← Каваид фикха

Каваид фикха · id 14321

التخريج عند الفقهاء والأصوليين

يعقوب الباحسين

Полный текст (381 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

اختيار ابن حمدان في صفة الفتوى. قال: (وقلت: إن نص الإمام على علته أو أومأ إليها كان مذهباً له، وإلا فلا ..) (١) واختاره ابن تيمية في المسودة أيضاً، سواء قيل بتخصيص العلة أو لا، كما هو الشأن عند من تقدمه من المجيزين، وعلل ذلك بأنه وإن قيل بتخصيص العلة (فإنما يصار إليه بدليل ولم ينقل من كلامه مخصص فأشبه العام الوارد من الشارع) (٢) ونص على هذا الاختيار المرداوي (ت ٨٨٥هـ) في الإنصاف (٣)، والطوفي في شرح مختصر الروضة (٤)، والفتوحي (ت ٩٧٢) (٥) في شرح الكوكب المنير، وقال: إنه الأصح (٦). ومن الممكن أن نعد كل من جوز التخريج عن طريق القياس مطلقاً ممن يذهب إلى جواز التخريج على منصوص العلة بطريق أولى؛ لأن مرتبة العلة المنصوصة أقوى من مرتبة العلة المستنبطة. ومن هؤلاء إمام الحرمين (ت ٤٧٨هـ) (٧) وابن

стр. 247

الصلاح (١) (ت ٦٤٣). على أننا ننبه هنا إلى أن بعض من جوز ذلك يمنع النسبة إلى الإمام صراحة، ومن هؤلاء ابن عابدين (ت ١٢٥٢هـ)، وهو من علماء الحنفية، فإنه رفض أن ينسب إلى الإمام ما يخرجه المجتهد قياساً على قوله. وإنه "لا يقال: قال أبو حنيفة كذا إلا فيما روي عنه صريحاً". ولكنه جوز أن يقال: مقتضى مذهبه كذا (٢) وقد استدل لهذا الرأي بطائفة من الأدلة، نذكر منها ما يأتي: أ- تعليل الإمام لحكمه دليل على تبعية الحكم للعلة (٣). ولو لم يكن الأمر كذلك ما علل حكمه. وإذا كان الأمر كذلك لزم أن يكون حكم ما تحققت فيه العلة كحكم ما نص عليه. وأن يكون ذلك مذهبه. ما لم يوجد مانع من ذلك، والأصل عدمه. ب- إن العلة لما كانت شاملة وعامة كانت كاللفظ العام، (فكما أن كلام الإمام العام يدل على مذهبه فكذلك تعليله (٤). وهذا متحقق سواء كان الإمام ممن يقول بتخصيص العلة فهو يعتقد الشمول، وإن كان يقول بذلك، فإن تخصيصها لا يكون إلا إذا دل عليه دليل كما هو الشأن في العموم (٥). ج- إن إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص على علته واقع في كلام الشرع، فكذلك حكمه في كلام المجتهدين، بل وأولى (٦). كتعليل النبي- ﷺ طهارة سؤر الهرة بقوله: (إنها من الطوافين) (٧) فإنه

стр. 248

يلحق بها كل ما وجدت فيه علة الطواف. د- إن شبهة من ذهب إلى عدم الإلحاق هي احتمال ظهور الفرق بين المسألتين وأنه ربما لو عرضت المسألة الحادثة على المجتهد لقال فيها بغير ما قال في المسألة المقيس عليها (١)، وهذا المعنى غير متحقق فيما نص الإمام على علته، وقطع بوجودها في الفرع. ٢ - الرأي الثاني: إنه لا يجوز أن ينسب إلى الإمام إلا ما نص عليه، أو دل عليه بما يجري مجرى النص وقد اختار ذلك: الشيخ أبو إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦هـ) متمسكاً بأن (قول الإنسان ما نص عليه أو دل عليه بما يجري مجرى النص، وما لم يدل عليه فلا يحل أن يضاف إليه. ولهذا قال الشافعي- ﵀: (لا ينسب إلى ساكت قول.) (٢) ورد على استدلالات المجوزين بأن ما اقتضاه قياس قوله يجوز أن ينسب إليه كما يجوز أن ينسب إلى الله تعالى وإلى رسوله ما يقاس على أقوالهم، بعدم التسليم بصحة النسبة أيضاً فلا يجوز أن يقال عما قيس بأنه قول الله ولا قول رسوله، وإنما يقال: دين الله أو دين رسوله، بمعنى أنهما دلا عليه (٣). وكلام الشيرازي مطلق، يتناول جميع ما يقال على نص الإمام، ولم يفصل عنه ما نص على علته. ومما استدل به أصحاب هذا الرأي: أ- إن قول الإنسان هو ما نطق به، والقياس ليس بنطق ممن نسبت

стр. 249

إليه نتيجته، فكان ذلك كمن نسب إلى الساكت قولاً ما قاله (١). وقد قال الشافعي- ﵀ لا ينسب إلى ساكت قول (٢). ب- إن نسبة القول إلى المجتهد عن طريق القياس مما لا قطع بصحته، فهو من باب اتباع ما لا يعلم، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٣). ج- لو جازت نسبة القول إلى الإمام عن طريق القياس لجاز أن تنسب إليه أقوال غيره من العلماء من حيث القياس، وأن نعدها مذهباً له، وهذا باطل (٤). ثالثاً: ما عرفت علته عن طريق الاستنباط: أما تخريج مذهب الإمام عن طريق قياس مستنبط العلة، فإنه يبدو أكثر تعقيداً مما سبق. وقد اختلف العلماء في جوازه، وفي صحة نسبة القول المخرج إلى الإمام، على الوجه الآتي: ١ - الرأي الأول: إنه لا يجوز أن ينسب مذهب إلى الإمام عن طريق القياس، وممن ذهب إلى هذا الرأي أبو بكر الخلال (ت ٣١١هـ) وأبو بكر عبد العزيز بن جعفر البغوي المعروف بغلام الخلال (ت ٣٦٣هـ)، وأبو علي حنبل بن إسحاق الشيباني (٥) ابن عم الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٧٣هـ) وإبراهيم بن إسحاق الحربي (ت ٢٨٥هـ). ذكر ذلك الحسن بن حامد، وأضاف إليهم (وسائر من شاهدناه). وقد أنكر هؤلاء على أبي القاسم

стр. 250

عمر بن الحسين الخرقي (ت ٣٣٤هـ) ما خرجه في كتابه عن طريق القياس (١). وكلام أبي إسحاق الشيرازي (ت ٤٧٦هـ) المطلق الذي سبق ذكره يلزم منه رفض هذه النسبة في القياس المستنبط العلة من باب أولى. كما أن ظاهر كلام أبي الحسين البصري (ت ٤٣٦هـ) عدم جواز النسبة أيضاً، لأنه قصر ما تصح إضافته إلى صاحب المذهب تخريجاً على ثلاثة أقسام، ليس منها قياس العلة المستنبطة (٢)، ونص في المعتمد على عدم جواز نسبة قول له في مسألة تشبه مسألة نص على حكمها شبهاً يجوز أن يذهب على بعض المجتهدين (٣). وقد تابعه أبو الخطاب (ت ٥١٠هـ) على ذلك، وجاء بعباراته نفسها مع تغيير يسير (٤). وهو اختيار ابن قدامة (ت ٦٢٠هـ) في الروضة (٥)، والطوفي (ت ٧١٦هـ) في شرحه لمختصر الروضة (٦) وابن حمدان (ت ٦٩٥هـ) في الرعاية الصغرى. قال (قلت: إن كانت مستنبطة فلا نقل ولا تخريج) (٧). والذي يظهر أن بعض محققي الشافعية كالإمام النووي (٨)

стр. 251

(ت ٦٧٦هـ) يميلون إلى تصحيح كلام أبي إسحاق الشيرازي في عدم جواز نسبة ما يخرج عن طريق القياس إلى الإمام (١). وكلام ابن عابدين (ت ١٢٥٢٨هـ)، في عدم جواز نسبة القول المخرج إلى الإمام، شامل لهذه الحالة من باب أولى (٢). وقد استدل لهذا الرأي بطائفة من الأدلة، منها: أ- جميع أدلة منع نسبة الرأي المخرج عن طريق القياس منصوص العلة، فإنها تصلح أدلة لهم، بل إن هذا القياس المستنبط العلة أولى في نفي نسبة الرأي المخرج إلى الإمام عن طريقه، مما هو منصوص العلة. ب- إن في ذلك إثبات مذهب للإمام عن طريق القياس بغير جامع (٣). ج- إن الشبه بين المسألتين مما يجوز خفاؤه على بعض المجتهدين، ولهذا فإنه من المحتمل ظهور الفرق للمجتهد، لو عرضت عليه المسألة التي لم ينص على حكمها، فيثبت لها حكماً غير حكم ما نص على حكمه. فكيف نثبت له حكماً يجوز أن يبطله بظهور الفرق له؟ (٤). ٢ - الرأي الثاني: إن ما قيس على كلام الإمام فهو مذهبه، وأنه يصح أن ينسب إليه. وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء. وقد اختاره أبو بكر الأثرم (ت ٢٦١هـ) وأبو القاسم عمر بن الحسين الخرقي (ت ٣٣٤هـ)

стр. 252

وخرجا للإمام أحمد- ﵀ طائفة من الأقوال في كثير من المسائل (١). واختار الحسن بن حامد (ت ٤٠٣هـ) الجواز، لكن لا بالقياس على أصل معين، بل بالقياس على ما يشبه القاعدة (٢) وهذا أمر آخر ليس هو قياس العلة الذي نحن بصدده، وعلى هذا فنسبة الجواز إليه مشوبة بالمجازفة (٣). وقد مال إمام الحرمين (ت ٤٧٨هـ) إلى صحة نسبة ذلك إلى الإمام، وجعل العالم المحيط بقواعد المذهب والمتدرب في مقاييسه منزلاً في الإلحاق بمنصوصات الإمام منزلة المجتهد الذي يتمكن بطرق الظنون إلحاق غير المنصوص عليه في الشرع، بما هو منصوص عليه. كما أنه "أقدر على الإلحاق بأصول المذهب الذي حواه، من المجتهد في محاولته الإلحاق بأصول الشريعة" (٤) وصحح ذلك ابن الصلاح (ت ٦٤٣هـ)، وقال: إنه (الذي عليه العمل وإليه مفزع المفتين من مدد مديدة) (٥). ومما استدل به لهذا الرأي: أ- قياس المخرج على نصوص الإمام، على المجتهد المطلق في استنباطه الأحكام الشرعية بالقياس على نصوص الشارع، بل إن المخرج أقدر على الإلحاق بأصول المذهب من المجتهد في محاولة الإلحاق بأصول الشريعة، نظراً إلى أن المذاهب قد مهدت ورتبت ونظمت وضبطت ومهدت فيها مسالك القياس والأسباب، ويسر للمخرج ما لم ييسر للمجتهد المطلق (٦).

стр. 253

ب- إن العلماء مجمعون في أجوبتهم وفتاويهم على بنائها على أصول الأئمة بالقياس (١)، وإن واقع ما هو مسطور في كتب الفقه يؤيد ذلك، ومما يعزز ذلك أن كثيراً من المسائل الفقهية، لا سيما في الفرائض ينقلون منها عن الصحابة مسائل مختلفاً فيها فيما بينهم، وهي في غالبها مفرعة على جنس ما نقل عنهم، ولم ينصوا عليها بأعيانها (٢) وقد كان العلماء يخرجون على أصول أئمتهم حتى في زمان وجود المجتهدين المطلقين. فأصحاب أبي حنيفة مثلاً كانوا يفتون بمذهبه في زمان الإمام الشافعي والإمام أحمد وغيرهما من دون نكير، وإذا كان الأمر كذلك في زمن وجود المجتهدين اجتهاداً مطلقاً، جاز في حالة عدمهم بالطريق الأولى، أو بطريق الإجماع المتحقق من دون نكير (٣). ج- لو لم يؤخذ بالقياس على أقوال الأئمة لتركت كثير من الوقائع خالية من الأحكام (٤)، وهذا لا يجوز. تعقيب على وجهات النظر والاستدلالات. تلك هي وجهات نظر العلماء بشأن تخريج الأقوال عن طريق القياس، وجواز نسبتها إلى الأئمة، سواء كان منصوص العلة أو مما استنبطت علته. وعند تأمل آرائهم واستدلالاتهم يظهر لنا ما يأتي: ١ - إن الذين منعوا من ذلك يمكن أن يقال في أدلتهم ما يأتي: أ- إن قولهم إن القياس ليس بنطق ولا ينسب إلى ساكت قول، لا يسلم لهم في منصوص العلة؛ لأن ما نص على علته يجري مجرى النص

стр. 254

على الحكم، فهو غير مسكوت عنه، بل منطوق أ, جار مجرى المنطوق. ب- واستدلالاتهم بآية ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ أو ما هو في معناها، غير وارد؛ لأنه لا يسلم لهم أن ما نص على علته هو مما لا علم به، فحيث نص الإمام على علة حكم دل ذلك على أن حكمه تابع للعلة، ووقع العلم بأن حكمه هو في كل مسألة تحققت بها العلة. والظن بتحقق ذلك كاف في الأحكام الشرعية. ج- وقولهم أنه لو جاز نسبة القول إلى الإمام عن طريق القياس لجازت نسبة أقوال غيره إليه عن طريقه، وهو باطل، ممنوع؛ لأنه إن نص على العلة فقوله ما تحققت فيه العلة، سواء قال بذلك غيره أو لم يقل. وما المانع من أن ننسب إليه أقوال غيره إن وافقها، ما دامت العلة التي نص عليها موجودة؟ لكن الممنوع هو أن ننسب إليه قول غيره، إن خالف علته التي نص عليها. د- وقول المانعين لذلك في مستنبط العلة، إن في ذلك إثبات مذهب للإمام عن طريق القياس بغير جامع، يحتاج إلى إيضاح، فإن المفترض في القياس أن يكون بجامع، وإلا فكيف يكون قياساً؟ هـ- وقولهم بجواز خفاء الشبه على بعض المجتهدين، وبجواز ظهور الفرق بين المسألتين صحيح. وقد بينا أن بعض العلماء تعرض لبعض المسائل المخرجة عن طريق القياس، فأظهر بينها طائفة من الفروق، لكن ذلك ليس فيما نص على علته. وبوجه عام فإن حجج المانعين إن اتجهت إلى القياس مستنبط العلة، فهي لا تتجه إلى ما كان منصوص العلة؛ لما ذكرنا أنه كالمنطوق أو ما جرى مجراه. ٢ - أما الذين أجازوا ذلك فإن استدلالات من أجاز نسبة ما استنبط قياساً على منصوص العلة متجهة، لكن الذين أجازوا هذه النسبة حتى لو كانت العلة مستنبطة، لم يحالفهم التوفيق. فجعل نصوص الإمام بمنزلة نصوص

стр. 255

الشارع وقياسهم المجتهد على الشارع غير مقبول إطلاقاً، وقد سبق لنا أن ناقشنا ذلك في مسألة التخريج على أفعال وتقريرات الإمام. ونحن نعلم أن الشارع تعبدنا بنصوصه، وتعبدنا بإجراء حكم ما نبه على علته، في مسألة من المسائل، في كل مسألة وجدت فيها تلك العلة، إلا أن يرد ما يخصصها، وهذا الأمر غير متحقق في المجتهد (١). ولأن من الجائز أن يكون بين المسألتين فرق لم ينتبه إليه المخرج، فيخطئ في قياسه (٢)، فضلاً عن أن المجتهد ليس معصوماً، والخطأ منه محتمل، والتناقض في أحكامه جائز. وخروجاً من مأزق نسبة القول إلى الإمام، وادعاء أنه قوله، ينبغي أن يحترز في التعبير، وأن يقال: مقتضى ما قاله في المسألة الفلانية هو كذا، أو قياس مذهبه هو كذا، كما اختار ذلك ابن عابدين (ت ١٢٥٢هـ) (٣)، والله أعلم. أمثلة للتخريج عن طريق القياس المستنبط العلة: ١ - إن المنصوص في مذهب الشافعية أن جراح العبد يكون من قيمته، كجراح الحر من ديته، لكنهم خرجوا قولاً آخر في المسألة، هو أن الواجب في جراحه، يكون بقدر ما حدث فيه من نقصان. فلو قطع ذكر العبد، وجب كمال قيمته على النص، كما هو الشأن في كمال الدية في الحر. وفي القول المخرج أنه لا يجب شيء، إذا لم يؤد ذلك إلى نقصان قيمته، قياساً على البهيمة (٤). ٢ - ومن ذلك ما لو نذر التصدق بمال، ونوى في نفسه قدراً معيناً، فقد نص أحمد- ﵀ في رواية أبي داود أنه لا يلزمه ما نواه.

стр. 256

لكن أبا البركات خرج في تعليقه على الهداية قولاً باللزوم، قياساً على ما نص عليه أحمد- ﵀ فيمن نذر صوماً أو صلاة، ونوى في نفسه أكثر مما يتناوله اللفظ، أنه يلزمه ما نواه، لأن هذه مثل تلك (١). ٣ - ومن ذلك أنهم نقلوا عن الإمام أحمد بشأن الشهادة على الشهادة روايتين، إحداهما نص عليها، وهي المصححة عندهم، أنه لا تثبت شهادة شاهدي الأصل إلا بشاهدين، فتثبت سواء شهدا على كل واحد منهما، أو شهدا على كل شاهد شاهد. وأخراهما أنه لا تثبت الشهادة إلا بأربعة شهود، يشهد على كل أصل فرعان. وذلك قياساً على عدم إثبات إقرار مقرين بشهادة اثنين، كل منهما على شاهد واحد (٢). وخرجوا على هذه الرواية أنه يكفي شهادة فرعين بشرط أن يشهدا على كل واحد من الأصلين، لأن بهذا يتحقق المراد من شهادة فرعين على كل أصل (٣). ٤ - ومن ذلك ما ورد في كتب الشافعية بشأن حكم من يممه غيره، وكان قادراً على التيمم بنفسه، أنه يجوز ذلك كما يجوز في الوضوء. وهو مما نص عليه الشافعي في الأم، كما نص أيضاً على أنه إذا ألقت الريح عليه تراباً استوعب وجهه ويديه، وأمر يديه على وجهه، فإنه لا يجزيه ذلك. فخرج ابن القاص قولاً بعدم الجواز في الحالة الأولى، قياساً على الحالة الثانية.

стр. 257

وقد استبعد جمهور علماء الشافعية أن يكون ذلك معدوداً في المذهب (١). ٥ - ومن ذلك في مذهب أحمد- ﵀ أن الترتيب في الوضوء واجب، وقال في المغني: لم أر فيه اختلافاً، وهو مذهب الشافعي وأبي ثور (٢) وأبي عبيد (٣). لكنه ذكر أن أبا الخطاب حكى رواية أخرى عن أحمد أنه غير واجب وهو مذهب مالك والثوري (٤) وأصحاب الرأي، وآخرين من السلف (٥). وما ذكره ابن قدامة من حكاية أبي الخطاب هي تخريج له، وافقه عليه ابن عقيل، عن طريق القياس. ذلك أنه نقل عن أحمد أن الترتيب بين المضمضة والاستنشاق غير واجب، فقاس أبو الخطاب سائر أعضاء الوضوء

стр. 258

على ذلك (١)، ونسب إلى أحمد- ﵀ رواية أخرى، أنه لا يرى وجوب الترتيب. وقد ضعف هذا التخريج، بتقوية الرواية الأخرى وتقريرها بالأدلة (٢). ٦ - ومن ذلك ما لو اقتسم الشريكان داراً، فحصل الطريق في نصيب أحدهما، ولم يكن للآخر منفذ يتطرق منه. فقد ذهب أبو الخطاب إلى بطلان القسمة، وبرأيه أخذ ابن قدامة وأبو البركات (٣) ووجه هذا الرأي أن القسمة تقتضي التعديل، والنصيب الذي لا طريق له ذو قيمة قليلة، فلا تتحقق العدالة في القسمة، ولأن من شرط الإجبار على القسمة، أن يكون ما يأخذه كل واحد من الشريكين مما يمكن الانتفاع به، وهذا الشرط غير متحقق في القسمة المذكورة (٤). وخرج ابن قدامة في المسألة وجهاً آخر، هو تصحيح القسمة، مع الاشتراك في الطريق، وذلك عن طريق القياس على نص الإمام أحمد- ﵀ في اشتراكها في مسيل الماء. ففي قوم اقتسموا داراً كانت أربعة أسطح يجري عليها الماء، فلما اقتسموا أراد أحدهم منع جريان ماء الآخر عليه، وقال: هذا شيء قد صار لي. قال أحمد-: إن كان بينهما شرط أنه يرد الماء فله ذلك. فإن لم يكن فليس له منعه (٥). وكلام أحمد هذا ليس فيه إبطال القسمة، بل تجويزها، مع عدم إعطاء ذي الماء حقاً يمنعه عن غيره. ففي المسألة قياس الطريق على مجرى الماء بجامع انتفاء المنفعة في الأرض، أو نقصانها بمنع الماء أو المرور فيها.

стр. 259

المطلب الثاني النقل والتخريج ومما يتفرع على مسألة ما قيس على كلام الإمام هل هو مذهب له، ما إذا نص الإمام في مسألة على حكم، ونص في غيرها من المسائل التي تشبهها على حكم آخر، يخالف حكمه في المسألة الأخرى، فهل يخرج له حكم آخر في كل مسألة بالقياس على المسألة المخالفة، فينقل جوابه في إحداهما إلى الأخرى، فيكون له في كل مسألة قولان: أحدهما بنصه، والآخر بالتخريج عن طريق القياس (١). لقد عرفت هذه المسألة عندهم بمصطلح (النقل والتخريج) (٢)، وبعضهم اكتفى بإطلاق التخريج عليها، مع أنه صرح بأن فيها نقلاً وتخريجاً، فكأنه اكتفى بما هو الأساس الذي بني عليه النقل. قال الخطيب الشربيني (٣): (والتخريج أن يجيب الشافعي بحكمين مختلفين في صورتين متشابهتين، ولم يظهر ما يصلح للفرق بينهما، فينقل الأصحاب جوابه في كل صورة إلى الأخرى، فيحصل في كل صورة منهما قولان: منصوص ومخرج،

стр. 260

المنصوص في هذه هو المخرج في تلك، والمنصوص في تلك هو المخرج في هذه، فيقال: فيهما قولان بالنقل والتخريج) (١). وقبل الكلام عن حكم ذلك، نذكر طائفة من الأمثلة المبنية على هذا الأساس، ليتضح بها هذا الموضوع: ١ - فمن ذلك أن الإمام الشافعي- ﵀ نص على أن المسافر في آخر الوقت يقصر، ونص في الحائض إذا أدركت أول الوقت، أنه تلزمها الصلاة. فقالت طائفة من علماء الشافعية في كل من المسألتين: قولان بالنقل والتخريج، أحد القولين أنه يلزم بأول الوقت الإتمام على المقيم، قياساً على قوله في الحائض، إذا أدركت أول الوقت. والثاني لا يلزم بناء على نصه في ذلك. فقد نقل قوله في الحائض إلى المسافر. فجعلوا له في كل من الحالتين قولين: أحدهما بالنص والآخر بالتخريج (٢). ٢ - ومن ذلك ما ورد أن الشافعي- ﵀ نص، في الاجتهاد في الأواني، أنه إذا اجتهد فيها، وغلب على ظنه طهارة أحدهما استعمله وأراق الآخر، فإن استعمل ما غلب على ظنه طهارته ولم يرق الثاني، ثم تغير اجتهاده بأن غلب على ظنه عكس الاجتهاد الأول، أي غلب على

стр. 261

ظنه طهارة ما ظنه نجساً ونجاسة ما ظنه طاهراً، فإن الشافعي قال: لا يعمل بالاجتهاد الثاني لئلا ينتقض الاجتهاد باجتهاد مثله، بل يخلطان أو يريقهما ويتيمم. وفي الاجتهاد في القبلة نص على أن المصلي لو اجتهد في القبلة، وغلب على ظنه أنها في جهة الغرب، مثلاً، ثم تغير اجتهاده، فإنه يغير اتجاهه ويعمل بالثاني، حتى أنه لو تغير اجتهاده أربع مرات فإنه يصلي إلى أربع جهات. فهاتان المسألتان متشابهتان نص فيهما على حكمين مختلفين هما عدم جواز العمل بالاجتهاد الثاني في المسألة الأولى، وجوازه في المسألة الثانية. فخرجوا لكل من المسألتين قولاً من نظيرتها، فصار له في الاجتهاد في الأواني قولان: قول منصوص، هو أن لا يعمل بالاجتهاد الثاني، وقول مخرج على مسألة القبلة وهو أن يعمل بالاجتهاد الثاني. كما صار له في الاجتهاد في القبلة قولان: قول منصوص، وهو العمل بالاجتهاد الثاني، وقول مخرج على مسألة الاجتهاد في الأواني وهو عدم جواز العمل بالاجتهاد الثاني (١). ٣ - ومما يمثل ذلك في فقه الحنابلة ما جاء في المحرر في باب ستر العورة (فإن لم يجد إلا ثوباً نجساً صلى فيه وأعاد. نص عليه. ونص فيمن جلس في موضع نجس فصلى أنه لا يعيد فيخرج فيها روايتان) (٢) وقد شرح الطوفي (ت ٧١٦هـ) ذلك بقوله: (ذلك لأن طهارة الثوب والمكان كلاهما شرط في الصلاة، وهذا وجه الشبه بين المسألتين، وقد نص في الثوب النجس أنه يعيد، فينقل حكمه إلى المكان، ويتخرج فيه مثله، ونص في الموضع النجس على أنه لا يعيد، فينقل حكمه إلى الثوب النجس فيتخرج فيه مثله، فلا جرم صار في كل واحدة من

стр. 262

المسألتين روايتان إحداهما بالنص والأخرى بالنقل) (١). ٤ - ومن ذلك أن المعروف في المذهب الشافعي، بشأن إباحة التيمم، أنه لو تيقن وجود الماء في حد القرب، فإنه يلزمه السعي إليه. وأما إذا كان بين الرتبتين فقد نص الشافعي على أنه يلزمه الوضوء، إن كان على يمين المنزل ويساره. ونص أيضاً على أنه إذا كان قدامه على صوب مقصدة، فلا يلزمه. وقد اختلف علماء الشافعية في ذلك على طريقين: أحدهما: تقرير النصين، والعمل بكل منهما في موضعه. والثاني: جعل المسألة على قولين بالنقل والتخريج، أي يقاس حالة ما إذا كان في صوب المنزل على حالة ما إذا كان في يمينه أو شماله، وبقياس حالة ما كان في يمينه أو شماله على حالة ما إذا كان في صوب المنزل فيكون له في كل من الحالتين قولان: أحدهما بنصه والآخر بالتخريج قياساً على الحالة الأخرى. وقد اعترض بعض العلماء على ذلك، مبيناً أن بين النصين فرقاً، لأن ما كان على يمين المنزل أو يساره فهو منسوب إلى المنزل، ومن عادة المسافر التردد إليهما، بخلاف حالة التقدم نحو قصد المسافر والرجوع إلى الخلف، فإنه ليس بمعتاد (٢). ٥ - ومن ذلك من الفقه الشافعي، أنه إذا وجد الماء وكثر عليه الواردون وتزاحموا، فإن توقع أنه إذا انتظر نوبته لاستقاء الماء لم يخرج الوقت، لم يتيمم، إذ احتمال فرصة الوضوء قائمة، وإن علم أنه لا تنتهي إليه

стр. 263

النوبة إلا بعد الوقت، فقد حكي أن الشافعي نص على أنه يصبر إلى أن يتوضأ، ولا يبالي بخروج الوقت. ونقل عنه أنه نص فيما لو حضر جماعة من العراة وليس ثم إلا ثوب واحد يصلون فيه بالتناوب، وعلم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد خروج الوقت، إنه يصبر ولا يصلي عارياً كالمسألة السابقة، ولكنه نص أيضاً على أنهم لو اجتمعوا في سفينة، أو بيت ضيق، وهناك موضع واحد يمكن فيه الصلاة قائماً، أنه يصلي في الوقت قاعداً، ولا يصبر إلى انتهاء النوبة إليه، بعد الوقت. وهذا مخالف لنصه في المسألتين السابقتين، فاختلف الشافعية في ذلك على طريقين: أحدهما عدم التفريق بين هذه المسائل، والذهاب إلى أن له في كل منها قولين بالنقل والتخريج، بقياس كل منها على الأخرى. فيصلي في الوقت بالتيمم وعارياً وقاعداً، مراعاة لحرمة الوقت. والثاني هو إقرار النصوص على حالها، والقول بالتفريق، على أساس أن أمر القعود أسهل من أمر الوضوء وستر العورة. ولهذا فإنه يجوز ترك القيام في النفل، بخلاف التيمم وكشف العورة. ولبعض علمائهم نزاع في هذا التفريق (١). والشاهد في هذا هو الطريق الأول الذي لم يفرق بين المسائل، وجعل للإمام قولين بالنقل والتخريج في كل منها. ٦ - ومن ذلك أنه ورد النص عن الإمام الشافعي- ﵀ بعدم جواز قعود المصلي في صلاة الجنازة، مع القدرة على القيام. وقطع الجمهور من الشافعية بركنية القيام فيها (٢). وذهب بعض الشافعية من الخرسانيين، إلى تخريج قول بالجواز، كما هو الشأن في النوافل، لأن الصلاة ليست من فرائض الأعيان. خرجوه من إباحة جنائز بتيمم واحد. ولا يصلى بتيمم واحد فرضان. ولهم وجه آخر، هو، إن تعينت الصلاة لم يصح إلا قائماً كما هو الشأن

стр. 264

في الفرائض العينية، وإن لم تتعين صحت صلاته قاعداً، كما هو الشأن في النوافل. ففي المسألة إذن قولان أو وجهان بالنقل والتخريج (١). ٧ - ومن ذلك إقرار العبد بالجنايات المستلزمة للعقوبات، المذهب عند الحنابلة صحة ذلك، لأن الرق غير مانع منه، لأن العبد مكلف قادر على التزامها، ولا نظر إلى إبطال حق السيد لانتفاء التهمة في ذلك (٢). مع اختلاف العلماء في التفريق بين ما يوجب القصاص في النفس، أو ما دونها. وفي المذهب إن الإقرار بجناية توجب مالاً لا تقبل، كما ذكره القاضي. فذهب بعض العلماء إلى تخريج رواية أخرى في الإقرار بالجنايات المستلزمة للعقوبات، هي عدم القبول، قياساً على الإقرار بما يوجب المال. فيكون في مسألة الإقرار بالعقوبات، عنده، روايتان بالنقل والتخريج. إحداهما: يقبل لانتفاء التهمة. والأخرى: لا يقبل، لأنه إقرار على مال السيد، فلا يقبل قياساً على الإقرار بالديون (٣). وبعد توضيح معنى النقل والتخريج بالشرح والمثال، نذكر أن هذا النمط، وإن ورد في الكتب الفقهية، إلا أن العلماء لم يتفقوا على تأصيله، ولا على تجويز نسبة ما يخرج وينقل إلى الإمام، بل اختلفوا في ذلك. والمقصود من العلماء المختلفين، العلماء الذين جوزوا التخريج بناءً على القياس، أما الرافضون لذلك فليس بينهم خلاف في منع مثل هذا التخريج، بل هو أولى بالمنع من غيره، لأنهم إذا لم يجيزوا نقل الحكم إلى ما سكت عنه الإمام، فلأن لا يجيزون ذلك إلى ما نص على خلافه أولى. وبوجه عام

стр. 265

فإن وجهات نظر العلماء بشأن هذه المسألة تدخل في إطار الأقوال الآتية: ١ - القول الأول: عدم جواز ذلك، وممن ذهب إلى ذلك الحسن بن حامد (ت ٤٠٣هـ) (١) وأبو الخطاب (ت ٥١٠هـ) (٢) وابن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠هـ) (٣) وأبو الحسن الآمدي (ت ٦٣١هـ) (٤) وأبو الحسين البصري (ت ٤٣٦هـ) في حالة ما إذا أمكن أن يفرق بينهما بعض المجتهدين (٥). ولم أجد- فيما اطلعت عليه- تصريحاً لأصوليي الحنفية بهذا الشأن، لكنهم ذكروا انه لا يصح أن يكون للمجتهد في مسألة أو مسألتين لا فرق بينهما قولان؛ لما في ذلك من التناقض بخلاف اختلاف الرواية، فإنه ليس من المجتهد ولكنه من الناقل (٦) ويلزم من هذا أنهم لا يجيزون النقل والتخريج؛ لأنهم حينما منعوا نسبة القولين المنصوصين في المسألة الواحدة إليه، فلأن يمنعوا ذلك فيما لم ينص عليه أولى (٧)، وقد احتج أصحاب هذا القول بطائفة من الأدلة، منها: أ- القياس على نصوص الشارع، فإنه إذا نص الشارع، في مسألة ما، على

стр. 266

حكم، ونص في مسألة أخرى تشبهها على حكم يخالف حكم ما نص عليه في المسألة الأخرى، فإنه لا يجوز نقل حكم إحداهما إلى الأخرى، كنصه في صوم الظهار على التتابع، وفي صوم التمتع على التفريق، فإنه لا يجوز أن نلحق أحدهما بالآخر (١). ونظراً إلى أن طريق فهم النصوص وتفسيرها واحد، فينبغي أن لا يجوز الإلحاق في نصوص المجتهد أيضاً. ب- إن الظاهر من نص المجتهد على حكمين مختلفين في المسألتين، أن مذهبه في إحداهما غير مذهبه في الأخرى، فالتسوية بينهما في الحكم مخالفة لما يظهر من نصه فلا تجوز (٢). ج- إن مثل هذا النقل والتخريج يعد إحداث جواب مبتدأ لا نص للمجتهد فيه، ولا دخل له في كلامه، بل إنه نص على خلافه فلا يجوز (٣). د- إن الظاهر من إفتاء المجتهد بحكمين مختلفين في المسألتين المتشابهتين، أنه وجد بينهما فرقا، لم ينتبه إليه غيره (٤)، فلا يجوز إلحاق إحداهما بالأخرى تخريجاً ونقلاً. ٢ - القول الثاني: جواز ذلك. وممن ذهب إلى هذه الوجهة طائفة من علماء الشافعية (٥)، ولكن تجويز ذلك ليس مطلقاً، بل اشترطوا فيه أن لا يجد بين المسألتين فارقاً، وإن لم تكن هناك علة جامعة، فهو من قبيل إلحاق الأمة بالعبد في

стр. 267

قوله – ﷺ "من أعتق شركاً له في عبد قوم عليه" (١). وفي المجال التطبيقي نجد أنهم خرجوا ونقلوا كثيراً في طائفة من المسائل، أظهر فيها كثير من العلماء فرقاً. وجواز التخريج والنقل هو أحد الوجهين عند الحنابلة أيضاً (٢)، واختار الطوفي جواز ذلك، إذا كان بعد البحث والجد ممن هو أهل للنظر والبحث (٣). وقال المرداوي، بشأن اختيار الطوفي هذا: (قلت وكثير من الأصحاب على ذلك) (٤). وذكر ابن حمدان أن النقل والتخريج إذا أفضى إلى خرق إجماع، أو رفع ما اتفق عليه الجم الغفير من العلماء، أو عارضه نص كتاب أو سنة لم يجز (٥). وقد احتج أصحاب هذا الرأي بطائفة من الأدلة، منها: أ- لما كان الظاهر من المسألتين أنهما من جنس واحد، فإن الجواب في إحداهما يُعد كالجواب فيهما، إذ لا فرق في ذلك، ما دامت المسألتان من جنس واحد (٦). ب- إن الشارع إذا نص على حكم مسألة، ورأى بعض المجتهدين مسألة أخرى تشبهها، فإنه يلحقها بحكمها، كنص الشارع على تقييد الرقبة بالإيمان في كفارة القتل الخطأ، وإطلاقها في كفارة الظهار، فقد قسنا إحداهما على الأخرى وشرطنا الإيمان فيهما، وإذا كان الأمر كذلك في

стр. 268

نصوص الشارع فينبغي أن يكون كذلك في نصوص المجتهد (١) لأن طريق فهمها ودلالتها واحد. ج- لو قال المجهد الشفعة لجار الدار وجبت لجار الدكان، لأنه لا فرق بينهما. فهذا نقل لحكم مسألة إلى نظيرتها (٢) وإذا جاز النقل في ذلك جاز في غيره، إذا التفريق بين ذلك تحكم. ٣ - القول الثالث: جواز التخريج في حالة البعد الزمني بين المسألتين، وفق أسس خاصة، وهذا ما اختاره ابن حمدان (ت ٦٩٥هـ). وقد أضاف إلى شروط المجوزين الآخرين شروطاً أخرى لم يذكروها. ومجمل ما اشترطه لجواز التخريج والنقل ما يأتي: أ- أن لا يفرق الإمام بين المسألتين صريحاً. ب- أن لا يمنع النقل والتخريج بين المسألتين. ج- أن لا يفضي النقل والتخريج إلى خرق الإجماع، أو معارضة نصوص الكتاب أو السنة. د- أن لا يؤدي إلى رفع ما اتفق عليه الجم الغفير. هـ- أن لا يكون زمن إحدى المسألتين قريباً من الأخرى، بحيث يُظن أنه ذاكر حكم الأولى، حين أفتى بالثانية. فإذا ما تحققت هذه الشروط، وكان الإمام بعيد العهد بالمسألة الأولى ودليلها، جاز التخريج. وحينئذٍ ينظر إلى المسألتين، ولا تخلو الحال من أمرين الأول أن يُعلم تاريخهما فتعلم المتأخرة منهما، والأمر الآخر أن تجهل المسألة المتأخرة منهما.

стр. 269

ففي الحالة الأولى- وهي العلم بالتاريخ- ينقل حكم الثانية إلى الأولى في الأقيس، ولا ينقل حكم الأولى إلى الثانية، إلا إذا جعلنا أول قوليه في مسألة واحدة مذهباً له، مع معرفة التاريخ، أو بتعبير آخر أنه لا يجوز إلا إذا جوزنا أن يكون للمجتهد قولان في مسألة واحدة مع معرفة التاريخ، وفي الحالة الثانية- وهي الجهل بالتاريخ- يجوز نقل حكم أقربهما من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو الأثر أو قواعد الإمام وأصوله إلى الأخرى في الأقيس، ولا عكس، إلا إذا جعلنا أول قوليه في مسألة واحدة مذهباً له مع معرفة التاريخ، أي تجويز أن يكون له قولان في مسألة واحدة مع معرفة التاريخ (١). وجهة نظر ابن حمدان أن المجتهد في حالة قرب الزمن بين المسألتين يتحقق الظن بأنه ذاكر حكم الأولى، حين افتائه بالمسألة الثانية، ولهذا لا يجوز نقل الحكم ولا تخريجه، لأنه لولا ظهور دليل الحكم للمجتهد في المسألة الثانية وظهور فرق له فيها عن نظيرتها، مع ذكره لها ولدليلها، لما أفتى بما أفتى به في المسألة الثانية ولسوى بين المسألتين. أما في حالة بعد الزمن فإنه من المحتمل التسوية بين المسألتين عنده (٢)، كما أنه من المحتمل أن يكون قد نسي فتواه الأولى، فكرر الاجتهاد وتغير رأيه، فتكون فتواه في الثانية رجوعاً عن فتواه الأولى، فلا تجوز نسبتها إليه إلا على القول بجواز نسبة قولين للمجتهد في مسألة واحدة مع معرفة التاريخ (٣). تعقيب على الآراء والاستدلالات: بعد عرض ما تقدم من استدلالات لأقوال العلماء في المسألة، وتأملها جيداً، ترجح لنا أن الصواب كان مجانباً لمن جوز النقل والتخريج، لما فيه

стр. 270

من نسبة أقوال للأئمة نصوا على خلافها، وحينما رجحنا جواز التخريج عن طريق القياس، إنما رجحناه فيما سكت عنه الإمام لا فيما نص على خلافه، وقلنا أنه- مع ذلك- محتمل، ولهذا فلا يصح أن ينسب إليه، ويقال: قال فلان، وإنما يستحسن اتباع ما اختاره ابن عابدين من قوله: مقتضى ما قاله في المسألة الفلانية هو كذا، أو قياس مذهبه كذا .. ولهذا فإن استدلالات المانعين من نسبة الأقوال إلى الأئمة عن طريق النقل والتخريج كانت متجهة وليس في استدلالات أصحاب الآراء الأخرى ما يخدش تلك الأدلة، أما استدلالات المجيزين فضعيفة، وقد نوقشت من قبل من منعوا التخريج بما يأتي: ١ - نوقش دليلهم الأول بأنه لا يسلم لهم أن الجواب في أحد أفراد الجنس يعد جواباً لسائر الأفراد، ولو كان ما قالوه صحيحاً لكان ما ثبت من جواب في مسألة من مسائل الصلوات جائز النقل إلى مسائل الصلاة الأخرى، كنقل مسألة من صلى قاعداً مريضاً إلى من صلى قاعداً قادراً صحيحاً، ومثل هذا لا يجوز اتفاقاً (١). ٢ - ونوقش دليلهم بالقياس على نص الشارع بالفرق، فصاحب الشرع تعبدنا بالقياس ودلنا عليه. ولم يحصل ذلك من قبل المجتهد، كما أنه من الجائز أن يذهب العالم إلى الفرق بين المسألتين، فيخطئ المخرج في عدم إدراكه لذلك الفرق، وهذا غير متحقق في نصوص الشارع (٢). ونوقش قولهم بتشبيه حالة النقل بحالة قياس كفارة الظهار على القتل الخطأ في نصوص الشارع، بأنه خارج عن محل النزاع، لأن الشارع في الكفارة صرح في إحداهما وسكت في الأخرى، فقسنا المسكوت على المنطوق، بخلاف المسألة المتنازع فيها، فإن المجتهد صرح في كل

стр. 271

واحدة من المسألتين بخلاف الأخرى فلا يجوز (١). وصار ذلك كتنصيصه في صوم الظهار على التتابع، وفي صوم التمتع على التفريق، فلا يجوز إلحاق إحداهما بالأخرى اتفاقاً (٢). ٣ - ونوقش دليلهم الثالث بأنه ليس نظير المسألة المتنازع فيها، لأن النقل إنما تحقق إلى مسكوت عنه. ونظير هذه المسألة أن يقول: الشفعة لجار الدار ولا شفعة في الدكان. وفي مثل ذلك لا يجوز النقل (٣). أما وجهة نظر ابن حمدان فمآلها عدم التسليم بالنقل إلا في نطاق محدود، وهو البعد الزمني بين المسألتين، ونقل حكم الثانية إلى الأولى دون العكس عند العلم بالتاريخ، ونقل الأقرب إلى الكتاب أو السنة أو أصول الإمام وقواعده إلى الأخرى عند الجهل بالتاريخ. ونتيجة ذلك ألا يكون للإمام قولان في المسألتين بل قول واحد في كلتيهما، إلا على القول بجواز نسبة قولين إلى المجتهد في مسألة واحدة مع معرفة التاريخ. وهذا الأمر مشكل؛ لأنه سيؤدي إلى إلغاء رأي منصوص للإمام، بطريق القياس أو العرض على الكتاب والسنة أو أصول الإمام وقواعده. وادعاء أنه رأيه في كلتا المسألتين، وتلك نتيجة غير مقبولة، لما فيها من إلغاء نص بالقياس، ولما فيها من مخالفة لأسس وقواعد الترجيح.

стр. 272

المطلب الثالث لازم مذهب الإمام ومما يتصل بطرق التخريج استقاء رأي الإمام من لازم مذهبه. وهذا أمر متردد بين أن يكون من مصادر مذهب الإمام، أو من الطرق التي تتبع في التخريج. وقد آثرنا أن نبحثه مع طرق التخريج، لقلة الاعتماد عليه في التخريج، ولكثرة الاختلاف بشأنه، ولأن الرأي المستفاد منه مبني على إدراك معاني نصوص الإمام ومراميها. ولم أجد- فيما اطلعت عليه من كتب الأصول- من أفرد هذا الموضوع ببحث، لكنه كان يذكر في طائفة من المباحث المختلفة. وربما كان بعض ما يذكر ليس معدوداً من لوازم المذهب، ولهذا فإن تحديد نطاق اللازم يجعل الأمر أكثر وضوحاً، ويصوره على وجه يجعل الحكم عليه أكثر دقة. ذكر الأسنوي في نهاية السول ما يفيد أن مسألة لازم المذاهب وهل هو مذهب أو لا؟ تطلق على حالة معينة، وهي حالة ما إذا لم يعرف للمجتهد قول في مسألة، ولكن عرف له قول في نظيرها، فإن لم يكن بين المسألتين فرق البتة فالظاهر أن يكون قوله في إحدى المسألتين قولاً له في الأخرى (١). وفي البحر المحيط كرر الزركشي (٢) هذا التصور أيضاً، واختار أن

стр. 273

الصحيح في ذلك عدم جواز التخريج، وأن الأصح عدم جواز نسبة القول إلى الإمام، بناءً على اختياره، أن لازم المذهب ليس بمذهب، لاحتمال أن يكون بينهما فرق، فلا يضاف إليه مع قيام الاحتمال (١). وعلى هذا فإن المسألة داخلة في موضوع التخريج بالقياس، لكن مسألة الاستدلال باللازم على المذاهب واسعة، وما ذكره الأسنوي لا يمثل المسالة كلها. والدليل على ذلك أنهم نسبوا طائفة من الآراء إلى علماء متعددين بغير الطريق المذكور. ومن ذلك: ١ - أنهم نسبوا إلى أبي الحسن الأشعري (٢) أنه يقول بجواز التكليف بالمحال. مع أنه لم يثبت تصريح الأشعري بذلك، ولكنهم خرجوه من لازم مذهبه، وذلك لأصلين كان يقول بهما: الأول: أن لا تأثير لقدرة العبد في أفعاله، بل هي مخلوقة لله تعالى

стр. 274

ابتداءً فالعبد مطالب بما هو من فعل ربه. والثاني: أن القدرة- عنده- مع الفعل لا قبله. والتكليف الذي هو استدعاء الفعل واقع قبل الفعل لا معه. فهو في حال التكليف غير مستطيع (١). ٢ - ومن ذلك ما قيل من أن من نفى أن يكون لله تعالى كلام قائم بنفسه، وأن كلامه هو ما خلقه في غيره، يلزمه أن لا يكون القرآن العربي كلام الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لأن (الكلام لا يكون مفعولاً منفصلاً عن المتكلم، ولا يتصف الموصوف بما هو منفصل عنه) (٢). (وإذا كان القرآن مخلوقاً في محل كان ذلك المحل هو المتكلم به، ولم يكن كلام الله) (٣) وعد هذا لازماً لقول من قال: إن كلامه- تعالى- هو ما خلقه في غيره. ٣ - ومن ذلك أنهم قالوا إن من قال إن جزاء قتل الصيد في الحرم كفارة كالإمام مالك، يترتب عليه أنه لو قتل جماعة من المحرمين صيداً في الحل أو الحرم، أو من المحلين بالحرم، فإنه يجب على كل واحد منهم جزاء كامل، أي يلزم، على رأيه هذا، أن يكون حكمه هنا كحكمه في أية كفارة. وأما من قال إن جزاء قتل الصيد قيمته كما نسب إلى الشافعية، فيلزم أن يكون الواجب في ذلك جزاء واحداً على الجميع، كما هو الشأن في الضمان (٤). فهذه الحالات وكثير غيرها ليست من باب القياس، ولهذا فإننا سنحاول أن نفسر اللازم بما هو أوسع نطاقاً من ذلك، وبما يتفق مع اصطلاحات

стр. 275

الأصوليين ومناهجهم في هذا المجال. فاللازم في اللغة هو الثابت والدائم (١). وفي الاصطلاح عرفوه بأنه ما يمتنع انفكاكه عن الشيء (٢). وقد يطلق على ما يتبع الشيء ويرادفه، وعلى ما له تعلق ما (٣). وهو يتنوع بحسب الحاكم باللزوم، سواء كان العقل أو الشرع أن العادة أو اللغة. ويختلف الأصوليون عن المناطقة في أنهم يوسعون مجال الدلالة الالتزامية، ولا يقصرون ذلك على ما كان لازماً بيناً بالمعنى الأخص، ولا على ما كان الحاكم باللزوم فيه العقل، فاللازم عندهم يتناول ما احتاج إلى واسطة أو دليل خارجي في فهم اللزوم، وما لم يكن كذلك أيضاً، بأن اكتفي بالحكم باللزوم فيه بتصور المتلازمين معاً أو بتصور الملزوم وحده (٤). كما يتناول ما كانت الملازمة فيه شرعية كالوجوب والتحريم اللازمين للمكلف، أو عادية، أو عرفية كالارتفاع اللازم للسرير (٥). وعلى هذا فمن الممكن أن نذكر هنا طائفة من الأسس التي يمكن أن يعد بناء القول عليها لازماً للمذهب. وهي ليست حاصرة، ولكنها للتمثيل والتوضيح، وربما كان في بعضها مجال للنقاش. فمن ذلك: ١ - أن توجد مسألة لا يعرف للمجتهد فيها قول، ولكن عرف له قول في مسألة تشبهها، أو هي نظيرها، فإثبات الحكم في المسألة التي لم يرد عنه فيها نص، هو من لازم المذهب عندهم. وهذا الأساس هو ما ذكرناه عن الأسنوي وغيره من الأصوليين، وقد قصر بعضهم لازم المذهب على ذلك.

стр. 276

٢ - بناء الرأي على قاعدة الإمام أو أصله، كالذي نسبوه إلى أبي الحسن الأشعري، وكالأحكام المخرجة على قواعد الأئمة الأصولية أو الفقهية. وربما كان اتصال ذلك بلازم المذهب سبباً في عد العلماء التخريج على القواعد، تالياً للتخريج على نص محدد بطريق القياس. ومما يدخل في ذلك مسألة وجوب مقدمات الواجب وفق ضوابط وأسس خاصة، إن كان الواجب لا يتم إلا بها (١). لأنها داخلة في نطاق قواعد الإمام. فإن كان ممن يرى أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كان وجوب تلك المقدمات لازماً لمذهبه، وإن كان لا يرى ذلك لم تكن من لوازم مذهبه. ومن ذلك حرمة نقيض ما قال بوجوبه، لأن حرمة النقيض جزء مفهوم الواجب، أو لازمه، والدال على الوجوب بالمطابقة يدل على أجزائه بالتضمن والالتزام (٢). وهي المسألة المعروفة بمسألة الضد، أو أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟ ومن ذلك قاعدته في النهي هل يقتضي الفساد أو لا (٣) فكل ما ينبني على هذه القواعد أو ما يشبهها مما لم يرد عن الإمام فيه نص فهو لازم مذهبه. ٣ - الاستدلال بالتلازم كأن يستدل من نفيه أحد النقيضين على إثبات الآخر، أو من إثبات أحدهما على نفي الآخر، أو من حكمه بالتلازم بين شيئين على وضع التالي عند وضع المقدم، أو رفع المقدم عند رفعه التالي، وفق شروط خاصة في مجال الأحكام الشرعية (٤) فلو كان أحد الأئمة يرى

стр. 277

ملازمة بين النجاسة والتحريم، فنستطيع أن نستنتج من عدم تحريمه شيئاً، قولاص له بعدم نجاسته، ومن حكمه بنجاسة شيء، قولاً له بتحريمه. ومن الملاحظ أن الاستدلال بالتلازم مما يصعب طرده في الأحكام الشرعية، نظراً لخصوصيات كثير من الوقائع الجزئية، ولما يتطلب فيها من الشروط، ولوجود الاستثناءات الكثيرة التي لا تتفق مع الاستدلالات المنطقية. فالملازمة في الأحكام الشرعية ظنية وليست قطعية. فلا نستطيع أن نستنتج من ملازمة النجاسة لكأس الحجام في العادة، الآراء والمذاهب والأحكام، فلا نستطيع الاستنتاج من كونه كأس حجام أنه نجس، لجواز أن يكون جديداً لم يستعمل، أو أنه استعمل ولكن أزيلت نجاسته بالغسل أو غيره، كما لا نستطيع أن ندعي أنه ليس بكأس حجام، إن لم يكن نجساً. وكون الوضوء ملازماً للغسل لا يلزم من ثبوت الغسل ثبوته، ولا من نفيه نفي الغسل، نظراً لجزئية الملازمة، وعدم عمومها جميع الأزمان والأحوال. فالوضوء لازم للغسل إذا سلم من النواقض حالة إيقاعه فقط. وعلى هذا فلا يصح استنتاج بعض العلماء أن الغسل لا يجزئ عن الوضوء، وأنه لا بد للمغتسل من الوضوء، لأنه بنى رأيه هذا على أن الملازمة الشرعية كالملازمة العقلية، وعلى أنها تقتضي انتفاء الملزوم أي المقدم، من انتفاء اللازم أي التالي. فلو كان الوضوء لازماً للغسل، للزم انتفاء الغسل بانتفائه، أي إذا أحدث المغتسل حدثاً أصغر لزمه الغسل، وهذا أمر مخالف للإجماع، وإذا لم تكن بينهما ملازمة فلا بد للمغتسل من الوضوء، وإن الاغتسال من دون الوضوء لا يجزئ عنه. وهذا الاستنتاج غير صحيح، لأن الملازمة بين الوضوء والغسل ملازمة جزئية خاصة ببعض الأحوال، وهي حالة الابتداء فقط، وأما بعد ذلك فلا ملازمة بينهما (١) وهذا بخلاف الملازمة الكلية التي تترتب عليها مثل هذه

стр. 278

الأحكام. كلزوم العقل للمكلف، فإنه يصح أن نستنتج من حكم إمام يرى أن كل مكلف عاقل، بكون فرد ما مكلفاً، أنه عاقل، ومن كونه غير عاقل، أنه غير مكلف (١). ومما يمكن أن يدخل في هذا المجال ما ذكره أبو حامد الغزالي في شفاء الغليل، ومنه: أ- الاستدلال بالنتيجة على المنتج وبعدمها على عدم المنتج، ووجه دلالة ذلك- كما يقول الغزالي- واضحة، ومثل لذلك بأن العالمية نتيجة العلم وقيامه بالذات، فنقول الباري- عالم، فدل على قيام العلم به. فمن وصفه بأنه عالم لزمه أن يكون العلم قائماً به. ومن ذلك أن نستنتج من قول الفقيه عن بيع ما: أنه بيع لا يفيد الملك، إنه بيع غير منعقد، ومن قوله: هذا نكاح لا يفيد الحل، إنه غير منعقد، ومن قوله المقارض: أنه لا يملك ربح الربح، إنه لا يملك الربح نفسه. (٢). ب- الاستدلال على الشيء بوجود خاصيته، كالاستدلال على أن الوتر نفل أو ليس بفرض بأنه يؤدى على الراحلة. فلو فرض أن المقتدى به أداه على الراحلة، أو صرح بجواز ذلك، فإنه يلزم من ذلك أن يكون مذهبه أنه ليس بفرض، وذلك لما عرف من أن الأداء على الرواحل هو خاصية النوافل، فلا تؤدى فريضة على الراحلة بحال. وهذا الاستنتاج ونسبة ما يترتب عليه إلى ما جوز ذلك، مبني على التسليم بالخاصية، إذ معنى الخاصية الملازمة لذات الشيء بحيث لا تنفصل عنه (٣).

стр. 279

٤ - ومما عد من لوازم المذهب ما إذا نص الإمام على قولين مختلفين، أو علل مسألة بعلة نقضها في موضع آخر، فإن لازم مذهبه أن يخرج له في كل مسألة قولان أحدهما نص عليه والآخر لزم من قوله في المسألة الأخرى. وهذا الأمر ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه (١)، وقد سبق لنا أن بحثنا حكم مثل هذا اللازم في موضوع النقل والتخريج. تلك بعض الصور التي تمثل لازم المذهب، وقد أعرضنا عن ذكر بعض ما يمكن أن يدخل في هذا المجال، كالمفهوم المخالف والتقريرات، لأنه سبق الكلام عنها، وعن صحة نسبة الآراء إلى الأئمة، إن كانت مستندة إليها، في مصادر التخريج فاستغنينا بذكرها هناك عن إعادتها في هذا المجال، ولكننا ذكرنا القواعد والأصول، لتصريحهم بنسبة أقوال إلى بعض العلماء على أنها من لوازم المذهب، بناء عليها، دون إعادة لتفصيلات ما ذكر بشأنها في موضعها. وبعد أن أوضحنا المقصود من لازم المذهب، ومن المجالات التي يدخل فيها نذكر آراء العلماء بشأن صحة نسبة لازم المذهب للإمام. لقد اختلف العلماء في ذلك، لكن اختلافهم هذا كان في حالة ما إذا سكت الإمام ولم يصرح بالتزامه ما يلزم من قوله، أما لو صرح بذلك، وقال بالتزامه ما يلزم من قوله، فليس ذلك موضع خلاف. ففي الحالة الأولى ذكر الشيخ محمد بخيت المطيعي (٢) ثلاثة أقوال في المسألة، ولكنه لم يتعرض

стр. 280

لكل الصور المتقدمة، بل بنى تلك الآراء على مسألة إلحاق المسكوت عنه بنظيره المنصوص عليه من قبل الإمام، وفق ما طرحه الأسنوي في نهاية السول. وهذه الأقوال، هي: القول الأول: إنه ينسب إليه مطلقاً بلا قيد أنه مخرج. والقول الثاني: إنه ينسب إليه مقيداً بأنه قول مخرج لا منصوص، حتى لا يلتبس بالمنصوص. والقول الثالث: إنه لا ينسب إليه مطلقاً. وقال الشيخ: إن أصحهما هو القول الثاني (١) وفي طائفة من كتب الأصول ذكرت الآراء في هذه المسألة حين الكلام عن نسبة القول بالتكليف بالمحال إلى أبي الحسن الأشعري بناءً على قواعده وأصوله، وإن لم يكن قد نص على ذلك بشيء، كما سبقت الإشارة إليه. ومهما يكن من أمر فإنه من تتبع أقوال العلماء في هذا الشأن نجد ثلاثة أقوال في ذلك، وهي: ١ - القول الأول: إن لازم المذهب ليس بمذهب، وعلى هذا لا تصح نسبته إلى الإمام، وهذا ما صوبه شيخ الإسلام ابن تيمية في حالة عدم التزام صاحب المذهب به (٢) وهو ما اختاره وصححه الزركشي في البحر المحيط (٣) ولعل وجهة نظرهم مبنية على ما يأتي:

стр. 281

أ- إن لازم القول قد لا يخطر على بال الإمام. وربما لو نبه إليه لصرح بخلافه، فالغفلة عن ذلك ممكنة، والتناقض في الرأي من غير المعصوم جائز. قال ابن تيمية: (ومن سوى الأنبياء يجوز أن يلزم قوله لوازم لا يتفطن للزومها، ولو تفطن لكان إما أن يلتزمها أو لا يلتزمها، بل يرجع عن الملزوم، أو لا يرجع عنه ويعتقد أنها غير لوازم) (١). ب- إن تحديد لوازم القول من الأمور التي يجوز أن يقع فيها الخطأ والوهم، فضلاً عن أن بعض اللوازم مما لم يتفق على اعتبارها والاعتداد بها. وقد خطأ الشيخ محمد الخضيري- ﵀ (٢) من نسب التكليف بالمحال إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري (ت ٣٢٤هـ) بناءً على الأصلين الذين ذكرناهما سابقاً، وقال إنه لا يلزم منهما ما قالوه ووجه تخطئته لهم بهذا الشأن (٣). ج- إننا لو التزمنا بذلك لأدى الأمر إلى تكفير كثير من العلماء كتكفير من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات إنه مجاز وليس بحقيقة، لأن لازم هذا القول يستلزم التعطيل والأخذ بأقوال غلاة الملاحدة (٤).

стр. 282

٢ - القول الثاني: إن لازم المذهب مذهب، وإنه تصح نسبته إلى الإمام، ولسنا نعلم علماء معينين ذهبوا إلى ذلك، ومن ذكروا هذا القول لم ينسبوه إلى أحد. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ) ذكر أن الأثرم والخرقي وغيرهما يجعلون اللازم مذهباً للإمام (١). غير أنه جعل لازم المذهب معنى شاملاً لنص الإمام في مسألتين متشابهتين على قولين مختلفين، وعلى تعليله مسألة بعلة ينقضها في موضع آخر. وهذا موضوع آخر يدخل في نطاق القياس على ما نص عليه المجتهد، وفي نطاق ما يسمى (النقل والتخريج) مما سبق الكلام عنه. ولم تذكر لهذا القول أدلة، ولكن يمكن أن يسعفوا بأدلة من جوز النقل والتخريج، وأن يقال بأن الظاهر من الإمام أن تكون أحكامه مطردة ومنسجمة وغير متناقضة، وإلحاق لازم المذهب بالمذهب يحقق مثل هذا الانسجام، ويدرأ عنه شائبة التناقض والاختلاف. ٣ - القول الثالث: التفصيل في المسألة، وقد اختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وخلاصة رأيه أن لازم قول الإنسان نوعان: أحدهما: لازم قوله الحق، وهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، وأن يضاف إليه، إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره، لأن لازم الحق حق. وثانيهما: لازم قوله الذي ليس بحق، فهذا لا يجب التزامه. ووجهة نظر الشيخ- ﵀ أن إضافة لازم قوله الحق إليه، إن علم من حاله أنه يرضاه، بعد وضوحه، هو الظاهر من اقتضاء اللزوم، وأن كثيراً

стр. 283

مما يضيفه الناس إلى مذاهب الأئمة من هذا الباب. أما لازم قوله الذي ليس بحق فلا يعد قولاً له ولا تصح نسبته إليه، لما يترتب على ذلك من المفاسد، ومن نسبة أقوال باطلة إليه، يتضمن كثير منها تكفيره، وأكثر ما في نسبة ذلك إليه أن ينسب إلى التناقض، وهذا لا خير فيه، لأن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين (١) وهذا مشروط بأن يعرف من حاله أنه لو ظهر له فساده لم يلتزمه، أما إذا عرف من حاله التزامه مع ذلك، فقد يضاف إليه (٢). وفي الحق إن عد لازم المذهب مذهباً، ونسبة ذلك إلى المجتهد من الأمور المشكلة، وقد تترتب عليه نتائج سيئة وثمرات خطيرة، من أبرزهما اللوازم التي يكفر الذاهب إليها. ونسبة ذلك إليه، وإن كان حقاً وصواباً، فيه نوع من المجازفة أيضاً، فالمجتهد ليس معصوماً، وقد يكون غافلاً عن تلك اللوازم، ولا ندري فيما لو عرضت عليه أكان يقبلها أم يرفضها. وقد لاحظنا كيف أن بعض العلماء خطأ تخريجات للعلماء السابقين، بنوها على لوازم أقوال بعض الأئمة. والدقة تقتضي عدم جواز نسبة ذلك إلى الأئمة، والتعبير عن ذلك بأسلوب احترازي، كأن يقال: مقتضى مذهبه أو قواعده، كذا، أو أن قاعدته أو رأيه في المسألة الفلانية يستلزم كذا. أمثلة فقهية للازم المذهب: ومما يتضح به ما يذكرونه في لازم المذهب الأمثلة الآتية: ١ - الإقالة وهل هي فسخ أو بيع؟ اختلف العلماء في الإقالة (٣)، فذهب مالك وأبو يوسف إلى أنها بيع،

стр. 284

وهو رواية عن الإمام أحمد- ﵀، وذهب الشافعي ومحمد بن الحسن إلى أنها فسخ، وهو رواية عن أحمد- ﵀، واختارها وصححها كثير من علماء الحنابلة. وعند أبي حنيفة- ﵀ أنها فسخ في حق المتعاقدين بيع في حق ثالث (١). وقد ترتب على هذه الآراء لوازم مختلفة، تتناسب مع تلك الآراء، وتمثل ثمرة الخلاف في ذلك. فمن قال أنها فسخ لزمته أحكام متعددة منها: جوازها قبل القبض وبعده، وعدم استحقاق الشفعة بها، وعدم حنث من حلف لا يبيع بها (٢). وصحتها بعد النداء لصلاة الجمعة (٣). ومن قال أنها بيع لزمه أن لا يجوز ذلك قبل القبض فيما يعتبر فيه القبض، وأن تستحق بها الشفعة، ويحنث بها من حلف لا يبيع (٤)، وعدم صحتها بعد النداء لصلاة الجمعة. ومن تلك اللوازم أيضاً، أنه لو اشترى عبداً كافراً من كافر فأسلم، ثم أراد الإقالة، فإن قلنا إنها بيع لم يجز، وإن قلنا إنها فسخ جار. ولو تقايل البائع والمشتري في عقود الربا، فإن قلنا إنها بيع وجب التقابض في المجلس، وإن قلنا إنها فسخ لم يجب. ولو استخدم المشتري المبيع بعد الإقالة، فإن قلنا: إنها بيع فلا أجرة عليه، وإن قلنا إنها فسخ فعليه الأجرة. ٢ - التدبير- وهل هو وصية أو عتق بصفة؟

стр. 285

ومما يمثل ما نحن بصدده التدبير، الذي هو تعليق العتق بالموت (١). فهل هو وصية أو عتق بصفة؟ للحنابلة في هذه المسألة روايتان ينبني على كل واحدة منهما لوازم تختلف عن اللوازم التي تنبني على الأخرى. ومن هذه اللوازم: لو قتل المدبر سيده، فإن من قال إن التدبير وصية يلزم رأيه أن لا يعتق المدبر لأن الموصى له إذا قتل الموصي، بعد الوصية، لم يعتق. وتلك طريقة ابن عقيل. ومن قال إنه عتق بصفة لزمه أن يعتق. ومن قال: إنه وصية يلزمه اعتباره في الثلث، ولو باع المدبر ثم اشتراه فهل يكون بيعه رجوعاً فلا يعود تدبيره أو لا يكون رجوعاً فيعود؟ فعلى القول بأنه وصية، فإن الوصية تبطل بخروجه عن ملكه، وإن قلنا: هو عتق بصفة عاد بعود الملك، بناءً على الأصل عندهم في عود الصفة بعودة الملك في العتق والطلاق. ولو جحد السيد التدبير، فقد قال الأصحاب: إن قلنا هو عتق بصفة لم يكن رجوعاً، وإن قلنا هو وصية فوجهان، بناءً على أن جحد الموصي الوصية هل هو رجوع أو لا. وقد خرج العلماء طائفة من الأحكام المختلفة بهذا الشأن، بناءً على الاختلاف في مذاهبهم في الحكم على حقيقة التدبير، وهل هو وصية أو عتق بصفة (٢). ٣ - وفي مسألة رفع الحدث بالوضوء نجد من العلماء من قال: إن كل عضو غسل ارتفع حدثه دون النظر إلى بقية الأعضاء، ومنهم من قال إن الحدث لا يرتفع إلا بكمال الوضوء. وقد جاء في القاعدة (٥٤) من قواعد المقري (اختلف المالكية في الحدث هل يرتفع عن كل عضو بالفراغ منه،
следующие страницы →