стр. 71
← Каваид фикха следующие страницы →
Каваид фикха · id 14321
التخريج عند الفقهاء والأصوليين
يعقوب الباحسين
Полный текст (381 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 72
بعضها أصول ينبني عليها فروع فقهية كثيرة، وغالبها من الجزئيات الفقهية.
وقد تكون رسالة (تأسيس النظائر) لأبي الليث السمرقندي المتوفى سنة ٣٧٣هـ من أقدم ما ألف بهذا الشأن، ولكنها لم تكن شاملة ونما اقتصر المؤلف فيها على ذكر ما يزيد على ثمانين أصلاً مختلفاً فيه بين العلماء، لا سيما الأحناف منهم، وما يترتب على هذا الخلاف من نتائج في المجال التطبيقي التفريعي، وهذا عمل جليل، لكنه، كما ذكرنا، لم يبحث عن الأسباب التي أوجبت الخلاف بين الفقهاء بصورة شاملة.
وربما كان أول من أفرد أسباب الاختلاف بين الفقهاء بصورة شاملة – فيما ظهر لنا – هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي المتوفى سنة ٥٢١هـ (١) في كتاب (التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم ومذاهبهم واعتقاداتهم). وقد حصر المؤلف – ﵀ – أسباب الاختلاف في ثمانية أوجه، هي:
١ - اشتراك الألفاظ والمعاني.
٢ - الحقيقة والمجاز.
٣ - الإفراد والتركيب.
٤ - الخصوص والعموم.
стр. 73
٥ - الرواية والنقل.
٦ - الاجتهاد فيما لا نص فيه.
٧ - الناسخ والمنسوخ.
٨ - الإباحة والتوسع.
وبعض هذه الأسباب متداخلة فيما بينها، كما هو ظاهر. ومن الملاحظ عليه، أنه وسع الكلام في الأسباب العائدة، إلى الجانب اللغوي والأدبي، وفيما يتعلق بالسنة من جهة الرواية والنقل، وطوى بعض المباحث الأخرى، دون تفصيل، ولا نماذج تطبيقية (١). ولم يتطرق إلى المسائل الفقهية إلا نادراً.
ونجد، بعد ذلك، أبا الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (ت ٥٩٥هـ)، يذكر في مقدمة كتابه (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) أسباب الاختلاف باقتضاب. وقد حصرها في ستة أمور، هي:
- تردد اللفظ بين أن يكون عاماً يراد به الخاص، أو خاصاً يراد به العام، أو عاماً يراد به العام، أو خاصاً يراد به الخاص. أو يكون له دليل خطاب أو لا يكون.
٢ - الاشتراك في الألفاظ، سواء كانت مفردة أو مركبة.
٣ - اختلاف الإعراب.
٤ - تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة، أو حمله على نوع من أنواع المجاز.
٥ - إطلاق اللفظ تارة، وتقييده تارة.
٦ - التعارض بين الأدلة (٢).
ويلاحظ على هذه الأسباب، أنها – باستثناء التعارض، بين الأدلة-
стр. 74
ترجع إلى سبب واحد يتعلق بقواعد الدلالات اللغوية، والنحوية. فهو تقسيم غير جامع، ولم يقم على أساس استقرائي صحيح، ولا على قسمة عقلية.
وممن تناول هذا الموضوع شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن الحليم بن عبد السلام بن تيمية (ت ٧٢٨هـ)، في رسالته (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، ولكن الذي يبدو أن الرسالة لم يكن المقصود منها حصر أسباب الخلاف بوجه عام، وإنما كان الغرض منها بيان الأعذار التي تلتمس للمختلفين، مع توفر الأحاديث، المتعلقة في المسألة، عن رسول الله – ﷺ .
وقد حصر الأعذار، أو أسباب الاختلاف، في ثلاثة أصناف، هي:
١ - عدم اعتقاد المجتهد أن الحديث قد ورد عن النبي – ﷺ .
٢ - عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.
٣ - اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.
وقد فرع عن هذه الأصناف الثلاثة عشرة أسباب، تتعلق جميعها بالأحاديث، منه ما يتعلق بوصولها للمجتهد أو عدم وصولها إليه، ومنها ما يتعلق بقوتها وضعفها، ومنها ما يتعلق بدلالتها على المعنى أو عدم دلالتها عليه، ومنها ما يتعلق بما يشترطه بعضهم في بعض أنواعها، وما يتعلق بالتعارض فيما بينها تخصيصاً أو نسخاً (١).
وفي عصر الإمام ابن تيمية – ﵀ – أفرد أبو القاسم محمد بن أحمد بن جُزي الغرناطي المالكي المتوفى سنة ٧٤١هـ (٢)، على غير عادة
стр. 75
الأصوليين، (الباب العاشر) من كتابه (تقريب الوصول إلى علم الأصول، في أسباب الخلاف بين المجتهدين. وقد حصرها – على ما ذكر – بحسب الاستقراء، في ستة عشر سبباً، هي:
١ - تعارض الأدلة.
٢ - الجهل بالدليل.
٣ - الاختلاف في صحة نقل الحديث.
٤ - الاختلاف في نوع الدليل، هل يحتج به أم لا؟
٥ - الاختلاف في قاعدة من الأصول، ينبني عليها الاختلاف في الفروع، كحمل المطلق على المقيد، وشبه ذلك.
٦ - الاختلاف في القراءات في القرآن.
٧ - اختلاف الرواية في ألفاظ الحديث.
٨ - اختلاف وجه الإعراب، مع اتفاق القراء في الرواية.
٩ - كون اللفظ مشتركاً بين معنيين.
١٠ - الاختلاف في حمل اللفظ على العموم أو الخصوص.
١١ - الاختلاف في حمل اللفظ على الحقيقة أو على المجاز.
١٢ - الاختلاف في هل في الكلام مضمر أو لا
١٣ - الاختلاف في هل الحكم منسوخ أو لا؟
١٤ - الاختلاف في حمل الأمر على الوجوب أو على الندب.
١٥ - الاختلاف في حمل النهي على التحريم أو الكراهة.
١٦ - الاختلاف في فعل النبي – ﷺ ، هل يحمل على الوجوب أو الندب، أو الإباحة؟ (١).
стр. 76
وكان عرضه لهذه الأسباب موجزاً، ولم يذكر لكثير منها أمثلة، بل اكتفى بالتعداد، وما مثل له اكتفى بمثال أو مثالين، مع العرض الموجز.
وممن تكلم عن أسباب الاختلاف في هذه الفترة تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي (ت ٧٧١هـ) في كتابه (الأشباه والنظائر). فبين المآخذ المختلف فيها بين الأئمة مما ينبني عيها فروع فقهية، وقدم لذلك ببيان أن الخلاف إما في مسائل مستقلة، أو في فروع مبنية على أصول، وأن القسم الأول، أي الخلاف في المسائل المستقلة ينشأ من أمور، منها:
١ - كون اللفظ مشتركاً (كالقرء) فإنه عند الشافعي الطهر وعند أبي حنيفة الحيض، وكلمة (أو) في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ﴾ (المائدة /٣٣) فحملها مالك على التخيير، فيفعل السلطان ما يراه في هذه الأمور، وقال الشافعي وأبو حنيفة للتفصيل والتقسيم، فمن حارب وقتل وأخذ المال صلب وقتل، ومن قتل ولم يأخذ قتل، ومن أخذ ولم يقتل قطع ...
٢ - الاختلاف في محل النفي، هل هو لنفي الحقيقة أو لنفي الكمال؟ نحو: (لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل) (١)، حمله الشافعية على الصحة والحقيقة، وقال الحنفية إنه لنفي الكمال، أي لا صيام كامل؛ ونحو ذلك: لا نكاح إلا بولي.
٣ - الخلاف الناشئ عن دعوى ارتباط إحدى الآيتين بالأخرى.
٤ - الغفلة عن أحد الدليلين المتقابلين – ولو بالعموم والخصوص – فينسحب
стр. 77
على العموم من لم يبلغه دليل الخصوص.
٥ - الخلاف الناشئ عن جهة الراوي ضعفاً أو إرسالاً، ونحوه، أو نقله الحديث بما يظنه المعنى، أو جهله بالإعراب، أو بسبب الحديث، أو تصحيفه، أو إسقاطه شيئاً به تمام المعنىن إما لعدم سماعه القدر الزائد، أو لظنه عدم ارتباطه بما اقتصر عليه، أو لنقله من الصحف.
٦ - الخلاف الناشئ من جهة الاجتهاد، وهو يختلف باختلاف القرائح والأذهان، وما لها من استعداد، كما أنه يتصل بباب القياس، وما ينشأ فيه من أنواع الخلاف، ولا سيما في شأن العلة (١).
وأما النوع الثاني من الخلاف، وهو الخلاف في الفروع، بعد الاتفاق على أصولها، فهو في غالب ما ذكره من الأمثلة يرجع إلى تخريج المناط، وتحقيقه، كاتفاقهم على أن رفع المجمع عليه باطل. ولكنهم اختلفوا في إحداث قول ثالث: هل يرجع المجمع عليه أو لا؟ فمن رأي أنه يرفع المجمع عليه قال ببطلانه، ومن رأى أنه لا يرفعه قال بجوازه، ولو اتفقوا على أنه رافع لاتفقوا على بطلانه. ومن ذلك في الفقه، اتفاقهم على أن الغرر مجتنب في البيع لحديث "نهي عن بيع الغرر" (٢)، وللإجماع على ذلك، لكنهم اختلفوا في بيع الغائب هل هو غرر أو لا، بناء على اختلافهم في معنى الغرر (٣).
وممن أسهم في هذا الموضوع في هذه الفترة أبو إسحاق غبراهيم بن موسى الشاطبي (ت ٧٩٠هـ) فقد تكلم عن الخلاف بين الفقهاء، وأسبابه،
стр. 78
في كتاب (الموافقات في أصول الشريعة)، وذكر سبق ابن السيد في التأليف في ذلك، وكرر حصرها في ثمانية أسباب، ولم يزد على عدها، كما أوردها ابن السيد. لكن الشاطبي ميز بين ما هو خلاف حقيقي، وما هو خلاف ظاهري، وذكر ضربين من الخلاف، وقال عنهما: إنهما مما لا يعتد به، وهما:
١ - ما كان من الأقوال خطاً مخالفاً، لمقطوع به في الشريعة.
٢ - ما كان ظاهره الخلاف، وليس في الحقيقة كذلك.
ولهذا فإنه قال بأنه لا يصح نقل الخلاف في أمثال ذلك، ثم ذكر عشرة أسباب تجعل بعض العلماء ينقلون الخلاف في المسائل، مع أنه لا خلاف فيها لدى التحقيق، ونبه المجتهدين إلى مثل ذلك، ودعاهم إلى التفهم، وقياس ما سواها عليها وإلى عدم التساهل في افتراض الخلافات فيما ليس فيه خلاف، الأمر الذي يؤدي إلى مخالفة الإجماع (١).
وفي القرن الثاني عشر الهجري، أبدى الشيخ أحمد بن عبد الرحمن المعروف بشاه ولي الله الدهلوي (ت ١١٧٦هـ)، اهتماماً بهذا الموضوع، فكتب رسالة تتعلق بذلك سماها (الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف)، كما تناول هذا الموضوع في كتابه (حجة الله البالغة) (٢)، الذي تضمن أغلب ما في الرسالة المذكورة بنصه.
وقد تكلم عن أسباب الخلاف بين الصحابة والتابعين، فذكر منها ضروباً مختلفة، تتعلق بأقوال وأفعال النبي – ﷺ (٣)، ومن الممكن رد جميع ما ذكره، إلى ما أورده شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ – في رسالته سالفة الذكر. لكنه أضاف إلى ذلك أسباب اختلاف الفقهاء، مما لم يرد في أسباب اختلاف الصحابة والتابعين، آخذاً ذلك – كما ذكر – مما جاء في أول
стр. 79
كتاب الأم للشافعي – ﵀. وهي الأسباب المتقدمة نفسها، مضافاً إليها الاختلاف في الاحتجاج ببعض الأدلة، كالاختلاف في الاحتجاج بآراء الصحابة، وكالاختلاف في الأخذ ببعض وجوه الرأي، كالاستحسان وغيره (١). كما أضاف إلى ذلك، أيضاً، سبب الاختلاف بين أهل الحديث وأهل الرأي، مما لا يخرج عن الأسباب المتقدمة، إلا في التوسع في بعض المجالات، عند بعضهم، بما لا يتوسع فيه الآخرون.
وفي رسالته فوائد كثيرة تتعلق بالاجتهاد والتقليد وآثار الجدل والخلاف، في علم الفقه والأصول، وما ترتب على التعمق في بعض الفنون، من افتراض الصور المستبعدة في الفقه، مما لا يتعرض له عاقل (٢).
وفي القرن الرابع عشر الهجري تكلم صديق بن حسن القنوجي (ت ١٣٠٧هـ) عن أسباب الاختلاف، ولكن كلامه كان بشأن الاختلاف مطلقاً، لا بشأن الاختلافات الفقهية، فتناول أسباب الاختلاف في الاعتقادات والمذاهب والملل والنحل والأديان. وكان من تلك الأسباب ما هو حقيقي مسلم، ومنها ما هو غريب عن روح الفكر الإسلامي، ولصيق بالخرافات والأفكار الوثنية (٣). ومن الأسباب المقبولة التي ذكرها:
١ - اختلاف الطبائع في البيئات والبلاد والعادات والأمزجة.
٢ - اختلاف حال البلدان تطوراً ورقياً، من أمم زراعية، أو صناعية، أو متأخرة في سائر المجالات.
٣ - توجه العناية الإلهية بإرسال رسل مبشرين ومنذرين، وقد كانوا في أقطار
стр. 80
متباعدة، وكان بينهم أزمنة وقرون ممتدة، وكانوا متعبدين بشرائع متنوعة ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ...﴾ (البقرة/٢١٣).
٤ - التأثر بمن كان له نوع نفوذ على عقليات الناس، سواء كان من الأذكياء أو الحكماء أو الأولياء الصلحاء، أو الرؤساء، على حسب ما بلغته تلك العقول من التأثر بذلك (١).
٥ - اختلاف الناس فيما خلقوا عليه، وما يوجد بينهم من فروق، في الفهم والذكاء، والشجاعة والليونة وغيرها. فمنهم المنحصر في المحسوس، ومنهم من يتجاوزون ذلك بدرجات في المعقول، ومنهم العجول في القبول والإنكار، من غير تأمل واختيار، ومنهم المتأني في ذلك، ومنهم المتسامح الذي يكتفي بالظن وبصورة من الصور المحتملة التي تفي بظاهر المقصود، ومنهم المتفحص المتيقظ، الذي لا يكتفي بذلك ... إلى غير ذلك من الفروق التي تترتب عليها أنواع الخلافات.
٦ - اختلاف أحوال الشيء في نفسه، فقد يكون الشيء علة تامة لشيء، ناقصة لشيء، مستقلة أو لا، وقريبة أو لا، كافية أو لا، أو يكون له عدة علل، وقد يكون واجب الاجتماع مع شيء، على تقدير، وممتنع الاجتماع معه، على تقدير آخر، وربما يكون بين شيئين علاقة الغيرية من وجه، والعينية من وجه آخر أو وجوه ... مما يترتب عليه وقوع الاختلاف بحسب نظر الإنسان.
٧ - اختلاف التعبيرات عن الشيء الواحد، أو الصورة الواحدة، فقد ينظر إليها أحد الأشخاص من زاوية معينة، وينظر إليها الآخر من زاوية غير
стр. 81
تلك، فيعبر كل منهما عن رؤيته، فتختلف العبارات، وتكثر المصطلحات والاختلافات ... إلخ.
٨ - اختلاف اللاحقين في فهم كلام السابقين، وهذا قد يعود إلى الفروق بين الأفراد أنفسهم في الفهم والإدراك، أو إلى الكلام نفسه، بسبب ما فيه من دلالات غير صريحة ولا واضحة، مما هي مثار الاختلاف في التفسير والفهم (١).
والكلام عن التفرق أو الاختلاف بوجه عام، قد تطرق إليه كثير من المفسرين عند تعرضهم لتفسير الآيات المتعلقة بذلك، ولكنهم لم يخصوا أسباب الاختلاف بين الفقهاء بكثير من الاهتمام (٢)، ولهذا فقد رأينا الإعراض عن التطرق إليها، ومتابعة مسيرتها.
وفي العصر الحاضر ظهرت طائفة من الكتب التي تناولت هذا الموضوع، وسنكتفي بالتعرض إلى بعضها، دون استقراء شامل لها، نظراً لكثرتها، ولكون ما فيها لا يعدو أن يكون تكراراً لما ورد فيما سبقها من كتب فمن هذه الكتب:
أولاً: أسباب اختلاف الفقهاء للشيخ علي الخفيف – ﵀ (٣).
стр. 82
وقد تناول المؤلف في كتابه هذا حالة التشريع في زمن النبي – ﷺ ، وفي زمن الصحابة والتابعين، وتكلم عن أسباب الاختلاف الذي وقع بينهم، بعد وفاة النبي – ﷺ ، ثم أسباب الاختلاف في العصور التالية لذلك. وقد جعل من هذه الأسباب ما هو موجود مع توفر النص، ومنها ما هو سبب للاختلاف فيما لا نص فيه.
١ - أما أسباب الاختلاف مع وجود النص فردها إلى ثلاثة أمور، هي:
أ- الاختلاف العائد إلى مصادر الأحكام، وهي الكتاب والسنة. والاختلاف فيها يقصد به ما سبق أن ذكرناه عن شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته (رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، وما يتعلق بذلك من الاختلاف في بعض شروط هذه الأدلة، من حيث تواتر القرآن، ووجود النسخ في بعض آياته، واتصال سند الحديث، ووصوله إلى الفقيه، وتوثيق الرواة، واشتراط عمل الراوي بما رواه، أو كونه مما لا تعم به البلوى، وغير ذلك مما يتعلق بهذين الدليلين.
ب- الاختلاف بسبب الاختلاف في فهم النصوص، سواء كان ذلك مما يتعلق بمفردات الألفاظ، أو بتراكيبها وأساليبها مما هو من مباحث الألفاظ ووجوه دلالاتها.
ج- اختلافهم فيما يدل عليه فعل الرسول – ﷺ – فيما لم تعلم جهته. فمثلاً أن النبي قال (صلوا كما رأيتموني أصلي) (١) وقال (خذوا عني مناسككم) (٢)، لكن أفعال الصلاة وأفعال الحج متعددة، وقد
стр. 83
وقع اختلاف الفقهاء في كثير منها، فكان منها ما يعده بعض الفقهاء واجباً وبعده غيرهم مندوباً. وهكذا الكلام في كثير من أفعال النبي – ﷺ .
٢ - وأما أسباب الاختلاف فيما لا نص فيه فهي كثيرة تشمل كل ما يتناوله الاجتهاد وما يستند إليه المجتهد من تلك الأدلة. وقد بحث في الإجماع والقياس والمصلحة والاستحسان والاستصحاب والعرف، وما ينبني على الاختلاف في الاحتجاج بها من اختلاف في أحكام الفروع. ولم يترك الكلام عن الخلاف، بين من اتفقوا على دليل من هذه الأدلة، على بعض الشروط المتعلقة به، كالاختلاف بين القائلين بالقياس في بعض شروطه، أو القائلين بالإجماع في بعض شروطه.
تلك هي أهم الأسباب التي ذكرها الشيخ الخفيف في محاضراته القيمة وقد عرضناها بإيجاز وتركيز. وليس فيما ذكره ما يضاف إلى ما تقدم، ولكن محاضراته تميزت بالإكثار من الأمثلة والشواهد، المأخوذة من واقع ما كان بين السلف من خلاف، وما سطر في بطون كتب الفقهاء في مراحل التدوين التالية، وردها إلى الأسباب التي ذكرها.
ثانيا: أسباب اختلاف الفقهاء للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي. وقد جعله مؤلفه في تمهيد وأربعة أبواب وخاتمة، كان التمهيد في تبرير الخلاف، وفي نشأته وتطوره وأنواعه وآراء العلماء بشأنه، والفائدة من معرفة أسبابه، والآثار السيئة للخلافات. وكانت الخاتمة في بيان موقف المسلمين من الاختلاف، وحثهم على الاعتصام بالكتاب والسنة.
أما أسباب الاختلاف فقد حصرها في أربعة، جعل لكل منها باباً من أبواب كتابه، وهذه الأسباب والأبواب هي:
١ - الباب الأول في الأسباب الراجعة إلى الاختلاف في (المبادئ الفقهية). ويبدو من خلال استعراضه لهذه المبادئ، أنه يقصد القواعد الأصولية، كالاختلاف في أن الأصل في الأحكام والمعاني الشرعية التعبد أو
стр. 84
التعليل، وهل يفترق الفاسد عن الباطل، وما حكم الزيادة على مقدار الواجب، وما حكم الأفعال قبل ورود الشرع وغير ذلك (١).
٢ - والباب الثاني في الأسباب الراجعة إلى الأدلة، كالاختلاف في بعض شروطها، أو بما يحتج به وما لا يحتج. وقد جعل الأدلة المتفق عليها، والمختلف فيها في باب واحد (٢).
٣ - والباب الثالث في الأسباب الراجعة إلى دلالة النصوص. وقد أدخل فيها أفعال الرسول – ﷺ ، وطائفة من المباحث اللفظية الاشتراك وموجب الأمر والنهي، والعام والخاص والتخصيص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والمفهوم، والحقيقة والمجاز، ودلالات بعض الحروف (٣).
٤ - والباب الرابع في الأسباب الراجعة إلى الاختلاف في تحقق التعارض، ووجوه الترجيح (٤).
وما ذكره الأستاذ الباحث من أسباب، تُعد عناوينها الكبرى جامعة لجميع أسباب الاختلاف، ولكنها تحتاج إلى نوع من الإيضاح والتفصيل، كما أنه لم يفرق بين الأسباب العائدة إلى الاختلاف في المبادئ الفقهية، والأسباب العائدة إلى دلالات النصوص، مع وجود التشابه بينهما. ثم إن ما ذكره من مبادئ فقهية، هو في حقيقته من القواعد الأصولية. ولم يظهر لنا وجه إدخاله أفعال النبي – ﷺ – في دلالات النصوص، إلا إذا كان المقصود بذلك نصوص الرواة. والكتاب، بوجه عام، دراسة علمية قيمة، تضاف إلى بناء صرح أسباب اختلاف الفقهاء.
ثالثاً: دراسات في الاختلافات الفقهية، حقيقتها، نشأتها، أسبابها،
стр. 85
المواقف المختلفة منها للدكتور محمد أبو الفتح البيانوني.
والكتاب في حقيقته ليس مقتصراً على أسباب الاختلاف، وإنما تناول طائفة من المسائل التي لها علاقة بها. فتناول حقيقة الاختلافات الفقهية، ونشأتها وأسبابها في الباب الأول، أما الباب الثاني فجعله في خمسة فصول، ذات علاقة بذلك، بين فيها موقف العلماء من الاختلافات الفقهية، ونماذج من أدب العلماء مع بعضهم، وموقف المسلم منها، والتنبيه على مواقف شاذة، وما وقع من الإنكار في المسائل الخلافية. ولم تنل أسباب الاختلاف من كتابه غير ٥٩ صفحة من مجموع صفحات الكتاب البالغة ١٦٩ صفحة عدا الفهارس، من الطبعة التي اطلعنا عليها.
وقد حصر مؤلف الكتاب أسباب اختلاف الفقهاء، في أربعة أسباب إجمالية، تتفرع عنها أسباب تفصيلية، وهذه الأسباب هي:
١ - الاختلاف في ثبوت النص وعدم ثبوته (ص ٣٧).
٢ - الاختلاف في فهم النص (ص ٥١).
٣ - الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص (ص ٥٨).
٤ - الاختلاف في القواعد الأصولية وبعض مصادر الاستنباط (ص٧٠).
ومن خلال تفصيله هذه الأسباب، والتمثيل لها، نجد أنها ليست حاصرة، وقد فاته أن يذكر طائفة أخرى من أسباب الاختلاف، ليست دون ما ذكره أهمية، كما أنه لم يكن دقيقاً في التمييز بين الأسباب، فادخل بعض ما يتعلق بالمباحث اللفظية في سبب اختلاف الفقهاء في الفهم (١)، وبعض ما هو من باب الاختلاف في الفهم، أو التعارض، في سبب ثبوت النص الشرعي وعدم ثبوته (٢).
стр. 86
رابعاً: أسباب اختلاف الفقهاء في الأحكام الشرعية، للدكتور مصطفى إبراهيم الزلمي.
وقد صدر منه الجزء الأول فقط، وقد صدره المؤلف بتمهيد يزيد على خمسين صفحة، عرف فيه الفقه والشريعة، وبين أنواع الحكم، الشرعي وأسباب الاختلاف في عهد الصحابة والتابعين، ثم تكلم عن الأئمة المجتهدين، وبين مناهج استنباط كل منهم، وسبب انتشار أو ضمور بعض المذاهب الفقهية، مما لا يتصل اتصالاً مباشراً بالموضوع.
وجعل كتابه، بعد التمهيد، كما يفهم من خطة بحثه، ومما جاء في الجزء الأول المذكور، متضمناً أربعة أبواب، تحصر أسباب الخلاف، وادعى أن جميع الأسباب الجزئية لاختلاف الفقهاء، تندرج تحت الكليات التي تضمنتها أبواب كتابه. والحكم على الكتاب يتطلب الاطلاع التام على جميع محتوياته، ولما كان الكتاب لما يتم طبعاً أو تأليفاً فليس الحكم عليه متيسراً ولا دقيقاً. وسنكتفي بأن نذكر أنه حصر أسباب الاختلاف في قسمين رئيسين، فرع واحداً منها فأصبحت الأقسام عنده ثلاثة، على الوجه الآتي
القسم الأول: يتعلق بالمصادر الأصلية، الكتاب والسنة، وجعل هذا القسم نوعين:
النوع الأول: الأسباب التي يشترك فيها الكتاب والسنة، وهي الاختلاف في القواعد الأصولية واللغوية.
النوع الثاني: الأسباب التي تختص بالسنة، وهي الاختلاف في العلم بالحديث، أو الثقة به، أو العمل به تحت شروط معينة، أو التعارض بين الأحاديث ودفعه.
ــ
= النص (ص ٣٩) مع أنه مردود إلى التعارض بني مضمونه وعمل أهل المدينة عند مالك، والاختلاف في فهم التفرق الوارد في نصه. وألا فإن الحديث ثابت عند مالك وقد رواه في الموطأ.
стр. 87
والقسم الثاني: يتعلق بما سماه المصادر التبعية كالإجماع والقياس وقول الصحابي والاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع والعرف وغيرها.
وهذا القسم يمثل الخلاف في الاجتهاد بالرأي فيما لا نص فيه، عن طريق العمل بمصدر من المصادر التبعية. وقد جعل هذا القسم في بابين:
الباب الأول: يتعلق بأسباب اختلاف الصحابة والتابعين في الأحكام بسبب اختلافهم في الاجتهاد بالرأي.
الباب الثاني: يتعلق بأسباب اختلاف أئمة المذاهب، الناشيء من اختلافهم في العمل بالمصادر التبعية (١).
وبناء على ذلك تكون أبواب كتابه الأربعة، كما يأتي:
الباب الأول: في اختلاف الفهقاء بسبب اختلافهم في القواعد الأصولية واللغوية.
الباب الثاني: في اختلاف الفقهاء بسبب اختلافهم في السنة.
الباب الثالث: في اختلاف الصحابة والتابعين بسبب الاختلاف بالرأي والاجتهاد.
الباب الرابع: في اختلاف أئمة المذاهب بسبب اختلافهم في العمل بالمصادر التبعية.
وقد حاول المؤلف أن يضبط أسباب الاختلاف بحصر عقلي، ولكن الذي يبدو لنا، أن هذه الأمور الإنسانية، لا تخضع لمثل ذلك الضبط.
خامساً: وقد تطرق إلى هذا الموضوع باحثون كثيرون، سواء كان ذلك ببحث الموضوع منفرداً، أو بالتعرض إليه ضمن مبحث أشمل وأوسع. ومن هذه البحوث:
١ - (ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين) للشيخ عبد الجليل عيسى.
стр. 88
٢ - (أدب الاختلاف في الإسلام) للدكتور طه جابر فياض العلواني.
٣ - (معرفة علم الخلاف الفقهي قنطرة إلى تحقيق الوفاق الإسلامي) للدكتور زكريا عبد الرزاق المصري.
٤ - (صفحات في أدب الرأي، أدب الاختلاف في مسائل العلم) لمحمد عوامة.
٥ - (الأصول العامة للفقه المقارن) للشيخ محمد تقي الحكيم.
وبعد هذا العرض الموجز لطائفة من وجهات النظر، في حصر أسباب الاختلاف بين الفقهاء، نجد أن بينها تلاقياً كبيراً، وإذا كانت هناك فروق بينها، فإن ذلك ينبع من طائفة من الأمور، كأن يحصر بعضها الأسباب في مجال معين، كان يشغل العلماء في حينه، كما في الأسباب التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في رفع الملام، حيث كانت تلك الأسباب تدور حول السنة في غالبها، أو أن يفرع بعضهم أسباباً وينوع فيها، بينما هي متداخلة فيما بينها كالذي فعله ابن جزي، أو أن بعضها اقتصر على أهمها، يما بدا له، أو أن بعضها خرج من مجال الفقه إلى مجال أوسع وأرحب كالذي فعله صديق القنوجي.
وفي الحق إن حصر أسباب الاختلاف يحتاج إلى استقراء شامل لكل المسائل الخلافية، وبيان منشأ الخلاف في كل منها، ثم جمع تلك الأسباب وتصنيفها، وهذا أمر لا نظن أن أحداً، ممن ذكرنا، قد قام به، لما فيه من المشقة العظيمة، ولأنه لم يكن عندهم من الأمور المقصودة بالذات، لتتوجه نحوه الهمم.
ومحاولة حصر تلك الأسباب بالتقسيم العقلي فيه نوع من المجازفة، لأن الخلافات منها ما يرجع إلى الطبيعة الإنسانية، وقوة الإدراك والفهم، وهذه أمور لا تخضع للمقاييس العقلية.
وقد رأى الشيخ محمد تقي الحكيم حصر أسباب الاختلاف في قسمين:
стр. 89
الأول: الأصول والمباني العامة المعتمد عليها في الاستنباط، مما يقع موقع المقدمة الكبرى في قياس الاستنباط.
والثاني: تطبيق تلك الأصول والمباني، بعد الاتفاق عليها، على الجزئيات، أو ما يسمى بتشخيص الصغريات (١).
وعلى هذا فإن الخلاف لا يخرج عن هاتين الحالتين، ولا يتخطى مقدمتي قياس الاستنباط، فهو إما خلاف في كبرى القياس، أو خلاف في صغراه بعد تسليم كبراه.
وهذا التقسيم وإن كان صحيحاً، من حيث النظر العقلي، ومن حيث واقع المسائل المختلف فيها، لكنه في إيجازه لا يعطي تصوراً شافياً لأسباب الخلاف.
ومهما يكن من أمر فإن النظر فيما ذُكر من أسباب، وفيما ذُكر من محاولات الضبط، دعانا إلى أن نجمع بين الأمرين، فنرتب الأسباب ونحصرها وفق الآتي:
أولاً: الأسباب العائدة إلى الأصول المعتمدة في الاستنباط، مما يقع موقع المقدمة الكبرى في قياس الاستنباط، وهذا يتناول ما يأتي:
١ - الأسباب العائدة إلى الأدلة وأنواعها وشروطها وما يتعلق بذلك.
فقد يكون اختلافاً في حجية الدليل وصلاحيته لإثبات الأحكام كالاختلاف في قول الصحابي، وشرع من قبلنا، والقياس، والاستصحاب والعرف والاستحسان وغيرها. أو خلافاً ف بعض أنواعه، بعد الاتفاق على حجيته، كالاختلاف في إجماع أهل المدينة، أو إجماع طوائف معينة كأهل البيت، أو يكون خلافاً في بعض شروطه، كالاختلاف في بعض أنواع السنة، كالحديث المرسل، والحديث الأحادي فيما تعم به البلوى، والحديث الذي عمل راويه بخلافه، أو
стр. 90
الحديث المخالف للقياس، أو الحديث المختلف في شروط صحته، وكالاختلاف في بعض شروط الإجماع، عند من يراه حجة، فهل انقراض العصر شرط أو لا؟ وهل يدخل من بلغ درجة الاجتهاد، من أهل العصر التالي، مع المجمعين؟ ويقع في الأدلة المختلف فيها أيضاً عند من يحتج بها، كالاختلاف في العلة في القياس وهل يجوز أن تكون قاصرة؟ وهل يجوز التعليل بالحكم أو بالوصف المركب وهل تثبت العلة بالدوران أو الطرد أو الشبه أو ما شابه ذلك، أو لا تثبت؟ وهل يجوز القياس على حكم ثابت بالقياس، أو لابد أن يكون حكم الأصل منصوصاً؟
وهل يجري القياس في الحدود والكفارات والمقدرات أو لا؟ وهل يجوز القياس على ما عدل به عن القياس أو لا؟ وهل يجري القياس في اللغة أو لا؟
٢ - الأسباب العائدة إلى دلالات الألفاظ ويدخل في ذلك طائفة كثيرة من الأسباب، منها الاختلاف في دلالة المفهوم سواء كان مفهوم موافقة أو مخالفة، ومنها الاختلاف في المقتضى وهل له عموم، والاختلاف في دلالة العام وتعارضه مع الخاص، وجواز استعمال المشترك في جميع معانيه، إن لم يكن بينها تضاد، وجواز استعمال اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي في وقت واحد، والاختلاف في حمل المطلق على المقيد في بعض صوره، والاختلاف في الأمر ومقتضاه الحقيقي، وما حكمه إذا ورد بعد الحظر؟ وهل يقتضي المطلق منه الوحدة أو التكرار؟ وهل هو على الفور أو التراخي؟ والاختلاف في النهي ومقتضاه الحقيقي. وهل يقتضي النهي الفساد والبطلان أو لا؟
٣ - الأسباب العائدة إلى مناهج وطرق الترجيح. فإذا وقع تعارض بين مدلولي دليلين لم يمكن الجمع بينهما، فإن طريق المجتهد الترجيح، وهناك مبادئ عامة متفق عليها، ولكن العلماء اختلفوا في طائفة من أسباب الترجيح بني الأدلة، سواء كانت عقلية أو نقلية، أو عقلي ونقلية.
стр. 91
فالترجيح في الأخبار يكون من جهة السند، ومن جهة المتن، ومن جهة أمر خارج، فهل تقدم رواية المثبت على رواية النافي أو لا؟ وإذا تعارض الحاظر والمبيح فما المقدم؟ وكذلك الترجيح في العلل وقع فيه خلاف كثير. وبوجه عام فإن هذا باب واسع تدخل فيه مسائل كثيرة.
ثانياً: الأسباب العائدة إلى مجالات التطبيق وتحقيق الماط، مما يختلف الأمر فيه باختلاف الفهم والإدراك والتصور. مما يقع موقع المقدمة الصغرى في قياس الاستنباط.
هذا وننبه هنا إلى أن هناك طائفة من أسباب الاختلاف، قد يبدو أنها لم تدخل في هذا الحصر، كأفعال النبي – ﷺ – وكشروط التكليف، وهل تزول بالنسيان والإكراه والسكر، وفي الحق أنها داخلة فيما تقدم، فأفعال النبي – ﷺ – من الأدلة، ومعرفة دلالتها تتصل بالفهم، وكذلك شروط التكليف، فإن الاختلاف بشأنها يتعلق بالفهم، وتحقيق المناط. وربما خرج نزر يسير عن ذلك، ولكن يمكن إدخاله في تلك الأنواع بضرب من التأويل – والله أعلم-.
стр. 92
المبحث الثالث
التخريج على الأصول
وحكم نسبة الآراء إلى الأئمة بناء عليه
يتصل موضوع تخريج الفروع على الأصول بمسألة التعليل اتصالاً وثيقاً لأنه فرع هذه المسألة، ومنها يستمد قوة ابتنائه، وعليها يعتمد في تفريعاته، ولكن تبقى بعد ذلك مسألة صحة نسبة هذه الأقوال المفرعة إلى الأئمة موضع بحث. فإذا عرف أصل من أصول الأئمة، فهل يصح أن يعلل به، أو أن يبني عليه استنباط حكم ينسب إلى الإمام في وقائع جديدة لم يرد فيها عنه نص.
إن الحكم على ذلك يمكن أن يدخل في مجالين:
الأول: أن يكون الحكم الشرعي مما نص عليه الإمام، أو مما ورد عنه بطريقة معتد بها، ويكون التخريج لغرض التوجيه والتعليل وبيان المأخذ ليس غير.
الثاني: أن لا يكون للإمام رأي في المسألة المعروضة، فيقوم العلماء بتخريج رأي فقهي له بناء على قواعده وأصوله.
أما المجال الأول فلا يبدو أن فيه ما يمنع من ذلك، إذا لم يترتب على مثل هذا التعليل إلحاق فروع جديدة بما ورد عن الإمام في المسألة، لأن التعليلات والتوجيهات ليست أحكاماً تكليفية، وليس فيها نسبة قول للإمام إلا إذا ادعى أن هذا هو مأخذ الإمام، الأمر الذي يترتب عليه إلحاق فروع جديدة بما تم تعليله، وتدخل المسألة حينئذ في نطاق القياس على نصوص الإمام، في حالة ما إذا كانت العلة مستنبطة من قبل المخرج، وهي مسألة
стр. 93
سترد عند الكلام عن تخريج الفروع من الفروع.
أما المجال الثاني فإن الحديث عنه يُعد حديثاً عن مصادر التخريج التي تطرق إليها العلماء. وقد رأينا أن نبحث في هذا المصدر، وهو أصول الإمام وقواعده وضوابطه، في مجال تخريج الفروع على الأصول، نظراً لأنه القاعدة التي ينبني عليها هذا النوع من التخريج تاركين مصادر التخريج الأخرى في مجالها الخاص، وهو تخريج الفروع على الفروع لمناسبتها له وارتباطها به.
إن المقصود من هذا البحث، هو النظر في قواعد الإمام الأصولية أو ضوابطه الفقهية، من أجل بناء الأحكام الفرعية التي لم يرد عنه نص بشأنها عليها. ولتوضيح ذلك نقول: إذا علمنا مثلاً أن وجهة نظر الإمام أبي حنيفة – ﵀ – أن العام قطعي في دلالته على معناه قبل التخصيص، وأنه لا يجوز تخصيصه ابتداء بدليل ظني كالقياس وخبر الآحاد، فهل نحكم فيما لو جاءنا نص عام في الكتاب أو السنة المتواترة، وجاء خبر آحاد يقتضي معناه تخصيص العام فهل نحكم على هذه الجزئية التي لم يرد بشأنها نص عن الإمام المذكور بأن رأيه فيها عدم جواز تخصيص عموم النص بالخبر المذكور؟
وهل نطبق قواعده وضوابطه الفقهية على ما يجد من الوقائع الجزئية؟ فيقال: إن رأي الإمام الفلاني هو كذا، بناء على هذه القواعد والضوابط؟
إن الذي يهر من كلام ابن الصلاح (ت ٦٤٣هـ) (١) جواز ذلك،
стр. 94
ولكنه جعل مثل هذا التخريج، متوقفاً على عدم وجدان نص للإمام يقاس عليه، قال: (تخريجه تارة يكون من نص معين لإمامه في مسألة معينة، وتارة لا يجد لإمامه نصاً معيناً يخرج منه [فيخرج] على وفق أصوله، بأن يجد دليلاً من جنس ما يحتج به إمامه وعلى شرطه فيفتي بموجبه) (١).
وقد اختار جمهور المحققين من الحنفية جواز ذلك (٢). ونص ابن الهمام (ت ٨٦١هـ) على أن تجويز ذلك إنما هو لمن اطلع على مآخذ أحكام المجتهد وكان أهلاً لذلك (٣). وفسر قوله بأن يكون قادراً على التفريع على قواعد الإمام متمكناً من الفرق والجمع والمناظرة في ذلك، وبتعبير آخر إنه ينبغي أن (يكون له ملكة الاقتدار على استنباط أحكام الفروع المتجددة التي لا نقل فيها عن صاحب المذهب. من الأصول التي مهدها صاحب المذهب) (٤).
وقد اختار ابن حامد (٥) جواز ذلك، وأدخله في باب القياس على قول
стр. 95
الإمام الذي يدخل في أصل يحتوي على مسائل متعددة، وذكر مثالاً لذلك قوله: (صورة هذا أن يقول في ماء الباقلاء والورد لا يتوضأ به، إذا عير الماء، فينسب إليه ما هو في معنى ذلك، وإن كثرت مسائله) (١).
ومعنى ذلك أن كل ما غير الماء، وحوله من وصف الإطلاق، لم يجز الوضوء به، فيلحق بذلك ماء الحمص والزهر وغير ذلك، وينسب إلى الإمام.
وقد ذكر الطوفي (ت ٧١٦هـ) (٢) وغيره من العلماء فرقاً بني اصطلاح (النقل والتخريج) واصطلاح (التخريج) وجعلوا التخريج أعم من النقل والتخريج (لأن التخريج يكون من القواعد الكلية للإمام، أو الشرع، أو العقل، فحاصله أنه بناء فرع على أصل مشترك كتخريجنا على قاعدة تفريق الصفقة فروعاً كثيرة، وعلى قاعدة تكليف ما لا يطاق، أيضاً، فروعاً كثيرة في أصول الفقه وفروعه) (٣)، وهذا بخلاف النقل والتخريج (فهو مختص بنصوص الإمام).
стр. 96
وجواز التخريج على ما ذكر يلزم منه أن تسم صحة نسبة القاعدة أو الأصل إلى الإمام، وذلك لاحتمالات الخطأ في استنباط القاعدة نفسها، ولاحتمالات وجود القرائن والصوارف عن إدخال الفروع الجزئية ضمن القاعدة، كما ذكرنا ذلك من قبل.
على أنه مهما يكن الأمر في هذا الشأن؛ فإنه متى سلمت القاعدة ابتنى عليها كثير من الأحكام المتجددة الوقائع.
وسنكتفي بذكر ضابطين أو أصلين يوضحان ذلك
الأول: أن الأصل عند محمد بن الحسن – ﵀ (ت ١٨٩هـ) إنه إذا اجتمعت الإشارة والتسمية في العقد، فإن كان المسمى من جنس المشار إليه "يتعلق العقد بالمشار إليه، لأن المسمى موجود في المشار إليه ذاتاً والوصف يتبعه، وإن كان من خلاف جنسه يتعلق بالمسمى، لأن المسمى مثل للمشار إليه، وليس بتابع له، والتسمية أبلغ في التعريف من حيث إنها تعرف الماهية، والإشارة تعرف الذات) (١)، فإذا باع جارية فإذا هي غلام لم ينعقد البيع، وإذا باع كبشاً فإذا هو نعجة انعقد البيع وتنجز وذلك؛ لأن الغلام والجارية جنسان عندهم، لأن الغلام يصلح لخدمة خارج البيت، كالتجارة والزراعة وغيرها، والجارية لخدمة داخل البيت كالاستفراش والاستيلاد اللذين لم يصلح لهما الغلام بالكلية أما الكبش والنعجة فهما جنس واحد، لأن الغرض الكلي من الحيوانات الأكل والركوب والحمل .. والذكر والأنثى في ذلك سواء. فالمعتبر في اختلاف الجنس واتحاده تفاوت الأغراض (٢).
стр. 97
وعلى هذا الأصل يمكننا تخريج كثير من المسائل، فلو باعه دنا على أنه خل فإذا هو دبس أو باعه فصاً على أنه ياقوت فإذا هو زجاج، أو جهازاً على أنه آلة تصوير فإذا هو راديو، أو باعه هذه المكنسة الكهربائية فإذا هي جهاز لتقطيع الخضر وعصر الفواكه، بطل البيع، لاختلاف الجنس باختلاف الأغراض، ولو باعه فصاً على أنه ياقوت أحمر فإذا هو ياقوت أصفر، أو هذا الثوب المصري فإذا هو مغربي، لم يبطل البيع وخير المشتري لفوات الوصف.
الثاني: قاعدة أو ضابط تفريق الصفقة (١)، وقد ذكرنا أن طائفة من علماء الحنابلة كالطوفي وغيره، ذكروا أنه ينبني عليها فروع كثيرة، ولهذا فإننا سنبين ما يريدونه من تفريق الصفقة. وما الذي ينبني ويخرج عليها من الفروع. بإيجاز غرضه الكشف عن المعنى لا تحقيق المسألة والدخول في تفاصيلها ومناقشاتها.
إن المقصود من تفريق الصفقة عندهم هو أن يجمع بين ما يجوز بيعه وما لا يجوز في صفقة واحدة بثمن واحد. وقد ذكروا أن لها ثلاث صور:
١ - أن يبيع معلوماً ومجهولاً، كقوله بعتك هذه الفرس وما في بطن هذه الفرس الأخرى بألف فهذا البيع باطل لأن المجهول لا يصح بيعه لجهالته، والمعلوم مجهول الثمن ولا سبيل إلى معرفته، لأن معرفته إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما، والحمل لا يمكن تقويمه فيتعذر التقسيط.
٢ - أن يبيع جزءا مشاعاً بينه وبين غيره من دون إذن شريكه، كعبد مشترك بينهما، أو أن يبيع ما ينقسم عليه الثمن أجزاء كقفيزين من صبرة واحدة باعهما من لا يملك إلا بعضهما، وهذه الصورة لها في مذهب أحمد وجهان:
أحدهما: يصح في ملكه بقسطه من الثمن، ويفسد فيما لا يملكه.
стр. 98
الثاني: لا يصح فيهما، وأصل الوجهين أن أحمد – ﵀ نص فيمن تزوج حرة وأمة على روايتين أحداهما يفسد فيهما، والثانية يصح في الحرة.
٣ - أن يكون المبيعان صفقة واحدة، معلومين ولكن لا ينقسم عليهما الثمن بالأجزاء كعبد وحر وخل وخمر، وعبد غيره وعبده.
وفي هذه الصورة يبطل البيع فيما لا يصح بيعه، وأما الآخر ففي المذهب روايتان (١).
وعند أبي حنيفة أن من جمع بين حر وعبد أو شاة مذكاة وشاة ميتة بطل العقد فيهما، وعند أبي يوسف ومحمد أنه إن سمي لكل واحد منهما ثمناً جاز فيما يجوز وبطل فيما لا يجوز، أي أنه يجوز في العبد والشاة المذكاة، ويبطل في الحر والشاة الميتة (٢).
وللشافعية في هذه المسألة قولان. ذكرهما الشيرازي (ت ٤٧٦هـ) (٣) في المهذب، وهما:
القول الأول: تفريق الصفقة فيبطل البيع فيما لا يجوز، ويصح فيما يجوز.
стр. 99
القول الثاني: إن الصفقة لا تفرق فيبطل العقد فيهما (١).
وذكر السيوطي (ت ٩١١هـ) (٢) أن أصح القولين أو الوجهين هو الصحة في الحلال، أي تفريق الصفقة. ولكنه ذكرها على أنها داخلة في قاعدة (إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام) (٣)، وهذا الكلام لا يتجه إلا على القول الآخر عند الشافعية وهو البطلان في الكل.
ومهما يكن من أمر فإن تفريق الصفقة بالمعنى الذي ذكرناه ينبني عليه فروع فقهية لا حصر لها، سواء كان رأي الإمام فيها البطلان في الكل، أو التفريق فيهما، فكل عقد جمع فيه بين ما يجوز بيعه وما لا يجوز، فرأي الإمام ومذهبه فيه هو هو في المسائل الأخرى من غير فرق.
وننبه هنا إلى أن ما ذكرناه عن ابن الصلاح يبين أن التخريج من القواعد يأتي في مرتبة تالية لمرتبة القياس على نصوص الإمام، وأن اللجوء إلى التخريج على القواعد إنما يتم عند عدم وجدان نص للإمام يقاس عليه.
стр. 100
المبحث الرابع
التعريف بأهم الكتب المؤلفة
في تخريج الفروع على الأصول
ويشتمل على خمسة مطالب:
المطلب الأول: كتاب تأسيس النظر.
المطلب الثاني: كتاب تخريج الفروع على الأصول.
المطلب الثالث: كتاب مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول.
المطلب الرابع: كتاب التمهيد في تخريج الفروع على الأصول.
المطلب الخامس: كتاب القواعد والفوائد الأصولية.
стр. 101
المطلب الأول
كتاب (تأسيس النظر) لأبي زيد الدبوسي (ت ٤٣٠هـ)
تمهيد: في الصلة بين كتاب الدبوسي:
وتأسيس النظائر للسمرقندي:
لقد آثرنا التعريف بـ (تأسيس النظر) لأبي زيد الدبوسي. المتوفى سنة ٤٣٠هـ، على التعريف بـ (تأسيس النظائر) لأبي الليث السمرقندي، المتوفى سنة ٣٧هـ، لعدد من الاعتبارات، نذكر بعضاً منها فيما يأتي:
١ - إن تأسيس النظر معروف للدارسين، وتداولته أيديهم، منذ أمد بعيد، وطبع أكثر من مرة، لكن تأسيس النظائر لم نعلمه مطبوعاً، وإنما رأيناه محققاً ومطبوعاً على الآلة الكاتبة، حققه الشيخ علي محمد محمد رمضان بإشراف د/حسن بن علي الشاذلي، للحصول على درجة "الماجستير" من كلية الشريعة في جامعة الأزهر.
٢ - إن منهج الكتابين واحد، والأصول والأمثلة التابعة لها ليس فيها اختلاف هام، فهما إن لم يكونا كتاباً واحداً. فهما متطابقان إلا في أمور يسيرة، كتضمن تأسيس النظر زيادات محدودة، في الأمثلة أو الأصول، وكالاختلاف اليسير في صياغة بعض القواعد مما يجعل دراسة أحد الكتابين دراسة للكتاب الآخر.
٣ - وجود اضطراب في عمل محقق تأسيس النظائر، وعدم وضوح الرؤية عنده في الأصول. تلك هي الأمور التي دعتنا إلى ترجيح الحديث عن تأسيس النظر على تأسيس النظائر ولتجلية ما سبق، نذكر فيما يأتي طائفة من الإيضاحات، بشأن الفقرتين السابقتين:
стр. 102
أ) إن الدبوسي أورد ثمانية أقسام من الخلافات، وأضاف إليها قسماً تاسعاَ ضمنه (١٢) اثني عشر أصلاً، ولم يرد هذا القسم الملحق في كتاب المسرقندي، مما ترتب عليه أن تكون الأصول المذكورة عند الدبوسي (٨٦) أصلاً، والأصول المذكورة عند السمرقندي (٧٤) أصلاً أو أقل منها بقليل.
ب) إن القسم السابع من أقسام الخلاف المتعلق بالخلاف بين علماء الحنفية وبين ابن أبي ليلى، تضمن (٥) خمسة أصول عند الدبوسي، ولم يرد في كتاب السمرقندي غير (٤) أربعة أصول. وربما يعود ذلك إلى سوء عمل المحقق، فقد أدخل أصلاً في أصل، وذكر أمثلة أحد الأصول ضمن أصل آخر. فذكر الأصل الثاني من القسم السابع وهو أن الأصل عند ابن أبي ليلى في باب المعاملات أن العقد إذا ورد الفسخ على بعضه انفسخ كله، ثم فرع عليه فقال وعلى هذا: مسألة التوكيل في استيفاء الحدود جائز، واعتبره بالحقوق التي هي محضة للعباد، كالدين ونحوه. وعندنا لا يجوز، ثم ذكر سائر الأمثلة (١)، مع أن المسائل المذكورة لا تتعلق بالأصل الذي ذكره، بل تتعلق به مسائل أخر، لم يوردها المحقق لكتاب السمرقندي، ولعله غفل عنها وسها، فلم يثبتها، فانتقل إلى مسائل الأصل الذي بعده، فالمسائل المذكورة ليست في المعاملات وإنما تتعلق بأصل آخر ورد عند الدبوسي وهو: الأصل عند ابن أبي ليلى أنه يعتبر حقوق الله بحقوق العباد، وعلى هذا قال ابن أبي ليلى أن التوكيل باستيفاء الحدود جائز .. إلخ (٢).
ج) وفي القسم الثامن الذي فيه الخلاف بين الحنفية والإمام الشافعي – ﵀ – نلاح أن محقق تأسيس النظائر أدخل الأصل (٥٢)
стр. 103
وجعله من مسائل الأصل الذي قبله، وهو الأصل (٥١)، ذلك أنه رتب الأصول فذكر الأصل الثالث، وعد فيه طائفة من المسائل ثم عنون بعد ذلك بـ (الأصل الرابع)، مع أن بعض المسائل المحصورة بين الثالث والرابع هي أصل وفروع مبنية عليه. فالمسألة الواردة في ص (٢٩٣) في تأسيس النظائر هي (أن من وجبت عليه الصدقة متى تصدق على وجه يستوفي به مراد النص أجزأه عما وجب عليه عندنا). وهذا أصل بنيت عليه فروع، وليس هو من مسائل الأصل الذي قبله، وهو (الأصل عند أصحابنا أن القدرة على الأصل أي المبدل قبل استيفاء المقصود بالبدل ينتقل الحكم إلى المبدل) (١) وما ذكره المحقق على أنه مسألة، وهو استيفاء مقصود النص بالصدقة، لا علاقة له بأصل (القدرة على الأصل ... إلخ)، وهذا يفهم بأدنى نظر.
د) وأما ما يتعلق بالصياغة فهو يسير، نذكر منه الأصل السادس والعشرين (٢)، والأصل التاسع والعشرين (٣)، والأصل الحادي والأربعين (٤)، والأصل الحادي والخمسين، على سبيل المثال، لا الحصر.
стр. 104
الفرع الأول: التعريف بالكتاب:
نشر هذا الكتاب في القاهرة سنة ١٣٢٠هـ، وفق ما ذكره بروكلمان في كتابه تاريخ الأدب العربي ٣/ ٢٧٣، وفؤاد سزكين في كتابه: تاريخ التراث العربي ١/ ٣/١٢٥، ولم يذكر اسم المطبعة التي تولت طبعه. لكن ذكر يوسف إليان سركيس في كتابه معجم المطبوعات العربية والمعربة (١/ ٨٦٦) أنه مطبوع سنة ١٩٢٨م في المطبعة الأدبية في سوق الخضار بمصر. ويبدو أن ما طبع في المطبعة المذكورة هو الأساس لما جاء بعده.
وقد طبع الكتاب على نفقة مصطفى محمد القباني الدمشقي، ومحمد أمين الخانجي، وليس فيه مقدمة للناشر، ولا ترجمة للمؤلف.
ثم طبع بعد ذلك أكثر من مرة فنشره زكريا علي يوسف، ثم دار ابن زيدون وغيرها. وقد تضمن ي هذه الطبعات ترجمة للدبوسي ملخصة من كتاب أعلام الأخيار لمحمود بن سليمان الشهير بالكفوي، ومقدمة لمصطفى محمد القباني، أفادت أن الكتاب استند إلى نسختين في دار الكتب المصرية المسماة في عهده بالمكتبة الخديوية، أحداهما في مجموع كان رقمه ١١١، وأخراهما في مجموع آخر كان رقمه ١١٨، ولم تذكر أية معلومات أخرى عن صحة نسبة هذا الكتاب إلى الدبوسي.
على أننا نذكر هنا أن كثيرين ممن كتبوا عن حياة أبي زيد الدبوسي وسيرته العلمية، لم يذكروا هذا الكتاب من جملة مؤلفاته، بل اقتصروا على ذكر تميزه بالخلاف، وتأليفه بعض الكتب فيه. ومن هؤلاء الذين لم يذكروا الكتاب:
ــ
= السمرقندي لم يذكر الأصل، بل ذكر فرعاً فقهياً، وعلل بالأصل فجاء على الوجه الآتي:
(الأصل عند علمائنا الثلاثة أن من ظاهر من أربع نسوة له، ثم أعتق بعددهن رقاباً، ولم ينو عن كل كفارة رقبة بعينها أجزأه؛ لأن الجنس جنس واحد، فاستغنى عن النية المعينة: وعند زفر لا يجوز: لأن نية التعيين في الجنس الواحد شرط).
стр. 105
١ - ابن خلكان (ت ٦٨١هـ) في كتابه وفيات الأعيان (٢/ ٢٥١).
٢ - عبد القادر القرشي (ت ٧٧٥هـ) في كتابه الجواهر المضية (٢/ ٤٩٩ و٥٠٠).
٣ - ابن قطلوبغا (ت ٨٧٩هـ) في كتابه تاج التراجم (ص ٧٩).
٤ - طاش كبري زاده (ت ٩٣٥هـ) في كتابه مفتاح السعادة (٢/ ١٤٢).
٥ - ابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ) في كتابه شذرات الذهب (٣/ ٢٤٢).
ولكن ذكره جاجي خليفة (ت ١٠٦٧هـ) في كتابه كشف النون ١/ ٣٣٤ منسوباً إلى أبي زيد الدبوسي، وعنه أخذ ذلك كثيرون.
وبعد هذا نذكر فيما يأتي وصفاً لهذا الكتاب:
أولاً: تضمن الكتاب طائفة من الضوابط والقواعد الفقهية، ولم يسمها المؤلف قواعد أو ضوابط، وإنما كان يطلق عليها لفظ (الأصل)، شأنه في ذلك شأن أبي الحسن الكرخي، فالأصول عنده تعني الضوابط أو القواعد.
ثانياً: والكتاب، وإن كان في الضوابط والقواعد، لكن تأليفه يدخل في نطاق كتب التخريج، لأنه إنما ذكرها لبيان كيفية بناء الفروع على الأصول، ورد الخلاف في الجزئيات إلى الخلاف في الأصول التي بنيت عليها هذه الجزئيات.
وقد صرح الدبوسي، في مقدمة حديثه، بأن هذه الأصول التي تسهل حفظ الفروع وبيان مأخذها، تمكن من قياس غيرها عليها، وكان غرض المؤلف –﵀ – أن يعرف الناظر فيها (مجال التنازع ومدار التناطح والتخاصم) كما قال (١) ... أو يعرف أسباب الخلاف ومأخذ آراء المختلفين.
ثالثاً: يُعد هذا الكتاب من أفضل وأنفس ما كتبه الفقهاء في بداية القرن الخامس الهجري، وتبرز أهميته في جانبه التطبيقي، وذكره الفروع الفقهية المبنية على القواعد، وأكثر ما ذكره من الأصول ضوابط فقهية، وليس فيما
стр. 106
ذكره إلا القليل من القواعد الأصولية كالأصل (٤٢) المتعلق بتقديم خبر الآحاد على القياس الصحيح عند الحنفية (١)، والأصل (٦٩) المتعلق بمفهوم المخالفة وأن الحنفية لا تقول بأن تخصيص الشيء بالذكر ينفي الحكم عما عداه (٢)، والأصل (٨٥) المتعلق بحم مخالفة خبر الأحاد للأصول (٣).
رابعاً: جمع الكتاب (٨٦) ستة وثمانين أصلاً مختلفاً فيه، وقد جعل المؤلف هذه الأصول في ثمانية أقسام، خمسة منها بين علماء المذهب اشتملت على (٤١) واحد وأربعين أصلاً، والأقسام الباقية بين الحنفية وغيرهم من العلماء. وقد أدخلت هذه الأصول ضمن الأقسام الآتية:
١ - قسم فيه خلاف بني أبي حنيفة وصاحبيه وفيه ٢٢ أصلاً
٢ - قسم فيه خلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف وبين محمد وفيه ٤ أصول
٣ - قسم فيه خلاف بين أبي حنيفة ومحمد وبين أبي يوسف وفيه ٣ أصول
٤ - قسم فيه خلاف بين أبي يوسف ومحمد ... وفيه ٤ أصول
٥ - قسم فيه خلاف بين فقهاء الحنفية الثلاثة أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف وبين زفر ... وفيه ٨ أصول
٦ - قسم فيه خلاف بين فقهاء الحنفية الثلاثة وبين الإمام مالك وفيه ٢ أصلان
٧ - قسم فيه خلاف بين فقهاء الحنفية وبين ابن أبي ليلى وفيه ٥ أصول
٨ - قسم فيه خلاف بين فقهاء الحنفية وبين الإمام الشافعي وفيه ٢٦ أصلاً
٩ - أصل اشتمل على أصول بنيت عليها مسائل خلافية وفيه ١٢ أصلاً
فالمجموع ٨٦ أصلاً
وقد أجاد المؤلف في تقسيم الأصول وترتيبها وتنظيمها، فجاءت أصوله مرتبة ومنظمة ومضبوطة.
خامساً: إن الفروع المذكورة في الكتاب لم تكن مخرجة من قبل
стр. 107
المؤلف أو غيره من فقهاء عصره، وإنما هي منقولة عن الأئمة، فالتخريج في الكتاب كان لبيان أسباب الخلاف، أو لتعليل الأحكام المنقولة عن الأئمة.
وكما أن الكتاب يمثل الفروع المخرجة على الأصول، فإنه يمثل أصولاً مخرجة من الفروع، والذي يكشف عن ذلك أن العودة إلى كتب الفقه في كثير من الفروع الواردة فيه لا ترينا التعليلات المسندة إلى هذه الأصول، بل ترينا تعليلات أخر غير مسندة إلى هذه الأصول.
سادسا: كان منهج المؤلف وصفياً، فقد كان يذكر نص الأصل وآراء العلماء بشأنه، دون أن يرجح وجهة نظر منها، ودون أن يستدل لأحد. وبعد ذكره الأصل يذكر الفروع المبنية عليه، بعد قوله: وعلى هذا مسائل منها، أو على هذا قال أصحابنا. ولم يخرج عن ذلك إلا عدد محدود جداً من الأصول.
الفرع الثاني: نماذج مختارة من الكتاب
أولاً: قال أبو زيد في الأصل الأول من كتابه المذكور ص ١١ وما بعدها:
قال الفقيه: الأصل عند أبي ﵀ على ما ذكره أبو الحسن الكرخي ﵀ أن ما غير الفرض في أله غيره في آخره (١)، مثل نية الإقامة للمسافر (٢) واقتداء المسافر بالمقيم (٣) وعلى هذا مسائل منها:-
стр. 108
١ - إن المتيمم إذا أبصر الماء، في آخر صلاته بعدما قعد قدر التشهد، قبل أن يسلم فإنه تفسد صلاته عند أبي حنيفة – ﵀ – لهذا المعنى، لأنه لو حصلت الرؤية في أول الفرض غيره، فكذلك إذا حصل في آخره، وعندهما لا تفسد.
٢ - إن العُريان إذا أصاب ثوباً، أو مقدار ما يستر عورته، بعدما قعد، قدر التشهد قبل أن يسلم، سدت صلاته عند أبي حنيفة – رحمه الله تعالى- لهذا المعنى الذي ذكرناه، وعندهما لا تفسد صلاته.
٣ - إن الأمي لو تعلم سورة من القرآن (١)، أو مقدار ما تجوز به الصلاة، بعدما قعد قدر التشهد، قبل أن يسلم، فسدت صلاته، عند أبي حنيفة، لهذا المعنى الذي ذكرناه، وعندهما لا تفسد صلاته.
٤ - إن المستحاضة، إذا خرج وقت صلاتها، بعدما قعدت قدر التشهد، قبل أن تسلم، فإنه تفسد صلاتها، عند أبي حنيفة- ﵀ لهذا المعنى، وعندهما لا تفسد صلاتها. وكذلك المبطون ومن به سلس البول، وصاحب الجرح السائل، ومن هو في معنى المستحاضة (٢) على هذا الخلاف.
стр. 109
٥ - إن المرأة إذا قامت بجنب الرجل، في آخر الصلاة، بعدما قعد قدر التشهد، قبل أن يسلم أفسدت صلاته عند أبي حنيفة، وعندهما لا تفسد (١).
٦ - إن الماسح على الخف، إذا انقضت مدة مسحه، بعدما قعد قدر التشهد، قبل أن يسلم، فإنه تفسد صلاته عند أبي حنيفة لهذا المعنى (٢)، وعندهما لا تفسد.
٧ - إن لابس الخفين إذا سقط الخف من رجله، بعدما قعد قدر التشهد، قبل أن يسلم، بغير فعله، أو بعمل يسير، من جهته (٣) فإنه تفسد صلاته عند أبي حنيفة لهذا المعنى، وعندهما لا تفسد فأما إذا كان بعمل كثير (٤) فإنه لا تفسد صلاته بالإجماع.
٨ - إن مصلي الجمعة إذا مضى الوقت، بعدما قعد قدر التشهد قبل أن يسلم (٥)، فإن صلاته تفسد عند أبي حنيفة، وعندهما لا تفسد.
٩ - إن من تذكر صلاة فاتت في آخر صلاته (٦)، ولم يدخل في
стр. 110
التكرار (١) بعدما قعد قدر التشهد قبل أن يسلم، فإنه تفسد صلاته عند أبي حنيفة، وعندهما لا تفسد.
١٠ - إن العاجز إذا قدر على الركوع والسجود، بعدما قعد قدر التشهد، قبل أن يسلم فإنه تفسد صلاته عند أبي حنيفة، وعندهما لا تفسد.
١١ - إن المرأة إذا حاضت، بعدما قعدت قدر التشهد، فسدت صلاتها عند أبي حنيفة، وعندهما لا تفسد.
١٢ - إن من كان في صلاة الفجر وطلعت عليه الشمس، بعدما قعد قدر التشهد، قبل أن يسلم، فسدت صلاته عند أبي حنيفة (٢)، وعندهما لا تفسد. فإن قيل: لو طلعت الشمس عند التكبيرة لا تغير الفرض في أوله (٣) قيل له: هذا من عدم العلة فلا يكون نقضاً (٤). وعلى هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن من أدرك الإمام يوم الجمعة بعدما قعد، قدر التشهد قبل أن يسلم، فإنه يصلي ركعتين، وقال محمد: يصلي أربعاً.