صحيحاً، لعدمِ تأكيدِه إِلى أَيِّ قراءةٍ يَستند ... " (١) .
يَزْعُمُ المفترِي أَنَّ القراءاتِ تُؤَدّي إِلى الاختلافاتِ الكثيرةِ في القرآن.
وكأَنَّ هذه القراءات من وَضْعِ واختيارِ البشر، وهذا زعمٌ باطل.
وإِنَّ القراءاتِ الصحيحةَ عَشْرُ قراءات، هي: قراءةُ ابنِ كثيرٍ المكي،
ونافعِ المدني، وابنِ عامر الشامي، وأَبي عمرو البصري، وعاصمِ الكوفي،
وحمزةَ الكوفي، والكسائي الكوفي، وأَبي جعفر المدني، ويعقوبَ البصري،
وخَلَفٍ البغدادي.
وكُلُّ هذه القراءاتِ العشرِ أَنزلَها اللهُ على نبيِّه محمدٍ ﷺ ، فكلُّها كَلامُ اللهِ قَطْعاً.
وشروطُ القراءةِ الصحيحةِ ثلاثة: أَنْ تكونَ صحيحةَ السَّنَد، وأَنْ تُوافِقَ رَسْمَ المصحف العثماني، وأَنْ تُوافِقَ اللغةَ العربية..
فإِذا اختلَّ واحِدٌ من هذه الشروطِ الثلاثة كانت القراءةُ شاذةً غيرَ صحيحة، وحكَمْنا بأَنها ليستْ قرآناً.
ولا اختلافَ بين القراءاتِ العشرِ كما زَعَمَ هذا الجاهل، لأَنها كُلها
متوافقةٌ مع رسمِ المصحف، والخلافُ بينها يسيرٌ في بعضِ الحركاتِ أَو
الحروف، وضمنَ المصحف، واللهُ أَنزلَ الآيةَ بأَكثرَ من قراءةٍ لحِكَمٍ عديدة.
وعلْمُ " القراءات " عِلْمٌ أَصيل، وقد حَصَرَ علماءُ القراءات تلكَ القراءات
حَصْراً دَقيقاً مضبوطاً، وحَدّدوا كيفيةَ النطقِ بكلّ قراءة، وأَلَّفوا في ذلك العديدَ من الكتب، وصارَ بإِمكانِ أَيِّ قارئٍ للقرآن أَنْ يُتقنَ قراءةَ أَيِّ إِمامٍ من القُرّاءِ العشرة.
ولكنَّ الفادي الجَاهلَ محجوب عن هذا العلمِ، لكُفْرِه وحِقْدِه وجَهْلِه
وغبائه.
وكما اعترضَ الفادي الجاهلُ على القراءات اعترضَ على الأَحرفِ
السبعة، التي أَنزلَ اللهُ القرآنَ عليها، واعتبرَها سَبَباً في وجودِ الاختلافِ
стр. 632
والاضطرابِ في القرآن.
وقالَ في اعتراضه: " قال محمد: " هذا القرآنُ أُنزلَ على سبعةِ أَحرف، فاقرؤوا ما تيسَّرَ منه "..
قال محمدٌ هذا الكلامَ لعمرَ بن الخطّاب، لَمّا جاءَه عمرُ بهشامِ بنِ حكيم وقد لَبَّبَهُ بردائِه، لما سمعَهُ يقرأُ سورةَ الفرقان على غيرِ ما أَقرأَها محمدٌ لعُمَر.
فقالَ عمرُ: يا رسولَ الله! إِني سمعتُ هذا يقرأُ سورةَ الفرقانِ على حروفٍ لم تُقْرِئْنيها..
فقال له محمدٌ: " اقْرأَ يا هشام ".
فقرأَ عليه القراءةَ التي سمعَه عمرُ يقرؤُها.
فقال محمد: " هكذا أُنزلَتْ! "
ثم قالَ محمد: " اقرأْ يا عمرُ ".
فقرأَ بقراءَتِه التي أَقرأَه بها محمد، فقالَ محمدٌ: " هكذا أُنزلَتْ! " ثم قالَ: " إِنَّ هذا القرآنَ أُنزلَ على سبعةِ أَحرف، *
فاقرؤوأ ما تيسَّرَ منه! ".
قالَ المفَسِّرون: سبعةُ أَحْرف.
أَيْ: سبعةُ أَوْجُهٍ مختلفة، أَو سبعُ قراءاتٍ مختلفه ".
القصةُ التي ذَكَرَها الفادي صحيحة، وقد أَجازَ الرسولُ ﷺ قراءهً هشامِ بنِ حكيم، وأَجازَ قراءةَ عمرَ بنِ الخطاب ﵁، لأَنه أَقْرَأَ كُلَّ واحدٍ بما قرأَه، وكان الخلافُ بينَ قراءةِ هشام وقراءةِ عُمَر قليلاً، وعَلَّلَ الرسولُ ﷺ الاختلافَ
بينهما بأَنَّ اللهَ أَنزلَ القرآنَ على سبعةِ أَحْرُف، وأَنه يَجوزُ قراءةُ القرآنِ بأَيِّ
حرفٍ منها، وكلٌّ من عمرَ وهشامٍ قرشيٌّ، ومع ذلك قرأَ كُلُّ واحدٍ بقراءةٍ
تَعَلَّمَها من رسولِ الله ﷺ .
والأَحْرفُ السبعةُ توقيفيةٌ، ولَيستِ اجتهاديةً باجتهادِ واختيارِ الصحابة،
اللهُ هو الذي أَنزلَها للتيسيرِ على الناس، وأَجازَ القراءةَ بأَيِّ حرفٍ منها.
والراجحُ أَنَّ الأَحرفَ السبعةَ هي " وُجوهُ التغايرِ السبعة " في قراءةِ الكلمةِ
القرآنية، بمعنى أَنَّ أَقْصى وجوهِ التغايرِ في قراءةِ الكلمةِ القرآنيةِ هو سبعةُ وجوه.
ومُعظمُ كلماتِ القرآنِ تُقرأُ على حرفٍ واحد، وبوَجْهٍ واحدٍ فقط، لكنَّ
بعضَها قد يُقرأُ على حرفين أَو ثلاثة، ولا تَزيدُ أَوجُهُ قراءَتِه عن سبعةِ وُجوه.
стр. 633
والراجحُ أَنَّ الأَحرفَ السبعةَ موجودةٌ في القرآن، لم يُنسخْ ولم يُرفعْ منها
شيء، وأَنَّ رسمَ المصحف زمنَ عثمانَ ﵁ احْتَواها وضَمَّها، وهذه الأَحرفُ السبعةُ آلَتْ إِلى القراءاتِ العشرِ الصحيحة، التي رَصَدَها ولسَجَّلَها العلماء، وقرؤُوا بها القرآن.
وبهذا نَعرفُ أَنَّ الأَحرفَ السبعةَ والقراءاتِ العشرَ أَنزلَها اللهُ على
رسولِه ﷺ ، وأَذِنَ للمسلمين القراءةَ بها، فهي كلامُ الله وليسَ تأليفَ المسلمين، وأَنَ رسمَ المصحفِ العثمانيِّ حوى وشملَ الأَحرفَ السبعةَ والقراءاتِ العشر، وأَنه يَجوزُ القراءةُ بأَي حرفٍ منها أَو أَيةِ قراءةٍ منها، وأَنَّ معظمَ كلماتِ القرآنِ لا تُقرأُ إِلّا على حرفٍ واحدٍ بقراءةٍ واحدة، وأَنها لا اختلافَ ولا تَعارضَ بينها، وأَنها تتكاملُ للدلالةِ على المعنى القرآني.
ونوردُ مثالاً على هذه القراءاتِ والأَحرفِ من سورةِ الفرقان لتتضحَ
المسألة.
قالَ تعالى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) .
في كُلٍّ من (تَشَقَّقُ) و (نُزِّلَ) قراءتان:
في " تَشَقَّقُ " قراءتان:
الأُولى: قراءةُ عاصم وحمزة والكسائي وخلف وأَبي عمرو: " تَشَقَّقُ "
بتَخفيفِ التاءِ والشينِ.
على أَنه فعلٌ مضارع، حُذِفَتْ منه التاءُ الأُولى، لأَنَّ
أَصْلَه: تَتَشَقَّقُ، وماضيه: تَشَقَّقَ.
والمعنى: تَتَشَقَّقُ السماءُ بالغمام.
الثانية: قراءةُ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب: " تَشَّقَّقُ "
بتشديدِ الشين، على إِدغامِ التاءِ الثانيةِ في الشّين، لأَنَّ أَصْلَه: تَتَشَقَّقُ.
والقراءتانِ متقاربتانِ متكاملتان ولَيْستا مختلفتَيْن أَو متناقضتين، فهما
تَتفقان على أَنَ الفعلَ مضارع: " تَتَشَقَّقُ "، على وزْن " تَتَفَعَّلُ ".
لكنَّ القراءةَ الأُولى حَذَفت التاءَ الأُولى للتخفيف، والقراءةُ الثانيةُ أَدغمت التاءَ الثانيةَ في الشينِ للتخفيف أَيضاً.
стр. 634
وفي " ونُزِّلَ الملائكة " قراءتان:
الأُولى: قراءةُ ابنِ كثير المكي: " وَنُنَزِّلُ الملائكةَ " على أَنَّ الفعلَ
المضارعَ مُسندٌ إِلى الله، و " الملائكةَ ": مفعولٌ به.
والمعنى: وننزلُ نحنُ الملائكةَ تنزيلاً.
الثانية: قراءةُ التسعة - نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبي
عمرو وأبي جعفر ويعقوب وخلف -: (وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ) .
على أَنه فعلٌ ماض مبنيٌّ للمجهول، و " الملائكةُ ": نائبُ فاعلٍ مرفوع.
والمعنى: يُنَزَّلُ الملائكةُ تنزيلاً في ذلك اليوم.
والقراءَتان متكاملتان، وليستا مختلفتَيْن، فإِذا كانَ اللهُ يُنزلُ الملائكةَ
تنزيلاً على قراءةِ ابن كثير، فإِنَّ الملائكةَ يُنَزَّلونَ تَنزيلاً في ذلك اليوم، على
قراءةِ القراءِ التسعة.
مع أمثلة الفادي للاختلاف في القرآن:
قَدَّمَ الفادي الجاهلُ أَمثلةً على دَعواهُ الغبيةِ على وُجودِ الاختلافِ في
القرآن، وليتَه لم يُقَدّمْ تلك الأَمثلة، فقد فَضحَ نفسَه، وأَبانَ عن جَهْلِه وغَبائِه.
ذَكَرَ أَنَّ الاختلافَ اللفظي في القرآنِ له ثَلاثَةُ مظاهر: تَبديلُ اللفظِ، وتَبديلُ التركيب، والتبديلُ بالزيادةِ والنقصان.
لِننظرْ في الأَمثلةِ الدالَّةِ على الاختلافِ بتبديلِ الأَلفاظِ والتراكيبِ، والزيادةِ والنقصان.
- قالَ تعالى: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) .
ادعى الفادي أَنَّ الآيةَ: " وتكونُ الجبالُ كالصّوفِ المنفوش ".
فَتَم تَبديلُ " الصّوفِ " إِلى " العِهْنِ " ولا أَدري مَنْ أَدراهُ أَنَّ أَصْلَ الآيةِ بالصوفِ وليس بالعهن.
- قال تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) .
ادعى الفادي أَنَّ الآيةَ: " فَامْضُوا إِلى ذكر الله ".
فتمَّ تَبديلُ " فامضوا " إِلى (فَاسْعَوْا) .
стр. 635
- قال تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ)
ادَّعى الفادي أَنَّ الآيَةَ: " فكانت كالحجارة "، فَتَمَّ تَبديلُ الفعلِ
" فكانت " إِلى الضمير: (فَهِىَ) .
- قالَ تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) .
ادَّعى الفادي أَنَّ الآيةَ:
" ضربت عليهم المسكنة والذلة "، فَقَدَّموا الذِّلَّةَ على المسكنة، وجَعَلوها:
(الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) .
- قال تعالى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) .
ادَّعى الفادي أَنَّ الآيةَ: " وجاءت سكرة الحق بالموت "، فَتَمَّ تَبديلُ الآيةِ إِلى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) .
- قالَ تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) .
ادَّعى الفادي أَنَّ أَصْلَ الآية: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه
أمهاتهم وهو أب لهم ".
فَحَذَفوا جُملة: " وهو أب لهم ".
أَمّا الاختلافُ في المعنى فقد أَوردَ عليه الفادي الجاهلُ مثالَيْن:
- قال تعالى: (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) .
ادَّعى الفادي أَنَّ الآيةَ بالجملةِ الخبرية، على أَنَّ " رَبُّنا " مبتدأ مرفوع،
و" باعَدَ " فعل ماضٍ مبنيٌّ على الفتح، والجملةُ الفعلية: " بَاعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا " في محلِّ رفْع خبر.
واعتبارُ الجملةِ خبريةً قراءةٌ قرآنية صحيحة، حيث قَرَأَ يَعقوبُ البصري:
" قَالُوا رَبُّنَا بَاعَدَ بَيْنَ أسْفَارِنَا ".
وبما أَنها قراءو صحيحة فليس فيها اختلافٌ في المعنى كما ادَّعى الفادي الجاهل.
- قال تعالى: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) .
ادَّعى الفادي أَنَّ الجملةَ خطاب لعيسى ﵇: " يا عيسى ابْنَ مريم هَلْ تَستطيعُ رَبَّك ".
على أَنَّ " رَبَّكَ " مفعولٌ به ...
стр. 636
وهذه قراءة عشرية صحيحة.
حيثُ قَرَأَ الكسائيّ الكوفي: " هل تَسْتَطيعُ رَبَّكَ ".
والمعنى على قراءةِ الكسائي: هل تَستطيعُ يا عيسى أَنْ تَدْعوَ رَبَّكَ أَنْ
يُنزلَ علينا مائدةً من السماء؟
وإِنْ دعَوْتَه فهل يَستجيبُ لك؟.
إِنَ ادِّعاءَ الفادي المفترِي وجودَ اختلافٍ في القرآن باطلٌ متهافت،
والأَمثلةُ التي ذَكَرَها دليلُ جَهْلِه وغَبائِه، فاللهُ يَقولُ: (وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) .
والغبيُّ يُكَذِّبُ ذلك ويقول: الآيةُ هكذا: " وتكونُ الجبالُ كالصوفِ
المنفوش "..
واللهُ يقول: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) . والغبيّ يُكَذّبُ ذلك
ويقول: الآيةُ هكذا: " وجاءت سكرةُ الحَقِّ بالموت "، ويُسمي هذا الهراءَ بَحْثاً علميّاً موضوعيّاً محايداً!!..
стр. 637
الفصل العاشر نقض المطاعن الموجهة إلى حياة الرسول ﷺ -
стр. 638
تمهيد:
خَصصَ الفادي المفترِي الجزءَ العاشرَ من كتابِه المتهافتِ للاعتراضِ
على الآياتِ التي تتحدَّثُ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، والادِّعاءِ أَنَّ فيها أَخطاءً، وأَنها تدلُّ على أَنَّ القرآنَ ليس كلامَ الله، وأَنه من تأليفِ النبيِّ ﷺ .
ولْننظرْ في هذه الاعتراضاتِ التي ذَكَرَها، والأسئلةِ التشكيكيةِ التي طَرَحَها.
***
حولَ أَزواجِ الرسولِ ﷺ -
أَوردَ الفادي المفترِي مقاطعَ من ثلاثِ آياتٍ من سورةِ الأَحزاب، تتحدَّثُ
عن أَزواج رسولِ اللهِ ﷺ
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠) تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١) .
واعترضَ الفادي المجرمُ على هذِه الآياتِ، واعتَبَرَها من تأليفِ النبيّ ﷺ ، وأَنه اتبعَ فيها هَواه، وأَباحَ لنفسِه ما حَرَّمَه على أَصحابه، وسمحَ لنفسِه أَن يتزوجَ بما شاء.
قال: " ونحنُ نسألُ: لماذا حَلَّلَ محمدٌ لنفسِه ما حَرَّمَه على غيره؟
أَلم يُحدِّد للمسلمِ أَربعَ زوجات، فقال: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) ؟.
стр. 639
فلماذا أَطلقَ العَنانَ لنفسِه دون المسلمين، وتزوجَ بأَكثر مما يَسمحُ به القانون، من أَيِّ امرأةٍ تَهبُه نفسَها، لو أَنه وَقَعَ في هواها، فكانَ له عند وفاتِه تسعُ نسوةٍ أَحياء، وسريَّتَيْن هما مارِيَة ورَيْحانَة؟ ...
وقالَ البيضاوي: إِنَّ النساءَ اللاتي وَهَبْنَ أَنفسهنَّ للنبيِّ هن: مَيمونَةُ بِنتُ الحارث، وزينبُ بنتُ خُزامَة، وأُمُ شريك بنتُ جابر، وخولةُ بنتُ حكيم! أَليس غَريباً أَنَّ محمداً أَوصى المسلمينَ بالعدلِ بينَ النِّساء، وأَباحَ لنفسِه حريةَ عَدمِ العَدْلِ بين أَزواجه، فقال: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ) .
الفادي المجرمُ يُصِرُّ على استبعادِ البُعْدِ الربانيِّ للأَحكامِ الشرعية
والآياتِ القرآنية، ويُصِرُّ على نسبةِ الآياتِ وما فيها من أَحكامٍ إِلى محمدٍ ﷺ ، ويَظهرُ هذا في قوله: " حَلَّلَ محمدٌ لنفسِه ما حَرمَه على غيره " و " أَلَم يُحددْ للمسلمِ أَربعَ زوجات، فقال: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) ؟ " (١) .
ونُلاحظُ أَنَّ المجرمَ يَنسبُ الآيةَ إِلى النبيِّ ﷺ ، وأَنه هو الذي أَلَّفَها وصاغَها، ثم نَسَبَها إِلى الله!
إِنه لا يعترفُ أَنَّ القرآنَ كلامُ الله، وأَنَّ محمداً هو رسولُ اللهِ ﷺ ، وأَنَّ الإِسلامَ هو دينُ الله؟
وإِذا كانَ هذا منطلقه في النظرةِ إِلى الإِسلامِ والقرآنِ ومحمدٍ ﷺ ، فكلُّ تَفصيلاتِه وتحليلاتِه مرتبطةٌ بهذه النظرة، وهي ثمرةٌ طبيعية لها.
وفي كلامِ الفادي المجرمِ السابقِ مجموعَةٌ من المغالطات، منها:
١ - زَعْمُه أَنَّ النبيَّ ﷺ هو الذي حَدَّدَ للمسلمِ التزوجَ بأَربعِ نساء، وهذا كَذِب، فالذي حَدَّدَ ذلك هو اللهُ في القرآنِ الكريم، قال تعالى: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ) .
٢ - زَعْمُه أَنَّ النبيَّ ﷺ أَباحَ لنفسِه ما حَرَّمَه على غيرِه، وأَطلقَ العَنانَ
لنفسِه، وتزوَّجَ بأَكثر مما يسمحُ به القانون.
وهذا كذبٌ مفضوح منه، فالذي أَباحَ له ذلك هو اللهُ في كتابِه الكريم.
стр. 640
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ) .
لقد كان رسولُ الله ﷺ ملتزِماً بشرعِ الله، وَقّافاً عند حُدودِ الله، مُنَفّذاً لأَوامِرِ الله.
٣ - زَعْمُه أَنَ الرسولَ ﷺ كان مُتَّبِعاً لهواه، وأَنه أَباحَ لنفسِه أَنْ يتزوَّجَ أَيةَ امرأةٍ عشقَتْه ووهبَتْ نَفْسَها له، وهَوِيَها هو!..
وهذا كَذِب منه.
فالرسولُ ﷺ لم يَتبعْ هواه، وإِنما كانَ إِمامَ الزاهدين، واللهُ هو الذي أَباحَ له الزواجَ من المرأةِ التي وَهَبَتْ نَفسَها له: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) .
وكَذَبَ المجرمُ عندما ادَّعى أَنَّ النبيَّ ﷺ تَزَوَّجَ أَربعاً من أَزواجِه عن طريقِ الهِبَة، بعدَ أَنْ وَهبْنَ أَنفسهنَّ له.
فلم يتزوج الرسولُ ﷺ من أَيّ امرأةٍ
وهبتْ نفسَها له..
والذي حَصلَ أَنَّ امرأةً وَهَبَتْ نفسَها له، بأَنْ فوَّضتْه أَمْرَها، وجعلَتْه وليَّ أَمْرِها، وزَوَّجَها لأَحَدِ أَصحابه ...
روى البخاريُّ عن سهلِ بنِ سعدٍ الساعديّ ﵁ قال: إِنّي لفي القومِ عندَ رسولِ الله ﷺ ، إِذْ قامَت امرأة فقالَتْ: يا رسولَ الله، إِنها قد وَهَبَتْ نفسَها لك، فَرَ فيها رأْيَكَ.
فلم يُجِبْها شيئاً.
ثم قامَتْ فقالَتْ: يا رسول الله! إِنها قد وَهَبَتْ نفسَها لك، فَرَ فيها رأْيَك..
فلم يُجِبْها شيئاً..
ثم قامَت الثالثةَ، فقالَتْ: إِنها قد وَهَبَتْ نفسَها لك، فَرَ فيها رأْيَك..
فقامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله! أَنْكِحْنيها.
قال: " هل عندَك من شيء؟ " قال: لا.
قال: " اذهبْ فالتمسْ ولو خاتماً من حديد..
" فَذَهَبَ وطَلَب، ثم جاءَ فقال: ما وجدْتُ شيئاً، ولا خاتماً من حديد.
قال: " هل معك من القبرآنِ شيء؟ " قال: معي سورةُ كذا وسورةُ كذا.
قال: " اذهبْ فقد أَنْكَحْتُكَهَا بما معكَ من القرآن..".
٤ - زَعْمُه أَنَّ الرسولَ ﷺ أَوصى المسلمينَ بالعدلِ بين نسائِهم، وأَباحَ لِنفسِه عدمَ العَدْل، فقال: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ ... ) .
إِنَّ الفادي المجرمَ يُصِرُّ على أَنَّ محمداً ﷺ هو الذي قالَ: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ) ..
مع أَنَّ اللهَ هو الذي أَنزلَ هذه الآيةَ على رسولِه ﷺ .
стр. 641
ولم يُبِح الرسولُ ﷺ لنفسِه عدمَ العدلِ بين الزوجات، وإِنما أَعفاهُ اللهُ من ذلك، وذلك في قولِه تعالى: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ) .
ومع أَنَّ اللهَ أَعْفاهُ من وجوبِ العَدْلِ، إِلّا أَنه أَخَذَ بالأَفضلِ والأَكمل،
فكانَ يَعدلُ بين نسائِه.
روى البخاريُّ عن عائشةَ ﵂: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَستأذنُ في يومِ المرأةِ مِنّا، بعدَ أَنْ أُنزلَتْ عليه هذه الآيةُ: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) .
فقالَتْ لها مُعاذَة: ماذا كنتِ تَقولين؟
قَالَتْ عائشة: " كنتُ أَقولُ له: إِنْ كانَ ذلك إِليّ، فإِنّي لا أُريدُ يا رسولَ اللهِ أَنْ أُوثرَ عليك أَحداً ".
حول حرمة نكاح أزواج النبي ﷺ -:
حَرَّمَ اللهُ على المسلمين نِكاحَ أَزواجِ النبيّ ﷺ من بعده.
قال تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) .
وهذا لم يُعجِب الفادي المفترِي، وأَثارَ اعتراضَه واستنكارَه، قال:
" ولماذا يُعطي الحقَّ لجميعِ الأَرامِلِ أَنْ يتزوَّجْنَ، ويُحَرّمُ هذا الحقَّ على نسائه، فيوصي أَنْ لا يتزوَّجْنَ من بعدهِ أَبداً؟ " (١) .
لم يُحَرِّم الرسولُ ﷺ على المسلمين نِكاحَ أَزواجِه من بعدِه، والذي حَرَّمَ ذلك هو اللهُ ، ووردَ ذلك التحريمُ في الآيةِ القرآنيةِ الحكيمة، التي أَوردْناها قبلَ قَليل.
واللهُ عليمٌ حكيمٌ في ما يُشَرِّعُ من الأَحكام، والإِنسانُ يتلَقّى حُكْمَ اللهِ
بالقَبولِ والرضا والتسليمِ واليقين.
وحكمةُ تحريمِ نكاحِ أَزواجِه أَنهنَّ أُمَّهاتٌ للمؤمنين، أُمومةً اعتباريةً
معنوية، تَقومُ على الاحترامِ والتكريمِ والتوقير.
قال تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) .
стр. 642
وإِذا كُنَّ أُمهاتٍ للمؤمنين، فهن مُحَرَّماتٌ عليهم، لأَنه لا يمكنُ لإِنسانٍ أَنْ يتزوَّجَ أُمَّه.
وإِذا كانَ لا يَجوزُ للإِنسانِ أَنْ يتزوَّجَ امرأةَ أَبيه، ولا يُمكنُ عَقْلاً أَنْ
يَخلفَ أَباه عليها، فمن الذي يرضى أَنْ يَخلفَ الرسولَ ﷺ على أَزواجه؟!.
***
حول جهاد الرسول ﷺ وغزواته
اعترضَ الفادي المفترِي على جهادِ الرسولِ ﷺ ، وأَساءَ تَفسيرَ غزواتِه وقتالِه للأَعداء.
وأَوردَ في بدايةِ اعتراضِه قولَ اللهِ (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) .
وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ) .
وسَجَّلَ كلامَه الخبيثَ قائلاً: " ونحنُ نسأل: وهل يَحتاجُ اللهُ للعنفِ
والسيفِ لينشرَ فِكْرَه؟
لقد حَلَّلَ محمد لنفسِه ما سبقَ تَحريمُه، فحرَّضَ أَتْباعَه
على القتال، وأَوصى بالغزوِ والجهادِ في سبيلِ الدين..
مع أنه لما كان في مكة كان يُعلِّم أنه: (لَآ إِكرَاهَ فِى الدِّينِ) ، ويَقول: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) .
وكانَ يَقول: إِنَّ اللهَ قالَ له: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) .
ولكنْ لما اشتدَّ ساعِدُه في المدينةِ بعدَ الهجرة، وَوَجَدَ نفسَه مُحاطاً
بذوي السُّيوفِ البَتّارةِ من أَتْباعِه، هَجَمَ على اليهودِ بقربِ المدينة، وسَفَكَ دماءَ الأَكثرين، وأَوصى بمجاهدةِ جميع الخارجين عنه، ليكونَ الكُلّ من أَتْباعِه..
وقد فاتَه أَنَّ اللهَ لا يَسودُ العالمَ بالقَسْوةِ، بل بالمحبَّة، فاللهُ مَحَبَّة " (١) .
стр. 643
وفي هذا الكلامِ الخبيثِ بعضُ المغالطاتِ والأَكاذيبِ والجهالات،
١ - إِصْرارُه على أَنَّ الرسول ﷺ يُحَلّلَ ما يَشاء، ويُبيحُ لنفسِه ما حَرَّمَه على غيرِه، والتلاعبَ في التحليلِ والتحريم..
عِلْماً أَنَّ التحليلَ والتحريمَ لله وَحْدَه، فاللهُ سبحانه هو الذي يُنَزّل عليه الآيات، مُحَلّلاً ما يَشاء، ومُحَرِّماً ما يَشاء..
والآياتُ التي أَوردَها ليستْ من تأليفِه، وإِنما هي كلامُ اللهِ أَوحى به
إِليه.
٢ - من جهالاتِ المفترِي الجاهلِ عدمُ تَفريقِه بين السورِ المكيةِ النازلةِ
في مكةَ قبلَ الهجرة، والسُّوَرِ المدنيةِ النازلةِ في المدينةِ بعدَ الهجرة.
وسَجَّلَ جَهْلَه في قوله: " مع أَنه لما كان في مكةَ كان يَعْلَمُ أَنَّه: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ".
لقد جعل سورةَ البقرةِ مكية، وكل مُبتدئ في العلْمِ مُسلماً كان
أَو كافراً فإِنَّه يَعلمُ أَنَّ سورةَ البقرة مدنية، وفيها النهيُ عن الإِكراهِ في الدين، وإِجبارِ الآخَرينَ على الدخول في الإِسلام، وأَوردَ آيةَ سورةِ النحلِ الآمرةِ
بالدعوةِ إِلَى الله بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة، واعتبرها لجهلِه مكية، مع أَنَّ
الراجحَ أَنَ سورةَ النحلِ مدنية، وأَنها أُنزلَتْ بعد غَزوةِ أُحُد، في السنةِ الثالثةِ
من الهجرة.
٣ - ادَّعى المجرمُ أَنَّ الجهادَ طارئٌ على النبيّ ﷺ ، وأَنه لما كانَ في مكةَ كانَ يَحُثُّ على عدمِ الجهادِ والقتال، ويُركزُ على الدعوةِ والبَلاغ.
ولما هاجَرَ للمدينةِ صارَ قوياً، واشتَدَّ ساعِدُه، ووجَدَ نفسَه مُحاطاً بذوي السيوفِ البتَّارةِ من أَتْباعِه، عند ذلك غَيَّرَ فِكْرَه وأُسلوبَه ودَعا إِلى الجهادِ والغَزْو.
علماً أَنَّ اللهَ هو الذي أَمَرَ المسلمين في مكةَ بكَفّ أَيديهم عن القِتال،
والصبرِ على أَذى المشركين، واللهُ هو الذي أَمَرَهم بالجهادِ والقتالِ في
المدينة، فالأَمْرُ أَمْرُ الله، ووردَ في آياتِ القرآنِ الحكيمة.
والرسولُ ﷺ يتلَقّى أَمْرَ الله، ويلتزمُ به ويُبَلّغُه لأَتْباعِه ليلْتَزموا به.
стр. 644
٤ - يُغالطُ الفادي المجرمُ ويَكْذِبُ، عندما يدَّعي أَنَّ الرسولَ ﷺ هو الذي هَجَمَ على اليهودِ بالقربِ من المدينةِ وقَتَلَهم، أَي أَنه صَوَّرَ اليهودَ في صورةِ المظلومين، الذين تَعَرَّضوا لعدوانِ النبيِّ ﷺ .
مع أَنَّ الحقيقةَ القاطعةَ أَنَّ الرسولَ ﷺ لما هاجَرَ إِلى المدينةِ عَقَدَ معاهداتٍ مع قبائلِ اليهود، واتفقَ معهم على أَنْ لا يَعْتَدوا عليه، وأَنْ لا يُعاوِنوا أَعداءَه عليه.
وهو لم يَنقضْ عَهْدَه معهم، ولم يَبْدأْهم بالهجومِ والعدوانِ لمَّا شَعَرَ بالقوة، واليهودُ المجرمون هم الذين نَقَضوا عَهْدَهم معه، واعْتَدوا على المسلمين، وحاوَلوا قَتْلَه، وتآمَروا مع قريشٍ ضده.
في السنةِ الثانيةِ من الهجرة نقضَ يهودُ بَني قينقاع عَهْدَهم مع
الرسولِ ﷺ ، واعْتَدَوْا على مسلمةٍ، وقَتَلوا مسلماً، فأَدَّبَهم وأَجْلاهم عن المدينة..
وفي السنةِ الرابعةِ من الهجرةِ نَقَضَ يهودُ بَني النضيرِ عَهْدَهم معه،
عندما تآمَروا عليه وحاوَلوا اغتيالَه، فأَدَّبهم وأَجلاهم عن المدينة..
وفي السنةِ الخامسةِ من الهجرة نقضَ يهودُ بني قريظةَ عَهْدَهم معه، عندما تَحالَفوا مع جيوشِ الأَحزابِ المحاصِرَةِ للمدينة، فعاقَبَهم لخيانَتِهم العظمى وقَتَلَهم!.
٥ - يَكْذِبُ المفترِي عندما يَدَّعي أَنَّ هدفَ الرسولِ ﷺ من الجهادِ هو سفكُ دماءِ الآخَرين، ولذلك أًوصى بمجاهدةِ جميعِ الخارجين عليه ليَكونوا من أَتْباعِه.
علماً أَنَّ القتالَ ليسَ بهدفِ إِدْخالِ الكفارِ في الإِسلام؛ لأَنه لا إِكراهَ في
الدين، وليس بهدفِ جَعْلِهم أَتْباعاً للنبيِّ ﷺ ، إِنما هو بهدفِ رَدِّ عُدْوانِ الكفارِ عن المسلمين، وتحطيمِ قُوَّتِهم التي يُؤْذونَ بها المسلمين، فإذا تحققَ ذلك أَوقفَ المسلمون قتالَهم، وهذا صريحُ قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) .
٦ - يَكذبُ المفترِي عندما يَتهمُ الإِسلامَ بالقَسْوَة، وأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ فقط،
وأَنه لا يَسودُ العالمَ إِلا بالمحبة، فاللهُ غفورٌ رحيم، ولكنَّه أَيْضاً شديدُ
стр. 645
العقاب، قال تعالى: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠) .
والصليبيّون الذين يَزْعُمُونَ أَنَّ اللهَ محبّة، وأَنهم رسلُ محبة، هم الذين
سَفَكوا دماءَ المسلمين، واحتلّوا أَوطانَهم، وسَلبوهم أَموالَهم، في القديمِ وفي
الحديث!!.
***
ما الذي حرمه الرسول ﷺ على نفسه ؟
اعترضَ الفادي المفترِي على ما حَرَّمَه الرسولُ ﵇ على نفسِه، والذي عاتَبَه الله عليه في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) .
ونقلَ كلاما غيرَ صحيح بأُسلوبِه الخبيثِ البذيء، قالَ فيه: " كان محمدٌ
يوماً في بيتِ حَفْصةَ بنتِ عمر، وهي إِحدى أَزواجِه، فاستأذَنَتْ منه في زيارة
أَبيها، فأَذِنَ لها، فأَرسَل إِلى مارية، وهي إِحدى سراريه، وأَدخلَها بيتَ حَفْصَةَ وَواقعَها، فَرَجَعَتْ حَفصةُ وأَبصرتْ ماريةَ معهُ في بيتِها، فلم تَدخُلْ حتى خرجَتْ ماريةُ، تم دخَلَتْ، وقالَتْ له: إِنَّني رأيتُ مَنْ كانَتْ مَعَك في البيت..
وغَضِبَتْ وبَكَتْ وقالَتْ له: لقد جئتَ إِليَّ بشيء ما جئتَ به إِلى أَحَدٍ من نسائِك، في يومي، وفي بيتي، وعَلى فِراشي!..
فقالَ لها: اسْكُتي، أَمَا تَرْضينَ أَنْ أَحَرِّمَها على نفسي، ولا أَقربها أَبداً؟
قالَت: نعم.
وحَلَفَ أَنْ لا يَقْرَبَها.
ولكنْ لما عاوَدَتهُ الرغبةُ في ماريةَ حَنَثَ بالقَسَم، وأَقفلَ بابَ اعتراضِ
حفصةَ على رجوعِه في قَسمه، بقوله: إِنَّ اللهَ أَوحى إِليه.. " (١) .
стр. 646
وقد سبقَ أَنْ ناقَشْنا الفادي الجاهلَ في القصةِ التي أَوْرَدَها، وذكَرْنا أَنها
لم تَصِحّ، رغم وُرودِها في بعضِ الكتبِ الإِسلامية، كالسيرةِ الحلبية.
والراجحُ أَنَّ الله عاتَبَ رسولَه ﷺ لأَنه حَلَفَ اليمينَ على أَنْ لا يَشْرَبَ العَسَلَ.
وخلاصَةُ الحادثةِ أَنَّ رسولَ الله ﷺ شربَ عندَ امرأتهِ زينبَ بنتِ جحش ﵂ عَسَلاً.
ولما ذَهَبَ إِلى حفصةَ ﵂ أَخْبرتْه أَنَّ رائحةَ العسل الذي
شربَه عند زينبَ كَريهة، فَحَلَفَ على أَنْ لا يشربَ ذلك العسلَ عند زينب،
فأَنزلَ اللهُ الآيةَ في عتابه على يَمينِه، ويَدْعوهُ إِلى التكفيرِ عن يَمينِه.
ومعنى قوله تعالى: (لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) : لِمَ تَمْتَنِعُ عن أَكْل ما أَباحَ اللهُ لكَ؟
فالتحريمُ هنا امتناعٌ عن فعل بعضِ المباح، وليس تحريماً شرعيّاً للحَلَال.
وكَلامُ الفادي سَيِّئٌ مرذول، وذلك عندما وَصَفَ النبيَّ ﷺ وَصْفاً قبيحاً بقوله: " ولكنْ لما عاوَدَتْهُ الرغبةُ في ماريةَ حَنَثَ بالقَسَم، وأَقفلَ بابَ اعتراضِ حفصةَ على رجوعِه في قَسَمِه بقوله: إِنَّ اللهَ أَوحى إِليه.. "
وهذا الكلامُ لا يقولُه نبيّ رسول، إِنما يقولُه رجلٌ كاذبٌ مفْتَرٍ، بلا دينٍ ولا أَدب!.
***
حول أبوي رسول الله ﷺ -
تَدَخَّلَ الفادي المفترِي في أَبَوَيْ رسولِ الله ﷺ ، وعَلَّقَ على آية تَنْهى المؤمنين عن الاستغفارِ للمشركين ولو كانوا من أقاربِهم، وهي قول الله : (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) .
وقال تحتَ عنوانٍ استفزازي مُثير هو: " أهله من أصحاب الجحيم "..
" قالَ البيضاويّ: رُويَ أَنَّ النبيَّ قالَ لأَبي طالب لما حضرَتْه الوفاة: قُلْ كلمةً
أُحاجّ لك بها عِندَ الله، فأَبى.
فقال: لا أَزالُ أَستغفرُ لك ما لم أُنْهَ عنه.
فنزلَتْ.
وقيل: لما افتتحَ مكة خرجَ إِلى الأبواء، فَزارَ قَبْرَ أُمِّه، ثم قامَ
стр. 647
مُسْتَعْبِراً، فقال: إِني أستأذنْتُ ربّي في زيارةِ قبرِ أُمّي فأذِنَ لي، واسْتَاذَنْتُه في
الاستغفارِ فلم يأَذَنْ لي، وأَنزلَ عَلَى الآيتَيْن.. ".
صحيحٌ أَنَّ هذا الكلامَ في تفسير البيضاوي، لكن ليس مُسَلَّماً، وليس
كُلُّه صحيحاً.
فهذه الآية ُ من سورةِ التوبة، وهي متأخرةٌ في النزول، حيثُ كان
نزولُها في السنةِ التاسعةِ من الهجرة، وكانتْ وَفاةُ أَبي طالِب في السنةِ الثامنة
من البعثة، قبلَ الهجرةِ بخمسِ سنوات، أَيْ أَنّ أَبا طالب تُوفىَ قبل نزولِ الآيةِ
بأكثرَ من أَربعَ عشرةَ سنة! فكيف يكونُ نزولُها في وفاته؟!.
إِنَ الذي صَحَّ في أبي طالب هو نزولُ آيةٍ مكيةٍ فيه.
روى البخاري ومسلم، عن سعيد بنِ المسيبِ عن أَبيه قال: لما حَضَرَتْ أَبا طالب الوفاة، جاءَه رسولُ اللهِ ﷺ ، فوجَدَ عندَه أَبا جهل، وعَبدَ الله بن أَبى أُمية بن المغيرة.
فقالَ له: أَيْ عَمّ! قُلْ: لا إِله إِلا الله، كلمةً أُحاجّ لك بها عندَ الله!.
فقالَ له أَبو جهل وعبدُ الله بن أَبي أُمية: أَترغبُ عن مِلَّة عبدِ المطلب؟!.
فلم يَزَلْ رسولُ الله ﷺ يَعرضُها عليه، ويُعيدانهِ بتلك المقالة، حتى قالَ أَبو طالب آخرَ ما كَلَّمهم: على مِلَّةِ عبدِ المطلب.
وأَبى أَنْ يقول: لا إِله إِلّا الله.
فأَنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) .
أَمّا سببُ نُزولِ آيتي سورةِ التوبة (١١٣ - ١١٤) فقد رَواهُ النسائي والترمذي عن عَلِيّ بن أَبي طالب ﵁، قال: سمعْتُ رَجُلاً يَستغفرُ لأَبَويْه وهما مشركان، فقلْتُ: تَستغفرُ لأَبويْك وهما مُشْركان؟
فقال: أَليس قد استغفرَ إِبراهيمُ لأَبيه وهو مشرك؟
قال عليّ: فذكرتُ ذلك للنبيِّ ﷺ ، فأَنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) .
أَمّا أَبوا رسولِ اللهِ ﷺ فقد ماتا على غيرِ الإِسْلام، وصَحَّ أَنَ
стр. 648
رسولَ اللهِ ﷺ قال: استأذَنْتُ ربي أَنْ أَزورَ أُمّي فأَذِنَ لي، واستأذنْتُه في أَنْ أَستغفرَ لأُمّي فلم يأذَنْ لي ".
ولكنَّ الآيَتَيْنِ (١١٣ - ١١٤) من سورةِ التوبة لم تَنْزِلا في أُمّه ولا في أَبيه.
ولم يَصِحَّ قولٌ نُسبَ للرسولِ ﷺ : لأَستغفرنَّ لأَبي،
كما استغفرَ إِبراهيمُ لأَبيه، فأَنزلَ اللهُ عليه الآيتَيْن يَنهاهُ عن ذلك!!.
ومن أَكاذيبِ المفترِي وافتراءاتِه قولُه: " واتفقَ المفَسِّرونَ على أَنَّ محمداً
كان يَطلبُ المغفرةَ لأَبيه عبدِ الله، وأُمّه آمنة، وعَمّه أَبي طالب، وأَنَ اللهَ نَهاهُ وَزَجَره عن ذلك زَجْراً أَبكاه، لأَنَّهم مُشركون، وقد صاروا من أَصحابِ النار..
وما أَبعدَ الفرقَ بينهم وبين العذراءِ مريم وابنِها!! ".
إِنَّ هذا كَذِبٌ مفضوح، فلم يَستغفرْ رسولُ اللهِ ﷺ لأَبيه، ولا لأُمِّه، ولا لَعَمِّه أَبي طالب، لأَنهم ماتوا على غيرِ الإِسلام، ورسولُ اللهِ ﷺ يَعلمُ أَنه لا يَجوزُ له أَنْ يَستغفرَ لكافر، ولو كان أَقربَ الناسِ إِليه.
وادَّعى الكاذبُ المفترِي أَنَّ اللهَ نَهاهُ عن الاستغفارِ لأَبيه وأُمِّه وعمِّه،
وزَجَرَه عن ذلك زجرا أَبكاه، وهذا ادِّعاءٌ كاذب، فلم يَنْهَهُ اللهُ عن ذلك ولم يَزجزه، لأَنه ﷺ لم يَفعلْ ذلك أَصلاً.
والآيةُ نَفَتْ وُقوعَ هذا الاستغفار: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى) ...
***
الزعم بأن القرآن وحي من الشيطان
ذَكَرَ الفادي المجرمُ تحتَ عنوان: " وَحْيٌ من الشيطان " قولَ الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) .
стр. 649
وعَلَّقَ على الآيةِ تَعْليقاً خَبيثاً، فقال: " قالَ المفَسّرون: إِنَ محمداً لما
كانَ في مجلسِ قريش أَنزلَ اللهُ عليه سورةَ النجم، فقرأَها، حتى بَلَغَ قوله:
(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) .
فأَلْقى الشيطانُ على لسانِه ما كانَ يُحَدِّثُ به نفسَه ويَتَمَنّاه، وهو: " تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى "،
فلما سمعَتْ قريش فَرِحوا به، ومضى محمد في قراءتِه، فقرأَ السورةَ كلَّها،
وسجدَ في آخرِها، وسجدَ المسلمون بسجوده، كما سجدَ جميعُ المشركين،
وقالوا: لقد ذَكَرَ محمد آلهتَنا بأَحسنِ الذكر، وقد عَرَفْنا أَنَّ اللهَ يُحيي ويُميت، ولكنَّ آلهَتنا تشفعُ لنا عندَه ".
وبعدَما أَوردَ هذه الروايةَ طَرَحَ سؤالَه وهُجومَه وبذاءَتَه، فقال: " ونحنُ
نسأل: كيفَ يتنكَّرُ محمد لوحدانيةِ الله، ويمدحُ آلهةَ قريش، ليتقَرَّبَ إِليهم، ويفوزَ بالرياسةِ عليهم بالأَقوالِ الشيطانية؟
وما الفرقُ بين النبيِّ الكاذبِ والنبيِّ الصادق، إِذا كانَ الشيطانُ يَنطقُ على لسانِ كليهما؟! " (١) .
الخُرافَةُ التي ذَكرَها الفادي الجاهلُ معروفة باسم " قصة الغرانيق ".
والغَرانيقُ جَمعُ " غُرْنوق "، وهو طَيْرُ الماء.
وقد ذَكَرَ تلك الخرافةَ بعضُ كتبِ التاريخِ والتفسيرِ والحديث، وردَّدَها عنهم الذين لا يتَحرونَ الدقة والصحةَ فيما يَنْقُلون، وتلَقَّفَها الفادي الجاهل.
وخُلاصَةُ تلك الخرافةِ أَنَّ رسولَ الله ﷺ كان يَوْماً عند الكعبة، وحولَه بعضُ المسلمين والكافرين، فتَلا سورة النجم، وهم يَستَمعونَ إِليه، حتى وَصَلَ إِلى قولِه تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) .
فَأَدخلَ الشيطانُ في قراءَتِه، وصارَ يتكلمُ بصوتِه، وأدرجَ فيه جملتَيْن،
سَمعوها بصوتٍ هو صوتُ النبيِّ ﷺ ، مع أَنه صوتُ الشيطان، والجملتان هما: " تلكَ الغرانيقُ العُلى، وإِنَّ شفاعتَهنَّ لترتُجى " وواصَلَ الرسولُ ﷺ قراءَتَه، وسطَ ذُهولِ المسلِمين، وفرح المشركين، الذين قالوا: الْتَقى محمد مَعَنا، ومَدَحَ آلهتَنا..
стр. 650
ومعلومٌ أَنَّ في آخرِ سورةِ النجمِ سَجْدَة، فلما فرغَ
رسولُ اللهِ ﷺ من قراءَتِه سَجَدَ، وسَجَدَ معه المسلمونَ والمشركون..
ولما علمَ الرسولُ ﷺ بما أَجرى الشيطانُ على لسانهِ حَزِنَ وتَألَّم، فأَمره اللهُ بحذْفِ جملتي الشيطانِ من سورةِ النجم: " تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى ".
وأَنزلَ آيةً من سورة الحج تتحدَّثُ عن ذلك: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) .
وهذه الخرافةُ مكذوبة، لم تَردْ في روايةٍ صحيحة.
وإِنما هي من وضع الزنادقة، والكَذَّابين والوضّاعين، وقد رَدَّها المفَسِّرون والمحَدِّثونَ والمؤرِّخونَ، وأَلَّفَ بعضُهم كتُباً في رَدِّها، منهم الشيخُ محمد ناصر الدين الأَلباني، في كتابه: " نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق ".
هذه الخرافةُ مردودةٌ عَقْلاً أَيضاً، إِذْ لا يُعقلُ أَنْ يَأَذنَ اللهُ للشيطانِ أَن
يتقمَّصَ صوتَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وأَنْ يُؤَلِّفَ كلاماً من عندِه يُدْخِلُه على القرآن، وهو يتعارضُ مع القرآن، فالقرآنُ يَذُمُّ اللاتَ والعُزّى، والشيطانُ يمدَحُهما، ويَجعلُ لهما شفاعةً عند الله! وأَينَ حِفْظُ القرآن؟
وأَينَ عِصمةُ اللهِ لنبيِّه ﷺ ؟!.
أَما الفادي المفترِي الخبيثُ فقد طارَ فَرَحاً بالخرافة، وصَدَّقَها، واعتمدَها في التشكيكِ بالقرآنِ وإِدانةِ الرسولِ ﷺ ، وقال كلاماً فاجراً: " كيف يتنكَّرُ محمدٌ لوحدانيةِ الله، ويَمدحُ آلهةَ قُريش، ليتقربَ إليهم، ويَفوزَ بالرياسةِ عليهم بالأَقوالِ الشيطانية؟
وما الفرق بين النبيِّ الصادِقِ والنبيِّ الكاذبِ إِذا كان الشيطانُ ينطقُ على لسانِ كِلَيْهما؟ ".
أَمّا آيةُ سورة الحج التي زَعَمَ الفادي أنها جاءَتْ لمسْحِ ما أَلْقاهُ الشيطانُ
على القرآن، فإنها تتحدَّثُ عن أُمنياتِ الأَنبياء إِيمانَ أَقوامِهم، ومحاولاتِ
الشيطان تَيْئيسَهم: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ..) .
стр. 651
يُخبرُ اللهُ رسولَه ﷺ أَنَّ كُل رسول ونبي قبلَه كان يتمنّى ويَرجو ويأمَلُ أَنْ يؤمنَ به قومُه ويُصَدِّقوه، وكان يَبذلُ جهدَه في دعوتِهم، ولكنَّ الشيطانَ كان يُحاولُ تيئيسَه، ولذلك كان يُلقي في أُمنيتهِ، ويُريه أَنها مستحيلة، وأَنَّ قومَه لن يؤمنوا به، فلا يُتْعِبُ نفسَه معهم..
وكان اللهُ يَتداركُ رسولَه برحمته، ويَمُنُّ عليه بالأَمَل، وبذلك كان يَنسخُ ما يلقي الشيطانُ من وساوس، ويُحكمُ آياتِه، ويُبقي الرسولَ على ثقتِه وأَملِه وجهودِه في الدعوة..
هذا هو الراجحُ في معنى الآية، والله أعلم.
***
هل مال الرسول ﷺ إلى المشركين ؟
ادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ محمداً ﷺ مَالَ إِلى مهادنةِ المشركينَ وموالاتِهم ومَدحِ آلهتِهم، وذَكَرَ آياتٍ أساءَ فَهْمَها وتَفسيرها.
ووضَعَ عنواناً مُثيراً: " كادوا يفتنونه "؟
قال فيه: " جاءَ في سورةِ الإِسراء (٧٣) : (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) .
وجاءَ في السورةِ نفسِها (٣٩) : (وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) .
وجاء في سورة الأَحزاب (١ - ٢) : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) .
وجاء في سورةِ الزمر: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) .
وجاء في سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) .
ونحنُ نَسألُ: أَلا تدلُّ هذه الآيات ُ على ميل محمدٍ للمشركين، وموالاتِه
لمدْحِ آلهتِهم، ثم اعتذاره عن هذا بأَنَّ اللهَ نَهاهُ عن ذلك وزَجَرَه؟!.. ".
стр. 652
لقد كان المشركونَ حريصين على فتنةِ رسول الله ﷺ ، ليتنازَلَ عن الحَق ويَسيرَ معهم، وعَرَضوا عليه عُروضاً مغرية.
ومن أَعجبِ وأَطرف ما عَرضوه أنهم قالُوا له: يا محمد أَنتَ على حَقّ، ونحنُ على حَقّ، فنعبُدُ نحن ربَّك يوماً، على أَنْ تعبدَ أَنتَ آلهتنا يوماً!..
فأنزلَ اللهُ عليه سورة الكافرون: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦) .
واجَهَ الرسولُ ﷺ مساوماتِ وإِغراءاتِ المشركين بالرفضِ، والثباتِ على الحق، وقالَ قولته المشهورة: " واللهِ يا عَمّ لو وَضَعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في شِمالي، على أَنْ أَتركَ هذا الأَمْرَ ما تركتُه، حتى يُظهرَهُ الله، أَو أَهلكَ دونَه ".
وقد فوضت قريشٌ أَحَدَ زعمائِها " الوليدَ بنَ المغيرة " ليُفَاوضَ
رسولَ اللهِ ﷺ ، ويُعطِيَه ما شاءَ من الدنيا، على أَنْ يَتَخَلّى عن رسالتِه ودعوتِه، فعرضَ عليه الوليدُ ما شاء من المالِ أَو الجاهِ والمركز، بأَنْ يكونَ زعيماً عليهم، أَو الزواج أَو العلاج، وهم مستعدّودن أَنْ يُعطوهُ ما أَرادَ، مقابلَ أَنْ يَسكتَ وَيَتوقَّفَ عن ذَمِّ آلهتِهم..
فردَّ الرسولُ ﷺ على عروضِه بأَنْ تَلا عليه
آياتٍ من سورةِ فصلت..
فقام الوليدُ يائساً..
وقد امتنَّ اللهُ على رسولِه ﷺ بأَنه هو الذي ثَبَّتَه على الحَق، وأَعانَه على رفْضِ مساوماتِ المشركين.
قال تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥) وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) .
وأَمْرُ اللهِ رسولَه ﷺ بالتَّقْوى والثباتِ وتَبليغِ الدعوةِ لا يدلُّ على أَنَّهُ قَصَّرَ في ذلك، إِنما هو لمزيد توكيد، ولاستمرارِ التذكيرِ بالحقيقة، والذكرى تنفعُ المؤمنين، والتأكيدُ على الحقيقةِ لرسوخِها واستقرارها.
стр. 653
كما أَنَّ نَهْيَ الله رسولَه ﷺ عن الشركِ لا يَعْني أَنهَ فَكَّرَ في أَنْ يُشركَ، ونهيَه له عن جعْلِه إِلهاً آخَرَ مع الله لا يَعْني أَنه فَكَّرَ في ذلك.
وكانَ ﷺ قبلَ البعثة يَكفرُ بالأَصنامِ ولا يَعتبرُها آلهة، فهل يعتبرُها آلهة بعد النبوة؟!.
إِن قولَه تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) .
يدل على أَنَّ اللهَ لا يَتَسامَحُ في الشرك، ويُحبطُ عملَ المشركِ به، ويجعَلُه خاسِراً هالكاً، حتى لو كانَ هذا أَقْرَبَ الناسِ إِليه، وأفضلَهم عنده، وهو رسولُه محمدٌ ﷺ ..
فإِذا كانَ اللهُ يُعَذِّبُ رسولَه وحبيبَه إِذا أَشركَ - وهو لَنْ يُشرك - فكيف بالآخرين الذينَ أَشركوا فِعْلاً، إنهم عرضَةٌ لعَذابِ اللهِ إِنْ لم يَتَرَاجعوا عن ذلك، فالإِيمانُ باللهِ وتَوحيدُه وعِبادتُه وحده لا تَراجُعَ عنه، ولا مفاوضة عليه!!.
ولكنَّ الفادي الجاهلَ الكافرَ باللهِ لا يَعرفُ هذه الحقيقةَ القرآنيةَ
الإيمانية، ولذلك قال ما قال، واتهمَ رسول اللهِ ﷺ بما اتَّهَمَه به.
***
اتهام الرسول ﷺ بتزوج زوجة ابنه
كلامُ الفادي الفاجر المجرمُ في هذا المبحثِ من أَرْذَل وأَفْجَرِ وأَقبحِ ما
سَجَّلَه في كتابِه القبيح، وقد جَعَلَ كَلامَه تحتَ عنوان: " يتزوَّجُ زوجةَ ابنِه!! ".
وعَلَّقَ على آيتَيْنِ من سورةِ الأَحزاب، تتحدَّثانِ عن زواجِ رسول الله ﷺ ، من زينبَ بنتِ جَحْش ﵂، وفيهما قولُه تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا) .
وقد سَبَقَ أَنْ ناقَشْنا المجرمَ البذيءَ في هذا الأَمْرِ، وبَيَّنّا مُلابسةَ زَواجِ
رسول الله ﷺ من زينبَ بنتِ جحش ﵂، وقَدَّمْنا المعنى الصحيحَ لآياتِ سورةِ الأَحزابِ التي تحدَّثَتْ عن ذلك.
стр. 654
لكنّنا نسجلُ هنا كلامَ المجرمِ البذيء، ليعرفَ الإِخوةُ القُرّاءُ إِجرامَ
المجرمِ وقلةَ أَدَبِه، وهو الذي يَظهَرُ بمظهرِ الموضوعيِّ المحايِد، والباحثِ
المنصف.
قال - فَضَّ اللهُ فاه، وشَلَّ يَدَه -: " اتفقَ جميعُ المفَسِّرين على أَنَّ محمداً
قال هذه العبارةَ في زينبَ بنتِ جحش.
وكان قد زَوَّجَها لزيدِ بنِ حارثة، وهو ابنُه بالتَّبَنّي..
وفي ذاتِ يومٍ أَتى محمدٌ زيداً لحاجَة، وأَبصرَ زينبَ في دِرْعٍ
وخمار، وكانتْ بيضاءَ وجميلةً وذاتَ خُلُق، من أَتَمِّ نساءِ قريش، ولم يكنْ زيدٌ في البيت، فوقعَتْ في نفسِ محمد، وأَعجبَه حُسْنُها، فقال: سبحانَ اللهِ مُقَلِّبِ القُلوب..
فلما جاءَ زيدٌ، ذَكَرَتْ له ذلك، ففطِنَ للأَمْرِ، واحتاط لنفسِه من
عواقِبه، وذهبَ لمحمد، وقال له: إِنّي أَريدُ أَنْ أُطَلِّقَ صاحِبَتي! فقال محمد:
ما لَكَ؟
أَرابَكَ منها شيء؟
قال: لا.
ولكنْ لشَرَفِها تتعاظمُ عَلَيَّ..
فقال محمد: أَمْسِكْ عليكَ زوْجَك، واتَّقِ اللهَ في أَمْرِها.
قالَ محمدٌ هذا خشيةً من الناس، لئلا يُعَيِّروهُ بِأَخْذِ زوجةِ ابنِه، وأَخْفى في نفسِه شهوتَه إِليها!!..
ولكن الفضلَ لجبريلَ، الذي أَنزلَ عليه أَلَّا يخشى الناسَ، ولْيجاهرْ برغبتِه في أَخْذِها من ابنه، وأَلا يكونَ لجميعِ المسلمين حَرَج إِذا أَخذوا نساءَ أَدعيائِهم، بعدَ أَنْ يَقْضوا منهنَّ مُرادَهم.
فكيفَ ساغَ لمحمدٍ أَنْ يَمُدَّ عينَيْه، ويَشْتهي امرأةَ زيدٍ، أَقربِ الناسِ إِليه؟
وكيفَ يَدَّعي في مجلسِ العربِ بغير ما في نفسِه، ويَسْتَعدي جبريل على زيدٍ
ليحرمَهُ من زوجته، لياخُذَها لنفسِه، وَبَدَلَ أَنْ يَندمَ ويَستغفرَ، يُسَبِّحُ الله ويقول: سبحانَ الله، مُقَلِّبِ القلوب؟
وهل يَليقُ بجبريل الطاهرِ أَنْ يُوافِقَ هوى محمد، ويجعلَ هذا الاغتصابَ سُنَّةً، ويَرفعَ الحرجَ عن جميع المؤمنين، إِذا ما أَتوا مثلَ هذه الفضائح؟!..
ولهذا المنطقِ الأَخلاقيِّ كانت زينبُ تَتَباهى على سائِرِ
نساءِ النبيّ قائلة: إِنَّ اللهَ تولّى إِنكاحي، وأَنتنَّ زوَّجكُنَّ أَولياؤكُنّ.. " (١)(٢) .
стр. 655
ولا نعلقُ على هذا الكلامِ الفاجرِ البذيء، ونُحيلُ على ما قُلْنَاهُ سابقاً في
هذا الأمر!
وقد بَيَّنَ كثيرٌ من العلماءِ حادثةَ زَواجِ الرسولِ ﷺ من زينبَ بنتِ جحشٍ ﵂، وتَحَدَّثْنَا عنها بالتفصيلِ في كتابنا " عتاب الرسول ﷺ في القرآن: تحليل وتوجيه ".
***
حول سحر رسول الله ﷺ -
عَلَّقَ الفادي المجرمُ على حادثةِ سِحْرِ رسولِ الله ﷺ تحتَ عنوان: " النبيّ المسحور "
وأَخَذَ الحادثةَ من مصادرَ صحيحةٍ ومصادر باطلة، وخلط فيها الحقَّ
بالباطل، ثم وظَّفَها دليلاً على جُنونِ الرسولِ ﷺ ، وقارنَ بينَه وبين موسى وعيسى ﵉، اللَّذيْنِ غَلَبا السحرةَ والشياطين.
أَوردَ سورةَ الفلقِ وسورةَ الناس ثم نَقَلَ كَلاماً للبيضاوي في تفسيرِ
النفاثات في العُقَد.
وقال بعد ذلك: " جاءَ في كتابِ " السيرةِ النبوية الملكية ":
" رُوِيَ أَنَّ لَبيداً بنَ الأَعْصَمِ اليهودي سَحَرَ النبيَّ.
فكانَ يُخَيَّلُ للنبيِّ أَنه يَفعلُ الشيءَ، وهو لا يَفعلُه، مما لا تَعَلُّقَ له بالوحي، كالأَكْل والشربِ وإِتيانِ النِّساءِ، ومَكَثَ في ذلك سَنَةً، أَو ستة أَشهر، على ما قيل، حتى جاءَه جبريلُ، وأَخبرَه بذلك السِّحرِ ومكانِه، فأَرسلَ النبيُّ واستحضَره وفَك عُقَدَه، فَفُكَّ عنه السحر ".
وجاءَ في كتابِ العَقْد الفريد: " في مسندِ ابن أَبي شيبة: أَنَّ رَجُلاً من
اليهودِ سَحَرَ النبيّ، فاشتكى لذلك أياماً، فأَتاهُ جبريلُ فقال له: إِنَّ رجلاً من
اليهودِ سَحَرَك، عَقَدَ لك عُقَداً، وجَعَلَها في مكانِ كذا وكذا، فأَرسلَ عليّاً - فاستخرجَها وجاءَ بها، وجَعَلَ يَحُلُّها، فكلما حَلَّ عُقْدَة، وَجَدَ رسولُ الله خِفَّة، ثم قامَ رسولُ الله، وكأنما نَشَطَ من عِقال ".
قال البخاري: رَوَتْ عائشةُ قالت: كان رسولُ الله سُحِرَ، حَتَى كان يَرى
أَنه يأتي النساءَ وهو لا يأتيهن..
فقالَ محمد: يا عائشةُ! أَعَلِمْتِ أَنَّ اللهَ أفتاني
стр. 656
فيما أَنا اسْتَفْتَيْتُهُ فيه، أَتاني رَجُلان، فقعَدَ أَحَدُها عند رأْسي، والآخَرُ عند
رِجْلَيَّ، فقالَ الذي عندَ رأسي للآخَر: ما بالُ الرجل؟
قال: مَطْبوب.
قال: وَمَنْ طبَّهُ؟
قال: لَبيدُ بنُ الأعصم، رجلٌ من بني زريق، حليفُ اليهود، كان
منافقاً، قال: وَفيم؟
قال: في مُشْطٍ ومُشاطَةٍ.
قال: وأَيْنَ؟
قال: في جُفِّ بئر ذِروان ...
قالت: فأَتى النبيُّ البئرَ فاستَخْرَجَها ... ".
ما زَعَمَه الفادي المفترِي من أَنَّ سِحْرَ رسولِ الله ﷺ استمرَّ ستةَ أَشهرٍ أَو سنةً غيرُ صحيح، فلم يستمر ذلك إِلّا فترةً قصيرةً لم تَتَجاوزْ أَياماً قليلة.
والراجحُ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لم يُرسلْ عليَّ بنَ أَبي طالب ﵁ إلى البئرِ التي فيها السحرُ، ولم يستخرجْه منها، وما نَقَلَه الفادي عن العقدِ الفريدِ مرجوح مردود.
والصحيحُ في هذه الحادثةِ ما رواه البخاريُّ عن عائشةَ ﵂ قالت: " سُحِرَ النبيُّ ﷺ ، حتى إِنه ليُخَيَّلُ إِليه أَنه يفعلُ الشيءَ وما فَعَلَه ...
حتى إِذا كانَ ذاتَ يومٍ وهو عندي، دَعا اللهَ ودَعاه..
ثم قال: أَشعرتِ يا عائشةُ أَنَّ اللهَ قد أَفْتاني فيما اسْتَفْتَيْتُهُ فيه؟
قلتُ: وما ذاك يا رسولَ الله؟
قال: جاءَني رَجُلان، فجلسَ أَحَدُهما عند رأسي، والآخَرُ عند رِجْلَيَّ، ثم قالَ أَحَدُهما للآخَر: ما وَجَعُ الرجل؟
قال: مَطْبوب، قال: ومَنْ طَبهُ؟
قال: لَبيدُ بنُ الأَعْصَمِ اليهودي من بني زُريق.
قال: في ماذا؟
قال: في مُشْطٍ ومشاطَة وجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَر.
قال: فأَينَ هو؟
قال: في بْئرِ ذي أَروان.
قالَتْ: فذهبَ النبيّ ﷺ في أُناسٍ من أَصحابِه إِلى البئر، فَنَظَرَ إِليها وعليها نَخْل..
ثم رجعَ إِلى عائشةَ، فقال: واللهِ لكَأَنَّ ماءَها نُقاعَةُ الحِنّاءِ، وكأَنَّ نخلَها
رؤوسُ الشياطين..
قلتُ: يا رسولَ الله، أَفَأَخْرَجْتَه؟
قال: لا..
أَمّا أَنا فقد عافاني اللهُ وشَفاني، وخشيتُ أَنْ أُثَوِّرَ على الناس منه شَرّاً.
وأَمَرَ بها فدُفنتْ ".
стр. 657
لقد شاءَ اللهُ أَنْ يُسحرَ رسولُه ﷺ ، وذلك تأكيدٌ لبشريَّتِه وضعْفهِ؛ لأَنَّ كُلَّ بشر مخلوقٌ ضَعيف، تؤثَرُ فيه الأَسبابُ بأَمْر الله، والذي سَحَرَه هو اليهوديُّ " لَبيدُ بنُ الأَعْصَم "، حيثُ أَخَذَ مِشْطاً كان يُمَشِّطُ فيه رسولُ اللهِ ﷺ شَعْرَهُ، وفيه " مشاطةٌ "، وهي بقيةُ الشَّعْرِ الذي عَلِقَ من رأسِه بالمشط، وَرَبطَ المشط
والمشاطةَ في " جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَر "، وهو الغشاءُ الذي على طَلْعِ البَلَحِ عند بدايةِ خروجِه من كُمِّه على النخلة.
وَوَضعَ المشْط والمشاطَةَ والجُفَّ الغشاءَ في قَعْر بئرِ ذي أَروان، والماءُ الذي فيها قليل.
وشاءَ اللهُ أَنْ يُؤَثِّرَ هذا السحرُ في الجانبِ المادِّيِّ من رسولِ الله ﷺ ، أَيْ أَنَّه أَثَّرَ في جِسْمِهِ فقط، ولم يُؤَثِّرْ في عَقْلِه وإدراكِه، كما أنه لم يُؤَثِّرْ في رسالتِه أَو الوحيِ الذي يَتَلَقّاهُ من الله، ولم يُؤَثَرْ في عبادَتِه ودعوتِه وذِكْرِه لله..
أَقصى ما أَثَّر فيه السحرُ كما أَخْبَرَتْ عائشة ﵂ أَنه كانَ يُخَيَّلُ إليه أَنه فعل الشيءَ وما فعلَه، ولم يستمرَّ هذا فيه طويلاً، حيثُ كانَ ﷺ يلجأُ إلى الله، يَدْعوهُ ويتضرَّعُ إليه، كي يُذهبَ عنه ما أَثَّر فيه..
وفي أَحَدِ الأَيّام كانَ ﷺ عند عائشهَ ﵂، فدعا الله طويلاً، واستجابَ اللهُ دُعاءَه، وأَخبرَه عن حقيقةِ ما به،
وأَخبرَ عائشة ﵂ عن ما حَصَلَ له، وأَنَّ اللهَ قد أَفْتاهُ فيما اسْتَفْتاهُ فيه، حيثُ أَرسلَ إِليه ملكَيْنِ في صورةِ رجلَيْن.
فجلسَ أَحَدُهما عند رأْسِه، وجلسَ الآخَرُ عند رجلَيْه، وجَرى بينهما حوارٌ على مسمَع منه ﷺ ، وعَرَفَ منهما أَنَّ لَبيدَ بن
الأَعصم اليهوديَّ سَحَرَه، وأَنه وَضَع السِّحْرَ في قعرِ بئرِ ذي أَروان.
وعافاهُ الله، وأَذْهَبَ عنه ما أَثَّر فيه.
وذهبَ رسولُ الله ﷺ إِلى البئر، وعادَ إلى عائشةَ ﵂ وأَخْبَرَها عنها: ماؤُها قليلٌ أَحمرُ كأنَّه حِنّاء، وعليها نَخْلٌ مثمرة، ثَمَرُها كأَنه رؤوسُ الشياطين.
وأَمَرَ ﷺ بدفن المادَّةِ التي سُحِرَ فيها، ولما اقترحَتْ عليه عائشةُ ﵂ أَنْ يُخرِجَها، وأَنْ يَتَنَشَّرَ، أَيْ أَنْ يُعالجَ نفسَه بالرُّقْيَة، رَفَضَ ذلك، وقال: لقد عافاني اللهُ وشفاني فلن أَتَنَشَّرَ، حتى لا أَثيرَ على الناسِ من ذلك السحرِ شَرّاً.
وبهذا انتهتْ هذا الحادثةُ العابِرة، التي مَرَّتْ برسولِ اللهِ ﵇ مُروراً
стр. 658
عابراً، ولم يتأَثَّرْ بها عَقْلُه أَو وَعْيُه أَو حِفْظُه وعبادَتُه، ولم تُؤَثِّرْ على نبوَّتِه
ورسالته.
أَمّا الفادي المجرمُ فقد وَظَّفَ الحادثةَ لَيُحققَ هَدَفَه بالإِساءَةِ إِلى
رسولِ الله ﷺ ، ونَفْي نُبُوَّتِه.
وعَلَّقَ على الحادثةِ بقولِه: " ونحنُ نسأل: كيفَ
يكونُ محمدٌ نبياً وقد خَضَعَ لسطوةِ الشيطان، فتارةً يُذْهِبُ عَقْلَه بالسِّحْر، وتارةً يُلقي على لسانِه آياتٍ شيطانية، كالتي قالَها في سورةِ النجم؟
لهذا اتَّهَمَه أَعداؤه بأَنه مجنون، فدفعَ عن نفسِه هذه التهمة، في آياتٍ كثيرة، كقوله تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) .
وقوله تعالى: (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢) .
فأَيْنَ هو من موسى الذي غَلَبَ السحر؟
وأَينَ هو من المسيحِ الذي أَخرجَ الشياطينَ وأَقامَ الموتى؟
وإِنْ كانَ في إِمكانِ جبريلَ فَكّ سِحْرِه، وشِفاؤُه، فلماذا تَرَكَه، ولم يَأتِه إِلّا بعدَ ستةِ أشهر أَو سَنَة؟
وكيفَ يُؤْتمَنُ مِثْلُه على أَقوالِ الوحي؟
لذلكَ قال له إِلهه: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) ".
اتهمَ الفادي المجرمُ الرسولَ ﷺ بالجُنون، وَردَّدَ التهمةَ التي أَطلقها الكفارُ زمنَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وقد نَفَتْ آياتُ القرآنِ الصريحةُ هذه التهمة عن رسولِ اللهِ ﷺ ، ولو كانَ ﷺ مَجْنوناً لما نجحَ في دعوتِه هذا النجاح، ولما تكلمَ بما تكلمَ به، ولما تعامَلَ مع أَصحابِه بأَعْلى درجاتِ العلمِ والحلم
والحكمةِ وسَعَةِ الصَّدْر.
ونُكررُ أَنَّ السحرَ لم يُؤَثِّرْ في عَقلِه ﷺ ووعيه!.
ومقارنةُ الفادي المجرم بين رسول الله ﷺ وبينَ أَخَوَيْهِ موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام لا دَاعيَ لها، لأَنَّ كُلَّاً منهم رسولٌ كريمٌ أَيَّدَهُ اللهُ بالمعجزات، وقد شاءَ اللهُ أَنْ يُؤَثّرَ السحرُ قليلاً في الجانب البشريِّ من رسولِ اللهِ ﷺ ، تأكيداً على بشريته.
стр. 659
والسؤالُ الذي طَرَحَه المجرمُ خبيث مثلُ صاحبه: " وكيف يُؤْتَمَنُ مِثْلُه
على أَقوالِ الوحي؟ " لأَنَّ اللهَ ائتمنَه على الوحي، وَوَعَدهُ أَنْ لا يَنسى من القرآن حرفاً واحداً، وقال له: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) .
***
حول تقبيل الرسول للحجر الأسود
تَوَقَّفَ الفادي المجرمُ أَمامَ تقبيلِ الرسول ﷺ للحجرِ الأَسود، وأَساءَ فهمَ الحادثةِ وتفسيرَها، كعادَتِه، وجعلَ حديثَه عنها فرصةً لاتِّهامِ الرسول ﷺ في عقيدتِه وإِيمانِه وإِخلاصِه وتوحيدِه.
قَال فَضَّ اللهُ فاه: " جاءَ في سورةِ الأحزاب (٢١) : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) ، وقال عمرُ بنُ الخطابِ عن الحجرِ الأَسود: أَما واللهِ لقد علمْتُ أَنكَ حَجَرٌ، لا تَضُرُّ ولا تَنْفَع، ولولا أَني رأيتُ رسولَ اللهِ قَبَّلَكَ ما قَبَّلْتُك.
ونحنُ نسأل: لماذا جَعَلَ محمدٌ تقبيل الحجرِ الأَسودِ من شعائرِ الحَجِّ
كالوثنيين؟
وهل هذه هي الأُسوةُ الحسنة؟
ولماذا يُجاري ويُداري عربَ الجاهلية، فيشركُ في إكرامِ اللهِ إِكرام الأَحجار؟ " (١) .
يرفضُ المجرمُ اعتبارَ رسول اللهِ ﷺ قدوةً حسنةً للمسلمين من بعدِه، لماذا؟
لأَنه قَبَّلَ الحجرَ الأَسودَ، وجعلَ تقبيلَه من شعائِرِ الحَجّ!!
وماذا في تقبيلِه له؟
إِنه بهذا يُداري ويُجاري الوثنيّين، ويَفعلُ مثلَ فِعْلِهم.
وهذا إِكرامٌ منه للحجر، وهذا إِشراك منه بالله !!
فالرسول ﷺ مشرك بالله بمجردِ تَقبيلهِ
الحجرَ الأَسود!!
هكذا يكونُ البحث، وهكذا يكونُ التحليلُ والتعليلُ
والاستنباطُ والاستدلال؟!.
стр. 660
ومن المعلومِ عندنا أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لم يُشَرّعْ من عندِه، وإِنما كان يُبَلِّغُ المسلمين حكمَ اللهِ وشَرْعَه، فاللهُ سبحانه هو الذي شَرَعَ مناسكَ الحج، من إِحرامٍ وطوافٍ وسعي ورميِ للجِمار وغير ذلك، واللهُ هو الذي شَرَعَ للرسولِ ﷺ والمسلميًن استَلامَ الحجرِ الأَسودِ عند الطوافِ وتقبيلهِ، كما أَمرهم باستقبالِ الكعبةِ في الصلاة، وعندما كان ﷺ يُقَبِّلُ الحجرَ الأَسودَ كان
يُطَبِّقُ أَمْرَ الله، ويُنَفِّذُ شَرعَ الله، وهو بهذا عابدٌ لله وليس مشركاً به!.
وكم كانَ عمرُ بنُ الخطاب ﵁ واعياً حكيماً فَطِناً، عندما قَرَّرَ أَنه يُقَبّلُ الحجرَ الأَسود؛ لأَنه يقتدي في ذلك برسولِ اللهِ ﷺ ، وهو يوقنُ أَنه مجردُ حجرٍ، لا يَضُرُّ ولا يَنْفَع.
***
التشكيك في عفَّة عائشة ﵂ -
شَكَّكَ الفادي المجرمُ في عِفَّةِ عائشةَ ﵂، وكَرَّرَ ما قالَه المنافقون الكافرون في اتِّهامها.
وكانتْ وقفتُه الفاجرةُ الخبيثةُ أَمامَ قولِ اللهِ : (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) .
ذَكَرَ خُلاصَةَ الحادثة كما وَرَدَتْ في تفسير البيضاويِّ: من أَنَّ
رسولَ اللهِ ﷺ خرجَ في غزوةٍ من غزواتِه، واستصحبَ معه عائشة ﵂، ولما عاد من الغزوة إِلى المدينة، نَزَلَ بالجيشِ ليلاً ليستريحوا، ثم نادى بالرَّحيل، وكانتْ عائشةُ قد مَشَتْ قليلاً لتقضيَ حاجتَها، ولما عادَتْ إِلى الرَّحْلِ عرفَتْ أَنها أَضاعَتْ عُقْدَها الذي في عنقِها، فعادَتْ لتبحث عنه، وظنَّ المكلَّفُ بترحيلها أَنها داخلَ الهودج، فأَقامَ الناقة وسارَ بها مع الجيش، وهو يوقنُ أَنَّ عائشةَ في الهودَج، ولما عادَتْ إِلى المكانِ في الليل وَجَدَت الجيش قد تحركَ فجلَستْ على الأَرض مكانها..
وكان رسولُ اللهِ ﷺ -
стр. 661
قد كَلَّفَ صفوانَ بنَ المعَطِّلِ السلميَّ ﵁ أَنْ يَسيرَ خَلْفَ الجيش، ليلتقطَ ما يسقطُ منه..
ولما وصلَ صفوانُ إِلى المكانِ رأى عائشة، فأَناخ راحلَتَه، فركبَتْها وساقَها حتى وَصَلَ الجيش..
ولما رآهُ المنافقون أَشاعوا حادثةَ الإِفك، واتَّهموها في عِفَّتها
وطهارتِها..
واستمرَّ الحديثُ حول الشائعةِ حوالي خمسين يوماً، وأَنزل اللهُ
بعدَ ذلك شهادةً ببراءةِ عائشةَ ﵂، وأَقامَ الرسول ﷺ حَدَّ القَذْفِ على الذينَ رَدَّدوا الإِشاعة، واتهموها في عِرْضها ...
وأَطلقَ الفادي المجرمُ سِهامَه الخبيثة المسمومة، وقَذَفَ عائشةَ ﵂ في عِفَّتِها.
قال: " ونحنُ نسأل: هل كان زواجُ محمدٍ بعائشة بركةً له أَم لعنةً
عليه؟..
قال ابنُ هشام: إن محمداً تزوج ثلاثَ عشرة امرأة، منهنَّ عائشة، التي
كانَتْ بِنْتَ لسِتٍّ لَمّا عَقَدَ عليها، وبِنْتَ تِسعٍ لَمَّا بَنى بها..
فلماذا يتزوجُ محمدٌ وهو شيخٌ بطفلةٍ في التاسعة؟
وإنْ كانَتْ هذه عادةُ عربِ زمانِه، فلماذا لم يُصْلِحْ
نَبِيُّ العَرَبِ عادة أَهْلِ زمانه، بَدَل أَنْ يُمارِسَها معهم؟
ولماذا كان محمدٌ يصطحبُها معه في غَدْواتِه ورَوْحاته، حتى في الحروب، فتصبحَ سيرتُه وسيرتُها مضغةً في الأفواه، كما حَدَثَ مع صفوانَ بن المعَطِّل في غزوةِ بني المْصطَلِق؟.
ولقد كانَ عليُّ بنُ أَبي طالب حكيماً، وهو يُقدِّمُ النصحَ لابنِ عَمِّه وَحَميِّه، ويقول له: لم يُضَيِّق اللهُ عليك، والنساءُ سواها كثير..
ولكنَّ علياً لم يكنْ يعلمُ مكانةَ عائشةَ في قلبِ محمد، وقد كانَ يقول عنها: إِنها بينَ نسائِه كالثريد بينَ الطعام.
فذهبَ محمدٌ إِليها، وقال لها: " بَلَغَني عنك ما بَلَغني، فإِنْ كنت بِريئةً
فيبرِّئُكِ اللهُ، وإِنْ كنتِ أَلممْتِ بذنْبِ فاستْغفِري اللهَ وتوبي إِليه، فإِنَّ العبدَ إِذا اعترفَ بذنْبه ثم تابَ تابَ اللهُ عليَه ".
وسرعانَ ما جاءَ جبريلُ بوحيٍ يُبَرِّئُ عائشة، ويَلْعَنُ الذين اتَّهموها، وشَغَلَتْ شهادَةُ جبريلَ ولعناتُه ثماني عشرةَ آية من سورة النور.
قال ابنُ عباس - كما ذَكَر البيضاوي -: " لو فَتَّشْتَ وعيداتِ
القرآن لم تَجِدْ أَغلظَ مما نَزل في إِفْكِ عائشةَ ﵂".
أَلا يرى العاقلُ أَنَّ محمداً شَحَنَ قرآنَه بشؤونه الخاصةِ وشؤونِ نسائِه؟
وإذا كانتْ عائشةُ بريئةً، فلماذا لم يُبَرِّئْها في الحال؟..
ولماذا لَبِثَ الوحيُ مدةً طويلة، تاركاً إِياها في بيت أَبيها، ومحمد مرتابٌ في عِفّتها؟.. ".
стр. 662
كلامُ الفادي المجرم وقحٌ قبيح، وكلُّه اتهامٌ للرسولِ ﷺ ولعائشةَ ﵂.
إِنه يَعتبرُ زواجَه بعائشةَ لعنةً عليه، وأَنه خسر كثيراً بسببه، علماً أَنَّ حياةَ
الرسولِ ﷺ مع عائشةَ كانَتْ سعيدةً هانئة، وكانتْ عالشةُ مباركةً ﵂.
وأَثارَ المجرمُ إِشْكالاً حولَ عُمْرِ عائشة عندما تزوَّجَها ﷺ ، صَحيحٌ أَنه خَطَبَها وهي بنتُ لسِتِّ سنوات، ودخلَ بها وهي بنتُ تِسْعِ سنوات، - ولا غَرابَةَ في هذا الزواج، فقد كانَتْ كاملةَ الأُنوثةِ وهي في هذا السِّنِّ، ومعلوم أَنَّ البَناتِ في المناطقِ الحارَّةِ تكبرُ أَجسامُهُنَّ بِسُرْعة.
أَما اصطحابُ الرسولِ ﷺ لعائشةَ في غَزواتِه وسَفراتِه فقد كانَ يَخرجُ بها عندما ي؟ أتي دورها، حيثُ كانَ يَعدِلُ بين زوجاتِه، ويخرجُ بمن هي على الدَّور!.
والفادي مجرمٌ وقح عندما قال عن الحادثة: " فتصبحُ سيرتُه وسيرتُها
مضغةً في الأَفواه ".
ولقد كانتْ سيرةُ رسولِ اللهِ ﷺ وسيرةُ عائشة أُمِّ
المؤمنين ﵂، عنوانَ العِفَّةِ والطهرِ والفَضيلة، ولم يكنْ في حياتِه أَو حياتها ما يُريب، والذينَ تَحَدَّثوا عن عائشةَ واتهموها في عِفَّتِها هم المنافقون، ومَنْ تَأَثَّر بهم من مرضى القُلوب، أما المسلمونَ الصادقون فقد كَذَّبوا حديثَ الإِفك وقالوا: سبحانَك هذا بهتان عظيم.
واستغربَ الفادي الجاهلُ حديثَ سورةِ النورِ عن حديثِ الإِفكِ، في
ثماني عشرةَ آية، وهذا دَليلُ جَهْلِه، فالقرآنُ كان يُرَبّي المسلمينَ بالأَحداث،
ويَجعلُها مناسبةً لعَرْضِ وتقريرِ حقائقِه، وقد كانت الدروسُ والعِبَرُ والتوجيهاتُ من حادثةِ الإِفْكِ كثيرة، ولذلك تَحَدَّثَ عنها القرآنُ في ثماني عشرة آية.
وكان الفادي وَقحاً مُجْرِماً عندما قال: " أَلا يرى العاقِلُ أَنَّ محمداً شَحَنَ
قرآنَه بشؤونه الخاصةِ وشؤونِ نسائه؟ ".
стр. 663
إِنه يؤكدُ أَنَّ القرآنَ كلامُ النبى ﷺ وليس كلامَ الله، وأَنه كان يَضَعُ فيه ما شاء من الآياتِ التي أَلَّفها ...
وهو يرى أَنَ القرآنَ مليءٌ بأخبار الرسولِ ﷺ الشخصية! وهذا دَليلُ جْهلهِ وغبائه.
إِنَّ اللافتَ للنظر أَنَّ حديث القرآنِ عن أَخبارِ الرسولِ ﷺ الشخصية قليل، وهذا دليلٌ على أَنَّ القرآنَ كَلامُ الله، ولو كانَ القرآنُ من تأليفِ رسولِ الله ﷺ لملأَهُ بالحديث عن شؤونهِ وسيرتهِ وحياتِه، وعن رحلاتِه وأَسفارِه، وعن مشاعرِه وهمومِهِ، وأحزانِه وأفراحه..
كما يفعلُ المؤلِّفون عندما يكتبُ أَحدهم سيرتَه الذاتية.
لم يعرض القرآنُ من أخبارِ الرسولِ ﷺ إِلا ما جعلَه فرصةً لتقرير الدروس.
ويَتساءلُ الفادي بخبث: لماذا لم يُبرئ الوحيُ عائشة في الحال؟..
إِنَ تَأَخُّيرَ الوحي في إِعلان براءةِ وعِفَّةِ عائشة ﵂ دليلٌ آخَرُ على أَنه كلامُ الله، فقد كانَ الموضوعُ خطيراً جداً، ويتعلَّقُ ببيتِ رسولِ اللهِ ﷺ وشرفِه وعِفَّة وعرضِ امرأتِه، ولو كانَ القرآنُ من تأليفِ النبيِّ ﷺ لسارعَ بإِعلانِ براءَتِها، وادَّعى
إِنزالَ الآياتِ عليه!! لكنَّ الرسولَ ﷺ بقيَ ينتظرُ الوحيَ أَياماً عديدة، وهو لا يَعلمُ الغيب، والقضيةُ حساسةٌ تتفاعَلُ وتتحركُ وتنتشرُ بين الناس، والمسلمونَ ينتظرونَ البيانَ من الله، ويتأخَّر إِنزالُ الآياتِ لحِكْمَة، ليوَظَّفَ هذا دليلاً على أَنَّ القرآنَ من عندِ الله! !.
***
حول قتلِ الرسولِ ﷺ خصومَه
أَثارَ الفادي المجرمُ الاعتراضاتِ والإِشكالاتِ على موقفِ رسولِ الله ﷺ من خصومهِ الكافرينَ المعادين، حيثُ أَمَرَ بقتل بعضِهم.
وبدأ هذا المبحثَ بالحديثِ عن سَرِيَّةِ عبد اللهِ بنِ جحشٍ ﵁، التي
стр. 664
كانت قُبيلَ غزوةِ بَدْر، والتي أَدَّتْ إِلى قَتْل رجلٍ مشركٍ خطأً، في أَولِ يومٍ من أَيامِ شهرِ رجبَ الحرام.
وقد سبقَ أَن اعترضَ الفادي المفترِي على هذه الحادثة، ورَدَدْنا على مغالطاتِه، وبَيَّنّا حقيقةَ أَحداثِ تلك السَّريَّة، ومعنى الآية (٢١٧) من سورة البقرة التي أُنزلَتْ بشأنِ تلك الأَحداث، وللرَّد على شبهاتِ الكافرين.
فلا داعيَ لإِعادَةِ كلامِه عن الحادثة، وإِعادَةِ توضيحِنا لمجريات الحادثة.
والذي نُشيرُ إِليه هنا هو عباراتُ المجرمِ الاستفزازيةُ، التي يُهاجمُ فيها
رسولَ الله ﷺ ، ويَصِفُه بأَقبحِ الصفات.
من ذلك قولُه في بدايةِ حديثهِ عن أَحداثِ السَّرِيَّة: " حَرَّمَت الجاهليةُ القِتَال في الأَشهرِ الحُرُمِ كما حَرَّمَه القرآنُ في سورة محمد، الآية (٤) .
ولكنَّ محمداً خالَفَ كُلَّ هذا في سبيلِ الغَدْرِ بأَعدائِه ".
المجرمُ يتهمُ الرسولَ ﷺ بالغَدْرِ، مع أَنَّ الغَدْرَ خُلُقٌ ذَميمٌ وفعْلٌ قَبيح، يُنَزَّهُ عنه المسلمُ العادي، فكيفَ برسولِ اللهِ ﷺ ؟!.
وقد شهدَ للرسولِ ﷺ بعدمِ الغدرِ عَدُوُّه اللَّدودُ أَبو سفيان، ففي السنةِ السابعةِ من الهجرة الْتقى أَبو سفيان بملكِ الروم هرقل، فسأَلَه عن الرسولِ ﷺ : هل يَغْدِر؟
فقالَ أَبو سفيان: لا.
فقالَ هِرَقْل: وكذلك الرسلُ لا يَغْدِرون..
ويأتي هذا المجرمُ ليتهمَ رسولَ الله ﷺ بالغَدْرِ!.
ويَجمعُ الفادي بينَ الإِجرامِْ والجَهْل، ومِن جهلِه زَعْمُه أَنَّ الآية الرابعةَ
من سورةِ محمد تُحرّمُ القتالَ في الشهرِ الحرام.
فلْنقرأ الآيةَ ونَنظرْ مدى صحةِ كَلامِه.
قال تعالى: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) .
أَينَ الكلامُ عن حُرمةِ القتالِ في الأَشهرِ الحُرُمِ فِي الآية؟
وكيفَ اعتبرَها
стр. 665
الفادي الجاهلُ دالَّةً على تحريمِ القتالِ في الأَشهرِ الحُرُم.
إِنَّ الآيةَ التي حَرَّمَت القتالَ في الأَشهرِ الحُرُمِ هي قولُه تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) .
وقولُه تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) .
وحرمةُ القتالِ في الأَشهرِ الحُرُمِ مَشروطةٌ بالتزامِ الأَعداءِ بذلك، فإِنْ لم
يَلْتَزموا بهذه الحرمة، وقاتلوا المسلمينَ في شَهْرٍ حرام، رَدَّ المسلمونَ عليهم،
وقاتَلوهم مَأْجورين، حتى في ذلك الشهر الحرامِ.
قال تعالى: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) .
وقد خَتَمَ المجرمُ كلامَه على سريةِ عبدِ الله بن جحش المذكورةِ بسؤالٍ
وقحٍ فاجرٍ طَرَحَه، حيثُ قال: " ونحنُ نسألْ كيفَ حَلَّلَ اللهُ القِتال، مع أَنَّ
الوثنيّين كانوا يمنعونَه؟
كأَنَّ اللهَ أَشَدُّ عُنفاً من الوثنيّين؟ ".
أيوصَفُ اللهُ بهذه الصفة؟
وهل يتكلمُ مُؤمنٌ باللهِ عن اللهِ بهذا الكلام؟
ونؤكِّدُ ما قُلْناه قبلَ قليلٍ، من أَنَ اللهَ الذي حَرَّمَ على المسلمين بدءَ القتالِ في
الشهرِ الحرام، أَجازَ لهم الردَّ على عُدْوانِ المشركين عليهم وقتالهم.
ثم من الذي زَعَمَ أَنَّ عربَ الجاهليةِ الوثنيينَ كانوا مُلْتَزِمين بحرمةِ القتالِ
في الأَشهرِ الحُرُم؟
لقد كانوا يتوقَّفونَ عن القتالِ فميها إِذا كانَتْ لهم مصلحةٌ في
التوقُّف، فإِنْ كانَتْ لهم مصلحةٌ في القتالِ قاتلوا خُصومَهم في الشهرِ الحرام،
وتعامَلوا معه على أساسِ " النَّسيء ".
والنَّسيءُ بمعنى التَّاخير، وذلك بأَنْ يَنْقُلوا حرمةَ هذا الشهرِ الحَرامِ إِلى
شهرٍ آخَرَ بَدَلَه، ويُقاتِلوا أَعداءَهم فيه.
فقد تَكونُ لهم مصلحةٌ في القتالِ في شهر رجب الحرامِ مثلاً، فيقولُ شيخُ القبيلة: نَنقلُ هذه السنة حرمةَ رجب إِلى شعبان، فيكونُ رَجَب حَلالاً نُقاتلُ فيه، ويكونُ شَعبان حَراماً لا نُقاتِلُ فيه.
стр. 666
وقد ذَمَّهم اللهُ على هذا التلاعبِ في قولِه تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ) .
وبعدما اتهمَ الفادي المجرمُ الرسولَ ﷺ بالغَدْرِ بخصومِه المخالفينَ له في الرأي، وقَتْلِهم عن طريقِ الغَدْرِ والاغتيال - وهو كاذبٌ في ما قال - ذَكَرَ بعضَ الأَمثلةِ على ذلك، وهي:
١ - مقتَلُ عصماءَ بنتِ مروان.
٢ - مقتَلُ أَبي عَفك اليهودي.
٣ - مقتَلُ كعبِ بنِ الأَشرفِ اليهودي.
٤ - مقتلُ أَبي رافع بن عبد الله.
٥ - مقتَلُ سلامِ بنِ أَبي الحُقيْقِ اليهودي: والراجحُ أَنَّ سلاماً هذا هو أَبو
رافعٍ نفسُه.
٦ - مقتَلُ أُمِّ قِرفة.
٧ - مقتَلُ ابنِ شيبينَة اليهودي.
٨ - مقَتلُ يهودِ بني قريظة (١) .
وعَرَضَ هذه الأَمثلةَ بطريقته القائمةِ على الافتراءِ والكذب والتلاعبِ
بالأَحداث، مع أَنه جاهل لا يَعْرِفُ حقيقة ما حَدَث، ففي كلامهِ أًخطاءٌ علميةٌ وتاريخية، بالإِضافةِ إِلى سوءِ أَدَبه وقُبْح عبارتِه في كلامِه عن رسولِ الله ﷺ .
ولا نتوقَّفُ مع تفاصِيلِ مقتلِ هؤلاءِ، ولا أَسبابِ قَتْلِهم؛ لأَنه لا صلةَ
لذلك بموضوعِ الكتاب الذي خَصَّصَه الفادي لانتقادِ القرآنِ وبيانِ أَخطائِه،
والكلامُ على مقتلِ هؤلاء من مَباحثِ السيرةِ النبوية.
نُسجلُ فقط عبارتَه الفاجرةَ القبيحةَ، التي خَتَمَ بها كلامَه على تلك
стр. 667
الأَمثلةِ، لمعرفةِ وقَاحَتهِ وإِجرامِه.
قالَ فَضَّ اللهُ فاه: " وما أَكثرَ القتالَ وحوادثَ الغَدْرِ والقتلِ المروّعَة، التي جَرَتْ في التاريخِ الإِسلامي، أَسوةً بمؤسِّسي دينهم، ويَكْفينا أَنْ نَذْكرَ قولَ عليِّ بن أَبي طالب:
السَّيْفُ والخَنْجَرُ ريحانُنا ... أُفٍّ على النّرْجُسِ والآسِ
شَرابُنا دَمُ أَعْدائِنا ... كَأسُنا جُمْجُمَةُ الرَّاسِ
والفادي مجرمٌ كاذبٌ في ما قال، وعليُّ بنُ أَبي طالب لم يَقُلْ ذلك
الكلام، وسيرةُ الصليبيّينَ الإِجراميةُ هي المظهرُ العمليُّ لهذا الكلامِ الحاقد،
فَهم الذي سَفَكوا دماءَ المسلمين، وشربوها في جَماجم رُؤوسهم.
ويَكْفينا تَذَكُّرُ ما قالَه شاعرٌ مسلمٌ يَنتقدُ ما فعلَه الكفارُ الصليبِيون ضدّ المسلِمين:
مَلَكْنا فكانَ العَدْلُ مِنّا سَجِيَّةً ... فَلَمّا مَلَكْتُمْ سالَ بِالدَّم أَبْطَحُ
ويَكفيكُم هذا التَّفاوُتُ بَيْنَنا فَكلُّ إِناءٍ بِالذي فيه يَنْضَحُ
***
موقف الرسول ﷺ من ابن أم مكتوم
عبدُ الله بنُ أُمِّ مكتومٍ ﵁ رجلٌ من السابقينَ إِلى الإِسلام، وكانَ أَعْمى، ووقعَتْ له حادثةٌ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، وعاتَبَهُ اللهُ عليها في القرآن.
ووقفَ الفادي المفترِي أَمامَ الحادثة، وجعلَ هُجُومَهُ على النبيِّ ﷺ تحتَ عنوان: " يَحتقرُ الأَعْمى "!.
ذَكَرَ الآياتِ الأُولى من سورةِ عبس: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) .
ثم بَثَّ سُمومَه قائِلاً: " رُوي أَنَّ ابنَ أُمِّ مكتوم أَتى محمداً، وهو يَتكلمُ مع
عُظماءِ قريش، فقالَ له: أَقْرِئْني وعَلِّمْني مما عَلَّمَكَ اللهُ، فلم يلتفتْ محمدٌ إِليه،
стр. 668
وأَعرضَ عنه، وقالَ في نفسِه: يَقولُ هؤلاء الصَّناديدُ: إِنما اتَّبَعَه الصِّبيانُ والعَبيدُ والسَّفَلَةُ، فعبسَ وَجْهُهُ وأَشاحَ عنه، وأَقبلَ على القومِ الذين كانَ يُكَلّمُهم.
ونحنُ نسأل: كيفَ يُراعي محمدٌ أَصحابَ الجاهِ، ويَرفضُ الفقيرَ
والمسكين، ويُقَطِّبُ وَجْهَه للأَعمى؟
أَيْنَ هو من المسيح، الذي لما جاءَه الأَعمى أَحاطَه بعطفِه ورعايتِه وأَعادَ له البَصَر؟! ".
كَذَبَ المفترِي في عَرْضِه للحادثة، وذلك في زَعْمِه أَنَّ محمداً ﷺ لَمّا أَعرضَ عن ابنِ أُمِّ مكتومِ قالَ في نفسه: " يَقولُ هؤلاء الصَّناديدُ: إِنما اتَّبَعَه الصبيانُ والعبيدُ والسَّفَلةُ "!.
ولم يَذْكُرْ أَحَدٌ من العلماءِ المسلمين هذا، وإنما هو من وَضْعِ واختلاقِ الفادي المفْتَري..
إِنه يَزْعُمُ أَنَّ محمداً ﷺ قالَ هذا
القولَ في نفسه، ولم يُخبرْ بِه أَحَداً، فإِذا كانَ قالَه في نفسِه فكيفَ عرفَ
الفادي به؟
وكيفَ وَصلَ إِليه، وبينَه وبينَ الرسولِ ﷺ خمسةَ عشرَ قَرْناً؟
وهو لم يَنطقْ به؟
سبحانك ربي هذا بهتان عظيم.
وخلاصَةُ الحادثةِ: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان مجتمعاً مع مجموعةٍ من زُعماءِ قريش، يَعرضُ عليهم الإِسلامَ، ويَطمعُ في إِسلامِهم، وفي هذه اللحظةِ دَخَلَ عليه عبدُ الله بنُ أُمِّ مكتوم ﵁، وبما أَنه أَعمى، فإِنه لم يَرَ الحالةَ التي عليها رسولُ الله ﷺ مع القوم، وخاطَبَ الرسولَ ﷺ قائلاً: يا رسولَ الله، عَلّمْني مما عَلَّمَكَ الله! فكَرِهَ الرسولُ ﷺ قُدومَه وطَلَبَه، ولكنه لم يُكَلِّمْهُ ولم يَنْهَرْهُ ولم يَحْتَقِرْه، وعبسَ في وجهِه كارِهاً ذلك..
وفهمَ ابنُ أُمِّ مكتومٍ أَنه قَدِمَ في وقتٍ غير مناسب، فخرجَ من المكان، وتابَعَ الرسولُ ﷺ كلامه مع القومِ الذينَ لم يُسْلِموا.
وأَنزلَ اللهُ مطلعَ سورةِ عَبَس، يُعاتِبُ فيها رسولَهُ ﷺ ، على عُبوسِه في وَجْهِ الأَعمى، ويُرشدُه إِلى أَنه كان الأَولى به أَنْ يُقبلَ عليه ويُعَلِّمَه..
ولم يَحتقرْ رسولُ اللهِ ﷺ ابنَ أُمِّ مكتومٍ الأعمى كما ادَّعى الفادي المجرمُ، ولم يُخطئْ في حَقِّه، فهو لم يَزِدْ على أَنْ عَبَسَ في وجهه، والرجلُ أَعمى لم يُشاهِدْ عُبوسَه، وفَهِمَ الحقيقةَ، وخَرَجَ غيرَ غاضبٍ ولا حزين.
стр. 669
ولكنَّ اللهَ عاتَبَ رسولَه ﷺ بشأنِه، وخَلَّدَ هذا العتابَ في القرآن، من بابِ توجيهِ رسولِ اللهِ ﷺ لما هو أَوْلى، فهو لم يُخْطئْ مع ابنِ أُمِّ مَكْتوم، ولم يَنْهَرْهُ ولم يَشْتُمْه، وكان مَشغولاً بأَمْرٍ هامٍّ لمصلحةِ الإِسلام، وكان طامِعاً في إِسلامِ المجموعةِ ليُنقذَهم من النار، ولو كانَ أَحَدُنا مكانَه لفعلَ مثْلَ فِعْلِه، وما كان مخطئاً..
ولكنَّ اللهَ يريد لرسولِه ﷺ الأَكملَ والأَفضلَ والأَوْلى، ولذلك عاتَبَه هذا العتابَ، مُرْشداً له إِلى ما هو أَوْلى.
وكانَ الرسولُ ﷺ يُكرمُ عبدَ اللهِ بنَ أُمِّ مكتومٍ ﵁، ويُرحبُ به كلَّما لَقِيَه، ويُداعبُه قائِلاً: " أَهْلاً بمنْ عاتَبَني فيه رَبّي! " وعندما كان يَخرجُ من المدينةِ لسفر أو غَزْوٍ، كان يُعَيِّنُ هذا الصحابيَّ والياً مكانَه على المدينة، وأميراً عليها، وتحتَ إِمرتِه كِبارُ الصحابة!.
وبهذا نعرفُ أَنَ كَلامَ الفادي المجرمِ قبيحٌ مرْذُولٌ مثلُ صاحبه، وهو
مردودٌ عليه، فليس في الأَمْرِ احتِقَارٌ لابنِ أُمَ مكتوم، وليس فيه مراعاةٌ
لأَصحابِ الجاهِ والمال من الكفار، وليسَ فيه تَخَلٍّ عن الفقراءِ والمساكين من
المسلمين..
ورسولُنا محمدٌ ﷺ لم يُخالفْ طريقَ أَخيه عيسى ابنِ مريم ﵊ في التواضعِ والاهتمامِ بالضعفاءِ والمساكين، وكان خَيْرَ مُنَفِّذٍ لقولِ الله : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) .
***
لم يطرد الرسول ﷺ الفقراء والعبيد
اتَّهَمَ الفادي المجرمُ رسولَ اللهِ ﷺ بأَنه طَرَدَ الفقراءَ من أَتْباعِهِ من أَجْلِ كسبِ رضا الأَغنياءِ من الكفار!.
ذَكرَ تحتَ عنوان: " يَطْرُدُ الفقراء " قولَ الله : (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) .
стр. 670
وعَلَّقَ على الآيةِ قائلاً: " جاءَ الأَقرعُ بنُ حابس التميمي وعيينةُ بنُ
حصن الفَزارِي، فوجَدوا محمداً قاعداً مع صُهيبٍ وبِلال وعمارٍ وخَبّاب،
في نَفَرٍ من ضعفاءِ المسلمين، فلما رأوهم حولَه حَقَّروهم، فقالوا لمحمد:
لو جلستَ في صَدْرِ المجلس، ونَفيتَ عَنّا هؤلاء وأَرواحَ جِبابِهم - وكانتْ
عليهم جِبابُ صوف، لها رائحةٌ كريهة - وأَخَذْنا عنك، ونحبُّ أَنْ تجعلَ لنا
منك مجلساً، تعرفُ به العربُ فَضْلَنا، فإِنَّ وُفودَ العرب تأتيكَ، فنستحيي
أَنْ تَرانا مع هؤلاءِ العبيد، فإِذا نَحْنُ جئْناكَ فأَقمهم عَنَّا، وإِذا نحنُ فَرَغْنا
فأَقْعِدْهم حيثُ شئتَ.
فقالَ لهم: نَعَم أَفعل.
قالوا: فاكتبْ لنا عليكَ بذلكَ كتاباً.
فأَتى بالصحيفة، ودَعا عَلِيّاً ليكتبَ..
ولما راجَعَ نفسه، ورأى أَنها أُحبولة، قالَ: إِنَّ جبريلَ نهاه.
وقالَ ابنُ عباس: إنّ ناساً من الفقراءِ كانوا مع النبيِّ، فقال ناسٌ من
أَشرافِ الناس: نؤمنُ بك، وإِذا صَلّيْنا فأَخِّرْ هؤلاء الناسَ الذين معك،
فلْيُصَلّوا خَلْفَنا، فكادَ أَنْ يُجيبَ الطلب، ولما رأَى ما فيه من الظلمِ قال:
إِنَّ اللهَ نَهاهُ عن ذلك ".
الروايةُ التي نقلَها الفادي عن بعضِ الكتبِ الإِسلاميةِ غيرُ صحيحة؛ لأَنَّ
الآية (٥٢) هي من سورة الأَنعام، وسورةُ الأَنعام مكية، وكان نزولُها قبلَ
الهجرةِ بحوالي خمس سنوات، وكان إِسلامُ الأقرعِ بنِ حابس وعيينةَ بن حصن
في عامِ الوفود، في السنةِ التاسعةِ للهجرة.
أَيْ أَنَّ نُزولَ الآيةِ كان قبلَ وُقوعِ الحادثة بحوالي أَربعَ عشرة سنة، فكيف تَنزلُ الآيةُ قبلَ وقوعِ السببِ بهذه السنواتِ الطويلة؟!.