← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14324

الهداية إلى أوهام الكفاية

الإسنوي

Полный текст (594 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

من حديث عقبة بن عامر. قال أبو إسحاق: وقد أدركنا الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين. وإنما ذكر هذا، لأن حديث عقبة في رجاله ابن لهيعة ومشرح بن هاعان، ولا يحتج بحديثهما. انتهى. ودعوى الإجماع مردودة، فقد رأيت في ((تعليق)) القاضي الحسين ما نصه: وقال علي- ﵁: ((عزائم السجود أربع: في ((الم تنزيل))، و ((حم)) السجدة، والنجم، وسورة ((اقرأ باسم ربك)). هذا كلامه، ورأيت في ((الإنابة)) للفوراني مثله، أيضًا. والمراد بـ ((أبي إسحاق)) هنا هو السبيعي، منسوب إلى جد له يقال [له]: السبيع، بسين مفتوحة مهملة، ثم باء موحدة مكسورة، بعدها ياء بنقطتين من تحت، ثم عين مهملة. واقتصار المصنف على كنيته غريب. تنبيه: ذكر المصنف ألفاظًا: منها: مشرح، وهو بميم مكسورة، وشين معجمة ساكنة، وراء مهملة مفتوحة، وحاء مهملة. ومنها: هاعان: بهاء وعين مهملة. ومنها في الحديث: تشزن الناس للسجود، أي: استعدوا- هو بتاء مفتوحة، ثم شين معجمة مفتوحة- أيضًا- بعدها زاي معجمة مشددة، ثم نون. ومنها: أنه رأى نغاشيًا، فسجد لله. والنغاشي، قيل: إنه ناقص الخلقة، وقيل: هو مختلط العقل. انتهى. والنغاشي: بنون مضمومة، ثم غين وشين معجمتين، وفي آخره ياء مشددة للنسب. ويروى أيضًا بحذف الياء على وزن ((اللغات)) و ((الغراب)). قال ابن الأثير بعد ذكره لهاتين الروايتين: هو القصير جدًا، الناقص الخلق، الضعيف الحركة. والحديث رواه البيهقي بإسناد ضعيف ومرسل. ومنها: أن عمر سجد عند فتح اليرموك، وعلي عند رؤية ذي الثديين قتيلًا بالنهروان. أما ((اليرموك)) فبياء مفتوحة مثناة من تحت، وراء مهملة ساكنة، وبالكاف: اسم لموضع بالشام كانت فيه واقعة عظيمة بين المسلمين والروم، انتصر فيه المسلمون. وأما ((الثدية)) فبالثاء المثلثة، تصغير ((الثدي)): وهو الذي يرتضع منه الطفل، ودخلت الثاء وإن كان مذكرًا كأنه أراد: قطعة من ثدي، وقيل: هو تصغير لـ ((الثندوة))،

стр. 142

بحذف النون، وهو رأس الثدي المسمى بالحلمة. ويروى: ((ذو اليدية)) بالياء المثناة من تحت، تصغير ((اليد)). ذكره جميعه ابن الأثير في ((النهاية))، وذكر المصنف الكلمة على أنها مثناة. قوله: ومن سجد في غير الصلاة كبر للإحرام رافعًا يديه، ثم يكبر للسجود، ويكبر للرفع. ثم قال: وفي قول الشيخ: للإحرام، دليل على أمرين: أحدهما: اشتراط النية، إذ لا إحرام بدونها، وهو مما لا خلاف فيه بين الأصحاب. والثاني: أنه يكون في حال استقراره قبل هويه إلى السجود إما قائمًا أو جالسًا. وكلامه من بعد يدل عليه، أيضًا. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن ما ادعاه من عدم الخلاف في اشتراط النية ليس كذلك، ففي ((الوسيط)) عدم اشتراطها، وممن نقله عنه الرافعي، وقد حكاه الإمام- أيضًا- وجهًا، وصرح بحكايته- أيضًا- الرافعي في آخر المسألة، فقال في كلامه على لفظ ((الوجيز)) ما نصه: في أقل سجود التلاوة أربعة أوجه: أحدها: أن الأقل سجدة بواجباتها في صلب الصلاة لا غير. والثاني: سجدة مع التحرم والتحلل والتشهد. والثالث: مع التحرم والتحلل لا غير. والرابع: مع التحرم لا غير. وجعل- أي الغزالي- أولها أصحها، وهو متأيد بما حكى عن الشافعي أنه قال: وأقله سجدة بلا شروع ولا سلام. هذه عبارته، وقد صرح المصنف وغيره بأن الساجد للتلاوة في الصلاة لا يحتاج إلى نية بالاتفاق، وذلك يزيد ما قلناه إيضاحًا. الأمر الثاني: أن ما اقتضاه كلامه من إيجاب الإحرام قبل الهوي غير مستقيم، لأن السجدة نافلة، والنوافل لا يجب فيها ذلك. قوله في المسألة: والتكبير في حال التحريم من تخريج ابن سريج، وقال الرافعي: إنه من تخريج أبي إسحاق. انتهى. وما نقله عن ابن سريج صحيح، فقد قال القاضي أبو الطيب في ((تعليقه)): إن ابن سريج خرج ذلك في الركوع، وإن أبا إسحاق خرجه في السجود. وأما ما نقله عن الرافعي من كون التخريج المذكور لأبي إسحاق فغلط، ليس له في ((الرافعي)) ذكر بالكلية، وقد تقدم من كلام القاضي ما يدفعه أيضًا.

стр. 143

قوله: من سجد للتلاوة في الصلاة كبر للسجود وللرفع منه. ثم قال: وعن أبي هريرة: أنه لا يكبر لهذا السجود ولا للرفع منه، حكاه عنه هكذا الشيخ أبو حامد وأبو الطيب وغيرهما، ورأيت فيما وقفت عليه من ((الحاوي)) أنه قال: يسجد من غير تكبير، ويرفع مكبرًا. ورأيت في ((تعليق)) القاضي الحسين عنه: أنه لا يكبر لرفع الرأس منه، وسكت عن التكبير للسجود. ثم قال بعد ذلك في الكلام على السجود في غير الصلاة ما نصه: ومذهب ابن أبي هريرة جار هنا- أيضًا- فلا يكبر للسجود ولا للرفع منه، صرح به أبو الطيب عنه. انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن ما نقله عن ((الحاوي)) عن ابن أبي هريرة ليس كذلك، بل فيه عنه عدم التكبير فيهما، موافقًا لما نقله عنه الشيخ أبو حامد وغيره، فقال: والوجه الثاني- وهو قول أبي علي بن أبي هريرة-: يسجد غير مكبر، ويرفع غير مكبر. هذه عبارته. الأمر الثاني: أن ما نقله عن أبي الطيب- أيضًا- ليس الأمر فيه كذلك، فإنه لم يتعرض لخلاف بالكلية فيما إذا سجد في الصلاة، لا عن ابن أبي هريرة ولا عن غيره، وأما في خارج الصلاة فقال ما نصه: وقال ابن أبي هريرة: يسجد من غير تكبير لإحرام ولا لغيره. هذا لفظه في ((تعليقته))، وهو الكتاب الذي ينقل عنه المصنف.

стр. 144

باب ما يفسد الصلاة قوله: إذا أحدث في صلاته بطلت صلاته، لقوله- ﵊: ((إذا فسا أحدكم في صلاته فلينصرف فليتوضأ، وليعد صلاته)) رواه أبو داود، وقال الترمذي: إنه حسن. ولا فرق في ذلك بين أن يفعله قصدًا أو سهوًا. ومن هنا يظهر لك أن ما يقع في بعض النسخ من تقييد البطلان بالحدث عامدًا لا صحة له. ثم قال: وإن سبقه الحدث ففيه قولان ... إلى آخره. وما ذكره من فساد التعبير بالعمد عجيب فاسد، فإن المعتمد للحدث قد يكون عالمًا بكونه في الصلاة، وقد يكون ساهيًا، وفي كلا الحالين تبطل صلاته بلا خلاف، وإنما القولان إذا سبقه الحدث، وكأنه يوهم أن تعمد الحدث مقابله وقسيمه سهو الصلاة، وليس كذلك. وقوله في الحديث: ((فسا)) هو بفتح الفاء وبعدها سين مهملة ثم ألف، أي: أخرج الريح، تقول منه: فسا فسوًا، والاسم: الفساء، بالمد. قوله: ويجب على المصلي إجابة النبي ﷺ ولا تبطل بها الصلاة، وقيل: إنها لا تجب وتبطل الصلاة بها. ثم قال: وألحق به أبو إسحاق إنذار الأعمى والصغير ونحوهما من الوقوع فيما يهلكه إذا لم يمكن الإنذار بغير الكلام، وهو الأصح في ((الحاوي)) واختيار جماعة، وقيل: إن ذلك لا يجب عليه، ولو فعله بطلت صلاته، كذا قاله في ((المهذب))، وغيره جزم بالوجوب وقال بالبطلان عند الإنذار، وفرق بين ذلك وبين إجابة النبي ﷺ بأنه قد لا يقع فيما يخاف عليه الهلاك، وجزم به البندينجي، وقال الرافعي: إنه الأصح عند الأكثرين. انتهى كلامه. وما نقله من حكاية خلاف في الوجوب غلط، وعزوه ذلك إلى ((المهذب)) غلط- أيضًا- فإن حاصل ما فيه إنما هو الجزم بالوجوب وحكاية الخلاف في البطلان، وقد صرح النووي في ((شرحه)) بذلك فقال: وجب الكلام بلا خلاف، وهل تبطل صلاته؟ فيه الوجهان. هذه عبارته.

стр. 145

قوله: أما لو تنحنح لامتناع القراءة إلا به فلا خلاف في أنها لا تبطل. انتهى. أطلق المسألة، وصورتها في القراءة الواجبة، كما قاله في ((شرح المهذب)) و ((التحقيق))، وسكت عن حكم المستحبة، والقياس تخريجها على الخلاف في الجهر، والأصح فيه: أنه ليس بعذر. قوله: وإن خطا ثلاث خطوات، أو ضرب ثلاث ضربات متواليات- بطلت صلاته، للإجماع على أن العمل الكثير يبطلها دون القليل، وليس لذلك ضابط، فرجع فيه إلى العرف، والعرف يعد الثلاث المتواليات كثيرة. ثم قال: وما ذكره الشيخ من البطلان بالثلاثة هو طريقة الشيخ أبي حامد، ولم يخالف منطوقها أحد من الأصحاب. نعم، مفهومها يقتضي أن الخطوة والخطوتين والضربة والضربتين لا تبطل، وبه صرح الشيخ في الباب بعده. انتهى كلامه. وما ادعاه من الاتفاق على البطلان بالثلاثة ليس كذلك، فإن لنا وجهًا حكاه الرافعي والمصنف وغيرهما: أن الكثير ما يسع زمانه ركعة، والقليل: ما لا يسع، ولا شك أن الثلاثة تنقص عن الركعة، والذي أوقع المصنف فيما وقع فيه: أن الرافعي ادعى ذلك، وأخرج القائل بالركعة، فذهل عنه وادعى التعميم، فراجعه. قوله: وإن أكل عامدًا بطلت صلاته، لأنه يعد معرضًا عن الصلاة، ومنهم من لاحظ فيه كونه فعلًا ففرق بين القليل والكثير، قال الرافعي: والمرجع فيه على هذا قلة وكثرةً إلى العرف. وأفهم كلامه أن كلامهم عائد إلى قلة المأكول وكثرته، والذي يظهر على هذه الطريقة: أن يكون النظر إلى قلة الفعل والمضغ وكثرته. انتهى كلامه. وما نقله عن الرافعي من أن كلامه يفهم أنه راجع إلى المأكول لا إلى الأكل غير صحيح، لأن الرافعي إنما فرضه في الأكل خاصة، وليس فيه ما يوهم اعتبار المأكول بالكلية، فراجع كلامه تجده كذلك. ثم إن الرافعي قد نص على أن مجرد المضغ إذا كثر يبطل وإن لم يصل بسببه شيء إلى الجوف، لأنه فعل من الأفعال، فإذا كان الرافعي يبطل بالفعل الكثير عند عدم وصول شيء إلى الجوف بالكلية، فبطريق الأولى مع حصول شيء. قوله: ولا يدخل فيها وقد حضر العشاء ونفسه تتوق إليه، لقوله ﷺ : ((إذا قرب العشاء وقد حضرت الصلاة فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب)) رواه البخاري ومسلم. انتهى كلامه. والتقييد بقوله: ((قبل أن تصلوا صلاة المغرب)) من تفردات مسلم، ولم يروه البخاري.

стр. 146

قوله: ولست أعرف خلافًا أن الساهي البارق ... إلى آخره. يقال: برق البصر، يبرق، على وزن ((علم يعلم))، برقًا: إذا تحير، فهو بارق: أي متحير. متحير. وأما برق يبرق- كوزن ((خرج يخرج)) - فمعناه: تلألأ، والمصدر: البروق. قوله: وإن سلم على المصلي فيستحب له الرد بالإشارة، وفي ((التتمة)): أن الأولى: ألا يرد حتى يفرغ. وفي ((الذخائر)): أنه حكى عن الشافعي أن الرد بالإشارة في الصلاة مكروه. ثم قال: ولا يجب الرد في هذه الحالة، ولا بعد السلام بحال، لأن السلام لم يكن مشروعًا، بل قد نص الشافعي على كراهة السلام على الخطيب، قال ابن الصباغ: والمصلي أولى بذلك، ويشهد لكراهة ذلك قوه- ﵊ ((غرار في الصلاة ولا تسليم)) أخرجه أبو داود. قال أحمد بن حنبل: معنى ذلك فيما أرى: لا تسلم ولا يسلم عليك. وقيل غيره. انتهى. وما اقتضاه كلامه من نفي الخلاف في وجوب الرد غريب، فقد حكى الرافعي في كتاب السير وجهًا: أنه يجب الرد في الصلاة بالإشارة، ووجهًا آخر: أنه يجب الرد بعد السلام باللفظ. واعلم أن الحديث الذي ذكر المصنف رواه البيهقي بهذا اللفظ، ورواية أبي داود: ((في صلاة))، أعني بتنكير ((الصلاة)). والغرار- بكسر الغين المعجمة وتكرير الراء المهملة-: هو النقصان. وقد اختلف العلماء في ضبط قوله: ((ولا تسليم)): فروى منصوبًا، ومجرورًا: فمن نصبه عطفه على ((غرار)) أي: لا غرار ولا تسليم في الصلاة، وهذا هو معنى ما نقله المصنف عن أحمد. ومن جره عطفه على ((صلاة))، أي: لا غرار في صلاة ولا في تسليم، وبهذا جزم الخطابي، ويؤيده ما جاء في رواية البيهقي: ((لا غرار في تسليم ولا صلاة))، والغرار في التسليم: أن يسلم عليك إنسان فترد عليه أنقص مما قال بأن، قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فتقول: عليكم السلام، قال: وللغرار في الصلاة تفسيران: أحدهما: ألا يتم ركوعها وسجودها ونحو ذلك. والثاني: أن ينصرف وهو شاك: هل صلى ثلاثًا أو أربعًا مثلًا؟ قوله: وقول الشيخ: وإن بدره البصاق وهو في المسجد بصق في ثوبه، وحك بعضه ببعض- عام في المصلي وغيره. انتهى. والذي قاله ذهول، فإن الضمير في قوله: بدره، عام على المصلي، وكذلك

стр. 147

الضمائر التي قبله وبعده جميعها. قوله: وإن كان في غير المسجد بصق على يساره أو تحت قدمه اليسرى، هذا الكلام ليس على التخيير، بل هو على حالين، ويدل عليه ما روى أبو داود عن طارق بن عبد الله المحاربي قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا قام الرجل إلى الصلاة، أو: إذا صلى أحدكم- فلا يبزق أمامه ولا عن يساره، ولكن عن تلقاء يساره إن كان فارغًا، أو تحت قدمه اليسرى، ثم ليقل به)) وأخرجه الترمذي وقال: إنه حسن. وعلى هذا يجب حمل كلام الشيخ، أيضًا. انتهى كلامه. وهذا الكلام الذي ذكره عجيب جدًا، فإن الحديث صريح في التخيير، إلا أنه شرط في البصق على اليسار فراغه، وهذا لا شك فيه. وقول المصنف في الحديث: ((ولا عن يساره)) سبق قلم، وصوابه: عن يمينه. والمحاربي: بالحاء والراء المهملتين وبالباء الموحدة. قوله: ولو كان مروره من وراء السترة كره بلا خلاف كما أفهمه كلام الشيخ، لقوله ﷺ : ((لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي)) أخرجه مسلم. انتهى كلامه. وهذا الحديث ليس في ((صحيح)) مسلم، بل الذي فيه إنما هو الحديث المشهور الذي ذكر فيه: ((أربعين خريفًا))، وكذلك في ((البخاري)) - أيضًا- نعم، روى ابن ماجه معناه من رواية أبي هريرة عنه ﷺ ولفظه: ((لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدي أخيه معترضًا في الصلاة، كان لأن يقيم مائة عام خير له من الخطوة التي خطا)) قال ابن حبان: حديث صحيح.

стр. 148

باب سجود السهو قوله: وإن تكلم ناسيًا، أو سلم ناسيًا، أو قرأ في غير موضع القراءة- سجد للسهو. ثم قال: الثاني: أنه لا فرق في القراءة بين أن تكون الفاتحة أو بعضها أو غير ذلك، وهو في الفاتحة متفق عليه إذا كان على وجه السهو، وفي غير الفاتحة وجهان في ((الحاوي)). انتهى كلامه. وما ذكره من الاتفاق غريب، فإن المسألة فيها وجهان مشهوران في ((الرافعي)) وغيره من الكتب المشهورة، حتى جعل النووي الخلاف قويا فإنه عبر في ((الروضة)) و ((المنهاج)) بلفظ ((الأصح))، وقد أشار المصنف بعد هذا إلى ذكر هذا الخلاف. قوله: ومن هنا تؤخذ قاعدة قررها الأصحاب في الباب: أن ما لا يبطل الصلاة ارتكابه من المنهيات على وجه العمد لا يتقضي السجود سهوه. ولم يستثن من ذلك إلا قراءة الفاتحة أو غيرها في غير المحل. انتهى كلامه. وما ذكره من كونه لا يستثنى إلا هذه المسألة غريب، فإنه يستثنى من ذلك مسائل أخرى ذكرها الأصحاب مفرق: إحداها: القنوت قبل الركوع، فإن عمده لا يبطل الصلاة، مع أن سهوه يقتضي السجود على الأصح المنصوص، كما ذكره النووي في باب صفة الصلاة من ((زوائد الروضة)). الثانية: إذا طول ركنًا قصيرًا ساهيا، وقلنا: لو تعمده لم يضر- فإنه يسجد على الصحيح، كما ذكره من ((زياداته)) - أيضًا- في هذا الباب. الثالثة: إذا ترك التشهد الأول ناسيًا، وتذكره بعدما صار أقرب إلى القيام- فله أن يعود إليه، ثم إذا عاد سجد على ما صححه الرافعي في ((الشرح الصغير))، وتبعه النووي في ((المنهاج))، مع أنه لو تعمده لم تبطل صلاته، لأنه يجوز له أن يترك التشهد وينتصب. الرابعة- استثناها ابن أبي الصيف في ((النكت)) - وهو القاصر إذا زاد ركعتين سهوًا، فإنه يسجد، مع أنه يجوز له زيادتهما. وفي هذه بحث ذكرته في ((المهمات)).

стр. 149

قوله: وفي كلام الشيخ احتراز عن مذهب أبي عل بن خيران في أن من لم يكن خلف الإمام، لكن مقتديًا به في قدوة حكمية: كالطائفة الثانية في صلاة ذات الرقاع إذا خرجت إلى وجه العدو- فإنها إذا سهت في الركعة التي تأتي بها لا يحمل عنها عنده، وكذا المزحوم في الصلاة إذا سها فيما يأتي به- حيث تكون القدوة حكمية، كما ستعرفه- لا يتحمل عنه الإمام على رأي، والمنصوص: خلافه. انتهى. واعلم أن الإمام إذا قام إلى الثانية فيجوز للمقتدين به ألا يتموا الصلاة، وأن يذهبوا إلى مكان إخوانهم وجاه العدو وهم في الصلاة، فيقفون سكوتًا، وتجئ هذه الطائفة فتصلي مع الإمام ركعته الثانية، فإذا سلم ذهبت إلى وجه العدو ويقفون سكوتًا، وجاء الأولون إلى مكان الصلاة وأتموا لأنفسهم، وذهبوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى إلى مكان الصلاة وأتموا. هذه هو أصح القولين، ورواه ابن عمر، وفي قول: لا يجوز ذلك. ولم يذكر المصنف في صلاة الخوف خروج الفرقة الثانية إلى وجه العدو، فإنه لم يستوعب الكيفية كما استوعبها الرافعي، واقتصر في حكاية الخلاف على خروج الفرقة الأولى إلى وجه العدو ساكتة، وحينئذ فلم يذكر المصنف أن الطائفة الثانية تخرج إلى وجه العدو قبل الإتيان بالركعة حتى يفرع عليه، وبتقدير ذكره فإن إتيانها بالركعة على هذا التقدير إنما يكون بعد السلام، وحينئذ فلا يحمل مطلقًا، وكأنه أراد الطائفة الأولى فسبق القلم إلى الثانية، وأراد سهوها في مدة وقوفها ساكتة قبل إتيانها بالركعة، وعلى كل حال: لو لم يأت بقوله: إذا خرجت إلى وجه العدو، لاستقام. وقد علمت مما ذكرناه هاهنا ما يرد عليه في ذلك الباب، وعدم استيفاء الكيفية المختلف فيها. قوله: وإن سها إمامه تابعه في السجود، وقيل: لا تجب المتابعة على المسبوق مطلقًا. ثم قال: وقيل: إن كان سهوه قبل اقتدائه فلا يتابعه فيه، بخلاف ما إذا كان بعد اقتدائه، وقال الإمام: إنه الظاهر. انتهى كلامه. وهذا النقل عن الإمام غلط، فإن الإمام صحح أن السهو يتعدى حكمه إلى المسبوق، ثم فرع ما نقله عنه المصنف على الضعيف، وهو لا يتعدى، فراجعه. قوله: وإن ترك- أي الإمام- فعلًا مسنونًا، واشتغل بفرض لم يخرج به من الصلاة، مثل: أن ترك التشهد الأول، أو: ترك سجود التلاوة حين قرأ آية سجدة

стр. 150

تابعه، ولم يشتغل بفعله، لأن متابعة الإمام واجبة فلا تترك لأجل سنة، فلو اشتغل بفعله بطلت صلاته إن لم ينو مفارقته، وإن نوى مفارقته جاز على الأصح، لأن هذه مفارقة بعذر، صرح به في ((التهذيب)). انتهى كلامه. وما جزم به من كون ذلك مفارقة بعذر قد ذكر ما يخالفه في باب سجود التلاوة، وفرق بينه وبين التشهد والقنوت بأنهما من الأبعاض، بخلاف هذا، وقد تقدم ذكر لفظه هناك، فراجعه. قوله: في قول الشيخ: ((وإن لم يسجد حتى سلم الإمام ولم يطل الفصل سجد، وإن طال ففيه قولان، أصحهما: أنه لا يسجد)) -: إن ظاهر ما ذكره- يعني الشيخ- مفرع على أن محل السجود قبل السلام، وبذلك قيده الشارحون لكلامه. ولا يظهر للتقييد معنى، فإنا إذا قلنا: إن محله بعد السلام، إذا كان السهو زيادة ولم يطل الزمان سجد في وقت السجود، وإن طال ففيه القولان، صرح بهما البندنيجي وغيره. انتهى كلامه. واعلم أن ما قاله من عدم فائدة التقييد كلام غريب، فإن لنا قولًا ثالثًا: أنه يجوز قبل السلام وبعده، والشارحون قد ذكروا هذا القول، ثم قيدوا كلام الشيخ بما سبق، للاحتراز عنه، فاعلم ذلك.

стр. 151

باب الساعات التي نهي عن الصلاة فيها قوله: ولا يكره فيها ما له سبب: كصلاة الجنازة، وسجود التلاوة، وقضاء الفائتة، لما روى أنه- ﵊: ((رأى قيس بن قهد يصلي ركعتين بعد الصبح، فقال: ما هاتان الركعتان يا قيس؟ فقال: ركعتا الفجر لم أكن صليتهما، فسكت ولم ينكر عليه)) انتهى كلامه. والاستدلال الذي ذكره غير صحيح، لأن ركعتي الفجر بعد صلاة الصبح أداء لا قضاء على المعروف، وقد جاء في ((صحيح)) ابن حبان ما هو أصرح منه، وهو أنه صلاهما عقب سلام النبي ﷺ . قوله: ولا عند الاستواء يوم الجمعة، لما روى أبو سعيد الخدري ((أنه- ﵊ نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة)) رواه أبو داود. انتهى كلامه. واعلم أن أبا داود لم يروه عن أبي سعيد كما اقتضاه كلام المصنف، بل رواه مرسلًا عن أبي قتادة، والراوي عن أبي سعيد إنما هو البيقهي في كتاب ((المعرفة))، والحديث ضعيف، قال البيهقي: في إسناده من لا يحتج به. وقد ذكر المصنف في الباب ألفاظًا: منها في الحديث: ((حين تضيف الشمس إلى الغروب)) أي: تميل، هو بفتح التاء المثناة من فوق الضاد المعجمة أيضًا- ومنه: ((الضيف))، لما فيه من الإمالة إليك. ومنها: عمرو بن عبسة، هو بعين مهملة مفتوحة، وباء موحدة مفتوحة- أيضًا- ثم سين مهملة، بعدها هاء. ومنها: قال: ((الصلاة محضورة)) هو بالضاد المعجمة، أي: تحضرها الملائكة. ومنها: ((تسجر بجهنم)) هو بسين مهملة ساكنة وبالجيم، أي تحمى ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ﴾ [التكوير:٦]. ومنها: قيس بن قهد، هو بقاف مفتوحة وهاء ساكنة، وهو في اللغة: الأبيض الأكدر.

стр. 152

باب صلاة الجماعة قوله: الجماعة سنة في الصلوات الخمس، لما روى أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : ((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين درجة)) أخرجه مسلم. وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)) أخرجه البخاري ومسلم. ووجه الدلالة منهما على السنة: أن لفظ ((أفضل)) موضوعه فيما لأحدهما مزية فيما يشاركه فيه. ثم قال: وقيل: إن الجماعة فرض على الكفاية. وقد نص الشافعي عليه في كتاب الإمامة، والقائلون به يحملون الأدلة السالفة على ما إذا كان ثم عذر من مرض ونحوه، أو على صلاة النافلة. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن ما توهمه من أن صيغة ((أفضل)) المقتضية للمشاركة هاهنا في الفضلية، لكونها ((أفعل)) تفضيل المستلزمة لعدم الوجوب، قد وقعت هنا في الحديثين- سهو، فإنها لم توجد في الحديث الأول، بل الموجود فيه لفظ ((تزيد)) وإن كان المعنى واحدًا، ثم إن هذا التقرير تكلف لا حاجة إليه، فإن الحديث قد صرح بالاشتراك والزيادة. الأمر الثاني: أن ما ذكره في آخر كلامه من حمل التفضيل عمن حصل له عذر من مرض أو نحوه، قد ذكر بعد ذلك في آخر الكلام على الأعذار ما يخالفه، وأن المعذور المنفرد لا ينقص أجره، فقال: واعلم أن هذه الأعذار كما تنفي الحرج عن التارك تحصل له فضيلة الجماعة وإن صلى منفردًا، إذا كان قصده الجماعة لولا العذر، للأخبار الواردة في ذلك، قاله الروياني في ((تلخيصه))، ويشهد له ما رواه أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من توضأ، فأحسن وضوءه، ثم راح فوجد الناس قد صلوا- أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئًا)) ز أخرجه النسائي هذا كلامه. وما نقله ثانيًا من حصول الثواب نقله- أيضًا- في ((البحر)) عن القفال، وارتضاه

стр. 153

وجزم به- أيضًا- الغزالي في ((الخلاصة))، وهو الصواب، ففي صحيح البخاري: أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له من العمل ما كان يعمله صحيحًا مقيمًا))، وخالف في ((شرح المهذب)) فقال: وهذه الأعذار مرخصة للترك، وأما فضيلة الجماعة فلا تحصل له بلا شك وإن تركها لعذر. هذا كلامه، وهو مردود بما سبق نقلًا واستدلالًا، وقد ذكر الرافعي في ((باب صفة الصلاة)) في فصل القيام: أن من صلى قاعدًا لمرض تحصل له فضيلة القيام. وقال في ((شرح مسلم)): إنه لا لاف فيه، وهو يقوي الحصول في مسألتنا، إلا أن بينهما فرقًا ظاهرًا، وهو أنه قد أتى عن القيام ببدل، بخلاف الجماعة، لكن الرافعي علله بقوله: لأنه معذور. وتبعه عليه في ((الروضة)). قوله: واختار أبو ثور وابن المنذر وابن خزيمة أن الجماعة فرض عين، والمعروف خلافه، إذ لو كانت كذلك لكانت شرطًا فيها كالجمعة. انتهى. وهذا الكلام صريح في أن ابن خزيمة لا يقول بالشرطية، وليس كذلك، فقد نقل الإمام عنه أنها شرط للصحة. قوله- في التفريع على أن الجماعة فرض-: والمسافرون لا يتعرضون لهذا الفرض بلا شك كما قاله الإمام. انتهى كلامه. وما نقله عن الإمام من القطع بعدم الوجوب وارتضاه، قد ارتضاه- أيضًا- النووي في ((التحقيق)) فقال: والجماعة في حق المسافرين سنة قطعًا، وهذا الذي قاله الإمام وتابعه عليه من تابعه غريب ومردود، فإن الشافعي- ﵁ قد نص في ((الأم)) على وجوبها عليهم كما تجب على غيرهم، فإنه استدل على وجوب الجماعة من القرآن والحديث. ثم قال بعد ذلك ما نصه: فأشبه ما وصفت من الكتاب والسنة ألا يحل ترك أن يصلي كل مكتوبة في جماعة، حتى لا يخلو جماعة مقيمون ولا مسافرون من أن تصلي فيهم جماعة. هذا لفظ الشافعي بحروفه، ومن ((الأم)) نقلته. قوله- أيضًا-: وفي الحديث: ((إلا عجوزًا في منقلبها))، قال: والمنقل: الخف، وقيل: المندل، وهو بكسر الميم كما قاله الهروي، وقال الجوهري: بالفتح. انتهى. وهو بنون ساكنة بعدها قاف، قال الأزهري: يقال للخف: المندل والمنقل، بكسر الميم فيهما. وقال ابن مالك في ((المثلث)): المنقل- بالكسر والفتح- هو الخف مطلقًا، وبالضم: الخف المصطلح عليه. وذكر الجوهري ما حاصله: أن النقل- بلا

стр. 154

ميم، ولكن بنون تفتح وتكسر، وبقاف ساكنة، هو الخف الخلق والنعل الخلق، وكذلك ((المنقل)) بفتح الميم والقاف. وإذا علمت ما ذكرناه علمت أن كلام المصنف مشتمل على تخليط وانعكاس، وأنكر النووي في ((التهذيب)) تفسير ((المنقل)) بالخف الخلق، قال: بل هو الخف مطلقًا عند اللغويين. قال: والتقييد بـ ((الخلق)) قاله الإمام وغيره من الفقهاء. والذي أنكره عجيب، لما سبق عن الجوهري وغيره. قوله: ويعذر في ترك الجماعة بالمطر. ثم قال: والوحل، لأنه أشد من المطر في الأذى، وحكى المراوزة وجهًا آخر: أنه بمجرده ليس بعذر ما لم ينضم إليه المط، وعليه ينطبق قول الغزالي في ((الوسيط)): والمطر مع الوحل عذر فيها. ومثل ذلك قاله القاضي الحسين في الجمعة، وعلى هذا: فالفرق بينه وبين المطر: أن الوحل له أمد ينتظر، ولا كذلك المطر. انتهى كلامه. والذي حكاه عن الغزالي والقاضي وجه آخر خلاف الوجه الذي حكاه أولًا، وليس هو منطبقًا عليه كما توهمه المصنف، فإن مدلوله: أن المطر وحده ليس عذرًا، بل لابد من ضم الوحل إليه، وهو عكس ما حكاه عن المراوزة، وإذا لم يكف المطر وحده فالوحل بطريق الأولى، وحينئذ فلابد منهما معًا، وقد صرح بنقله عنه هكذا في باب الجمعة فقال: وظاهر كلام الشيخ: أنه لا يشترط مع ذلك الوحل، وقد اشترطه القاضي الحسين وقال لو وجد أحدهما لم يجز الترك. قوله- في الأعذار-: والريح الباردة في الليلة المظلمة، لما روى البخاري ومسلم عن ابن عمر قال: ((أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، فقال- ﵊: ألا صلوا في الرحال)). انتهى كلامه. وتركيب هذا الحديث باللفظ الذي ذكره المصنف تركيب عجيب غير مفهم، أو تركيب مفهم ما ليس بصحيح، وبالجملة فالمصنف قد أخطأ في لفظ الحديث، ولفظه في ((الصحيحين)): عن ابن عمر: أنه أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ثم قال: ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر أن يقول: ((ألا صلوا في الرحال)). قوله: قال- يعني الشيخ-: ومن أحرم مع الإمام، أي: في غير الجمعة، ثم أخرج نفسه من الجماعة لعذر، وأتم منفردًا- جاز، وإن كان بغير عذر ففيه قولان أصحهما: أنه يجوز. ثم قال في آخر المسالة ما نصه: والانتقال من الجماعة إلى الانفراد لا يجوز ولو

стр. 155

كان في الركعة الثانية. انتهى كلامه. واعلم أن ما قاله من عدم تخريج الجمعة على القولين وجزم به، ليس الأمر فيه كما قاله، بل الحكم أنها مخرجة عليهما حتى يكون الصحيح فيها الجواز- أيضًا- كذا جزم به الرافعي في كتاب الجمعة، وتبعه عليه- أيضًا- النووي وقال في ((شرح المهذب)): إنه لا خلاف فيه. ولا شك أن المصنف لم يقف على كلامهما، لكونه في باب آخر، فإنه لو وقف عليه لكان أقل المراتب أن يحكي ما جزم به وجهًا في المسألة إن لم يجزم به كما جزما، أو لم يصححه، ولم يقف- أيضًا- في المسألة على نقل، وإلا لكان يعزوه إلى قائله، فإن عادته أن يعزو ما هو أوضح منه. قوله: ولو كان بعض المأمومين يؤثر التطويل دون بعض، قال الجيلي: راعى الأكثر، ويحتمل أن يقصر مطلقًا. قلت: وهو الذي يدل عليه الخبر، قال- ﵊: ((إني لأدخل في الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه)) أخرجه البخاري. انتهى. وما ذكره من نقل الترك احتمالًا عن الجيلي فقط، وتقويته بالحديث- مؤذن بعدم اطلاعه في المسالة على نقل، وهو غريب، فقد صرح بالمسالة جماعات، منهم البغوي فقال: وإن رضي بعضهم دون بعض فليخفف، مراعاة لحق الضعيف، قال النووي في ((شرح المهذب)): فإن جهل حالهم، أو كان فيهم من يؤثر التطويل، وفيهم من لا يؤثره- لم يطول، اتفق عليه أصحابنا. هذا لفظه، ثم استدل بالحديث الذي استدل به المصنف، وكلام الرافعي وغيره كالصريح فيه، وفي ((فتاوي)) ابن الصلاح: أنهم لو آثروا التطويل إلا واحدًا أو اثنين، لمرض ونحوه- فإن كان ذلك مرة ونحوها خفف، وإن كثر حضوره طول مراعاة لحق الراضين، قال النووي في ((شرح المهذب)): وهذا التفصيل الذي قاله حسن متعين. قوله: واحترز الشيخ بقوله: في الأذكار، عن التخفيف في القراءة، فإنه غير مستحب، بل المستحب فيها ما تقدم، وهو: في الصبح والظهر من طوال المفصل، وفي العصر والعشاء من أوساطه، كما قال القاضي الحسين. انتهى كلامه. واعلم أن اختيار الشيخ- ﵀: أنه لا فرق في التخفيف بين القراءة والأذكار، فقد صرح بذلك في ((المهذب)) فقال: في القراءة والأذكار. هذه عبارته، وحينئذ فيكون اقتصاره هنا على الذكر لأجل أنه صادق على القراءة، ولهذا قال الجيلي في ((شرحه)) لقول الشيخ ((في الأذكار)): كالقراءة. وقال الشيخ تاج الدين

стр. 156

الفركاح: إن قوله: في الأذكار، ناقص عن كلام ((المهذب)). قال: والصواب: التخفيف في الجميع. وما ذكره هؤلاء هو المعروف من نص إمام المذهب ونص أصحابه، ولهذا قال النووي في ((شرح المهذب)): قال الشافعي والأصحاب: يستحب للإمام أن يخفف القراءة والأذكار بحيث لا يقتصر على الأقل، ولا يستوفي الأكمل المستحب للمنفرد من طوال المفصل وأوساطه وأذكار الركوع. هذا كلامه، وهو الحق الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة، فإن السبب في قوله ﷺ : ((إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف)) هو التطويل في القراءة، فيكون مرادًا بالإجماع، وأنكر على معاذ- أيضًا- بسبب ذلك، وحكى الدرامي وجهين في المنفردة: هل الأفضل له التطويل أم لا؟ قوله: وإذا أحس الإمام بداخل وهو راكع استحب له أن ينتظره في أصح القولين، ويكره في الآخر. ثم قال: جاء أبو بكر- ﵁ مسرعًا والنبي ﷺ في الصلاة، فأحرم في طرف المسجد، ثم انتقل إلى قرب النبي ﷺ ، فلما انصرف قال له النبي ﷺ : ((زادك الله حرصًا! ولا تعد)). انتهى. وهذا الذي جاء هو أبو بكرة- بتاء التأنيث في آخره- واسمه: نفيع- بنون مضمومة بعدها فاء- وهو ابن الحارث، وسياتي أيضًا الكلام عليه في الشهادات، والذي رأيته في كلام المصنف بإسقاط التاء، وكأنه توهم أنه أبو بكر الصديق، ﵁. قوله: في المسألة-: وألحق العراقيون الانتظار في التشهد الأخير بالانتظار في الركوع، لأجل إدراك فضيلة الجماعة، وعلى قياس طريقة الفوراني والغزالي التي سنذكرها، من أنه لا يدرك فضيلة الجماعة دون ركعة: أنه لا ينتظره فيه، وأعرض الرافعي عن ملاحظة هذا الأصل وقال: القياس: أن يكون الانتظار فيه كالانتظار في القيام. والأوجه ما ذكرناه. انتهى كلامه. وهذا الذي نقله عن الرافعي من عدم ملاحظة هذا الأصل غلط عجيب، فإن الرافعي إنما ألحقه بالقيام بعد التفريع على الأصل المذكور، فقال: وقياس قول من يقول: إنه لا يدرك فضيلة الجماعة إلا بإدراك ركعة مع الإمام: أن يكون حكم الانتظار هاهنا حكمه في القيام ونحوه. هذه عبارته. نعم، قد يقال للرافعي: متى راعينا هذا الأصل فلا يجوز في التشهد وإن جوزنا في القيام، لأنه في القيام يحصل له فضيلة الجماعة، بخلاف التشهد، ولعل هذا المعنى هو الذي كان في نفس المصنف، ولكن

стр. 157

التبس عليه حالة التصنيف. قوله: ولو صلى الشافعي خلف الحنفي فثلاثة أوجه: أحدها: يصح مطلقًا، سواء قرأ الفاتحة أم لا، وهو الذي نص عليه الشافعي، وعلى هذا: فلو ترك فعلًا فوجهان، والفرق: فحش المخالفة في الأفعال. والوجه الثاني: لا يصح مطلقًا، لأنه وإن أتى بها لا يعتقد وجوبها، وهو اختيار الشيخ أبي حامد والقاضي الحسين. والثالث: إن أتى بها صح، وإلا فلا. انتهى ملخصًا. وما حكاه عن القاضي الحسين والشيخ أبي حامد من البطلان مطلقًا، غلطٌ، بل مذهبهما الثالث، فاعلمه. قوله: الموسوس إذا كان يردد القراءة، فركع الإمام قبل أن يفرغ- يجب عليه أن يتمها، قاله القاضي، ويظهر أن يكون كالمختلف بغير عذر. انتهى كلامه. وما ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه، قد صرح به النووي في ((شرح المهذب)).

стр. 158

باب صفة الأئمة قوله: وصاحب البيت أحق من غيره. ثم قال: وسلك الماوردي طريقًا آخر فقال: إذا كان صاحب الدار مثل الحاضرين عنده فهو أولى، وإن كانوا أقرأ منه فلا حق له في الإمامة، وليس لهم أن يجمعوا إلا بإذنه، فإن أذن لأحدهم فهو أحق بإمامتهم، وإن لم يأذن صلوا فرادى. انتهى كلامه. وما نقله عن ((الحاوي)) من أنه لا حق له إذا كانوا أقرأ منه غلط عجيب، فإن الماوردي فرض المسألة فيما إذا كان المالك أميًا فقال: إن صاحب الدار إن كان أميًا اعتبرت حالتهم: فإن كانوا مثله فهو أحق بإمامتهم، وإن كانوا أقرأ فلا حق له ... إلى آخره. هذا كلامه. وهو كلام صحيح، وأما إذا كان قارئًا، وكانوا أقرأ منه- فإن الحق له بلا خلاف، على خلاف ما اقتضاه كلامه. قوله: وفي ((الرافعي)) حكاية وجه: أن الصبي القارئ أولى من البالغ الذي ليس بقارئ، والخبر يشهد له. انتهى كلامه. وما نقله هنا عن الرافعي ليس له ذكر في ((شرحه الكبير)) ولا في ((الصغير)) ولا في ((المحرر)). قوله- فيما رواه البخاري عن عمرو بن سلمة-: وكان العرب تلوم بإسلامها، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق. انتهى. تقول: تلوم زيد عمرًا- بتشديد الواو-: إذا انتظره، وهو في الحديث مضارع حذف منه إحدى التاءين وأصله: تتلوم، أي: تنتظر كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر:٤] أي: تتنزل. قوله: وفي صلاة القارئ خلف الأمي، وهو الذي لا يحفظ الفاتحة- قولان: الجديد: عدم الصحة. ثم قال: وحكى ابن يونس طريقة أخرى منزلة للنصين على حالين: فحيث قال لا تصح، أراد: إذا كان يقدر على إصلاح لسانه، وحيث قال: تجوز، أراد: إذا كان لا يقدر

стр. 159

على ذلك. وهذه الطريقة لم أرها كذلك، بل الإمام والبغوي جعلا محل الخلاف إذا كان لا يقدر. ثم قال: وفي اقتداء القارئ خلف الأخرس والأرت والألثغ قولان- أيضًا- ... إلى آخره. انتهى. والطريقة المنقولة عن ابن يونس طريقة ثابتة فيه، إلا أن نقلها في الأمي غلط فاسد- أيضًا- من جهة المعنى، وإنما هي في الأرت والألثغ ونحوهما، وقد ذكرها ابن يونس عقب ذكرها ولاءً، إلا أنه لم يصرح بالمقصود، والتصوير يقتضيه. ثم إن كلام ابن الرفعة يشعر بأن المشهور تعميم الخلاف، مع أن التعميم هو الغريب، ولهذا لم يحكه الرافعي بالكلية، بل جزم بالتفصيل، وكذلك النووي في ((شرح المهذب)). قوله: وهل تجوز صلاة الجمعة خلف من يصلي الظهر؟ فيه ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كانت الظهر مقصورة جاز، وإن كانت تامة فلا. قلت: ويظهر أن يقال: إن تم العدد به فلا يصح مطلقًا، وإن تم دونه فهو محل الخلاف، ويؤيده تصريحهم به في المحدث. انتهى ملخصًا. وهذا الذي ذكره بحثًا هو حاصل ما ذكره النووي في باب صلاة الجماعة من ((شرح المهذب))، والرافعي في كتبه في باب الجمعة، ولهذا عبر في ((المنهاج)) بقوله: والمسافر في الأظهر إذا تم العدد بغيره، أي: تصح الجمعة خلفه.

стр. 160

باب موقف الإمام والمأموم قوله: ولو كان المأموم أطول من الإمام، وساواه في العقب، ورجلهما سواء صحت صلاته على الصحيح، وبه جزم في ((التتمة))، لأن ابن عباس صلى بعلقمة والأسود أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره، وعبد الله كان قصيرًا. انتهى كلامه. وما ذكره من أن عبد الله هذا هو ابن عباس غلط، بل هو ابن مسعود، وقد ذكره على الصواب صاحب ((البيان)) وغيره، ثم إن ابن مسعود مشهور بالقصر، وبأن علقمة والأسود مختصان بصحبته. قوله- نقلًا عن الشيخ-: وإن حضر ومع الإمام واحد عن يمينه أحرم عن يساره، ثم يتقدم الإمام، أو يتأخر المأمومان، وقيل: إذا أمكن الإمام التقدم- أيضًائ- فالأفضل تقدمه دون تأخر المأمومين، لأنه ينظر ما يتقدم إليه، ولأنه فعل واحد، والذي نقله الرافعي عن الأكثرين هو ما قاله الشيخ. انتهى. والذي قاله عجيب، فإن الذي نقله الرافعي عن الأكثرين: أن تأخرهما أولى من تقدمه، على عكس هذا الوجه، وهذه المقالة لم يذكرها الشيخ بالكلية، بل حاصل كلامه التخيير، ولا خلاف فيه. قله: ولنوضح ذلك بالمثال، فنقول: إذا وقف الإمام في الإيوان مثلًا، ووقف شخص في آخر الإيوان من جهة يمين الإمام أو يساره، ووقف إل جانب هذا الشخص شخص في الصحن بحيث اتصل جانبه بجانبه- صحت صلاة من في الايوان ومن في الصحن، فإذا وقف واقف عن يمين الواقف في الصحن، أو يساره في الصحن- أيضًا- فإن لم يكن بينهما فرجة صح، وإن كان بينهما فرجة فعلى الخلاف السابق. ولو وقف في آخر الإيوان من وراء الإمام شخص، ووقف أخر وراءه في الصحن، وبينه وبينه ثلاثة أذرع فما دونها- صحت صلاة من الإيوان وهذا الواقف في الصحن على الأصح. وإذا وقف واقف عن يسار هذا الواقف في الصحن أو يمينه أو خلفه، كان حكمه في اشتراط الاتصال وعدمه كما لو وقف عن يمين الإمام أو يساره

стр. 161

أو خلفه في ساحة مملوكة. انتهى كلامه. وما ذكره في الواقف على يمين الواقف في الصحن أو يساره، من أنه يجئ فيه اعتبار الفرجة وعدمها كالواقف في بناء آخر- سهو، بل حكمه معه حكم الواقف على يمين الإمام أو يساره في مكان واحد، حتى يشترط ألا يزيد على ثلاثمائة ذراع، لأنهما- أيضًا- في مكان واحد، وهذا واضح جلي، وقد أشار إليه الرافعي وغيره، فقال: أعني الرافعي-: وإذا وجد هذا الشرط، وكان في بناء المأموم بيت عن اليمين أو الشمال- اعتبر الاتصال بتواصل المناكب، كما سبق. هذا كلامه، وذكر مثله النووي في ((شرح المهذب))، وهو يدل على أنه إذا لم يكن فيه بيت، بأن كان ساحة واحدة أو صحنًا- كما فرضه المصنف- لا يشترط فيه الاتصال، ولعل هذا هو الذي أوقع المصنف في الوهم.

стр. 162

باب صلاة المسافر قوله: والميل الهاشمي منسوب إلى ((هاشم)) بن عبد مناف جد النبي ﷺ ، فإنه الذي قدر أميال البادية وبردها. انتهى كلامه. وما ذكره من نسبة ذلك إلى ((هاشم)) جد النبي ﷺ غلط سبقه الرافعي إليه، بل هو منسوب إلي ((بني هاشم))، فإنه فعلوا ذلك حين أفضت إليهم الخلافة، وكان لبني أمية أميال هي أكبر من هذه، كل خمسة منها ستة من الهاشمية، ولهذا قدرها الشافعي في القديم بأربعين ميلًا، فخالفوهم قطعًا لآثارهم بالكلية. وقد نبه ابن الصلاح في ((مشكل الوسيط)) على ذلك فقال- مشيرًا إلى الرافعي-: وأخطأ بعض الشارحين لـ ((الوجيز))، فأفحش، فزعم أن ذلك نسبة إلى ((هاشم)) جد النبي ﷺ ، وكأنه لم يدر أن النسبة إلى ((بني هاشم)): هاشمي. هذا كلامه، وقد ذكره النووي في ((لغات التنبيه)) و ((شرح المهذب)) على الصواب، فليت أن المصنف قلده في ذلك على عادته في نقل اللغات! قوله: واحترز بقوله: ((الظهر والعصر والعشاء))، عن المغرب والصبح، فإنه لا قصر فيهما بإجماع أهل العلم، كما قاله ابن المنذر ... إلى آخره. واعلم أن دعوى الإجماع ممنوعة، فقد ذهب ابن عباس إلى جواز قصر الصبح إلى ركعة، لكن بشرط الخف- أيضًا- وهو وجه عندنا قال به محمد بن نصر المروزي من متقدمي الأصحاب، كذا رايته في ((الطبقات)) للعبادي. قوله: وقال المتولي: من سافر من بلد عليها سور فلابد أن يخرج من السور، وإن كان على بابها نهر فيعبر النهر، وإن كان حولها رباض ومنازل متفرقة فحتى يفارقها، ونسب الرافعي ذلك لبعض تعاليق المروروذيين. انتهى. وما ذكره المصنف في اشتراط قطع المنازل المتفرقة من حكاية الرافعي ذلك عن بعض التعاليق، غلط، إنما حكاه عنه في المنازل المتلاصقة، فاعلمه. والرباض: جمع ((ربض)) - بالضاد المعجمة- كجمل وجمال، وهو ما حوالي البلد من الأبنية.

стр. 163

قوله: فإن المحققين من علماء الشريعة لا يقيمون لمذهب أهل الظاهر وزنا، كذا قاله الإمام، وفيه نظر، فإن القاضي الحسين نقل عن الشافعي أنه قال في الكتابة: وإني لا أمتنع عن كتابة عبد جمع القوة والأمانة، وإنما أستحبه، للخروج من الخلاف، فإن داود يوجب كتابة من جمع القوة على الاكتساب والأمانة من العبيد. وداود من أهل الظاهر، فقد أقام الشافعي لخلافه وزنا، واستحب كتابة من ذكره لأجل خلافه. انتهى كلامه. وما نقله- ﵀ عن الشافعي من استحباب الخروج عن خلاف داود قد ذكره القاضي الحسين في هذا الباب، إلا أنه غلط فاحش، فإن للشافعي- ﵀ مات في مصر آخر ليلة من رجب سنة أربع ومائتين، وأما داود فإنه ولد بالكوفة سنة اثنتين ومائتين. ونشأ ببغداد وتوفي بها سنة تسعين- بتاء ثم سين- وأخذ العلم عن أصحاب الشافعي، وصنف كتابين في فضائل الشافعي، كذا قاله جماعة منهم النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)). قوله- نقلًا عن الشيخ-: فإذا بلغ سفره ثلاثة أيام كان القصر أفضل من الإتمام، ويستثنى من كلام الشيخ مسألتان: إحداهما: الملاح الذي أهله وماله معه، لأن أحمد يمنع من القصر الثاني من عادته السفر دائمًا. انتهى ملخصًا. ويستثنى- مع ما ذكره- صور أخرى: إحداها: إذا وجد من نفسه كراهة القصر، فالقصر له أفضل، بل يكره له الإتمام إلى أن تزول تلك الكراهة. وكذلك القول في جميع الرخص، كذا ذكره الرافعي، وقد ذكر المصنف هذه المسألة قبل ذلك، ويوهم كلامه أنها من محل الخلاف، وهو باطل، فاجتنب ذلك. ومنها: كل موضع جرى فيه خلاف في جواز القصر، وهو كثير، وتعليلهم يرشد إليه، فاقتصاره على هذا الفرد عجيب، وذكر المحب الطبري شارح ((التنبيه)) نوعًا ثالثًا، وهو خطأ أوضحته في ((شرح المنهاج)). قوله- فيما إذا قام في بلد لقضاء حاجة، ولم ينو الإقامة-: إنك إذا جمعت ما قيل من الخلاف واختصرت قلت: في ذلك ثمانية عشرة قولًا ووجهًا، أحدها ... كذا إلى أن قال: والثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر: من حاجته غير قتال يقصر أربعة أيام، ومن حاجته قتال يقصر سبعة عشر يومًا، أو ثمانية عشر يومًا، أو تسعة عشر يومًا، أو عشرين يومًا، أو أبدًا، والثامن عشر: يقصر ... إلى آخره.

стр. 164

وهذا الكلام فيه نقص، وصوابه أن يقول: والسابع عشر، بعد قوله: والسادس، فإنه حكى في الكلام الذي بعده خمسة أوجه لا أربعة، ويدل عليه أنه افتتح بعد هذا بالثامن عشر لا بالسابع عشر. قوله: فرع: إذا صلى الظهر، ثم العصر، وتذكر أنه ترك سجدة من الظهر- بطل هو والعصر كما تقدم، ولو تذكر أنها من العصر بطل الجمع، وأعاد العصر في وقتها، ولو جهل أنها من الظهر أو العصر أعاد كل صلاة في وقتها، أخذًا بالاحتياط، وهذا فيما إذا طال الفصل، فلو قرب أعاد الصلاتين جمعًا، قاله الرافعي. انتهى. وما نقله هنا عن الرافعي وهم، ليس في ((الرافعي)) ولا يصح- أيضًا- بل يعيد الجاهل المذكور كل صلاة في الوقت، سواء طال الفصل أم لا، وهو واضح. نعم، ذكر الرافعي ذلك فيما إذا تيقن أن المتروك من الثانية، فنقله المصنف إلى هذه المسألة سهوًا. قوله: وإن أراد الجمع في وقت الثانية فيشترط أن ينوي في وقت الأولى كون التأخير لأجل الجمع. ثم قال: وحكى الإمام عن شيخه وعن الصيدلاني في آخر الباب: أنه لو لم ينو عصى بالتأخير. قال الإمام: وفيه شيء، فإنا إذا لم نشترط نية الجمع عند إقامة الصلاة فلا يبعد أن يقال: نفس الشرع يسوغ التأخير، ويصير الوقت مشتركًا. انتهى كلامه. وتعبيره في آخر كلامه بقوله: نفس الشرع، لا معنى له، والصواب- وهو المذكور في ((النهاية)) - التعبير بالسفر عوضًا عن الشرع، وحينئذ فيكون ((نفس)) ساكن الفاء لا مفتوحها، فاعلمه. قوله: وهل يجوز الجمع بعذر الثلج إذا لم يبل الثوب؟ فيه وجهان. ثم قال: وأبداهما القاضي الحسين في ((تعليقه)) احتمالين لنفسه فيما إذا كان يبل الثواب، ووجه المنع بأن السنة وردت في المطر. انتهى كلامه. وحكاية الوجهين في حالة ابتلال الثوب غلط لم يذكره القاضي الحسين، بل ولا غيره- أيضًا- على خلاف ما وقع في ((الرافعي)) كما أوضحته في ((المهمات)). نعم، أطلق القاضي الوجهين وتعليله بهذا، دفعا لمن اعتبر مطلق المشقة، وقد علل بذلك من صرح بأن محل الوجهين فيما إذا لم يذب كما أوضحته هناك. قوله: سؤال شرط الجمع: أن تقع الصلاتان في وقت إحداهما بلا خلاف،

стр. 165

والجديد: أن وقت المغرب بمقدار ما يتوضأ ويستر العورة ويؤذن ويصلي خمس ركعات، وقضية هذا: أن يكون للشافعي قول أنه لا يجوز الجمع بين المغرب والعشاء في وقت المغرب في الحضر بعذر المطر، لأنه لا يقع منها في وقت المغرب إلا ركعتان، مع أن الأصحاب مطبقون على جوازه، وتكلف بعضهم جوابًا، ويظهر أن يقال في جوابه: إن الثانية كالجزء من الأولى، بدليل وجوب المولاة، وله أن يستديم المغرب إلى مغيب الشفق، فلذلك جاز الجمع، وإن كان وقت الأولى يخرج في أثناء الصلاة الثانية. انتهى كلامه. والسؤال المذكور قد أورده في باب مواقيت الصلاة على جمعها- أيضًا- بالسفر، وتقدم أن جوابه واضح جدًا، وأن الجواب الذي ارتضاه باطل، فراجعه. ثم إن دعوى عدم الخلاف في اشتراط وقوع الصلاتين في وقت إحداهما ليس كذلك، فقد سبق هناك عن القاضي الحسين: أنه خالف، وارتضى المصنف مقالته، وأيضًا: فدعوى الاتفاق على جواز هذا الجمع باطل، فقد حكى الماوردي والفوراني أنه لا يجوز الجمع تقديمًا به، أي: بالمطر كما ذكرته في ((المهمات)). ثم إنه أهمل الإقامة، وهي معتفرة بالاتفاق. قوله: وإذا نوى الجمع، ثم نوى تركه في أثناء الأولى، ثم نوى الجمع ثانيًا- قال في ((الروضة)) حكاية عن الدراكي: إن فيه قولين: انتهى كلامه. فيه أمران: أحدهما: أن التعبير بالدراكي- أعني بالكاف- وقع هكذا بخط المصنف وفي باقي النسخ، وصوابه: الدرامي- بالميم- فإنه المذكور في ((الروضة))، وكذلك رأيته في ((الاستذكار)) له، أعني للدرامي. الثاني: أن الدرامي قد عبر بقوله: ففيه القولان- أعني بـ ((أل)) وأشار إلى القولين في الاكتفاء بالنية في أثناء الصلاة، والصحيح منهما: الاكتفاء، وكذا عبر النووي في ((الروضة))، ولا يؤخذ ذلك من تعبير المصنف. قوله: اعلم أنه قد وقع في الباب ألفاظ: منها: ليلة الهرير إحدى ليالي صفين: أما ((الهرير)): فبهاء مفتوحة، وراءين مهملتين، الأولى مكسورة، وبينها ياء بنقطتين من تحت، تقول العرب: هر فلان الحرب هريرًا، أي: كرهها. كذا قاله الجوهري، فكانت سميت بذلك، لكراهتم الحرب في تلك الليلة لكثرة ما وقع فيها من القتل،

стр. 166

وقال النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)): كان بعضهم يهر على بعض، فلذلك سميت. قال: وهي حرب وقعت بينه وبين الخوارج، وقيل: بينه وبين معاوية في صفين. انتهى. وأما ((صفين)): فبصاد مهملة مكسورة وفاء مشددة، وهو موضع بقرب الفرات معروف بين الرقة وبالس. ذكره الجوهري في باب ((صفين))، وهو يدل على أن نونه عنده أصلية، لكن إعرابه بإعراب جمع المذكر السالم- على لغة- يدل على أن عينه ولامه فاءان، ونونه زائدة. ومنها: صالح بن خوات، وسهل بن أبي حثمة: أما ((خوات)) فبحاء معجمة، وواو مشددة، وتاء مثناة، وهو في اللغة: الرجل الجرئ. وأما ((حثمة)): فبحاء مهملة، وثاء مثلثة ساكنة، والحثمة: هي الأكمة الحمراء، وبها سميت المرأة: حثمة. قاله الجوهري، قال: وتقول: حثمت، بمعنى ((أعطى)) وبمعنى ((دلك)). ومنها: ضربه بالسيف حتى برد، هو بالباء الموحدة، والراء والدال المهملتين، ومعناه: مات.

стр. 167

باب ما يكره لبسه وما لا يكره قوله: وفي الصحيح: أن عمر رأى حلًة سيراء ... إلى آخره. ثم قال: والسيراء- بكسر السين المهملة، وفتح الياء المثناة من تحت، وبعدها راء مهملة، ثم ألف ممدودة-: هو الحرير الصلب، فمعناه: حلة حرير، والحلة: ثوبان: إزار، ورداء. انتهى. وتعبيره بـ ((الصلب)) تحريف، إنما هو: الصافي، أي: الخالص. كذا نقله ابن الأثير، وتعبير المصنف عقبه بقوله: فمعناه: حلة حرير، يدل عليه: فإن معناه: جميعها لا بعضها. وفسر بعضهم ((السيراء)) بالمصمت، وهو الخالص- أيضًا- فيجوز أن يكون أيضًا قد تحرف على المصنف منه. قوله: وإلباس الصبي، فإنه لا يحرم عليه ذلك- يعني لبس الحرير- عند العراقيين، وقيل: يحرم. ثم قال: وفي المسألة وجه ثالث: أنه يحرم عليه ذلك بعد سن التمييز، ولا يحرم قبله، وهو ما صححه الرافعي في ((الشرح)). اعلم أن الرافعي لما حكى هذا الوجه لم يضبطه بالتمييز- كما نقله المصنف عنه- بل ضبطه بالسبع وغيرها، وتبعه عليه النووي في كتبه حتى قال في ((شرح المهذب)) ما نصه: وهكذا ضبطوه في حكاية هذا الوجه، ولو ضبط بالتمييز لكان حسنًا، لكن الشرع اعتبر السبع في الأمر بالصلاة وغيره. هذا لفظه. قوله: عن أبي عثمان النهدي. هو بنون مفتوحة، ثم هاء ساكنة. قوله وإن كان حريرًا مصمتًا ولكن هو كمد اللون. انتهى. المصمت- بميم مضمومة وصاد مهملة ساكنة-: هو الخالص، وأما ((كمد)): فبكاف مفتوحة، وميم مكسورة، وبالدال، مأخوذ من ((الكمدة)) - بضم الكاف وسكون الميم- وهو تغير اللون، تقول: أكمد القصار الثوب، إذا لم ينقه، قاله الجوهري.

стр. 168

قوله: قال- يعني الشيخ ويجوز للمحارب لبس الثخين الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح، ولبس المنسوج بالذهب إذا فاجأته الحرب ولم يجد غيره. اعلم أن الشرط الذي ذكره الشيخ، وهو قوله: إذا فاجأته الحرب ولم يجد غيره. اعلم أن الشرط الذي ذكره الشيخ، وهو قوله: إذا فاجأته الحرب ولم يجده غيره- يجوز أن يكون الشيخ أراد عوده إلى المسألتين، عملًا بالقاعدة المستقرة عندنا: أن الشرط إذا تعقب جملًا عاد إلى جمعيها، وهو ما نقله المزني، حيث اعتبر في لبس الحرب أن تفجأه الحرب ولا يجد غيره، وكذلك في لبس المنسوج بالذهب، إذ بذلك تتحقق الضرورة، وعلى ذلك جرى صاحب ((الحاوي)) والبغوي، ولفظ ((الوسيط)) هنا قد يفهمه، لأنه قال: لبس الحرير وجلد الكلب جائز عند مفاجأة القتال، وليس جائزًا في حال الاختيار. ويجوز أن يكون الشيخ أراد عوده إلى المسألة الأخيرة فقط، وأما المسألة الأولى فلا يشترط فيها مفاجأة الحرب وعدم وجدان غيره، بل يجوز لبسه ابتداء وإن وجد غيره من آلة الحرب، لأن حاجة القتال لا تتقاعد عن حاجة القمل والحكة، وهذا ما حكاه الرافعي عن ابن كج، حيث قال: إنه يجوز اتخاذ القباء ونحوه مما يصلح في الحرب من الحرير ولبسه فيها على الإطلاق، لما فيه من حسن الهيئة وزينة الإسلام، لتنكسر قلوب الكفار منه كتحلية السيف ونحوه. وعبارة البندنيجي توافق ذلك، فإنه قال: المذهب: أن الحرير مباح حال الحرب لحاجة وغير حاجة. انتهى كلامه. واعلم أن المسألة الأولى في كلام الشيخ: أنه يجوز للمحارب لبس الديباج الثخين الذي لا يقوم غيره مقامه في دفع السلاح، وجواز ذلك لا خلاف فيه في كلام الرافعي ولا في غيره، ولا يمكن- أيضًا- مجئ الخلاف فيه، لأنه لبسه لضرورة أو لحاجة، فعلم بذلك أن جميع ما ذكره المصنف في هذه المسألة من التقدير والاختلاف فاسد لا يوافق صورة المسألة، وإنما محل ما ذكره في لبس الحرير لا لحاجة أصلًا ذكره هو، وكأنه ظن مسألة الشيخ، فاسترسل، وأطال في هذا الكلام الذي ليس بمطابق. قوله: إن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب. أما ((عرفجة)): فبعين مهملة مفتوحة، والراء والفاء والجيم، والعرفج: شجر معروف. وأسعد: بالهمز. والكلاب: بكاف مضمومة، ثم لام مخففة، وهو اسم ماء كانت عنده وقعة في الجاهلية.

стр. 169

قوله: ثم ما أبحنا لبسه من المصبوغ، ظاهر كلام الأصحاب: أنه لا فرق فيه بين ما صبغ غزله ثم نسج، أو ما صبغ بعد النسج، وفي ((تعليق)) القاضي الحسين في ((باب هيئة الجمعة)): أن المصبوغ بعد النسج إن كان صبغه ليمنع الوسخ جاز لبسه، وإن صبغ للزينة فلا يجوز للرجال لبسه، لأنه لباس النساء. انتهى كلامه. وما ذكره من أن ظاهر كلامهم أنه لا فرق، يدل على أنه لم يستحضر نقلًا صريحًا بالتسوية، وقد صرح الماوردي في ((الحاوي)) والروياني في ((البحر)) بالجواز للرجل أيضًا، وقد نقله عنهما المصنف في أول باب الإحرام.

стр. 170

باب صلاة الجمعة قوله: وقد روي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت قائد أبي من بيته حين عمى، فكان إذا سمع النداء بالجمعة أكثر الترحم على أبي أمامة سعد بن زرارة، واستغفر له، فسألته عن ذلك، فقال: إنه كان أول من جمع بنا في هرير من حرة بني بياضة في نقيع الخضمان، قلت: يا أبت، كم كنتم؟ قال: أربعون. أخرجه أبو داود. انتهى كلامه. وتعبيره بقوله: ((سعد))، غلط، بل صوابه: ((أسعد)) بزيادة ألف في أوله، وكذلك تعبيره بقوله: ((هرير))، غلط- أيضًا- وصوابه: ((هزم)) بهاء مفتوحة وزاي معجمة ساكنة بعدها ميم، و ((الهزم)) في اللغة: هو الموضع المتشقق، ولهذا ورد النهي عن النزول فيه ليلًا لكونها مأوى الحشرات. و ((الحرة)) - بحاء مهملة مفتوحة، وراء مشددة-: أرض فيها حجارة سود. والنقيع هنا: بالنون. والخصمات: بفتح الخاء، وكسر الضاد المعجمتين، وفي آخره تاء التأنيث، وتحرف على المصنف فكتبه بالنون. قوله: ومن شرط الخطبتين: القيام. ثم قال: وحكى القاضي الحسين فيه وجهًا آخر: أنه غير واجب فيهما، بناء على أن الخطبتين غير بدل عن الركعتين، وقد حكاه القاضي ابن كد- أيضًا- وحكاه بعضهم قولًا معزيًا إلى ((حلية)) الروياني. انتهى كلامه. وهذا النقل المعزي إلى ((حلية)) الروياني غلط، فإن المذكور فيها الجزم بالاشتراط، وهذه عبارته: ويجب فيها الطهارة والقيام مع القدرة. وكذا هو مجزوم به- أيضًا- في ((حلية)) الشاشي. قوله: فرع: لا تجوز الخطبة بالفارسية في أصح الوجهين، وبه جزم الروياني في

стр. 171

شرح ((التلخيص)). انتهى. وذكره الشرح هنا قد كرره في مواضع من هذا الباب، وهو غلط سبق إليه القلم، فإنه ليس له شرح عليه، وإنما له كتاب يسمى ((التلخيص)) ظفر به المصنف، ونقل عنه في مواضع. * * *

стр. 172

باب هيئة الجمعة قوله: ويبكر الناس بعد طلوع الشمس. ثم قال: وقيل: إن التبكير يكون من طلوع الفجر، وهو الذي صححه الشيخ في ((المهذب))، وكذا الرافعي والروياني في ((شرح التلخيص)). انتهى. وتعبيره بقوله: في ((شرح التلخيص))، غلط، بل صوابه التعبير بـ ((التلخيص))، وقد تقدم قبله مثله. قوله: ونقل في ((الروضة)) عن الشافعي: أنه استحب فيها ما يستحب في ليلة العيد، لأنه يقال: إن الدعاء فيها مستجاب. انتهى كلامه. وهو صريح في استحباب إحيائها بالصلاة أو غيرها، وهو غلط، فإن تخصيص ليلة الجمعة بالصلاة مكروه كما ثبت في ((صحيح)) مسلم، وجزم به النووي في باب صلاة التطوع من ((التحقيق)) و ((شرح المهذب))، بخلاف ليلتي العيد. وأما نقله ذلك عن ((الروضة)) فغلط- أيضًا- فإن النووي ذكر المسألة فيها في باب صلاة العيد فقال: يستحب في ليلتي العيد التكبير والإحياء بالعبادة. ثم قال من ((زوائدة)) ما نصه: قال الشافعي: وبلغنا أن الدعاء يستجاب في خمس ليال: ليلة الجمعة، والعيدين، وأول رجب، ونصف شعبان. قال الشافعي: وأستحب كل ما حكيته في هذه الليالي. هذا لفظه، وأوضحه أيضًا في الباب المذكور، وأن مشيخة من خيار أهل المدينة يجتمعون ليلتي العيد في المسجد، فيدعون ويذكرون الله تعالى حتى تذهب ساعة من الليل، وأن عمر كان يحيي ليلة النحر ثم قال ما نصه: قال الشافعي: وأنا أستحب كل ما حكيته في هذه الليالي من غير أن يكون فرضًا. انتهى. وحاصله: أن كل شيء حكاه من غير في ليلة من هذه الليالي فإنه يوافق القائل به، وليس فيه ما نقله المصنف. قوله: وساعة الإجابة. قيل: إنها من حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها، لقول عمرو بن عوف المزني:

стр. 173

سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((في يوم الجمعة ساعة من النهار لا يسأل العبد الله- شيئًا إلا أعطاه له، قيل: أي ساعة هي؟ قال: حتى تقام الصلاة إلى الانصراف منها)) رواه مسلم، وهذا القول صححه في ((الروضة)) لأجل هذا الخبر. انتهى كلامه. وما نقله- ﵀ هاهنا سهو، فإن الذي صححه النووي في ((الروضة)) و ((شرح المهذب)) وغيرهما: أن ساعة الإجابة ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، قال: وقد ثبت ذلك في ((صحيح)) مسلم من رواية أبي موسى الأشعري، وذكر في ((لغات التنبيه)) أن هذا الجلوس هو الذي يكون في أول صعوده. قوله: بقي من تفاريع مسائل الزحام فروع: إذا لم يزل الزحام حتى سجد الإمام في الثانية فإنه يسجد معه وجهًا واحدًا، قاله القاضي أبو الطيب والماوردي والبغوي، لكن القاضي والماوردي قالا: إنه يحصل له إذا سجد معه ركعة ملفقة من ركوع من الأولى وسجود من الثانية، فيكون فيها الوجهان. وقال البغوي: إن قلنا: إنه يجب عليه متابعة الإمام، كانت الركعة ملفقة، وإن قلنا: يمشي على ترتيب صلاة نفسه، حصلت له ركعة من الجمعة، كذا رأيته فيما وقفت عليه منه، لكن في ((الرافعي)) أنه قال: إن قلنا: إن الواجب عليه رعاية ترتيب صلاة نفسه، حصلت له ركعة ملفقة، وإن قلنا: إن الواجب عليه متابعة الإمام، فالحاصل له ركعة غير ملفقة. انتهى كلامه. وما نقله- ﵀ عن ((التهذيب)) صحيح، وأما ما نقله عن الرافعي فغلط من المصنف عليه، فإن المذكور في ((الرافعي)) عن ((التهذيب)) إنما هو العكس مما قاله المصنف، وموافق لما نقله هو عن ((التهذيب)) فقال: والحاصل ركعة ملفقة إن قلنا: الواجب متابعة الإمام، وغير ملفقة إن قلنا: الواجب عليه رعاية ترتيب صلاته، ذكره في ((التهذيب)). هذا لفظ الرافعي، وذكر في ((الروضة)) نحوه.

стр. 174

باب صلاة العيد قوله: وكلام الشيخ مصرح بانعقادها فرادى، وهو الجديد الذي نص عليه في ((الأم)) فقال: ولا بأس أن يصلوها في مساجد الجماعات في المصر، فإذا فعلوا فلا أحب أن يخطب أحد في المصر إذا كان به إمام، خوف الفتنة. انتهى كلامه. وهو عجيب، فإن النص المذكور دليل على أنه لا يطلب تعدد الخطبة في الأماكن التي يصلون فيها، وأما الصلاة فرادى فليس فيه تعرض له بالكلية. قوله: فرع: لو اقتدى في العيد بمن يخالفه في التكبير: بأن كان هو يعتقد أنها في الأولى ست، وإمامه يعتقد أنها سبع، أو بالعكس- فهل يتابع إمامه، أو يمشي على اعتقاد نفسه؟ حكى الإمام في كتاب الجنائر قولين، الذي ذكره منهما هاهنا، وكذا الفوراني والرافعي: إتباع الإمام. انتهى كلامه. والذي نقله عن الرافعي من الاقتصار على المتابعة عجيب، فإن الرافعي قد حكى هاهنا القولين معًا. قوله: لو فاتته صلاة في يوم العيد، فقضاها في غيره- لم يكبر، وفيه احتمال للإمام، والمنقول: الأول. انتهى. ومعناه: أنه لم يقل أحد بغير الأول، وهو غريب، فقد حكى ابن يونس شارح ((التنبيه)) وجهًا: أنه يكبر.

стр. 175

باب صلاة الكسوف قوله: قال الأزهري: ((الكسوف)) و ((الخسوف)) مترادفان. ثم قال: والقول الثاني: ليسا مترادفين، بل متغايران: فالكسوف للشمس، والخسوف للقمر. قال الجوهري: وهو الصحيح. انتهى كلامه. وما نقله عن الجوهري من التباين غلط، فقد صرح الجوهري في ((فصل الكاف)) و ((فصل الخاء)) بأن ((الخسوف)) و ((الكسوف)) يطلق عليهما معًا، قال: إلا أن الأجود إطلاق ((الكسوف)) على الشمس و ((الخسوف)) على القمر، والظاهر: أن بعضهم نقل عن الجوهري أنه الفصيح، فتحرف على المصنف بـ ((الصحيح))، وركبها مع القولين لا مع اللغتين، فلزم وقوعه في صريح الغلط. قوله- نقلًا عن الشيخ-: قال: وإذا اجتمع صلاتان مختلفتان بدأ بأخوفهما فوتًا. ثم قال: فإن استويتا في الفوات بدأ بآكدهما، كالوتر والكسوف يبدأ بالكسوف ... إلى آخره. ثم نقل بعد ذلك عن بعضهم أنه قال: ما ذكره الشيخ من المثال متجه إذا قلنا: لا يصلي لخسوف القمر بعد طلوع الفجر كما هو القديم، أما إذا قلنا: يصلي- كما هو الجديد الذي لم يحك الشيخ غيره- فلا يتجه، لأنه يبدأ بالوتر فإنه أسرع فوتًا، قال: وإنما يتجه على هذا أن يقول: كركعتي الفجر والخسوف [كذا]، فيبدأ بالخسوف [كذا]. قلت: وهذا السؤال جاء من اعتقاد السائل أن وقت الوتر يخرج بطلوع الفجر، أما إذا قلنا: إنه يدوم إلى طلوع الشمس- كما صار إليه بعضهم- فلا ... إلى آخر ما ذكره. وهذا السؤال الذي أورد على الشيخ، واعتقد المصنف صحته، وحاول الجواب عنه بتخريجه على قول ضعيف- سؤال ساقط عجيب، فإن هذه الصلاة تفوت تارة بالانجلاء، وتارة بفوات الزمن المقدر له، وهو من أول الليل إلى طلوع الفجر على قولٍ، وإلى طلوع الشمس على قولٍ آخر، والشيخ لم يذكر أن خوف الفوات في المثال الذي ذكره لأجل فوات الزمن المقدر حتى يورد عليه ما أورد، بل أطلقه،

стр. 176

ويعلم من بطلان الحمل على هذا إرادة القسم الآخر، وهو ما إذا شرع الكسوف في الانجلاء ولم يبق منه إلا القليل، ولم يبق- أيضًا- من طلوع الفجر إلا القليل، فقد استويا في الفوات. تنبيه: تنبيه: ذكر أن الشافعي قال: إذا خالف قولي حديثًا فاضربوا بقولي عرض الحائط ... إلى آخره. عُرض: بعين مهملة مضمومة، وراء ساكنة، وضاد معجمة. كذا ضبطه الجوهري، وقال: معناه: اعترضوا عليه كيف شئتم، من قولهم: نظرت إليه عن عُرض، وضربت من عُرض، يعني: كيف اتفق، لا تبالي من ضربت.

стр. 177

باب صلاة الاستسقاء قوله: وقال الجيلي هنا: إن القفال ذكر في ((الخصال)) أن الاستسقاء فرض على الكفاية. انتهى. وتعبيره بـ ((القفال)): تحريف، وصوابه: الخفاف، وهو الذي ذكره الجيلي- أيضًا- وقد راجعت كتاب ((الخصال)) للمذكور، فرأيت الأمر فيه كما نقله عنه الجيلي، وهو الجزم بأنها فرض. قوله: واستسقى عمر عام الرمادة. انتهى. وهي الهلاك، وهو براء ودال مهملتين، وبالميم، وفي آخره تاء التأنيث. قال الجوهري: هي أعوام جدب تتابعت على الناس، سمي بذلك، لهلاك الناس والأموال فيه. يقال: رمد- بالفتح- يرمد، بالكسر والضم، رمدًا، بالسكون، ورمادة: إذا هلك. قوله: قال الله- تعالى- حكاية عن موسى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ...﴾ الآية [هود:٥٢]. انتهى. وما ذكره من حكاية ذلك عن موسى غلط، وصوابه: هود، والآية في السورة المذكورة. قوله: والبذلة- بكسر الباء-: ما يلبس حال العمل، وجاء فلان في مباذلة، أي: في ثياب بذلته. انتهى. اعلم أن ((فعلة)) - وهو المكسور الأول- يجمع على ((فعل)) بكسره أيضًا، كقربة وقرب، وبضمه: كلحية ولحى. وأما الواقع في الكتاب وهو ((مفاعله)) فلا يكون جمعًا لذلك، وسبب غلط المصنف: أنه يأخذ الكلام على الألفاظ من ((تحرير التنبيه)) للنووي، والنووي ذكر- تبعًا للجوهري- أن المفرد يقال فيه: بذلة، ومبذلةٍ- بكسر الميم- فتقول: جاء في مباذلة. انتهى، وهذا الكلام صحيح عائد على ((مبذلة))، فلما نقله المصنف نسي المفرد الثاني، وذكر جمعه، فوقع في الغلط. قوله: والصبغ: دون الكتف مما يلي المرفق.

стр. 178

هو بضاد معجمة مفتوحة، وباء ساكنة، وعين مهملة. قوله: وإن خرج أهل الذمة لم يمنعوا، فقد يحييهم الله- تعالى- استدراجًا، قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣] ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٢]. انتهى. والآيتان المذكورتان متعاكستان في التلاوة، وكأن المصنف رأى كلًا منهما في تصنيف، فظن عدم اتصالهما، فوصلهما بالعكس. قوله: وما أفهمه كلام الشيخ من عدم الترتيب بين الخطبتين والصلاة هو ما صرح به المتولي، واختاره النووي في ((الروضة)). انتهى. وما نقله عن اختياره في ((الروضة)) ليس كذلك، فإنه إنما نقله عن ((التتمة)) خاصة، ولم يصرح باختياره ولا برده، بل ذكر دليلًا لصاحب ((التتمة))، فراجع ((الروضة)) يتضح لك ذلك. نعم، جزم به في ((المنهاج)) من ((زوائده))، ونقل في ((شرح المهذب)) أن الشيخ أبا حامد نقله عن الأصحاب، وأن ابن المنذر أشار إلى استحبابه. قوله: فقال عمر: ((لقد طلبت الغيث بمجادح السماء)) يعني الاستغفار. والمجاديح: جمع ((مجدح)) - بكسر الجيم وفتح الدال، وقيل: بضم الميم- هو كل نجم كانت العرب تستمطر به المطر، فأخبر عمر أن المجاديح التي يستمطر بها هي الاستغفار، لا النجوم. انتهى. والمجدح: بميم مكسورة- ضمها لغة- وجيم ساكنة، ودال مفتوحة، بعدها حاء مهملة، ذكره الجوهري. وقد أهمل المصنف ضبط ما ينبغي ضبطه، والذي ضبطه أخطأ في ضبطه، فإنه عبر بقوله: بكسر الجيم، وصوابه: الميم، وتعبيره في الجمع بـ ((المجاديح)) - أعني بالياء- دون ((المجادح))، ضعيفٌ عند البصريين، فإنه إنما يجوز عندهم فيما كان قبل آخره مدة نحو: مفتاح ومفاتيح. قوله: غدقًا- بالعين المعجمة-: أي كثير الكثير، وقيل: كبيره. انتهى. وهو كلام محرف، فإن النووي في ((اللغات)) (١٠٤) عبر بقوله: هو الكثير الماء، وقيل: كبار المطر. انتهى، وحاصله: أن معناه: إما كثرة الماء، أي: لا قلته، وإما كبر النقطة النازلة، أي: لا صغرها، فعبر عنه المصنف بتعبير لا معنى له، وكأن القلم سبق من ((المطر)) إلى لفظ ((الكثير)) ويكون حينئذ ((كثير)) المذكور أولًا بالمثلثة، والمذكور آخرًا بالموحدة. قوله: السح- بسين مفتوحة وحاء مهملتين-: هو المطر الشديد الواقع على

стр. 179

الأرض. انتهى. وتعبيره بالواقع- أعني بالألف- وقع كذلك بخطه، وهو تحريف، وصوابه: الوقع- بسكون القاف- كما عبر به النووي في ((اللغات))، أي: الإصابة، وهو الذي يكون له صوت شديد عند إصابته للأرض. قوله: واللأواء: شدة الجوع، وهو ممدود بالمد. انتهى. وتعبيره بـ ((المد)) بعد ذكر ((الممدود)) لا معنى له، بل صوابه أن يقول: ممدود بالهمز. قوله: قال الشافعي: ويدعو بما رواه المطلب بن حنطب ... إلى آخره. هو بحاء مهملة مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم طاء مهملة مفتوحة، بعدها باء موحدة، وحنطب: جد المطلب، واسم أبيه: عبد الله. قوله: روى مسلم: أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء انتهى. هو بالقاف والضاد المعجمة، وسميت بذلك، لأنها أبيعت في قضاء دين عمر بن الخطاب بوصية منه، وكان ستة وثمانين ألفًا أو نحوها- كما رواه البخاري- واشتراها بعد ذلك مروان، وسكنها. ووقع في خط المصنف: العضا- بالعين- وهو تحريف. قوله: تنبيه: ذكر في الحديث ألفاظًا: منها: ((سلع))، وهو- بفتح السين المهملة، وإسكان اللام، وبالعين المهملة- اسم لجبل معروف بالمدينة. ومنها: ((قزعة))، بقاف مفتوحة، وزاي معجمة وعين مهملة مفتوحتين، هي القطعة من السحاب، جمعها: قزع، بحذف التاء، سميت بذلك، لتقطعها، ومنه: القزع، لحلق بعض الرأس. ومنها: ((سحابة مثل الترس))، هو بتاء مثناة من فوق مضمومة، ثم راء ساكنة بعدها سين مهملتان، وهو الذي يستتر به الشخص وقت القتال. ومنها: ((فما رأينا الشمس ستا))، يروى ((ستا)) على أنه اسم للعدد المعروف الذي يلي الخمس، ويروى: ((سبتًا)) - بالموحدة ثم المثناة- على أنه اسم لليوم المعروف، وكني به عن الجمعة بكمالها، لأنه أولها على مقالةٍ، وعلى مقالة أخرى: أول الجمعة هو الأحد. قوله: فإن استسقوا، فتأخرت الإجابة- أعادوا ثانيًا وثالثًا. ثم نص في ((المختصر))

стр. 180

على أنهم يعيدون ذلك عقب اليوم الذي استسقوا فيه، ونص في القديم على أنهم يصومون ثلاثة أخرى قبل العود الثاني، واختلف الأصحاب في ذلك: فقال ابن القطان: المسألة على قولين، وليس في الاستسقاء مسألة فيها قولان إلا هذه. انتهى. فيه أمران: أحدهما: أن كلامه يشعر بحصر الإعادة في المرة الثانية والثالثة فقط، وليس كذلك، بل لا يزالون يكررون ذلك إلى حصول السقي، كذا صرح به في ((شرح المهذب)). الأمر الثاني: أن ما ذكره في آخر كلامه من حصر القولين في هذه المسألة ليس كذلك، فإن تحويل الرداء فيها قولان للشافعي، كما تقدم. قوله: ويستحب أن يقول عند نزول المطر: ((اللهم صيبًا نافعًا))، كما رواه البخاري، وفي رواية ابن ماجه: ((سيبًا نافعًا)) مرتين أو ثلاثة، قاله في ((الروضة))، ويستحب الجمع بينهما. انتهى كلامه. الصيب- بصاد مهملة مفتوحة، وبعدها ياء مثناة من تحت مكسورة، ثم باء موحدة-: هو المطر، كذا نقله البخاري في ((صحيحه)) عن ابن عباس، قال الواحدى: إنه المطر الشديد، من قولهم: صاب يصوب، صوبًا: إذا كان من علوٍ إلى سفلٍ، وقيل: الصيب: السحاب. وأما ((السيب)) فهو بسين مفتوحة، ثم ياء مثناة ساكنة، بعدها باء موحدة-: هو العطاء. والمراد بقوله: يستحب الجمع بينهما، أي: بين رواية البخاري وابن ماجه، كذا أوضحه النووي في ((شرح المهذب))، وذكره في ((الروضة)) من غير إيضاح، بل كما ذكره المصنف، فاعلمه، فإن كلام المصنف يوهم أنه لم يذكره في ((الروضة)). قوله: وشاهده ما رواه أبو داود مرسلًا عن أبي حسين أنه- ﵇: ((نهى أن يشار إلى المطر)). انتهى. وصوابه ابن أبي حسين، بزيادة لفظ ((ابن))، وروي- أيضًا- مرفوعًا عن ابن عباس، والمحفوظ- كما قاله البيهقي في ((السنن)): إرساله. قوله: قال الشيخ: ويستحب أن يسبح للرعد والبرق، أي: يسبح الله تعالى عند رؤيتهما، فيقول: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. انتهى. وتعبيره بقوله: رؤيتهما، سهو، والصواب: عند سماع الرعد ورؤية البرق، وهذا
следующие страницы →