← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14321

التخريج عند الفقهاء والأصوليين

يعقوب الباحسين

Полный текст (381 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ذكره إلا القليل من القواعد الأصولية كالأصل (٤٢) المتعلق بتقديم خبر الآحاد على القياس الصحيح عند الحنفية (١)، والأصل (٦٩) المتعلق بمفهوم المخالفة وأن الحنفية لا تقول بأن تخصيص الشيء بالذكر ينفي الحكم عما عداه (٢)، والأصل (٨٥) المتعلق بحم مخالفة خبر الأحاد للأصول (٣). رابعاً: جمع الكتاب (٨٦) ستة وثمانين أصلاً مختلفاً فيه، وقد جعل المؤلف هذه الأصول في ثمانية أقسام، خمسة منها بين علماء المذهب اشتملت على (٤١) واحد وأربعين أصلاً، والأقسام الباقية بين الحنفية وغيرهم من العلماء. وقد أدخلت هذه الأصول ضمن الأقسام الآتية: ١ - قسم فيه خلاف بني أبي حنيفة وصاحبيه وفيه ٢٢ أصلاً ٢ - قسم فيه خلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف وبين محمد وفيه ٤ أصول ٣ - قسم فيه خلاف بين أبي حنيفة ومحمد وبين أبي يوسف وفيه ٣ أصول ٤ - قسم فيه خلاف بين أبي يوسف ومحمد ... وفيه ٤ أصول ٥ - قسم فيه خلاف بين فقهاء الحنفية الثلاثة أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف وبين زفر ... وفيه ٨ أصول ٦ - قسم فيه خلاف بين فقهاء الحنفية الثلاثة وبين الإمام مالك وفيه ٢ أصلان ٧ - قسم فيه خلاف بين فقهاء الحنفية وبين ابن أبي ليلى وفيه ٥ أصول ٨ - قسم فيه خلاف بين فقهاء الحنفية وبين الإمام الشافعي وفيه ٢٦ أصلاً ٩ - أصل اشتمل على أصول بنيت عليها مسائل خلافية وفيه ١٢ أصلاً فالمجموع ٨٦ أصلاً وقد أجاد المؤلف في تقسيم الأصول وترتيبها وتنظيمها، فجاءت أصوله مرتبة ومنظمة ومضبوطة. خامساً: إن الفروع المذكورة في الكتاب لم تكن مخرجة من قبل

стр. 107

المؤلف أو غيره من فقهاء عصره، وإنما هي منقولة عن الأئمة، فالتخريج في الكتاب كان لبيان أسباب الخلاف، أو لتعليل الأحكام المنقولة عن الأئمة. وكما أن الكتاب يمثل الفروع المخرجة على الأصول، فإنه يمثل أصولاً مخرجة من الفروع، والذي يكشف عن ذلك أن العودة إلى كتب الفقه في كثير من الفروع الواردة فيه لا ترينا التعليلات المسندة إلى هذه الأصول، بل ترينا تعليلات أخر غير مسندة إلى هذه الأصول. سادسا: كان منهج المؤلف وصفياً، فقد كان يذكر نص الأصل وآراء العلماء بشأنه، دون أن يرجح وجهة نظر منها، ودون أن يستدل لأحد. وبعد ذكره الأصل يذكر الفروع المبنية عليه، بعد قوله: وعلى هذا مسائل منها، أو على هذا قال أصحابنا. ولم يخرج عن ذلك إلا عدد محدود جداً من الأصول. الفرع الثاني: نماذج مختارة من الكتاب أولاً: قال أبو زيد في الأصل الأول من كتابه المذكور ص ١١ وما بعدها: قال الفقيه: الأصل عند أبي ﵀ على ما ذكره أبو الحسن الكرخي ﵀ أن ما غير الفرض في أله غيره في آخره (١)، مثل نية الإقامة للمسافر (٢) واقتداء المسافر بالمقيم (٣) وعلى هذا مسائل منها:-

стр. 108

١ - إن المتيمم إذا أبصر الماء، في آخر صلاته بعدما قعد قدر التشهد، قبل أن يسلم فإنه تفسد صلاته عند أبي حنيفة – ﵀ – لهذا المعنى، لأنه لو حصلت الرؤية في أول الفرض غيره، فكذلك إذا حصل في آخره، وعندهما لا تفسد. ٢ - إن العُريان إذا أصاب ثوباً، أو مقدار ما يستر عورته، بعدما قعد، قدر التشهد قبل أن يسلم، سدت صلاته عند أبي حنيفة – رحمه الله تعالى- لهذا المعنى الذي ذكرناه، وعندهما لا تفسد صلاته. ٣ - إن الأمي لو تعلم سورة من القرآن (١)، أو مقدار ما تجوز به الصلاة، بعدما قعد قدر التشهد، قبل أن يسلم، فسدت صلاته، عند أبي حنيفة، لهذا المعنى الذي ذكرناه، وعندهما لا تفسد صلاته. ٤ - إن المستحاضة، إذا خرج وقت صلاتها، بعدما قعدت قدر التشهد، قبل أن تسلم، فإنه تفسد صلاتها، عند أبي حنيفة- ﵀ لهذا المعنى، وعندهما لا تفسد صلاتها. وكذلك المبطون ومن به سلس البول، وصاحب الجرح السائل، ومن هو في معنى المستحاضة (٢) على هذا الخلاف.

стр. 109

٥ - إن المرأة إذا قامت بجنب الرجل، في آخر الصلاة، بعدما قعد قدر التشهد، قبل أن يسلم أفسدت صلاته عند أبي حنيفة، وعندهما لا تفسد (١). ٦ - إن الماسح على الخف، إذا انقضت مدة مسحه، بعدما قعد قدر التشهد، قبل أن يسلم، فإنه تفسد صلاته عند أبي حنيفة لهذا المعنى (٢)، وعندهما لا تفسد. ٧ - إن لابس الخفين إذا سقط الخف من رجله، بعدما قعد قدر التشهد، قبل أن يسلم، بغير فعله، أو بعمل يسير، من جهته (٣) فإنه تفسد صلاته عند أبي حنيفة لهذا المعنى، وعندهما لا تفسد فأما إذا كان بعمل كثير (٤) فإنه لا تفسد صلاته بالإجماع. ٨ - إن مصلي الجمعة إذا مضى الوقت، بعدما قعد قدر التشهد قبل أن يسلم (٥)، فإن صلاته تفسد عند أبي حنيفة، وعندهما لا تفسد. ٩ - إن من تذكر صلاة فاتت في آخر صلاته (٦)، ولم يدخل في

стр. 110

التكرار (١) بعدما قعد قدر التشهد قبل أن يسلم، فإنه تفسد صلاته عند أبي حنيفة، وعندهما لا تفسد. ١٠ - إن العاجز إذا قدر على الركوع والسجود، بعدما قعد قدر التشهد، قبل أن يسلم فإنه تفسد صلاته عند أبي حنيفة، وعندهما لا تفسد. ١١ - إن المرأة إذا حاضت، بعدما قعدت قدر التشهد، فسدت صلاتها عند أبي حنيفة، وعندهما لا تفسد. ١٢ - إن من كان في صلاة الفجر وطلعت عليه الشمس، بعدما قعد قدر التشهد، قبل أن يسلم، فسدت صلاته عند أبي حنيفة (٢)، وعندهما لا تفسد. فإن قيل: لو طلعت الشمس عند التكبيرة لا تغير الفرض في أوله (٣) قيل له: هذا من عدم العلة فلا يكون نقضاً (٤). وعلى هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن من أدرك الإمام يوم الجمعة بعدما قعد، قدر التشهد قبل أن يسلم، فإنه يصلي ركعتين، وقال محمد: يصلي أربعاً.

стр. 111

وكذلك لو أدركه في سجود السهود، في صلاة الجمعة، فإنه يصلي ركعتين عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد يصلي أربعاً وكذلك في سائر الصلوات، إذا سجد للسهو ثم اعترض له معنى من هذه المعاني فهو على هذا الأصل، وقد قدمناه قبل هذا. وحكي عن أبي سعيد البردعي أنه كان يخرج هذه المسائل على أصل آخر، وهو أن مذهب أبي حنيفة الخروج من الصلاة بصنعه فرض، وعندهما ليس بفرض. ولكن هذا ليس بمنصوص عليه عن أبي حنيفة (١) والأول أحسن. ثانياً: وقال في صفحة ١١٠: الأصل عند أصحابنا أن القدرة على الأصل أي المبدل قبل استيفاء المقصود بالبدل ينتقل الحكم إلى المبدل (٢) كالمعتدة بالشهور إذا

стр. 112

حاضت (١)، أو المعتدة بالحيض، إذا أيست (٢). عند أبي عبد الله لا ينتقل، وعلى هذا مسائل منها: إن المتيمم إذا وجد الماء، خلال الصلاة تفسد صلاته عندنا (٣) وعند أبي عبد الله لا تفسد (٤). إن العاري إذا وجد ثوباً في خلال صلاته تفسد صلاته عندنا (٥) وعند أبي عبد الله لا تفسد صلاته. والمريض إذا وجد خفة من مرضه وقوة وذلك في خلال صلاته استقبلها من الابتداء عندنا (٦) وعند أبي عبد الله يمضي على حاله في هذه المسائل كلها. إن المكفر عن يمينه إذا كفر بالصوم، فوجد في اليوم الثاني، أو في اليوم الثالث، ما يكفر به من طعام أو كسوة أو عتق، بطلحكم الصوم عندنا (٧). وعند أبي عبد الله لا يبطل. وكذلك المكفر عن قتل الخطأ إذا وجد رقبة في صيامه قبل تمام

стр. 113

الشهرين فإنه يعتق الرقبة ولا يجزيه الصوم عندنا. وعند أبي عبد الله لا يبطل صومه، ويجزيه عن الكفارة. وكذلك المتمتع إذا لم يجد الهدي فصام يوماً أو يومين، فوجد الهدي قبل فراغه من الصوم، إنه لا يجزيه صوم اليوم الثالث ويجب عليه أن يذبح الهدي (١) وعند أبي عبد الله يجوز. إن المظاهر إذا وجد ما يعتق أو ما يطعم، قبل الفراغ من الصوم لايجزيه الصوم عندنا، ويلزمه الإعتاق وعند أبيعبد الله يجزيه الصوم ولا يلزمه الإعتاق ويمضي إتمام شهرين متتابعين (٢).

стр. 114

المطلب الثاني تخريج الفروع على الأصول لشهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني (ت ٦٥٦هـ) الفرع الأول: التعريف بالكتاب: نشر هذا الكتاب أول مرة، فما نعلم، سنة ١٣٨٢هـ الموافقة لسنة ١٩٦٢م بتحقيق د/ محمد أديب صالح، وطبع في مطبعة جامعة دمشق، وقد أعاد محققه نشره مرات عديدة، مع زيادات يسيرة في استقصاء القواعد الأصولية، والفقهية، وما بني عليها من الفروع. وقد اعتمد محققه، على ما ذكر، على نسختين مخطوطتين، أحداهما نسخة دار الكتب المصرية، وهي تقع في (٩٣) ورقة، من القطع الصغير، يرجع تاريخ الانتهاء من نسخها إلى سنة ٨١٨هـ، وأخراهما نسخة مكتبة الأزهر، وتقع في (٥٥) ورقة من القطع الصغير أيضاً، وهي ضمن مجموعة من الكتب وقد اعتمد المحقق على نسخة دار الكتب، وجعلها أصلاً، لخلوها مما في نسخة الأزهر من التصحيف والخروم، التي حدد مواضعها في مقدمة الكتاب (١). ولم يمنعه ذلك من العودة إلى مخطوطة الأزهر، ليسد بعض ما وجده من نقص أو ليهتدي به إلى الصواب. ولما فيها من زيادات، رأي إثباتها في المتن مع الإشارة إلى ذلك في الهامش. ولم يذكر المحقق تاريخ نسخة الأزهر، ولا عدد الأسطر في كل صفحة

стр. 115

من كلتا المخطوطتن، ولا عدد كلمات كل سطر؛ ليتضح سبب الفرق في عدد الوراق بينهما. ومما يؤخذ على عمل المحقق أنه لم يبحث في صحة نسبة الكتاب للمؤلف، لا سيما أنه لم يذكره أحد من أئمة المؤلفين في طبقات الشافعية، كابن السبكي، والأسنوي، وابن قاضي شهبة، ولا أورده صاحب كشف الظنون، ولا البغدادي في الدر المكنون، ولا في هدية العارفين، مع أن معرفة ذلك من الأمور المهمة. على أنه مهما يكن من أمر فن الكتاب سد فراغاً كبيراً في مكتبة الفقه والأصول، وكان انتباه المحقق إليه، وعمله على إخراجه لفتة ذكية منه، يستحق عليها الثناء. والمرجو من المحقق، أن يوثق نسبة الفروع الفقهية، فيما لم يوثق، عند إعادة طبعه. وفيما يأتي وصف موجز للكتاب: ١ - يُعد هذا الكتاب من الكتب المتبحرة في موضوعها، وقد كتبه مؤلفه ليبين مآخذ الخلافات الواقعة بين الأئمة، وأنها تعود إلى الاختلاف في الأصول التي تبنى عليها الأحكام. وقد نبه المؤلف إلى أنه لم يسبق إلى مثل ذلك، إذ أن العلماء الماضين والفقهاء المتقدمين لم يتصدوا إلى ما تصدى إليه، فعلماء الأصول يذكرون الأصول مجردة عن الفروع المبنية عليها، وعلماء الفروع ينقلون المسائل المتفرقة، من دون تنبيه على كيفية استنادها إلى تلك الأصول (١). ٢ - وكان منهجه أن يذكر المسألة الأصولية أو الفقهية التي ترد إليها الفروع،

стр. 116

ويذكر وجهات نظر المختلفين بشأنها ثم يبين ما ينبني على ذلك نم اختلاف الفقهاء، وكان ترتيبه لتلك المسائل على وفق الأبواب الفقهية بدءاً بكتاب الطهارة وانتهاء بمسائل الكتابة من غير استيعاب لجميع الأبواب الفقهية. ٣ - تضمن الكتاب (٣١) موضوعاً هي مجموع كتبه ومسائله، وهذه الموضوعات هي: الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والبيوع، والربا، والرهن، والوكالة، والإقرار، والغصب، والإجارة، والشفعة، والمأذون، والنذر، والأهلية، وقاعدة جامعة، والنكاح، والصداق، واختلاف الدارين، والطلاق، والرجعة، والنفقات، والجراح، والحدود ومسائل حد الزنا، ومسال السرقة والسير، والأيمان، والأقضية، والشهادات، والعتق والكتابة. وقد ضمن هذه الكتب أو المسائل (٩٥) أصلاً أو مسألة، وفرع على كل أصل أو مسألة عدداً من الفروع الفقهية المختلف فيها بناء على الاختلاف في تلك الأصول. وكان يسميها في الغالب مسائل. وفيما يلي بيان لعدد تلك الأصول أو المسائل في كل كتاب من كتبه: الكتاب أو المسألة ... الأصول أو عدد الكتاب أو المسألة الأصول أو عدد المسائل فيه ... المسائل فيه ١ - كتاب الطهارة والتيمم ١٠ ٨ - مسائل الرهن ... ١ ٢ - كتاب الصلاة ٧ ٩ - مسائل الوكالة ... ١ ٣ - كتاب الزكاة ٢ ١٠ - مسائل الإقرار ١ ٤ - كتاب الصوم ٦ ١١ - مسائل الغصب ٣ ٥ - كتاب الحج ١ ١٢ - مسائل الإجارة ١ ٦ - كتاب البيوع ٣ ١٣ - مسائل الشفعة ١ ٧ - مسائل الربا ١١ ١٤ - مسائل المأذون ١

стр. 117

١٥ - مسائل النذر والأهلية ١ ٢٤ - كتاب الحدود ومسائل الزنا ٤ ١٦ - قاعدة جامعة ١ ٢٥ - مسائل السرقة ٢ ١٧ - كتاب النكاح ٧ ٢٦ - كتاب السير ٣ ١٨ - مسائل الصداق ١ ٢٧ - مسائل الإيمان ٢ ١٩ - مسائل اختلاف الدارين ١ ٢٨ - مسائل الأقضية ١ ٢٠ - مسائل الطلاق ٦ ٢٩ - مسائل الشهادات ٢ ٢١ - مسائل الرجعة ١ ٣٠ - كتاب العتق ١ ٢٢ - مسائل النفقات ٢ ٣١ - كتاب الكتابة ١ ٢٣ - كتاب الجراح ١٠ مجموع المسائل أو الأصول ٩٥ ٤ - ولم تكن عناوين توزيع موضوعاته واحدة فتارة يسميها كتاباً ككتاب الزكاة والصوم والحج والبيوع والنكاح والجراح والسير ... إلخ، وتارة يسميها مسائل كمسائل الإجارة ومسائل الشفعة ومسائل المأذون ومسائل الصداق ومسائل السرقة ... إلخ. ٥ - ولم يكن الكتاب خاصاً بتخريج الفروع على الأصول المعروفة في الاصطلاح، بل كانت الأصول عنده واسعة شملت، إضافة إلى أصول الفقه وقواعده، القواعد والضوابط الفقهية أيضاً. كما أن أصول الفقه عنده تناولت الأدلة الإجمالية الكبرى، وما تفرع عليها من القواعد. ومن هذه الأدلة شرع من قبلنا وهل هو شرع لنا (١)، والاستدلال بالمصالح المستندة إلى كلي الشرع وهل هو جائز أو لا؟ (٢)، والاستدلال

стр. 118

بالاستصحاب (١) أو بقول الصحابي على انفراده (٢) وغير ذلك. وأما الضوابط والقواعد الفقهية فقد ورد عنده منها مسألة القطع والضمان لايجتمعان وخلاف العلماء في ذلك (٣) وهل اليد الناقلة معتبرة في وجوب الضمان أو لا؟ (٤) وهل المنافع هيئة قائمة بالمحال تنزل منزلة الأعيان في عقد الإجارة أو لا؟ (٥) وهل المأذون يتصرف لسيده بحم الإذن كالوكيل، أو يتصرف لنفسه بحكم فك الحجر كالمكاتب؟ (٦) وهل ملك الغنائم يتوقف على الإحراز بدار الإسلام، أو لا، بل يحصل بمجرد الاستيلاء؟ (٧) وهل شهادة النساء ضرورية غير سأصلية أو أنها أصلية؟ (٨) وهل تدخل النيابة في التكاليف والعبادات البدنية أو لا؟ (٩) وهل المصلي يصلي لنفسه ولا شركة بين الإمام والمأموم، أو إن صلاة المأموم تابعة لصلاة الإمام (١٠). ٦ - وزع المؤلف ما أورده من أصول وقواعد على الموضوعات التي أشرنا إليها في الفقرة (٣)، وهذا صنيع لا يتلاءم مع طبيعة الأصول الشاملة التي لا تقتصر على كتاب أو باب معين. ولهذا فإنه عند ذكر الفروع لم يلتزم بذلك التزاماً تاماً، بل جاءت الفروع في كثير من الأحيان من أبواب متعددة. ففي المسألة (١) من كتاب الطهارة المتعلقة بمسألة الأصل في العبادات

стр. 119

هل هو التعليل أو التعبد؟ ذكر الاختلاف في أمور ليست من كتاب الطهارة. منها: هل يتعين لفظ التكبير في افتتاح الصلاة أو لا؟ وهل المتعين في الصلاة قراءة الفاتحة أو أن غيرها ينوب منابها؟ (١) وهل يمتنع الأبدال في الزكوات ولا يجزيء إخراج القيمة أو لا؟ وهل التغذية والتعشية في الكفارات تجزيء عن صرف الطعام إلى المساكين أو لا وهل يجب استيعاب العدد عند صرف الطعام إلى المساكين أو لابد من صرفه إلى مسكين واحد (٢). وفي المسألة المتعلقة بجواز التعليل بالعلة القاصرة المستنبطة، ذكر طائفة من الفروع الفقهية ليست من كتاب الطهارة، منها مسألة الإفطار بالأكل والشرب في نهار رمضان هل يوجب الكفارة كالجماع أو لا؟ (٣) وهل علة تحريم الربا في النقدين الثمينة المختصة بهما، أو الوزن واتحاد الجنس وهل العلة في وجوب نفقة القريب البعضية المختصة بالوالدين والمولودين، أو أنها عموم الرحم (٤). وفي المسألة (٣) من كتاب الطهارة المتعلقة بالزيادة على النص هل هي نسخ أو لا؟ (٥). ذكر مسألة التغريب هل يشرع مع الجلد أو لا؟ (٦) ومسألة القضاء بالشاهد واليمين هل يجوز أو لا؟ (٧).

стр. 120

وفي المسألة (٤) من كتاب الطهارة المتعلقة بالواو الناسقة هل تفيد الترتيب أو إنها لمطلق الجمع؟ ذكر في الاستدلالات فروعاً فقهية من أبواب متعددة (١)، وأما في التفريع على الأصل فقد ذكر فرعين أحدهما له صلة بكتاب الطهارة، وهو الترتيب في أفعال الوضوء هل يستحق أو لا؟ وآخرهما هو البداية بالسعي بالصفا دون المروة هل يجب أو لا؟ (٢) وهذا لا علاقة له بالطهارة، بل هو متعلق بأفعال الحج. وهكذا يقال عن المسألة (٥) التي ذكر فيها خمس مسائل، تتفرع على الأصل الذي ذكره، منها اثنتان في الطهارة، وثلاث ليس منها (٣). وعن المسألة (٦)، التي ذكر فيها أربع مسائل تتفرع على الأصل، منها فرع واحد يتعلق بالطهارة، وهو الوضوء من مس الذكر، وثلاثة فروع لا علاقة لها بالطهارة، غذ أحدها يتعلق بالجهر بالتسمية في الصلاة، وثانيها يتعلق بقبول شهادة المنفرد برؤية الهلال، إذا كانت السماء مصحية، وثالثها يتعلق بثبوت خيار المجلس في عقود المعاوضات بما تعم به البلوى (٤). وفي المسألة (٧) المتعلقة بدوران اللفظ بين الحقيقة والمجاز ذكر ثلاث مسائل متفرعة على الأصل المذكور، أولها يتعلق بنقض الوضوء من لمس المرأة، وهذا له صلة بالكتاب، وأما الفرعان الآخران فأحدهما يتعلق بشرب النبيذ المسكر، وهل يوجب الحد، وآخرهما يتعلق باستعمال لفظ (أنت طالق) بنية العتق (٥). وهما ليسا من كتاب الطهارة. ونكتفي بما ذكرنا من كتاب الطهارة تركاً للتطويل، ويمكن أن يقاس عليه

стр. 121

غيره (١) ومنه ندرك أن ما ذكره محقق الكتاب من أن المؤلف إنما سمح لنفسه في القليل النادر أن يورد مسألة أو أكثر من غير أسرة الكتاب (٢) لا يسلم له. فما كان يورده ليس بالقليل النادر. وتبرير المحقق لمثل ذلك بأنه نابع من السير ضمن الخطوط العامة للمنهج في التخريج (٣) غير مقبول، لأن التخريج على الأصول يقتضي ترك توزيع القواعد الأصولية أو الفقهية العامة على الموضوعات الخاصة، لأن طبيعة هذه القواعد تنافي الاختصاص المذكور،

стр. 122

فالاختصاص الذي اتبعه المؤلف يناسبه الضوابط الفقهية المتعلقة بباب واحد، لا القواعد الأصولية، ولا القواعد الفقهية الكلية العامة، ولهذا فإن منهج ابن اللحام في كتابه (القواعد والفوائد الأصولية) يُعد المنهج الصحيح في ذلك، والمتلائم مع طبيعة الأصول. ٧ - ولم يكن الكتاب – كما ذكرنا- مستوعباً لفروع الفقه ولا لكل أبوابه، بل اقتصر – كما ذكر مؤلفه- على أمهات المسائل الخلافية (١). وإنما اتجه إلى ذلك رغبة في الاختصار، ولأنه جعله أنموذجاً لما لم يذكره، حتى أنه يستطيع الباحث أن يجد فيه دليلاً على ما لم يذكر، أو كما جاء في تعبير المؤلف (دليلاً على الذي لا تراه من الذي ترى) (٢). وبذلك يكون كتابه مفتاحاً، يستطيع المطلع عليه أن يفتح به كثيراً من المغلقات. ٨ - وكان المؤلف عند عرضه لوجهات النظر في القواعد التي يذرها، لا يتوسع في الاستدلالات وإنما يذكر الهم منها، كما يتراءى له. ويذكر الأدلة بصيغة حيادية في الغالب، متبعاً منهجاً وصيفاً في ذلك، لأن هدفه كان بيان كيف اختلفت الفروع، تبعاً للاختلاف في الأصول. وعلى الرغم من أنه كان شافعي المذهب، فإنه لم ينتصر لمذهبه، إلا قليلاً، سواء كان بنقده لمذهب خصمه، وهو الحنفي، أو بتعزيزه لرأي إمامه. ومن هذه المواضع القليلة نقده لرأي أصحاب أبي حنيفة في أن القياس لا يجري في الكفارات، ووصفه بالفساد، مع تعليله لذلك (٣)، ومنها نقده رأيهم في المنع من القياس على الخارج عن القياس (٤)، ومنها مناقشة، رأي الحنفية بشأن عدم جواز القياس على الأسباب (٥) ومنها نقده استدلالهم بالإجماع على أن للعموم ألفاظاً

стр. 123

شرعية، وأوضاعاً معلومة، لا يدخلها التخصيص قطعاً ويقيناً (١)، ومنها تضعيفه رأي الحنفية بشأن إنكار تخصيص عموم الكتاب بالقياس، وتبرير هذا التضعيف بالدليل (٢)، وتضعيفه رأيهم القائل بأن (مَنْ) الشرطية تخص الذكور دون الإناث، ونقده لدليلهم بأنه ضعيف ومن شواذ اللغة (٣)، ونقده لهم وللقدرية في ذهبهم إلى أن حديث (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) مجمل لا يجوز الاحتجاج به، ونعته رأيهم في ذلك بالفساد، وتبرير هذا النعت بالدليل (٤). ٩ - اقتصر المؤلف عند عرضه للأصول المختلف فيها على مذهبي الشافعي وأبي حنيفة، ولم يذكر غيرهما من أصحاب المذاهب الفقهية المشتهرة، إلا في مسألتين ذكر فيهما الإمام مالكاً. أولاهما: في المسألة الرابعة من كتاب الطهارة، إذ ذكر فيها موافقة مالك لأبي حنيفة في أن الواو لمطلق الجمع، حتى قال بوقوع الطلاق الثلاث قبل الدخول فيمن قال لغير المدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق (٥). وأخراهما: المسألة الثانية من كتاب السير المتعلقة بموافقة مالك لرأي الشافعي باختصاص اللفظ العام بسببه، إن ورد على سبب خاص (٦). ١٠ - لاحظ د. محمد سلام مدكور – ﵀ – في تقديمه للكتاب أن مؤلفه في نقله لعدد من الأحكام في المذهب الحنفي، ولعدد من المسائل العلمية، لم يكن دقيقاً، بل خالف في بعض ما نقله المعروف من آراء الحنفية، وما هو مشهور في المسائل العلمية، واكتفى بالتنبيه على اثني عشر موضعاً، لم يكن الزنجاني فيها دقيقاً بنقله لمذهب الأحناف، أو

стр. 124

في بعض المسائل العلمية، وبين أن ذلك لا يؤثر على ما في الكتاب من مزايا في (إبداع تبويبه ووجازه تعبيره وضبطه للمسائل ضبطاً قل نظيره بين الكتب المتداولة) (١). الفرع الثاني: نماذج مختارة من الكتاب: أولاً: المسألة (١) من كتاب الطهارة. وقد ذكر الزنجاني فيها إحدى عشرة مسألة مختلفاً فيها، بين الحنفية والشافعية، بناها على الخلاف في أن المعاني والأحكام الشرعية هل هي من صفات الأعيان المنسوبة إليها فيصح التعليل، كما هي وجهة نظر طائفة من الحنفية، أو أنها ليست من صفاتها، بل مما أثبته الله تعالى تحكماً وتعبداً، فلا يصح التعليل، كما هي وجهة نظر الشافعي؟ وهي مسألة كبرى يبنى عليها ما لا حصر له من الفروع. وقد آثرنا اختيارها لهذا السبب، ولكننا ننبه هنا إلى أمرين: أولهما: إن الرجوع إلى كتب الفقه في المذهبين، لا تدل على أن ما ذكره الزنجاني، هو الأساس فيما ذهب إليه ل طرف من الأحكام، فهذه الكتب تعلل أحكام كثير من هذه الفروع بأدلة أخرى، عقلية أو نقلية، وقد يأتي ما ذكره الزنجاني فيها من باب الاستئناس والتقوية، لا على سبيل الانفراد. وفي أحيان قليلة يوجه الحكم بما ذكره من تعليل. وثانيهما: إن ما ذكره من توجيه للمسائل يعطي تصوراً جيداً لها، ويمكن من الفهم الدقيق، ويوجد رباطاً وثيقاً بين طائفة من المسائل، في الأبواب المتفرقة، ما كان يمكن أن يُدرك من دون التنبيه إلى ذلك إلا بمشقة زائدة. قال الزنجاني (أ):

стр. 125

(ذهب الشافعي ﵁ (١) وجماهير أهل السنة إلى أن الطهارة والنجاسة وسائر المعاني الشرعية كالرق والملك (٢)، والعتق والحرية، وسائر الأحكام الشرعية، ككون المحل طاهراً (٣) أو نجساً، وكون الشخص حراً أو مملوكاً مرقوقاً، ليست من صفات الأعيان المنسوبة إليها، بل أثبتها الله تحكماً وتعبداً، غير معللة (٤). لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، ولا تصل آراؤنا الكليلة، وعقولنا الضعيفة، وأفكارنا القاصرة إلى الوقوف على حقائقها، وما يتعلق بها من مصالح العباد، فذلك حاصل ضمناً وتبعاً، لا أصلاً ومقصوداً، إذ ليست المصلحة واجبة في حكمه. واحتج في ذلك: بأن الله تعالى إذا جاز أن يعاقب الكافر على كفره، والفاسق على فسقه، ولا مصلحة لأحد فيه، جاز أن يشرع الشرائع، وإن تعلق بها مفسدة ولا يتعلق بها مصلحة لأحد، ولذلك الله تعالى كلف الإنسان ما ليس في وسعه فقال تعالى: ﴿فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (٥) ﴿فَاتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ (٦) وقال للملائكة: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ

стр. 126

صَادِقِينَ﴾ (١) وكل ذلك تكليف للإنسان ما ليس في وسعه، وذلك ضرر لا مصلحة فيه. وسر هذه القاعدة أن الله تعالى مالك الملك وخالق الخلق، يتصرف في عباده كيف يشاء، ولا كذلك الواحد منا. فإنه إذا أضر بغيره كان متصرفاً في ملك الغير بالضرر، وذلك ظلم وعدوان. وذهب المنتمون إلى أبي حنيفة ﵁ من علماء الأصول إلى أن الأحكام الشرعية صفات للمحال (٢) والأعيان المنسوبة إليها، أثبتها الله تعالى، وشرعها معللة بمصالح العباد لا غير (٣). كما أن الحسن، والقبح (٤)، والوجوب، والحظر، والندب (٥)، والكراهة، والإباحة، من صفات الأفعال التي تضاف (٦) إليها، غير أنهم قسموا أحكام الأفعال إلى: ما يعرف بمجرد العقل، وإلى ما يعرف بأدلة الشرع، على ما سيأتي: أما أحكام الأعيان: فقد اتفقوا على أنها كلها تعرف بأدلة شرعية، ولا تعرف بمجرد العقل، وأنها (٧) كلها تثبت بإثبات الله تعالى. واحتجوا في ذلك بقياس الشاهد على الغائب، بناء على قاعدة التحسين

стр. 127

والتقبيح، وزعموا أن شرع الحكم (١) لا لمصلحة عبث وسفه، والعبث قبيح عقلاً، وهو كإقدام الرجل اللبيب على كيل الماء من بحر إلى بحر، فإنه يقبح منه ذلك ويستحق الذم عليه. وإذا تمهدت هذه القاعدة فنقول (٢): الشافعي ﵁ حيث رأى أن التعبد في الأحكام هو الأصل غلب احتمال التعبد: وبني مسائله في الفروع عليه. وأبو حنيفة ﵁ حيث رأى أن التعليل هو الأصل بنى مسائله في الفروع عليه، فتفرع عن الأصلين المذكورين مسائل. منها (أ): ١ - أن الماء يتعين (٣) لإزالة النجاسة عند الشافعي ﵁ (ب)، ولا يلحق غيره به تغليباً للتعبد. وقال أبو حنيفة ﵁: يلحق به كل

стр. 128

مائع طاهر مزيل للعين والأثر (أ) تغليباً للتعليل (١) (ب). ٢ - ومنها: أن الماء المتغير بالطاهرات كالزعفران والأشنان (ج) إذا تفاحش تغيره (٢) لم يجز التوضي به (عند الشافعي) ﵁ بناء على الأصل

стр. 129

المذكور، فإنه تعبد باستعمال الماء بالاتفاق (١)، والميع (٢) اسم الماء وهذا لا يندرج تحت اسم (٣) المطلق (أ). ٣ - ومنها: أن التوضي بنبيذ التمر عند عدم الماء في السفر (ب) ممتنع عندنا (٤). (وعنده): جائز (٥).

стр. 130

٤ - ومنها: أن جلد الكلب لا يطهر بالدباغ (عند الشافعي) ﵁ (١) (أ)، تغليباً للتعبد بترجيح الاجتناب على الاقتراب. وعندهم: يطهر تشوفاً إلى التعليل (٢). ٥ - ومنها: أن ذكاة ما لا يؤكل لحمه لا تفيد طهارة الجلد (عندنا) (ب) مراعاة للتعبد (٣)، كما في ذكاة المجوس (٤)، ونجاسة اللحم من هذا الذبيح. وعندهم يطهر تشوفاً (٥) إلى تعليل الطهارة بسفخ الدم والرطوبات المتعفنة (٦). ٦ - ومنها: أنه يتعين لفظة التكبير في افتتاح الصلاة (عندنا) ولا يقوم ما في معناها مقامها (٧) ويتعين لفظة (٨) التسليم في اختتامها، ولا يقوم ما في

стр. 131

معناها مقامها (١) (أ). وعنده: يقوم (٢). ٧ - ومنها: أن غير الفاتحة لا يقوم مقامها في الصلاة (ب) (عندنا)، لاحتمال التعبد بالإعجاز اللفظي والمعنوي (٣). وعنده (٤): يقوم مقامها تعويلاً على المعنى (٥).

стр. 132

٨ - ومنها: أنه يمتنع الإبدال في باب الزكوات (١)، ولا يجزيء إخراج القيم (عندنا)، لظهور احتمال التعبد بالتشريك بين الفقراء والأغنياء في جنس المال، عندهم: يجزيء (٢) (أ). ٩ - ومنها: أن تخليل الخمر حرام، والخل الحاصل منه نجس (عندنا)،

стр. 133

تغليظاً للأمر فيها (أ). وعندهم جائز، والخل الحاصل منه طاهر تعليلاً بزوال علة النجاسة كما في الدباغ (١). ١٠ - ومنها: أن التغذية والتعشية في الكفارات لا تجزيء (٢) (عندنا) (ب)، بل يجب صرف الطعام إلى المساكين (٣). ١١ - ومنها: أنه يجب استيعاب العدد (عندنا) وصرف الطعام إلى المساكين. وعندهم: يجوز (٤) صرفه إلى مسكين واحد ستين يوماً (ج)، أو عشرة أيام في كفارة اليمين (٥).

стр. 134

ثانياً: المسألة (٤) من كتاب الصوم، وهي خاصة بمسألة جريان القياس في الكفارات. وقد ذكر المؤلف – ﵀ أربع مسائل، مبنية على الخلاف في ذلك. ورأي الحنفية في منع القياس لا يقتصر على الكفارات، وإنما هم يمنعون ذلك في سائر العقوبات من حدود وتعازير وكفارات، كما يمنعون ذلك في الرخص والمقدرات، ولهم ولمخالفيهم توجيهات خاصة، وبيان للأسباب التي دفعت كلا منهم للأخذ برأيه، تعرف في مظانها من كتب الأصول (أ). قال الزنجاني (ب): كل حكم شرعي أمكن تعليله، فالقياس (١) جائز فيه عند الشافعي ﵁ (٢). وذهب أصحاب أبي حنيفة: إلى أن القياس لا يجري في الكفارات (٣) وهذا فاسد: فإن مستند القول بالقياس: إجماع الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يفرقوا بين حكم وحكم فيما يمكن تعليله، ولأنا نسائلهم ونقول: لا يجوز غجراء القياس فيها مع ظهور المعنى وتجليه، أم مع عدم ظهوره؟.

стр. 135

إن قلتم (١): مع ظهوره وتجليه: فهو تحكم، وصار بمثابة قول القائل: أنا أجري القياس في مسألة، ولا أجريه في مسألة، مع ظهور المعنى فيهما، وتجليه، وإن قلتم: مع عدم ظهور المعنى: فنحن وإياكم في ذلك على وتيرة واحدة. واحتجوا بأن قالوا: إنما منعنا من إجراء القياس في الكفارات، لأنا رأينا الشرع قد أوجب الكفارة على المظاهر، وعلل وقال: "إنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً" (٢). ثم إن المرتد. قال أعظم مما قال المظاهر، وأفحش، ولم يوجب عليه الكفارة (أ)، ولذلك وجب أبدالها على وجه لا يهتدي إليه الرأي والقياس، فإنه أوجب على الحالف عتق رقبة، أو صيام شهرين (ب) أو إطعام عشرة مساكين، وأوجب على المظاهر عتق رقبة، أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكيناً، فإن قلنا: العتق بدله ثلاثة أيام فأي حاجة بنا إلى صيام شهرين، وإن قلنا: شهران فلِمَ نوجب ثلاثة أيام؟ وكيف يتعدد البدل والمبدل واحد؟ وهذا ضعيف، فإن امتناع القياس في الأبدال لا يمنع القياس في الأسباب بعضها (٣) على بعض. ويتفرع عن هذا الأصل مسائل:

стр. 136

١ - منها: أنه إذا جامع في يومين من رمضان (١) واحد: يلزمه كفارتان (أ) عندنا لتماثل السببين (٢). وعندهم: لا يلزمه سوى كفارة واحدة، لتعذر الإلحاق على ما سبق (٣) (ب). ٢ - ومنها: أن المنفرد برؤية الهلال ذا رد الحاكم شهادته (ج) يلزمه الكفارة، إذا جامع في ذلك اليوم عندنا، كما إذا قبل القاضي شهادته (٤). وعندهم: لا يلزمه (د)، لما ذكرناه من سد باب الإلحاق (٥). ٣ - ومنها: إن من تعمد استدامة الجماع حتى طلع عليه الفجر، ولم ينزع

стр. 137

التزم (١) الكفارة عندنا (٢) (أ)، قياساً لدفع الانعقاد على قطع (ب) العقد (٣). وعندهم: لايلزمه، لاعتقادهم أن لا مجال للقياس فيها (٤). ٤ - ومنها: إن القتل العمد يوجب الكفارة عندنا (٥)، قياساً على الخطأ (٦) (ج)، قال الشافعي ﵁، إذا وجبت الكفارة في الخطأ، ففي العمد أوجب وعندهم: لا تجب (د)، لماذكرناه (٧) (هـ).

стр. 138

المطلب الثالث مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد المالكي الشريف التلمساني (المتوفى سنة ٧٧١هـ) الفرع الأول: التعريف بالكتاب: هذا الكتاب الأصولي مما أدخله كثير من الباحثين في إطار التخريج، وقد ذكره البغدادي بهذا الاسم في إيضاح المنون٢/ ٥٢٨، وذكر مصدره في الزيتونة، وطبع باسم مفتاح الوصول في علم الأصول من قبل دار الكتاب العربي للنشر في مصر سنة ١٣٨٢هـ-١٩٦٢م، وذكر في مقدمته أنه مفتاح الأصول في ابتناء الفروع على الأصول، ولم تعط دار النشر مبررات لطبعه بعنوان آخر، وفي نيل الابتهاج (ص٢٥٩ بهامش الديباج المذهب) أنه مفتاح الأصول في بناء الفروع على الأصول، وكان طبعه بإشراف قاضي القضاة بنيجيريا الشيخ أبو بكر محمد قمي، وعلى نفقة أحمد وبيلو رئيس حكومة نيجيريا الشمالية في حينه. ثم طبع بتحقيق الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف باسم (مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول)، ووضع المحقق مقدمة له، ترجم فيها للمؤلف، وعرف بالكتاب. وقد طبع أكثر من مرة، وسنحيل على هذه الطبعة المحققة، المطبوعة سنة ١٤٠٣هـ من قبل دار الكتب العلمية ببيروت/ لبنان. وهذا الكتاب على صغر حجمه يتميز بمنهج وأسلوب فريد، يختلف عن كثير من الكتب الأصولية، ومن الممكن أن نوجز أهم ما اتصف به بالأمور الآتية:

стр. 139

١ - اتبع المؤلف في ترتيب كتابه وعرض موضوعاته خطة فريدة، ومنهجاً خاصاً، على غير ما هو معروف وشائع عند جمهور الأصوليين. ونظراً إلى أن أصول الفقه هي أدلته، فقد جعل الأصول، أو ما يتمسك به المستدل على حكم من الأحكام في المسائل الفقهية جنسين، هما: الدليل بنفسه والمتضمن للدليل. وجعل الدليل بنفسه نوعين هما: أصل بنفسه ولازم عن أصل، الأصل بنفسه صنفان أصل نقلي له أربعة شروط هي: صحة السند إلى الشارع، ووضوح الدلالة على الحكم المطلوب، واستمرارية الحكم، وعدم نسخه، ورجحانه على ما يعارضه. وأما الأصل العقلي فهو استصحاب الحال، وهو ضربان استصحاب أمر عقلي أو حسي واستصحاب حكم شرعي. أما اللازم عن الأصل فجعله ثلاثة أقسام، كل قسم في باب، وهي: قياس الطرد، وقياس العكس، والاستدلال الذي ذكر منه ستة أقسام. وأما المتضمن للدليل فهو نوعان الإجماع وقول الصحابي. وعلى هذا فالكتاب خالٍ من مباحث الاجتهاد والتقليد والتعارض والترجيح. والذي يبدو أن ما اتبعه المؤلف في التبويب والتقسيم هو منهج اتبعه علماء المغرب، أو بعضهم. وقد أفاد المؤلف ممن سبقه في هذا، كأبي الوليد الباجي (١) وغيره. ٢ - والكتاب، كما قدمنا، شامل لكثير من موضوعات الأصول، فهو ليس تاباً في التخريج على قواعد معينة، وإنما هو كتاب صولي موجز واضح العبارة، شيق في عرضه لموضوعاته. ومما زاد عرضه تشويقاً ووضوحاً أنه كان يقرن تقرير المسائل الأصولية بالفروع الفقهية المختلف فيها، بناء على الاختلاف في القواعد الأصولية. وقد أكثر من ذكر الفروع الفقهية

стр. 140

في مواضع كثيرة، الأمر الذي دعا الكثيرين من الباحثين إلى ضمه إلى كتب التخريج، ومما رشح ذلك لهم، أن المؤلف سمي كتابه (مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول). ونجد لمثل منهج المؤلف التطبيقي نموذجاً سابقاً في أصول الشاشي لأبي علي أحمد بن محمد الشاشي الحنفي المتوفى سنة ٣٤٤هـ (١). مع اختلاف الكتابين في طريقة ترتيب الموضوعات وعرضها وشمولها، واختلافهما في أن الشاشي كان يأتي بالتطبيقات والأمثلة من مذهب الحنفية، وقل أن يذكر مذهب غيرهم. أما التلمساني فكان نطاق أمثلته أوسع مدى من ذلك. ٣ - ابتعد المؤلف عن الأسلوب الجدلي، والحجاج المنطقي في كتابه، فكانت تعريفاته لما يتكلم عن بسيطة مختارة، ولم يكن يأتي بتعاريف كثيرة، بل يكتفي بتعريف واحد يوضح المقصود، دون مناقشات، أو بيان لمحترزات ما يأتي به من تعريف. وربما أذن لنفسه في القليل النادر بشرح التعريف بإيجاز كما في قياس الطرد (٢). وفي أحيان أخرى كان يتكلم عن الموضوع دون تعريف له، أو بيان كما في الاستصحاب (٣)، والعلة (٤)، والاستدلال (٥) والإجماع (٦)، وغيرها. وفي أحيان أخرى كان

стр. 141

لا يذكر محل النزاع. كما في قول الصحابي (١)، وفي أكثر المباحث اللفظية. وكانت استدلالاته للآراء قليلة، وإذا استدل فإنه يستدل بإيجاز، دون الدخول بالتفصيلات والاعتراضات، أو التوسع في الاستدلال نفسه. ٤ - كان تعرضه لأثر الخلاف في المسائل الأصولية، في الفقه بين المذاهب الثلاثة الحنفي والمالكي والشافعي، ولم يذكر غيرهم إلا نادراً، كذكره رأي أصحاب الإمام أحمد – ﵀ – في تأويل ما ورد عنه – ﷺ – بشأن المسح على الناصية والعمامة (٢). وذكره الدقاق (٣) وبعض الحنابلة في مسألة الاحتجاج بمفهوم اللقب (٤)، وذكره احتجاج أهل الظاهر بإباحة مباشرة النساء في غير المسجد، بمفهوم المكان المستفاد من قوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٥). (سورة البقرة: الآية ١٨٧). ٥ - والكتاب على صغر حجمه يحتوي على فوائد جمة، ويعطي تصوراً جيداً لكثير من مسائل الأصول.

стр. 142

الفرع الثاني: نماذج مختارة من الكتاب: أولاً: قال في المسألة السابعة من مباحث الأمر ص ٣١ المسألة السابعة في الأمر بالشيء (١): هل يقتضي فعله الإجزاء أم لا؟ (٢). اعلم: أن الأصوليين اختلفوا في: أن المكلف إذا فعل ما أمر به، هل يلزم انقطاع التكليف عنه أو لا يلزم، بل يجوز دوام التكليف؟ في ذلك قولان (٣). وهذه المسألة إن أخذت على ظاهرها بني الفقهاء عليها فروعاً كثيرة: منها: أن من لم يجد ماء ولا تراباً، ودخل عليه وقت الصلاة. فإنا

стр. 143

نأمره بالصلاة على قول ابن القاسم (١) وأشهب (٢)، ثم إذا صلى هل يقضي تلك الصلاة إذا وجد ماء أو صعيداً أو لا يقضيها. فابن القاسم: يأمره بقضائها، وأشهب لا يأمره بذلك، لأنه يرى أن المكلف لما أمر بأداء الصلاة على تلك الحالة، فإذا فعل ما أمر به انقطع عنه التكليف، لأن الأمر يقتضي الإجزاء، ويلزم من الإجزاء سقوط القضاء. وكذلك: من لم يجد ثوباً فصلى عرياناً، ثم وجد ثوباً، فيه قولان هل يعيد أو لا يعيد بناء على هذا الأصل. وكذلك من التبست عليه القبلة، فصلى إلى جهة غلب على ظنه أنها القبلة، ثم تبين أن القبلة غيرها. وأمثال ذلك. والمحققون من الأصوليين: يرون أن الأمر يقتضي الإجزاء، وانقطاع التكليف عند فعل المأمور به. لأن الأمر إما أن يكون متناواً لزيادة على ما أتى به المكلف أو لا يكون متناولاً للزيادة، فإن كان متناولاً للزيادة: لم يكن المكلف حينئذ آتيا بكل ما أمر به، والفرض أنه آت بكل ما أمر به، وإن كان

стр. 144

الأمر غير متناول للزيادة على ما أتى به المكلف، انقطع الأمر والتكليف حينئذ، فصح أن الأمر بالشيء يقتضي الإجزاء. ثانياً: وقال بعد مقدمته في النهي (ص٣٧) المسألة الأولى في كون النهي مقتضياً للتحريم أو الكراهة وقد اختلف في ذلك (١)، ومذهب الجمهور: أنه للتحريم، لأن الصحابة والتابعين – رضوان الله عليهم – لم يزالوا يحتجون بالنهي على التحريم، وأيضاً ففاعل ما نُهي عنه عاصٍ إجماعاً؛ لأنه قد خالف ما طلب منه، والعاصي يستحق العقاب، وكل فعل يستحق فاعله العقاب فهو حرام، فالنهي يقتضي التحريم. وينبني على هذا مسائل كثيرة من الفقه: فمن ذلك: الصلاة في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق والحمام ومعاطن الإبلن وفوق ظهر الكعبة، فن العلماء اختلفواف في كون الصلاة في هذه المواضع محرمة أو مكروهة (٢).

стр. 145

وعندنا في المذهب في ذلك خلاف (١)، مبناه على أن النهي هل يدل على تحريم المنهي عنه أو لا، وقد نهى النبي – ﷺ – عن الصلاة في هذه المواضع السبعة أخرجه الترمذي (٢)، وكذلك اختلفوا: في استقبال القبلة لبولٍ أو
следующие страницы →