الفصل الثالث
تخريج الفروع على الفروع
تمهيد في: تعريفه - بيان موضوعه - مباحثه - فائدته
المبحث الأول: مصادر تخريج الفروع على الفروع.
المطلب الأول: النص وما يجري مجراه.
المطلب الثاني: مفهوم النص.
المطلب الثالث: أفعال الأئمة.
المطلب الرابع: تقريرات الأئمة.
المطلب الخامس: الحديث الصحيح.
خاتمة: في نسبة ما وافق الحديث الصحيح إلى المجتهد، إن لم يقله.
المبحث الثاني: طرق التخريج
المطلب الأول: التخريج عن طريق القياس.
المطلب الثاني: التخريج عن طريق لازم المذهب.
المطلب الثالث: النقل والتخريج.
стр. 177
تمهيد
تعريفه- بيان موضوعه ومباحثه - فائدته
لما كان ما نقل عن الأئمة المجتهدين من فروع فقهية، واجتهادات وفتاوى، بشأن أحكام الوقاع، غير شامل لكل ما يحتاجه الناس، على مدى الأزمنة، ولا يجيب عن تساؤلاتهم، بشأن بعض الأمور؛ بسبب نشوء المعاملات والتصرفات والوقائع التي لم تكن في زمنهم، لجأ تلاميذهم وأتباعهم إلى استخراج آراء لأئمتهم المتبوعين في أحكام هذه الوقائع ونسبوها إليهم، وجعلوها كأنها من تراثهم المنقول، حتى زخرت كتب الفقه بتلك المسائل الفرعية التي يصعب حصرها، مما هو واقع ومما هو مفترض، الأمر الذي لا تصح معه دعوى أنه مما نص عليه الإمام أو فعله بنفسه.
إن هذا الاستكشاف أو الاستنباط - إن صح التعبير - هو عملية تخريج باصطلاح الفقهاء والأصوليين، وهو الذي تناولته كتب الأصول في مباحث الاجتهاد والتقليد، والكتب المتخصصة بالفتوى وشروطها وصفاتها وآدابها وغير ذلك.
ومن تتبعنا لأقوالهم وجدنا أنهم يطلقون التخريج على أمرين:
الأول: على استنباط الأحكام من القواعد، أو إخراج أحكام جزئيات القاعدة من القوة إلى الفعل (١)، وهذا أمر قد أدخلناه في مجال تخريج الفروع على الأصول، وقد سبق بيان حكمه وآراء العلماء في صحة نسبة ما خرج بناء عليه، إلى الأئمة.
стр. 178
الثاني: على استنباط الأحكام من فروع الأئمة المنسوبة إليهم، سواء كانت من أقوالهم أو أفعالهم أو تقريراتهم. وهذا هو ما رأينا أن نجعله موضوع هذا الفصل وآثرنا أن نطلق عليه (تخريج الفروع على الفروع).
تعريفه:
جاء في المسودة إن التخريج هو (نقل حكم مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه) (١)، وهذا التعريف نقله بنصه غير واحد من العلماء منهم المرداوي (ت ٨٨٥هـ) (٢) في كتابه الإنصاف (٣).
والتخريج وفق هذا التعريف يتعلق بمادة هذا الفصل تعلقاً مباشراً. وظاهره أن المقصود بالتخريج هو القياس، الذي يتضمن نقل مثل حكم مسألة جزئية إلى أخرى، لوجود شبه بينهما، سواء كان باتفاقهما في العلة وذلك هو قياس العلة، أو بانتفاء الفارق بينهما وهو ما يسمى، عندهم، بالقياس بنفي الفارق، أو القياس في معنى الأصل (٤).
لكنا نلاحظ أن هذا التعريف يقتصر على بيان معنى التخريج بصفة عامةن ويس تعريفاً له على أنه علم معين. وعملنا في هذا الفصل يقوم على
стр. 179
جمع كل ما له صلة بالتخريج بهذا المعنى، سواء كان ذلك متعلقاً بشروطه، أو بشروط أهل التخريج، أو بحكم نسبة الفروع المخرجة إلى الأئمة، أو غير ذلك مما له صلة بهذا الشأن.
وهو بهذا المعنى شأنه شأن ما تقدم، إذ لم نجد له تعريفاً خاصاً، لأنه لم يبحث على أنه علم قائم بذاته، وإنما كانت موضوعاته ترد متفرقة، تارة في كتب الأصوليين، وتارة في كتب الفقهاء، وتارة في الكتب الخاصة بصفات المفتي والمستفتي، وتارة في مواضع أخر.
وإذا أردنا أن نضع له تعريفاً يتناول ما تقدم قلنا بأنه:
هو العلم الذي يتوصل به إلى التعرف على آراء الأئمة في المسائل الفرعية، التي لم يرد عنهم فيها نص، بإلحاقها بما يشبهها في الحكم، عند اتفاقهما في علة ذلك الحكم، عند المخرج أو بإدخالها في عمومات نصوصه أو مفاهيمها، أو آخذها من أفعاله أو تقريراته، وبالطرق المعتد بها عندهم، وشروط ذلك، ودرجات هذه الأحكام.
وهذا التعريف قد يخالف ما اشترطه المناطقة في التعريفات، من حيث ضرورة الإيجاز فيه والابتعاد عن التفاصيل، أو ذكر ما ليس ركناً في المعرف، سواء كان من شروطه أو لم يكنن ولكننا ذرنا ذلك من أجل إعطاء صورة واضحة عن تصوراتنا لما يشتمل عليه هذا العلم وما يتقوم به.
فقولنا: العلم جنس شامل لكل أنواع العلوم.
وقولنا: الذي يتوصل به إلى آراء الأئمة ... قيد أول اخرج، ما لم يكن الغرض منه التوصل إلى هذه الآراء.
وقولنا: في المسائل الفرعية قيد ثان أخرج ما يتوصل به إلى غير ذلك، كأن يتوصل به إلى قواعدهم وأصولهم، مما يدخل في نطاق تخريج الأصول من الفروع، أو غير ذلك من الأمور.
وقولنا: بلحاقها بما يشبهها في الحكم عند اتفاقهما .. قيد ثالث
стр. 180
لإخراج التوصل إلى أحكام المسائل الفرعية من القواعد والأصول، مما يدخل في نطاق تخريج الفروع على الأصول.
والقيود المذكورة فيما بعد لبيان ما يشمله هذا العلم من المباحث، وما يشترط في عملية التخريج المذكورة، سواء كان ذلك متعلقاً بالمصدر الذي يخرج منه، أو بمن يقوم بعملية التخريج.
موضوعه ومباحثه:
من خلال تعريف هذا العلم، اتضح لنا موضوعه ومباحثه، فهو يبحث في نصوص الأئمة وأفعالهم، وتقريراتهم، من حيث التعرف منها على ما يشبه الوقائع الجزئية الحادثة المطلوب معرفة حكمها الشرعي، من وجهة نظر إمام المذهب، فيلحقها بها قياساً، أو إدخالاً لها في عموم نصه أو مفهومه، أو ما شابه ذلك.
كما يبحث في صفات المخرج والشروط اللازمة له، وصفات الأقوال المخرجة ودرجاتها.
فائدته:
والفائدة من هذا العلم التعرف على أحكام المسائل الجزئية المتنوعة التي سكت عنها الأئمة إما لأنه لمي قع عنها سؤال في زمنهم، أو لأنها من الوقائع والنوازل الجديدة، التي لم يرد عنهم فيها شيء.
стр. 181
المبحث الأول
مصادر التخريج
وسنتناول في هذا المبحث مصادر تخريج آراء الأئمة، ووجهة نظر العلماء في صلاحيتها، أو عدم صلاحيتها لذلك، وهي مقتصرة على ما يُعد من الفروع والمسائل الجزئية، وتركنا مسألة التخريج من القواعد لأننا أدخلناها في موضوع تخريج الفروع على الأصول، وقد جعلنا هذا المبحث في خمسة مطالب وهي:
المطلب الأول: النص وما يجري مجراه.
المطلب الثاني: مفهوم النص.
المطلب الثالث: أفعال الأئمة.
المطلب الرابع: تقريرات الإمام.
المطلب الخامس: الحديث الصحيح.
стр. 182
المطلب الأول
نص الإمام وما يجري مجراه
وقد رأينا أن نجعل هذا المطلب في فرعين، أحدهما في بيان المقصود من النص وما يجري مجراه، وآخرهما في بيان الطرق التي نتعرف بها على تلك النصوص.
الفرع الأول: في بيان المراد من النص وما يجري مجراه
النص في اللغة الرفع، ومن ذلك منصة العروس. ويقال نص الحديث ينصه إذا رفعه. وهذا المعنى هو أكثر استعمالاته (١).
وفي اصطلاح الفقهاء والأصوليين نجد اختلافاً في بيان معناه، بين جمهور العلماء من جهة، وأتباع المذهب الحنفي من جهة أخرى.
ففي اصطلاح الجمهور أطلق على معان متعددة منها
أ- أنه بمعنى الظاهر، أي ما فهم المعنى المراد منه من غير قطع، وهذا الاطلاق ورد عن الشافعي ﵀.
ب- إنه ما يقابل الظاهر بمعنى ما يحتمل التأويل، فالنص ما لا يحتمل التأويل أصلاً، وعلى هذا فإن الظاهر ما دلالته ظنية، والنص ما دلالته قطعية.
ج- إنه ما لا يتطرق إليه احتمال مقبول يعضده دليل (٢).
وفي اصطلاح الحنفية أطلق النص على ما كان أعلى مرتبة في الوضوح
стр. 183
من الظاهر، ودون مرتبة المفسر والمحكم، فالنص ما ظهر منه المراد كالظاهر وزاد على ذلك بأن كان سوق الكلام من أجله (١). كما في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة/٢٧٥) فإنه ظاهر في دلالته على حل البيع وحرمة الربا، ونص في التفرقة بينهما؛ لأن النص سيق للرد على من زعم التسوية بينهما وقاس الربا على البيع (٢).
وقد أطلق النص أيضاً على صيغة الكلام الأصلية التي وردت عن المؤلف أو المتكلم، وهو من المعاني المولدة، التي استعملها الناس قديماً بعد عصر الرواية (٣).
وإن إطلاق الأصوليين للنص على صيغ الكتاب والسنة هو من هذا القبيل.
والذي يبدو من كلام الفقهاء والأصوليين، حينما يتكلمون عن نصوص الأئمة وما يجري مجراها، أنهم كانوا يقصدون في تعبيرهم (نص عليه)، ما دل عليه بألفاظه صراحة. ومن تعبيرهم معنى النص. ما دل عليه بألفاظه بصورة غير صريحة، وهذا هو اصطلاح جمهور الأصوليين في تقسيم الألفاظ من حيث كيفية دلالتا على المعنى. حيث إنهم جعلوا دلالة اللفظ على المعنى قسمين أحدهما دلالته عليه بمنطوقه، وثانيهما دلالته عليه بمفهومه، والدلالة الأولى هي الدلالة اللفظية التي تؤخذ من عبارات المتكلم، أما
стр. 184
الدلالة بمفهوم اللفظ فهي دلالة معنوية أو التزامية، والكلام عنها سيأتي في مبحث المفهوم.
والمنطوق عندهم نوعان: صريح وغير صريح.
١ - فالمنطوق الصريح (١): هو ما وضع له اللفظ، فيدل عليه بالمطابقة أو التضمن، ويسمى الثابت به، عند الحنفية. ثابتاً بعبارة النص (٢). ومن الأمثلة على ذلك من كلام الأئمة:
أ- قول الشافعي – ﵀: (وكان على المصلي في كل صلاة واجبة أن يصليها متطهراً وبعد الوقت، ومستقبلاً للقبلة، وينويها بعينها، ويكبر، فإن ترك واحدة من هذه الخصال لم تجزه صلاته) (٣).
فهذا النص واضح وصريح في بيان مذهب الشافعي –﵀ في بعض شروط الصلاة، وأن أي واحدة من الخصال التي ذكرها، يؤدي عدمها إلى عدم الصلاة دون أن يحتمل مثل هذا الكلام معنى آخر.
стр. 185
ب- ومن ذلك قول الإمام أحمد ﵀ بشأن وجوب العمل بخبر الواحد، فقد نص في رواية أبي الحارث (١) على أنه: (إذا كان الخبر عن رسول الله ﷺ صحيحاً، ونقله الثقاة فهو سنة، ويجب العمل به، على من عقله وبلغه، ولا يلتفت إلى غيره من رأي ولا قياس) (٢). فهذا الكلام صريح في بيان رأي الإمام أحمد في وجوب العمل بخبر الواحد الصحيح، على المكلف متى بلغه الخبر، وأنه يقدم على القياس وغيره من طرق الرأي. والأمثلة على ذلك كثيرة. وبوجه عام فإن المعنى إذا كان مستفاداً من الألفاظ، على حسب ما وضعت له في اللغة، سواء كان مدلولاً عليه بالمطابقة أو التضمن، فإنه المراد من النص عند الجمهور، ومن عبارة النص عند الحنفية.
٢ - وأما المنطوق غير الصريح: فهو ما دل عليه اللف، لا بإحدى الدلالتين المذكورتين أي المطابقة والتضمن، بل بالالتزام (٣)، وهو ما يتناوله قولهم: ما يجري مجرى النص فتدخل فيه دلالات الاقتضاء، والإشارة والتنبيه أو الإيماء. ولبعض العلماء في عد هذه الأمور من المنطوق وجهة نظر مخالفة، إذ جعلوها من باب دلالة المفهوم، ولكننا آثرنا الأخذ بوجهة نظر ابن الحاجب (٤) في عدها من دلالة المنطوق، نظراً لأن هذه الأمور هي من
стр. 186
أحكام وحالات المذكور، بخلاف المفهوم الذي يبين أحكام وحالات غير المذكور (١).
وقد ذكروا أن غير الصريح قسمان، لأنه إما أن يكون مقصوداً للمتكلم أو لا:
أ- والمقصود للمتكلم ينسم بحسب استقرائهم إلى قسمين:
أولهما: ما يتوقف عيه الصدق، أو الصحة العقلية، أو الشرعية، ويسمى دلالة الاقتضاء (٢). فمثال ما يتوقف عليه الصدق قوله – ﷺ – (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) (٣) فإن هذه الأمور موجودة في الواقع وليست مرفوعة، فلابد لصدق الكلام من تقدير فيكون المراد: رفع إثم الخطأ أو ما شابه ذلك، ومثال ما تتوقف عليه الصحة العقلية ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ "يوسف /٨٢"فلو لم يقدر أهل القرية، لم يصح الكلام عقلاً، ومثال الصحة الشرعية: أعتق عبدك عني على ألف، فإنه يستدعي تقدير الملك (٤).
стр. 187
ثانيهما: أن يقترن بحكم لو لم يكن للتعليل هو أو نظيره لكان بعيداً فيفهم منه التعليل ويدل عليه، وإن لم يصرح به، ويسمى تنبيهاً وإيماء (١). وهو أقسام متعددة يبحثها الأصوليون، في مسالك العلة من مباحث القياس.
ب- وأما غير المقصود للمتكلم فيسمى دلالة الإشارة، نحو قوله – ﷺ – (النساء ناقصات عقل ودين، فقيل: يا رسول الله ما نقصان دينهن؟، قال: تمكث إحداهن في قعر بيتها شطر دهرها، لا تصلي ولا تصوم) (٢).
فهذا الحديث يدل بحسب وضعه على نقصان دينهن، ولكنه يدل بطريق الالتزام على أن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً، وكذلك أقل الطهر، لذكر الحديث شطر الدهر مبالغة في نقصان دينهن، ولو كان الحيض يزيد على ذلك لذكره.
ونحو دلالة مجموع قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ (الأحقاف ١٥)، وقوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ (لقمان ١٤) على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر بعد طرح مدة الفصال. وهذا أمر لم يكن مقصوداً في الآيتين، ولكنه يلزم من مجموعهما. ونحو دلالة قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ... وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ...﴾ (البقرة ١٨٧)، على عدم فساد صوم من أصبح جنباً، لأن لو
стр. 188
كان يفسد لما أبيح الجماع في آخر جزء من الليل (١).
وعلى هذا فإن ما ورد عن الأئمة، مما يدخل في هذه الأنواع من الدلالة، يُعد من آرائهم الجارية مجرى النص، والتي صححوا نسبتا إليهم.
ومن أمثلتها:
١ - ما رواه الحسن بن زياد (٢) عن أبي حنيفة- ﵀ في شأن صلاة كسوف الشمس، وقوله: (إن شاؤوا صلوا ركعتين، وإن شاؤوا صلوا أربعاً، وإن شاؤوا أكثر من ذلك). فلم يصرح أبو حنيفة –﵀ – بكون صلاة الكسوف نافلة، ولكن ذلك عرف من نصه إيماء لأن كلامه يفيد التخيير. قال الكاساني (ت ٥٨٧هـ) (٣): (والتخيير يكون في النوافل لا في الواجبات) (٤).
стр. 189
٢ - ومن ذلك ما ذكره محمد بن الحسن – ﵀ – بشأن حكم صلاة الكسوف، فقد ذكر في الأصل ما يدل على عدم الوجوب. قال: (ولا تصلي نافلة في جماعة إلا قيام رمضان وصلاة الكسوف) قال الكاساني (ت ٥٨٧هـ): "فاستثنى صلاة الكسوف من الصلوات النافلة، والمستثنى من جنس المستثنى منه، فيدل على كونها نافلة" فنص محمد لم يصرح بكونها نافلة، ولكن ذلك عُرف واستدل عليه عن طريق الاستثناء، كما ذكر الكاساني (١) لكن من الممكن المنازعة في عد مثل هذا الكلام من باب المنطوق غير الصريح.
٣ - ومما نسب إلى الإمام أحمد – ﵀ – إيماء أنشرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يثبت نسخه. قال أبو الخطاب (٢): "وأومأ إليه أحمد في رواية الأثرم وغيره. وقد سئل عن القرعة فقال: "في كتاب الله في موضعين ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ﴾ "الصافات/١٤١" و ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ﴾ "آل عمران /٤٤" (٣) وهذا شرع يونس، وهذا شرع زكريا) (٤). فذكر الإمام
стр. 190
أحمد هاتين الآيتين، دون أن يعلق عليهما، يفهم منه أنه يرى حجية شرع من قبلنا، ولو لم يكن ذلك ما كان لذرهما فائدة، فهو لم يصرح بالحجية، ولكنه أومأ إليها.
٤ - ومما نسب إليه أيضاً عدم اعتداده بإجماع غير الصحابة. قال أبو الخطاب: (لا يعتد بإجماع غير الصحابة. وقد أومأ إليه أحمد في رواية أبي داود: الإتباع أن يتبع ما جاء عن رسول الله – ﷺ – وعن أصحابه وهو بعد في التابعين مخير" (١). والذي يفهم من هذا الكلام عدم حجية إجماع التابعين، لأنه لو كان حجة لما أجاز لمن جاء بعدهم الخيار.
٥ - ومن ذلك وجه خُرج للإمام أحمد، وهو: إنه لا يجوز تخصيص عام السنة بخاص الكتاب. فقد ذكر القاضي أبو يعلي أن الإمام أحمد – ﵀ – أومأ إليه في رواية حنبل وغيره، فقال: السنة مفسرة للقرآن ومبينة له. وظاهر هذا أن البيان يقع بها (٢). وإذا كان الأمر كذلك فلا يجوز أن يخصصها القرآن، لأنه لو كان كذلك، لكان هو المبين للسنة لا العكس (٣).
مرتبة غير الصريح: ونظراً إلى أن ما يدل بظاهره أو إيمائه أو دلالته أو غير ذلك من الطرق غير الصريحة، دون ما يدل بنصه غير المحتمل للتأويل، فإن الرأي يميل إلى ترجيح النص غير المحتمل للتأويل على ما سواه. وإن ما ورد عن الإمام نصاً أو بلفظه الصريح ينبغي أن يكون مقدماً على ما علم من رأيه باللف المحتمل لجملة من المعاني.
ومن أجل هذا الاحتمال الدلالي نجد كثيراً من الآراء المنسوبة إلى بعض الأئمة عن طريقها، كانت مجالاً للنقد، ولإبداء وجهات نظر تختلف في نتائجها عما نسبه المخرج للإمام، وإذا كان للإمام رأي ثابت بالنص
стр. 191
الصريح يخالف ما نسب إليه إيماء فإنهم يرجحون النص الصريح، ويؤولون ما ثبت بالإيماء أو الإشارة أو الدلالة. ومن هذا القبيل:
١ - ذكر علماء الحنابلة رأيين للإمام أحمد – ﵀ – أحدهما بنص صريح يجيز التعبد بالقياس، وآخرهما بالإيماء يمنع التعبد به. ففي شأن جواز التعبد به ذكر أبو الخطاب مما نص عليه أحمد – ﵀ – في رواية بكر بن محمد (١) عن أبيه، فقال: "لا يستغني أحد عن القياس" (٢) وفي شأن عدم جواز التعبد به. قال: "وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية الميموني (٣)، فقال: يجتنب المتكلم في الفقه هذين الأصلين، المجمل والقياس" (٤). وقد تأول القاضي رأي أحمد – ﵀ – المنسوب إليه إيماء، على أن المراد استعمال القياس في معارضة السنة.
٢ - ومن ذلك ما ذكرناه سابقاً، مما نسب عن طريق الإيماء إلى الإمام أحمد من عدم اعتداده بإجماع التابعين فإن هذا مما تأوله القاضي أيضاً، وقال عنه بأنه (محمول على آحادهم) (٥) وحينئذ يكون التخيير الوارد في هذه الرواية – من وجهة نظر القاضي – ليس المقصود به جواز ترك الإجماع،
стр. 192
بل جواز ترك بعض الآراء والأخذ ببعضها الآخر، وذلك عند الاختلاف لا عند الاتفاق.
الفرع الثاني: طرق معرفة النصوص
لمعرفة نصوص الأئمة، أي الأقوال الصادرة عنهم، طريقان (١):
الطريق الأول:
مؤلفاتهم المنسوبة إليهم ، والمروية عنهم بطريق صحيح، سواء كانت كتباً، أو رسائل، كالموطأ الذي ألفه الإمام مالك، فإنه، وإن كان كتاب حديث ممحص بالسند والمتن، إلا أنه يشتمل على رأي مالك في كثير من المسائل الفقهية (٢). وككتاب الأم المنسوب إلى الشافعي على ما هو الراجح في الأمر (٣). وكالأمالي الكبرى والإملاء الصغير وغيرها. وكالكتب التي ألفها محمد بن الحسن الشيباني المبينة لوجهة نظره، ونظر أساتذته وزملائه، في المسائل الفقهية، وكالمنقول عن الإمام أحمد ﵀.
وهذا الطريق يُعد أفضل ما يمثل رأي الإمام، إن نقل عنه بطريق صحيح، ومثل ذلك لا إشكال في صحة نسبته إليه، سواء كان رأياً مبتدأ، أو مختاراً من آراء من سبقه (٤). أما إذا كان ما يذكره نقلاً للأقوال السابقة، فهو لا يخلو إما أن ينقله مؤيداً، أو ينقله رافضاً وناقداً له، أو ينقله من دون تعليق عليه، لا بالموافقة ولا بالرفض. فما أيده مما نقله تصح نسبته إليه، وما رده ولم يقبله لا تصح نسبته إليه، وما نقله دون تعليق فهو مما يحتمل. ولهذا فلا تصح نسبته إليه قبل البحث فيما نقل عن الإمام من رأي في المسألة في
стр. 193
مواضع أخرى، تكشف عن رأيه فيها.
على أن هذا يقودنا إلى إجابات الإمام بنصوص من الكتاب والسنة أو الآثار المروية عن الصحابة.
أما ذكره نص الكتاب في المسألة فهذا دليل على أنه رأيه، وأنه ينسب إليه، وأنه ذكره على أنه بيان موجب القضية المسؤول عنها (١). والدليل على ذلك منهج النبي ﷺ ففي قضية اللعان، قال للرامي: البينة أو جد في ظهرك، فلما أنزل الله آية اللعان (٢) دعاه ﷺ وأمر بقراءة الآية، مبيناً أن ذلك هو الحكم، وكذلك قصة المجادلة التي شكت زوجها إلى النبي ﷺ في مسألة الظهار، فلما نزل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٣) دعاهما ﷺ وقرأ عليهما الآية (٤)، وغير ذلك كثير من الشواهد.
وأما الجواب بالسنة فهو كنص الفتوى، ومعنى ذلك أنه تصح نسبة ما تضمنته السنة إلى الإمام (٥). وقد روي عن الإمام أحمد- ﵀ كثير من تلك الإجابات، وطريق تصحيح تلك النسبة أن الصحابة تمسكت بذلك، وتعلقت بالأخبار، وأفتت بموجبها. قال ابن حامد: (وقد بينت أيضاً أن الفقيه إذا سُئل عن حكم فأفتى بالخبر، فإنه إيذان ببيان الحكم، لا أنه لم
стр. 194
يتبين عن الحكم، فإذا ثبت هذا علمت بذلك صحة ما ذكره، ولا أعلم في هذا خلافاً إلا شيء شذ به بعض المتأخرين) (١).
ووجهة هؤلاء المخالفين الذين ذكرهم ابن حامد، ممن رفضوا عد ذكر الخبر مذهباً، ومنعوا صحة نسبته إليه، تستند إلى أمرين:
١ - أن الإمام المجتهد قد يرد الخبر ولا يقبله.
٢ - أنه قد يفسره بما يخالف ظاهره.
لكن هذين الأمرين مدفوعان، ولا يصلحان حجة تبرر ما ذهبوا إليه، أما ما ذكر بشأن احتمال رد الخبر فهو غير وارد، لأن من شأن الفتوى إيصال حكم المسألة إلى السائل، فإذا اقتصر المفتي على ذكر الأثر دل ذلك على استقرار الجواب بأنه غير منازع، أما التفسير بخلاف الظاهر فإنه لا يضر، وإن التفسير يترتب على ما يثار من أسئلة، فإن لم تكن وجب إجراء مذهبه بحسب الظاهر، وإن وجدت فتفسيره مذهبه. وقد سئل الإمام أحمد ﵀ عن الأضاحي فقال، يأكل، فقال له: يأكلها كلها فقال: لا، يأكل ثلثاً (٢).
أما روايته قول بعض الصحابة، وإجابته عن المسألة به، فإن معظم أصولي الحنابلة يعدونه قولاً للإمام، ويصححون نسبته إليه، وهذا مبني على أن قول الصحابي عنده حجة على أصح الروايتين عنه (٣). وأما إذا ذكر عن الصحابة في المسألة أكثر من قول، فمذهبه الذي يعد بمثابة النص هو ما رجحه أو اختاره أو حسنه، وما لم يبدر منه شيء من ذلك فإن العلماء اختلفوا فيما بينهم فيه، فمنهم من قال إن مذهبه أقرب تلك الأقوال من الكتاب أو السنة أو الإجماع، ومنهم من قال لا مذهب له فيها عيناً (٤)، وبوجه
стр. 195
عام فإنه من الصعب أن يقال إن ذلك مما نص عليه الإمام، فما لم يصرح برجحانه إن نسبناه إليه، بناءً على قربه من الكتاب أو السنة أو الإجماع، فإن نسبته إليه مبنية على الاستنباط، لا على أنه صرح بذلك.
الطريق الثاني:
نقل أصحابهم لآرائهم في المسائل المختلفة (١).
والطريق الثاني لمعرفة نصوص الإمام هو أصحابه، أو تلاميذه الذين تلقوا عنه العلم، فإنهم أفضل الطرق بعد مؤلفاته، لمعرفة رأيه ونصوصه. فإن ملازمتهم له، وتدوينهم ما يصدر عنه من الفتاوى والأقوال، يجعل ذلك طريقاً صحيحاً للتعرف على رأي الإمام المجتهد. وقد ثبت أن كثيراً من الأئمة كان تلاميذهم يكتبون عنهم، وكان الأئمة يقرون ذلك، وإن ورد عن بعضهم كراهيته الكتابة (٢).
стр. 196
وقد يتفق التلاميذ أو الأصحاب على نقل كلام الإمام، وقد يختلفون فيما بينهم، فإن اتفقوا على ما ينقلونه عنه فلا شك في صحة نسبة ذلك إليه، وإن اختلفوا فإن الطريق إلى تحديد مذهب الإمام يكون بالنظر في الروايات وترجيح واحدة منها بالطرق المعتبرة في الترجيح. ولا شك أن مذهب الإمام لن يخرج عما ذكروه، ولكن لا جزم بذلك الواحد، وإنما ينسب إليه بطريق الترجيح. وهذا واضح فيما إذا كانوا ينقلون نص الإمام، أما إذا لم يكن النقل بذكر لفظ الإمام، وإنما بذكر الحكم، أو بذكر اللفظ مع تفسيره أو تقييده أو إطلاقه أو تخصيصه، وفقاً لما فهموه، فإن علماء الحنابلة لم يتفقوا على صحة نسبة ذلك للإمام، ولهم في ذلك وجهان:
أولهما: أن ذلك كنصه في صحة النسبة إليه وهذا اختيار الحسن بن حامد وغيره، كما أنه قياس قول الخرقي (١)، قال الحسن بن حامد: (إن الناقلين عن أبي عبد الله- ﵀ جواباته ونص سؤالاته إذا قاربوا ذلك بتفسير جواب أو نسبوا إليه حداً في وجه، فقالوا: إن ذلك منسوب وبه منوط
стр. 197
فإليه يعزى] (١). وقال: [كل من نقل عنه في مسألة بيان حد في السؤال، كان ذلك بمثابة نصه في كل الأحوال] (٢).
وثانيهما: أن ذلك لا يكون مذهبه ولا تصح نسبته إليه، وقد اختار ذلك أبو بكر أحمد بن محمد الحلال [ت ٣١١هـ] (٣)، وغلامه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر [ت ٣٦٣هـ] (٤)، واستدل لهذا الوجه بأن ما ينقل على الكيفية المذكورة لا يعدو أن يكون ظناً وتخميناً ومن الجائز أن يعتقد الإمام خلافه، وربما أراد غير ما ظهر للراوي، بخلاف حال الصحابة مع النبي ﷺ (٥).
ووجهة نظر ابن حامد قياس حال التلاميذ مع الإمام، على حال الصحابة مع النبي- ﷺ فكما أن ما تفسره الصحابة في نقلها عن النبي
стр. 198
- ﷺ ، وما تثبته في أخبارها، يعزى إلى النبي نصاً، ويقطع به حتماً، فكذلك حال "العلماء والآخذين عنهم. كيف وأن من الثابت أن الصاحب لا يجوز أن ينسب إلى صاحبه شيئاً من حيث المجازفة والتخيل، ولا ينسب إليه إلا ما قبله وعلمه يقيناً" (١).
وقد عرض ابن حمدان (٢) هذين الوجهين من غير ترجيح أو اختيار. والظاهر يؤيد اختيار ابن حامد، فتلاميذ الإمام تقاة عدول، وهم خبراء بما رووه. وأعرف بمذهب إمامهم، وأكثر إدراكاً لمراميه من خلال القرائن التي تحف بظروف المسألة، وطريقة تعبير الإمام عنها.
ومن أمثلة هذا الطريق:
أ- قول عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل (٣): سألت أبي عن الخطاف فكان عنده أسهل من الخشاف (٤). والمسألة وردت في مسائل عبد الله على الوجه الآتي:
стр. 199
[قال: سألت أبي عن الخطاف، قال: لا أدري، وكان عنده أسهل من الخشاف. وقال: سألت أبي عن الخشاف يؤكل؟ قال من يأكل الخشاف؟ كأنه يكرهه] (١).
ب- قول أبي داود السجستاني [ت ٢٧٥هـ] (٢) سمعت أحمد سئل عن أم ومولى، قال: للأم الثلث، وما بقي فللمولى (٣).
ج- قال ابن خزيمة (٤) عن المزني (٥): سئل الشافعي عن نعامة ابتلعت
стр. 200
جوهرة لرجل، فقال: لست آمره بشيء، ولكن إن كان صاحب الجوهرة كيساً عدا على النعامة، فذبحها واستخرج جوهرته، ثم ضمن لصاحب النعامة ما بين قيمتها حية ومذبوحة (١).
د- وروى الربيع بن سليمان بن داود الجيزي (٢) عن الشافعي: أن قراءة القرآن بالألحان مكروهة، وأن الشعر بعد الممات يتبع الذات، قياساً على حال الحياة، يعني أنه يطهر بالدباغ (٣).
هـ- ومن ذلك ما نقله أبو يوسف في كتاب الخراج عن أبي حنيفة- ﵀ في إجارة الأرض البيضاء والأرض الزراعية. قال: [وكان أبو حنيفة- ﵀ ممن يكره ذلك كله في الأرض البيضاء. وفي النخل والشجر بالثلث والربع وأقل وأكثر] (٤). كما نقل احتجاجه لوجهة نظره هذه (٥).
و- ومنه ما نقله عنه أيضاً في كتابه المذكور، بشأن أخذ الخراج والعشر مما أخرجته الأرض، قليلاً كان أو أكثر. قال: [وحدثنا بذلك عن حماد (٦)
стр. 201
عن إبراهيم النخعي (١) أنه قال: ما أخرجت الأرض من قليل أو كثير من شيء ففيه العشر، وإن لم يخرج إلا دستجة (٢) بقل، فكان أبو حنيفة يأخذ بهذا ويقول: لا تترك أرض تعتمل لا يؤخذ منها ما يجب عليها من الخراج، وما يجب عليها من العشر إذا كان في أرض العشر، قليلاً أخرجت أم كثيراً (٣).
المطلب الثاني
مفهوم نص الإمام
ذكرنا أن مصادر التخريج التي تؤخذ منها مذاهب الأئمة الأربعة آراؤهم ونصوصهم الصريحة، أو ما يجري مجرى نصوصهم، من اقتضاء أو إيماء أو إشارة، أو تنبيه على رأي، أو ما شابه ذلك، مما يدخل في اصطلاحاتهم في نطاق [المنطوق]. ولكن إذا كان مذهب الإمام مما يتوصل إليه لا عن طريق الدلالة اللفظية الوضعية، بل عن طريق المفهوم، أو الدلالة الالتزامية فهل يعد ما يتوصل إليه عن هذا الطريق مذهباً للإمام، فينسب إليه؟.
стр. 202
اختلفت آراء العلماء في ذلك، ولبيان وجهات نظرهم ينبغي لنا أن نوضح معنى المفهوم، وما هو المختلف فيه من أقسامه.
معنى المفهوم (١): المفهوم في اللغة المعروف والمدرك بالعقل، وهو اسم مفعول من الفهم، الذي هو معرفة الشيء وإدراكه بالعقل أو القلب (٢). وفي اصطلاح علماء أصول الفقه أنه ما فهم من اللفظ في غير محل النطق (٣)، بأن كان حكماً لغير المذكور وحالاً من حالاته (٤).
وقيل: هو المعنى المستفاد من حيث السكوت اللازم للفظ (٥) وهو قسمان: مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة.
١ - مفهوم الموافقة: وهو ما كان المسكوت عنه موافقاً للمنطوق في حكمه، نفياً وإثباتاً. ويسمى فحوى الخطاب ولحن الخطاب أيضاً (٦) ويطلق عليه
стр. 203
اسم [دلالة النص] باعتباره مما يفهم من النص ومنطوقه (١). ومن أمثاله: تحريم شتم الوالدين وضربهما المستفاد من قوله تعالى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء ٢٣].
وجمهور العلماء يفرقون بين ما إذا كان المسكوت عنه مساوياً للمنطوق. وما كان فيه أولى منه بالحكم. فما كان المفهوم فيه أولى من المنطوق أطلقوا عليه [فحوى الخطاب]، كتحريم الشتم والضرب، فإنهما أشد من التأفيف المنهي عنه، وما كان المفهوم فيه مساوياً للمنطوق سموه [لحن الخطاب]، كتحريم إحراق مال اليتيم، فإنه مساو لتحريم أكله المستفاد من منطوق قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء ١٠] (٢). أما إذا كان المسكوت عنه الموافق دون المنطوق، نحو عدم إجابة الوالدين بالنسبة للتأفيف فلم يعتدوا به (٣). ولهذا فإن الكلام منحصر في الأمرين السابقين. وقد اتفق العلماء، باستثناء الظاهرية على صحة الاحتجاج به (٤) وهو عندهم بمنزلة النص؛ لأن معرفته متوقفة على مجرد فهم اللغة، لكن العلماء اختلفوا في دلالته على معناه هل هي لفظية أو قياسية؟ (٥) ولهذا فإنه طريق صحيح لمعرفة مذاهب الأئمة، ونسبتها إليهم، لأن هذا، عند
стр. 204
الكثيرين منهم، مما يجري مجرى النص (١).
٢ - مفهوم المخالفة: وهو ما دل عليه اللفظ غير محل النطق، وكان حكمه مخالفاً للمنطوق (٢). وعلى ما عبر عنه الآمدي (٣) فإنه [ما يكون مدلول اللفظ في محل السكوت، مخالفاً لمدلوله في محل النطق] (٤) أو هو [الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم عما عداه] (٥)، ويسمى مفهوم المخالفة لمخالفة حكم المسكوت حكم المذكور، ويسمى أيضاً دليل الخطاب (٦). ويطلق عليه الحنفية اسم المخصوص بالذكر (٧). ويعود ذلك إلى أن المنطوق يتضمن قيداً معتبراً في الحكم، فينتفي الحكم في المسكوت عنه لانتفاء ذلك القيد (٨).
стр. 205
والاحتجاج بالمفهوم المخالف مما اختلف فيه العلماء، فمنهم من احتج به، ومنهم من رفض الاحتجاج به، كالحنفية، ومنهم من فصل في الكلام، فاحتج ببعض المفاهيم دون بعض. كما أن جمهور الحنفية فرقوا بين مفاهيم نصوص الشارع ومفاهيم النصوص الأخرى، فرفضوا الاحتجاج بها في نصوص الشارع، وقبلوها في مصطلح الناس وعرفهم، وفي الروايات وغير ذلك مما لا يعود إلى نص الشارع (١)، ولجميع هؤلاء أدلة خاصة بهم، وشروط معينة لمن قال منهم بصحة الاحتجاج به، تعرف جميعها في مواضعها من كتب الأصول، وقد جعلوا مفهوم المخالفة أقساماً متعددة، تبعاً للقيد المذكور في المنطوق، ومن هذه الأقسام: مفهوم الصفة نحو، [في الغنم السائمة زكاة] (٢)، ومفهوم الشرط، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق ٦]، ومفهوم الغاية، نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة ٢٢٢] ومفهوم العدد نحو قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور ٢]، ومفهوم اللقب، نحو: في الغنم زكاة، وكتخصيص الأشياء الستة في الذكر بتحريم الربا، ومفهوم الحصر ومفهوم الحال والجار والمجرور والظرف وغيرها مما يمكن أن يدخل بعضه في مفهوم الصفة (٣).
стр. 206
التخريج على مفهوم نصوص الإمام:
وقد تبع الاختلاف في حجية مفهوم المخالفة الاختلاف في جواز أخذ مذهب الإمام منه. فمقتضى مذهب جمهور متأخري الحنفية جواز ذلك، وإن كانوا لا يرون حجية المفهوم المخالف في نصوص الشارع. فقد نقل الحصكفي [ت ١٠٨٨هـ] (١) عن جملة من مصادر الحنفية ما يفيد ذلك. فعن النهر: [إن مفاهيم الكتب حجة، بخلاف أكثر مفاهيم النصوص، وإن المفهوم معتبر في الروايات- أي عن الأئمة- إتفاقاً]. وذكر أن مما يعتبر مفهوم كلامه اتفاقاً. أقوال الصحابة ولكنه ذكر أنه [ينبغي تقييده بما يدرك بالرأي لا ما لا يدرك به].
ووجه ابن عابدين (٢) ذلك في شرحه، بأن ما لا يدرك بالرأي في حكم
стр. 207
المرفوع، والمرفوع نص، والحنفية لا يحتجون بالمفهوم في نصوص الشارع (١) ونص على ذلك طائفة من كتب الحنفية (٢)، ومما مثلوا به لذلك: إن المتأخرين قالوا لو قال: مالك علي أكثر من مائة كان إقراراً بالمائة، فهذا دليل على اعتبارهم المفهوم، في غير النصوص الشرعية (٣).
ومما يوضح ذلك في مفاهيم الكتب أن القدوري [ت ٤٢٨هـ] (٤) نص في الكتاب على أن [السهو يلزم إذا زاد في صلاته فعلاً من جنسها ليس منها ... أو جهر الإمام فيما يخافت، أو خافت فيما يجهر] فأخذ بعض علماء الحنفية من تقييده الجهر والإخفات بالإمام، أن المنفرد لا سهو عليه
стр. 208
في حالتي الجهر فيما يخافت فيه، أو الإخفاء فيما يجهر فيه (١). وذكر المقري (ت ٧٥٨هـ) (٢)، وهو من علماء المالكية، عدم جواز تخريج آراء للأئمة ثم نسبتها إليهم، بناء على مفهوم المخالفة، قال: [لا تجوز نسبة بالتخريج والإلزام بطريق المفهوم، أو غيره إلى غير المعصوم، عند المحققين، لإمكان الغفلة أو الفارق، أو الرجوع عن الأصل عند الإلزام أو التقييد بما ينفيه، أو إبداء معارض في السكوت أقوى، أو عدم اعتقاده العكس، إلى غير ذلك. فلا يعتمد في التقليدين ولا يعد في الخلاف] (٣).
وفي كلام أبي إسحاق الشيرازي الشافعي [ت ٤٧٦هـ] ما يدل على منع مثل هذا التخريج، ورفضه أن ينسب ذلك إلى الأئمة. قال: (قول الإنسان ما نص عليه، أو دل عليه بما يجري مجرى النص، وما لم يدل عليه فلا يحل أن يضاف إليه، ولهذا قال الشافعي- ﵀: لا ينسب إلى ساكت قول) (٤). وكلام الشيرازي هذا، وإن كان بشأن ما قيس على كلام الإمام، إلا أن عباراته عامة وشاملة، بل إن دلالة المفهوم مما كثر فيها الجدل والخلاف أكثر مما وقع في القياس.
стр. 209
ونجد عند علماء الحنابلة وجهتي نظر مختلفتين في هذا الشأن، فقد اختار الخرقي وابن حامد وإبراهيم الحربي (١) صحة نسبة ذلك إلى الإمام (٢).
وحجتهم في ذلك أن ما يذكر من قيد لابد أن تكون له فائدة، ولو لم يكن الأمر كذلك لكان ذكره لغواً، قال ابن حامد: [ومع هذا فقد ثبت وتقرر أن إمامنا وغيره من العلماء لا يأتون لكلمة من حيث الشرط إلا ولذلك فائدة، فلو كانت القضية بالشرط وعدم الشرط سواء، كان ما جاء به الفقيه من الشرط أيضاً لغواً، وهذا بعيد أن ينسب إلى أحد من العلماء] (٣).
وهذا الوجه قال عنه في شرح التحرير: [وهو الصحيح من المذهب] (٤).
والوجه الثاني أن مفهوم كلام الإمام لا يعد مذهباً له، ولا تصح نسبته إليه. وقد اختار ذلك أبو بكر عبد العزيز بن جعفر المعروف بغلام الخلال (ت ٣٦٣هـ) وحجة هؤلاء إن القيد لا يتعين للنفي فيما عداه، فقد يكون خاصاً بواقعة معينة، أو يكون القيد لحالة خرج الكلام فيها مخرج الغالب (٥)، أو لإمكان الغفلة، أو لوجود الفارق، أو الرجوع عن الأصل، أو غير ذلك من الأمور (٦). ومعنى ذلك أنه لا جزم بأن الإمام أراد بالقيد المذكور في
стр. 210
كلامه نفي الحكم عن المسكوت عنه، وينبني على ذلك أن لا تصح نسبة أي رأي له عن طريق المفهوم. ومن الغريب أن هذه الوجهة تتناقض مع وجهة بعض متأخري الحنفية الذين منعوا استنباط الأحكام عن طريق المفهوم المخالف في نصوص الشارع، وأجازوها في كلام الصحابة والعلماء والمصنفات وغيرها، مع إمكان الغفلة، ووجود الاحتمالات المذكورة، في كلام غير المعصوم.
والذي يظهر- والله أعلم- أن استنباط مذاهب الأئمة، عن طريق مفهوم كلامهم المخالف، فيه نوع من المجازفة، وإن كان يحتمل الصواب. ولكن إن قامت علامات وقرائن على أن القيد لم تكن له فائدة إلا نفي الحكم عما عداه، صح التخريج وصحت النسبة.
ومن أمثلة التخريج عن طريق المفهوم ما أخذ من نص الإمام أحمد- رحمه- الله- في رواية إسحاق بن منصور (١)، حيث نص على أن [كل من لم يكن له شيء يفعله في طريق المسلمين، ففعله، فأصاب شيئاً فهو ضامن. فإن المفهوم منه انتفاء الضمان بما ينشأ عن الفعل المباح] (٢). وعلى الرغم من قبول كثير من العلماء مبدأ التخريج من مفاهيم نصوص الأئمة، لكننا قلما نجد لهم تصريحاً بأن ما خرجوه كان بناء على المفهوم، فالأمثلة التي هي من هذا القبيل قليلة جداً، غير أنهم في شروحهم، وعرضهم لنصوص الأئمة يذكرون أحكاماً
стр. 211
نابعة من مفاهيم تلك النصوص، إذ الكثير من نصوص الأئمة لا يخلو من قيود أو شروط لما يصدرونه من فتاوى، فيما يعرض عليهم من الحوادث الجزئية، فشرح تلك النصوص، وبيان محترزاتها، يتضمن إعطاء أحكام مختلفة لما لم يتحقق فيه القيد، وهذا كثير وشائع في كتب الفقه، فإذا نسبنا ذلك إلى الأئمة قلنا إن ما يثبت لهم بطريق المفهوم كثير جداً، وربما فاق عدد ما يسند إليهم عن طريق النص. ومثل ذلك ما يستفاد من مفاهيم الكتب المشروحة (١).
ووفق وجهة نظر من اعتدوا بالمفهوم المخالف، ونسبوا ما يقتضيه إلى الإمام، وعدوه مذهباً له، فإنه لو نص الإمام على ما يخالف المفهوم ففي المسألة عندهم وجهان:
أحدهما: بطلان المفهوم، نظراً لقوة النص وخصوصه، ولضعف دلالة المفهوم، فيكون في المسألة رواية واحدة.
الثاني: عدم بطلان المفهوم، لأنه كالنص في إفادته للحكم. وعلى هذا الوجه يكون للإمام في المسألة قولان، إن كانا عامين، أحدهما يثبت بالمنطوق والآخر بالمفهوم (٢).
وقد ذكر ابن حمدان مثالاً لذلك، فقال: [كقوله- أي أحمد- ﵀ في الأب والأخ لما سئل عن عتق الأب بالشراء، فقال يعتق، وعن عتق
стр. 212
الأخ به، فقال: يعتق. فمفهوم الأولى أن الأخ لا يعتق، ولفظ الثانية يعتق، فإن قلنا إن المفهوم يبطل بالمنطوق، كانت المسألة رواية واحدة، وإلا صار في الأخ روايتان، إحداهما بنصه، والأخرى بنقل وتخريج] (١).
وهذه المسألة تحتاج إلى تأمل، لأن دلالة المفهوم دلالة ضعيفة فلا تعارض دلالة المنطوق. ومن شرط العمل بالمفهوم أن لا يوجد تصريح بخلافه، وقد وجد.
стр. 213
المطلب الثالث
في أفعال الأئمة
الفعل في اللغة إحداث شيء من عمل وغيره (١)، وفي لسان العرب أنه كناية عن كل عمل متعد أو غير متعد.
وفي اصطلاحات أهل الفلسفة والمنطق أنه [تأثير الشيء في غيره ما دام مؤثراً] (٢) والذي يفهم من كلام الأصوليين أن المراد من الفعل عندهم، هو إحداث الشيء، من عمل وغيره، فلا تدخل فيه كل الأفعال، بحسب اصطلاحات علماء النحو والصرف، فمثل مات وعاش وكان وأحس وأصبح وأسود وأبيض ليست أفعالاً في اصطلاح علماء الأصول؛ لأن من نسبت إليه لم يفعلها (٣)، وإن كانت أفعالاً بحسب الاصطلاحات الصرفية.
وقد تكلم العلماء في التفريق بين الأفعال والأعمال، واختلفوا فيما
стр. 214
بينهم في ذلك، ولكن الذي يؤخذ من كلامهم، وإن اختلفوا أن الأفعال أعم من الأعمال (١).
стр. 215
ونظراً إلى أن الفعل عندهم هو إحداث الشيء، فإنهم اختلفوا في جملة مسائل تتعلق بفهم هذا الأمر، منها:
١ - ترك الفعل، أو الكف عنه، هل يدخل في الأفعال أو لا؟ والمراد من الترك هنا، هو الإعراض عن الفعل المقدور قصداً (١). والراجح عند جمهور الأصوليين أنه من الأفعال، بناءً على أن الكف أي الانتهاء عن المنهي عنه، فعل (٢). خلافاً لطائفة من العلماء، منهم أبو هاشم الجبائي (٣)، حيث عدوا المكلف به في النهي الانتفاء، وهو ليس بفعل، كما قالوا (٤).
والاختلاف في هذه المسألة مما يترتب عليه أثر واختلاف في الفروع الفقهية (٥).
٢ - إن الترك قد يكون مع وجود المقتضي له، وقد يكون بخلاف ذلك، بأن لم يعرض مثل ذلك الأمر في زمان المجتهد، أو لعدم وجود ما يقتضيه، والأمر الأول هو الذي يصح أن يكون موضوع البيان.
٣ - نظراً إلى أن الأفعال تشمل الأقوال أيضاً، على ما هو الراجح، فإن الترك