نابعة من مفاهيم تلك النصوص، إذ الكثير من نصوص الأئمة لا يخلو من قيود أو شروط لما يصدرونه من فتاوى، فيما يعرض عليهم من الحوادث الجزئية، فشرح تلك النصوص، وبيان محترزاتها، يتضمن إعطاء أحكام مختلفة لما لم يتحقق فيه القيد، وهذا كثير وشائع في كتب الفقه، فإذا نسبنا ذلك إلى الأئمة قلنا إن ما يثبت لهم بطريق المفهوم كثير جداً، وربما فاق عدد ما يسند إليهم عن طريق النص. ومثل ذلك ما يستفاد من مفاهيم الكتب المشروحة (١).
ووفق وجهة نظر من اعتدوا بالمفهوم المخالف، ونسبوا ما يقتضيه إلى الإمام، وعدوه مذهباً له، فإنه لو نص الإمام على ما يخالف المفهوم ففي المسألة عندهم وجهان:
أحدهما: بطلان المفهوم، نظراً لقوة النص وخصوصه، ولضعف دلالة المفهوم، فيكون في المسألة رواية واحدة.
الثاني: عدم بطلان المفهوم، لأنه كالنص في إفادته للحكم. وعلى هذا الوجه يكون للإمام في المسألة قولان، إن كانا عامين، أحدهما يثبت بالمنطوق والآخر بالمفهوم (٢).
وقد ذكر ابن حمدان مثالاً لذلك، فقال: [كقوله- أي أحمد- ﵀ في الأب والأخ لما سئل عن عتق الأب بالشراء، فقال يعتق، وعن عتق
стр. 212
الأخ به، فقال: يعتق. فمفهوم الأولى أن الأخ لا يعتق، ولفظ الثانية يعتق، فإن قلنا إن المفهوم يبطل بالمنطوق، كانت المسألة رواية واحدة، وإلا صار في الأخ روايتان، إحداهما بنصه، والأخرى بنقل وتخريج] (١).
وهذه المسألة تحتاج إلى تأمل، لأن دلالة المفهوم دلالة ضعيفة فلا تعارض دلالة المنطوق. ومن شرط العمل بالمفهوم أن لا يوجد تصريح بخلافه، وقد وجد.
стр. 213
المطلب الثالث
في أفعال الأئمة
الفعل في اللغة إحداث شيء من عمل وغيره (١)، وفي لسان العرب أنه كناية عن كل عمل متعد أو غير متعد.
وفي اصطلاحات أهل الفلسفة والمنطق أنه [تأثير الشيء في غيره ما دام مؤثراً] (٢) والذي يفهم من كلام الأصوليين أن المراد من الفعل عندهم، هو إحداث الشيء، من عمل وغيره، فلا تدخل فيه كل الأفعال، بحسب اصطلاحات علماء النحو والصرف، فمثل مات وعاش وكان وأحس وأصبح وأسود وأبيض ليست أفعالاً في اصطلاح علماء الأصول؛ لأن من نسبت إليه لم يفعلها (٣)، وإن كانت أفعالاً بحسب الاصطلاحات الصرفية.
وقد تكلم العلماء في التفريق بين الأفعال والأعمال، واختلفوا فيما
стр. 214
بينهم في ذلك، ولكن الذي يؤخذ من كلامهم، وإن اختلفوا أن الأفعال أعم من الأعمال (١).
стр. 215
ونظراً إلى أن الفعل عندهم هو إحداث الشيء، فإنهم اختلفوا في جملة مسائل تتعلق بفهم هذا الأمر، منها:
١ - ترك الفعل، أو الكف عنه، هل يدخل في الأفعال أو لا؟ والمراد من الترك هنا، هو الإعراض عن الفعل المقدور قصداً (١). والراجح عند جمهور الأصوليين أنه من الأفعال، بناءً على أن الكف أي الانتهاء عن المنهي عنه، فعل (٢). خلافاً لطائفة من العلماء، منهم أبو هاشم الجبائي (٣)، حيث عدوا المكلف به في النهي الانتفاء، وهو ليس بفعل، كما قالوا (٤).
والاختلاف في هذه المسألة مما يترتب عليه أثر واختلاف في الفروع الفقهية (٥).
٢ - إن الترك قد يكون مع وجود المقتضي له، وقد يكون بخلاف ذلك، بأن لم يعرض مثل ذلك الأمر في زمان المجتهد، أو لعدم وجود ما يقتضيه، والأمر الأول هو الذي يصح أن يكون موضوع البيان.
٣ - نظراً إلى أن الأفعال تشمل الأقوال أيضاً، على ما هو الراجح، فإن الترك
стр. 216
تبعاً لذلك ينقسم إلى نوعين هما:
أ- ترك الفعل والإعراض عنه.
ب- ترك القول وهذا يتناول أمرين هما:
١ - السكوت عن الجواب وغيره من القول، عدا الإنكار.
٢ - والسكوت عن الإنكار خاصة، وهو التقرير (١).
وسنجعل للسكوت ودلالته على آراء الأئمة مبحثاً خاصاً، إن شاء الله.
وبعد هذه المقدمة، نبين فيما يأتي حكم ما يفعله المجتهد أو يتركه، دون أن يرد عنه ما يفيد جوازه أو عدمه. فهل يعد مثل ذلك الفعل أو الترك مذهباً له؟ بمعنى أن مذهبه جواز فعل مثل ذلك الفعل الذي فعله؟ وهل تصح نسبته إليه؟
لقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
١ - القول الأول:
إن فعله يعد مذهباً له، ويترتب على ذلك صحة نسبته إليه. وهو أحد الوجهين عند الحنابلة وهو اختيار ابن حامد. قال: [وكل ما نقل عن أبي عبد الله أنه فعله في نفسه، وارتضاه لتأدية عنايته، وكل ذلك ينسب إليه، بمثابة جوابه وفتواه] (٢) وقال بعد أن مثل لذلك: (وهذا قول عامة أصحابنا وقال المرداوي (ت ٨٨٥هـ): (أن ذلك هو الصحيح من المذهب؟) (٣) وقد اختار الشاطبي (٤) هذا القول، وانتصر له ورد ما أثير حوله من اعتراض، وعد
стр. 217
المفتي شارعاً من وجه، وأنه نائب عن صاحب الشرع في التبليغ، وفي أن يتخذ أسوة (١).
وكما أن هذا القول يمثل أحد الوجهين عند الحنابلة، فإنه كذلك عند الشافعية. فحينما رأى أصحابه نصه، أنه لا يجوز بيع الباقلاء الأخضر، ثم اشتراه في مرضه، اختلفوا في تخريج مذهب له من ذلك على وجهين، وذكروا مثل ذلك رفي إقامة جمعتين في مكان واحد لما دخل بغداد (٢).
ومما يمثل ذلك من أفعال الإمام أحمد- ﵀ ما رواه المروذي عنه (٣) في طهارته، أنه غسل لحيته حتى وصل الماء إلى أصول شعره (٤) وقد استند الإمام مالك- ﵀ في الموطأ إلى مثل ذلك، بشأن صيام يوم الجمعة، فهو وإن كان دليلاً مضافاً إلى غيره، لكنه يتعلق بعد الفعل مذهباً لفاعله؛ وبصحة نسبته إليه. قال: وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه (٥). وعلى هذا القول ينظر إلى فعل الأئمة وتركهم، كما ينظر إلى فعل الرسول- ﷺ وينقسم كما تنقسم أفعاله- ﷺ ، فإن فعله على وجه العبادة أو التدين دل على استحبابه عنده، وإن فعله على غير وجه التعبد ففي دلالته الوجهان. وأن ما يروي عن الأئمة من أنواع التعبدات والتزهدات
стр. 218
والتورعات لا يصح أن يقال أنه مذهبه، أو أن ينسب إليه، دون النظر في طائفة من المقدمات التي تلقي بعض الأضواء على ذلك (١).
أدلة هذا القول:
وقد استدل لهذا الرأي بما يأتي:
أ- قيام المجتهدين مقام النبي- ﷺ في الأمة. بدليل قوله- ﷺ (أن العلماء ورثة الأنبياء، وأن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم) (٢) والدلالة من ذلك على المطلوب أن الوراثة في العلم والتبليغ والهداية والاتباع تقتضي أن لا يأتي الوارث بما لا دليل عليه، لا سيما مع الدين والورع (٣).
ب- استدلال العلماء بأفعال الصحابة- ﵃ على مذاهبهم، وجعلها بمثابة فعل الرسول- ﷺ وهذا يعني أنهم أقاموا أفعالهم
стр. 219
كأقوالهم في الدلالة على مذاهبهم، كما أن أفعال النبي- ﷺ كأقواله في الدلالة على الأحكام الشرعية (١).
ج- إن التأسي بأفعال من يعظمه الناس ويحبونه، سر مبثوث في طباع البشر، لا يقدرون على الانفكاك عنه بوجه ولا بحال، وأنهم قد يرجحونه على القول. وقد ثبت هذا مع الصحابة والنبي- ﷺ فقد نهاهم عن الوصال في الصوم، فلم ينتهوا واحتجوا بأنه يواصل، وتوقفوا عن الإحلال، بعدما أمرهم بذلك في حجة الوداع، حتى ذبح وحلق فاتبعوه، إلى غير ذلك من الوقائع التي تدل على أن النظر إلى الفعل، واقتداء الناس فيه بمن أحبوا، مطبوع في نفوسهم (٢)، وإذا كان شأن الفعل كذلك، فمن المستبعد أن يقدم المجتهد- لا سيما المعروف بورعه وتقواه على عمل يرى أن الناس يقلدونه فيه ولا يكون رأيه ومذهبه.
٢ - القول الثاني:
إن ما فعله لا يعد مذهباً له، ولا تصح نسبته إليه. وهذا هو الوجه الثاني عند الحنابلة (٣) والشافعية (٤) وقد استدل لهذا القول بما يأتي:
أ- إن الأئمة المجتهدين ممن يجوز عليهم الذنب والمعصية، والخطأ والسهو والاستمرار على ما هم عليه، لأنهم غير معصومين عن خطأ، وليس هناك وحي ينبه إلى الخطأ، ويرشد إلى الصواب، كما هو الشأن في النبي- ﷺ " (٥).
стр. 220
ب- إن أفعال المجتهدين حينما لا يوجد ما يدل على أن ما فعلوه هو رأيهم ومذهبهم، محتملة، فقد يكون فعل المجتهد مما جرت به عادته، أو يكون فعله تقليداً لغيره، بسبب عدم نظره في المسألة، أو لتعارض الأدلة عنده، أو لأي سبب آخر (١). وما يفعله المقلد لا ينسب له ولا يعد مذهباً له، لأن مذهب المجتهد ما توصل إليه عن نظر واستدلال.
تعقيب على الأدلة:
تلك هي أهم الأدلة التي استند إليها الفريقان وهي أدلة فيها مجال للتأمل والمناقشة. أما أدلة الفريق الأول الذاهب إلى أن ما يفعله المجتهد يعد مذهباً له وتصح نسبته إليه، فإن فيها من الوهن ما فيها. فدليلهم الأول- العلماء ورثة الأنبياء.- لا يساعدهم على دعواهم، فالوراثة بالعلم هي درايتهم بأحكام الشرع المأخوذة عن النبي- ﷺ ، مع ملكة الاستنباط الصحيح منها، ولم يقم دليل على أنهم يقومون مقام الأنبياء في كونهم مصادر للتشريع، وأنهم معصومون، وأن ما يؤخذ من أقوالهم يؤخذ من أفعالهم. ومن التعسف والمبالغة في منح الدرجات، أن يزعم الشاطبي أن المجتهد شارع من وجه (٢)، أو أن يدعي ابن حامد أن مقامات العلماء بمثابة مقامات صاحب الشريعة (٣). فهذه مرتبة عظيمة لم يدعها أحد من المجتهدين. ودليلهم الثاني لا يسلم على إطلاقه، فما لم تقم قرائن أو دلائل على أن ذلك الفعل مذهبه، فإن نسبة ذلك الفعل إليه تدخل في الإطار الذي نحن بصدده، ولا يوجد تلازم بين وجهات نظر الأفراد وأفعالهم، فقد يفعلون ما لا يؤمنون به، فالجهة بينهما منفكة، فقد يرى بعض الناس حرمة السندات أو الأسهم، ولكنه يقوم بشرائها أو بيعها، وقديماً قال أحد الشعراء:
стр. 221
إعمل بقولي ولا تنظر إلى عملي ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري
على أن هناك فرقاً بين النبي- ﷺ وغيره من البشر فالنبي معصوم من تعمد ارتكاب المعاصي، وإذا أخطأ أو نسي أو غفل فإنه لا يقر على ذلك، بل ينزل الوحي بالتنبيه والتصويب، وهذا المعنى غير متحقق في المجتهدين وسواهم من البشر. فقياس أفعال المجتهدين على أفعاله- ﷺ قياس مع الفارق وغير مستقيم.
ودليلهم الثالث يتضح الجواب عنه مما تقدم، وكون التأسي بالأفعال سراً مبثوثاً في طباع البشر، كما يقول الشاطبي، لا يعني أن فعل المجتهد يمثل مذهبه.
وقد علق الشيخ عبد الله دراز (١) محقق كتاب الموافقات على كلام الشاطبي بقوله: وهل يكفي هذا لأن يكون دليلاً شرعياً على شرعية التأسي بالمفتي ولو لم يقصد البيان؟ (٢).
وأما أدلة الفريق الثاني فإن طائفة من العلماء المصححين. لعد الفعل مذهباً للمجتهد لم يرتضوها، فعن الدليل الأول يقول الشاطبي: [إن اعتبر هذا الاحتمال في نصب أفعاله حجة للمستفتي فليعتبر مثله في نصب أقواله، فإنه يمكن فيها الخطأ والنسيان والكذب عمداً وسهواً، لأنه ليس بمعصوم، ولما لم يكن ذلك معتبراً في الأقوال، لم يكن معتبراً في الأفعال] (٣).
وعن الدليل الثاني الذي يقول بأن أفعال المجتهد محتملة، يقول ابن
стр. 222
حامد: إن [ذلك لا يؤثر شيئاً؛ إذ مع الاحتمال لا يخرجها أن تكون ديناً] (١).
ويتضح مما ذكرناه سابقاً أن الملحوظات التي أبديت على وجهة نظر أصحاب الرأي الثاني، غير مقبولة، لأننا بينا الفرق بين الأقوال والأفعال، والفرق بين المجتهدين وصاحب الرسالة- ﷺ .
وعلى هذا فإن أخذ مذهب المجتهد من أفعاله، ونسبة ذلك إليه قضية ليست مسلمة، وفيها مجازفة وبعد عن الدقة، وينبغي أن لا يكون ذلك إلا في أضيق الحدود، وعند وجود قرائن تدل على ذلك. كفعله لذلك على جهة التعليم، أو حصول ذلك منه مراراً وتكراراً ينفي احتمال الخطأ والنسيان. والله أعلم.
أمثلة للتخريج عن طريق أفعال الأئمة:
ومما يمثل أفعال الأئمة من فقه الحنابلة، النقول الآتية عن إمام المذهب- ﵀.
١ - اختلف الروايات عن الإمام أحمد- ﵀ بشأن حلق الرأس.
فروي عنه أنه مكروه وروي عنه ما يفيد الجواز، وروي عنه التفريق بين ما إذا كان الحلق بالموسى فيكره، وما إذا كان بالمقراض فلا يكره.
وقد أخذ الجواز من أقواله، كما أنه يخرج مما نقل من إقرار وفعل له.
قال حنبل: كنت أنا وأبي نحلق رؤوسنا في حياة أبي عبد الله، فيرانا ونحن نحلق، فلا ينهانا، وكان هو يأخذ رأسه بالجلمين [أي المقراض]، ولا يحفيه، ويأخذه وسطاً (٢).
٢ - ومن ذلك ما روي عنه بشأن صورة تخليل اللحية. قال يعقوب (٣): سألت
стр. 223
أحمد عن التخليل؟ فأراني من تحت لحيته، فخلل بالأصابع. وقال حنبل: من تحت ذقنه، من أسفل الذقن، يخلل جانبي لحيته جميعاً بالماء، ويمسح جانبيها وباطنها. وقال أبو الحارث: قال أحمد: إن شاء خللها مع وجهه، وإن شاء إذا مسح رأسه (١) فالصورة المذكورة للتخليل هنا تمثل مذهب الإمام، لا سيما أنه فعلها على طريق التعليم، وبعد سؤاله عن ذلك.
٣ - ومن ذلك ما خرجوه من استحباب أن يفتح المصلي، عند الجلوس، أصابع رجله اليمنى، فيستقبل بها القبلة، ومعناه أن يثنيها نحو القبلة. أخذوه من رواية الآثرم، قال: (تفقدت أبا عبد الله، فرأيته يفتح أصابع رجله اليمنى فيستقبل بها القبلة) (٢).
٤ - ومن ذلك ما خرجوه بشأن عدم زيادة الجلوس بعد الركعتين على التشهد، وعدم تطويله. مما قاله حنبل في صورة جلوس الإمام أحمد. قال: [رأيت أبا عبد الله يصلي، فإذا جلس في الجلسة بعد الركعتين أخف الجلوس، ثم يقوم كأنه على الرضف (٣) وإنما قصد الاقتداء بالنبي- ﷺ وصاحبه] (٤). وهذا الحكم وإن كان الأساس فيه ما ورد من صفة فعل النبي ﷺ لكنه يصلح مثالاً لفعل الإمام نفسه أيضاً، على سبيل الاقتداء والتأسي.
٥ - ومن ذلك أيضاً ما ذكروه بشأن صفة التورك في الصلاة. فقد روى الأثرم في صفة تورك الإمام أحمد، ما يأتي: (رأيت أبا عبد الله يتورك في الرابعة في التشهد، فيدخل رجله اليسرى من تحت ساقه الأيمن، ولا يقعد على شيء منها، وينصب اليمنى، ويفتح أصابعه، وينحي عجزه كله، ويستقبل بأصابعه اليمنى القبلة، وركبته اليمنى على الأرض ملزقة) (٥).
стр. 224
المطلب الرابع
تقريرات الإمام
ومما يتصل بمجال المصادر التي تستقي منها آراء الأئمة تقريراتهم لما يصدر عن غيرهم، والمقصود بذلك عدم إنكار المجتهد ما يفعل بحضرته، أو ما يصدر عن غيره من فتوى، في وقائع معينة. وبحث هذه المسألة يتصل بأمرين:
الأمر الأول: هو هل العلماء بمنزلة الأنبياء في مسائل التشريع، فينطبق عليهم ما ينطبق على الأنبياء؟ أو لا؟
والأمر الثاني: هل يعتبر السكوت عن الإنكار دليلاً على الموافقة فينزل منزلة النطق في نسبته إلى الساكت أو لا؟
ونظراً إلى وقوع الاختلاف في هاتين المسألتين فقد ترتب على ذلك اختلاف العلماء في هذه المسألة التي معنا، وتميز لهم رأيان:
الرأي الأول: إن تقريراتهم تعد من مذاهبهم وتصح نسبة قول لهم بموجبها، وممن تبنى هذا الرأي الشاطبي (ت ٧٩٠هـ) في الموافقات، وقد عد الإقرار راجعاً إلى الفعل معللاً ذلك بأن (الكف فعل، وكف المفتي عن الإنكار، إذا رأى فعلاً من الأفعال كتصريحه بجوازه) (١). كما رجح ذلك ابن حامد، إذا كان سكوت المجتهد عند المعارضة (٢). ووجهة نظر أصحاب هذا الرأي تستند إلى طائفة من الأدلة، من أهمها:
١ - قياس حال المفتي على النبي- ﷺ فكما أن تقريرات رسول الله ﷺ
стр. 225
تعد صحيحة ومنسوبة إليه، فكذلك تقريرات المجتهدين- وهذا الدليل مستند إلى ما استند إليه القائلون بحجية عمله، وهو قوله- ﷺ العلماء ورثة الأنبياء (١).
٢ - إن إنكمار المنكر من الوظائف الأساسية للعلماء، وقد ثابر السلف على ذلك، ولم يبالوا بما يترتب عليه من المضرات. ولهذا فإن المجتهد لا يمكن أن يسكت على ما يفعل أو يقال بحضرته، أو على ما يعلم به، إن كان مما ينكره ولا يرتضيه، فيحمل سكوته على موافقته على ذلك، وبالتالي فإن ذلك يعد رأياً له، وتصح نسبته إليه.
٣ - إن سيرة الصحابة تشهد لمثل هذا الاعتبار، فلم تكن الصحابة تسكت عند المعارضة، على ما تنكره من قول أو فعل، إلا إذا افتقدت الدليل.
وتدل أحكام الوقائع الجزئية المنقولة عنهم على وجود معارضات وإنكارات كثيرة من بعضهم لبعض (٢).
الرأي الثاني: إن سكوت الأئمة وعدم إنكارهم لا يعد تقريراً، لما علموه أو قيل أو فعل في حضرتهم ولم ينكروه، ولا تصح نسبته إليهم؛ ولهذا الرأي ذهب الأكثرون من علماء الحنابلة (٣). وهو مقتضى مذهب الإمام الشافعي الذي نقل عنه أنه [لا ينسب إلى ساكت قول] (٤)، ولرفضه الأخذ بالإجماع السكوت المبني على حمل السكوت على الوفاق. ومما احتج به أصحاب هذا الرأي:
١ - إن السكوت لا يتحتم أن يكون دالاً على الرضا، فهو كما يحتمل الموافقة، يحتمل الرفض، وقد ذكر العلماء طائفة من الاحتمالات التي
стр. 226
هي من هذا القبيل، بعضها يصلح للمجال الذي نحن بصدده (١)، وبعضها لا يفيد ذلك، لأنه يتعلق بموضوع رفض الاحتجاج بالإجماع السكوتي (٢)، ومجال الإجماع كان قبل استقرار المذاهب، والكلام في مسألتنا يتعلق بآراء المتبوعين بعد استقرار المذاهب.
٢ - إن الفقهاء قد يرون غيرهم من المفتين يأتون بعباداتهم من صلاة وغيرها، مما فيه مخالفة لوجهات نظرهم في المسألة، فلا ينكرون عليهم ذلك، ولا يخاصمونهم فيه، وإذا كان الأمر كذلك فلا يصح أن ينسب رأي لمن سكت منهم بناء على ذلك (٣).
تعقيب على الأدلة:
إذا نظرنا إلى أدلة الرأيين السابقين ترجح لنا الرأي الثاني غير المصحح لنسبة رأي إلى الإمام بناء على سكوته. وذلك لما في أدلة الرأي الأول من الوهن. أما دليلهم الأول فهو دليل من قاس أفعال المجتهد على أفعال الرسول- ﷺ وقد بينا ما في ذلك من التجاوز في إعطاء غير
стр. 227
المعصوم، من الخصائص، ما هو من صفات المعصوم، ولا يلزم من الدليل الثاني الإنكار على المخالف، فقد يعرض المجتهد عن ذلك لاعتبارات مختلفة، فدلالة السكوت على الموافقة ليست غير احتمال يقبل ما يخالفه. ولهذا فإن نسبة رأي للإمام بناء عليه فيه نوع من المجازفة، واحتمال كبير للخطأ.
والاستدلال بسيرة الصحابة لا يفيد؛ لأنه كما ورد عنهم الإنكار ورد عنهم السكوت في مسائل كان رأيهم فيها مخالفاً لما اشتهر، كسكوت ابن عباس (١) في مسألة العول في زمن عمر (٢) وغير ذلك. وما ذكره أصحاب الرأي الثاني بشأن عدم تحتم دلالة السكوت على الموافقة صحيح؛ لأن احتمال الموافقة ضئيل بالنسبة إلى الاحتمالات الآخر. وهذا يعززه دليلهم الثاني الذي أقر به ابن حامد ضمناً، من خلال مناقشته له (٣).
ولهذا فإن السكوت بمجرده لا يعد إقراراً، ما لم تتصل به قرينة توضح أنه كان كذلك، وما لم توجد القرينة فالظاهر- والله أعلم- أن لا تصح نسبته إلى الإمام.
стр. 228
المطلب الخامس
الحديث الصحيح
ورد عن طائفة كبيرة من السلف والأئمة أقوال تفيد أنه إذا صح الحديث فهو مذهبهم وهذه القوال وردت عنهم منذ عهد الصحابة وإلى يومنا هذا. وقد نقل هذا عن أبي حنيفة وأصحابه (١)، وصح عن الشافعي أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، أو ما في هذا المعنى (٢)، كما نقل عن غيره من العلماء (٣).
ولا إشكال فيما لو كان للإمام رأي موافق للحديث، لأن نسبة الرأي إليه لا يعتريها شك، لا للحديث، ولكن لما أفتى به الإمام نفسه. لكن التساؤل يتضح في حالتين:
الحالة الأولى: أن لا يكون للإمام رأي في المسألة.
والحالة الثانية: أن يكون له رأي مخالف للحديث.
أما الحالة الأولى فإن الظاهر وما هو مقتضى الأدلة، وجوب العمل بالحديث، وهذا ما صرح به تقي الدين السبكي (٤) لكن نسبة ذلك إلى الإمام، والقول بأن مذهبه كذا، فيه نوع من المجازفة، لعدم جزمنا بأن الإمام لم يطلع على الحديث، فلعله اطلع عليه، ولم يأخذ به لاعتبارات يعلمها.
стр. 229
أما الحالة الثانية، وهي حالة ما إذا كان للإمام رأي مخالف للحديث، فإن العلماء اختلفوا بشأنها على قولين:
١ - القول الأول: العمل بالحديث وجعله مذهباً للإمام، وتصحيح نسبة الرأي إليه، وقد نقل ذلك عن عدد من علماء الشافعية. وذكر ابن الصلاح أن ممن أفتى بالحديث أبو يعقوب البويطي (ت ٢٣١هـ) (١)، وأبو القاسم الداركي (ت ٣٧٥هـ) (٢). وأن أبا الحسن الكيا الطبري الهراسي (ت ٥٠٤هـ) (٣) قطع به في كتابه في أصول
стр. 230
الفقه (١) وذكر النووي أن ممن استعمل ذلك الإمام أبو بكر البيهقي (ت ٤٥٨هـ) (٢)، وآخرون. وقال: وكان جماعة من متقدمي أصحابنا إذا رأوا مسألة فيها حديث ومذهب الشافعي خلافه، عملوا بالحديث وأفتوى به قائلين: مذهب الشافعي ما وافق الحديث)، وبين أن ذلك كان نادراً (٣) وفي كلام ابن برهان ما يدل على أنه يذهب إلى ذلك. قال: (فإن قال: فما قولكم فيمن وجد نصاً من رسول الله ﷺ يخالف مذهب الشافعي- ﵁؟ قلنا يجب عليه أن يأخذ بذلك، لأن مذهبه) (٤) وذهب بعض الحنفية إلى مثل ذلك، فقد ذكر ابن الشحنة [٨٩٠هـ] (٥) في شرحه
стр. 231
للهداية، أنه (إذا صح الحديث، وكان على خلاف المذهب، عمل بالحديث، ويكون ذلك مذهبه، ولا يخرج مقلده عن كونه حنفياً بالعمل به، فقد صح عنه أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وقد حكى ذلك ابن عبد البر (١) عن أبي حنيفة وغيره من الأئمة) (٢).
وبين النووي، تبعاً لما أورده ابن الصلاح، أنه ليس المقصود من كلام هؤلاء العلماء أن كل من رأي حديثاً صحيحاً قال: هذا مذهب الشافعي وعمل بظاهره، بل شرط ذلك أن يكون المفتي ممن بلغ درجة الاجتهاد في المذهب، وأن يغلب على ظنه أن الشافعي لم يقف على هذا الحديث، أو لم يعلم بصحته، وهذا لا يتحقق إلا بمطالعة كتب الشافعي وكتب أصحابه كلها، وهو شرط صعب قل من تحقق فيه (٣). وقد أضاف القرافي (ت ٦٨٤هـ) (٤) إلى ذلك شرطاً آخر، هو
стр. 232
عدم وجود المعارض (١).
ويبدو أن وجهة نظر أصحاب هذا القول التمسك بظاهر ما روي عن الأئمة، ومن قول بعضهم إذا صح الحديث فهو مذهبي. فإن مثل هذا الكلام ظاهر في دلالته على المراد.
٢ - القول الثاني: عدم جعل الحديث مذهباً للإمام، وعدم تصحيح نسبة ذلك إليه، وهذا رأي الأكثرين من العلماء وإذا كانوا لم يصححوا النسبة فإن مواقفهم من العمل بالحديث مختلفة، ومن هذه المواقف.
أ- عدم جواز الأخذ بالحديث، وترك العمل به، والأخذ برأي الإمام، والقول بأن الحديث منسوخ أو مؤول، وهذا مذهب الكرخي من الحنفية (٢).
ب- العمل بالحديث لمن كملت آلات الاجتهاد فيه مطلقاً، أو في ذلك الباب أو المسألة. ويكون عمله بالحديث- حينئذ- اجتهاداً منه، لتوفر شروط الاجتهاد فيه. أما من لم يكن كذلك، ولم يجد جواباً شافياً، فله العمل به، إن عمل به إمام مستقل غير إمامه، ويكون هذا عذراً له في ترك المذهب (٣).
ويفهم من ذلك أن من لم يبلغ درجة الاجتهاد المطلق، كلياً أو جزئياً،
стр. 233
ولم يجد إماماً يوافق مذهبه الحديث ليقلده، فإنه لا يجوز له العمل به. ولعل وجهة نظر هذا القول أن نسبة ما يتضمنه الحديث المخالف لرأي الإمام، أبعد في الصحة من نسبة ما سكت عنه، فإذا كان الشأن أن لا ينسب إلى ساكت قول، فلأن لا ينسب إلأيه ما صرح بخلافه أولى، فضلاً عن أنه من الممكن أن تكون للإمام وجهة نظر في الحديث، وربما اطلع عليه، فظهر له معارض أو قادح، عنده. ووجهة النظر المذكورة صحيحة فيما نرى، ولكن في مجال دعوى أن الحديث مذهب الإمام، ونسبة ما تضمنه إليه. أما في نطاق العمل بالحديث فإنه إن كان المطلع عليه عارفاً بأحاديث النبي- ﷺ وبالغاً درجة الاجتهاد المطلق، وقادراً على الترجيح أو الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، فإن عليه العمل بالحديث.
يقول القرافي بشأن ما نقل عن الشافعي – ﵀ من أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، أو فاضربوا به- أي برأيه- عرض الحائط: (كثير من فقهاء الشافعية يعتمدون على هذا، ويقولون مذهب الشافعي كذا، لأن الحديث صح فيه، وهو غلط؛ فإنه لا بد من انتفاء المعارض. والعلم بعدم المعارض يتوقف على من له أهلية استقراء الشريعة حتى يحسن أن يقول: لا معارض لهذا الحديث. وأما استقراء غير المجتهد المطلق فلا عبرة به. فهذا القائل من الشافعية ينبغي أن يحصل لنفسه أهلية هذا الاستقراء قبل أن يصرح بهذه الفتوى) (١). وما ذكره القرافي سبق أن ذكرنا ما هو في معناه عن الإمام النووي- ﵀.
ومهما يكن من أمر فإن العمل بالحديث هو الواجب، لأنه لا يجوز لأحد أن يعرض عن سنة رسول الله- ﷺ ، لقول أحد من الناس، كائناً من كان. ولكن نسبة ذلك إلى الإمام، وادعاء أن ذلك مذهبه، لا تجوز، لما ذكرناه من توجيه، ولأننا لا نعلم موقف الإمام من ذلك الحديث، فلعله صح عنده أيضاً، ولكنه لم يأخذ به لوجود معارض له، أو لكونه منسوخاً عنده، أو
стр. 234
لغير ذلك من الأسباب. ومما يعزز ذلك، ما روي عن الإمام مالك- ﵀ من أن رجلاً سأله: لم رويت حديث [البيعان بالخيار] (١) في الموطأ، ولم تعمل به؟ فقال مالك: ليعلم الجاهل مثلك أني على علم تركته (٢). ومما يعزز ذلك أيضاً أن أبا الوليد موسى بن أبي الجارود (٣)، وهو ممن صحب الشافعي- ﵀، حينما قال: صح حديث (أفطر الحاجم والمحجوم) (٤) فأقول: قال الشافعي: أفطر الحاجم والمحجوم، ردوا عليه بأن الشافعي تركه مع علمه بصحته، لكونه منسوخاً عنده، وقد دل- ﵁ على ذلك وبينه (٥) ومثل ذلك أيضاً أن حديث خيار المجلس قد صح عند
стр. 235
الإمام مالك، ولم يعمل به (١)، لقيام المعارض عنده، وهو عمل أهل المدينة (٢)، أو قاعدة الغرر والجهالة القطعية (٣). وصح عنده حديث (من نسى وهو صائم، فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) (٤) لكنه لم يعمل به، وقال إن عليه قضاء يوم مكانه (٥). بناءً على وجود ما يعارضه عنده، وهو أن الأكل والشرب أياً كان شكله ينفي ركن الصوم وحقيقته، إذ الصوم عنده الإمساك عن الأكل، فلا يوجد مع الأكل، لأنه ضده. وعلى الرغم مما بيناه من المجازفة في نسبة الأقوال إلى الأئمة، فإنهم خرجوا- على قلة- وجوهاً وطرقاً نسبوها إلى الأئمة، أو إلى المذهب.
وفيما يأتي نماذج لما خرجوه، بناءً على مقولة: إذا صح الحديث فهو مذهبي، ونسبوه إلى الإمام:
١ - إن وجهة نظر الإمام الشافعي- ﵀ إن الترجيح في الأذان، وهو ذكر الشهادتين مرتين سراً قبل الجهر، ركن. قال القاضي حسين (٦): إن الإمام أحمد البيهقي نقل عن الشافعي أنه إذا ترك الترجيع لا يصح أذانه.
стр. 236
وهذا القول يفيد أنه ركن فيه. لكنهم صححوا في المذهب خلاف ذلك، وخرجوا للشافعي قولاً بكونه سنة، رجحوه على ما نقل عنه من الركنية. وكانت عمدتهم في ذلك الأحاديث الصحيحة التي جاءت بحذفه (١). ومثل ذلك ما ذكروه في التثويب في الصبح، وهو قول المؤذن: الصلاة خير من النوم، بعد قوله حي على الفلاح (٢).
٢ - ومن ذلك أنهم ذكروا في مسألة التحلل من الإحرام بعذر المرض، أنه لو شرط في إحرامه أنه إذا مرض تحلل، فللأصحاب طريقان: أحدهما ما قاله الشيخ أبو حامد (٣) وآخرون إنه لا يصح الاشتراط قولاً واحداً لصحة الحديث فيه. قال النووي: (قالوا وإنما توقف الشافعي لعدم وقوفه على صحة الحديث. وصرح الشافعي بهذا الطريق في نصه الذي حكيته الآن عنه وهو قوله لو صح حديث عروة لم أعده، فالصواب الجزم بصحة الاشتراط للأحاديث) (٤).
والطريق الثاني أنه يصح الاشتراط في قوله القديم، وأما في الجديد فله قولان أصحهما الصحة، والثاني المنع. والطريق الذي ذكرناه أولاً
стр. 237
هو الشاهد في إعمال الحديث الصحيح، وجعله مذهباً للإمام قولاً واحداً.
٣ - ومن ذلك ما قاله صاحب الحاوي عن الصلاة الوسطى: نص الشافعي أنها الصبح، وصحت الأحاديث أنها العصر، ومذهبه اتباع الحديث، فصار مذهبه أنها العصر، قال: ولا يكون في المسألة قولان، كما فهم بعض أصحابنا (١).
стр. 238
المبحث الثاني
طرق تخريج الفروع على الفروع
ويشتمل على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: التخريج بطريق القياس
المطلب الثاني: النقل والتخريج.
المطلب الثالث: لازم مذهب الإمام.
стр. 239
المطلب الأول
التخريج بطريق القياس
يعد جمهور العلماء القياس من أهم الطرق التي يتوصل بها إلى معرفة الحكم الشرعي فيما لا نص فيه، ويرونه مظهراً للحكم فيما لم يتناوله اللفظ، لا مثبتاً له (١)، وبياناً لعموم الحكم في الفرع وعدم اختصاصه بالأصل (٢)، لكنه، في غالبه، ظني في دلالته على الحكم، والقطعي منه محدود، وبعضه ينازع في عده من مباحث القياس. كما أن محققيهم يرفضون أن يقال في الحكم المستنبط عن طريقه قال الله، أو قال رسوله- ﷺ وإنما يقال: هذا دين الله ودين رسوله (٣). وإذا كان هذا هو موقفهم فيما يتعلق بأحكام الله تعالى، فما هو موقفهم من استنباط آراء الأئمة عن طريقه؟ وفي صحة نسبتها إليهم؟ إن الكلام في مثل هذا الموضوع يقتضي منا أن نبين بعض أنواع القياس، وما يتعلق من مباحثه بهذه المسألة.
القياس عندهم نوعان قطعي وظني:
١ - فالقطعي هو ما توقف على مقدمتين قطعيتين، إحداهما القطع بعلة الحكم في الأصل، وأخراهما القطع بحصول مثل تلك العلة في الفرع (٤). ومن الممكن أن نحدد ثلاثة من أنواع القاطع، هي:
الأول: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، وهذا هو
стр. 240
فحوى الخطاب، أو مفهوم الموافقة (١) الذي سبق الكلام عنه. وينازع كثير من العلماء في عدة قياساً، ولهذا فهو عندهم من باب دلالة المنطوق.
الثاني: أن يستوي المسكوت عنه، والمنطوق، بأن يعلم بانتفاء الفارق والمؤثر في الحكم بينهما، كسراية العتق في العبد والأمة مثله، وموت الحيوان في السمن والزيت مثله، وهذا يسمى القياس في معنى الأصل، أو القياس بنفي الفارق (٢) أو القياس الجلي (٣) وفي تسمية هذا النوع من الإلحاق قياساً خلاف بين العلماء أيضاً، وقد علل المخالفون لنفي التسمية ذلك، بأن القياس هو ما قصد به الجمع بين شيئين، وهذا لم يقصد به ذلك، وإنما قصد به نفي الفرق (٤) كما أن لبعضهم منازعة في قطعيته، بل وفي بعض الأمثلة التي ذكرت له (٥).
الثالث: ما نص على علته بلفظ صريح، موضوع للدلالة على العلية، نحو لعلة كذا ولسبب كذا ولموجب كذا. ومن أجل أو لأجل كذا وغيرها (٦)، مع القطع بوجود العلة في الفرع.
وأما الدلالة على العلة بطريق الإيماء فمما اختلفت فيه الأنظار، لما فيه من احتمالات عدم العلية، ولأن دلالته على العلية التزامية وليست وضعية.
стр. 241
٢ - والظني: هو عدا ما تقدم من أنواع القياس (١) فيشمل ما كانت مقدمتاه ظنيتين، أو إحداهما ظنية، كعدم القطع بعلة الحكم في الأصل، أو عدم القطع بحصولها في الفرع، أو بعدم القطع بهما جميعاً. ويدخل في ذلك أنواع كثيرة من القياس، مما ينطبق عليها الوصف المذكور، ويمكن القول إن كل قياس مستنبط العلة فهو مظنون، لأن طرق استنباط العلة من دوران وسبر وتقسيم ومناسبة وشبه وطرد وغيرها، لا توصل إلى العلة بيقين، فضلاً عن أنها ليست مجال اتفاق بين الأصوليين.
ونظراً إلى أن مفهوم الموافقة يعد عند أغلبهم من دلالة المنطوق فقد ذكرناه في مبحث النص، وما يجري مجراه، وبينا آراء العلماء فيما يتعلق بصحة نسبة الأقوال إلى الأئمة، وإن كانت مستنبطة عن طريقه. فيبقى بعد ذلك الكلام عن الأنواع الآتية:
أ- ما قطع فيه بنفي الفارق.
ب- ما نص على علته.
ج- ما عرفت علته عن طريق الاستنباط.
أولاً: ما قطع فيه بنفي الفارق:
الذي ذهب إليه جمهور الأصوليين إنه إذا قطع بانتفاء الفرق بين المسألة التي لم يرد فيها عن الإمام شيء، ونظيرها من المسائل التي عرف فيها رأيه، هو جواز نسبة حكمها إليه، والقول بأن مذهبه فيها هو كذا.
وقد نص أبو الحسين البصري (ت ٤٣٦هـ) (٢) على الحالات التي
стр. 242
يجوز أن ينسب فيها الرأي إلى الأئمة تخريجاً، فذكر منها هذه الحالة. قال: (أن ينص في الحادثة على حكم وتكون الحال ظاهرة في أن لا فصل بينه وبين حكم آخر في الشريعة، ظهوراً لا يجوز أن يقع فيه الاشتباه) (١).
وفي تعليلات أبي إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦هـ) ما يدل على أخذه برأ] أبي الحسين. ففي جوابه عن اعتراض من قال بأن لا خلاف بين العلماء في أنه لو قال فيمن باع شقصاً مشاعاً من دار "للشفيع فيه الشفعة" فإن قوله هذا هو قوله في الأرض والبستان والحانوت، وإن لم يذكرها. قال: "إنما جعلنا قوله في الدار قوله في سائر ما ذكر ثم من العقار؛ لأن طريق الجميع متشابه، والفرق بينها وبين الدار وغيرها لا يمكن. وجوابه في بعضها جوابه في الجميع، وكلامنا في مسألتين يمكن الفرق بينهما (٢) "، وإلى ذلك ذهب إمام الحرمين (٣) (ت ٤٧٨هـ) (٤) وفخر الدين الرازي
стр. 243
(ت ٦٠٦هـ) (١) قال الرازي: (إما إذا لم يعرف قوله في المسألة، وعرف قوله في نظيرها، فهل يجعل قوله في نظيرها قولاً له فيها؟ فنقول: إن كان بين المسألتين فرق يجوز أن يذهب إليه ذاهب، لم يحكم بأن قوله في المسألة كقوله في نظيرها، لجواز أن يكون قد ذهب إلى الفرق، وإن لم يكن بينهما فرق، فالظاهر أن قوله في إحدى المسألتين قول له في الأخرى) (٢).
على أن هذا، وإن كان متفقاً عليه بين جمهور العلماء، إلا أنه في المجال التطبيقي يعسر ادعاء انتفاء الفرق، فلعل المجتهد لو عرضت عليه
стр. 244
المسألة لم يلحقها بما يشبهها في الظاهر، لوجود فرق عنده، والذي يؤيد ذلك أن كثيراً من المسائل التي ادعي فيها عدم الفرق أظهر بعض العلماء فيها فرقاً، وقد جاء ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٣هـ) (١) على طائفة من هذه المسائل التي قيل بعدم الفرق بينها، وبين ما يخالف ذلك (٢).
ثانياً ما نص على علته:
ونص الإمام على العلة قد يكون صريحاً، وقد يكون إيماء. ومن الصريح ما هو قاطع ومنه ما هو ظاهر. ولم أجد- فيما اطلعت عليه- تفصيلاً للعلماء في هذا الشأن، وأغلب ما نقل عنهم مطلق، ولم يقيد ذلك بنوع من أنواع المنصوص. ويظهر مما عرضته الكتب التي تناولت هذا الموضوع أن العلماء اختلفوا في ذلك على رأيين:
١ - الرأي الأول: جواز التخريج على ما نص الإمام على علته، أو أومأ إليها. وقد اختار ذلك الحسن بن حامد [ت ٤٠٣هـ] وجعل من أمثلته جواب الإمام أحمد- ﵀ في المسكر، إنه حرام، فينسب إليه جميع أنواعه (٣).
стр. 245
وجعل أبو الحسين البصري (ت ٤٣٦هـ) ذلك من الأدلة على مذهب الإمام. قال: (ومنها أن يعلل الحكم بعلة توجد في عدة مسائل، فيعلم أن مذهب شمول ذلك الحكم لتلك المسائل سواء قال بتخصيص العلة أو لم يقل) (١) ومثل لذلك بما لو قال الإمام مثلاً: النية واجبة في التيمم، لأنه طهارة عن حدث، فإنه يعلم من ذلك أنه اعتقد أن وجوب النية لأجل هذه العلة، وبما أن العلة شاملة فإنه يعلم شمول حكمها لكل ما وجدت فيه العلة (٢).
وإلى ذلك ذهب أبو الخطاب وذكر أنه إذا نص في مسألة على حكم أو علل بعلة توجد في مسائل أخر فإن مذهبه في تلك المسائل مذهبه في المسألة المعللة، وقال: إن مذهب الإمام هو (ما نص عليه أو نبه أو شملته علته التي علل بها) (٣) وكرر كلام أبي الحسين ومثاله في علة وجوب النية في التيمم (٤).
وهو اختيار ابن قدامة (ت ٦٢٠هـ) (٥) في الروضة (٦)، كما أنه
стр. 246
اختيار ابن حمدان في صفة الفتوى. قال: (وقلت: إن نص الإمام على علته أو أومأ إليها كان مذهباً له، وإلا فلا ..) (١) واختاره ابن تيمية في المسودة أيضاً، سواء قيل بتخصيص العلة أو لا، كما هو الشأن عند من تقدمه من المجيزين، وعلل ذلك بأنه وإن قيل بتخصيص العلة (فإنما يصار إليه بدليل ولم ينقل من كلامه مخصص فأشبه العام الوارد من الشارع) (٢) ونص على هذا الاختيار المرداوي (ت ٨٨٥هـ) في الإنصاف (٣)، والطوفي في شرح مختصر الروضة (٤)، والفتوحي (ت ٩٧٢) (٥) في شرح الكوكب المنير، وقال: إنه الأصح (٦).
ومن الممكن أن نعد كل من جوز التخريج عن طريق القياس مطلقاً ممن يذهب إلى جواز التخريج على منصوص العلة بطريق أولى؛ لأن مرتبة العلة المنصوصة أقوى من مرتبة العلة المستنبطة. ومن هؤلاء إمام الحرمين (ت ٤٧٨هـ) (٧) وابن
стр. 247
الصلاح (١) (ت ٦٤٣). على أننا ننبه هنا إلى أن بعض من جوز ذلك يمنع النسبة إلى الإمام صراحة، ومن هؤلاء ابن عابدين (ت ١٢٥٢هـ)، وهو من علماء الحنفية، فإنه رفض أن ينسب إلى الإمام ما يخرجه المجتهد قياساً على قوله. وإنه "لا يقال: قال أبو حنيفة كذا إلا فيما روي عنه صريحاً". ولكنه جوز أن يقال: مقتضى مذهبه كذا (٢) وقد استدل لهذا الرأي بطائفة من الأدلة، نذكر منها ما يأتي:
أ- تعليل الإمام لحكمه دليل على تبعية الحكم للعلة (٣). ولو لم يكن الأمر كذلك ما علل حكمه. وإذا كان الأمر كذلك لزم أن يكون حكم ما تحققت فيه العلة كحكم ما نص عليه. وأن يكون ذلك مذهبه. ما لم يوجد مانع من ذلك، والأصل عدمه.
ب- إن العلة لما كانت شاملة وعامة كانت كاللفظ العام، (فكما أن كلام الإمام العام يدل على مذهبه فكذلك تعليله (٤). وهذا متحقق سواء كان الإمام ممن يقول بتخصيص العلة فهو يعتقد الشمول، وإن كان يقول بذلك، فإن تخصيصها لا يكون إلا إذا دل عليه دليل كما هو الشأن في العموم (٥).
ج- إن إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص على علته واقع في كلام الشرع، فكذلك حكمه في كلام المجتهدين، بل وأولى (٦). كتعليل النبي- ﷺ طهارة سؤر الهرة بقوله: (إنها من الطوافين) (٧) فإنه
стр. 248
يلحق بها كل ما وجدت فيه علة الطواف.
د- إن شبهة من ذهب إلى عدم الإلحاق هي احتمال ظهور الفرق بين المسألتين وأنه ربما لو عرضت المسألة الحادثة على المجتهد لقال فيها بغير ما قال في المسألة المقيس عليها (١)، وهذا المعنى غير متحقق فيما نص الإمام على علته، وقطع بوجودها في الفرع.
٢ - الرأي الثاني: إنه لا يجوز أن ينسب إلى الإمام إلا ما نص عليه، أو دل عليه بما يجري مجرى النص وقد اختار ذلك: الشيخ أبو إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦هـ) متمسكاً بأن (قول الإنسان ما نص عليه أو دل عليه بما يجري مجرى النص، وما لم يدل عليه فلا يحل أن يضاف إليه. ولهذا قال الشافعي- ﵀: (لا ينسب إلى ساكت قول.) (٢) ورد على استدلالات المجوزين بأن ما اقتضاه قياس قوله يجوز أن ينسب إليه كما يجوز أن ينسب إلى الله تعالى وإلى رسوله ما يقاس على أقوالهم، بعدم التسليم بصحة النسبة أيضاً فلا يجوز أن يقال عما قيس بأنه قول الله ولا قول رسوله، وإنما يقال: دين الله أو دين رسوله، بمعنى أنهما دلا عليه (٣). وكلام الشيرازي مطلق، يتناول جميع ما يقال على نص الإمام، ولم يفصل عنه ما نص على علته.
ومما استدل به أصحاب هذا الرأي:
أ- إن قول الإنسان هو ما نطق به، والقياس ليس بنطق ممن نسبت
стр. 249
إليه نتيجته، فكان ذلك كمن نسب إلى الساكت قولاً ما قاله (١). وقد قال الشافعي- ﵀ لا ينسب إلى ساكت قول (٢).
ب- إن نسبة القول إلى المجتهد عن طريق القياس مما لا قطع بصحته، فهو من باب اتباع ما لا يعلم، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٣).
ج- لو جازت نسبة القول إلى الإمام عن طريق القياس لجاز أن تنسب إليه أقوال غيره من العلماء من حيث القياس، وأن نعدها مذهباً له، وهذا باطل (٤).
ثالثاً: ما عرفت علته عن طريق الاستنباط:
أما تخريج مذهب الإمام عن طريق قياس مستنبط العلة، فإنه يبدو أكثر تعقيداً مما سبق. وقد اختلف العلماء في جوازه، وفي صحة نسبة القول المخرج إلى الإمام، على الوجه الآتي:
١ - الرأي الأول: إنه لا يجوز أن ينسب مذهب إلى الإمام عن طريق القياس، وممن ذهب إلى هذا الرأي أبو بكر الخلال (ت ٣١١هـ) وأبو بكر عبد العزيز بن جعفر البغوي المعروف بغلام الخلال (ت ٣٦٣هـ)، وأبو علي حنبل بن إسحاق الشيباني (٥) ابن عم الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٧٣هـ) وإبراهيم بن إسحاق الحربي (ت ٢٨٥هـ). ذكر ذلك الحسن بن حامد، وأضاف إليهم (وسائر من شاهدناه). وقد أنكر هؤلاء على أبي القاسم
стр. 250
عمر بن الحسين الخرقي (ت ٣٣٤هـ) ما خرجه في كتابه عن طريق القياس (١). وكلام أبي إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦هـ) المطلق الذي سبق ذكره يلزم منه رفض هذه النسبة في القياس المستنبط العلة من باب أولى. كما أن ظاهر كلام أبي الحسين البصري (ت ٤٣٦هـ) عدم جواز النسبة أيضاً، لأنه قصر ما تصح إضافته إلى صاحب المذهب تخريجاً على ثلاثة أقسام، ليس منها قياس العلة المستنبطة (٢)، ونص في المعتمد على عدم جواز نسبة قول له في مسألة تشبه مسألة نص على حكمها شبهاً يجوز أن يذهب على بعض المجتهدين (٣). وقد تابعه أبو الخطاب (ت ٥١٠هـ) على ذلك، وجاء بعباراته نفسها مع تغيير يسير (٤). وهو اختيار ابن قدامة (ت ٦٢٠هـ) في الروضة (٥)، والطوفي (ت ٧١٦هـ) في شرحه لمختصر الروضة (٦) وابن حمدان (ت ٦٩٥هـ) في الرعاية الصغرى. قال (قلت: إن كانت مستنبطة فلا نقل ولا تخريج) (٧).
والذي يظهر أن بعض محققي الشافعية كالإمام النووي (٨)