Полный текст (594 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ويعلم من بطلان الحمل على هذا إرادة القسم الآخر، وهو ما إذا شرع الكسوف في الانجلاء ولم يبق منه إلا القليل، ولم يبق- أيضًا- من طلوع الفجر إلا القليل، فقد استويا في الفوات.
تنبيه: تنبيه: ذكر أن الشافعي قال: إذا خالف قولي حديثًا فاضربوا بقولي عرض الحائط ... إلى آخره.
عُرض: بعين مهملة مضمومة، وراء ساكنة، وضاد معجمة. كذا ضبطه الجوهري، وقال: معناه: اعترضوا عليه كيف شئتم، من قولهم: نظرت إليه عن عُرض، وضربت من عُرض، يعني: كيف اتفق، لا تبالي من ضربت.
стр. 177
باب صلاة الاستسقاء
قوله: وقال الجيلي هنا: إن القفال ذكر في ((الخصال)) أن الاستسقاء فرض على الكفاية. انتهى.
وتعبيره بـ ((القفال)): تحريف، وصوابه: الخفاف، وهو الذي ذكره الجيلي- أيضًا- وقد راجعت كتاب ((الخصال)) للمذكور، فرأيت الأمر فيه كما نقله عنه الجيلي، وهو الجزم بأنها فرض.
قوله: واستسقى عمر عام الرمادة. انتهى.
وهي الهلاك، وهو براء ودال مهملتين، وبالميم، وفي آخره تاء التأنيث.
قال الجوهري: هي أعوام جدب تتابعت على الناس، سمي بذلك، لهلاك الناس والأموال فيه.
يقال: رمد- بالفتح- يرمد، بالكسر والضم، رمدًا، بالسكون، ورمادة: إذا هلك.
قوله: قال الله- تعالى- حكاية عن موسى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ...﴾ الآية [هود:٥٢]. انتهى.
وما ذكره من حكاية ذلك عن موسى غلط، وصوابه: هود، والآية في السورة المذكورة.
قوله: والبذلة- بكسر الباء-: ما يلبس حال العمل، وجاء فلان في مباذلة، أي: في ثياب بذلته. انتهى.
اعلم أن ((فعلة)) - وهو المكسور الأول- يجمع على ((فعل)) بكسره أيضًا، كقربة وقرب، وبضمه: كلحية ولحى. وأما الواقع في الكتاب وهو ((مفاعله)) فلا يكون جمعًا لذلك، وسبب غلط المصنف: أنه يأخذ الكلام على الألفاظ من ((تحرير التنبيه)) للنووي، والنووي ذكر- تبعًا للجوهري- أن المفرد يقال فيه: بذلة، ومبذلةٍ- بكسر الميم- فتقول: جاء في مباذلة. انتهى، وهذا الكلام صحيح عائد على ((مبذلة))، فلما نقله المصنف نسي المفرد الثاني، وذكر جمعه، فوقع في الغلط.
قوله: والصبغ: دون الكتف مما يلي المرفق.
стр. 178
هو بضاد معجمة مفتوحة، وباء ساكنة، وعين مهملة.
قوله: وإن خرج أهل الذمة لم يمنعوا، فقد يحييهم الله- تعالى- استدراجًا، قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣] ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:١٨٢]. انتهى.
والآيتان المذكورتان متعاكستان في التلاوة، وكأن المصنف رأى كلًا منهما في تصنيف، فظن عدم اتصالهما، فوصلهما بالعكس.
قوله: وما أفهمه كلام الشيخ من عدم الترتيب بين الخطبتين والصلاة هو ما صرح به المتولي، واختاره النووي في ((الروضة)). انتهى.
وما نقله عن اختياره في ((الروضة)) ليس كذلك، فإنه إنما نقله عن ((التتمة)) خاصة، ولم يصرح باختياره ولا برده، بل ذكر دليلًا لصاحب ((التتمة))، فراجع ((الروضة)) يتضح لك ذلك. نعم، جزم به في ((المنهاج)) من ((زوائده))، ونقل في ((شرح المهذب)) أن الشيخ أبا حامد نقله عن الأصحاب، وأن ابن المنذر أشار إلى استحبابه.
قوله: فقال عمر: ((لقد طلبت الغيث بمجادح السماء)) يعني الاستغفار. والمجاديح: جمع ((مجدح)) - بكسر الجيم وفتح الدال، وقيل: بضم الميم- هو كل نجم كانت العرب تستمطر به المطر، فأخبر عمر أن المجاديح التي يستمطر بها هي الاستغفار، لا النجوم. انتهى.
والمجدح: بميم مكسورة- ضمها لغة- وجيم ساكنة، ودال مفتوحة، بعدها حاء مهملة، ذكره الجوهري. وقد أهمل المصنف ضبط ما ينبغي ضبطه، والذي ضبطه أخطأ في ضبطه، فإنه عبر بقوله: بكسر الجيم، وصوابه: الميم، وتعبيره في الجمع بـ ((المجاديح)) - أعني بالياء- دون ((المجادح))، ضعيفٌ عند البصريين، فإنه إنما يجوز عندهم فيما كان قبل آخره مدة نحو: مفتاح ومفاتيح.
قوله: غدقًا- بالعين المعجمة-: أي كثير الكثير، وقيل: كبيره. انتهى.
وهو كلام محرف، فإن النووي في ((اللغات)) (١٠٤) عبر بقوله: هو الكثير الماء، وقيل: كبار المطر. انتهى، وحاصله: أن معناه: إما كثرة الماء، أي: لا قلته، وإما كبر النقطة النازلة، أي: لا صغرها، فعبر عنه المصنف بتعبير لا معنى له، وكأن القلم سبق من ((المطر)) إلى لفظ ((الكثير)) ويكون حينئذ ((كثير)) المذكور أولًا بالمثلثة، والمذكور آخرًا بالموحدة.
قوله: السح- بسين مفتوحة وحاء مهملتين-: هو المطر الشديد الواقع على
стр. 179
الأرض. انتهى.
وتعبيره بالواقع- أعني بالألف- وقع كذلك بخطه، وهو تحريف، وصوابه: الوقع- بسكون القاف- كما عبر به النووي في ((اللغات))، أي: الإصابة، وهو الذي يكون له صوت شديد عند إصابته للأرض.
قوله: واللأواء: شدة الجوع، وهو ممدود بالمد. انتهى.
وتعبيره بـ ((المد)) بعد ذكر ((الممدود)) لا معنى له، بل صوابه أن يقول: ممدود بالهمز.
قوله: قال الشافعي: ويدعو بما رواه المطلب بن حنطب ... إلى آخره.
هو بحاء مهملة مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم طاء مهملة مفتوحة، بعدها باء موحدة، وحنطب: جد المطلب، واسم أبيه: عبد الله.
قوله: روى مسلم: أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء انتهى.
هو بالقاف والضاد المعجمة، وسميت بذلك، لأنها أبيعت في قضاء دين عمر بن الخطاب بوصية منه، وكان ستة وثمانين ألفًا أو نحوها- كما رواه البخاري- واشتراها بعد ذلك مروان، وسكنها. ووقع في خط المصنف: العضا- بالعين- وهو تحريف.
قوله: تنبيه: ذكر في الحديث ألفاظًا:
منها: ((سلع))، وهو- بفتح السين المهملة، وإسكان اللام، وبالعين المهملة- اسم لجبل معروف بالمدينة.
ومنها: ((قزعة))، بقاف مفتوحة، وزاي معجمة وعين مهملة مفتوحتين، هي القطعة من السحاب، جمعها: قزع، بحذف التاء، سميت بذلك، لتقطعها، ومنه: القزع، لحلق بعض الرأس.
ومنها: ((سحابة مثل الترس))، هو بتاء مثناة من فوق مضمومة، ثم راء ساكنة بعدها سين مهملتان، وهو الذي يستتر به الشخص وقت القتال.
ومنها: ((فما رأينا الشمس ستا))، يروى ((ستا)) على أنه اسم للعدد المعروف الذي يلي الخمس، ويروى: ((سبتًا)) - بالموحدة ثم المثناة- على أنه اسم لليوم المعروف، وكني به عن الجمعة بكمالها، لأنه أولها على مقالةٍ، وعلى مقالة أخرى: أول الجمعة هو الأحد.
قوله: فإن استسقوا، فتأخرت الإجابة- أعادوا ثانيًا وثالثًا. ثم نص في ((المختصر))
стр. 180
على أنهم يعيدون ذلك عقب اليوم الذي استسقوا فيه، ونص في القديم على أنهم يصومون ثلاثة أخرى قبل العود الثاني، واختلف الأصحاب في ذلك: فقال ابن القطان: المسألة على قولين، وليس في الاستسقاء مسألة فيها قولان إلا هذه. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن كلامه يشعر بحصر الإعادة في المرة الثانية والثالثة فقط، وليس كذلك، بل لا يزالون يكررون ذلك إلى حصول السقي، كذا صرح به في ((شرح المهذب)).
الأمر الثاني: أن ما ذكره في آخر كلامه من حصر القولين في هذه المسألة ليس كذلك، فإن تحويل الرداء فيها قولان للشافعي، كما تقدم.
قوله: ويستحب أن يقول عند نزول المطر: ((اللهم صيبًا نافعًا))، كما رواه البخاري، وفي رواية ابن ماجه: ((سيبًا نافعًا)) مرتين أو ثلاثة، قاله في ((الروضة))، ويستحب الجمع بينهما. انتهى كلامه.
الصيب- بصاد مهملة مفتوحة، وبعدها ياء مثناة من تحت مكسورة، ثم باء موحدة-: هو المطر، كذا نقله البخاري في ((صحيحه)) عن ابن عباس، قال الواحدى: إنه المطر الشديد، من قولهم: صاب يصوب، صوبًا: إذا كان من علوٍ إلى سفلٍ، وقيل: الصيب: السحاب.
وأما ((السيب)) فهو بسين مفتوحة، ثم ياء مثناة ساكنة، بعدها باء موحدة-: هو العطاء.
والمراد بقوله: يستحب الجمع بينهما، أي: بين رواية البخاري وابن ماجه، كذا أوضحه النووي في ((شرح المهذب))، وذكره في ((الروضة)) من غير إيضاح، بل كما ذكره المصنف، فاعلمه، فإن كلام المصنف يوهم أنه لم يذكره في ((الروضة)).
قوله: وشاهده ما رواه أبو داود مرسلًا عن أبي حسين أنه- ﵇: ((نهى أن يشار إلى المطر)). انتهى.
وصوابه ابن أبي حسين، بزيادة لفظ ((ابن))، وروي- أيضًا- مرفوعًا عن ابن عباس، والمحفوظ- كما قاله البيهقي في ((السنن)): إرساله.
قوله: قال الشيخ: ويستحب أن يسبح للرعد والبرق، أي: يسبح الله تعالى عند رؤيتهما، فيقول: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. انتهى.
وتعبيره بقوله: رؤيتهما، سهو، والصواب: عند سماع الرعد ورؤية البرق، وهذا
стр. 181
اللفظ الذي ذكر أنه مستحب رواه مالك في ((الموطأ)) بإسناده الصحيح عن عبد الله بن الزبير موقوفًا عليه.
واعلم أن ما ذكره المصنف من استحباب التسبيح للبرق ذكره الشيخ في ((التنبيه))، فتابعه عليه النووي في ((زيادات الروضة)) و ((المنهاج))، ثم المصنف، ولم يذكره الشيخ في ((المهذب)) ولا النووي في ((شرحه)) له، واستدلال المصنف وغيره على الرعد خاصة يدل على عدم الاستحباب فيه.
стр. 182
كتاب الجنائز
باب ما يفعل بالميت
قوله: وإذا مات فيستحب أن يقرأ عنده سور ((يس))، لقوله ﷺ : ((اقرءوا على موتاكم يس)) أخرجه أبو داود. قال القاضي الحسين: وقيل: تقرأ عند القبر. والأول: أصح. انتهى كلامه.
وما ذكره من كون الأصح عند الأصحاب: أن الأمر الوارد به الحديث هو قراءتها بعد الموت، وقيل: عند القبر، ومن انتفاء الاستحباب قبل ذلك- عجيب لا ذكر له في كلام القاضي ولا في غيره. نعم، حكى القاضي وجهين، أحدهما: في حالة النزع، والثاني: بعد الدفن.
стр. 183
باب غسل الميت
قوله: فلو مات- أي: الزوج- وهي في عدة من طلاق رجعي، فالمحكي عن نصه في ((الجامع الكبير)): أنها لا تغسله، لأن نظرها إليه في حال الحياة كنظر الأجنبية، فكانت كهي بعد الموت، وفي ((شرح)) ابن التلمساني وجه لم أره في غيره: أن لها أن تغسله، لجريان التوارث بينهما. انتهى كلامه.
وهذا الوجه الذي استغربه حتى قال: إنه لم يره لغير المذكور، قد حكاه صاحب ((البحر)) وكذلك صاحب ((الذخائر))، ونقله عن الشيخ أبي حامد، ورأيته مجزومًا به في ((التعليق)) له، أي: للشيخ أبي حامد- وقال بعد أن ذكر جواز ذلك: إن النظر المحرم في الرجعية هو النظر بشهوة. قال: أما بغيرها فيجب ألا يحرم.
قوله: ولا ينظر الغاسل إلا إلى ما لابد له منه، لما ذكرناه، والذي يعاون الغاسل في معنى الغاسل إذا لم يستغن عنه، فإن استغنى عنه فيستحب ألا يستعين. انتهى كلامه.
وما جزم به من التسوية بين الغاسل والمعين ليس كذلك، فقد جزم الرافعي- وتبعه عليه في ((الروضة)) بالتغاير، فقال: إن الغاسل ينظر بالحاجة كمعرفة المغسول وغيره، والمعين لا ينظر إلى لضرورة.
قوله: ويفعل ذلك- أي: غسل الميت- ثلاثًا.
ثم قال: فإن احتاج إلى الزيادة على ذلك غسل، لخبر أم صفية. انتهى كلامه.
وتعبيره بـ ((أم صفية)) سهو، بل الصواب: أم عطية، وقد ذكره هو قبل ذلك في عدة مواضع على الصواب، والحديث: أنها قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن نغسل ابنته، فقال: ((اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافورًا أو شيئًا من كافور))، ورواه مسلم، وابنته هذه هي زينب زوج أبي العاص بن الربيع، وهي أكبر بناته.
стр. 184
قوله: ويجوز للجنب والحائض غسل الميت على غلط، قاله في ((الروضة)). انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: ((على)) غلط انعكس به الحكم، وصوابه- وهو المذكور في ((الروضة)) - تعبيره بـ ((لا)) أي: ((لا)) النافية.
* * *
стр. 185
باب الكفن
قوله: وتجب مؤنة التجهيز في ماله، مقدمةً على الدين والوصية، وهذا إذا لم يكن ماله مرتهنًا بدينه، ولا جانيًا، قال في ((الروضة)): ولا مبيعًا ثبت لبائعه حق الرجوع فيه، فإن كان فإنه يقدم كما ذكرناه في الفرائض. انتهى.
وهذا الكلام يقتضي حصر الاستثناء فيما ذكره، وليس الأمر على هذا الحصر، بل قال الأصحاب: إن كل حق تعلق بعين فإنه يقدم، وحينئذ فيدخل فيه مسائل أخرى.
إحداها: إذا مات رب المال قبل قسمة مال القراض، فإنه يقدم حق العامل على الكفن، لأن الرافعي في كتاب القراض قد صرح بأن حقه يتعلق بالعين.
الثانية: المعتدة عن الوفاة بالحمل سكناها مقدمٌ على التجهيز، لأن الرافعي قد نص في كتاب العد على امتناع بيعها، للجهل بمقدار زمن العدة.
الثالثة: نفقة الأمة المزوجة وإن كانت ملكًا للسيد، قال الرافعي: إلا أن حقها يتعلق بها، قال: كما أن كسب العبد ملك للسيد، وتتعلق به نفقة زوجته.
الرابعة: كسب العبد بالنسبة إلى نفقة زوجته كما ذكرناه.
الخامسة: إذا قبض السيد نجوم الكتابة، ثم مات قبل الإيتاء- ومال الكتابة باق- ففي ((الرافعي)) و ((الروضة)): أن حق العبد يتعلق بعينه، وحينئذٍ فيقدم.
السادسة: إذا أعطى الغاصب قيمة المغصوب، للحيلولة، ثم قدر عليه- فإنه يرده، ويرجع بما أعطاه، فإن كان المعطى تالفًا تعلق حقه بالمغصوب، ويقدم به كما نص عليه في ((الأم)) في كتاب الإقرار بالحكم الظاهر، فقال: وإذا أحضر الغاصب العبد الذي غصبه إلى سيده جبرت سيده على قبضه منه ورد الثمن عليه، فإن لم يكن عند سيده ثمنه قلت له: بعه إياه بيعًا جديدًا إن رضيتما حتى يحل له ملكه، فإن لم يفعل بعت العبد على سيده، وأعطيت الغاصب مثل ما أخذ منه، وإن كان لسيده غرماء لم أشركهم في ثمن العبد، لأنه عبد قد أعطى الغاصب قيمته. هذا لفظ الشافعي، ونقله في ((المطلب)) عنه.
واعلم أن تقييد ابن الرفعة للمرهون بقوله: بدينه، ليس بجيد، بل لو كان مرهونًا
стр. 186
بدين غيره كان الحكم- أيضًا- كلك.
قوله: ففي ((الصحيحين)) عن عائشة- ﵂ قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة. قال ابن الصباغ: وسحول- بفتح السين-: مدينة بناحية اليمن يعمل فيها ثياب يقال لها: السحولية، والسحول- بضم السين-: الثياب البيض من القطن وهو الكرسف، قال القاضي الحسين: والخبر بالضم على الصحيح. قلت: وفي مسلم ما يرد عليه، لأنه روى عن عائشة أنها قالت أدرج رسول الله ﷺ في حلة يمانية كانت لعبد الله بن أبي بكر، ثم نزعت عنه، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية، ليس فيها عمامة ولا قميص. انتهى كلام ابن الرفعة.
وهذا الرد لا أدري ما وجهه، فإن أقرب شيء يعود عليه- كلام القاضي، وليس فيه ما يدفع كلامه، غايته أن فيه قيدًا آخر وهو كونها من اليمن، فتأمله.
تنبيه: ذكر ألفاظًا منها:
المعمل، هو بميم مضمومة، وعين مهملة ساكنة، وميم مكسورة، بعدها لام- هو المكتسب المحترف.
ومنها: الساج: اسم للطيلسان، هو بسين مهملة وجيم.
قوله: وكأن الفرق بين القريب وبيت المال: أن التكفين من بيت المال أوسع، ولهذا لو نبش الميت، وأخذ كفنه- لا يجب على القريب تكفينه ثانيًا، ولو كان قد كفن من بيت المال كفن ثانيًا وثالثًا ما قاله المتولي، لأن العلة في الكرة الأولى: الحاجة، والحاجة موجودة. انتهى كلامه.
وما نقله عن المتولي صحيح في التكفين من بيت المال، وأما في التكفين من مال القريب فلا، بل جزم بأنه يجب تكفينه ثانيًا فقط، فقال: الخامسة عشرة: إذا نبش القبر، وأخذ الكفن: فإن كان قد كفن من ماله يكفن ثانيًا، وإن كان قد كفنه من يلزمه نفقته فكذلك، وإن كفن من بيت المال يكفن ثانيًا وثالثًا، لأن العلة في الكرة الأولى: الحاجة، والحاجة موجودة. هذا كلام المتولي بحروفه، ونقله عنه النووي- أيضًا- في ((شرح المهذب)) على الصواب.
قوله: وصنيفة الثوب: طرته.
هو بصاد مهملة مفتوحة، ثم نون مكسورة، ثم ياء، بعدها فاء مفتوحة، ثم تاء التأنيث، كذا قاله الجوهري، وقد ضبطه المصنف ضبطًا فاسدًا ناقصًا.
стр. 187
باب الصلاة على الميت
قوله- نقلًا عن الشيخ-: فإن اجتمع جنائز قدم إلى الإمام أفضلهم.
ثم قال: وهذا الكلام يشمل ما لو حضروا معًا، وأرادوا إفراد كل واحد بالصلاة والإمام واحد، ولم يخش التغير، والمنقول في ((الحاوي)): إنه يقرع، ويقدم من خرجت قرعته وإن كان مفضولًا. انتهى.
والذي ادعاه من الشمول غير صحيح، فإن تعبيره بقوله: فإن تعبيره بقوله: ((قدم إلى الإمام))، يشعر بالصلاة عليهم دفعة واحدة، فلو ادعى أن هذه الصورة خرجت بهذا القيد- وقد صرح به صاحب ((الحاوي)) - لكان أصوب.
قوله: ويقف الإمام عند رأس الرجل وعجيزه المرأة، وحكى الماوردي أن البصريين من أصحابنا قالوا: يقف عند صدر الرجل، ولم يورد الفوراني والغزالي والبغوي غيره. انتهى.
وما نقله عن الأولين صحيح، وأما ما نقله عن الثالث- وهو البغوي- فغلط، فإنه في ((التهذيب)) قد حكى وجهين، وزاد على ذلك فصحح الوقوف عند الرأس.
قوله: فلو كبر شخص على ميت خمسًا فهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان، أصحهما: لا، لأنه ذكرٌ، وزيادة الذكر ليست مبطلة، كذا علله الروياني، وعلله الرافعي بثبوته عن النبي ﷺ ، ونقل الماوردي وغيره عن ابن سريج: أن الاختلاف المذكور من الخلاف في المباح، وأن بعضه ليس أولى من بعض، والذي نقله عن ابن سريج غير الوجه الذي صححه الرافعي، لأن الخمس والأربع عند ابن سريج سواء، وصاحب ذلك الوجه يقول: إن الأربع أولى، فهو غيره. انتهى ملخصًا.
والذي اقتصر عليه في المغايرة عجيب، فإنه يقتضي أن ابن سريج يقول بتجويز الخامسة فقط، وليس كذلك، بل يقول- أيضًا- بجواز الاقتصار على ثلاث، فإن الماوردي نقل ذلك عن طائفة، ونقل الأربع عن طائفة ثانية، والخمس عن ثالثة، ثم نقل عن ابن سريج: أنه من الخلاف المباح، فدل على أن ابن سريج يجوز الثلاث- أيضًا- والوجه الذي صححه الرافعي جازم بمنع الثلاث، فأين أحدهما من الآخر؟!
стр. 188
ثم إن المغاير التي زعمها مردودة، فإن المراد بالمباح في كلامهم غالبًا إنما هو الجائز، فقال: إن جميع ما رد عن النبي ﷺ فيه يجوز لنا فعله، وليس تعيين بعضه للجواز بأولى من تعيين البعض، وكيف تصح إرادة المستحب والأربعة متفق عليها، والزائد مختلف في جوازه؟! والخروج من الخلاف مستحب بلا شك إذا لم يوقع في ترك سنة.
قوله في المسألة- أي: زيادة الخامسة-: وفي ((تعليق)) القاضي الحسين و ((التتمة)): أنه إن كان عالمًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا لم تبطل. وإذا جمعت بين النقلين حصل لك ثلاثة أوجه، ثالثها: الفرق بين العالم والجاهل، والرافعي خص الوجهين بحالة العلم، وقطع بالصحة في حالة الجهل، وفيه نظر، لأنا قد قررنا أن عدد التكبيرات كعدد ركعات الصلاة، وتحرم بها- لم تصح صلاته، فكذا ينبغي أن يكون هنا كذلك. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن هذا النقل الذي نقله المصنف عن الرافعي في الجاهل سهو، وحينئذٍ فلا يرد السؤال لا في حال الجهل، بل لم يتعرض للجهل بالكلية، فإنه قال: فلو كبر خمسًا لم يخل إما أن يكون ساهيًا، أو عامدًا ... إلى آخره. وما ذكره- أيضًا- عن ((التتمة)) غلط، فإنه إنما ذكر الفرق بين الناسي والعامد، وكذا نقله النووي- أيضًا- في ((شرح المهذب)). نعم، النقل عن القاضي الحسين صحيح، وكأنه عبر به عن الناسي، ولهذا فهمه عنه تلميذه- وهو المتولي- وأيضًا حتى لا يلزمهم الاعتراض الذي ذكره المصنف، فإنه اعتراض صحيح.
الأمر الثاني: أن زيادة التكبير لا تزيد على زيادة الركن أو الركعة، وزيادتهما نسيانًا لا تضر بلا خلاف، وحينئذ فكيف يستقيم حصول ثلاثة أوجه عند الجمع بين كلام ناقل الوجهين- وهو الرافعي وغيره- وكلام القاضي والمتولي؟! بل إطلاق الوجهين محمول على التعمد لا على النسيان، لما ذكرناه، وحينئذٍ فيوافق كلام الرافعي، وأما الجهل فلا يتأتى فيه خلاف، فتلخص أنه ليس في المسألة إلا وجهان.
قوله: وقد أفهم عطف الشيخ القراءة على التكبيرات أن دعاء الاستفتاح والتعوذ غير مشروعين في هذه الصلاة، والأصح: استحبابه. انتهى.
وما ادعاه من الإفهام عجيب، فإن التعوذ لما كان من مستحبات القراءة كان
стр. 189
التعرض لها تعرضًا له، فلو ادعى أن الإفهام بالعكس كان أصوب.
قوله: وحكى الرافعي عن النص أنه لو أخر قراءة الفاتحة إلى التكبيرة الثانية جاز.
ثم قال: وقياس ما حكاه: أن تتعين التكبيرة الثالثة للصلاة، والرابعة للدعاء إن كان الترتيب بين القراءة والصلاة على النبي ﷺ والدعاء شرطًا، كما هو ظاهر الخبر. انتهى كلامه.
فأما تأخير هذين الركنين- وهما الصلاة والدعاء- فالمنقول فيه: المنع، على خلاف ما ذكره بحثًا، كذا صرح بنقله الشيخ محيي الدين في ((شرح المهذب))، حتى ادعى نفي الخلاف في أن الدعاء لا يؤخر عن الثالثة.
وأما توقف ما قاله على وجوب الترتيب فظاهر الفساد، إذ لا منافاة بين اجتماع الكل في تكبيرة واحدة مع الإتيان بالترتيب، فإنه قد يؤخر القراءة إلى الثانية ولكن يأتي بها ثم بالصلاة ثم بالدعاء قبل التكبيرة الثالثة.
واعلم أن النووي في كتاب ((التبيان)) قد جزم بوجوب الفاتحة عقب الأولى.
قوله: وبقي واجبات أخرى لم يذكرها الشيخ، منها: طهارة الحدث والخبث، وسترة العورة، واستقبال القبلة. انتهى.
وما ذكره من الإهمال مردود، فإنها صلاة، وقد سبق من كلام الشيخ أن هذه الأمور شرط في الصلاة، فتركه هاهنا إحالة على ما سبق.
قوله: وعن ((بحر المذهب)) فيما سمعته: أن الصلاة على الغائب لا تفعل إلا حيث لم يكن صلى عليه أحد، وكذا كانت قصة النجاشي. انتهى كلامه.
واعلم أن صاحب ((البحر)) إنما نقل هذه المقالة عن الخطابي، وقال: إنها حسنة. وذلك بعد أن ذكر- كما ذكر غيره- أنه يصلي على الغائب من غير تفصيل، ولفظه: فإن قيل: النجاشي آمن وكتم إيمانه وهو بين كفار، ولم يكن ثم من يقوم بحقه، فلزم النبي ﷺ الصلاة عليه إذ هو وليه وأحق الناس به- قلنا: أبو حنيفة، وهو المخالف، لا يقول بهذا، لأنه قال: إذا غرق في البحر لا يصلى عليه. ولأن النجاشي ملك يستحيل ألا يوافق في دينه أحدًا فيصلي عليه إذا مات، وذهب الخطابي إلى هذا التأويل فقال: إذا مات الآن مسلم ببلد، فإن علم أنه قد صلى عليه لم يصل عليه من كان غائبًا، وإن علم أنه لم يصل عليه لعائق، فالسنة أن يصلي عليه، وهذا حسن. هذا كلام ((البحر)).
стр. 190
باب حمل الجنازة والدفن
قوله: ويختار أن يجعل للنساء على السرير كالقبة، وكذا فعلته أسماء بنت عميس لزينب بنت جحش زوج النبي ﷺ ، لأنه رأته كذلك في الحبشة، فلما رآه عمر قال: نعم خباء الظعينة. انتهى.
واعلم أن الرائي له هو: زينب لا أسماء، على خلاف ما يوهمه كلامه، فكأنها أوصت بذلك.
وعميس: بعين مهملة مضمومة، وبسين مهملة، أيضًا. والظعينة- بالظاء المشالة-: هي المرأة.
قوله: فإن الواحد أول العدد، وليس بعدد عند الحساب. انتهى.
وتعبيره بـ ((أول)) تحريف، فإن أول الأشياء من الأشياء، فلو قلت: زيد أول الداخلين، لكان منهم، وإنما الذي قاله أهل الحساب، ونقله عنهم الرافعي في مواضع-: أن الواحد منشأ العدد أو أصله، فتحرف عليه ((الأصل)) بـ ((الأول)).
قوله: أهل الذمة لا يمكنون من إخراج الجنازة نهارًا، ويجب على الإمام أن يمنعهم من ذلك، حكاه الجيلي عن ((الأحكام السلطانية)). انتهى كلامه.
وهذا النقل ليس مطابقًا لما في ((الأحكام السلطانية)) للماوردي، وإن كان مطابقًا لكلام الجيلي، فإن الماوردي قد ذكر المسألة في الباب الثالث عشر من الكتاب المذكور، فقال ما نصه: ويشترط الإمام عليها مستحقًا ومستحبًا. فذكر المستحق.
ثم قال: وأما المستحب فستة. فذكر منها: إخفاء دفن موتاهم، ثم قال- بعد أن عددها- ما نصه: وهذه الستة لا تلزم بعقد الذمة حتى تشترط عليهم، فتصير بالشرط ملتزمة، ويؤدبون على ارتكابها، ولا يؤدبون إن لم تشترط. هذا كلامه، وليس فيه تعرض لمنع إخراجها نهارًا على الإطلاق كما اقتضاه كلام الكتاب، ولا وجوب الاشتراط عليهم، بل قوة كلامهم تقتضي عدم الوجوب، ولهذا أعقبه بعدم التأديب عند عدم الاشتراط، وهذا الخلل وقع في نقل الجيلي عنه، لا في نقل المصنف عن الجيلي. ثم إن اقتصار المصنف على النقل عن الجيلي عجيب، فإن المسألة قد ذكرها
стр. 191
الرافعي في آخر عقد الذمة من جملة مسائل منقولًا أكثرها عن ((الحاوي)) للماوردي، وعبر بقوله: يؤخذ على أهل الذمة أن يخفوا دفن موتاهم، وألا يخرجوا جنائزهم ظاهرة. هذه عبارته من غير زيادة عليها. واعلم أن الماوردي في ((الحاوي)) لما ذكر المسألة حكى وجهين في وجوب ذلك بالشرط.
قوله: وكيفية ذلك: أن يوضع رأس الميت- وهو في التابوت- عند الموضع الذي يكون فيه رجلاه في القبر، ثم يسل من قبل رأسه سلًا، وينزل إلى القبر على رأسه، ويستحب أن يدنى في اللحد من مقدمه، كي لا ينكب على وجهه. انتهى كلامه.
ومراده بالكلام الأخير ما ذكره الأصحاب من استحباب تقريب وجه الميت وباقي بدنه إلى جدار اللحد، حتى لا ينقلب على وجهه. وقوله: يدنى، هو بالنون. ومقدمه: هو الجدار الذي يلي وجه الميت.
قوله: ويكره أن يجعل تحت رأسه مخدة، أو تحته مضربة، وقال في ((التهذيب)): لا بأس به، إذ روى ابن عباس ((أنه جعل في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء)) أخرجه مسلم. انتهى.
وما اقتضاه نقله عن ((التهذيب)) من المخالفة في المخدة والمضربة، سهو أوقعه فيه الرافعي كما أوضحته في ((المهمات))، فإن البغوي إنما ذكر ذلك في المضربة خاصة، فإنه قال: ويجعل تحت رأسه لبنة، ولا بأس أن يبسط تحت جنبه شيء. هذه عبارته.
واعلم أن تعبيره بـ ((جعل))، هو بضم الجيم على البناء للمفعول، فإن ابن عباس راو له لا جاعل، بل الجاعل له إنما هو شقران مولى رسول الله ﷺ ، وعلله بقوله: ((حتى لا يلبسها أحد بعده)).
قوله: ويحثي عليه كل من حضر الدفن ثلاث حثيات بيديه جميعًا. انتهى.
وتعبيره بـ ((من حضر الدفن))، مخالف لكلامهم، فقد عبر الرافعي والنووي بقولهما: ويحثي من دنا. وعبر في ((شرح المهذب)) بقوله: من على القبر. وعبارة الشيخ في ((المهذب)) وغيره: لمن على شفيره.
ثم إن تعبير المصنف هاهنا تعبير ركيك فتأمل كلامه إلى آخره.
قوله: وتسطيح القبر أفضل من تسنيمه، فإن قيل قد روى أن رجلًا رأى قبر رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر مسنمة، قيل: راوي هذا الخبر مجهول، ولا حجة عندنا في المراسيل. انتهى كلامه.
وما ذكره من رد هذا الخبر، وتعبيره بقوله: روي، وتعليله بجهالة راويه- عجيب،
стр. 192
فإن الحديث رواه البخاري في ((صحيحه)) عن سفيان التمار أنه شاهد ذلك، ولأجل ذلك اعتذر البيهقي عن الحديث كما نقله عنه النووي في ((شرح المهذب)) بأمور، منها: أنه كان أولًا كذلك، ثم وقعت حائط البيت فأعيد مسنما، ومنها: أنه وإن كان صحيحًا إلا أنه من فعل الصحابة، ﵃.
ثم إن تعبيره- أيضًا- في مثل هذا بالمرسل غير مستقيم، فتأمله، وأين الإرسال هاهنا؟!
قوله- في المسألة-: نعم، قال أبو علي الطبري في ((الإفصاح))، وكذا أبو علي بن أبي هريرة: إن تسنيمه الآن أفضل، لأن التسطيح صار شعارًا للروافض. وزاد فقال: إنه لا يجهر بالتسليم، لأنه صار شعارًا لهم، وكلام الغزالي قد يفهم منه اختيار ما صار إليه ابن أبي هريرة من ترك الجهر بالسلام. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن عزو اختيار التسنيم إلى ((الإفصاح)) غلط، فإن المذكور فيه هو اختيار التسطيح، فقال: ويرش عليه الماء، ليستمسك التراب، ويوضع عليه الحصباء.
ثم قال: وقد ذكرنا أن القبر يسطح، لما روي أنه- ﵇ سطح قبر ابنه إبراهيم، وقال القاسم: رأيت قبر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر مسطحة.
وقال بعض أصحابنا: هذا إنما يفعل إذا لم يؤد ذلك إلى افتنان العامة، وإيهام أن صاحب القبر يميل إلى البدعة. هذا كلامه، ومن ((الإفصاح)) نقلته، وهو مذكور في وسط كتاب الجنائز لا في الكلام على الدفن، فاعلمه، وحاصله حكاية وجه في المسألة، كما حكاه الرافعي والمصنف وغيرهما. ثم إنه لم يطلقه، بل قيده بحالة التوهم، وهذا أن وقع فإنما يقع في بعض النواحي، وإلا فأكثر الأماكن لا يعرفون فيها ذلك بالكلية. وسبب وقوع المصنف في هذا الغلط: أن أبا علي بن أبي هريرة شيخ أبي على الطبري ذهب إلى هذه المقالة، وهو الذي عبر عنه في ((الإفصاح)) بـ ((بعض الأصحاب)). ثم إن الشيخ أبا إسحاق رأى ذلك معزوا على أبي علي، فتوهم أنه الطبري، لا ابن أبي هريرة، فصرح به في ((المهذب)) غالطًا فيه، ثم إن المصنف وقف على ((المهذب))، فقلده، وزاد عليه أنه في ((الإفصاح))، لكونه هو الكتاب المشهور عنه، فتفطن لهذه الأمور، واحمد الله على تيسير الوقوف عليها!
الأمر الثاني: أن ما نقله من تعدية ذلك إلى الجهر بالتسليم في الصلاة قد تكرر منه كما ذكرته في لفظه الذي نقلته عنه، وهو غلط عجيب حصل من تحريف، وصوابه- وهو الذي ذكره الإمام والغزالي والرافعي والنووي في كتبهم-: إنما هو البسملة، أي:
стр. 193
بسم الله الرحمن الرحيم، لا التسليم، وليت شعري ما الذي فهمه من المراد به: هل هو الذي يأتي به الإمام، أو المأموم، أو المنفرد، فإن كلا منها لا تستقيم إراداته؟!
قوله: والمعنى في رش الماء أن يلتصق به ما وضع عليه من حصًا، وليمنعه من أن ينهار، وكذا المتولي، وألحق به طلاءه بالخلوق ترابه، فيزول أثره، ولأن فيه تفاؤلً بتبريد المضجع، ويكره أن يرش عليه ماء الورد، لأن فيه إضاعة للمال، قاله في ((التهذيب)). انتهى كلامه.
وهو مشتمل على تخبيط، ولا يفهم منه معنى، وسببه تقديم وتأخير، كأنه حصل عند نقله من المسودة، والحاصل- كما تحرر لي من مراجعة أصوله-: أن تعبيره بقوله: ((وكذا المتولي، وألحق به طلاءه بالخلوق))، محله بعد قوله: قاله في ((التهذيب))، فاعلمه. ثم إن التعليل بأن فيه تفاؤلًا لا بتبريد المضجع، قد حرف- أيضًا- ألفاظه، وصوابه ما عبرت به، فتفطن له.
قوله: قال البندنيجي: قال أصحابنا: إن البناء على القبر في المقابر المسبلة مكروه. وكلام غيره يقتضي أنه لا يجوز، لأنه عللوا المنع بأن فيه تضييقًا على الناس، ولو بني عليه هدم، فقد قال الماوردي: قال الشافعي: رأيت من الولاة بمكة من يهدمه، ولم أر الفقهاء يعيبون عليه. انتهى ملخصًا.
وما اقتضاه كلامه من عدم الوقوف على نقل التحريم، حتى استنبطه من التعليل- غريب، فقد صرح به خلائق منهم، الماوردي في ((الحاوي)) قبيل هذا الكلام الذي نقله هو عنه، وعبر بقوله: لم [يجز]. وعلل بهذه العلة بعينها، وكذلك القاضي الحسين في ((تعليقته))، وابن أبي عصرون في ((الانتصار))، والنووي في ((شرح المهذب)).
قوله: روى أبو داود عن همام بن عبد الله قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ يوم أحد، فقلنا: الحفر علينا لكل إنسان شديد، فقال: ((احفروا وعمقوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد)). انتهى.
وتعبيره بـ ((همام)) غلط، وصوابه- وهو المذكور في ((أبي داود)) - إنما هو جابر.
قوله: فلو بادر بعض الورثة، ودفنه في أرض تركها الميت- كان للآخر نبشه وإخراجه، والأولى ألا يفعل، لما فيه من هتك الميت. انتهى كلامه.
وما جزم به من كونه خلاف الأولى قد وقع في ((الرافعي)) - أيضًا- ولكن الأصحاب قالوا: إنه يكره. وقد نقله عنهم النووي في ((شرح المهذب)).
قوله: ولا يدوس القبر إلا لحاجة، وفي هذه الحالة ينبغي أن يقلع ما في رجليه،
стр. 194
لما روى بشار قال: حانت من رسول الله ﷺ نظرة، فإذا رجل يمشي في القبور بنعلين، فقال: ((يا صاحب السبتيتين، ألق سبتيتيك)) رواه أبو داود. انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: بشار- أعني بالألف- تحريف، وإنما هو: بشير، بالباء الموحدة والشين المعجمة والياء المثناة من تحت، وهكذا ذكره أبو داود، وهو بشير بن معبد مولى رسول الله ﷺ ، وكان اسمه في الجاهلية: زحمًا- بزاي معجمة- فسماه رسول الله ﷺ بشيرًا.
والسبتيتان: هما النعلان، الواحد: سبتية، منسوب إلى ((السبت)) - بسين مهملة مكسورة، ثم باء موحدة ساكنة، ثم تاء مثناة- وهي جلود البقر المدبوغة بالقرظ، قاله الجوهري.
قوله: لما روى يزيد بن حصيب ... إلى آخره.
هكذا ذكره- أعني يزيد- وصوابه: بريدة، بباء موحدة مضمومة، وراء مهملة مفتوحة، ثم ياء مثناة من تحت للتصغير، ثم دال مهملة بعدها تاء التأثنيت. والحصيب- بحاء مهملة مضمومة، وصاد مهملة مفتوحة- تصغير ((الحصب)).
تنبيه: وقع في الباب ألفاظ منها:
حين يقوم قائم الظهيرة، هو بظاء معجمة مشالة، وبالتاء في آخره- هو وقت شدة الحر عند انتصاف النهار، ويسمى- أيضًا-: الهاجرة، وقائمها: هو البعير البارك، يقوم في ذلك الوقت، لشدة الرمضاء.
ومنها: الرجل الربع، هو- بفتح الراء وسكون الباء- من ليس بطويل ولا قصير، ويسمى- أيضًا- بالمربوع.
ومنها: القصة- بقاف مفتوحة وصاد مهملة مشددة- هي الجص الذي يبيض به الثوب، تقول منه: قصص داره، يقصصها.
ومنها: الموتان- بضم الميم وبالتاء المثناة- هو كثرة الموت في الحيوان.
стр. 195
باب التعزية والبكاء على الميت
قوله: وتستحب التعزية قبل الدفن بلا خلاف. انتهى.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس كذلك، فقد قال الخوارزمي في ((الكافي)) ما نصه: ووقتها من الموت إلى ثلاثة أيام.
وقيل: من الدفن إلى ثلاثة أيام. انتهى. وحاصله حكاية وجه: أن أولها من الدفن، وهو الذي نفاه المصنف، وقد حكى الخوارزي وجهًا آخر لم يذكره المصنف، وهو: أنها تفوت بتمام يوم الدفن.
قوله: ويقول في تعزية المسلم بالمسلم: ((أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميتك!))، قال ابن يونس ومن تبعه: وزاد بعضهم ((وخلفه عليك))، أي: كان الله خليفة عليك. ولم أره في تعزية المسلم بالمسلم، بل في غيره كما سنذكره. انتهى كلامه.
وهذا الذي أنكره على ابن يونس، وقال: إنه لم يره إلا في غير هذا القسم- عجيب، فقد صرح به الروياني في ((البحر))، واقتضى كلامه نقله عن الشافعي، وذكر- أيضًا- في ((الحلية)) نحوه، فإنه لم يذكر فيها إلا تعزية المسلم بالمسلم خاصة، مشيًا على الغالب، فقال ما نصه: ولفظ التعزية كذا وكذا، وذكر الدعوات الأربع مع أنها لا تكون إلا للمسلم بالمسلم، لأن الكافر لا يدعى له بالمغفرة ولا بإعظام الأجر.
قوله: ويجوز البكاء على الميت.
ثم قال: و ((البكا)) يمد ويقصر، ويقال: بكيت الرجل، وبكيته، وبكيت عليه. انتهى. فأما دعواه المد والقصر فصحيح، ولكن بمعنيين، وقد أوضح الجوهري، فقال: إنه يمد ويقصر، إذا مددت أردت الصوت، وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها، قال حسان بن ثابت:
بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل
هذا كلام الجوهري، فاقتصر المصنف أو من نقله المصنف عنه على صدر الكلام، فوقع في الخلل.
стр. 196
وأما تعبيره بقوله: وبكيته، فإنه بتشديد الكاف، كذا ضبطه الجوهري فقال: وبكيت الرجل، وبكيته- بالتشديد- كلاهما إذا بكيت عليه، وأبكيته: إذا صنعت به ما يبكيه. هذا كلامه، فليته ذكره كما ذكره!
قوله: ويحرم تخميش الوجه، وهو أخذ لحمه بالأظفار، ومنه قيل: نهشته الكلاب. انتهى.
التخميش- بالخاء والشين المعجمتين- هو الخدش، إلا أن الجوهري جعله ثلاثيًا، فقال خمش وجهه- أي بالتخفيف- ويخمشه ويخمشه، أي بكسر الميم وضمها. وأما ((النهش)) - بالشين المعجمة والمهملة أيضًا- فهو أخذ اللحم بمقدم الأسنان، كذا ذكره الجوهري- أيضًا- وهي مادة غير مادة ((الخمش))، وحينئذ فكيف يستقيم أن يقول المصنف: ومنه كذا وكذا؟!
قوله: فإن قيل: جزم الشيخ بجواز البكاء بعد الموت، وقد ورد النهي عنه، وأقل درجات النهي: أن يحمل على الكراهة ... إلى آخره.
وما ذكره عجيب، فإن الجواز يصدق على المكروه وعلى غيره، على أنه قد وقع له في غير هذا الموضع مثله أيضًا.
قوله: والجواب عن قوله- ﵊: ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)) بوجوه، منها- ما نقله القاضي الحسين عن ابن سريج-: أن المعنى ليعذب حين البكاء، وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض. انتهى.
وتعبيره بـ ((الصفات)) - أعني بالفاء بعد الصاد- غلط لا معنى له، ولم يذكره القاضي أيضًا، بل الصواب- وهو الذي رأيته في ((تعليقته)) أيضًا- إنما هو: ((الصلات)) باللام، أي: الحروف التي توصل معنى كلمة إلى كلمة أخرى، ومع ذلك فإن مجيئه في هذا المثال لا يصح، لأن لفظ ((حين)) من الأسماء، لا من الحروف.
تنبيه: ذكر في الباب ألفاظًا.
منها: الحشرجة- بحاء مهملة مفتوحة، ثم شين معجمة ساكنة، ثم راء مهملة بعدها جيم، وفي آخره تاء التأنيث-: هي الغرغرة عند الموت وتردد النفس، قال الشاعر:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر
стр. 197
كتاب الزكاة
قوله: قال- يعني الشيخ-: وما لم يقم ملكه عليه كالدين الذي على المكاتب ... إلى آخره.
ثم قال: والجديد الصحيح: الوجوب فيه، أي: في الدين في الجملة، لكنه ينظر: فإن كان الدين حالًا على مليء مقر، ظاهرًا وباطنًا، باذلًا له- وجبت فيه الزكاة، وطولب بإخراجها بعد حولان الحول- كما قال الإمام وغيره- وحكى ابن التلمساني في ((شرحه)) لهذا الكتاب: أن الغزالي حكى وجهًا آخر: أنه لا تجب، وأنه صححه. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الغزالي غلط، فإنه لم يحك في شيء من كتبه في الصورة المذكورة خلافًا، لا في الوجوب ولا في الإخراج، بل جزم فيها بالوجوب، وأشعر كلامه بالجزم بالإخراج- أيضًا- وسبب الوهم: أن الغزالي حكى وجهين في وجوب الإخراج عن الدين المؤجل على القول بالوجوب فيه، وصحح عدم الإخراج، فحصل الوهم منه إلى هذه المسألة، وهذا الخلاف الذي لا أصل له قد حكاه أيضًا المصنف في باب قسم الصدقات، وسيأتي التنبيه عليه- إن شاء الله تعالى- في موضعه.
قوله: الرابعة: الدين الزكوي لمن تجب عليه الزكاة لا يمنع وجوب الزكاة على المديون في مثله على الجديد، والقديم: أنه يمنع، واختلفوا في تعليله فقيل: لأن ملكه واهٍ، لأن صاحب الدين يمكنه انتزاعه من يده متى شاء إذا امتنع هو من الأداء، وقيل: لأن الإيجاب عليه يؤدي إلى إيجاب زكاتين في مال واحد، لأنها تجب على صاحب الحق، فلو ألزمنا المديون الزكاة- أيضًا- لصار المال الواحد سببًا لزكاتين على شخصين، فلو كان الدين لذمي، أو مكاتب، أو كان مما لا تجب فيه الزكاة- فلا تجب الزكاة على الأول، وتجب على الثاني.
ثم قال ما نصه: وقد اقتضى المعنيان الوجوب فيما إذا كان الدين مؤجلًا، وقلنا: لا زكاة في المؤجل، فإن قلنا: تجب الزكاة فيه، فيمتنع الوجوب، نظرًا للعلة الأولى،
стр. 198
وتجب، نظرًا للعلة الثانية، قاله القاضي الحسين. انتهى كلامه.
وما ذكره آخرًا، وعزاه إلى القاضي- سهو، فإن صوابه العكس، وهو الوجوب على العلة الأولى، والمنع على الثانية، وذلك واضح، فتأمله.
قوله: ولو أكرى دارًا سنتين- مثلًا- بثمانين دينارًا حالة، كل سنة بأربعين، وكانت معينة أو في الذمة، وقبضها، وأقامت عنده حولًا كاملًا- فقد استقر ملكه على أربعين التي هي أجرة السنة الأولى، فتجب عليه زكاتها بلا خلاف. انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس بصحيح، فقد حكى هو بعد هذا بنحو ورقة عن ((التتمة)) وجهًا: أن الأجرة لا تملك إلا شيئًا فشيئًا، وحكاه- أيضًا- الرافعي عن ((النهاية))، إلا أن حكايته عنها غلط، أي: عن النهاية، كما أوضحته في ((المهمات))، وإذا لم تملك إلا شيئًا فشيئًا لزم انتفاء الزكاة قطعًا، لعدم الحول.
قوله- في المسألة-: وهل تجب زكاة باقي الأجرة وهو المقابل للسنة الثانية أم لا؟ فيه قولان، واختلفوا في القولين: فقيل: إنهما في أصل الوجوب، وقال الشيخ أبو حامد وشيعته والأكثرون: لا خلاف في الوجوب، وإنما القولان في الإخراج، أي: هل يجب عليه إخراج زكاة أجرة السنتين عند مضى السنة الأولى، أو الواجب عليه عند مضيها إخراج الزكاة عن حصتها من الأجرة، وهي نصف وثمن دينار، فإذا مضت السنة الأخرى أخرج زكاة أجرة السنة الثانية لسنتين؟ فيه قولان، أصحهما: الثاني. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره في آخر كلامه من إخراج نصف وثمن دينار، لأنها الواجب في حصة السنة الأولى من الأجرة- وهم، بل واجبها دينار، لأن قسط كل سنة أربعون، وقد ذكر بعد هذا بدون الورقة على الصواب، وأما النصف والثمن فحصة مثال آخر ذكره الرافعي، وهو أن يكريها أربع سنين بمائة دينار، فذهل فأخذ الحكم من كلام الرافعي، ونقله إلى المثال الذي مثل هو به، فحصل الغلط.
الأمر الثاني: أن ما ذكره- أيضًا- في آخر التفريع على القول الثاني الذي صححه هو وغيره: أن السنة الثانية إذا مضت فيخرج زكاة أجرتها لسنتين- فيه أيضًا أمور:
الأول: أنه يلزمه مع ذلك إخراج الزكاة ثانيًا عن الأربعين التي كان قد أخرج عنها في السنة الأولى، وهو لم يذكره بالكلية.
الثاني: أن ما قاله من كونه يجب عليه- أيضًا- عند انقضاء السنة الثانية أن يخرج
стр. 199
زكاة أجرتها لسنتين، لكونها قد أقامت عنده حولين، ولم يخرج عنها شيئًا بالكلية إنما يستقيم على أن الزكاة متعلقة بالذمة حتى يكون الأربعون كلها باقية على ملكه في مدة السنتين، أما على الصحيح- وهو قول الشركة- فهو صحيح في عام واحد وهو الأول، وأما العام الثاني فلا تجب عليه إلا زكاة تسعة وثلاثين، لأن الفقراء قد ملكوا منها دينارًا بتمام الحول الأول، ولم يخرجه، لعدم استقرار الملك، وحينئذٍ فليس على ملكه في مدة الحول الثاني إلا تسعة وثلاثون، وهذا الاستدراك ذكره المصنف بعد هذا في أثناء كلام آخر، ونبه عليه- أيضًا- الرافعي ناقلًا له عن غيره، وحذفه من ((الروضة)) ذهولًا فلم يذكره فيها بالكلية.
الثالث: أن هذا الكلام جميعه إنما يأتي إذا أعطى الزكاة من موضع آخر، وإلا ينقص الحساب، وقد نبه الرافعي والمصنف وغيرهما على ذلك، وحينئذٍ فيكون أول الحول الثاني في الأربعين بكمالها من حين إعطاء الزكاة، لا من أول السنة، لأن شركة الفقراء باقية إلى حين الإعطاء، وكلام المصنف ينفيه، وكذلك كلام الرافعي وغيره.
قوله: وكذا يجري الخلاف فيما إذا قبض مائة دينار عن مسلم في ذمته إلى سنتين، فحال الحول على الدنانير، وقلنا: ينفسخ العقد بانقطاع المسلم فيه.
ثم قال: التفريع: إن قلنا بطريقة أبي الطيب، وهو أن القولين في الوجوب لا في الإخراج- وجب عليه عند انقضاء الحول الأول إخراج دينار لا غير، فإذا مضى الحول الثاني نظر: فإن كان قد أخرج ما وجب عليه في السنة الأولى من عين المال وجب عليه إخراج زكاة تسعة وأربعين دينارًا، وإن أخرج من غيره وجب عليه زكاة الخمسين. وإن قلنا بطريقة الشيخ أبي حامد، وهو أن القولين في الإخراج مع الجزم بالوجوب: فإن قلنا: يجب الإخراج، فيخرج عند تمام الحول الأول زكاة جملة الثمانين وهي ديناران، ثم إذا حال الحلول الثاني أخرج- أيضًا- دينارين إن كان قد أخرج من مال آخر، وإن أخرج منه فيخرج زكاة ثمانية وسبعين دينارًا ... إلى آخر ما ذكر.
وهذا الكلام الذي ذكره- ﵀ غلط، فإنه اختلط عليه مثال بمثال: فأوائله من تفريع مثال الأجرة السابق، وهو استئجار الدار سنتين بثمانين دينارًا، وآخره من تفريع المثال المذكور قريبًا في السلم، وهو ما إذا أسلم مائة دينار في شيء إلى سنتين.
قوله: وفي المال المغصوب والضال والدين على مماطلٍ إذا وصل المال إليه، قولان:
أحدهما: يزكيه للأحوال الماضية.
стр. 200
والثاني: لا زكاة في شيء منها.
وقال مالك: تجب زكاة السنة الأولى خاصة، لأن مذهبه: أن التمكن شرط للوجوب، ولانعقاد الحول الثاني، فإذا وجد الإمكان بعد أحوال فقد وجد شرط وجوب الزكاة للسنة الأولى، ولم يوجد شرط عقد الأحوال بعدها، كذا قاله صاحب ((البحر)) وغيره، قال الرافعي: وما ذكره مالك يقتضى أن يكون للشافعي قول مثله، لأن له قولًا: إن الإمكان من شرائط الوجوب كمذهب مالك.
قال ابن الرفعة: قلت: وقد ذال في ((البحر)): إن القاضي أبا على الزجاجي الطبري ذكر في ((زيادة المفتاح)) هذا قولًا لنا، وجعل في المسألة ثلاثة أقوال، وانفرد هو بهذا. قلت: وما ذكره أبو علي إن كان نقلًا فلا اعتراض عليه، بل نستفيد منه أن للشافعي قولًا: أن الحول الثاني إنما يعقد عند التمكن من الأداء عن الأول كما قال به بعض الأصحاب، وإن كان تفقهًا- كما أبداه الرافعي- فلا وجه له، لأنا وإن قلنا: إن التمكن شرط للوجوب، فابتداء الحول الثاني من حين انقضاء الأول، لا من وقت التمكن- كما ستعرفه- وبهذا خالف مذهبنا مذهب مالك. انتهى كلامه ابن الرفعة، ﵀.
وقد راجعت لفظ أبي علي الزجاجي في الكتاب المذكور فوجدته قد عبر بقوله: ففيها ثلاثة أقوال:
أحدها: لا زكاة عليه لما مضى، ويبتدئ الحول من يوم الوجود.
والثاني: عليه زكاة السنين كلها.
والثالث: لا تجب إلا لسنة واحدة.
هذه عبارته من غير زيادة عليها، ومن كتابه نقلت، وقد قال في خطبة الكتاب ما نصه: ولم أتجاوز فيه من منصوص الشافعي وتخريج صاحبيه- وهما المزني وابن سريج- على مذهبه إلى غير ذلك، إلا مسائل قليلة سميت قائلها. هذه عبارته- أيضًا- في الخطبة، فثبت أن القول الثالث إما منصوص عليه أو من تخريج أحد الإمامين.
قوله: ومنها المال المرهون هل تجب فيه الزكاة؟ فيه طريقان حكاهما القاضي الحسين والمتولي عن الأصحاب:
إحداهما: تخريجه على القولين في المغصوب والضال، ولم يورد في ((الوجيز)) غير هذه الطريقة.
والثانية: القطع بالوجوب.
стр. 201
ثم قال ما نصه: وقد قال الرافعي عند الكلام في زكاة الفطر: إن هذا الخلاف لم نلقه إلا في حكاية الإمام والمصنف في ((الوسيط))، والذي أطلقه الجمهور هو الوجوب. نعم، يجيء الخلاف في الوجوب من طريق آخر: وهو: أن الرهن لابد وأن يكون بدين، فيكون الخلاف في أن الدين هل يمنع وجوب الزكاة أم لا؟ والذي قاله الجمهور جواب على القول المشهور، وهو أنه لا يمنع. قلت: وفيما قاله نظر من وجهين. انتهى كلام ابن الرفعة بحروفه.
وما نقله عن الرافعي غير مطابق، فلنذكر كلامه في زكاة الفطر وفي هذا الموضع، فقال في زكاة الفطر: وتجب فطرة العبد المرهون.
ثم قال ما نصه: قال الإمام والمصنف في ((الوسيط)): هكذا أطلقوا القول في المرهون، ويحتمل أن يجري فيه الخلاف المذكور في زكاة المال المرهون، واعلم أن الخلاف في زكاة هذا المال وهو المرهون لم نلقه إلا في حكاية هذين الإمامين، والجمهور أطلقوا الوجوب هناك أيضًا. هذا كلام الرافعي.
ثم قال: وأما المغصوب والضال ... إلى آخره، والذي نقله عنه المصنف غلط من وجهين:
أحدهما: في أن الغزالي لم ينقل الخلاف إلا في ((الوسيط))، فإن الرافعي لم يخصه به، بل حكاه الغزالي- أيضًا- في ((البسيط)) و ((الوجيز))، والغريب أن الرافعي حكاه عن ((الوجيز)) في الكلام على زكاة المال، فقال في الكلام على شروط الزكاة، وهو بعد باب الخلطة ما نصه: الثانية: لو رهن ماشية أو غيرها من أموال الزكاة فقد حكى الإمام والمصنف في ((الوسيط)) في وجوب الزكاة فيها عند تمام الحول وجهين، لامتناع التصرف، وعلى ذلك جرى هاهنا.
ثم قال: نعم، يجئ في وجوب الزكاة في المرهون الخلاف بجهة أخرى، وهو أن الرهن لابد وأن يكون بدين ... إلى آخره ما نقله عنه ابن الرفعة قبل ذلك، فتلخص أن ما نقله في الكتاب عن الرافعي من التخصيص بـ ((الوسيط)) عكس ما في ((الرافعي))، فإنه صرح بعدم التخصيص حيث نقله عن ((الوجيز)).
الوجه الثاني: أن قول الرافعي: نعم، يجئ الخلاف في الوجوب من طريق أخرى ... إلى آخره- لم يذكره الرافعي في زكاة الفطر كما نقله عنه ابن الرفعة، وإنما ذكره في زكاة المال، وقد ذكرت لك لفظه في الموضعين وكأن المصنف كان مستحضرًا لذلك من حيث الجملة، فنقله على غير وجهه، ونسبه إلى غير موضعه.
стр. 202
قوله: ولو رهن نصابا، وحال عليه الحول وهو معسر- ففي أخذ الزكاة منه خلاف.
ثم قال: نعم، إذا أخرجت الزكاة من المال، ثم أيسر الراهن: فهل يلزمه أن يرهن مقدار الزكاة، جبرًا للنقص الذي وقع في المرهون بأخذ الزكاة منه؟ قال الصيدلاني- وهو في ((تعليق)) القاضي الحسين منسوب إلى القفال-: الزكاة تتعلق بالذمة، فيجب ذلك، وإن قلنا: تتعلق بالعين، فوجهان، أصحهما عند القفال: المنع، وقال الإمام: إنهما ينبنيان على الوجهين فيما إذا ظهر ربح في مال القراض، وقلنا بأن العامل لا يملك شيئًا من الربح إلا بالقسمة، ورب المال قد أدى الزكاة من مال القراض، فيجعل كأن رب المال استرد طائفة من المال، أو يرجى به مجرى سائر المؤن؟ فإن قلنا: إن ذلك كالمؤن، فلا يمتنع ويجب الجبر، وإن قلنا: هو كاسترداد طائفة، فيتجه إيجابه. انتهى كلامه.
وما نقله عن الإمام من البناء المذكور غلط، فإن الإمام نقله عن الصيدلاني، وزاد على ذلك فاستشكله، فإنه قال: قال الصيدلاني: إن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، فيجب ذلك عليه، وإن قلنا: الزكاة تتعلق بالعين، ففي وجوب ذلك وجهان مبنيان على أن الزكاة إذا وجبت في مال القراض ... ثم ذكر البناء المتقدم، ثم إنه بعد استكمال البناء رد على الصيدلاني، فقال ما نصه: وما ذكره من الاحتمال متجه، ولكن في البناء نظر، من جهة أن نفقات عبيد القراض من الربح ونفقة المرهون واجبة على الراهن. هذا لفظه، ثم ذكر بعد ذلك توجيه الاحتمال الذي أشار إليه.
قوله: ولو كان المال ماشية كأربعين من الغنم مثلًا فهل حق الفقراء شائع في كل واحد من العدد بقسطه، أو في واحد من العدد، أو أكثر لا بعينه؟ فيه وجهان في ((الزاوئد)) عن صاحب ((الفروع)) ذكرهما في ضمن مسألة ما إذا أفرز الزكاة وباع الباقي. انتهى.
وهذان الوجهان اللذان اقتضى كلامه استغرابهما حتى عرفهما بما عرف، قد ذكرهما الرافعي بعد المسالة بنحو ورقة، في الكلام على بيع المال الزكوي قبل إخراج الزكاة منه، ولا شك أنه لم يطلع على ذلك في كلامه.
قوله- في المسألة-: فإن قلت: لعل القائل بالأول هو الصائر إلى جواز تضحية شخصين بشاتين يملك كل واحد منهما نصفهما على الإشاعة، وهو يطر في عتق نصفي عبدين في الكفارة، ومن قال بالثاني لعله القائل بعدم الإجزاء في المسألتين ...
стр. 203
إلى آخر ما ذكر.
وما قاله هاهنا من إثبات الخلاف في الأضحية قد نفاه في كتاب الظهار في الكلام على الكفارة، فقال: إنه لا خلاف في عدم الإجزاء، وسأذكر لفظه هناك- إن شاء الله تعالى- فراجعه.
قوله: والإنسان لا يجب له على نفسه شيء، وإذا امتنع الوجوب لذلك سقط، ولا ينتقل إلى الغير.
ثم قال: ويشهد لذلك أن من عليه قصاص لمورثه وغيره، إذا مات مورثه لا يثبت له قصاص على نفسه، لاستحالة أن يثبت للإنسان شيء على نفسه، ولما كان ذلك ممتنعًا سقط. انتهى.
وما ذكره من سقوط القصاص لا شك فيه، وما ذكره من كونه لم يجب له فقد خالفه في أوائل الجنايات، فذكر ما حاصله: أنه يجب، ثم يسقط. وسوف أذكر لفظه في موضعه- إن شاء الله تعالى- فراجعه. والمسالة شبيهة بما إذا مات للمحرم قريب يملك صيدًا، والصحيح: أنه يدخل في مكله ثم يزول، وقيل: ينتقل إلى الأبعد، وقيل غير ذلك، والقياس طرد الوجهين هنا.
تنبيه: ذكر في الحديث لفظ ((الأوضاح)) بالضاد المعجمة والحاء المهملة، وهو الحلى المتخذ من الدراهم الصحاح: كالقلادة ونحوها، واحدها: وضحٌ، بفتح الضاد.
стр. 204
باب صدقة المواشي
قوله: لو علفت السائمة فيما دون الحول فهل يؤثر؟ فيه أوجه.
ثم قال بعد ذلك: قال الرافعي: والأوجه المذكورة هل هي مختصة بما إذا لم يقصد بالعلف قطع السوم وإن قصده ينقطع لا محالة، أو هي شاملة للحالين؟ في كلام الناقلين لبس في ذلك، ولعل الأقرب الأول، وكذا أورده صاحب ((العدة)) وغيره.
قلت: ويؤيد ذلك ... إلى آخر ما قاله.
وما نقله- ﵀ من تخصيص الخلاف بالحالة الأولى وأقره، ليس هو كذلك، فقد رأيت في ((الشافي)) للجرجاني التصريح بالخلاف فيما إذا علف على قصد القطع، فقال ما نصه: وإن علفها الحول أو بعضه، ولم ينو نقلها إلى العلف- فلا حكم له، وإن نواه انقطع حولها في أصح الوجهين. هذا لفظه.
قوله: فإذا حال الحول فهل تجب الزكاة، أم لابد من التمكن؟ فيه قولان، أصحهما: الأول، ويعبر عنهما بأن التمكن شرط في الضمان أو شرط في الوجوب، وفائدتهما تظهر فيما إذا نقص النصاب بعد الحول وقبل التمكن، مثل أن كل المال خمسًا من الإبل، فتلفت واحدة: فعلى الأول سقط عنه خمس شاة.
وعلى الثاني: لا شيء عليه.
ثم قال ما نصه: والقولان متفقان على أنه مهما حصل التلف بآفة سماوية قبل التمكن فلا ضمان، وعلى أنه إذا أتلف المال قبله وجب، وفي ((الجيلي)) حكاية وجه في المسألة الأخيرة: أن ذلك يمنع الوجوب إذا قلنا: إن التمكن شرط فيه. انتهى كلامه.
وهذا الكلام يقتضي الاتفاق في المسألتين، ويؤيده نقل خلاف في الثانية خاصة عن حكاية الجيلي وحده، وقد صرح النووي في ((شرح المهذب)) بذلك فقال: إنه لا خلاف فيهما، وكلامه في ((الروضة)) تبعًا للرافعي يوهمه- أيضًا- وليس كذلك، بل الخلاف ثابت في المسألتين، صرح به الإمام محمد بن يحيي في ((تعليقه)) في الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة، فإنه ذكر استناد الحنفية إلى عدم الوجوب عند التلف، وإلى
стр. 205
إيجابه عند الإتلاف، ثم أجاب عن ذلك فقال: قلنا: من الأصحاب من منع المسألة وقال: يجب الضمان عند التلف، تفريعًا على قول الوجوب قبل التمكن، وقد منع الشيخ أبو علي والغزالي- ﵀ مسألة الإتلاف، وقالا: لا ضمان فيها، تفريعًا على قولنا: إن الإمكان شرط الوجوب. هذا لفظه بحروفه، وهذا كله معرف لمقدار الجيلي واطلاعه.
قوله: روي أن ساعيًا لعمر وهو سعد بن رستم قال له: إن هؤلاء يزعمون أنا نظلمهم فنعد عليهم السخلة ولا نأخذها منهم، فقال: اعتد عليهم بالسخلة يروح بها الراعي على يديه ولا تأخذها. انتهى.
ذكر الماوردي أن هذا الساعي اسمه سفيان بن عبد الله الثقفي، وكان قد استعمله على الطائف.
قوله: وفي ((الحاوي)) أنه- ﵊ قال لراعيه: ((عد عليهم صغيرها وكبيرها)). انتهى.
في ((الحاوي)): لساعيه- بالسين- وهو الصواب.
قوله- نقلًا عن الشيخ: والجذع من الضأن: ما لها ستة أشهر، والثنية من المعز: ما لها سنة.
ثم قال: وما ذكره الشيخ في بيان الجذعة هو الذي اختاره الروياني في ((الحلية)) كما قال الرافعي، وقد حكي عن ابن الأعرابي أنه قال: المتولد بين شاتين يجذع لستة أشهر إلى سبعة، وبين هرمين يجذع لثمانية، وقيل: هو ما أتى عليه ثمانية أشهر، وهو اختيار الروياني في ((الحلية)). انتهى كلامه.
وما ذكره من نقل الرافعي عن ((حلية)) الروياني غلط من المصنف على الرافعي وعلى ((الحلية))، فقد رأيت في ((الحلية)) المذكورة اختيار ثمانية أشهر كما نقله عنه المصنف في آخر كلامه، وهو الذي نقله- أيضًا- الرافعي عنها. نعم، ما اختاره الشيخ نقله الرافعي عنه- أي عن ((التنبيه)) - ثم إن الظاهر أنه ذهل عما نقله عنه قبله، وإلا كان من حقه أن ينبه على غلط الأول إن كان غلطًا. نعم، وقع للنووي في ((شرح المهذب)) هذا الغلط بعينه، فكأنه سبب غلط المصنف، وهو الظاهر.
قوله: وفي خمس وعشرين بنت مخاض، وهي التي لها سنة ودخلت في الثانية، وسميت بذلك، لأن أمها قد آن لها أن تكون ماخضًا.
ثم قال: والماخض: اسم جنس لا واحد له من لفظه، والواحدة: خلفة. انتهى.
стр. 206
وتعبيره بقوله: والماخض، تحريف، فصوابه: المخاض- بالخاء قبل الألف- فإن أهل اللغة قد نصوا على أنه كما يكون مصدرًا- وهو ألم الولادة- يطلق أيضً على الجمع وهي الحوامل المسماة بالخلفات، واحدها: خلفة، بخاء معجمة مفتوحة، ولام مكسورة.
قوله: والمولود من الإبل قبل انتهائه إلى السنة تختلف أسماؤه: فالذي قاله الماوردي: أنه يقال لولد الناقة إذا وضعته لدون وقته ناقص الخلق: خديج، وإن وضعته لوقته ناقص الخلق: مخدوج، وإن وضعته لوقته كامل الخلق قيل له هبع وربع، ثم فيصل، ثم سليل، ثم حاسر، فإذا تمت سنة قيل فيه ما ذكرناه، أي: ابن مخاض، وبنت مخاض. انتهى كلامه.
اعلم أنه ينبغي الكلام على هذه الألفاظ أولًا فنقول:
أما ((خديج)) و ((مخدج)) كذا فبالخاء المعجمة، ثم الدال المهملة، ثم الجيم، مأخوذ من ((الخداج)) وهو النقصان، ومنه سميت: خديجة- ﵂ فإنها لم تستكمل مدة الحمل، بل وضعت لستة أشهر.
وأما ((هبع)) و ((ربع)) فبضم أولهما، والثاني منهما باء مفتوحة، بعدها عين مهملة، وقد فسر اللغويون هاتين اللفظتين- ومنهم الأزهري والجوهري- فقالوا: الربع: هو الذي ينتج في أول زمان النتاج وهو زمان الربيع، وجمعه: رباع- بكسر الراء- وأرباع، والهبع: هو الذي ينتج في آخر النتاج في زمان الصيف، وسمي بذلك- كما قاله الجوهري- من قولهم: هبع، إذا استعان بعنقه في مشيه، وذلك أن الربع أقوى منه، لكونه ولد قبله، فإذا سار الهبع معه احتاج- أي الهبع- إلى الاستعانة بعنقه، حتى لا ينقطع عنه. قال: وهو في جميع السنة يسمى حوارًا، أي: بضم الحاء والراء المهملتين. هذا كلامه.
وأما الفصيل فسمي بذلك، لأنه فصل من أمه
وأما الفصيل فسمي بذلك، لأنه فصل من أمه.
وأما ((سليل)) - بسين مهملة مفتوحة ولامين بينهما ياء مثناة من تحت- فهو ولد الناقة حالة وضعه قبل أن يعلم أذكر هو أم أنثى. والحوار يطلق عليه إلى انفصاله عن أمه.
إذا علمت ذلك فاعلم أن ما نقله عن الماوردي من اشتراط نقصان الوقت والخلقة معًا في مسمى ((الخديج)) ليس كذلك، بل شرطه نقصان الوقت فقط، ولم يتعرض للذي اجتمع فيه النقصانان.
стр. 207
قوله: وقال القاضي الحسين: تسمى الأنثى من ولد الناقة حين وضعه: ربعة وهبعة، والذكر: ربعًا وهبعًا، إذا كان ربيعيًا.
ثم قال بعد ذلك: يسمى حوارًا، وقبل تمام السنة يسمى فصيلًا. انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن التقييد بالربيعى راجع إلى الاسمين وهما ربع وهبع، أو إلى الأخير خاصة وهو هبع، ويقتضي- أيضًا- أن الاسمين يطلقان على كل مولود للناقة، وذلك كله غلط، ووجه الغلط يعلم مما سبق، وهذا الغلط متوجه على القاضي، وأما نقل المصنف عنه فإنه صحيح شاهدته في ((تعليقته)).
قوله: وقال البندنيجي: الفصيل اسمه من حين يفصل عن أمه إلى انتهاء سنة من عمره، ويقال له حوار. انتهى كلامه.
ومراده بقوله: ويقال ... إلى آخره، وهو الذي رأيته في ((تعليق)) البندنيجي- أن الحوار يطلق على الفصيل- أيضًا- ولهذا عبر المصنف بقوله: ويقال- أعني بالواو- فاعلمه، فإنه يقع في بعض النسخ بالفاء الدالة على أن الحوار لا يطلق إلا بعد انقضاء السنة. نعم، كلامه مشعر بأن اسم ((الحوار)) لا يطلق عليه قبل الفطام، وقد سبق خلافه.
قوله: وفي خمس وعشرين بنت مخاض، فإن لم تكن عنده أخرج ابن لبون، للحديث، وإذا أجزأ ابن اللبون أجزأ الحق والجذع عنها بطريق الأولى، وهو ما جزم به الأصحاب عند فقد ابن اللبون من ماله، وكذا معظمهم مع وجوده. وحكى الماوردي- وتبعه الروياني- وجهًا ضعيفًا: أنه لا يجزئ، لأنه لا مدخل له في الزكاة. انتهى كلامه.
وقد تلخص منه أن الماوردي والروياني وسائر الأصحاب جازمون بإجزاء الحق عند فقد ابن اللبون، وأن الوجه الضعيف إنما حكياه عند وجوده، والذي ذكره غلط، فإنه ليس في كلام الماوردي ما يشعر بذلك بالكلية، بل ولا ما يوهمه، بل مقتضاه التعميم، وكذلك في كلام غيرهما ممن حكى هذا الوده. ثم إن التعليل الذي حكاه مرشد إليه- أيضًا- فلو تأمله لم يذكر ما ذكره، ولولا خشية الإطالة لذكرت لفظهما والموجب لغلط المصنف.
قوله: فإن كانت عنده وهي معيبة فكالعدم، وإن كانت كريمة فقيل: يجوز له الانتقال إلى ابن اللبون، وهو ما صدر به في ((الوسيط)) كلامه، ثم قال بعده- أي في ((الوسيط)) -: وقال القفال: يلزمه شراء بنت مخاض. انتهى ملخصًا.
стр. 208
وحاصله: أن الغزالي في ((الوسيط)) قبل نقل عن القفال جواز إخراج ابن اللبون، وهو غلط، فإن الغزالي لم يذكر قبله شيئًا من الوجهين بالكلية، فضلًا عن الجواز، فإنه قال ما نصه: وإن كان في مال بنت مخاض كريمة فلا يطالب بها.
قال القفال: يلزمه شراء بنت مخاض، لأنها موجودة في ماله، وإنما تركت نظرًا له. وقال غيره: يؤخذ ابن اللبون. انتهى كلامه، ولا شك أنه يوهم أن الضمير في ((لا يطالب بها)) راجع إلى ((بنت المخاض))، وهو راجع إلى ((الكريمة)).
قوله: وإن اجتمع فرضان في نصاب كالمائتين من الإبل فيها أربع حقاقٍ أو خمس بنات لبون، لأنها أربع خمسينات وخمس أربعينات، فيجب إخراج الأغبط، فإن أخذ الساعي غيره أجزأ إن لم يكن بتقصير منه ولا من المالك، ولكن يجب التفاوت لا يجوز إخراجه من نقد البلد، وقيل: يجب أن يشتري به شقصًا إن أمكن.
ثم قال ما نصه: وإذا قلنا: يشتري الشقص، فهل يكون من جنس الأعلى أو الأدنى الذي أخرجه؟ فيه وجهان عند المراوزة، قال الإمام: والذي مال إليه الكافة هو الثاني. هذا لفظه. ثم حكى وجهًا ثالثًا: أنه مخير بينهما.
إذا علمت ذلك فالذي نقله عن الإمام من ترجيح الكافة للثاني- وهو الأدنى- غلط فاحش وذهول عجيب، فإن الإمام قد قال ما نصه: وقد اختلف أئمتنا، فقال بعضهم: ينبغي أن يكون ذلك الشقص من نوع المأخوذ حتى يتحد قبيله، ومنهم من قال: يتعين تحصيله من النوع المتروك، فإنه المأمور به، وظاهر ما ذكره الأصحاب في الوجهين: أنه يتعين نوع عند الكافة، والخلاف فيما يتعين، ولا يبعد عن القياس تخيير المالك بين الأمرين، وقد أشار إليه بعض المصنفين، وهو متجه، فتحصل إذن ثلاثة أوجه. هذا كلام الإمام، وحاصله: أن المنقول عن الكافة نفي التخيير وانحصار الشراء في أحد النوعين، وأما تعيين أحدهما فلم ينقله عنهم، والذي أوهم المصنف ذكر عقب الوجه القائل بالأدنى.
قوله: فرع: لو كانت إبله أربعمائة فقد اجتمع فيها ثمان حقاق وعشر بنات لبون، فإن أخذ أربع حقاق وخمس بنات لبون جاز، وقال الإصطخري: لا يجوز إلا من نوع واحد وهو الحقاق أو بنات اللبون، فإن قيل: قد ذكرتم أن الساعي لا يأخذ إلا الأغبط على المذهب، ويلزم من ذلك أن يكون كل من الصنفين أغبط إذا جوزتم الأخذ من النوعين معًا وذلك لا يمكن، قال ابن الصباغ: يجوز أن يكون لهم حظ ومصلحة من اجتماع النوعين، قال الرافعي: وهذا يفيد معرفة شيء آخر، وهو: أن الغبطة غير
стр. 209
منحصرة في زيادة القيمة، لكن إذا كان التفاوت لا من جهة القيمة يتعذر إخراج الفضل وقدر التفاوت. انتهى كلامه.
وهذا الاعتراض الذي أجاب عنه ابن الصباغ، وتوهم المصنف صحته- باطل من أصله لا يحتاج معه إلى الحمل المذكور، وإن كان الفقه الذي تضمنه صحيحًا، فقد يكون عنده أربع حقاق مما يؤمر بإخراجها هو خير من كل خمس يخرجها مما عنده من بنات اللبون، ويكون في بنات اللبون خمس هي خير من أكل أربع يخرجها مما بقي عنده من الحقاق، وذلك للتعدد الحاصل في أفراد الواجب، والعجب من توهم المصنف- والرافعي والنووي من قبله- صحة هذا الاعتراض، على أن اللفظ الذي نقله المصنف عن ((الشامل)) قد تبع عليه الرافعي، وهو لا ينافي الجواب الذي ذكرناه، إلا أنني راجعت الشامل فوجدت فيه زيادة تأبى ذلك، ويقتضي ما فهمه هو وغيره من عدم إرادته، ولو ذكروا تلك الزيادة لكان أصوب.
قوله: وجمع المسنة- كما قال البندنيجي-: مسنان ومسنات. انتهى.
والذي ذكرته هو صورة ما ذكره المصنف وضبطه- أيضًا- وما ذكره في اللفظ الثاني صحيح، وحاصله: أنه جمع ((المسنة)) جمع سلامة بألف وتاء، وأما اللفظ الأول فتحريف، وصوابه: مسان- بفتح الميم وتشديد النون- على أنه جمع تكسير، ووزنه: مفاعل، ولكن أدغمت النون، وقد ذكر الجوهري هذا الجمع في موضعين من ((الصحاح)) في فصل الفاء من باب المعتل، وفي آخر فصل السين من باب النون.
قوله: وقال- أي البندنيجي-: يقال لما تلده البقرة حين يولد: عجل وعجول، فإذا استكمل سنة ودخل في الثانية قيل له: جذع، وللأنثى: جذعة، فإذا استكمل سنتين ودخل في الثالثة فهو: ثني، وثنية، فإذا استكمل أربعا ودخل في الخامسة فهو: سديس، والأنثى: سديسة، فإذا استكمل خمسًا ودخل في السادسة فهو: ضالع، وليس له اسم بعد ذلك إلا ضالع عام وضالع عامين. انتهى كلامه.
وقد سقط في هذا الكلام تسمية ما استكمل ثلاثًا ودخل في الرابعة، ويقال للذكر منه: رباع، ويقال: رباعي- بضم الراء وتخفيف الياء- وللأنثى: رباعية، ذكره الجوهري وغيره، ومن الفقاء صاحب ((البحر)) وجماعة، والمصنف له عندنا في هذا الموضع وفي الذي قبله، فقد راجعت ((تعليق)) البندنيجي من النسخة التي كانت للمصنف، فوجدت الأمرين فيها على هذا الخلل لغلط الكاتب، إلا أن مثل المصنف من العلماء لا ينتهي في التقليد إلى هذا الحد، وقد أصلحت النسخة على الصواب،
стр. 210
لئلا يقع أحد- أيضًا- في هذا الغلط، وقد ذكر اللغويون أسماء مستوعبة للعشر سنين.
قوله: روى أبو القاسم البغوي في ((معجم الصحابة)) عن عبد الله بن معاوية الغاضري من غاضرة قيس- قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا هو، وأعطى زكاة ماله طيبةً بها نفسه رافدة عليه كل عام، ولا يعطى الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة)). انتهى.
الغاضري- بالغين والضاد المعجمتين، والراء المهملة- مأخوذ من ((الغضارة)) وهي الرفاهية، وقيدوه بـ ((غاضرة قيس))، لأن ذلك يوجد في قبائل من العرب، قاله الرشاطي في ((الأنساب))، وذكر الجوهري- أيضًا- نحوه.
وأما الهرمة: فهي العاجزة من كبر السن، وأما الدرنة: فبدال مهملة مفتوحة ثم راء مكسورة مهملتين، بعدهما نون مفتوحة، هي الجرباء، وأصل الدرن: الوسخ.
وأما الشرط: فبشين معجمة مفتوحة، ثم راء مهملة مفتوحة- أيضًا- ثم طاء مهملة، فهو رذالة المال، أي الردئ منه.
قوله: ولو كان ماله ثلاثين من الإبل نصفها صحاح ونصفها مراض، وقيمة كل صحيحة أربعة دنانير، وكل مريضة ديناران- قال في ((التهذيب)) وغيره: يجب عليه صحيحه قيمتها ثلاثة دنانير، نظرًا إلى نصف قيمة الصحيح ونصف قيمة المريض، قال الرافعي: ولك أن تقول: هلا كان هذا ملتفتًا إلى أن الزكاة هل تتقسط على الوقص أم لا؟ فإن انبسطت عليه فذاك، وإلا قسط المأخوذ على الخمس والعشرين. قلت: لو خرج على هذا فما الذي يجعل الوقص منه؟ إن جعلناه من الصحاح أضررنا برب المال، وإن جعلناه من المراض أضررنا بالفقراء، فتعين أن يجعل منهما، وحينئذ لا تختلف النسبة على أن جعله منهما، وحينئذ لا تختلف النسبة على أن جعله منهما على السوية متعذر، لأن الخمس لا تنقسم. انتهى كلامه.
والذي ذكره في تقرير الجواب الأول معكوس، بل الصواب أن جعله من الصحاح مضر بالفقراء، لأنا حينئذ نقوم الرديء ونعطيهم من نسبته، وجعله من المراض مضر بالمالك نافع للفقراء، لما ذكرناه، وهو واضح. وأما الجواب الثاني- وهو التعذر- فعجيب، فإن تقويم المال جميعه ممكن مشروع، إلا أنه غير لازم على الخمسة، والخمسة سدس الثلاثين، فيعتبر نصف السدس من قيمة المراض ونصف السدس من
стр. 211
قيمة الصحاح، بل تقويم النصف من ذلك صحيح لا مانع منه ولا استحالة فيه- كما زعم- وكأنه سرى ذهنه إلى إخراجه فمنعه، لأن التشقيص في الواجب ممتنع.
قوله: وإن كان غنمه صغارًا أخذ منها صغيرة، لقول أبي بكر في حق مانعي الزكاة: ((والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلهم على منعه)) كما أخرجه البخاري ومسلم. وجه الدلالة منه: أه أخبر عنهم أنهم كانوا يؤدون إلى رسول الله ﷺ العناق، والعناق: الأنثى الصغيرة من أولاد الغنم. انتهى كلامه.
وما ذكره نقلًا واستدلالًا باطل:
أما الأول: فلأن البخاري لم يرو موضع الحاجة- وهو العناق- وإنما لفظ روايته: ((لو منعوني عقالًا)). نعم، رواه مسلم بلفظ ((العناق)).
وأما الثاني- وهو دعواه الإخبار بأداء العناق- فعجيب جدًا، فإنه لم يخبر عنهم بأدائه، وإنما ذكر المقابلة على تقدير الأداء، وأتى بلفظ ((لو)) المستعملة في المستحيل وامتناع الشيء لأجل امتناع غيره، فقال: لو كان كذا لكان كذا، ولا يدل ذلك على أدائه، بل ولا على جواز الأداء، كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢١] ونحو ذلك.
قوله: وروى أبو داود عن مسلم بن ثفنة عن شيخ يقال له سعر ... إلى آخره.
ثفنة: بثاء مثلثة مفتوحة، ثم فاء مكسورة بعدها نون، ثم تاء التأنيث. وما ذكره أبو داود من كون مسلم هو ابن ثفنة قد تبع فيه وكيعا، والصواب: أنه مسلم بن شعبه، كذا ذكره جماعات منهم الإمام أحمد والنسائي والدارقطني، ووهموا وكيعا فيما ذكره، وأما سعر- فبسين مكسورة ثم عين ساكنة مهملتين بعدها راء، وهو سعر بن سوادة- ويقال: ابن ديسم- العامري، قال الدارقطني: له صحبة.
قوله: وروى أبو داود عن مسلم بن ثفنة عن شيخ يقال له سعر ... إلى آخره.
ثفنة: بثاء مثلثة مفتوحة، ثم فاء مكسورة بعدها نون، ثم تاء التأنيث. وما ذكره أبو داود من كون مسلم هو ابن ثفنة قد تبع فيه وكيعا، والصواب: أنه مسلم بن شعبة، كذا ذكره جماعات منهم الإمام أحمد والنسائي والدارقطني، ووهموا وكيعا فيما ذكره، وأما سعر- فبسين مكسورة ثم عين ساكنة مهملتين بعدها راء، وهو سعر بن سوادة- ويقال: ابن ديسم- العامري، قال الدارقطني: له صحبة.
قوله: والبخاتي- بتشديد الياء وتخفيفها- والعراب نوعان للإبل، كما أن المهرية والأرحبية والمجيدية والعقيلية والقرملية أنواع لها. انتهى.
стр. 212
اعلم أن البخاتي: إبل الترك وهي التي لها سنامان، وما عداها إبل العرب وهي المسماة بالعراب، وأنواعها- كما ذكره المصنف:
المهرية، بميم مفتوحة، وجمعها: مهاري منسوبة إلى مهرة بن حيدان، أبي قبيلة، قاله الجوهري.
والأرحبية: منسوبة إلى ((أرحب)) - بالحاء المهملة والباء الموحدة- قبيلة من همدان.
والمجيدية: إبل دون المهرية، منسوبة إلى ((مجيد)) - بضم الميم، وفتح الجيم- وهو اسم فحل.
والعقيلية- بعين مفتوحة وقاف- منسوبة إلى ((العقيلة))، وهي كريمة الإبل.
والقرملية: منسوبة إلى ((القرمل)) - بقاف مكسورة وراء ساكنة وميم مكسورة ثم لام- هو البختي السابق ذكره كما قاله الجوهري- وجمعه: قرامل.
إذا تقرر ذلك علمت أن البخاتي هي القرملية على خلاف ما اقتضاه كلام المصنف من المغايرة، وأن الأربعة الباقية نوعان للعراب، على خلاف ما دل عليه تعبيره- أيضًا- وكأنه رأي بعضهم عبر ببعضها، والبعض بالبعض الآخر، فتوهم التغاير فجمع بينهما.
قوله: ولا تؤخذ الربي ولا الماخض ولا فحل الغنم ولا الأكولة ولا حزرات المال، إلا أن يختار رب المال.
ثم قال: وما ذكره الشيخ من الأخذ في جميع الصور عند اختيار رب المال هو المشهور، إلا في فحل الغنم، فإن فيه إذا أخرجه ما تقدم في أخذ الذكر. انتهى كلامه.
وحاصل كلامه: أن هذه الصورة التي قالها الشيخ لا تأتي على المذهب، وإنما تأتي على وجه ضعيف، لأن الصحيح منع أخذ الذكر عن الأنثى، وليس كما قاله، بل يتصور ذلك على المذهب في خمس من الإبل، فإن الشاة الواجبة فيها يجوز أن تكون ذكرا مع وجود الإناث كما هو المشهور، وحينئذ فإذا تبرع بإعطاء فحل غنمه جاز قبوله.
قوله: وفي ((الإبانة)): أن صاحب ((التقريب)) قال: إذا أعطى كريمة لا تجزئ، لظاهر خبر معاذ. وفي ((النهاية)): أن صاحب ((التقريب)) حكاه عن غيره، وقال: إنه مزيف لا أصل له. انتهى كلامه.
وهو كالصريح في أن المزيف لهذا القول هو الحاكي له وهو صاحب ((التقريب))،
стр. 213
وليس كذلك، بل المزيف له إنما هو الإمام، كذا هو في ((النهاية)) فاعلمه.
وقوله: وفي بعض الشروح: أن بعض الخراسانيين قال: إن اشتراط الاشتراك في الفحل مخصوص بما إذا اتحد النوع، وإن اختلف كالضأن والمعز فلا يضر اختلاف الفحل، للضرورة. قلت: وحقيقة ذلك ترجع إلى أنا على الأول لا نثبت حكم الخلطة عند اختلاف نوع المال، إذ لا اشتراك في الفحل ولكن نثبتها عند اتحاده، وعلى الثاني نجوزها في الحالين، وهذا لم أره لغيره. انتهى كلامه.
والذي أنكره- ﵀ لابد منه، وقد جزم به النووي في ((شرح المهذب)). وزاد فقال: إنه لا خلاف فيه، للتعذر، فأشبه ما لو خلط أربعين من الذكور بأربعين من الإناث.
قوله: ولأجل ذلك قال الرافعي: إن اتحاد موضع الحلب لابد منه، أي: في الخلطة، وأفهم كلام النووي خلافًا فيه، لأنه قال:- أي: في ((اللغات)) -: والأصح اشتراط موضع الحلب. انتهى كلامه.
وهو يقتضي أنه لم يقف في المسألة على خلاف، وقد صرح الروياني بذلك في ((البحر)) فحكى فيه وجهين كما أفهمه كلام النووي، فاعلمه.
стр. 214
باب زكاة النبات
قوله: في الحديث عن عبد الله بن عمر-: ((فيما سقت السماء والأنهار والعيون أو كان بعلًا العشر، وفيما سقى بالسواني أو النضح نصف العشر)) رواه البخاري. وعن جابر- أيضًا-: ((فيما سقت الأنهار والعيون العشر، وفيما سقى بالسواني نصف العشر)) أخرجه مسلم. انتهى.
أما حديث البخاري فليس فيه لفظ ((الأنهار))، بل فيه عوضًا عنه لفظ ((العثري)) بعين مهملة مفتوحة، وثاء مثلثة مفتوحة- أيضًا- وقد تسكن، وصورته: أن تحفر حفيرة يجري فيها الماء من السيل إلى أصول الشجر، وتسمى الحفرة: عاثورًا، لأن المار يتعثر فيها إذا لم يشعر بها. وليس فيه أيضًا لفظ ((السواني)) بل ((النضح)) خاصة، وسيأتي ضبط هذه اللفظة.
وأما حديث مسلم فليس فيه لفظ ((العيون))، بل فيه عوضًا عنه لفظ ((الغيم)) - بغين معجمة، وبالميم في آخره- أي: السحاب.
قوله: وكان فتح خيبر في سنة من الهجرة. انتهى.
وما ذكره في تأريخ الفتح غلط، بل كان فتحها في السنة السابعة بلا خلاف، وقد ذكره هو على الصواب في باب قتال المشركين.
قوله: وقال في القديم: تجب الزكاة في الورس، لأن أبا بكر أمر أهل خفاش بذلك، وما ذكره الشيخ من جزم القديم بالوجوب ذكره البندنيجي- أيضًا- وقال غيرهما: إن الشافعي علق القول في القديم على صحة هذا الأثر، فقال: إن صح قلت به. وقد صح، فيكون له فيه على القديم قولان. انتهى.
وما ادعاه من صحة الأثر غلط، فقد نصت الحفاظ على ضعفه، ومنهم البيهقي. ونقله عن النووي في ((شرح المهذب)) وغيره، وما ذكره من مجيء قولين على القول بصحته غلط- أيضًا- بل إنما يأتيان على القول بضعفه، وهو الذي ذكره غيره- أيضًا- فتأمل ذلك.
стр. 215
قوله: والورس: نبت أصفر يكون باليمن يصبغ به الثياب والحبر وغيرهما. انتهى. والحبر- بحاء مهملة مكسورة، وباء موحدة مفتةحة- جمع ((حبرة)): نوع من الثياب، وإذا علمت ذلك علمت أن ذكره من بعدها لا فائدة له، بل موهم، والظاهر أنه رأى في كلام بعضهم التعبير بـ ((الثياب)) وفي بعضها بـ ((الحبر))، فجمع بينهما. نعم، قد يقع في القرآن الكريم عطف الخاص على العام، لمعنى لا يأتي هنا: كالاهتمام في قوله تعالى: ﴿وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة:٩٨].
قوله: وتضم ثمرة العام الواحد بعضه إلى بعض في إجمال النصاب، وفي الزرع أربعة أقوال.
ثم قال بعد نحو ورقة: والقول الرابع: أن الاعتبار بالحصد، فإن وقع الحصادان في سنة- أي اثني عشر شهرًا- ضم أحدهما إلى الآخر، وإلا فلا. قال الرافعي: وكلام الأكثرين مائل إلى ترجيح هذا القول. انتهى كلامه.
وهذا الذي قاله الرافعي من ترجيح الأكثرين لهذا القول، وعزو المصنف ذلك لو ساكتًا عليه متوهمًا صحته- كلام باطل، فقد أمعنت النظر وتتبعت كلامهم، فلم أقف على ترجيحه لأحد بالكلية فضلًا عن الأكثرين، ولا شك أنه انقلب على الرافعي، فإن كثيرًا من الأصحاب قد صححوا اعتبار الزراعة في السنة، منهم: البندنيجي، وابن الصباغ، وصحح الروياني اعتبار الحصاد، ولكن في فصل واحد لا في سنة واحدة.
قوله: في المسألة-: ونص في ((الكبير)) على قول خامس، فقال: إن وقع البذران في سنة، ووقع الحصادان في سنة- فأحدهما مضموم إلى الثاني، قال الرافعي: ذلك إن وقع زرع الثاني وحصد الأول في سنة. انتهى بحروفه.
وهو كلام عجيب، وأحسن أحواله أن يحمل على غلط وقع للنووي في ((الروضة)) عند حكايته لهذا القول، وهو اجتماع الزرعين والحصادين معًا في سنة واحدة، مع أن المذكور في ((الرافعي)): أنه يكفي أن يقع في السنة إما الزرعان وإما الحصادان، لا كلاهما معًا كما تحرف على النووي، وقد أوضحت المسألة في ((المهمات)).
قوله: ((والبعل)) في الحديث- بتسكين العين المهملة- قد تقدم شرحه، وهو ما يشرب بالعروق، وقيل: هو والعذق واحد، وهو ما سقت السماء، والمشهور
следующие страницы →