما الذي نسخَتْه الآيةُ؟ ولماذا زَعَمَ الفادي الجاهلُ أَنها ناسخة؟ وكيف يَصِفُ قطعَ النخيلِ الذي أَذِنَ اللهُ به ورضيَه وأَباحَه أَفعالاً فاسدة؟ وهل اللهُ يأذنُ ويُجيزُ أَفعالاً فاسدة؟!. إِنَّ الآيةَ أَباحَتْ قطعَ نخيلِ اليهود، ودلَّتْ على مشروعيةِ الحربِ الاقتصاديةِ ضدَّ الأَعداءِ المحاربين، وتَدميرِ اقتصادِهم وممتلكاتِهم، وهذا التشريعُ الذي قررَتْه لا يُسمى نَسْخاً، لأَنه لم يَنسخْ حكْماً تشريعياً قبلَه! ولكنَّ الفادي المفترِي جاهل، ولذلك جَعَلَها ناسخةً لحرمةِ قَطْعِ النخيل، مع أَنه لم يَسبقْ أَنْ جاءَ حكمٌ شرعيٌّ بحرمةِ قَطْعِ النخيل!. ٧ - لا نسخ في الصلاة على غير المسلم: ادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ الصلاةَ على غيرِ المسلم كانت جائزة، ولما

стр. 623

صَلّى الرسولُ ﷺ على عبدِ الله بنِ أُبَيّ اعترضَ عليه عمرُ بنُ الخطاب، فنسخَ إِباحةَ الصلاةِ، وحَرَّمَها إرضاءً لعمر. قالَ المجرمُ: " جاءَ في سورةِ التوبة (٨٤) : (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤) . جاءَتْ هذه الآية ُ بعدَ فراغِ محمدٍ من صلاتِه على جثةِ المنافقِ عبدِ الله بنِ أُبيِّ ابن سلول، وإِقامتهِ على قبرِه حتى نهايةِ دفنِه، وكان عمرُ يُمانعُ محمداً من الصلاةِ عليه بسببِ نفاقِه، فلم يَمتنع، ولكن إِرضاءً لعمرَ نزلَ الناسخُ ليوقفَ تأثيرَ الصلاة ". والحادثةُ ليستْ كما قال هذا المفترِي، ولم تكن الصلاةُ على المنافقِ أَو الكافرِ إِذا ماتَ مُحَرَّمَة، ولو كانت كذلك لما فعلَها رسولُ الله ﷺ ، لأَنه كان ملتزماً بأَحكامِ الله، ولا يُمكنُ أَنْ يفعلَ شيئاً حَرَّمَهُ اللهُ عليه. كانت الصلاةُ على غير المسلمِ مسكوتاً عنها، لا مُباحَةً ولا مُحَرَّمَة، لم يَرِدْ نَصّ بإِباحتِها، ولا بحرمتِها. وتُوفيَ عبدُ الله بنُ أُبَيِّ ابن سَلُول زعيمِ المنافقين، وكان مُسْلماً في الظاهر، ومحسوباً على المسلمين، فَدَعا الرسولُ ﷺ المسلمينَ إِلى الصلاةِ عليه. فتدخَّلَ عمرُ بنُ الخطابِ ﵁، وقال: كيفَ تُصلّي عليه وهو المنافق؟ فلم يلتفتْ له رسولُ الله ﷺ ، وصلّى على ابنِ أُبَي. فأنزلَ اللهُ الآيةَ يَنهى الرسولَ ﷺ عن الصلاةِ على أَحَدٍ من الكافرين أَو المنافقين، كما ينهاهُ عن تَشييعِ جنازتِه، أَو الإِقامةِ على قبره. ولم تَنزل الآية ُ إِرضاءً لعمر، كما ادَّعى ذلك المفترِي. وهذه الآية ُ ليستْ ناسخةً، كما ادَّعى المفترِي الجاهل، لأَنه لم يسبقْها حكْمٌ شرعيّ بإِباحةِ الصلاة على الكافرِ أَو المنافق، حتى تنسخَه وتُحَرِّمَ ذلك. والنسخ هو رفعُ حكْمٍ شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأَخِّر.

стр. 624

وبهذا نعرفُ جَهلَ الفادي المفترِي بأَحكامِ الناسخِ والمنسوخ، ومع ذلك يَدَّعي وقوفَه على الأَسبابِ الحقيقيةِ للناسخِ والمنسوخ، والأَسبابُ التي عَرَضَها هي في مخيَّلتِه المريضة، وهدفُه منها التهكمُ على الإِسلام، واتهامُ القرآن، وإِدانَةُ الرسول ﷺ . ومعظمُ الأَمثلةِ التي ذكَرَها وحَلَّلَها لا نسخَ فيها!. *** حول الكلام المتشابه في القرآن اعترضَ الفادي المفترِي على وُجودِ الكلامِ المتشابهِ في القرآن، واعْتَبره نَقصاً في إِحكامِ القرآنِ وبلاغَتِه، وأَنَّ المسلمَ يُلغي عَقْلَه أَمامَه ويُسَلِّمُ به تسليماً أَعمى. قالَ: " جاءَ في سورةِ آل عمران: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) . اعترفَ القرآنُ أَنَّ به آياتٍ مُحْكَمات، لا تَقبلُ الصرفَ عن ظاهرها، ولا الذهابَ في محتملاتِها مذاهبَ شَتّى.. كما قالَ: إِنَّ به آياتٍ متشابهات، لا يَتضحُ مَعْناها، لأَنها مجملة، أَو غيرُ موافقةٍ للظاهرِ إِلّا بتدقيقِ الفِكْر، وما يَعْلمُ تَأْويلَها إِلّا الله. وإِنَّ على أَشَدِّ الناسِ رسوخاً في العلمِ أَنْ يُسَلِّموا بها تَسليماً أَعمى. ونحنُ نسألُ: أَليسَ وجودُ هذه المتشابهاتِ نَقْصاً في البلاغةِ والإِحكام؟ فكيفَ نتأكدُ ممَّا لا يَعلمُ تأويلَه إِلّا الله؟. قالَ الإِنجيل: " امْتَحِنوا كُلَّ شيء، تَمَسَّكُوا بالحَسَن ". فهل يَحتملُ القرآنُ الامتحان؟ ". آياتُ القرآن نوعان: آياتٌ محكَمات، وآياتٌ متشابهات. قالَ تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)

стр. 625

ومعظمُ آياتِ القرآنِ محكَمات، والآياتُ المتشابهاتُ آياتٌ قليلةٌ جدّاً. والمحكَمات هنَّ أُمُّ الكتاب، والأَصْل الواضحُ الذي يَجبُ حملُ الآيات ِ المتشابهاتِ عليها، لإِحسانِ فهمِها ومعرفةِ مَعْناها. والمحكَماتُ واضحاتُ الدلالة، لا لَبْسَ ولا غُموضَ فيها، ولا إِشكالَ عليها. أَمّا المتشابهات فإِنّ فيها لَبْساً وإِشكالاً، ومَعْناها غيرُ واضحٍ وُضوحَ معنى المحكَمات، ويقفُ العلماءُ أَمامَها باحِثينَ متفكِّرين، ويَجبُ عليهم أَنْ يَحْمِلوها على الآياتِ المحكمَات، لِيُزيلوا اللَّبسَ عنها، ويُحْسِنوا معرفةَ مَعناها. ولا يَستحيلُ معرفةُ معنى الآيات ِ المتشابهاتِ كما ادَّعى الفادي المفْتَري، فإِنَّ معرفةَ معناها ممكِنَة، بل هي واجبة، لأَنه يَجبُ علينا معرفةُ كُلِّ معاني القرآن، ولم يُخاطبنا اللهُ في القرآنِ بشيءٍ لا نَعرفُ معناه، فقد أَنزلَه علينا بلسانٍ عربيٍّ مُبين، وأَوجبَ علينا فَهْمَه، وتَدَبُّرَه، فكلُّ ما في القرآن مَفهومُ المعنى، ومنه الآيات ُ المتشابهات. لكن معرفة معنى الآيات المتشابهات يحتاج إلى مزيد من النظر والتفكر والبحث، لأَنها ليستْ بوضوحِ الآياتِ المحكَمات، ولَنْ يُعْرَفَ معناها بدقَّةٍ وإِتْقانٍ إِلّا بَحَمْلها على أُصولِها من الآياتِ المحْكَمات، وهذا ممكنٌ يتمُّ على أَيْدي الراسخين في العلم. وهناكَ أَشخاصٌ في قلوبِهم مَرَض، من أَمثالِ هذا الفادي المفتري المجرم، يَتركونَ الآياتِ المحكَماتِ الواضحاتِ الكثيرة، ويَبْحَثونَ عن الآياتِ المتشابهاتِ القليلة، بهدفِ فتنةِ المؤمنين، وتَشكيكِهم في القرآن، ويُثيرون الشبهاتِ والإِشكالاتِ على معاني الآيات ِ المتشابهات، ولو حَمَلوا الآياتِ المتشابهاتِ على أُصولِها المحكماتِ لأَحْسَنوا فهمَ تلك المتشابهات. إِذنْ معرفةُ معنى الآياتِ المتشابهاتِ ممكنةٌ بل واجبة، والمؤمنُ يَتعاملُ معها بوعْي عقلي، ولا يُسلمُ بها تَسليماً أَعمى، كما ادَّعى هذا الفادي الأَعْمى.

стр. 626

والذي لا يَعرفُهُ الراسخون في العلمِ من المتشابهاتِ هو كيفيتُها الواقعيةُ العمليةُ المادية، لأَنها غيبية غيرُ مُدْرَكَةٍ بالعقل، والعقلُ عاجز عن تكييفِها، فلذلك يَكِلونَ كيفيتَها إِلى الله، ويَقولون: آمَنّا بالقرآن، كُلّ قسمَيْه من المحْكَمِ والمتشابه من عندِ رَبِّنا. والفادي لجهْلِه وغَبائِه وصِغَرِ عَقْلِه لم يُفَرِّق بين معرفةِ مَعاني الآيات ِ المتشابهات الممكِنة، التي تتمّ على أَيدي الراسخين في العلم، وبينَ تَكييفِها الواقعيّ العمليِّ الذي لا يُمكنُ أَنْ تَقومَ به عقولُ الراسخين في العلم، فيَكِلونَ هذا التَّكييفَ إِلى الله!!. ووجودُ الآياتِ المتشابهاتِ القليلةِ في القرآن، تأكيد على بلاغةِ القرآن وسُمُوِّهِ وإحْكَامِهِ وإِعجازِهِ، وليس نَقْصاً في بلاغتِهِ وإِحكامِهِ، كما ادَّعى الجاهلُ، والقرآنُ يَدعو الراسخينَ في العلم من أُولي الأَلباب إِلى إِمعانِ النظرِ في الآياتِ المتشابهات، وإِطالةِ الوقفةِ أَمامَها، وحَمْلِها على أُصولِها المحكَمات، لإِزالةِ اللَّبس الخارجيِّ عنها، وإِحسانِ فَهْمِها، وتَقديمِها للآخرين. وكان الفادي الجاهلُ غبيّاً عندما طَرَحَ سؤالَه في آخرِ كلامِه: " فهل يَحتملُ القرآنُ الامتحان؟ ". نقولُ: نعم. القرآنُ يَحتملُ الامتحان. وهو يَتَحَدّى الكافرين، ويَدْعوهم إِلى امتحانِه، ويحثُّهم على امتحانِه، ويُقررُ لهم أَنهم لن يَجدوا فيه خَطَأً أَو اختلافاً أَو تفاوتاً أَو تناقضاً أَو اضطراباً، ويَتَحَدّاهم باستخراجِ ذلك منه. وأَوضحُ دعوةٍ قرآنيةٍ لهم في قوله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) . وامتحنَ الكفارُ القرآن، ونَظَروا فيه بهدفِ الوقوفِ على الخطأ والاختلافِ والتعارضِ والتناقض، واستمرَّ امتحانُهم ونَظَرُهم خمسةَ عشر قرناً، وقَدَّموا في ذلك كلاماً تافِهاً لا وَزْنَ ولا قيمةَ له، مثلَ هذا الكلامِ الذي قَدَّمَه هذا الفادي

стр. 627

المفتري الجاهل، ويُمكنُ الرَّدُّ على شبهاتِهم بسهولةٍ ويُسْر، ولم يَتَأَثَر القرآنُ بما قالوه عنه، وبَقيَ صخرةً قويةً ثابتة، يَصدُق عليهم وعليه قولُ الشاعر: كَناطِحِ صَخْرَةٍ يَوْماً لِيوهِنَها ... فَما وَهاها وَأَوْهى قَرْنَهُ الوَعِلُ *** هل القرآن مثل كلام الناس ؟ وضَعَ الفادي المفترِي عِنواناًا ستفزازياً مُثيراًْ " الكلامُ المماثلُ لغيرِه من كلامِ الناس " ادَّعى فيه أَنَّ القرآنَ مثلُ كَلامِ الناس. وجاءَ في عرضِه لفكرتِه الخبيثة قولُه: " جاءَ في سورةِ الإِسراء (٨٨) : (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) . ونحنُ نسألُ: أَليست المعلَّقاتُ السبعُ ومَقاماتُ الحريريِّ أَفصحَ من القرآن؟ أَو ليس امرؤُ القيس أَفصحَ من محمد؟ أَليستْ قصائدُ المتنبي وابن الفارضِ وخُطَبُ قِسّ بنِ ساعِدَة وغيرهم تُحاكي فَصاحةَ القرآن، وتُخرجُه عن كونِه معجزة؟ فليس القرآنُ من المعجزةِ في شيء، لأَنَّ المعجزةَ حَدَثٌ يحدُثُ خِلافَ مَجرى الطبيعةِ وناموسِها، فإِماتةُ حَيٍّ بطريقةٍ ما لا يُعَدُّ مُعجزة، لحدوثِه وفقَ ناموسِ الطبيعة، ولكنَّ إِحياءَ الميتِ بواسطةِ دُعاءٍ وأَمْرٍ يُحْسَبُ مُعجزة.. وعليه فتأليفُ كتابٍ في نهايةِ البلاغةِ والفصاحةِ لا يُعَدُّ معجزة، بل يُعَدُّ من نوادِرِ أَعمالِ الإِنسان. وإِنْ حَسَبْنا القرآنَ بناءً على سموِّ بلاغَتِه وفصاحتِه معجزةً، سيلزَمُنا أَن نَحْسِبَ كثيراً من أَشعارِ العَرَبِ وخُطَبِهم مُعْجزات! وإِنْ كانَ القرآنُ يتحدّى الناسَ جَميعاً في فصاحتِه، فأَي مسلمٍ يَقرأُ للعربِ قصائِدَهم العامرةَ وخُطَبَهم الرنانة، ويتذرَّعُ بالشجاعةِ في الرأي ويُعلنُ الحقيقةَ السافرةَ أَنَّ محمداً كأَحَدِ هؤلاءِ العرب، أَو يقل عنهم!.

стр. 628

وكم هم الذين يَزيدون فصاحةً من أُدباءِ اليهودِ في اللغةِ العِبْرِية، ومن أُدباءِ اليونانِ في اللغةِ اليونانية، ومن أُدباءِ الرومانِ في اللغةِ الرومانية، كما هو معروفٌ أَنَّ لكلّ لغةٍ أُدباءَها. أَما معلوماتُ القرآن فلم تَزِدْ عن أَقوالِ العربِ والمجوسِ واليهود والنصارى، الذين أُخِذَ عنهم! ". إِنَّ المجرمَ الفاجرَ يَرى أَنَّ القرآنَ من كلامِ محمد ﷺ وليس من كَلامِ الله، وأَنَّ بعضَ كلامِ العرب أَفصحُ من القرآن، كشعرِ امرئ القيس والمتَنَبي، وحتى مقاماتُ الحريري الركيكةُ أَفصحُ عنده من القرآن. وهو يَرى أَنَّ القرآنَ ليس معجزةً للنبي ﷺ ، لأَنَّ المعجزةَ في نظرهِ حَدَثٌ يَحدثُ على خلافِ الطبيعة، كإِحياء الميت، والقرآنُ في نظرِه ليس على خلافِ الطبيعةِ البشرية، إِنه كتابٌ أَلَّفَه محمدٌ ﷺ على مستوى من الفصاحةِ والبلاغة، فالقرآنُ صناعةٌ بشريةٌ من نَوادرِ أَعمالِ الإِنسان! ولو كانَ القرآنُ معجزةً لكانتْ كُلُّ خُطَبِ العربِ وأَشعارِهم معجزات!!. ويرى المجرمُ أَنَّ تحدّي القرآنِ الناسَ في فصاحتِه لا مَعنى له، لأَنَّ مؤَلّفَه محمداً ﷺ أَقَلُّ من مستوى العربِ في الفصاحةِ والبلاغة!!. إِنَّ المجرمَ يَهذي في هذا الكلام، ويُقدمُ كَلاماً تافِهاً ساقِطاً، يوحي به إِليه حِقْدُه ولؤمُه وخبثُه وكيدُه، ولذلك يُغالطُ الحقائِق، ويطلبُ من القارئ تَصديقَه!!. هَبْ أَنَّ القرآنَ أَقَلُّ فصاحةً وبلاغةً من خُطَب وأَشعارِ العرب، فلماذا لم يَأتوا بالمطلوبِ لما تَحَدّاهم القرآن؟ ولماذا لم يُؤَلًّفوا سورةً أَوْ عَشْرَ سُوَر؟ وما الذي مَنَعَهم من ذلك وهم الأَفصحُ والأَبلغ؟ وهم الحَريصونَ على أَنْ لا يَنْهَزِموا في ميدانِ البيانِ والفصاحةِ والبلاغة!!.

стр. 629

ومَن الذي قالَ: إِنَّ القرآنَ ليس معجزة؟ إِنَّ المعجزةَ هي الأَمْرُ الخارقُ للعادة، يُجريهِ اللهُ على يَدِ النبيّ، وما ذَكَرَهُ من إِحياءِ الميتِ معجزةٌ، لكنَّها ليستْ خاصةً به. إِنَّ المعجزاتِ نوعان: النوعُ الأَول: معجزات ماديَّة، سالمةٌ من المعارضة، بحيثُ لا يَستطيعُ الخصْمُ نَقْضَها ومعارضَتَها وإبطالَها، مثلُ عصا موسى ﵇، التي جعلَها اللهُ حَيَّةً تَسعى، والْتَقمتْ كُلَّ ما قَدَّمَ السحرةُ من حِبالٍ وعِصِي، ومثلُ النارِ التي جَعَلَها اللهُ بَرْداً وسلاماً على إِبراهيم ﵇، ومثْلُ إِحياءِ الميت الذي تَم على يَدِ عيسى ﵇. النوعُ الثاني: معجزاتٌ معنويةٌ غيرُ محسوسةٍ ولا ملموسة، مثلُ القرآنِ الذي جَعَلَهُ اللهُ آيةً بيانيةً عقليةً للنبيِّ ﷺ ، وهو معجزةٌ عقليةٌ يُخاطبُ اللهُ بها العقلَ الإِنساني، ويُقَدمُ الأَدلةَ العقليةَ العديدةَ على أَنه من عندِ الله، وشاءَ اللهُ الحكيمُ أَنْ تكونَ معجزةُ الرسولِ ﷺ الأُولى عقليةً بيانية، لأَنَ رسالتَه مستمرة حتى قيامِ الساعة، فلا نبيَّ بعده. فحصْرُ الفادي المجرمِ المعجزاتِ بالنوعِ الأَوَّلِ دَليلُ جهْلِه وغبائِه. ولقد كانَ لرسولِنا محمدٍ ﷺ معجزاتٌ ماديةٌ ثانوية، مثلُ تكثيرِ الطعامِ والماءِ بين يديه، وتسبيحِ الحصى بين يدَيْه، ومعجزةِ الإِسراءِ والمعراج. وعندما طلبَ المشركونَ من الرسولِ ﷺ تقديمَ معجزات مادية، كتلك التي أَتى بها الأَنبياءُ السابقون، رَدَّ اللهُ عليهم بلَفْتِ نظرِهم إِلى معجزتِه الأَهَم التي هي القرآن. قالَ تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) . ويُغالطُ الفادي المجرمُ، ويُخالفُ المنطقَ والموضوعيةَ، عندما يَدعي أَنَّ أَشعارَ العربِ أَفصحُ من القرآن، وحتى مقاماتُ الحريري أَفصحُ من القرآن،

стр. 630

وإِنَّ الباحثينَ المنصفينَ المُحايدين، الذين يَحتَرمونَ عُقولَهم وعقولَ القراء، ويَحترمون الحقيقةَ والموضوعية، قَرّروا أَنه لا مجالَ للمقارنةِ بينَ القرآنِ وبين الشعرِ العربي، لأَنَّ فصاحةَ القرآنِ وبلاغتَه بَلَغَتْ حَدَّ الإِعجاز، ولذلك عَجَزَ العربُ المشركون عن معارضةِ القرآن، والإِتيانِ بمثلِه، أَو بعشرِ سورِ مثلِه، أَو بسورةِ مثله. ولقد أَخبرَ القرآنُ استحالةَ قدرةِ الناسِ على معارضةِ القرآنِ والإِتيانِ بمثْلِه، قال تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) . وهذه الآيةُ الجازمة، يُصَدّقُها الواقعُ التاريخي، على مَدارِ خمسةَ عَشَرَ قرناً، فكم حارَبَ القرآنَ من أَصنافِ الكفار، وكم حاوَلوا معارضَتَه ونَقْضَه، ولكنَّ جَميعَ محاولاتِهم باءَتْ بالفَشَل، ولم يتمكَّنوا من معارضتِه والإِتيانِ بمِثْلِه، ويَبقى خَبَرُ الآيةِ قائماً: (لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) . ويَبْقَى هذا دليلاً قاطِعاً على أَنَّ القرآنَ من عندِ الله! وأَنه لا يُماثِلُ ولا يُشابِهُ كَلامَ الناس. *** حول الاختلاف والتناقض في القرآن أَخبرَ اللهُ أَنَّ القرآنَ ليسَ مُختلفاً ولا مُتناقضاً، ولو كانَ من عندِ غير اللهِ لكانَ فيه الكثيرُ من الاختلافِ والتناقض. قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) . ولكنَّ الفادي المجرمَ لم يُصَدِّق الآيةَ، وإِنما كَذَّبَها، وادَّعى أَنَّ القرآنَ مختل مُضطرب مُتناقض. وقالَ تحتَ عنوان: " الكَلامُ المختلف ": " جاءَتْ في القرآنِ اختلافاتٌ كثيرةٌ لاختلافِ قراءاتِه، وصارَتْ سُنَّة أَنَّ عباراتِ القرآنِ على سبعةِ أَحرفٍ أَو سبعةِ أَوجهٍ، حتى ليَصعبُ على الإِنسانِ أَنْ يُصدرَ حُكْماً

стр. 631

صحيحاً، لعدمِ تأكيدِه إِلى أَيِّ قراءةٍ يَستند ... " (١) . يَزْعُمُ المفترِي أَنَّ القراءاتِ تُؤَدّي إِلى الاختلافاتِ الكثيرةِ في القرآن. وكأَنَّ هذه القراءات من وَضْعِ واختيارِ البشر، وهذا زعمٌ باطل. وإِنَّ القراءاتِ الصحيحةَ عَشْرُ قراءات، هي: قراءةُ ابنِ كثيرٍ المكي، ونافعِ المدني، وابنِ عامر الشامي، وأَبي عمرو البصري، وعاصمِ الكوفي، وحمزةَ الكوفي، والكسائي الكوفي، وأَبي جعفر المدني، ويعقوبَ البصري، وخَلَفٍ البغدادي. وكُلُّ هذه القراءاتِ العشرِ أَنزلَها اللهُ على نبيِّه محمدٍ ﷺ ، فكلُّها كَلامُ اللهِ قَطْعاً. وشروطُ القراءةِ الصحيحةِ ثلاثة: أَنْ تكونَ صحيحةَ السَّنَد، وأَنْ تُوافِقَ رَسْمَ المصحف العثماني، وأَنْ تُوافِقَ اللغةَ العربية.. فإِذا اختلَّ واحِدٌ من هذه الشروطِ الثلاثة كانت القراءةُ شاذةً غيرَ صحيحة، وحكَمْنا بأَنها ليستْ قرآناً. ولا اختلافَ بين القراءاتِ العشرِ كما زَعَمَ هذا الجاهل، لأَنها كُلها متوافقةٌ مع رسمِ المصحف، والخلافُ بينها يسيرٌ في بعضِ الحركاتِ أَو الحروف، وضمنَ المصحف، واللهُ أَنزلَ الآيةَ بأَكثرَ من قراءةٍ لحِكَمٍ عديدة. وعلْمُ " القراءات " عِلْمٌ أَصيل، وقد حَصَرَ علماءُ القراءات تلكَ القراءات حَصْراً دَقيقاً مضبوطاً، وحَدّدوا كيفيةَ النطقِ بكلّ قراءة، وأَلَّفوا في ذلك العديدَ من الكتب، وصارَ بإِمكانِ أَيِّ قارئٍ للقرآن أَنْ يُتقنَ قراءةَ أَيِّ إِمامٍ من القُرّاءِ العشرة. ولكنَّ الفادي الجَاهلَ محجوب عن هذا العلمِ، لكُفْرِه وحِقْدِه وجَهْلِه وغبائه. وكما اعترضَ الفادي الجاهلُ على القراءات اعترضَ على الأَحرفِ السبعة، التي أَنزلَ اللهُ القرآنَ عليها، واعتبرَها سَبَباً في وجودِ الاختلافِ

стр. 632

والاضطرابِ في القرآن. وقالَ في اعتراضه: " قال محمد: " هذا القرآنُ أُنزلَ على سبعةِ أَحرف، فاقرؤوا ما تيسَّرَ منه ".. قال محمدٌ هذا الكلامَ لعمرَ بن الخطّاب، لَمّا جاءَه عمرُ بهشامِ بنِ حكيم وقد لَبَّبَهُ بردائِه، لما سمعَهُ يقرأُ سورةَ الفرقان على غيرِ ما أَقرأَها محمدٌ لعُمَر. فقالَ عمرُ: يا رسولَ الله! إِني سمعتُ هذا يقرأُ سورةَ الفرقانِ على حروفٍ لم تُقْرِئْنيها.. فقال له محمدٌ: " اقْرأَ يا هشام ". فقرأَ عليه القراءةَ التي سمعَه عمرُ يقرؤُها. فقال محمد: " هكذا أُنزلَتْ! " ثم قالَ محمد: " اقرأْ يا عمرُ ". فقرأَ بقراءَتِه التي أَقرأَه بها محمد، فقالَ محمدٌ: " هكذا أُنزلَتْ! " ثم قالَ: " إِنَّ هذا القرآنَ أُنزلَ على سبعةِ أَحرف، * فاقرؤوأ ما تيسَّرَ منه! ". قالَ المفَسِّرون: سبعةُ أَحْرف. أَيْ: سبعةُ أَوْجُهٍ مختلفة، أَو سبعُ قراءاتٍ مختلفه ". القصةُ التي ذَكَرَها الفادي صحيحة، وقد أَجازَ الرسولُ ﷺ قراءهً هشامِ بنِ حكيم، وأَجازَ قراءةَ عمرَ بنِ الخطاب ﵁، لأَنه أَقْرَأَ كُلَّ واحدٍ بما قرأَه، وكان الخلافُ بينَ قراءةِ هشام وقراءةِ عُمَر قليلاً، وعَلَّلَ الرسولُ ﷺ الاختلافَ بينهما بأَنَّ اللهَ أَنزلَ القرآنَ على سبعةِ أَحْرُف، وأَنه يَجوزُ قراءةُ القرآنِ بأَيِّ حرفٍ منها، وكلٌّ من عمرَ وهشامٍ قرشيٌّ، ومع ذلك قرأَ كُلُّ واحدٍ بقراءةٍ تَعَلَّمَها من رسولِ الله ﷺ . والأَحْرفُ السبعةُ توقيفيةٌ، ولَيستِ اجتهاديةً باجتهادِ واختيارِ الصحابة، اللهُ هو الذي أَنزلَها للتيسيرِ على الناس، وأَجازَ القراءةَ بأَيِّ حرفٍ منها. والراجحُ أَنَّ الأَحرفَ السبعةَ هي " وُجوهُ التغايرِ السبعة " في قراءةِ الكلمةِ القرآنية، بمعنى أَنَّ أَقْصى وجوهِ التغايرِ في قراءةِ الكلمةِ القرآنيةِ هو سبعةُ وجوه. ومُعظمُ كلماتِ القرآنِ تُقرأُ على حرفٍ واحد، وبوَجْهٍ واحدٍ فقط، لكنَّ بعضَها قد يُقرأُ على حرفين أَو ثلاثة، ولا تَزيدُ أَوجُهُ قراءَتِه عن سبعةِ وُجوه.

стр. 633

والراجحُ أَنَّ الأَحرفَ السبعةَ موجودةٌ في القرآن، لم يُنسخْ ولم يُرفعْ منها شيء، وأَنَّ رسمَ المصحف زمنَ عثمانَ ﵁ احْتَواها وضَمَّها، وهذه الأَحرفُ السبعةُ آلَتْ إِلى القراءاتِ العشرِ الصحيحة، التي رَصَدَها ولسَجَّلَها العلماء، وقرؤُوا بها القرآن. وبهذا نَعرفُ أَنَّ الأَحرفَ السبعةَ والقراءاتِ العشرَ أَنزلَها اللهُ على رسولِه ﷺ ، وأَذِنَ للمسلمين القراءةَ بها، فهي كلامُ الله وليسَ تأليفَ المسلمين، وأَنَ رسمَ المصحفِ العثمانيِّ حوى وشملَ الأَحرفَ السبعةَ والقراءاتِ العشر، وأَنه يَجوزُ القراءةُ بأَي حرفٍ منها أَو أَيةِ قراءةٍ منها، وأَنَّ معظمَ كلماتِ القرآنِ لا تُقرأُ إِلّا على حرفٍ واحدٍ بقراءةٍ واحدة، وأَنها لا اختلافَ ولا تَعارضَ بينها، وأَنها تتكاملُ للدلالةِ على المعنى القرآني. ونوردُ مثالاً على هذه القراءاتِ والأَحرفِ من سورةِ الفرقان لتتضحَ المسألة. قالَ تعالى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) . في كُلٍّ من (تَشَقَّقُ) و (نُزِّلَ) قراءتان: في " تَشَقَّقُ " قراءتان: الأُولى: قراءةُ عاصم وحمزة والكسائي وخلف وأَبي عمرو: " تَشَقَّقُ " بتَخفيفِ التاءِ والشينِ. على أَنه فعلٌ مضارع، حُذِفَتْ منه التاءُ الأُولى، لأَنَّ أَصْلَه: تَتَشَقَّقُ، وماضيه: تَشَقَّقَ. والمعنى: تَتَشَقَّقُ السماءُ بالغمام. الثانية: قراءةُ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب: " تَشَّقَّقُ " بتشديدِ الشين، على إِدغامِ التاءِ الثانيةِ في الشّين، لأَنَّ أَصْلَه: تَتَشَقَّقُ. والقراءتانِ متقاربتانِ متكاملتان ولَيْستا مختلفتَيْن أَو متناقضتين، فهما تَتفقان على أَنَ الفعلَ مضارع: " تَتَشَقَّقُ "، على وزْن " تَتَفَعَّلُ ". لكنَّ القراءةَ الأُولى حَذَفت التاءَ الأُولى للتخفيف، والقراءةُ الثانيةُ أَدغمت التاءَ الثانيةَ في الشينِ للتخفيف أَيضاً.

стр. 634

وفي " ونُزِّلَ الملائكة " قراءتان: الأُولى: قراءةُ ابنِ كثير المكي: " وَنُنَزِّلُ الملائكةَ " على أَنَّ الفعلَ المضارعَ مُسندٌ إِلى الله، و " الملائكةَ ": مفعولٌ به. والمعنى: وننزلُ نحنُ الملائكةَ تنزيلاً. الثانية: قراءةُ التسعة - نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب وخلف -: (وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ) . على أَنه فعلٌ ماض مبنيٌّ للمجهول، و " الملائكةُ ": نائبُ فاعلٍ مرفوع. والمعنى: يُنَزَّلُ الملائكةُ تنزيلاً في ذلك اليوم. والقراءَتان متكاملتان، وليستا مختلفتَيْن، فإِذا كانَ اللهُ يُنزلُ الملائكةَ تنزيلاً على قراءةِ ابن كثير، فإِنَّ الملائكةَ يُنَزَّلونَ تَنزيلاً في ذلك اليوم، على قراءةِ القراءِ التسعة. مع أمثلة الفادي للاختلاف في القرآن: قَدَّمَ الفادي الجاهلُ أَمثلةً على دَعواهُ الغبيةِ على وُجودِ الاختلافِ في القرآن، وليتَه لم يُقَدّمْ تلك الأَمثلة، فقد فَضحَ نفسَه، وأَبانَ عن جَهْلِه وغَبائِه. ذَكَرَ أَنَّ الاختلافَ اللفظي في القرآنِ له ثَلاثَةُ مظاهر: تَبديلُ اللفظِ، وتَبديلُ التركيب، والتبديلُ بالزيادةِ والنقصان. لِننظرْ في الأَمثلةِ الدالَّةِ على الاختلافِ بتبديلِ الأَلفاظِ والتراكيبِ، والزيادةِ والنقصان. - قالَ تعالى: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) . ادعى الفادي أَنَّ الآيةَ: " وتكونُ الجبالُ كالصّوفِ المنفوش ". فَتَم تَبديلُ " الصّوفِ " إِلى " العِهْنِ " ولا أَدري مَنْ أَدراهُ أَنَّ أَصْلَ الآيةِ بالصوفِ وليس بالعهن. - قال تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) . ادعى الفادي أَنَّ الآيةَ: " فَامْضُوا إِلى ذكر الله ". فتمَّ تَبديلُ " فامضوا " إِلى (فَاسْعَوْا) .

стр. 635

- قال تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ) ادَّعى الفادي أَنَّ الآيَةَ: " فكانت كالحجارة "، فَتَمَّ تَبديلُ الفعلِ " فكانت " إِلى الضمير: (فَهِىَ) . - قالَ تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) . ادَّعى الفادي أَنَّ الآيةَ: " ضربت عليهم المسكنة والذلة "، فَقَدَّموا الذِّلَّةَ على المسكنة، وجَعَلوها: (الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) . - قال تعالى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) . ادَّعى الفادي أَنَّ الآيةَ: " وجاءت سكرة الحق بالموت "، فَتَمَّ تَبديلُ الآيةِ إِلى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) . - قالَ تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) . ادَّعى الفادي أَنَّ أَصْلَ الآية: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم ". فَحَذَفوا جُملة: " وهو أب لهم ". أَمّا الاختلافُ في المعنى فقد أَوردَ عليه الفادي الجاهلُ مثالَيْن: - قال تعالى: (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) . ادَّعى الفادي أَنَّ الآيةَ بالجملةِ الخبرية، على أَنَّ " رَبُّنا " مبتدأ مرفوع، و" باعَدَ " فعل ماضٍ مبنيٌّ على الفتح، والجملةُ الفعلية: " بَاعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا " في محلِّ رفْع خبر. واعتبارُ الجملةِ خبريةً قراءةٌ قرآنية صحيحة، حيث قَرَأَ يَعقوبُ البصري: " قَالُوا رَبُّنَا بَاعَدَ بَيْنَ أسْفَارِنَا ". وبما أَنها قراءو صحيحة فليس فيها اختلافٌ في المعنى كما ادَّعى الفادي الجاهل. - قال تعالى: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) . ادَّعى الفادي أَنَّ الجملةَ خطاب لعيسى ﵇: " يا عيسى ابْنَ مريم هَلْ تَستطيعُ رَبَّك ". على أَنَّ " رَبَّكَ " مفعولٌ به ...
следующие страницы →