أ- إن لازم القول قد لا يخطر على بال الإمام. وربما لو نبه إليه لصرح بخلافه، فالغفلة عن ذلك ممكنة، والتناقض في الرأي من غير المعصوم جائز. قال ابن تيمية: (ومن سوى الأنبياء يجوز أن يلزم قوله لوازم لا يتفطن للزومها، ولو تفطن لكان إما أن يلتزمها أو لا يلتزمها، بل يرجع عن الملزوم، أو لا يرجع عنه ويعتقد أنها غير لوازم) (١).
ب- إن تحديد لوازم القول من الأمور التي يجوز أن يقع فيها الخطأ والوهم، فضلاً عن أن بعض اللوازم مما لم يتفق على اعتبارها والاعتداد بها. وقد خطأ الشيخ محمد الخضيري- ﵀ (٢) من نسب التكليف بالمحال إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري (ت ٣٢٤هـ) بناءً على الأصلين الذين ذكرناهما سابقاً، وقال إنه لا يلزم منهما ما قالوه ووجه تخطئته لهم بهذا الشأن (٣).
ج- إننا لو التزمنا بذلك لأدى الأمر إلى تكفير كثير من العلماء كتكفير من قال عن الاستواء أو غيره من الصفات إنه مجاز وليس بحقيقة، لأن لازم هذا القول يستلزم التعطيل والأخذ بأقوال غلاة الملاحدة (٤).
стр. 282
٢ - القول الثاني:
إن لازم المذهب مذهب، وإنه تصح نسبته إلى الإمام، ولسنا نعلم علماء معينين ذهبوا إلى ذلك، ومن ذكروا هذا القول لم ينسبوه إلى أحد. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ) ذكر أن الأثرم والخرقي وغيرهما يجعلون اللازم مذهباً للإمام (١). غير أنه جعل لازم المذهب معنى شاملاً لنص الإمام في مسألتين متشابهتين على قولين مختلفين، وعلى تعليله مسألة بعلة ينقضها في موضع آخر. وهذا موضوع آخر يدخل في نطاق القياس على ما نص عليه المجتهد، وفي نطاق ما يسمى (النقل والتخريج) مما سبق الكلام عنه.
ولم تذكر لهذا القول أدلة، ولكن يمكن أن يسعفوا بأدلة من جوز النقل والتخريج، وأن يقال بأن الظاهر من الإمام أن تكون أحكامه مطردة ومنسجمة وغير متناقضة، وإلحاق لازم المذهب بالمذهب يحقق مثل هذا الانسجام، ويدرأ عنه شائبة التناقض والاختلاف.
٣ - القول الثالث:
التفصيل في المسألة، وقد اختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وخلاصة رأيه أن لازم قول الإنسان نوعان:
أحدهما: لازم قوله الحق، وهذا مما يجب عليه أن يلتزمه، وأن يضاف إليه، إذا علم من حاله أنه لا يمتنع من التزامه بعد ظهوره، لأن لازم الحق حق.
وثانيهما: لازم قوله الذي ليس بحق، فهذا لا يجب التزامه.
ووجهة نظر الشيخ- ﵀ أن إضافة لازم قوله الحق إليه، إن علم من حاله أنه يرضاه، بعد وضوحه، هو الظاهر من اقتضاء اللزوم، وأن كثيراً
стр. 283
مما يضيفه الناس إلى مذاهب الأئمة من هذا الباب.
أما لازم قوله الذي ليس بحق فلا يعد قولاً له ولا تصح نسبته إليه، لما يترتب على ذلك من المفاسد، ومن نسبة أقوال باطلة إليه، يتضمن كثير منها تكفيره، وأكثر ما في نسبة ذلك إليه أن ينسب إلى التناقض، وهذا لا خير فيه، لأن التناقض واقع من كل عالم غير النبيين (١) وهذا مشروط بأن يعرف من حاله أنه لو ظهر له فساده لم يلتزمه، أما إذا عرف من حاله التزامه مع ذلك، فقد يضاف إليه (٢).
وفي الحق إن عد لازم المذهب مذهباً، ونسبة ذلك إلى المجتهد من الأمور المشكلة، وقد تترتب عليه نتائج سيئة وثمرات خطيرة، من أبرزهما اللوازم التي يكفر الذاهب إليها. ونسبة ذلك إليه، وإن كان حقاً وصواباً، فيه نوع من المجازفة أيضاً، فالمجتهد ليس معصوماً، وقد يكون غافلاً عن تلك اللوازم، ولا ندري فيما لو عرضت عليه أكان يقبلها أم يرفضها.
وقد لاحظنا كيف أن بعض العلماء خطأ تخريجات للعلماء السابقين، بنوها على لوازم أقوال بعض الأئمة.
والدقة تقتضي عدم جواز نسبة ذلك إلى الأئمة، والتعبير عن ذلك بأسلوب احترازي، كأن يقال: مقتضى مذهبه أو قواعده، كذا، أو أن قاعدته أو رأيه في المسألة الفلانية يستلزم كذا.
أمثلة فقهية للازم المذهب:
ومما يتضح به ما يذكرونه في لازم المذهب الأمثلة الآتية:
١ - الإقالة وهل هي فسخ أو بيع؟
اختلف العلماء في الإقالة (٣)، فذهب مالك وأبو يوسف إلى أنها بيع،
стр. 284
وهو رواية عن الإمام أحمد- ﵀، وذهب الشافعي ومحمد بن الحسن إلى أنها فسخ، وهو رواية عن أحمد- ﵀، واختارها وصححها كثير من علماء الحنابلة. وعند أبي حنيفة- ﵀ أنها فسخ في حق المتعاقدين بيع في حق ثالث (١).
وقد ترتب على هذه الآراء لوازم مختلفة، تتناسب مع تلك الآراء، وتمثل ثمرة الخلاف في ذلك. فمن قال أنها فسخ لزمته أحكام متعددة منها: جوازها قبل القبض وبعده، وعدم استحقاق الشفعة بها، وعدم حنث من حلف لا يبيع بها (٢). وصحتها بعد النداء لصلاة الجمعة (٣). ومن قال أنها بيع لزمه أن لا يجوز ذلك قبل القبض فيما يعتبر فيه القبض، وأن تستحق بها الشفعة، ويحنث بها من حلف لا يبيع (٤)، وعدم صحتها بعد النداء لصلاة الجمعة.
ومن تلك اللوازم أيضاً، أنه لو اشترى عبداً كافراً من كافر فأسلم، ثم أراد الإقالة، فإن قلنا إنها بيع لم يجز، وإن قلنا إنها فسخ جار. ولو تقايل البائع والمشتري في عقود الربا، فإن قلنا إنها بيع وجب التقابض في المجلس، وإن قلنا إنها فسخ لم يجب.
ولو استخدم المشتري المبيع بعد الإقالة، فإن قلنا: إنها بيع فلا أجرة عليه، وإن قلنا إنها فسخ فعليه الأجرة.
٢ - التدبير- وهل هو وصية أو عتق بصفة؟
стр. 285
ومما يمثل ما نحن بصدده التدبير، الذي هو تعليق العتق بالموت (١). فهل هو وصية أو عتق بصفة؟
للحنابلة في هذه المسألة روايتان ينبني على كل واحدة منهما لوازم تختلف عن اللوازم التي تنبني على الأخرى. ومن هذه اللوازم:
لو قتل المدبر سيده، فإن من قال إن التدبير وصية يلزم رأيه أن لا يعتق المدبر لأن الموصى له إذا قتل الموصي، بعد الوصية، لم يعتق. وتلك طريقة ابن عقيل. ومن قال إنه عتق بصفة لزمه أن يعتق.
ومن قال: إنه وصية يلزمه اعتباره في الثلث، ولو باع المدبر ثم اشتراه فهل يكون بيعه رجوعاً فلا يعود تدبيره أو لا يكون رجوعاً فيعود؟
فعلى القول بأنه وصية، فإن الوصية تبطل بخروجه عن ملكه، وإن قلنا: هو عتق بصفة عاد بعود الملك، بناءً على الأصل عندهم في عود الصفة بعودة الملك في العتق والطلاق.
ولو جحد السيد التدبير، فقد قال الأصحاب: إن قلنا هو عتق بصفة لم يكن رجوعاً، وإن قلنا هو وصية فوجهان، بناءً على أن جحد الموصي الوصية هل هو رجوع أو لا.
وقد خرج العلماء طائفة من الأحكام المختلفة بهذا الشأن، بناءً على الاختلاف في مذاهبهم في الحكم على حقيقة التدبير، وهل هو وصية أو عتق بصفة (٢).
٣ - وفي مسألة رفع الحدث بالوضوء نجد من العلماء من قال: إن كل عضو غسل ارتفع حدثه دون النظر إلى بقية الأعضاء، ومنهم من قال إن الحدث لا يرتفع إلا بكمال الوضوء. وقد جاء في القاعدة (٥٤) من قواعد المقري (اختلف المالكية في الحدث هل يرتفع عن كل عضو بالفراغ منه،
стр. 286
كما تخرج منه الخطايا أو بالإكمال؟) (١) وقد تضاربت آراء علماء المالكية في نسبة هذه القاعدة للمذهب، فأنكرها طائفة منهم وصحح نسبتها آخرون. جاء في إيضاح المسالك عن بعض العلماء (وما زال الحذاق من الشيوخ يبنون عليه، وتظهر فائدته في مسائل. وذلك كاف في ثبوت الخلاف في مثله) (٢).
وقد ترتب على ذلك أن ألزموا من قال إن كل عضو يطهر على انفراد، جواز مس المصحف لمن غسل وجهه ويديه، وتفريق النية على الأعضاء (٣).
٤ - وفي الخلع اختلف العلماء في تكييفه، فذهب الجمهور منهم إلى أنه طلاق، وبه أخذ مالك وأبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين. وذهب الآخرون إلى أنه فسخ، وبذلك أخذ الشافعي في قوله القديم، وأحمد في رواية أخرى، وغيرهم من العلماء. وهو رأي ابن عباس من الصحابة (٤) وهذا الخلاف يلزمه الخلاف في كثير من الفروع الفقهية.
فمن قال إن الخلع طلاق يلزمه أن الخلع ينقص عدد الطلقات، فلو كان طلقها اثنتين ثم خالعها، حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره، وكذا لو خالعها ثلاثاً. وأما من قال إن الخلع فسخ فلا تحرم عليه حتى لو خالعها مائة مرة. وقالوا: إن الخلاف هنا هو في حالة ما إذا خالعها بغير لفظ الطلاق ولم ينوه (٥).
стр. 287
الباب الثاني
في مراتب المخرجين وصفاتهم وشروطهم
وأنواع الأحكام المخرجة
الفصل الأول: مراتب المخرجين بين طبقات الفقهاء.
الفصل الثاني: شروط وصفات علماء التخريج.
الفصل الثالث: أنواع الأحكام المخرجة.
стр. 288
الفصل الأول
مراتب المخرجين بين طبقات الفقهاء
تمهيد: في التأليف في الطبقات:
المبحث الأول: تقسيم وترتيب ابن كمال باشا.
المبحث الثاني: تقسيم وترتيب ابن الصلاح.
المبحث الثالث: تقسيم وترتيب ابن حمدان.
المبحث الرابع: تقسيمات أخر.
стр. 289
الفصل الأول
مراتب المخرجين بين طبقات الفقهاء
تمهيد: في التأليف في الطبقات:
ومما يتصل بموضوعنا معرفة طبقات الفقهاء، ومراتبهم، وموضع علماء التخريج من تلك المراتب لقد صنف العلماء في طبقات الفقهاء كتباً كثيرة، كما هو الشأن في سائر العلوم فمنهم من كان تصنيفه شاملاً (١)، ومنهم من قصر ذلك على علماء مذهبه (٢)، ومنهم من ألف في طبقات مناطق معينة (٣). ولسنا نعلم على وجه أكيد أول من ألف في طبقات الفقهاء، لكن ابن السبكي يذكر في طبقاته أن أول من بلغه أنه ألف في هذا المجال هو أبو حفص عمر بن علي المطوعي المتوفى في حوالي سنة ٤٤٠هـ (٤) مع اشتداد بحثه، وكثرة تنقيبه في هذا المجال. ومع ذلك فإن ابن السبكي لم يقف على هذا
стр. 290
الكتاب، وإنما اطلع- كما قال- على منتخب انتخبه منه ابن الصلاح (ت ٦٤٣هـ) (١)، ثم تتالت المؤلفات بعد ذلك وكثرت، ومن الممكن الاطلاع على طائفة منها في مقدمة منها في مقدمة كتاب طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي، وفي مقدمة محقق كتاب طبقات الشافعية للأسنوي (ت ٧٧٢هـ)، الدكتور عبد الله الجبوري.
ونظراً إلى أن هذه الكتب كانت في تراجم الفقهاء وترتيبهم بحسب الزمن، وأن أكثرها جعل فقهاء كل مائة سنة طبقة، فإن هذا لن يفيدنا في بحثنا الذي نحن بصدده، ولهذا فإننا سنعرض عن استعراض أمثال هذه الكتب في هذا المجال.
إن الذي يخدم موضوعنا هو ترتيب العلماء بحسب قدراتهم العلمية، وإمكانات الاجتهاد والتخريج عندهم. ومن أقدم ما اطلعنا عليه في هذا المجال منهج ابن الصلاح (ت ٦٤٣هـ) في كتابه (أدب المفتي والمستفتي)، وقد تابعه على منهجه وتقسيماته كثيرون، وربما خالفه بعضهم مخالفة يسيرة. وبعد ذلك اشتهر منهج حنفي في التقسيم والترتيب، وضعه أحمد بن سليمان المعروف بابن كمال باشا (ت ٩٤٠هـ) (٢) ونظراً إلى اشتهار ترتيب ابن الكمال المذكور، وزيادة ما ذكره من طبقات على ما جاء عند غيره فسوف نبدأ بذكر وجهة نظره، وإن كان متأخراً عن غيره في الزمان، مبينين ما قيل فيه، وما أبدى عليه من ملحوظات. ثم نتبع ذلك بالتقسيمات الأخر.
стр. 291
المبحث الأول
تقسيم وترتيب ابن كمال باشا (ت ٩٤٠هـ)
جعل ابن كمال باشا الفقهاء سبع طبقات، وذلك في رسالته المسماة طبقات الفقهاء (١) أو طبقات المجتهدين في مذهب الحنفية، كما جاء في كشف الظنون (٢). وهذه الطبقات هي:
١ - الطبقة الأولى: طبقة المجتهدين في الشرع، كالأئمة الأربعة، ومن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول واستنباط أحكام الفروع من الأدلة الأربعة، ومن غير تقليد لا في الفروع ولا في الأصول.
٢ - الطبقة الثانية: طبقة المجتهدين في المذهب، كأبي يوسف ومحمد بن الحسن وسائر أصحاب أبي حنيفة، القادرين على استخراج الأحكام من الأدلة الأربعة- أي الكتاب والسنة والإجماع والقياس- على حسب القواعد التي قررها أستاذهم، فهم، وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع، لكنهم يقلدونه في قواعد الأصول. وبذلك يمتازون عن المعارضين له في المذهب كالشافعي ونظرائه المخالفين لأبي حنيفة- ﵀ في الأحكام، غير المقلدين له في الأصول.
٣ - الطبقة الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب كالخصاف (٣). وأبي جعفر
стр. 292
الطحاوي (١). وأبي الحسن الكرخي، وشمس الأئمة الحلواني (٢)، وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، وفخر الدين قاضي خان (٣)،
стр. 293
وغيرهم. فهم لا يقدرون على مخالفة الإمام لا في الأصول ولا في الفروع، لكنهم يستنبطون الأحكام في المسائل التي لا نص فيها على حسب أصول قررها، ومقتضى قواعد بسطها.
٤ - الطبقة الرابعة: طبقة أهل التخريج من المقلدين كالرازي وأضرابه، فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، لكنهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم المآخذ، يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم محتمل لأمرين منقول عن صاحب المذهب، أو عن أحد أحصابه المجتهدين برأيهم، ونظرهم، في الأصول والمقايسة، على أمثاله ونظائره في الفروع، وما وقع في بعض المواضع من الهداية (١) من قوله: كذا في تخريج الكرخي، وتخريج الرازي من هذا القبيل.
٥ - الطبقة الخامسة: طبقة أصحاب الترجيح كأبي الحسن القدوري، وصاحب الهداية وأمثالهما. وشأنهم في تفضيل بعض الروايات على بعض آخر، بقولهم هذا أولى، وهذا أصح رواية، وهذا أوضح، وهذا أوفق للقياس، وهذا أرفق بالناس.
٦ - الطبقة السادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر المذهب، وظاهر الرواية، والروايات النادرة كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين كصاحب الكنز (٢) وصاحب
стр. 294
المختار (١) وصاحب الوقاية (٢)، وصاحب المجمع (٣). وشأنهم أن لا ينقلوا في كتبهم الأقوال المردودة والروايات الضعيفة.
٧ - الطبقة السابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر، ولا يفرقون بين الغث والسمين، ولا يميزون الشمال من اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب ليل، فالويل لمن قدلهم كل الويل (٤).
وقد اعتمد كثير من العلماء الترتيب المذكور، دون تعليق، أو ملحوظات هامة. وممن اعتمده من المتقدمين المعاصرين لابن كمال باشا، عصام الدين أبو الخير أحمد بن مصطفى المعروف بطاش كوبري زادة المتوفى سنة ٩٦٨هـ، في مقدمة كتابه الموجز (طبقات الفقهاء) (٥). حيث ذكر هذه الطبقات، على وفق ما جاء في كلام ابن كمال باشا، دون تعليق أو تغيير أو إشارة إلى صاحب التقسيم، ثم جاءت بنصها أيضاً في كلام ابن عابدين (ت ١٢٥٢هـ) في رسالة شرح عقود رسم المفتي، وفي كتابه (رد المحتار على الدر المختار) (٦) واعتمد ذلك أيضاً طائفة غير قليلة ممن كتب في تاريخ التشريع والفقه الإسلامي من المعاصرين. وبموجب الترتيب والتقسيم المذكور يكون ابن كمال باشا قد جعل الفقهاء المجتهدين ثلاث طبقات، والفقهاء المقلدين أربع طبقات، كما أنه جعل المخرجين من المقلدين وفي أعلى طبقاتهم، ولم يدخلهم في المجتهدين.
стр. 295
ومن الملاحظ على وصف هذه الطبقات وبيان بعض رجالها، أنه نعت طائفة من عمالقة الفكر والفقه الحنفي بالتقليد، وبأنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، وجعل تلاميذ الإمام أبي حنيفة المشهورين أبا يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهما، من المجتهدين في المذهب المقلدين لإمامهم في الأصول، وإن خالفوه في بعض الفروع.
وقد أثار ذلك طائفة من متعصبي الحنفية، فحملوا على هذا التقسيم والترتيب، ونعتوا ابن كمال باشا بأنه ليس أهلاً لهذا اللقب- أي ابن الكمال- وأن بضاعته في الفقه مزجاة (١). وكان من أشد هؤلاء هارون بن بهاء الدين المرجاني (ت ١٣٠٦هـ) (٢) في كتابه (ناظورة الحق في فرضية العشاء، وإن لم يغب الشفق)، والشيخ محمد زاهد الكوثري (ت ١٣٧١هـ) (٣) في كتابه (حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف
стр. 296
القاضي) (١) وتابعهم على ذلك د. محمد بن عبد اللطيف صالح الفرفور في كتابه (الوجيز في أصول الاستنباط) (٢) وأهم ما انصب عليه النقد أمران: الأمر الأول في ترتيب الطبقات والأمر الثاني في توزيع الفقهاء عليها.
فبالنسبة إلى الأمر الأول لم يتضح فرق بين الطبقتين الخامسة والسادسة، وذلك لأن أصحاب الطبقة السادسة إن كانوا قادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف وظاهر الرواية وظاهر المذهب والرواية النادرة، فهم من أصحاب الترجيح الذين عدهم ابن الكمال في الطبقة الخامسة، وفي كلامه عن الطبقة الرابعة قال عنهم: (طبقة أهل التخريج)، ولكنه في شرحه لعملهم لم يتضح فرفق بين عملهم وعمل أهل الطبقة الخامسة، إذ جعل عملهم تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم محتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب، أو عن أحد أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع. وعلى هذا فهم من أهل الترجيح. والتخريج في استعمله لا يعني غير توجيه الاختيار أو الأخذ بأحد الوجهين. وأما الأمر الثاني فإنه وضع طائفة من فحول العلماء في مواضع لا تليق بهم، ونعتهم بالمقلدين، وقال عن بعضهم بأنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، فمن ذلك أنه جعل الأئمة الثلاثة من تلامذة الإمام أبي حنيفة في طبقة المجتهدين في المذهب، وأنهم مقلدون في قواعد الأصول. ولم يسلموا له ذلك، بل عدوهم مجتهدين اجتهاداً مطلقاً، ونفوا أن يكونوا مقلدين له في الأصول. وقالوا: إن أريد بالأصول الأدلة الأربعة- أي الكتاب والسنة والإجماع والقياس-، فهذا لا وجه له، لأن هذه الأصول مستند كل الأئمة، وملجؤهم في أخذ الأحكام فلا يتصور مخالفة غيره له فيها، وإن أريد بها غير ذلك فلا يسلم له بأنهم لم يخالفوه، بل كان لكل واحد منهم أصول مختصة به، تفرد بها عن أبي حنيفة وخالفه فيها. ومن ذلك (إن
стр. 297
الأصول في تخفيف النجاسة، تعارض الأدلة عند أبي حنيفة- ﵀ واختلاف الأئمة عندهما) (١). ومما نقدوه فيه في هذا المجال كلامه عن بعض العلماء كالخصاف والكرخي والطحاوي وأبي بكر الرازي، ونعتهم بأنهم مقلدون لا يقدرون على مخالفة أبي حنيفة، لا في الأصول ولا في الفروع. فلم يسلموا له ذلك وأبانوا بأن لهم اختيارات واستنباطات بالقياس، واحتجاجات بالمعقول والمنقول، ولبعضهم كالكرخي والرازي آراء خاصة انفردوا بها عن غيرهم، يعلمها كل من درس علم الأصول (٢).
وما ذكروه من ملحوظات ونقد لتقسيم وترتيب ابن كمال باشا وجيه، ولكن الأسلوب الذي اتبع، والعبارات التي استخدمت لا تليق بالنقد العلمي، ويكفي أن نذكر بعض عبارات المرجاني ليتضح ذلك. قال: (فإنه تحكمات باردة وخيالات فارغة، وكلمات لا روح لها، وألفاظ غير محصلة المعنى ولا سلف له في ذلك المدعى، ولا سبيل له في تلك الدعوى ... إلخ) (٣).
وقد تمخضت تلك الانتقادات عن اقتراحات وتعديلات في التقسيم والترتيب، نكتفي بأن نذكر منها ما يأتي:
أولاً: رأي الدهلوي:
جعل شاه ولي الله الدهلوي الفقهاء ضمن الطبقات الآتية:
١ - طبقة المجتهدين اجتهاداً مطلقاً، وهي قسمان:
أ- طبقة المجتهدين المستقلين كالأئمة الأربعة.
стр. 298
ب- طبقة المجتهدين المنتسبين الذين أخذوا بأصول شيوخهم، مع قدرتهم على استنباط المسائل منها.
٢ - طبقة المجتهدين في المذهب، وهم المتمكنون من تخريج الأحكام على نصوص إمامهم.
٣ - طبقة مجتهدي الفتيا: وهم المتبحرون في مذهب إمامهم، المتمكنون من ترجيح قول على آخر، أو وجه على آخر.
٤ - طبقة المقلدين تقليداً صرفاً (١).
ويلاحظ أن هذا المنهج جعل الطبقات خمساً. فأدخل بعضها في بعض، لكنه لم يتخلص من النقد الموجه لابن كمال باشا في جعله تلاميذ الأئمة مقلدين له في الأصول.
ثانياً: رأي الشيخ أبي زهرة (٢):
لاحظ الشيخ أبو زهرة – ﵀ أن الطبقات الثالثة والرابعة والخامسة، في ترتيب ابن كمال باشا، متداخلة وغير متميزة، واقترح لكي تتميز الطبقات أن تكون هذه الطبقات طبقتين إحداهما طبقة المخرجين الذين يستخرجون أحكاماً لمسائل لم تؤثر لها أحكام من أصحاب المذهب الأوائل، والطبقة الثانية طبقة المرجحين، الذين يرجحون بين الروايات المختلفة، ورأى أن الطبقة الثانية التي يعتبرونها أصحاب أبي حنيفة، وينزلون بأصحابها عن مرتبة المجتهدين المستقلين التابعين لشيخهم، لا وجود لها وبذلك
стр. 299
تصبح الطبقات خمساً (١). وإذا نظر إلى ما وصفوا به الطبقة السابعة، وأن المنتمين إليها (لا يفرقون بين الغث والسمين، ولا يميزون الشمال من اليمين، بل يجمعون ما يجدون كحاطب ليل، فالويل لمن قلدهم كل الويل) (٢) لم يكن عدهم من الفقهاء صواباً، بل هم نقلة ليس غير.
وعلى هذا فنستطيع أن نستنتج من كلامه أن الطبقات عنده أربع، هي:
١ - طبقة المجتهدين، وهي تشمل أبا حنيفة وتلاميذه، وهم المجتهدون اجتهاداً مطلقاً.
٢ - طبقة المخرجين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب. وهؤلاء هم المجتهدون في المذهب.
٣ - طبقة المرجحين بين الأقوال المختلفة.
٤ - طبقة المفتين الذين يتتبعون الأحكام، ويبحثون عما رجحه سلفهم من العلماء.
والطبقات الثلاث الأولى من المجتهدين، أما الطبقة الرابعة فتمثل المقلدين الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ومن لم يكن من إحدى هذه الطبقات فليس من الفقهاء.
ثالثاً: رأي الدكتور محمد عبد اللطيف الفرفور:
وممن أسهموا في هذا الموضوع د. محمد عبد اللطيف الفرفور في كتابه (أصول الاستنباط) فقد وجه نقداً شديداً لترتيب ابن كمال باشا، ولمن وافقوه على ذلك كابن عابدين، وأثنى على من سبقوه في هذا النقد كالمرجاني والشيخ محمد زاهد الكوثري، واقترح تقسيم الفقهاء إلى ثلاث طبقات هي:
١ - طبقة المجتهدين، أي القادرين، بعد استفراغ وسعهم، على تحصيل
стр. 300
الظن بالحكم الشرعي.
٢ - طبقة المتبعين: أي السالكين طريق غيرهم والمحصلين للحكم من الدليل بالطريق التي أخذ بها المتبوع.
٣ - طبقة المقلدين: أي العاملين بقول من ليس قوله حجة، بلا حجة.
وجعل طبقة المتجهدين، على نوعين:
أ- طبقة المجتهدين اجتهاداً مطلقاً كالأئمة الأربعة وتلاميذهم.
ب- طبقة المجتهدين المقيدين بالمذهب، وهم المجتهدون بالمذهب، الذين تدخل فيهم طبقة المخرجين ومجتهدي المسائل، الذين عدهم ابن كمال باشا وابن عابدين ومن تابعهما طبقتين، مع أنهم طبقة واحدة.
وجعل طبقة المتبعين شاملة للطبقتين الرابعة والخامسة عند ابن كمال باشا، وعدهما طبقة واحدة هي طبقة أهل الترجيح.
وجعل طبقة المقلدين متناولة للطبقة السادسة من طبقات ابن كمال باشا، وهي طبقة المقلدين الذين لا يرجحون بين الأقوال والروايات، لكنهم على علم بما رجحه السابقون واختاروه، وبينوا أنه الأقوى (١).
وعلى هذا يكون قد ألغى الطبقة السابعة عند ابن كمال باشا من عداد الفقهاء، وقصر ترتيبه على الطبقات الست مدخلاً بعضها في بعضها الآخر، واستدرك ما جاء في كلام الشيخ أبي زهرة، في جعله أهل الترجيح بين الأقوال المختلفة من المجتهدين، ورأى أنهم ليسوا من أهل الاجتهاد.
стр. 301
المبحث الثاني
تقسيم وترتيب ابن الصلاح (ت ٦٤٣هـ)
وقد جعل ابن الصلاح في كتابه (أدب المفتي والمستفتي) المفتين خمس طبقات، وتدخل ضمن قسمين رئيسين، هما المفتي المستقل والمفتي غير المستقل وجعل المفتي غير المستقل أربع درجات، وبذلك تكون طبقاته خمساً نذكرها على الوجه الآتي:
أولاً: المفتي المستقل، وهو عنده (الذي يستقل بإدراك الأحكام الشرعية من غير تقليد وتقيد بمذهب أحد) (١) فهو مجتهد مطلق. وذكر أن مثل هذا المجتهد قد طوي بساطه منذ دهر طويل، وأن أمر الفتوى أصبح من نصيب الفقهاء المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة (٢).
ثانياً: المفتي غير المستقل، ولهذا المفتي أحوال أربعة تنبني عليها أربع طبقات وهي:
١ - الطبقة الأولى: ويمثلها من بلغ درجة الاجتهاد المطلق من الكتاب والسنة، ولكنه ينتسب إلى أحد الأئمة المجتهدين، لكونه قد سلك طريقه في الاجتهاد ودعا إلى سبيله، وقد يختلف عنه في الفروع الفقهية، بناءً على اختلاف اجتهادهم في ذلك (٣).
٢ - الطبقة الثانية: ويمثلها من كان مجتهداً في مذهب إمامه ومقيداً به، فهو
стр. 302
يقرر مذاهبه بالدليل، لكنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده. ويفهم من كلام ابن الصلاح أن هذه الطبقة تعد من أهل التخريج، إذ ذكر من صفات المفتي فيها (أن يكون عالماً بالفقه خبيراً بأصول الفقه، عارفاً بأدلة الأحكام تفصيلاً بصيراً بمسالك الأقيسة والمعاني، تام الارتياض في التخريج والاستنباط، قيما بإلحاق ما ليس بمنصوص عليه في مذهب إمامه بأصول مذهبه وقواعده) (١) ومع ذلك فإن هذا الفقيه لا يعرى عن شائبة التقليد، لإخلاله ببعض العلوم والأدوات المعتبرة في المستقل، كأن يخل بالحديث أو العربية (٢). وقد أطلق على فقيه هذه الطبقة اسم (مجتهد المذهب) (٣)، وسماه السيوطي؛ (مجتهد التخريج) (٤)، كما اشتهر إطلاقهم على أصحاب هذه المرتبة (أصحاب الوجوه والطرق). وما يخرجه هذا الفقيه يقال في شأن صحة نسبته إلى الإمام ما سبق الكلام عنه مفصلاً، وقد ذكروا أن من هذه حاله لا يتأذى به فرض الكفاية، وإن كان يتأدى به الغرض في الفتوى (٥).
٣ - الطبقة الثالثة: ويمثلها من كان "فقيه النفس حافظاً لمذهب إمامه، عارفاً بأدلته، قائماً بتقريرها، وبنصرته، يصور ويحرر ويمهد ويقرر ويزيف ويرجح) (٦) فهو لم يبلغ ما بلغه علماء الطبقة السابقة من حفظ المذهب، ولم يرتض في التخريج والاستنباط كارتياضهم، وقد عد ذلك صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المئة الخامسة من الهجرة (٧) وقد أطلق عليه لقب (مجتهد الترجيح) (٨).
стр. 303
٤ - الطبقة الرابعة: وهي تنتظم من يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في واضحات المسائل ومشكلاتها ولكنه يتسم بالضعف في تقرير الأدلة وتحرير الأقيسة، ففتواه تعتمد على ما ينقله من نصوص الأئمة، وما لا يجده منقولاً ليس له أن يفتي فيه إلا إذا وجد في المذهب نصاص في معناه، بحيث يدرك من دون فضل فكر وتأمل، أن لا فرق بينهما. أو كان يدخل تحت ضابط منقول ممهد في المذهب (١) وقد أطلق عليه بعضهم لقب (مجتهد الفتيا) (٢).
وبذلك تكون الطبقات عنده خمساً تدخل ضمن قسمين رئيسين الأول المجتهد المستقل، والثاني المجتهد غير المستقل. والمجتهد المستقل هو المجتهد المطلق من أصحاب المذاهب، كالأئمة ونظرائهم، وأما غير المستقل فأعلى مراتبه المجتهد المطلق المنتسب إلى أحد المذاهب، ويمثل ذلك تلاميذ الأئمة، وبذلك يكون المجتهد المطلق أعم من المجتهد المستقل، لأنه يشمل الأئمة المجتهدين من أصحاب المذاهب، والمجتهدين من تلاميذهم. فالقسم الأول عنده يمثل الطبقة الأولى عند ابن كمال باشا، والطبقة الأولى من القسم الثاني تمثل الطبقة الثانية عند ابن كمال باشا، لكن ابن الصلاح يعدهم من المجتهدين اجتهاداً مطلقاً (٣)، وابن كمال باشا يعدهم من المجتهدين في المذهب، والطبقة
стр. 304
الثانية من القسم الثاني عند ابن الصلاح هي الطبقة الثالثة عند ابن كمال باشا.
أما الطبقة الثالثة من القسم الثاني عنده فتشمل الطبقات الرابعة والخامسة والسادسة عند ابن كمال باشا، والطبقة الرابعة من القسم الثاني يمكن أن تكون ممثلة بالطبقة السابعة عند ابن كمال باشا، لكن الملاحظ أن ابن كمال باشا جعل المخرجين الذين هم الطبقة الثالثة عنده ومن بعدهم من المقلدين، ونعتهم بذلك. أما ابن الصلاح فعدهم من المجتهدين، وإن كان بعضهم لا يخلو عن شائبة التقليد، وباستثناء الطبقة الأخيرة عنده التي هي طبقة مجتهدي المذهب (١).
стр. 305
المبحث الثالث
تقسيم وترتيب ابن حمدان
ومن هذه التقسيمات ما ذكره ابن حمدان (ت ٦٩٥هـ) في كتابه صفة الفتوى والمفتي والمستفتي. وقد تأثر في ذلك بابن الصلاح، ونقل كثيراً من عباراته، لكنه أضاف إليه قسمين آخرين فصار المجتهدون عنده أربعة أقسام، تشمل سبع طبقات، وهي مرتبة كالآتي:
١ - القسم الأول: المجتهد المطلق.
٢ - القسم الثاني: المجتهد في مذهب إمامه أو مذهب إمام غيره، وجعل له أربعة أحوال وهي:
أ- الحالة الأولى: أن يكون غير مقلد لإمامه في الحكم والدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى ودعا إلى مذهبه، مثل أصحاب الأئمة كأبي يوسف ومحمد والمزني وغيرهم.
ب- الحالة الثانية: أن يكون مجتهداً في مذهب إمامه مستقلاً بتقريره بالدليل، لكن لا يتعدى أصوله وقواعده، مع إتقانه للفقه وأصوله، وأدلة مسائل الفقه، عارفاً بالقياس ونحوه، تام الرياضة، قادراً على التخريج والاستنباط وإلحاق الفروع بالأصول والقواعد لإمامه، وهذه صفة المجتهدين أرباب الأوجه والتخاريج والطرق.
ج- الحالة الثالثة: وهي حالة من لم يبلغ رتبة أصحاب الأوجه والتخاريج والطرق، ولكنه فقيه النفس، يقرر ويجوز ويزيف ويرجح، وربما تطرق بعضهم إلى تخريج قول واستنباط وجه واحتمال.
стр. 306
د- الحالة الرابعة: حالة من يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه (١).
٣ - القسم الثالث: المجتهد في نوع من العلم، فمن أراد أن يفتي في مسألة قياسية لا تتعلق بالحديث، فله أن يفتي بذلك إن كان عالماً بالقياس وشروطه. ومن عرف الفرائض فله أن يفتي فيها، وإن جهل أحاديث النكاح مع ذكره لخلاف العلماء في هذا الشأن.
٤ - القسم الرابع: "المجتهد في مسائل أو في مسألة وليس له الفتوى في غيرها. وأما فيها فالأظهر جوازه، ويحتمل المنع، لأنه مظنة القصور والتقصير" (٢).
وبموجب هذا التقسيم تصبح الطبقات عنده سبعاً، تضم كل طبقة منها نوعاً من المجتهدين. والطبقات الخمس الأولى التي تدخل في القسمين الأول والثاني هي الطبقات المذكورة في تقسيم وترتيب ابن الصلاح كما ذكرنا، وما أضافه إلى ذلك وعده المجتهدين اجتهاداً جزئياً، سواء كان ذلك في نوع معين من العلوم، أو في مسألة خاصة، من مراتب الطبقات، يتعلق بمسألة تجزؤ الاجتهاد، وهي مسألة مختلف فيها بين الأصوليين (٣) وبوجه عام فإن المجتهد الذي هو من هذا القبيل يمكن دخوله في الطبقات الأخر، وتقسيمات وترتيبات غيره لا تمنعه. وإنما ذكرنا ابن حمدان، وإن كان لم يأت بجديد، بسبب ما نقله عنه كثير من علماء الحنابلة (٤).
стр. 307
المبحث الرابع
في تقسيمات أخر
وقد أدلى طائفة من العلماء بدلوهم في هذا المجال، وتقسيماتهم لا تعدو أن تكون تكراراً، لما ذكره ابن الصلاح، مع تعديلات يسيرة، ليست ذات أثر في هذا المجال.
أ- فمن هؤلاء ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١هـ) (١)، الذي جعل الذين نصبوا أنفسهم للفتوى أربعة أقسام، هي المجتهد المطلق، والمجتهد المقيد في مذهب من ائتم به، والمجتهد في مذهب من انتسب إليه، والمقلد تقليداً محضاً (٢). وهو بهذا اتبع منهج ابن الصلاح، لكنه طوى إحدى الطبقات وأدخلها في الطبقة التي قبلها، إذ جعل أهل التخريج، وهم أصحاب الوجوه والطرق، وأهل الترجيح، طبقة واحدة، هي طبقة المجتهد في مذهب من انتسب إليه، وسمى أهل الفتوى، المقلدين تقليداً محضاً.
стр. 308
ب- ومن أولئك العلماء أيضاً عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي الشنقيطي (ت ١٢٣٥هـ) (١) فقد ذكر في منظومته مراقي السعود وشرحها نشر البنود، مراتب العلماء على الوجه الآتي:
١ - المجتهد المطلق.
٢ - المجتهد المقيد وجعله قسمين:
أ- مجتهد المذهب، وهو الذي يقوم بتخريج الوجوه على نصوص إمامه أو قواعده (٢).
ب- مجتهد الفتيا وهو المتبحر في مذهب إمامه المتمكن من ترجيح قول على آخر.
٣ - حافظ المذهب، الذي ليس من الاجتهاد على شيء، ولكنه يقوم بحفظ المذهب وفهمه في الواضحات والمشكلات ومعرفة عامه وخاصة ومطلقه ومقيده.
ويفهم من كلامه أنه تابع ابن الصلاح، إذ مآل الطبقات عنده خمس، لأن المجتهد المطلق عنده لا بد أن يشمل تلاميذ الأئمة، فيكون المطلق عنده قسمين مستقلاً وغير مستقل، وذلك لأنه لم يجعل بين المطلق والمخرج طبقة
стр. 309
أدنى من المستقل ولا أعلى من المخرجين، فيفهم من ذلك أن المطلق عنده يشمل طبقتين، يضاف إليهما الطبقات الثلاث التي ذكرها فيما بعد (١).
خاتمة
ومن خلال استعراضنا أهم وجهات النظر في طبقات الفقهاء، نجد أن أصحاب هذه الوجهات متفقون على أن أهل التخريج يعدون من المجتهدين، وما جاء في تقسيم ابن كمال باشا من جعل الطبقة الرابعة طبقة أهل التخريج ونعتهم بأنهم من المقلدين لم يكن معنياً به المخرجين الذين نحن بصدد الكلام عنهم، بل المخرجون الذين هم موضوع بحثنا هم الذين ذكرهم في الطبقة الثالثة وسماهم طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب.
أما ابن الصلاح وابن حمدان ومن سار على منهجهما فقد صرحوا بذلك، وأطلقوا على المخرج (مجتهد المذهب) و (مجتهد التخريج) و (أصحاب الوجوه والطرق).
ولكن ينبغي أن يكون واضحاً أنه لا بد من تقييد نوع الاجتهاد عندهم، لأن المتبادر من الاجتهاد هو استنباط الحكم الشرعي من مصادره، وأقوال الأئمة أو قواعدهم ليست مصادر للحكم الشرعي، وما يتوصل إليه المخرجون هو مقتضى أقوال وقواعد الأئمة في المسائل التي لم يرد عنهم فيها نص. ليس غير. فهم مجتهدون من حيث القدرة على الاستنباط، ومقلدون من وجه من حيث استنادهم إلى نصوص الأئمة وقواعدهم، لا إلى الدليل الشرعي.
стр. 310
الفصل الثاني
شروط وصفات علماء التخريج
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: شروطهم وصفاتهم.
المبحث الثاني: في تحقق فرض الكفاية بهم.
стр. 311
المبحث الأول
شروط وصفات علماء التخريج
ذكرنا فيما سبق المرتبة التي يمثلها أهل التخريج بين طبقات أهل العلم، وعلمنا أنهم يعدون من المجتهدين، ولكنهم بمرتبة دون مرتبة أهل الاجتهاد المطلق.
ونظراً إلى أن موضوعنا يتعلق بالتخريج بخاصة، فإننا سنقصر كلامنا على السمات الأساسية في المخرجين. وهذه السمات يمكن أن تدخل ضمن نوعين من الشروط نذكرها فيما يأتي:
١ - النوع الأول: الشروط المتعلقة بشخصية المجتهد:
بغض النظر عن الجوانب العلمية فيه. وهي شروط لا فرق في لزومها بين المجتهد المطلق ومجتهد المذهب أو التخريج ومجتهد الفتوى. ومن هذه الشروط:
أ- أن يكون بالغاً عاقلاً (١) وذلك لأن غير البالغ غير مكتمل القوى العقلية، وقد خالف بعض العلماء في اشتراط ذلك، وادعوا أن الاجتهاد من غير البالغ متصور (٢). وأما العقل فلا بد منه لأنه مناط التكليف، ولأنه آلة المجتهد الأساسية. والمراد من ذلك أن يكون الفقيه سليم الإدراك،
стр. 312
خالياً من العيوب التي تشين العقل، وتنقصه، كالجنون والعته والسفه (١).
ب- أن يكون مؤمناً بشريعة الإسلام. وهذا الشرط من الأمور المعلومة بداهة، ولهذا لم يذكره أغلب العلماء، غير أن طائفة منهم، مع بداهته، نصت عليه. فقد ذكر الآمدي في الإحكام، أن من شروط المجتهد أن يعلم وجود الرب- تعالى- وما يجب له من صفات، ويستحقه من الكمالات، وأن يكون مصدقاً بالرسول- ﷺ وما جاء به من الشرع المنقول (٢).
كما نص على ذلك ابن الهمام وغيره (٣) لكن إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت ٧٩٠هـ) ذكر أن النظار (أجازوا وقوع الاجتهاد في الشريعة من الكافر المنكر لوجود الصانع والرسالة والشريعة (٤)).
وهذا كلام غريب قال الشيخ عبد الله دراز (ت ١٣٥١هـ) ﵀ معقباً على ذلك: (ما هي ثمرة هذا التجويز؟ هل يقلده المسلمون فيما استنبطه من الأحكام الشرعية، وهذا غير معقول، أم يعمل هو بها؟ وهذا لا يعنينا ولا يعد اجتهاداً في الشريعة (٥)). ومقتضى هذه الدعوى تجويز اجتهادات المستشرقين من أعداء الإسلام، والمنكرين لنبوة محمد- ﷺ وهذا باطل يقيناً.
ج- أن يكون فقيه النفس (٦). والمقصود بذلك أن يكون شديد الفهم بالطبع
стр. 313
لمقاصد الكلام، أي أن يكون له استعداد فطري يؤهله للاجتهاد. وعد إمام الحرمين هذا الفقه رأس مال المجتهد، وقال إنه أمر جبلي، ولا يتأتى كسبه وتحصيله بحفظ الكتب (١).
د- أن يكون عدلاً (٢) بأن يجتنب الكبائر، ويتقي الصغائر في غالب أحواله (٣). أو أن تكون له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة. والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة، من شرك، أو فسق، أو بدعة (٤).
وعبر الباجي (ت ٤٧٤هـ) (٥) عن هذا الشرط بقوله: (أن يكون مع ذلك مأموناً في دينه، موثوقاً به في فضله (٦)). وصحح بعض العلماء أن العدالة ليست شرطاً في الاجتهاد، لجواز أن يكون للفاسق قوة الاجتهاد (٧).
стр. 314
ولكنها شرط لقبول فتواه والعمل بموجبها (١).
تلك هي الشروط المتعلقة بشخص المجتهد أما غير ذلك من شروط كالحرية والذكورة فقد نص على عدم الاعتداد بها بعض الأصوليين وأهملها أكثرهم. وإنما لم يعتد بهما، لإمكان حصول الاجتهاد مع عدمهما (٢)، ولأن الصحابة قد رجعوا إلى فتاوى عائشة- ﵂ (٣) وسائر أزواج النبي- ﷺ .
ولأن التابعين أخذوا بفتاوى نافع (٤)، مولى عبد الله بن عمر (٥) وعكرمة (٦)
стр. 315
مولى عبد الله بن عباس، قبل عتقهما (١).
وهذه الشروط عامة لكل المجتهدين، سواء كانوا مجتهدين اجتهاداً مطلقاً، أو من المجتهدين في المذهب، أو من المجتهدين في الفتوى.
٢ - النوع الثاني: الشروط المتعلقة بالجانب العلمي للمجتهد:
وفيما يتعلق بالشروط العلمية للمجتهد اختلفت وجهات النظر في أعداد ما يحتاج إليه المجتهد من العلوم، ويرجع ذلك إلى أن بعضهم جمع طائفة من العلوم في علم واحد وكان أبو الفتح الشهرساني (ت ٥٤٨هـ) (٢) قد حصر هذه العلوم في خمسة، هي شروط الاجتهاد عنده، وهي:
أ- معرفة قدر صالح من اللغة، بحيث يمكنه من فهم لغات العرب، والتمييز بين الألفاظ الوضعية والاستعارية والنص والظاهر وغير ذلك من وجوه الدلالة التي هي الآلة التي يحصل بها الشيء.
ب- معرفة تفسير القرآن، وبخاصة ما يتعلق بالأحكام، معرفة تحيط بما جاء حولها من أخبار، وما كان موقف الصحابة المعتبرين منها، وما الذي فهموه منها.
стр. 316
ج- معرفة الأخبار بمتونها وأسانيدها، والإحاطة بأحوال النقلة والرواة، تعديلاً وجرحاً، وبالوقائع والمناسبات الخاصة فيها، وبعامها الوارد على سبب خاص، وبخاصها الذي عمم حكهم، والفرق بين الوجوب والندب والحظر والإباحة، حتى لا يشذ عنه وجه من الوجوه، ولا يختلط عليه باب بباب.
د- معرفة مواقع الإجماع، حتى لا يقع اجتهاده مخالفاً له.
هـ- معرفة مواضع القياس، وكيفية النظر، والتردد فيها (١).
والذي يبدو من تتبع كلام الأصوليين أن الشهرستاني أتى بخلاصة آرائهم بتركيز. ذلك أن كثيراً مما ذكره بعض الأصوليين كان تفريعاً وتنويعاً، أو شرحاً وضبطاً لهذه الشروط. وقد جمع السيوطي العلوم المشترطة في الاجتهاد، فذك خمسة عشر علماً، ورفض الاعتداد بثلاثة علوم أخر، هي المعرفة بالدليل العقلي، أي البراءة الأصلية، التي عدها ابن السبكي في جملة الشروط (٢). وقال السيوطي إن إفرادها شرطها لا حاجة له، لأنها من جملة أصول الفقه. والعلم الثاني علم الكلام والثالث المنطق الذي قال عنه: إنه أقل وأذل من أن يذكر (٣).
ومن الملاحظ على ما عده السيوطي وآخرون علماً مستقلاً، أنه يمكن أن يدخل بعضه في بعض. ومن أمثلة ذلك أن السيوطي ذكر علم اللغة، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، والبديع، على أنها ستة علوم (٤)، مع أن أغلب العلماء يعدون ذلك شيئاً واحداً، هو معرفة قدر صالح من لغة وأساليب العرب. ولهذا فسنعرض عن مثل هذا المنهج، ونكتفي بذكر
стр. 317
المعاني الجامعة لتلك العلوم. لقد شرطوا في المجتهد، في الجانب العلمي، إحاطته بما يأتي:
أ- العلم بالمدارك المثمرة للأحكام، أي مصادر التشريع وأدلته، علماً يتحقق به المقصود. وهذه المدارك هي:
١ - الكتاب: وهو أهم ما يجب العلم به، وبما يتصل به من علوم تساعد على فهمه وإدراك مراميه. ولا يشترط أن يعرف جميعه، بل شرطه أن يعرف ما يتعلق بالأحكام (١). وقد قدرها كثيرون بخمسمائة آية (٢)، وقدرها آخرون بما هو أكثر من ذلك، فقيل إنها تسعمائة، وقيل إنها ثلاثمائة وألف، وقيل أكثر (٣).
ولا يشترط حفظها، بل يكفي أن يكون عالماً بمواقعها، مستطيعاً الرجوع إليها وقت الحاجة (٤). ولبعض العلماء رأي آخر، وهو أن الأحكام لا يقصر استنباطها على الآيات الخاصة بذلك، بل من الممكن أخذها من الآيات التي فيها القصص والمواعظ (٥). وفي الكوكب المنير أن التنصيص على خمسمائة آية، ربما كان المقصود به ما دل على الأحكام بدلالة المطابقة، (وأما بدلالة الالتزام فغالب القرآن، بل كله، لأنه لا يخلو شيء منه عن حكم يستنبط منه) (٦).
وينبغي له أن يعرف تفسيره، وما نقل من مأثور بشأن معانيه، وأن يحيط
стр. 318
بأسباب نزوله، وأن يعرف ناسخه ومنسوخه.
٢ - السنة: والشرط فيها أن يعلم متونها ومعانيها وطرقها وأسانيدها، بأن يعلم متواترها ومشهورها وآحادها، والسند الذي رويت به، وحال الرواة، وقوة الحديث بمعرفة الصحيح والحسن والضعيف منه. ولا يشترط أن يكشف عن ذلك بنفسه، بل يكفي فيه الأخذ من أولي الشأن، أو المتخصصين في ذلك (١). وفي جمع الجوامع وشرحه للجلال المحلي (٢). أنه يكفي في زمانهم الرجوع إلى أئمة الحديث كالإمام أحمد والبخاري (٣)
стр. 319
ومسلم (١) وغيرهم، فيعتمد عليهم في التعديل والتجريح لتعذر ذلك في زمانهم (٢) وكان أبو إسحاق الشيرازي يقول بمثل ذلك قبلهم (٣)، وممن وافق على ذلك الفخر الرازي في المحصول (٤) وإذا كان الأمر كذلك في زمان الشيرازي وابن السبكي فلأن يكون الاعتماد على مثل هذه المراجع في زماننا أولى. ويكفي عند جمهور الأصوليين أن يعرف الأحاديث المتعلقة بالأحكام. وما نقل عن الإمام أحمد- ﵀ في أن الرجل لا يكون فقيهاً حتى يحفظ أربعمائة ألف حديث، أو ستمائة، فمبالغة. وهو محمول على الاحتياط والتغليظ في الفتيا (٥).
٣ - معرفته بمواقع الإجماع، حتى لا يأتي بحكم مخالف له. ولا يلزمه أن يحفظ جميع مواقع الإجماع والخلاف، بل عليه أن يعلم في كل مسألة يجتهد فيها، أن اجتهاده فيها ليس مخالفاً للإجماع (٦).
٤ - معرفة الدليل العقلي، أي البراءة الأصلية، ومعرفة أننا مكلفون بالتمسك
стр. 320
بها إلا إذا ورد ما يصرفنا عنها، من نص أو إجماع (١).
ويبدو أن هذا الشرط غير معتد به عند من لا يحتج بالاستصحاب. وقد رجح الشوكاني (٢) ذلك، وقال: (وهو الحق، لأن الاجتهاد إنما يدور على الأدلة الشرعية، لا على الأدلة العقلية، ومن جعل العقل حاكماً، فهو لا يجعل ما حكم به داخلاً في مسائل الاجتهاد) (٣).
ب- العلم بالطرق والوسائل الممكنة من الاستنباط الصحيح من الأدلة. وأهم ما يتناوله ذلك:
١ - معرفته باللغة العربية وأساليبها وطرق دلالتها. وذلك لأن الكتاب والسنة، وهما منبع الأحكام الشرعية ومصدرها الأساس، عربيان، فلا بد أن يعرف المجتهد من علوم العربية ما يمكنه من فهم خطاب العرب، وعاداتهم في الاستعمال، إلى الدرجة التي يستطيع بها تمييز صريح الكلام وظاهره ومجمله ومبينه وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومطلقه ومقيده وغير ذلك، مما له تعلق بالفهم المطلوب لكل من الكتاب والسنة. ولا يشترط في ذلك أن يبلغ مبلغ الخليل بن أحمد (ت ١٧٠هـ) (٤)