وقد ذَمَّهم اللهُ على هذا التلاعبِ في قولِه تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ) .
وبعدما اتهمَ الفادي المجرمُ الرسولَ ﷺ بالغَدْرِ بخصومِه المخالفينَ له في الرأي، وقَتْلِهم عن طريقِ الغَدْرِ والاغتيال - وهو كاذبٌ في ما قال - ذَكَرَ بعضَ الأَمثلةِ على ذلك، وهي:
١ - مقتَلُ عصماءَ بنتِ مروان.
٢ - مقتَلُ أَبي عَفك اليهودي.
٣ - مقتَلُ كعبِ بنِ الأَشرفِ اليهودي.
٤ - مقتلُ أَبي رافع بن عبد الله.
٥ - مقتَلُ سلامِ بنِ أَبي الحُقيْقِ اليهودي: والراجحُ أَنَّ سلاماً هذا هو أَبو
رافعٍ نفسُه.
٦ - مقتَلُ أُمِّ قِرفة.
٧ - مقتَلُ ابنِ شيبينَة اليهودي.
٨ - مقَتلُ يهودِ بني قريظة (١) .
وعَرَضَ هذه الأَمثلةَ بطريقته القائمةِ على الافتراءِ والكذب والتلاعبِ
بالأَحداث، مع أَنه جاهل لا يَعْرِفُ حقيقة ما حَدَث، ففي كلامهِ أًخطاءٌ علميةٌ وتاريخية، بالإِضافةِ إِلى سوءِ أَدَبه وقُبْح عبارتِه في كلامِه عن رسولِ الله ﷺ .
ولا نتوقَّفُ مع تفاصِيلِ مقتلِ هؤلاءِ، ولا أَسبابِ قَتْلِهم؛ لأَنه لا صلةَ
لذلك بموضوعِ الكتاب الذي خَصَّصَه الفادي لانتقادِ القرآنِ وبيانِ أَخطائِه،
والكلامُ على مقتلِ هؤلاء من مَباحثِ السيرةِ النبوية.
نُسجلُ فقط عبارتَه الفاجرةَ القبيحةَ، التي خَتَمَ بها كلامَه على تلك
стр. 667
الأَمثلةِ، لمعرفةِ وقَاحَتهِ وإِجرامِه.
قالَ فَضَّ اللهُ فاه: " وما أَكثرَ القتالَ وحوادثَ الغَدْرِ والقتلِ المروّعَة، التي جَرَتْ في التاريخِ الإِسلامي، أَسوةً بمؤسِّسي دينهم، ويَكْفينا أَنْ نَذْكرَ قولَ عليِّ بن أَبي طالب:
السَّيْفُ والخَنْجَرُ ريحانُنا ... أُفٍّ على النّرْجُسِ والآسِ
شَرابُنا دَمُ أَعْدائِنا ... كَأسُنا جُمْجُمَةُ الرَّاسِ
والفادي مجرمٌ كاذبٌ في ما قال، وعليُّ بنُ أَبي طالب لم يَقُلْ ذلك
الكلام، وسيرةُ الصليبيّينَ الإِجراميةُ هي المظهرُ العمليُّ لهذا الكلامِ الحاقد،
فَهم الذي سَفَكوا دماءَ المسلمين، وشربوها في جَماجم رُؤوسهم.
ويَكْفينا تَذَكُّرُ ما قالَه شاعرٌ مسلمٌ يَنتقدُ ما فعلَه الكفارُ الصليبِيون ضدّ المسلِمين:
مَلَكْنا فكانَ العَدْلُ مِنّا سَجِيَّةً ... فَلَمّا مَلَكْتُمْ سالَ بِالدَّم أَبْطَحُ
ويَكفيكُم هذا التَّفاوُتُ بَيْنَنا فَكلُّ إِناءٍ بِالذي فيه يَنْضَحُ
***
موقف الرسول ﷺ من ابن أم مكتوم
عبدُ الله بنُ أُمِّ مكتومٍ ﵁ رجلٌ من السابقينَ إِلى الإِسلام، وكانَ أَعْمى، ووقعَتْ له حادثةٌ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، وعاتَبَهُ اللهُ عليها في القرآن.
ووقفَ الفادي المفترِي أَمامَ الحادثة، وجعلَ هُجُومَهُ على النبيِّ ﷺ تحتَ عنوان: " يَحتقرُ الأَعْمى "!.
ذَكَرَ الآياتِ الأُولى من سورةِ عبس: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) .
ثم بَثَّ سُمومَه قائِلاً: " رُوي أَنَّ ابنَ أُمِّ مكتوم أَتى محمداً، وهو يَتكلمُ مع
عُظماءِ قريش، فقالَ له: أَقْرِئْني وعَلِّمْني مما عَلَّمَكَ اللهُ، فلم يلتفتْ محمدٌ إِليه،
стр. 668
وأَعرضَ عنه، وقالَ في نفسِه: يَقولُ هؤلاء الصَّناديدُ: إِنما اتَّبَعَه الصِّبيانُ والعَبيدُ والسَّفَلَةُ، فعبسَ وَجْهُهُ وأَشاحَ عنه، وأَقبلَ على القومِ الذين كانَ يُكَلّمُهم.
ونحنُ نسأل: كيفَ يُراعي محمدٌ أَصحابَ الجاهِ، ويَرفضُ الفقيرَ
والمسكين، ويُقَطِّبُ وَجْهَه للأَعمى؟
أَيْنَ هو من المسيح، الذي لما جاءَه الأَعمى أَحاطَه بعطفِه ورعايتِه وأَعادَ له البَصَر؟! ".
كَذَبَ المفترِي في عَرْضِه للحادثة، وذلك في زَعْمِه أَنَّ محمداً ﷺ لَمّا أَعرضَ عن ابنِ أُمِّ مكتومِ قالَ في نفسه: " يَقولُ هؤلاء الصَّناديدُ: إِنما اتَّبَعَه الصبيانُ والعبيدُ والسَّفَلةُ "!.
ولم يَذْكُرْ أَحَدٌ من العلماءِ المسلمين هذا، وإنما هو من وَضْعِ واختلاقِ الفادي المفْتَري..
إِنه يَزْعُمُ أَنَّ محمداً ﷺ قالَ هذا
القولَ في نفسه، ولم يُخبرْ بِه أَحَداً، فإِذا كانَ قالَه في نفسِه فكيفَ عرفَ
الفادي به؟
وكيفَ وَصلَ إِليه، وبينَه وبينَ الرسولِ ﷺ خمسةَ عشرَ قَرْناً؟
وهو لم يَنطقْ به؟
سبحانك ربي هذا بهتان عظيم.
وخلاصَةُ الحادثةِ: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان مجتمعاً مع مجموعةٍ من زُعماءِ قريش، يَعرضُ عليهم الإِسلامَ، ويَطمعُ في إِسلامِهم، وفي هذه اللحظةِ دَخَلَ عليه عبدُ الله بنُ أُمِّ مكتوم ﵁، وبما أَنه أَعمى، فإِنه لم يَرَ الحالةَ التي عليها رسولُ الله ﷺ مع القوم، وخاطَبَ الرسولَ ﷺ قائلاً: يا رسولَ الله، عَلّمْني مما عَلَّمَكَ الله! فكَرِهَ الرسولُ ﷺ قُدومَه وطَلَبَه، ولكنه لم يُكَلِّمْهُ ولم يَنْهَرْهُ ولم يَحْتَقِرْه، وعبسَ في وجهِه كارِهاً ذلك..
وفهمَ ابنُ أُمِّ مكتومٍ أَنه قَدِمَ في وقتٍ غير مناسب، فخرجَ من المكان، وتابَعَ الرسولُ ﷺ كلامه مع القومِ الذينَ لم يُسْلِموا.
وأَنزلَ اللهُ مطلعَ سورةِ عَبَس، يُعاتِبُ فيها رسولَهُ ﷺ ، على عُبوسِه في وَجْهِ الأَعمى، ويُرشدُه إِلى أَنه كان الأَولى به أَنْ يُقبلَ عليه ويُعَلِّمَه..
ولم يَحتقرْ رسولُ اللهِ ﷺ ابنَ أُمِّ مكتومٍ الأعمى كما ادَّعى الفادي المجرمُ، ولم يُخطئْ في حَقِّه، فهو لم يَزِدْ على أَنْ عَبَسَ في وجهه، والرجلُ أَعمى لم يُشاهِدْ عُبوسَه، وفَهِمَ الحقيقةَ، وخَرَجَ غيرَ غاضبٍ ولا حزين.
стр. 669
ولكنَّ اللهَ عاتَبَ رسولَه ﷺ بشأنِه، وخَلَّدَ هذا العتابَ في القرآن، من بابِ توجيهِ رسولِ اللهِ ﷺ لما هو أَوْلى، فهو لم يُخْطئْ مع ابنِ أُمِّ مَكْتوم، ولم يَنْهَرْهُ ولم يَشْتُمْه، وكان مَشغولاً بأَمْرٍ هامٍّ لمصلحةِ الإِسلام، وكان طامِعاً في إِسلامِ المجموعةِ ليُنقذَهم من النار، ولو كانَ أَحَدُنا مكانَه لفعلَ مثْلَ فِعْلِه، وما كان مخطئاً..
ولكنَّ اللهَ يريد لرسولِه ﷺ الأَكملَ والأَفضلَ والأَوْلى، ولذلك عاتَبَه هذا العتابَ، مُرْشداً له إِلى ما هو أَوْلى.
وكانَ الرسولُ ﷺ يُكرمُ عبدَ اللهِ بنَ أُمِّ مكتومٍ ﵁، ويُرحبُ به كلَّما لَقِيَه، ويُداعبُه قائِلاً: " أَهْلاً بمنْ عاتَبَني فيه رَبّي! " وعندما كان يَخرجُ من المدينةِ لسفر أو غَزْوٍ، كان يُعَيِّنُ هذا الصحابيَّ والياً مكانَه على المدينة، وأميراً عليها، وتحتَ إِمرتِه كِبارُ الصحابة!.
وبهذا نعرفُ أَنَ كَلامَ الفادي المجرمِ قبيحٌ مرْذُولٌ مثلُ صاحبه، وهو
مردودٌ عليه، فليس في الأَمْرِ احتِقَارٌ لابنِ أُمَ مكتوم، وليس فيه مراعاةٌ
لأَصحابِ الجاهِ والمال من الكفار، وليسَ فيه تَخَلٍّ عن الفقراءِ والمساكين من
المسلمين..
ورسولُنا محمدٌ ﷺ لم يُخالفْ طريقَ أَخيه عيسى ابنِ مريم ﵊ في التواضعِ والاهتمامِ بالضعفاءِ والمساكين، وكان خَيْرَ مُنَفِّذٍ لقولِ الله : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) .
***
لم يطرد الرسول ﷺ الفقراء والعبيد
اتَّهَمَ الفادي المجرمُ رسولَ اللهِ ﷺ بأَنه طَرَدَ الفقراءَ من أَتْباعِهِ من أَجْلِ كسبِ رضا الأَغنياءِ من الكفار!.
ذَكرَ تحتَ عنوان: " يَطْرُدُ الفقراء " قولَ الله : (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) .
стр. 670
وعَلَّقَ على الآيةِ قائلاً: " جاءَ الأَقرعُ بنُ حابس التميمي وعيينةُ بنُ
حصن الفَزارِي، فوجَدوا محمداً قاعداً مع صُهيبٍ وبِلال وعمارٍ وخَبّاب،
في نَفَرٍ من ضعفاءِ المسلمين، فلما رأوهم حولَه حَقَّروهم، فقالوا لمحمد:
لو جلستَ في صَدْرِ المجلس، ونَفيتَ عَنّا هؤلاء وأَرواحَ جِبابِهم - وكانتْ
عليهم جِبابُ صوف، لها رائحةٌ كريهة - وأَخَذْنا عنك، ونحبُّ أَنْ تجعلَ لنا
منك مجلساً، تعرفُ به العربُ فَضْلَنا، فإِنَّ وُفودَ العرب تأتيكَ، فنستحيي
أَنْ تَرانا مع هؤلاءِ العبيد، فإِذا نَحْنُ جئْناكَ فأَقمهم عَنَّا، وإِذا نحنُ فَرَغْنا
فأَقْعِدْهم حيثُ شئتَ.
فقالَ لهم: نَعَم أَفعل.
قالوا: فاكتبْ لنا عليكَ بذلكَ كتاباً.
فأَتى بالصحيفة، ودَعا عَلِيّاً ليكتبَ..
ولما راجَعَ نفسه، ورأى أَنها أُحبولة، قالَ: إِنَّ جبريلَ نهاه.
وقالَ ابنُ عباس: إنّ ناساً من الفقراءِ كانوا مع النبيِّ، فقال ناسٌ من
أَشرافِ الناس: نؤمنُ بك، وإِذا صَلّيْنا فأَخِّرْ هؤلاء الناسَ الذين معك،
فلْيُصَلّوا خَلْفَنا، فكادَ أَنْ يُجيبَ الطلب، ولما رأَى ما فيه من الظلمِ قال:
إِنَّ اللهَ نَهاهُ عن ذلك ".
الروايةُ التي نقلَها الفادي عن بعضِ الكتبِ الإِسلاميةِ غيرُ صحيحة؛ لأَنَّ
الآية (٥٢) هي من سورة الأَنعام، وسورةُ الأَنعام مكية، وكان نزولُها قبلَ
الهجرةِ بحوالي خمس سنوات، وكان إِسلامُ الأقرعِ بنِ حابس وعيينةَ بن حصن
في عامِ الوفود، في السنةِ التاسعةِ للهجرة.
أَيْ أَنَّ نُزولَ الآيةِ كان قبلَ وُقوعِ الحادثة بحوالي أَربعَ عشرة سنة، فكيف تَنزلُ الآيةُ قبلَ وقوعِ السببِ بهذه السنواتِ الطويلة؟!.
стр. 671
إِنَّ الفادي جاهلٌ غَبيٌّ، لا يَعرِفُ معنى سببِ النزول، ولذلك وَقَعَ في
هذا الخطأ!
إِنَّ التعريفَ المعتمدَ لسببِ النزولِ هو: ما نَزَلَتِ الآيةُ تُبَيِّنُ حُكْمَه
عندَ نزولِها.
أَما آيةُ سورةِ الأَنعام المذكورةُ فإِنها نزلَتْ لتثبيتِ رسولِ الله ﷺ على الحقّ، وللرّدّ على طلبِ المشركينَ الغريب.
وخَيْرُ مَنْ يُخبرُ عن سببِ نزولِها أَحَدُ الذين أُنزلَتْ فيهم، وهو سَعْدُ بنُ أَبي وقاص ﵁.
روى مسلمٌ عن سعدِ بن أَبي وقاص ﵁، قال: كُنّا معَ النبيِّ ﷺ ستة نفر.
فقالَ المشركون للنبيِّ ﷺ : اطردْ هؤلاء، لا يَجْتَرِئونَ علينا! قَال: وكنتُ أنا وابنُ مسعود، ورجلٌ من هُذَيْل، وبلالٌ، ورَجُلانِ لستُ أُسَمّيهما، فوقَعَ في نفسِ رسولِ اللهِ ﷺ ما شاءَ اللهُ أَنْ يَقَع، فأنزلَ اللهُ قولَه تعالى: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) .
تدلُّ الروايةُ على أَنَّ المشركينَ أَرادوا إبعادَ الفقراءِ والعبيدِ عن مجلسِ
رسولِ اللهِ ﷺ ، وطلبوا ذلك منه، لكنَّ الرسولَ ﷺ لم يَستجبْ لهم، ولم يَطردْ هؤلاءِ الفقراء، كما ادَّعى الفادي الكاذبُ المفترِي..
وإِنزالُ الآية المذكورةِ عليه، وأَمْرُهُ أَنْ يَبقى مع هؤلاء الفقراء، لا يدلُّ على أَنه طَرَدَهم، أَو اتفقَ مع المشركين على طردهم، أَو فَكَّرَ في طَرْدِهم، والآيةُ توجيهٌ وتذكيرٌ للرسول ﷺ .
وتلتقي عدةُ آياتٍ على تَقريرِ وتأكيدِ وترسيخِ هذه الحقيقة، منها قوله تعالى:
(وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ..) .
وقوله تعالى (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ..) .
وقوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) .
стр. 672
استعاذة الرسول ﷺ من الشيطان
جَعَلَ الفادي المجرمُ علاقةً للشيطان بالقرآن، وسَجَّلَ تحتَ عنوان:
" علاقةُ الشيطانِ بالوحي " قول الله عبن: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) .
ونَقَلَ خلاصةَ تفسير البيضاويِّ للآيات، الذي بَيَّنَ فيه مَعْنى النَّزغ.
ومِن جَهْلِ المجرمِ وغَبائِه أَنه لا يُحسنُ النقلَ عن البيضاويّ، فالنَّزْغُ في تفسيرِ
البيضاوي هو الغَرْزُ، بِالغَيْن، لكنَّ هذه الغينَ عند الجاهلِ صارَتْ فاءً، وصارَ الغَرْزُ فَرْزاً، وبذلك تَغَيَّرَ المعنى.
والنَّزْغُ هو الوسوسة، وكأَنَّ وسوسةَ الشيطانِ التي يُغْري الناسَ بها على
المعاصي غَرْزٌ وسَوْقٌ، كالرجلِ يَسوقُ دابّتَه ويَغْرِزُ عصاهُ فيها لتَسير.
ومِن جهْلِ الفادي المجرمِ وغبائِه ولؤمِه أَنه وَظَّفَ الآيةَ لإِدانةِ
رسولِ الله ﷺ ، وأَنَّ الشيطانَ يَنزغُه ويَنخسُه، ويَغرزُ فيه مغارِزَه، ويَسوقُهُ أَمامَه، وهو مستسلمٌ لنزغ وغَرزِ وسَوْقِ الشيطان!!.
قال فَضَّ اللهُ فاه: " ونحنُ نسأل: إِذا كانَ إِبليسُ يَسوقُ محمداً وينخَسُه،
فكيفَ يكونُ نبياً؟!
ما أَعظمَ الفرقَ بينَه وبين المسيح، الذي لما جاءَه إبليسُ - على قولهم - ينخسُه، فَنَخَسَ في الحجاب، والذي قالَ عن نفسه: رئيسُ هذا
العالِم يأتي، وليسَ له فيَّ شيءٌ ".
стр. 673
إِنَّ النزغَ هو الدخولُ للإفساد.
يقال: نَزَغَ بينهم.
أَي: دَخَلَ بينَهم ليُفْسِدَ صِلاتهم وعلاقاتِهم.
والشيطانُ حريصٌ على أَنْ يَنزغَ ويُفسدَ العلاقاتِ بين الناس، قال تعالى:
(وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ) .
وقد صوَّرَ الفادي الملعونُ الشيطانَ مسيطراً على رسولِ الله ﷺ ، ينزغُهُ ويَدفعُه أَمامَه، وهو مستسلمٌ له، وهذا معناهُ أَنَّه ليسَ نبيَّاً! وأَنَّ ما عندَه من القرآنِ ليسَ من عندِ الله، وإنما من وحْي الشيطان ونزغاتِه ووساوسِه!!.
ومن المعلومِ بَدَاهَةً أَنه لا سُلطانَ للشيطانِ على رسولِ اللهِ ﷺ ، ولا غيرِه من الأنبياء، فاللهُ عَصَمَهم وحَفِظَهم، وحَماهُم من الشيطانِ ونزغاتِه ووساوسِه.
الخطابُ في قولِه تعالى: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ)
للرسولِ ﷺ في ظاهره، ولكنَّه ليس المقصودَ منه، لأَنَّ اللهَ حماهُ منه، وإنما المقصودُ كلُّ مسلمٍ من بعدهِ، يُعَلِّمُه الله كيفيةَ التخلصِ من وساوسِ الشيطانِ ونزغاتِه، وذلك بأَنْ يستعيذَ باللهِ ويلجأَ إِليهِ.
وكثيراً ما كانَ اللهُ في القرآنِ يُخاطبُ المسلمين من خلالِ خطاب الرسولِ ﷺ ، فكان يقول: (يا ايُّهَا النَّبيُّ)
والمقصودُ بذلك أُمَّتُه، يوجِّهُهم أَو يأمُرُهم أَو يَنهاهم.
ومن خصوصياتِ رسولِ اللهِ ﷺ التي خَصَّهُ اللهُ بها، أَنَّ اللهَ جعلَ شيطانَه يُسلم.
فقد روى البخاريُّ عن عائشةَ ﵂: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: " كُلُّ إِنسانٍ وَكَّلَ اللهُ به شيطاناً.
قالت: حَتى أَنتَ يا رسولَ الله؟
قال: حتى أنا، ولكنَّ اللهَ أَعانَني عليه فأَسلمَ فلا يأمُرُني إِلّا بخير "!.
شيطانُ الرسول ﷺ أسلم، وبذلك صارَ لا يأمره إِلّا بخَيْر، وذهبَتْ نَزغاتهُ ووساوسُه الشريرة.
وهذا كخصوصية عِيسى ابنِ مريم ﵇ حيثُ حَماهُ الله من الشيطانِ عند ولادتِه، قالَ رسولُ الله ﷺ : "كُلُّ مولودٍ يولَدُ ينخَسُه الشيطانُ حينَ ولادتِه،
стр. 674
لذلك يستهلُّ صارِخاً، إِلّا عيسى ابن مريم، فإِنه حينَ ذَهَبَ ينخَسُه نَخَسَ في
الحِجاب ".
أي: لَمَّا نَخَسَه لم يُصِبْ بَدَنَه، وإِنما وَقَعت النخسَةُ في ملابِسه..
وقد استجابَ اللهُ دُعاءَ أُمِّ مريم ﵍، عندما عَوَّذَتْها بالله.
قال تعالى: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) .
ولا علاقةَ للشيطانِ بالقرآن، وقد كانَ القرآنُ صريحاً في نفي هذه العلاقةِ
في آياتٍ كثيرة، منها قولُه تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) .
وقوله تعالى: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) .
***
هل الرسول ﷺ مذنب ؟
عِنوانُ الفادي الخبيثِ هو: " وِزْرٌ ينْقضُ الظَّهرَ ".
أَيْ أَنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ له من الأَوزارِ والذنوبِ ما أَتْعَبَه وأَنقضَ ظَهْرَه.
وَقَفَ أَمامَ قولِ اللهِ : (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) .
ونَقَلَ عن تفسيرِ البيضاويِّ كلاماً غيرَ دَقيقٍ وغيرَ مُسَلَّمٍ في تفسيرِ الآية، وخَرَجَ منه بأَنَّ للرسولِ وزراً وذَنْباً ومعصية، وَضَعَه عنه الله.
وهذا كلامٌ باطل، فالرسول ﷺ معصومٌ عن الذنوبِ والمعاصي.
والوِزْرُ في الآيةِ ليس هو الذنْبَ، وإِنما هو حملُ مهمةِ الدعوةِ وواجبِ الرسالة، والاهتمامُ بالناسِ ودعوتِهم وإِرشادِهم، وهذه مهمةٌ ثقيلةٌ شاقَّة، وقد أَعانَ اللهُ رسولَه ﷺ على حَمْلِها، وخَفَّفَ عليه أَداءَها، ولولا فَضْلُ اللهِ عليه لما تمكَّنَ من ذلك.
فالوزْرُ هنا حِمْلٌ معنويّ نفسي، وليس حِمْلاً ماديّاً على الظهر، وهو
وِزْرٌ إِيجابيٌّ فيه تبليغٌ للدعوة، وليس وِزْراً سَلْبِيّاً فيه ذنبٌ ومخالفةٌ ومعصية (١) .
стр. 675
ووقفَ أَمامَ قولِ الله (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) (١) ، وقول الله : (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) .
وقول الله (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥) .
وقد أَخَذَ الفادي المجرمُ هذه الآيات ِ على ظاهِرِها، وجَعَلَها إِدانةً
للنبيِّ ﷺ ، وشاهِدَةً على أَنه يُذنبُ ويُخطئُ ويَعصي.
وقالَ مُعَلّقاً عليها: " ونحنُ نسأَلُ: هل يَصِحُّ الادِّعاءُ أَنه شَفيعٌ وهو نفسُه
مُذْنِب؟! " (١)(٢) .
من المتفقِ عليه عند المسلمين أَنَّ اللهَ عَصَمَ رُسُلَه وأَنبياءَه من الوقوعِ في
الذنوبِ والمعاصي، ولم يَجعلْ سُلْطاناً للشيطانِ على أَحَدٍ منهم، فلم يَصْدُرْ
من أَحَدٍ منهم معصيةٌ أَو ذَنْب.
وعلى أَساسِ هذه الحقيقةِ نفهمُ الآياتِ السابقة، التي يَدْعو اللهُ فيها رسولَه ﷺ إِلى الاستغفارِ لذنبه.
ذَنْبُ الرسولِ ﵇ ليس ذَنْباً حقيقياً، قائماً على فعلِ المعصية، وإِنما هو ذنبٌ معنوي يَقومُ على نوعٍ من تَرْكِ الأَوْلى، والسهوِ والغفلةِ والنسيان، الذي لا يُؤَدّي إِلى تَرْكِ واجبٍ أَو فعْلِ مُحَرَّم.
قد يفعلُ الرسولُ ﷺ خِلافَ الأَوْلى، فيعاتبُه الله، وقد يَمُرُّ بحالةٍ من السهوِ اليسير أو الغفلةِ البسيطة، فيتداركُه الله، وهذا نوعٌ من التقصير، يَستدعي أَنْ يستغفرَ اللهَ منه، ليبقى ﷺ في كاملِ تَأَلُّقِهِ وارتقائِه.
وقديماً قيل: حَسناتُ الأَبرارِ سيئاتُ المقرَّبين.
إِنَ استغفارَ الرسولِ ﷺ وتوبتَه نوعٌ من أَنواعِ ذكْرِه لله، وعلى هذا قوله ﷺ : "إِنّه ليُغانُ على قلبي فأَتوبُ إِلى الله وأستغفرُه في اليومِ مئة مَرَّة ".
استغفارُه للهِ صورةٌ من صُوَرِ ذِكْرِه وشُكْرِه له.
стр. 676
وهذا معناهُ وجوبُ التفريقِ بين استغفارِنا واستغفارِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فاستغفارُنا بسببِ ذنوبِنا ومعاصينا الكثيرةِ المستمرة، وكلُّنا رجاءٌ في الله أَنْ يَغفَرها لنا..
أَمَّا استغفارُ رسولِنا ﷺ فإِنه ذِكْرٌ منه لله، وقُرْبى يَتقربُ به إِليه.
وقد خَصَّ اللهُ حبيبَه محمداً ﷺ بمقامِ الشفاعةِ المحمود، حيثُ يَأذَنُ له أَنْ يَشفعَ للناسِ يومَ القيامةِ الشفاعةَ العامَّةَ بفتح بابِ الحساب لهم، ثم يَأْذَنُ له أَنْ يَشفعَ لأَمَّتِه شفاعةً خاصةً بأَنْ يُدخِلَهم الجَنَّة، وشفاعتُه ﷺ ثابتةٌ في الأَحاديثِ الصحيحةِ المتفقِ عليها، وكُلُّ مسلمٍ يَطمعُ في أَنْ يَسعدَ بتلكَ الشفاعة.
أَمّا الفادي الكافرُ المجرمُ فإِنه محرومٌ من الشفاعة، ولذلك يُنكرُها،
ويشتمُ النبيَّ ﷺ ْ
***
حول موقف عبد الله بن سعد بن أبي السرح
اتَّهمَ الفادي المجرمُ رسولَ اللهِ ﷺ بأَنَّه أَخَذَ القرآنَ من الناسِ من حولِه، حيث كانَ يُسجلُ أَقوالَهم، ومنهم كاتبُ الوحي عبدُ الله بنُ أَبي السَّرْح.
ذكَرَ تحتَ عنوان: " يُدَوِّنُ أَقوالَ كَتَبَتِه " قولَ اللهِ : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) .
ونقَل عن تفسيرِ البيضاويِّ أَنَّ الآيةَ نازلةٌ في عبدِ اللهِ بن سعدِ بنِ أَبي
السَّرْح، وأنه كان يكتبُ الوحْيَ لرسولِ الله ﷺ .
وأوردَ روايةً عن تفسيرِ البيضاويِّ أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ سعدِ بنِ أَبي السَّرْح كان
يكتبُ الوحْيَ لرسولِ الله ﷺ وأَنه استَدْعاهُ ليكتبَ الآياتِ الأُولى من سورةِ المؤمنون، وكانَ يُملي عليه ويَكتب، فأَملى عليه
стр. 677
قولَه تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) .
فقال ابنُ أَبي السَّرْحِ مُتَعَجِّباً من تفاصيلِ خَلْقِ الإِنسان: " تبارك الله
أحسن الخالقين ".
فقال له رسول الله ﷺ : اكْتُبْهَا فهكذا أُنزلَتْ.
فشكَّ عبدُ الله بنُ أَبي السَّرْح، وقال: لئن كان محمدٌ صادقاً لقد أُوحيَ إِليَّ كما أُوحيَ إِليه، ولئن كانَ كاذباً لقد قُلْتُ كما قال.
ونقلَ الفادي أَنَّ عبدَ اللهِ بن سعدٍ كان يقول بعدما ارتَدَّ: كنتُ أَصْرِفُ
محمداً حيثُ أُريد.
كان يُملي عَلَيَّ: " عَلِيّ حكيم " فَأَكتبُ " عَزيز حكيم ".
فيقول لي: اكتبْ كيفَ شِئْتَ، فكلّ سواء.
قال الفادي المجرم: ولما فَضحَ هذا الكاتِبُ محمداً، أوردَ في القرآنِ قولَه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ) ؟.
صحيح أَنَّ عبدَ اللهَ بنَ أَبي السَّرْح ارتَدَّ عن الإِسلام، ولجأَ إِلى قريشِ
في مكة، لكنَّ الحادثةَ التي أَوردَها الفادي غيرُ صحيحة، وإِنما هي باطلَة
مردودة، فلم يَقُلْ: (تبارك الله أحسن الخالقين) .
ولمَ يأمُرْه الرسول ﷺ بكتابتِها بعدَ أَنْ نَطَق بها.
ولقد كانَ الفادي الغبيُّ جاهِلاً عندما اعتمدَ على روايةٍ باطلةٍ مَرْدودةٍ،
وبَنى عليها عنوانَه: " يُدَوِّنُ أَقوال كَتَبَتِه".
ولم يَنزل قولُه تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ) بشأن عبدِ اللهِ بنِ سعد، لأَنه لم يَدَّعِ النبوةَ ولا الإِتيانَ بمثْلِ القرآن، وكلُّ ما فعَلَ أَنه فُتِنَ فارتَدَّ عن الإِسلام، وعادَ إِلى الكفر، وهَرَبَ إِلى مَكَّة.
ولما فَتَحَ الرسول ﷺ مكة أَهْدَرَ دمَ مجموعةٍ من الأَعداءِ شديدي
стр. 678
العداوة، الذين ارتكبوا جرائم يَستحقّونَ بها القَتْلَ، وأَمَرَ بقَتْلِهم، ومنهم
عبدُ اللهِ بنُ سعد.
ونَقَلَ الفادي هذه الحادثةَ بقوله: " ولما كان يومُ الفتحِ أَمَرَ محمدٌ بقَتْلِ
كاتبه، ففَرَّ إلى عثمانَ بنِ عفان، لأَنه كانَ أَخاه من الرَّضاعة، فغيَّبَه عثمانُ
عنه، ثم جاءَ به عثمانُ بعدما اطْمَأَنَّ الناس، واستأذَنَ له محمداً..
فصمَتَ محمدٌ طويلاً..
ثم قال: نَعَمْ..
فلما انصرفَ عثمانُ قالَ محمدٌ لمن حولَه:
ما صَمَتُّ عنه إِلّا لتَقْتُلوه.. ".
وعَلَّقَ الفادي المجرمُ الخبيثُ على ما رَواهُ بقولِه: " ونحنُ نَسأل: كيفَ
يكونُ محمدٌ نبياً وهو يستحسنُ أَقوالَ كَتَبَتهِ، ويأمرُ بتدوينِها على أَنَّها وحي؟!
وكيفَ يكونُ محمدٌ نبياً وهو يُؤَمِّنُ عبدَ اللهِ بنَ سعدٍ على حياتِه ثم يُحَرِّضُ
الناسَ على قَتْلِه؟! ".
والفادي مجرمٌ مُحَرِّفٌ، غيرُ أَمينٍ على ما يَنْقُلُهُ، يوردُ ما يتفقُ مع هَواه،
ويَحذفُ ما لا يَتفقُ مع هواه.
وقد روى سعدُ بنُ أَبي وَقّاص ﵁ الحادثة، فقال: " لما كانَ يومُ فتْحِ مكةَ أَمَّنَ رسولُ اللهِ ﷺ الناسَ إِلّا أَربعةَ نَفَرٍ وامرأتين، وقال: اقْتُلوهم، وإِنْ وجدتُموهم متعلِّقينَ بأَستارِ الكعبة: عكرمةُ بنُ أَبي جهل، وعبدُ الله بنُ خَطل، ومقيسُ بنُ صبابة، وعبدُ الله بن سعد بن أبي السرح ... .
وأمّا عبدُ اللهِ بنُ سعد بن أَبي السَّرْحِ فإِنه اختبأَ عند عثمانَ بن عفان، فلما دَعا رسولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ مكةَ إِلى البيعة، جاءَ بِه حتى أَوقفَه على النبيِّ ﷺ ، فقال: بايعْ عبدَ الله..
فرفعَ إِليه رأْسَه، فنظرَ إِليه ثلاثاً، كلُّ ذلك يأبى.. فبايَعَه بعدَ ثلاثٍ ...
ثم أَقبلَ على أصحابه، فقال: أَما كانَ فيكم رجلٌ رشيد، يَقومُ إِلى هذا، حيتُ رآني كَفَفْتُ يدي عن بيعَتِه، فيقْتُلُه!..
فقالوا: وما يُدْرينا يا رسولَ الله ما في نفسِك، هلّا أَوماتَ إِلَيْنا برأسِك؟
стр. 679
قال: إِنه لا يَنْبَغي لنبي أَنْ يكونَ له خائنةُ أَعين!! "..
أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي والحاكم والبزار وأبو يعلى.
عفا الرسولُ ﷺ عن أهل مكةَ الذين حارَبوه، ولم يأْمُرْ إِلّا بقَتْلِ أَربعةِ رجالٍ وامرأتين، لارتكابهم جرائمَ توجبُ قَتْلَهم.
ومنهم عبدُ الله بنُ سعدِ بنِ أَبي السَّرْح، والذي أوجبَ قتْلَه هو ارتدادُه، فقد كانَ مسلماً ثم كَفَر، وحُكْمُ المرتَدِّ في الإِسلامِ هو القتلُ، لقولِه ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دينَه فاقْتُلوه ".
فالسببُ في إِهدارِ دَمِه والأمْرِ بقَتْلِه ليس مجردَ مخالفتِه للنبيِّ ﷺ ، كما زَعَمَ الفادي المفتري؛ لأَنَّ الرسولَ ﵇ عفا عن آلافِ الكُفّارِ الذين خالَفوهُ وحارَبوه.
وبسببِ الأُخُوَّةِ في الرَّضاعِ بينَ عبدِ الله بن سعد وبينَ عثمانَ ﵁، فقد رَقَّ له عثمانُ ولم يَقْتُلْه، وأَخفاهُ عن المسلمين.
ثم أَتَى به النبيَّ ﷺ ، وطَلَبَ منه أَنْ يُبايعَه، وكَلَّمه في ذلك ثَلاث مَرّات، والرسولُ ﷺ ساكِت؟
لأَنه كارهٌ مبايعَتَه لارتدادِهِ.
وكان ﷺ في سكوتِه يَنتظرُ قيامَ أَحَدِ الصَّحابَة بقَتْلِه، ولكنَّ ذلك لم يَحصل، فبايَعَه ﷺ على الإِسلام! ثم لامَ الرسولُ أَصحابَه على عَدَمِ قَتْلِه، وأَخبرَهم أَنه بسكوتِه كان يُريدُ أَنْ يُعطيَهم الفرصةَ لقَتْلِه، لكن لم يَفْهَموا ذلك..
ولما أَخبروه أَنه كانَ يمكنُ أَنْ يومئَ لهم برأْسِه، بحركةٍ تَدُلُّ
على رغبتهِ في قَتْلِه، أَخبرهم أَنه لا يمكنُ أَنْ يفْعل ذلك؛ لأَنه لا يكونُ للنبيِّ
خائنةُ أَعين!!.
وقد حَسُنَ إِسلامُ عبدِ اللهِ بنِ سعد بن أَبي السَّرحِ ﵁ بعد ذلك، وكان والياً على مِصرَ في خلافةِ عُثْمَانَ ﵁، وهو فاتحُ إفريقية، وخاضَ معاركَ عديدةً ظافرةً ضدَّ الكفارِ، في البَرِّ والبَحْر.
وهذا الموقفُ الأَخلاقيُّ العظيمُ لرسولِ الله ﷺ ، حيثُ لم يَرْضَ بالإِشارةِ بحركةٍ غير مناسبة، واعتبرَها من خيانَةِ الأَعين، كانَتْ مثارَ انتقادِ واعتراضِ الفادي المجرم، واعتبرها تحريضاً منه على قَتْلِه: " وكيفَ يكونُ محمدٌ نبياً وهو يُؤَمِّنُ عبدَ الله بن سعد على حياتِه، ثم يُحرّضُ الناسَ على قَتْلِه؟! ".
стр. 680
ولو حَرَّضَ الناسَ على قَتْلِه لقَتلوه..
ولم يَفعْل شيئاً بعَدَ تأمينه ومبايعتِه على الإِسلام، إِنما كان تَوقُّفُه وسكوتُه قبلَ مبايعتِه له.
فالفادي في كلامه يَكذبُ ويُغالط ويَفْتري ويُحَرّفُ، وهذه طريقتُه في بحثِه ...
***
هل الرسول ﷺ بدون معجزات ؟
زَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ رسولَ الله ﷺ كان بدونِ معجزات، أَيْ أَنّه لم يُقَدِّمْ للناسِ أَيَّةَ آيةٍ أَو معجزة دالَّةٍ على نبوَّتِه.
وهذا كذبٌ وافتراءٌ منه.
وزَعَمَ أَنه لما طلبَ خصومُه منه معجزةً، اعترفَ بعجْزِه التامِّ عن ذلك.
قال: " حاوَلَ اليهودُ والعربُ مراراً أَنْ يَحْملوا محمداً على الإتيانِ بمعجزةٍ،
لتأييدِ دَعْواه بالنبوة.
فاعترفَ بعجْزِه التَّامِّ، وانتحلَ لذلك أَعذاراً ".
وهذا كَذِبٌ مَفْضوحٌ من الفادي المفترِي، فلم يكن الرسولُ ﷺ بدونِ آياتٍ أَوْ معجزات.
وقد آتاهُ اللهُ الكثيرَ من المعجزاتِ المادية، وفي مقدمةِ آياتِه
ومعجزاتِه كان القرآن الكريم.
وعلى هذا قولُه ﷺ : "ما من الأَنبياءِ من نبيٍّ إِلّا
أُوتيَ من الآياتِ ما مِثْلُه آمَنَ عليه البَشَر، وإنما كان الذي أوتيتُه وَحْياً أَوحاهُ اللهُ إِليَّ، وإِني لأَرجو أَنْ أَكونَ أَكثَرهم تابعاً يوم القيامة ".
ولما كانَ الكافرونَ يَطلبونَ منه معجزاتٍ ماديَّة، ويَزْعُمُونَ أَنه هو الذي
يَختارُ الآيات والمعجزاتِ من نفسهِ، كان يُخبرُهم أَنه لا اختيارَ له للمعجزات؛ لأَنَّها عندَ الله، هو الذي يُنزلُ منها ما يشاء، وقَرَّرَتْ هذه الحقيقةَ آياتٌ كثيرةٌ.
منها قولُه تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ) .
стр. 681
وقولُه تعالى: (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ) .
وليس هذا الموقفُ خاصّاً برسولِ اللهِ ﷺ ، فكلُّ إِخوانِه الأَنبياء هكذا، ومنهم موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام.
فلما كانَ أَقوامُهم يَطلبونَ منهم الآيات، كانوا يُخبرونَهم أَنَّ الله هو الذي يَأتيهم بها.
قال تعالى: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .
أَمَرَ اللهُ رسولَه محمداً ﷺ أَنْ يقولَ للكفارِ الذين طَلَبوا منه معجزاتٍ:
(قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ) .
وأَمَرَ اللهُ الرسلَ أَنْ يقولوا لأَقوامِهم: (وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) .
وبذلك يتكامَلُ القولان، ويكونُ محمدٌ ﷺ كإخوانهِ الأَنبياء السابقين.
وعرضَ الفادي المجرمُ بعضَ آياتِ القرآن التي تُقررُ أَنَّ الآياتِ عندَ الله،
وأَنَّ الله يُنزلُ منها ما يَشاء وفْقَ حكمتِه، ولا اختيارَ لرسولِ اللهِ ﷺ لها.
وعَلَّقَ المجرمُ عليها تَعليقاً فاجراً، هاجمَ فيه رسولَ الله ﷺ .
وفيما يلي بعضُ تعليقاتِه على بعضِ الآياتِ التي أَوردَها:
١ - قال تعالى: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) .
نَقَلَ عن تفسيرِ البيضاويِّ قولَه: " (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ) أيْ: ما
صَرَفَنا عن إِرسالِ المعجزاتِ التي اقترحَتْها قريش: (إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) : إلّا تكذيبُ الأَوَّلين، الذين هم أَمثالُهم في الطبع كعادٍ وثمود، وإنها
لو أُرسلَتْ لكَذَّبوا بها كتكذيبِ أَولئك ".
стр. 682
ثم عَلَّقَ على ذلك بوقاحةٍ وبَذاءَةٍ فقال: " ونحنُ نَسأل: إِنْ كانت الآياتُ
بلا فائدةٍ مُطلَقاً، عندَ الذين عُمِلَتْ معهم قديماً وحديثاً، فلماذا عَمِلَها الله؟
وما الذي يَمنعُ اللهَ عن عَمَلِها على يَدِ محمدٍ، كما عملَها على يَدِ جميعِ الأَنبياءِ الصادقين، كموسى وإيليا واليسع والمسيح؟
هذا عُذْرٌ أَبداهُ محمدٌ للتملُّص فقط، وإِذا كانت الآيات ُ ممتنعةً لتكذيبِ الناسِ إِياها، فلماذا لا يكونُ التبليغُ ممتنِعاً لتكذيبِ الناسِ إِياهُ أَيْضاً؟ ".
لم يَقُلْ أَحَدٌ: إِنَّ الآياتِ بلا فائدة، وإِنَّ اللهَ يَعلمُ أهميةَ الآيات ِ للأَنبياء،
ولذلك كان يُعطي كُلَّ نبيٍّ آياتٍ لِقوْمِهِ، دالَّةٍ على صِدْقِ نبوَّتِه، وهذا ما صَرَّحَ به رسولُ ﷺ بقوله: " ما من الأنبياء من نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ... ".
وآيةُ سورةِ الإِسراءِ لا تُلغي الآيات، ولا تَنفي فائدتَها مطلقاً، كما فهمَ
الفادي الجاهلُ منها ذلك لجهْلِه وغَبائِه، إِنما تَنفي استجابَةَ اللهِ لطلب
المشركين إِنزالَ الآيات، فلم يَستجب اللهُ لهم، ولم يُنزل الآياتِ التي طَلَبوها؛ لأَنه يَعلمُ أَنه لو أَنزلَها كما طلبوا فإِنهم لن يُؤْمِنوا بها، وبعدَ ذلك سيعَذَبُهم
ويُهْلكُهم، ولذلك لم يَستجب اللهُ لهم رحمةً بهم، لئلا يُعَذِّبَهم (١) ..
وليس معنى هذا أَنَّ اللهَ لم يُنزل الآياتِ على - النبيِّ ﷺ ، ولا على غيرِه من الأَنبياء السابقين.
وهذا ما ذَكَرَهُ البيضاويُّ صَريحاً في تفسيرِ الآية: " وما صَرَفَنا عن إِرسالِ
المعجزاتِ التي اقترحَتْها قريش ...
" فهذا موضوعُ الآية، وهي لا تنفي إِنزالَ المعجزات مطلقاً.
وعلى هذا قولُه تعالى: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) .
стр. 683
٢ - قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) .
ولما نَقَلَ الفادي المفترِي المجرمُ من تفسير البيضاوي، أَخَذَ بعضَه الذي
يتفقُ مع هَواه، وتركَ بعضَه الضروريَّ لفهمِ الآية.
قال في النقلِ عن البيضاوي: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ) : مثلُ ناقةِ صالح، وعصا موسى، ومائدةِ عيسى.
(قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ) : يُنزلُها كما يَشاء، لستُ
أَملكُها، فآتيكم بما تَقْتَرحونه..
(وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) : ليس من شأني إِلّا الإنذار ".
وحَذَفَ الفادي المجرمُ من تفسيرِ البيضاويّ الجملةَ الأخيرة، فكلامُ
البيضاويّ هكذا: " ليس من شأني إِلّا الإِنذار، وإِبانَتُهُ بما أُعطيتُ من الآيات"
فَحَذَفَ الجملةَ الأَخيرةَ قاصداً، لأَنها صريحةٌ في أَنَّ الرسول ﷺ أُوتيَ ما أُوتيَ من الآيات، وهي لا تَخدمُ الفادي المجرم في اتِّهامِه النبيَّ ﷺ ، ولذلك حَذَفَها!
وعلى البحثِ والأَمانةِ العلمية السَّلام!!.
وسَجَّلَ الفادي المجرمُ تَساؤُلَه الخبيث: " ونحنُ نسأل: إِذا كانت الآياتُ
عندَ الله، وكان لمحمد صلةٌ بالله كالأَنبياءِ والرسل، فلماذا لم يَسمح اللهُ بتأييدِه بها؟ ".
وجوابُ تساؤلِه موجودٌ في تفسيرِ البيضاوي، الذي نجزمُ أَنَّ المجرمَ
قرأَه، ولكنَّه تجاهلَه ولم ينقُلْهُ، لأَنه يُصرحُ بأَنَّ اللهَ آتى نبيَّه ﷺ أَعظمَ آية، هي القرآنُ الكريم.
قال البيضاويّ في تفسير الآية الثانية: " (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) .
أَوَلَم يكْفِهم آيةٌ مغنيةٌ عما اقْترحوه، أَنا أَنزلْنا عليكَ الكتاب، تَدومُ عليهم تلاوتهُ، ويَدومُ تحدِّيهم به، فلا يَزال معهم آيةً ثابتةً
стр. 684
لا تَضمحلّ، بخلافِ سائرِ الآيات، فهذا الكتابُ آيةٌ مستمرة، وحُجَّةٌ
مُبَيِّنة ... ".
٣ - قولُه تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ) .
اعتبرَ الفادي المفترِي الآيةَ خِطاباً من اللهِ لليهودِ في المدينة، وأَنها رَدّ
على ما طَلَبَه اليهودُ من رسولِ الله ﷺ .
قال المفترِي: " قالَ اليهودُ لمحمد: ائتنا بكتابٍ من السماء جُمْلَة، كما أَتى موسى بالتوراة، أَو فَجِّرْ لنا أنهاراً، نتبعْك ونُصدقْك، كما فَعَلَ موسى، فإِنه ضَرَبَ الصخرةَ فانفجرت المياه.
فقالَ لهم: أَم تريدونَ أَنْ تسألوا رسولَكم؟
وسألوه هذا السؤالَ مراراً، وعَجَزَ عن إِجابتِهم بإتيانِ معجزة.
ونحَنُ نسأل: أَليسَ لليهودِ حقّ في سؤالِهم؟
فكيفَ يَعتبرُ محمدٌ نفسَه نبياً، وهو لا يماثلُ الأَنبياءَ في شيء؟! ".
ادعى الفادي الجاهلُ أَنَّ الآيةَ خِطابٌ من اللهِ لليهودِ للإِنكارِ عليهم؛ لأَنهم سأَلوا الرسولَ ﷺ ما نَسَبَهُ الفادي إِليهم، وهذا ادِّعاءٌ باطل، يدلُّ على جَهْلِهِ.
الخطابُ في الآيةِ من الله للمسلمين وليسَ لليهود، بدلالةِ إضافةِ الرسولِ
إِليهم: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ) .
وهو رسولُ اللهِ محمدٌ ﷺ .
والمسلمونَ لم يَسْأَلوا رسولَهم ﷺ ، بدلالةِ قوله: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ) .
والهدفُ منه تحذيرهم من السؤال.
وإِذا كان معنى الآيةِ هكذا، يكونُ كلامُ الفادي باطِلاً مردوداً عليه،
عندما اعتبرَها دالَّةً على عدم نبوةِ الرسولِ ﷺ .
وهناك آيةٌ أُخرى صَرَّحَتْ بأَنَّ اليهودَ سأَلوا رسولَ الله ﷺ إِنزالَ كتاب
стр. 685
عليهم من السماء، ورَدَّتْ عليهم.
قال تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) .
يَذُمُّ اللهُ اليهودَ في طلبهم من الرسولِ ﷺ أَنْ يُنزلَ عليهم كتاباً من السماء، ويُذَكِّرهم بماضيهم الأَسودِ، فقد سأَلوا موسى ﵇ أَنْ يُريهم اللهَ بعيونِهم، فعاقَبَهم اللهُ بالصاعقةِ التي أَخَذَتْهم.
ولماذا يطلبُ اليهودُ من رسولِ الله ﷺ أَنْ يُنَزِّلَ عليهم كتاباً من السماء؟
أَلا يكفيهم القرآنُ الذي أنزلَه اللهُ عليه من السماء؟
وجعَلَهُ آيته البينةَ له!
قال تعالى: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) .
٤ - قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) .
زَعَمَ المفترِي أَنَ اليهودَ لم يَطلُبوا من موسى ﵇ أَنْ يَرَوا اللهَ جهرة.
قال في تعليقِه على هذه الآية: " قالَ رافعُ بنُ خزيمة لمحمد: إِنْ كنتَ رسولاً
من الله كما تقول فقُلْ لله يكلِّمنا حتى نسمعَ كلامَه، أَو اصْنَعْ آيةً حتى نؤمنَ بك..
فأَجابَه: إِنَّ اليهودَ سألوا موسى أَن يريهم اللهَ جهرة.
وهذا الجوابُ خَطَأ، لأَنَّ اليهودَ سأَلوا عَكْسَ ذلك، وقالُوا لموسى:
تكلَّمْ أَنتَ معنا فنسمع، ولا يتكلمُ اللهُ مَعَنا لئلا نَموت!.
ونحنُ نسأل: أليسَ من حَقِّ الناسِ أَنْ يَفْحَصوا كُلَّ رسالة يقولُ
صاحبُها: إِنها من عندِ الله ".
أَخبرَ اللهُ أَنَّ الذين لا يَعلمونَ طَلَبوا أَنْ يُكَلِّمَهم اللهُ مباشرة، أَو يأتيَهم
الرسولُ ﵇ بآية.
والمرادُ بهم اليهودُ في المدينة، وهذا الطلبُ الذي طلَبوهُ من
الرسولِ ﷺ يُشابِهُ الطلبَ الذي طَلَبَه آباؤُهُم من موسى ﵇.
стр. 686
وقد أَخْبَرَنا اللهُ أَنهم طلبوا من موسى ﵇ أَنْ يَروا اللهَ جهرة.
قال تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) .
ولما طلبَ اليهودُ في المدينةِ من رسولِ اللهِ ﷺ أَنْ يُنزلَ عليهم كتاباً من السماءِ ذَكَّرَهُمُ اللهُ بما طَلَبَه آباؤُهم من موسى ﵇.
قال تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) .
ورغم هذه الآياتِ الصريحةِ التي أَخبرتْ عن قولِهم وطلبِهم إِلّا أَنَّ
الفادي المفتريَ المجرمَ خَطَّأَها وكَذَّبها، وقال في تكذيبه: " أَجابَهُ أَنَّ اليهودَ
سألوا موسى أَنْ يُريهم الله جهرة، وهذا خطأ، لأَنَّ اليهودَ سَألوا عكسَ
ذلك ... "!!.
٥ - قوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) .
نقلَ الفادي في سببِ نزولِ الآيةِ أَنها أُنزلَتْ للرَّدّ على طلبِ قريش،
عندما طلبوا من رسول الله ﷺ أَنْ يأْتيهم بآيةٍ، مثل الآياتِ التي جاءَ بها الأَنبياءُ السابقون، كموسى وعيسى وصالح ﵈، وزَعَمَ أَنه وافَقَهم ودعا الله.
قال: " قالَتْ قريش: يا محمد: إِنك تخبرُنا أَنَّ موسى كانت له عصا يَضربُ بها الحجر، فتنفجرُ منه اثنتا عشرةَ عيناً، وتخبرُنا أَنَّ عيسى كان يُحيي الموتى، وأَنَّ ثمودَ لهم ناقة، فأتِنا بآيةٍ حتى نُصَدِّقَك ونؤمنَ بك ...
فقال محمد: أَيّ شيءٍ تُحبون؟
قال: تجعلُ لنا الصفا ذهباً، وابعثْ لنا بعضَ موتانا نسأَلْهم
عنك: أحقٌّ ما تَقولُ أَم باطل؟
وأَرِنا الملائكة يَشهدونَ لك..
فقال محمد: إِنْ فعلْتُ بعضَ ما تقولون أَتصدقونَني؟
قالوا: نعم والله، لئن فعلْتَ لنتبعنَّك أَجمعين..
وسأَلَ المسلمون محمداً أَنْ يُنزلَها عليهم حتى يؤمنوا، فقامَ محمد
وجعلَ يدعو اللهَ أَنْ يَجعَل الصفا ذهباً، فجاءَه جبريل فقال: إِنْ شئتَ أَصبحَ
стр. 687
الصَّفا ذَهباً، ولكن إِنْ لم يُصَدِّقوك لنعذبنَّهم، وإِنْ شئت تركْتَهم حتى يتوبَ
تائبُهم..
فقال محمد: أَتْرُكُهُم حتى يتوبَ تائبُهم..
وهكذا تخلَّص مَحمدٌ أَنْ يأتيَ بمعجزة!.. ".
صحيحٌ أَنَّ قريشاً طَلبُوا من رسولِ الله ﷺ أَنْ يأتيَهم بآياتٍ ليؤمنوا به، كتحويلِ الصَّفا ذَهَباً، أَو إِنزالِ الملائكةِ عليهم، أو إِحياءِ آبائِهم الأَموات، وهذا ما أَشارتْ له الآية..
لكنَّه ليس صحيحاً استجابةُ الرسولِ ﷺ لطلبِهم،
وأَنه دعا اللهَ أَنْ يَجعلَ لهم الصَّفا ذهباً، وأَنَّ جبريلَ حَدَّثَه بالأَمر، فتوقَّفَ عن الدُّعاء حتى لا يَهلكوا..
كما ادَّعى الفادي المفترِي، وخَرَجَ من هذه الروايةِ
المردودةِ أَنَّ محمداً ﷺ تخَلصَ وتهرَّبَ من الإتيان بمعجزة.
لم يطلب الرسولُ ﷺ من ربِّه أَنْ ينفِّذَ لهم ما طَلَبوا منه؛ لأَنه يَعلمُ أَنَّ الآياتِ والمعجزاتِ بيد الله، وهذا ما صرَّحَتْ به آياتُ القرآن.
كقولِه تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١) .
٦ - قولُه تعالى: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) .
تُسجّلُ هذه الآياتُ بعضَ الطلباتِ التي طَلَبَها كفارُ قريشٍ من
رسولِ الله ﷺ : طَلَبوا منه أَنْ يُفَجِّرَ لهم الينابيعَ من الأَرض، أَو تكونَ له جنةٌ
стр. 688
من نخيلٍ وعنبٍ تتفجرُ الأَنهارُ خلالَها، أَو يُسقطَ السماءَ عليهم، أَو يصعدَ هو في السماء، وَيَنْزِلَ عليهم منها بكتابٍ خاص، موجَّهٍ من الله لهم،..
ورَدَّ على هذه الطلباتِ التعجيزيةِ بقولِه لهم: سبحانَ رَبّي، هل كنتُ إلّا بشراً رسولاً.
أَيْ ما أَنا إِلا بَشَرٌ رسول، لا دَخْلَ لي في المعجزات، فأَنا لا أَختارُها
ولا أَفْعَلُها؛ لأَنَّها عند الله، يُنزلُ عليَّ ما شاءَ منها، وأَنا أُقدمُ لكم ما آتاني
منها.
وقد فهمَ الفادي الجاهلُ الآياتِ فهماً خاطئاً، وجعلَها دالَّةً على عَدَمِ
نبوَّتِه.
قال المجرم: " ونحن نسأل: أَلم يكنْ موسى وإِيليا وأَليشع ودانيال من
البشر الرُّسُل؟
ومع ذلك كانوا أَصحابَ معجزات، فإِنْ كانَ محمدٌ صاحبَ
رسالةٍ سماويةٍ فلماذا لا تساندُ السماءُ رسالتَه؟! ".
إِنَّ الجاهلَ يَظُنُّ أَنَّ رسولَ الله ﷺ بدونِ معجزات، ولو كانَ اللهُ أَرسلَه لسانَدَه وأَيَّدَه بها، وهذا ظَنٌّ باطلٌ وَقَعَ فيه المفترِي الجاهل!
لقد آتى اللهُ رسولَه ﷺ أَعظمَ آيةٍ عقليةٍ بيانية، مستمرةٍ حتى قيامِ الساعة، وهي القرآنُ العظيم..
كما آتاهُ كثيراً من الآياتِ الماديةِ المحسوسة، مثلُ: شَقِّ صَدْرِه، والإِسراءِ والمعراج، وانشقاقِ القمر ...
والجاهلُ مصممٌ على جَهْلِه وافترائه، وسوءِ فهمِه للحقائق، ولذلك ذَكَرَ
سبْعَ آياتٍ متفرقة، واعتبرَها دَليلاً من القرآنِ على أَنَّ الرسولَ ﷺ لم يُؤْتِه اللهُ أَيةَ معجزة!.
الآياتُ التي أَساءَ فَهْمَها والاستدلالَ بها هي:
١ - قولُه تعالى: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) .
стр. 689
لا تَدُلُّ الآيةُ على أَنَّ الله لم يُؤْتِ رسولَه أَيَّةَ معجزة، إِنما تدلُّ على أَنه
مهما قَدَّمَ من الآياتِ والمعجزاتِ لأَهْلِ الكتاب فلن يُصَدِّقوهُ، ولن يَتَّبِعوا
قبلَتَه، لأَنهم يَتَّبعون أَهواءَهم.
٢ - قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) .
لا تَدُلُّ الآيةُ على أَنَّ اللهَ لم يُنَزِّلْ على رسولِه أَيةَ معجزة، إِنما تَرُدُّ على
الكفار، الذين عَلَّقوا إِيمانَهم بالحقِّ على إِنزالِ الآيةِ التي طَلَبوها، وتُخبرُهم أَنَّ الإِيمانَ ليس مُعَلَّقاً على إِنزالِ الآيات، لأَنَّ اللهَ يُضِلّ مَنْ يَشاء، ويَهدي إِليه مَنْ أَناب.
٣ - قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) .
لا تدلُّ الآيةُ على أَنَّ القرآنَ ليس آيةً للنبيِّ ﷺ ، وإِنما تَدُلّ على أَنَّ اللهَ لو خاطَبَ بالقراَنِ الأَرضَ أَو الجبالَ أَو الموتى لأَثَّر فيهم، ولو أَرادَ ذلك لفَعَل، لأَنه لا يمنَعُه من ذلك أَحَد.
ولكنَّه لم يَشأْ، وإِنما خاطبَ بالقرآنِ الإنسانَ.
٤ - قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤) .
لا تَدُلُّ الآية ُ على أَنَّ الله لم يُؤْتِ رَسولَه مُعجزة، وإِنما تُصرحُ بأَنَّ اللهَ
كان يُؤْتِيه كثيراً من الآيات، ولكنَّ الكفَّارَ مُعانِدون، يَرفضونَ قَبولَ الحَقِّ، ْ
فعندما كانتْ تَأتيهم الآية ُ من عند الله، كانوا يُصِرُّون على كفرِهم ويقولون: لن نؤمن حتى نُؤْتى مثْلَ ما أُوتيَ رسلُ الله!!
٥ - قولى تعالى: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧) .
стр. 690
لا تدلّ الآيةُ على أَنَّ اللهَ لم يُؤْتِ رسولَه معجزة، إِنما تَرُدُّ على طلبِ
الكفارِ آياتٍ مخصوصة، وتُخبرهم أَنَّ إِنزالَ الآياتِ ليس خاضِعاً لطَلَباتهِم
وأَهوائِهم، وإنما يُنزلُ اللهُ منها ما يَشاءُ وفقَ حكمتِه سبحانه.
٦ - قوله تعالى: (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣) .
لا تدلُّ الآيةُ على أَنَّ الله لم يؤْتِ رسولَه معجزة، إِنما تُقَدِّمُ رَدّاً آخَرَ على
ما طَلَبَة منه المشركون، حيثُ كانوا يَطلبونَ منه أَنْ يَجْتبيَ ويَصطفيَ ويختارَ
الآياتِ التي يَطلبونها، أَيْ أَنه هو الذي يَأتي بها، فَرَدَّ عليهم بأَنه لا دَخلَ له
في اختيارِ المعجزات، لأَنه يَتَّبعُ وَحْيَ الله، ويتلَقّى الآياتِ التي يُؤْتيهِ اللهُ
إِياها، ويُقَدِّمُها لهم، وكلُّ ما آتاهُ الله من الآياتِ قَدَّمَه لهم ...
٧ - قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧) .
لا تدلُّ الآيةُ على أَنَّ اللهَ لم يُؤْتِ رسولَه معجزة، إِنما تَرُدُّ على طَلَبِ الكفارِ
إِنزالَ الآياتِ التي يَطلبونَها منه، وتُخبرهم أَنَّ إِنزالَ الآياتِ خاضغ لحكمةِ الله، وليس لطلباتِهم، ولا لاختيارِ النبيِّ ﷺ ، والرسولُ ﷺ مُنذرٌ يبلِّغُهم وَحيَ الله.
وهكذا رأينا أَنه لم تَنْفِ آية واحدة من الآياتِ السبع وُجودَ معجزةٍ مع
رسولِ الله ﷺ ، إِنَّ كُلَّ آيةٍ رَدَّتْ على طلبٍ للمشركين، أَو قَدَّمتْ حقيقةً متعلقةً بالآياتِ والمعجزات.
ولْننظر الاَنَ كيفَ فهمَ الفادي المجرمُ هذه الآياتِ السبع، وكيفَ
استنْطَقَها، وما هي النتيجةُ التي خَرَجَ بها منها في نفي نبوةِ محمدٍ ﷺ ؟
قال فَضّ اللهُ فاه: " ففي جميعِ هذه الآيات ِ يعترفُ القرآنُ أَنَّ محمداً لم يَأتِ
بمعجزةٍ واحدة.
وأَما الأَسبابُ التي انتحلَها واعتذَرَ بها فمردودة..
فالمعجزاتُ التي عملَها الأَنبياءُ أمامَ الشعوب الأَوَّلين، آمَنَ بها البعض، بينما
رفَضَها البعضُ الآخَرُ.
وعليه فالقولُ: (إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) .
стр. 691
عُذْرٌ مرفوض.
ولو كانَ القرآنُ معجزةً لكان قال: هاكمُ القرآنُ معجزة!! وما كانَ
ليقول: (وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ)
لم يَأتِ محمدٌ بآيةٍ مُطْلقاً تُثْبتُ أَنه رسولٌ مُشرِّع، ولا حَتَّى القرآن ... ".
إِنَّ هذا القولَ الفاجرَ مردودٌ على الفادي المفترِي، ولقد آتى اللهُ نبيَّه
محمداً ﷺ كثيراً من المعجزاتِ المادية، التي أَشَرْنا لها فيما مضى.
وهذا يُكَذّبُ قولَ المجرم: " لم يأتِ محمدٌ بآيةٍ مطلقاً تُثبتُ أَنه رسولٌ مُشَرّع "!.
أَما قولُه الفاجر: " لو كان القرآنُ معجزةً لكان قال: هاكم القرآنُ
معجزة ".
فإِنه يدلّ على جَهْلِه وغَبَائِه! إِنَّ هذا هو الذي حَصَل، فلما طَلَبَ
الكفارُ معجزةً من رسولِ اللهِ ﷺ ، قال لهم: هاكم القرآنُ معجزة! وهذا ما وردَ في صريحِ قولِه تعالى: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) .
***
اتهامات الكفار للرسول ﷺ -
رَدَّدَ الفادي المفترِي الاتهاماتِ التي وَجَّهَها الكفارُ من المشركين
والمنافقينَ واليهود لرسولِ اللهِ ﷺ ، والتي ذَكَرَها القرآن، ثم نَقَضَها وأَبْطَلَها، لكنَّ الفادي المجرمَ اعتمدَها وقالَ بها، واتَّهمَ النبيَّ ﷺ بها، واعتبرَها وثيقةَ
стр. 692
إِدانةٍ له..
قالَ في مقدمةِ تلك الاتهامات: " انتقدَ العربُ محمداً، ولاموهُ على
الكثير.
وقد أَورَدَ ذلك في قرآنِه، مع الردودِ عليه.. ".
ما زالَ يؤكدُ على أنَّ القرآنَ منسوبٌ إِلى رسولِ الله ﷺ ، وأَنه هو الذي أَلَّفَه، وأَوردَ فيه ما يُريد، وحَذَفَ منه ما لا يُريد!!.
والاتهاماتُ الموجهةُ ضدَّ رسولِ الله ﷺ هي:
١ - مَجنون: ووردَتْ في قولِه تعالى إِخباراً عن قولِ المشركين: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) .
وقد اعتمدَ المجرمُ هذه التهمةَ في قوله: " فقد اتَّهموهُ بالجنون، الذي هيأ
له أَوهامَ الوحي والملائكة ".
أَيّ أَنّه لا وحيَ في الحقيقة، وإِنما هو أوهامٌ وتخيُّلاتٌ كان يَمُرُّ بها الرسولُ ﷺ ، فيصدِّقُ أَنه رأى جبريل، وأَنه تلقى منه
الوحي، مع أَنه لا جبريلَ ولا وحيَ؛ لأَنه مجنون!!.
وقد رَدَّ القرآنُ على هذه التهمةِ بعدة آيات، نكتفي منها بتذكُّرِ قولِه
تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) .
وقد كانَ رسولُ اللهِ ﷺ حَريصاً على تأكيدِ وعْيِه وحضورِه وانتباهِه، عندما يأتيه الوحي.
فقد سألَه الحارثُ بنُ هشام ﵁ فقال: يا رسولَ الله!
كيفَ يأتيكَ الوحي؟
فقال ﷺ : "أَحْياناً مثلُ صلصلةِ الجَرَس، فيفْصِمُ عَنّي وقد وعيتُ ما قال، وأَحياناً يتمثلُ لي المَلَكُ رَجُلاً فيكلِّمُني، فأَعي ما يقول ".
стр. 693
ولا يُمكنُ أَنْ يكونَ رسول الله ﷺ مجنوناً، وشخصيتُه معروفَة، وأَقوالُه في حياتِه معلومة، وجهودُه في الدعوةِ والحركةِ معلومة، ونَجاحُه في دعوتِه وانتشارُ دينِه في حياتِه معروف، ولو كان مجنوناً لما كانت نتائجُ رسالتِه في حياتِه على ما هي عليه!.
٢ - مُفْتَرٍ: والمفتري هو الكاذبُ المدَّعي، الذي يَقلبُ الحقائقَ، ويَنسبُ
القول إِلى غيرِ قائلِه كَذِباً وزُوراً.
وقد اتهَمَ الكفارُ الرسول ﷺ بأَنه مُفْتَرٍ كاذب، وأَخبرَ اللهُ عن اتّهامهم في قولِه تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) .
وفي قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ) .
وقد صَدَّقَ الفادي المجرم هذه التهمة، وأَلْصقَها برسول اللهِ ﷺ .
قال: " لقد رأَوْا محمداً يأْمُرُ أَصْحابَه بأَمْر، ثم يَنهاهم عنه، ويأمُرُهم بخلافِه، ويقول اليومَ قولاً، ويَرجعُ عنه غداً.
فقالوا: إِنَّ ما تقولُه إِنما هو من تلقاءِ نفسِك؟
لأَنه لو كانَ كلامَ الله لكانَ ثابتاً، لا يُنْسَخُ ولا يَتَغَيَّرُ.. ".
وَنَزَّهَ اللهُ رسولَه ﷺ عن تهمةِ الافتراء، في آياتٍ كثيرة، منها قولُه تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) .
وبَيَّنَ اللهُ أَنه لا يَسمحُ لأَحَدٍ في أَنْ يتقوَّل ويَفْتَريَ ويكذبَ عليه، حتى لو
كان رسولَه ﷺ ، وحاشاهُ أَنْ يَفعلَ ذلك.
قال تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) .
أَيْ: لو تَقَوَّل وكَذَبَ وافترى علينا لذَبَحْناه! بأَنْ نأخُذَه من يَمينِه،
стр. 694
ثم نقطعَ وَتينَه وعُنُقَه، ولن يَجِدَ أَحَداً ينصرُه أَو يحجزُه ويوقفُ عنه الذبح!!.
وبَيَّنَ أَنَّ المفتريَ على اللهِ هو أَظلمُ الظالمين، وأَنَّ اللهَ لن يُوَفِّقَ مفترياً
أَبداً.
قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) .
وهذه شهادةٌ من اللهِ لرسولِه ﷺ بالصِّدْق، فلو كان مفترياً لأَهلكَه اللهُ وقضى عليه، ولَمَا وَفَّقَه وأَيَّدَه
ونَصَرَه ونَشَرَ دَعوته.
إِنَّ هذا النجاحَ الكبير لرسولِ اللهِ ﷺ دليل على أَنَّ اللهَ هو الذي يَسَّرَه له، وهذا دليلٌ على أَنه رسولُ اللهِ فِعْلاً، ﷺ .
والنسخُ في الفرآن الذي لا يَمَلُّ الفادي المفترِي من الكلامِ عليه
وانتقادِه، سَبَقَ أَنْ ناقَشْناهُ فيه في أَكْثَرَ من موضع، وهو لا يَدُلُّ على افترائهِ
وكذبِه ﷺ ، لأَنه لم يَدَّعِ أَنه هو الذي يَنسخُ ويُغَيِّرُ ويُبَدِّلُ في الأَحكام، وإِنما اللهُ هو الذي يَنسخُ ما يَشاء، وبما أَنَّ الفعلَ فعلُ الله، فهو فَعَّال لما يُريدُ .
قال الله : (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) .
٣ - مسحور: اتهمَ الكفارُ رسولَ اللهِ ﷺ بأَنه مسحور، سيطرَ عليه الجنُّ والشياطين، وحَرَّكوه كما يريدون.
وقد ذَكَرَ القرآنُ هذه التهمة التي وَجَّهوها له.
قال تعالى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) .
وقال تعالى: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) .
وقد رَدَّدَ الفادي المفترِي هذه التهمة، وأَلصقَها برسولِ اللهِ ﷺ ، وحَكَم عليه بأَنه مسحورٌ قال: " لقد شاهَدوه مريضاً ناسياً، يَشكو من الساحراتِ النفاثات في العُقَد، ويَستعيذُ من فعلهنّ، فقالوا: لا شكَّ أَنه مسحورٌ مَغلوبٌ على عقله.. ".
стр. 695
وقد سبقَ أَنْ ناقشْنا الفادي المفترِي في مسألةِ سِحْرِ رسول الله ﷺ ، وأَنَّ السحرَ لم يُؤَثّرْ إِلّا في جانبٍ من بَدَنِه، وأَنَّ ذلك لم يستمرَّ إِلّا ساعات، ثم عافاهُ اللهُ منه!.
وهذا معناهُ أَنَ رسولَ اللهِ ﷺ لم يكُنْ مَريضاً، ولم تُؤَثَرْ فيه الساحرات، ولم يكنْ مغلوباً على عَقْلِه، وما كلامُ الفادي السابقُ إِلّا افتراءً كبيراً.
٤ - أُذُن: اتهمَ المنافقونَ الرسولَ ﷺ بأَنه أُذُن، أَيْ أَنه ساذجٌ مُغَفَّل، يُصَدِّقُ كُلَّ ما يَسمع، ويُمكنُ خِداعُه بسهولةٍ، وقد ذَكَرَ القرآنُ هذه التهمة ثم رَدَّ عليها.
قال تعالى: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ) .
ونَقَلَ الفادي كلامَ البيضاويّ في معنى الآية.
ونَقَلَ ما قالَه المنافقون في اتهامِهم له: " روِيَ أَنهم قالوا: محمدٌ أُذُنٌ سامِعَة، نقولُ ما شئْنا، ثم نأتيه فيصدّقُنا بما نَقول ".
وذِكْرُه لقولِ المنافقين، وسكوتُه عنه، إِقرارٌ منه له.
أَيْ أَنّ الفادي المفتريَ مع المنافقينَ في اتهامِ الرسولِ ﷺ بأَنه أُذُنٌ ساذج، يَسهلُ خداعُه!.
وما أَجملَ ما رَدَّ به القرآنُ هذه التهمةَ: إِنَّه ﷺ أُذُنُ، يُحسنُ الاستماعَ بأُذُنِه، ويَعي ما يسمَعُه..
وقد استمعَتْ أُذُنُه الشريفةُ القرآنَ من جبريلَ ﵇، ثم قَدَّمَه للمسلمين، وبهذا كان أُذُنَ خيرٍ للمؤْمنين.
وقد كان رسولُ اللهِ ﷺ أَذكى الناسِ، وأَكْثَرَهم فِطْنَة، وأَرجَحَهم عَقْلاً، مُنَزَّهاً عن السذاجةِ والبَلاهةِ والغَفْلة.
стр. 696
هل مات الرسول ﷺ مسموماً ؟
ذَكَرَ الفادي الجاهلُ عِنواناً مُثيراً هو: " موتُه بتأثيرِ السّمّ ".
وسَجَّلَ تحت هذا العنوانِ قولَه تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا) .
ثم نَقَلَ الفادي عن البيضاويِّ معنى هذه الآية، ومناسبةَ نُزولها، وحادثةَ
اعتداءِ المشركين على رسولِ اللهِ ﷺ في غَزوةِ أُحُد، وما أَشاعوهْ من أَنه قد قُتِلَ، وتَأَثُّرِ بعضِ الصحابة بما سمعوه، حتى حَزِنَ بعضُهم وأَلْقى السلاح.
ثم ذَكَرَ قصةَ الشاةِ المسمومة التي حَشَتْها اليهوديةُ في غزوةِ خَيْبَرَ، وقَدَّمَتْها للرسول ﷺ ، محاوِلةً قَتْلَه.
وخَرَجَ الجاهلُ منها بأَنَّ الرسولَ ﷺ ماتَ مسموما" (١) .
صَحيحٌ أَنَّ المرأةَ اليهوديَّةَ سَمَّمَتْ شاةً ثم شَوتْها وقَدَّمَتْها للرسولِ ﷺ ، وكَثرَتْ من السُّمِّ في الكَتِفِ؛ لأَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُحبُّ الكَتِف..
ولما قُدِّمَ الكتفُ للرسول ﷺ وَضَعَ في فَمِه لقمةً منها وَمَضَغَها، ثم لَفَظَها وأَخْرَجَها ولم يَبْلَعْها، وقال: إِنَ هذا الذراعَ يُخبرُني أَنه مسموم..
وقد تناول بِشْرُ بنُ البراءِ ﵁ لُقمةً منه وابتعلها، وماتَ فوراً من شدةِ وقوةِ السّمّ.
واستدعى الرسولُ ﷺ اليهودية، وقالَ لها: ما حَمَلَكِ على ما صَنَعْتِ؟
قالَتْ: يا أَبا القاسم، إِني كنتُ أَعلمُ أَنك إِنْ كنتَ رسولاً فسيحْميك اللهُ، وإِنْ كنتَ كاذباً متَّ واسْتَرَحْنا منك!.
وأَمَرَ بها رسولُ اللهِ ﷺ فقُتِلَتْ قِصاصاً؛ لأَنها قَتَلَتْ بِشْرَ بنَ البراء بن معرور ﵁ بالسّمّ.
стр. 697
ولم يُؤَثِّر السّمُّ في رسولِ اللهِ ﷺ ، لأَنه اكتفى بمضْغِ اللقمةِ من اللَّحمِ المسَمَّم، ثم لَفَظَها وأَخْرَجَها، وقال: يُخْبِرُنِي هذا الذراعُ بأَنه مسمومٌ.
وهذا معناه أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لم يَمُتْ بتأثيرِ السُّمّ، كما زَعَمَ الفادي المفتري، ولو ماتَ بتأثير السُّمِّ لماتَ فوراً، أَو بعدَ ساعاتٍ أَو أَيامٍ أَو أَشهر، مثلُ بشْرِ بنِ البراء الذي ماتَ فوراً.
وقد عاشَ رسولُ اللهِ ﷺ بعد حادثةِ السُّمِّ
أَكثرَ من ثَلاثِ سنوات! حيثُ كان فَتْحُ خيبرَ في محرم من السنةِ السابعة
للهجرة، وتُوُفِّي ﷺ في ربيع الأَول من السنةِ الحادية عشرة.
صحيحٌ أَنه بَلَعَ أَثَرَ السّمّ، لكنَّ هذا الأَثَرَ لم يُؤَدِّ إِلى وفاتِه " لأَنَّ اللهَ
تكفَّلَ بحمايتِه وعصمتهِ من الأَعداء، فكم حاولَ الأَعداءُ اغتيالَه وقَتْلَه،
ولكنَّ اللهَ عَصمَه وحَماه، وأَخبره عن ذلك في قولِه تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) .
وصحيحٌ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ لعائشةَ ﵂: "ما زلْتُ أَجِدُ أَثَرَ السّمّ الذي قُدّمَ لي في خيبر ".
وأَنه قالَ لها أَيضاً: " هذا أَوانُ انْقِطاعِ أَبهَري ".
وهذا معناه أَنه كان يَمْرَضُ من أَثَرِ ذلك السم، وكانَ أكبرَ الأَثَرِ على
أَبهَره، وهو وَريدُه، لكنْ فرقٌ بين أَنْ نقول: كان يَمرضُ من أَثَرِ السم، وبينَ أَنْ نقولَ: ماتَ متأثراً بالسم.
***
حول أحوال الرسول ﷺ مع الوحي
أَثارَ الفادي المفترِي الشبهاتِ حولَ أَحوالِ الرسول ﷺ عندما كانَ يَأتيه الوحي، وَوَجَّهَ الاتهاماتِ له في عَقْلِه ونَفْسِه وأَعْصابِه، مما يدلُّ على أَنَّه ليس رسولاً، وأَنَّ الذي يتخيَّلُه ليس وحياً.
стр. 698
١ - الرسول المزمل المدثر:
قالَ الله : (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) .
والمُزَّمِّلُ هو المتَغَطي بثيابِه.
ونقلَ عن تفسرِ البيضاوي معاني الآيات الأولى من السورة.
وقال : (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) .
والمُدَّثِّرُ هو المتَغَطّي بثجابِه أَيْضاً، ونقلَ عن تفسيرِ البيضاوي معاني آياتِ السورة.
ومع تحفُّظِنا على بعضِ ما وَرَدَ في تفسيرِ البيضاوي، من رواياتٍ وأَخبارٍ
غيرِ دقيقة، أَو مرجوحة، إِلّا أَنّنا لن نتوقَّف معها، وننتقلُ مع الفادي المفتري
لنرصدَ شبهاته واتهاماتِه وافتراءاتِه.
٢ - هل صورة الرسول ﷺ صورة السكران؟ :
قال الفادي المفترِي: " جاءَ في الأَحاديث الصحيحة أَنَّه إِذا نَزَلَ عليه
الوحْيُ يُغْشى عليه، لتغيُّره تَغَيُّراً شديداً، حتى تصيرَ صورَتُه كصورةِ السَّكْران.
وقال علماءُ المسلمين: إِنه كانَ يُؤْخَذُ من الدنيا ".
وفي هذا الكلامِ مُغالطاتٌ وافتراءات، أَطْلقَهَا الفادي المجرمُ ضدَّ
رسولِ اللهِ ﷺ ، ونَسَبَها لعلماءِ المسلمين.
أَمّا أَنَّ الرسولَ ﷺ كان يَتَأَثَّرُ بالوَحْي، وأَنه كانَ يُغْشى عليه من ثقَلِ الوَحْي، فهو صحيح.
وهذا ما وَرَدَ في الأَحاديثِ الصحيحة.
ونكتفي من هذه الأَحاديث بالحديثِ الثاني من صحيحِ البخاري، حيثُ
روى البخاريُّ عن عائشة ﵂: أَن الحارثَ بنَ هشام ﵁ سأَلَ رسولَ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رسولَ الله، كيفَ يَأتيك الوَحْي؟
فقال رسولُ الله ﷺ : "أَحْياناً يأْتِيني مثل صَلصلة الجَرَسِ، وهو أشَدُّه علَيَّ، فيفصمُ عني وقد وَعَيْتُ عنه ما قالَ، وأحْيَاناً يتمثَّلُ لي المَلَكُ رَجُلاً فيكَلِّمُني، فأعي ما يقول ".
قالَتْ عائشةُ ﵂ " ولقد رأيْتُه يَنزِلُ عليه الوحْيُ في اليومِ الشَّديدِ البَرْدِ، وإِنَّ جبينَه ليتفَصَّدُ عَرَقاً ".
стр. 699
يعترفُ رسولُ اللهِ ﷺ أَنه كانَ يُعاني شِدَّةً من نُزولِ الوحي عليه، وتشهدُ عائشةُ ﵂ لذلك بأَنها رأَتْه يَنزلُ العرقُ من جبينِه في اليومِ الشديدِ البَرْد.
لكنَّ هذه الشدةَ التي كانتْ تقعُ به عندما يَغشاهُ الوحيُ، لم تُؤَدّ إِلى تَغَيُّرِه
هو في بَدَنِه وجسْمِه، وفي نَفسيَّتهِ وأَعصابه، ولم تتغيَّرْ صورتُه تغيُّراً سلبيّاً.
وقد كانَ الفادي بَذيئاً فاجرا عندما شَبَّهَ صورَتَه بصورةِ السكران، وصورةُ
السكران صورةٌ كريهةٌ مُقَزّزة، وكيفَ تُشَبَّهُ بها صورةُ أَشرفِ الخلقِ وأَكرمِهم وأَطيبِهم ﷺ ، وهو في أَشرفِ أحوالِه، حيث يتلقّى كلامَ الله وهو في غايةِ السعادةِ والسرور، والوعي والانتباه..
لكنّ الفادي مجرمٌ مفتر، قالَ كَلاماً لم يَقُلْهُ أَحَدٌ من المسلمين.
وافترى المفترِي افْتراءً آخَرَ عندما نَسَبَ لعلماءِ المسلمين قولَهم: إِنَّ
رسولَ الله ﷺ كان يُؤْخَذُ من الدنيا! أَيْ أَنّه كان يَغيبُ عن الدنيا بفكْرِه وعَقْلِه، ويَسرحُ في تخيّلاتِه..
ونأخذُ من كلامِ رسولِ الله ﷺ أَبلغَ رَد على هذا، حيثُ كانَ يركزُ على وَعْيِهِ وحُضورِه وانتباهِهِ، للدلالةِ على أَنه يعيشُ الحَدَثَ بكيانِه كُلّه: " فيفْصمُ عنّي وقد وعيتُ ما قال ".
٣ - غطيط الرسول ﷺ عند الوحي:
نَسَبَ الفادي إِلى أَبي هريرة ﵁ قولَه: " كانَ محمدٌ إِذا نَزَلَ عليه الوحْيُ استقبلَتْهُ الرّعْدَة.
وفي روايةٍ: كَرِبَ لذلك، وتَزَبَّدَ له وجْهُه، وغَمَّضَ عَيْنَيْه،
وربما غَطَّ كغطيط الإِبِلِ ".
صَحيحٌ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَغُطُّ عندما يَغْشاهُ جبريلُ ﵇، وذلك من ثِقَلِ الوحي، والغَطيطُ قَريبٌ من الشَّخير، وهو إِخراجُ الصوتِ من الأَنْفِ، وهذا أَمْرٌ عاديّ يمرُّ به أَيُّ شخصٍ عندما يبذلُ جهداً كبيراً، أَو يصعدُ مرتقى، وقد يَصدرُ عن كثيرٍ من النائمين، وهو ليسَ حالَةً مرضيَّة.
стр. 700
أَمَّا أَنْ يَرتعدَ جسْمُه ويَرتعشَ ويَنتفضَ، كما ادَّعى المفترِي، فهو غيرُ
صحيح، وأَمّا أَن يكونَ غَطيطُه بصوتٍ مُرتفعٍ مُزعجٍ كَغَطيط الإِبل، فهو غَيْرُ صحيحٍ أَيْضاً، وأَمَّا أَنه كان يَسْودُّ وجْهُه، ويخرجُ الزَّبَدُ من فمِه كما ادّعى هذا المجرمُ، فهو غيرُ صحيحٍ أَيضاً؛ لأَنَّ هذه حالةٌ مرضية، تدلُّ على أَمراضٍ نفسيةٍ عصبيةٍ حادة!
وهذه تَنَزَّه عنها أَشرفُ وأَعقلُ الخلقِ ﷺ .
٤ - صوت كدويِّ النحل:
نَقَلَ الفادي قولَ عمرَ بنِ الخطاب ﵁: "كان إِذا نزلَ عليه الوحي، يُسْمَعُ عند وَجْهِه كَدَوِيِّ النَّحْل! ".
وهذا كلامٌ صحيح؛ لأَنَّ هذا الصوتَ الذي يُدَوّي هو صوتُ نُزولِ
جبريل ﵇ عليه، ووصولِه إِليه.
٥ - صوت كصلصلة الجرس:
نَقَلَ الفادي قولَ عائشةَ ﵂: سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ : كيفَ يَأتيكَ الوحي؟
فقال: " أَحياناً مثْلُ صَلْصَلَةِ الجَرَس، وهو أَشَدُّه عَلَيَّ، وأَحياناً يتمثَّلُ لي الملَكُ رَجُلاً يُكلِّمُني، فأَعي ما يقول ".
وهذا جزءٌ من حَديثٍ صحيحٍ عند البخاري، أَوْرَدْناهُ قبلَ قَليل..
وصلصلةُ الجَرَسِ: صوتُ ضَرْبِ الجَرَس عندما يُقْرَعُ، وصلصلةُ الجَرَسِ هو ما كانَ يُسمعُ أَمامَه كَدوِيِّ النحل، كما قالَ عمرُ ﵁.
٦ - تصبب الرسول ﷺ عرقاً:
نَقَلَ الفادي قولَ عائشةَ ﵂: "ولقد رأيتُه يَنزلُ عليه الوحيُ في اليومِ الشَّديدِ البَرْد، وإِنَّ جَبينَه ليتفَصدُ عَرَقاً ".
وهذه تكملةٌ لحديثِ الحارثِ بن هشام السابقِ ﵁، في كيفيةِ نزولِ الوحي، حيث أخبرَ أَنَّ مجيئه كصلصلةِ الجَرَس، وكان هو الأَشَدَّ عليه، وشَهدَتْ عائشةُ ﵂ على ذلك، بأنها رأَتْ جَبِينَهُ يَتَفَصدُ عَرَقاً في اليومِ الشديدِ البَرْد.
стр. 701
وهذا أَمْرٌ عاديّ، قد يمرُّ به أَيُّ شخصٍ منّا، وليسَ به مرضٌ نَفْسِيٌّ أَو
عضويّ، فقد يلبَسُ أَحَدُنا ملابسَ صوفيةً، ثم يَسيرُ في طريقٍ صاعداً في مُرْتَفَع، ويكونُ العَرَقُ يتصبَّبُ من وجْهِه وجسمه، مع أَنَّ الثلجَ يَتساقطُ بغَزارة!.
٧ - هل كان الرسول ﷺ يسمع أصواتاً خفية؟ :
ادّعى الفادي أَنَّ رسول الله ﷺ كانت تُسمعُ حولَه أصواتٌ خفية، لا يُعرفُ أَصحابُها، وادَّعى الفادي أَنَّ رسول اللهِ ﷺ قالَ لخديجة ﵂: "إِذا خلوْتُ سمعْتُ نِداءً: يا محمد، يا محمد.
وقال لها في روايةٍ أُخْرى: أَرى نوراً يقظة، وأَسمعُ صوتاً، وقد خشيتُ من ذلك على نفسي.
وأَخشى أَنْ أَكونَ كاهناً، وأَنْ يكونَ الذي يُنادِيني تابِعاً من الجِنّ..
وأَخْشى أَنْ يكونَ بي جُنون.. ".
وادَّعاءُ الفادي باطلٌ مردود، وهذه الأَقوال لم تَصْدُرْ عن رسول الله ﷺ ، وقد رَدَّها علماءُ المسلمين؛ لأَنَ فيها اتِّهاماً لرسول الله ﷺ في عَقْلِه، فهو يَسمعُ أَصواتاً لا يَدري مَصْدَرَها، وكأَنها تتشكَّلُ في مخيِّلَتِه، وهو يَخشى أَنْ يكونَ الجِنُّ مسيطراً عليه، وأَنْ يكون قد أَصابَه الجُنون!!.
ومن المعلوم أَنَّ رسول اللهِ ﷺ لم يَكُنْ يَخْشى على نفسِه أَو عَقْلِه، وكان يوقنُ أَنَّه رسول الله، وأَن ما يأْتيه هو الوحيُ من الله، وأَنه كان على بيّنَةٍ قاطعة، ويَقينٍ كبير.
قال تعالى: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ) .
٨ - هل كانت تصيبه الرعدة؟ :
ادَّعى الفادي أَنَّ الرعدة كانَتْ تُصِيبُ رسولَ اللَه ﷺ عندما كان يأْتيهِ الوحيُ، ونَسَبَ هذا الادّعَاءَ إِلى أَبي هريرةَ ﵁.
وهذا ادّعاءٌ غيرُ صَحيح، فلم يكنُ رسول اللهِ ﷺ يَرتعدُ أَو يضطربُ، أو ينتفضُ جسْمُه، وإِنما كان متحكِّماً في جِسْمه، ضابطاً لأَعْصابِه، فَرِحاً سعيداً مسروراً.
стр. 702
٩ - هل كان رأسُه يؤلمه؟ :
ادَّعى الفادي المفترِي أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يشكو من آلامٍ شديدةٍ في رأسِه، ونَسَبَ إِلى أَبي هريرةَ ﵁ أَنهم كانوا يَضَعونَ الحِنّاءَ على رأْسِه، لتخفَّ عنه تلك الآلام!.
وهذا ادّعاءٌ باطل، فلم يكنْ ﷺ يشكو من آلامٍ في رأسِه طيلةَ حياتِه، بل لم يكن يشكو من أَيةِ أَمْراض، إِنما أَصابَتْه الحُمّى في آخرِ أَيامِه ﷺ .
وبعدما ناقَشْنا الفادي المفتريَ فيما أَوردَه من مظاهرِ التغييرِ والتأثيرِ
التسعةِ التي ادَّعى أَنها كانت تَطرأُ على رسولِ اللهِ ﷺ عندما يأتيه الوحي..
ننظرُ في ما خَرَجَ من ذلك من اتّهام.
قال المفترِي: " ونحنُ نسأل: أَيّ وَحْي هذا الذي يُخرجُ الإِنسانَ عن وَعْيه، فيُغْشى عليه، ويُشبهُ السكران، ويَغُطًّ كغطيطِ الإِبل، وتَحْمَرُّ عَيناه، وتأخُذُه الرّعدة، ويتَصبَّبُ عَرَقاً، ويُصَابُ بألم الرأس، ويُحِسُّ بطنينٍ في أُذنيهِ ورَنينٍ في دِماغِه؟
ولقد كان مُصاباً بهذه الأَعراضِ عينِها قبلَ أَنْ يَدَّعيَ الوحي ".
لقد صَوَّرَ الفادي المجرمُ رسولَ الله ﷺ مع الوحي بصورةِ الإِنسانِ المريض بالأَمراضِ النفسية، والمضطربِ في أَعصابه، الذي لا يُسيطرُ على كيانه..
وهو كاذبٌ في ادعاءاته، مجرمٌ في استنتاجاته!.
***
هل شرع الرسول ﷺ في الانتحار ؟
ادّعى الفادي المجرمُ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ شَرَعَ في الانتحار، ونَسَبَ هذا الادّعاءَ إِلى علماءِ المسلمين.
قال: " قالَ علماءُ المسلمين: إِنه لما فَتَرَ الوحيُ عنه حَزِنَ حُزْناً شَديداً، حتى كانَ يَغدو إِلى يَثرب مرة، وإِلى حِراء مرةً أُخرى،
стр. 703
يُريدُ أَنْ يُلقيَ نفْسَه منه، فكلما وافى ذِرْوَةَ جَبَلٍ منهما كي يُلقي نفسَه، تَبَدّى له جبريل، فقالَ له: يا محمد! أَنت رسولُ الله حقاً، فيسكُنُ لذلك جأشُه، وتَقَرُّ عينُه، ويَرجع، وإِذا طالَتْ عليه فترةُ الوحيِ عادَ لمثْلِ ذلك..
واختلفوا في مدةِ هذه الفترة، فعند ابنِ إِسحاق أنها ثلاثُ سنوات.
وقالَ أَبو القاسمِ السُّهَيْلي:
جاءَ في بعضِ الأَحاديثِ المسندةِ أَنَّ مدةَ هذه الفترةِ كانتْ سنتَيْن ونصفاً، وقالَ السيوطي: إِنها كانتْ سنتين ... " (١) .
وعَلَّقَ الفادي المجرمُ على هذا الادِّعاءِ بقوله: " ونحنُ نسأَل: كيفَ
يُحاولُ نبيّ الانتحارَ؟
ويقولُ القرآنُ معاتباً محمداً: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ ... ) : أَيْ: قَاتِلُهَا غمّاً ".
وما نَقَلَه الفادي عن كتب إِسلامية مردودٌ وباطل، ولم يُنقلْ هذا بروايات
صحيحة.
فالرسولُ ﷺ لم يَشرعْ في الانتحار، ولم يُفكرْ في قَتْلِ نفسِه، ولم يكنْ يَتَنقلُ بين رؤوسِ جبالِ مكة، ليتردّى منها، فيلاحقُه جبريلُ ويُناديه، ويُطَمئنُه أَنه رسولُ الله.
لقد كانَ رسولُ الله ﵇ يوقنُ أَنه رسولُ الله، منذُ أَنْ أَنزلَ اللهُ عليه الوحي، وكان على بينةٍ من ربِّه وقد شهدَ اللهُ له بتلك البينة في قوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً) .
ومن جهلِ الفادي وغَبائِه أَنه لم يُحسنْ فهمَ آيةٍ من القرآن، فيها تسليةٌ
لرسولِ الله ﷺ .
وهي قولُ الله (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) .
لا تتحدَّثُ الآيةُ عن رغبةِ الرسولِ ﷺ في الانتحارِ والتخلُّصِ من الحياة، كما ادَّعى الفادي المجرم، وإِنما تشيرُ الآيةُ إِلى اهتمامِ الرسولِ ﷺ بقومه، وحرصِه على هدايتهم، وتأَلمِه من تكذيبِهم وكفرِهم، وتَدْعوهُ الآية ُ إِلى
стр. 704
أَنْ لا يُهلكَ نفسَه هَمّاً وغَمّاً وحُزْناً عليهم، ومن المعلومِ أَنه إِذا زادَ الهَمُّ
والغَمُّ عند إِنساب، فإِنه قد يَقْضي عليه.
***
خرافة امتحان خديجة لجبريل
انتقلَ الفادي الجاهلُ من ادِّعاءِ محاولاتِ الرسولِ ﷺ الانتحارَ إِلى ادِّعاءٍ آخَرَ، أَشَدَّ منه بُطْلاناً، وأَكْثَرُ غرابة.
وهو أَنَّ الرسولَ ﷺ لم يكنْ متأكِّداً
أَنَّ الذي يأتيه هو جبريل، وظَنّ أَنه يُمكنُ أَنْ يكونَ جنّيّاً شيطاناً، فكلَّفَ امرأَتَه خديجةَ أَنْ تمتحنَه، فتأكَّدَتْ أَنه جبريلُ وليسَ شيطاناً.
قالَ المفترِي في افترائِه وادّعائِه: " مَنْ نَظَرَ في الأَحاديث التي هي عندَ
المسلمين بمنزلة القرآن، في الاعتقاداتِ والمعاملات، رأى أَنَّ محمداً كان
غيرَ متأكِّدٍ من وحْيه ".
كَذَبَ المفْتَري عندما ادَّعى أَنَّ الأَحاديثَ عند المسلمين بمنزلةِ القرآن..
ولم يَدَّعِ أَحَدٌ من المسلمين هذا الادّعاء، فمن البدَهيّات عندَ كُلّ مسلمٍ أَنَّ
الأَحاديثَ ليستْ بمنزلةِ القرآن، لأَنَّ القرآنَ كلامُ الله، والأَحاديث كَلامُ
رسولِ اللهِ ﷺ ، وهما ليسا بمنزلةٍ واحدة.
وادَّعى المجرمُ أَنَّ الأَحاديث تدلُّ على أَنَّ محمداً كانَ غيرَ متأكّدٍ من
الوحي، مع أَننا ناقَشْناهُ في هذا الادعاء قبلَ قليل، وبَيّنّا أَنّه كان على يَقينٍ
كاملٍ أَنه رسولُ الله.
وزَعَمَ الفادي المفترِي أَنَّ خديجةَ ﵂ طَلَبَتْ من الرسولِ ﷺ أَن يُخبرَها بقدومِ جبريل، لأَنَّها نَوَتْ أَنْ تمتحنَه..
فلما قَدِمَ جبريلُ أَخبرها..
فطلبتْ منه أَنْ يَجلسَ على فَخذها، فجلسَ وما زالَ يَرى جبريل.
فأَلْقَتْ خِمارَها عن رأسِها وكَشَفَتْ شَعْرَها، ولما رأى جبريلُ شعْرَها خرجَ من البيت.
فقالَتْ خديجة: يا ابْنَ عَمّي! اثبتْ وأَبْشِرْ..
فواللهِ إِنه لَمَلَكٌ وليس بشيطان.
стр. 705
وعَلَّقَ الفادي المفترِي على هذه الرواية بقوله: " ومن أَقوالِ العلماءِ هذه
نرى أَنَّ خديجة هي التي استنتجتْ بأَنَّ الذي كانَ يعرضُ له هو حاملُ الوحى،
الذي كان يأتي الأَنبياء.
ونحنُ نسأل: وهل تَرَبَّتْ خديجةُ بين الأَنبياء؟
أَو هل كانَ في عشيرتها نبيٌّ، كان يَعْتَريه مثلُ هذه الحالة، فتقيسُ عليه حالةَ محمد؟
وكيف عَرَفَتْ تلك القاعدة الغريبة أَنَّ المَلَكَ لا يرى الرأسَ المكشوفة، والجنُّ يراها؟
وأَيُّ نبي قبل محمدٍ جلسَ في حجرِ زوجتِه، فأكَّدَتْ له أَنَّ جبريلَ هو الذي يأْتيه؟ ".
هذه الروايةُ التي نُسبتْ لخديجةَ ﵂ في امتحانِ جبريلَ روايةٌ مردودةٌ وباطلة، ولم تَردْ بسَنَدٍ صَحيحٍ عن أَحَدٍ من أَصحابِ رسولِ الله ﷺ ، وقد رَدَّها وأَنكرَها علماءُ الحديثِ الثقات، ولكنَّ الفادي لجهلهِ المطبقِ لا يُحسنُ انتقاءَ الرواياتِ الصحيحة، ولا التمييزَ بين الصحيحِ والمردود.
وإِذا كانت الروايةُ مردودة، فإِنَّ تعليقَ الفادي عليها مردود، والنتيجةُ التي
خرج بها منها مردود،؟!.
***
سخرية المجرم من رسول الله ﷺ -!
وَضَعَ الفادي عنواناً مثيراً هو: " عَلامَ يَحسدونَه؟ ".
واعترضَ فيه على قولِ اللهِ عن اليهود: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) .
تتحدَّثُ الآية ُ عن حَسَدِ اليهودِ للرسولِ ﷺ ، لِما آتاهُ اللهُ من فضْلِه، وهي النبوةُ التي خَصَّهُ اللهُ بها.
قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) .