Полный текст (594 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
إلى إبطال ما ثبت فيه من الخيار.
العشرون: إذا رهن جارية، ثم وطئها، فحبلت منه وهو معسر- فإن الاستيلاد لا ينفذ على الصحيح، فلو حل الحق وهي حامل لم يجز بيعها على الأصح، لأنها حامل بحر، وإذا ولدت لا تباع حتى يسقي الولد اللبأ ويجد مرضعة، خوفًا من أن يسافر بها المشتري فيهلك الولد، كذا قاله الرافعي، ول قيل بالبيع وإلزام الإقامة كما في الحرة وأمه كان متجهًا.
الحادي والعشرون: إذا أعطي الغاصب القيمة للحيلولة، ثم ظفر بالمغصوب فله حبسه إلى استرداد القيمة، كذا نقله الرافعي في باب الغصب عن نص الشافعي، ثم مال إلى خلافه، ويلزم من حبسه امتناع تصرف مالكه بطريق الأولى.
الثاني والعشرون: بدل العين الموصى بمنفعتها إذا أتلفت، حكمه حكم أصله.
الثالث والعشرون: أعطى لعبد قوته، ثم أراد عند الأكل إبداله- قال الروياني: ليس له ذلك، وقيده الماوردي بما إذا تضمن الإبدال تأخير الأكل.
الرابع والعشرون: إذا نذر إعتاق عبد بعينه فإنه لا يخرج عن ملكه إلا بالإعتاق، ومع ذلك لا يجوز له التصرف فيه، بخلاف ما إذا نذر الصدقة بدرهم بعينه، فإنه يزول ملكه عنه إلى الفقراء، ولو أوصى بإعتاقه أو بوقفه كان كالنذر.
الخامس والعشرون: إذا دخل عليه وقت الصلاة وعنده ما يتطهر به، فلا يصح بيعه ولا هبته على الصحيح، لحق الله- تعالى- وهكذا قياس السترة ونحوها كالذي يعتمد عليه العاجز عن القيام، والمصحف الذي يقرأ منه غير الحافظ.
السادس والعشرون: إذا وجبت الكفارة على الفور، وكان في ملكه ما يجب عليه التكفير به- فقياس ما سبق: امتناع تصرفه فيه، ولا يحضرني الآن نقله، ومن عليه دين لا يرجو وفاءه، أو وجبت عليه نفقة غيره- لا يحل له التصدق بما معه ولا هبته، ولكن لو فعل ففي نفوذه نظر.
قوله: ولابد عند الشراء بقصد التجارة لهما- على ما حكاه الماوردي- من أن يكون ما يشترى لا يسرع إليه الفساد، وأن يكون الربح حاصلًا منه في الغالب حالًا أو مآلًا، وأن يكون بالنقد دون النسيئة. انتهى كلامه.
وهذا الشرط الثالث الذي نقله عن الماوردي، وهو ألا يكون بالنسيئة- قد صرح الغزالي بخلافه في كتاب الفرائض من ((الوسيط))، فقال: يجوز لولي اليتيم أن يشتري له شيئًا بالنسيئة إذا كان في شرائه مصلحة.
стр. 387
قوله: وفي ((التتمة)): أن الغلام أذا أنزل المني قبل الطعن في العاشرة لا يكون بلوغًا، وأن الإنبات في السنة التاسعة يجعل بلوغًا. انتهى كلامه.
وما نقله عن صاحب ((التتمة)) هنا قد نقله عنه في ((المطلب)) - أيضًا- وهو صحيح بالنسبة إلى إنزال المني، وأما ما نقله عنه من أن الإنبات يكون بلوغًا في السنة التاسعة، فليس له ذكر في هذا الباب بالكلية، لا نفيًا ولا إثباتًا، وإنما حكى الخلاف المعروف فيه، ولم يقيده بسنة مخصوصة.
قوله: ثم المراد بالرشد في الدين: ألا يرتكب من المعاصي ما يخرجه عن حيز العدالة، وإن أتى بما يسقط المروءة: كالأكل في الأسواق ونحوه، كذا قاله ابن الصباغ وغيره، وهو بناء على المشهور من أن تعاطي هذه الأشياء ليس بمحرم، وسماعي من شيخ المشايخ قاضي القضاة تقي الدين أبي عبد الله محمد بن رزين: أنه سمع من بعض علماء الشام: أن تعاطي ما ترد به الشهادة من الأكل في الأسواق ونحوه، هل هو حرام أم لا؟ فيه ثلاث أوجه للأصحاب.
ثالثها: إن كان قد تحمل شهادة حرم عليه تعاطي ذلك، لأن فيه سعيًا في إبطال شهادته المتعلق بها حق الغير، وإلا فلا.
فعلى وجه التحريم: ينبغي أن يكون كسائر المحرمات. انتهى كلامه.
وما ذكره في آخر كلامه، وكذلك في أوائله حيث قال: وهو بناء على المشهور ... إلى آخره- يقتضي أن كل محرم يقدح هنا، وليس كذلك، بل القادح إنما هو المخرج عن العدالة كما صرح به هو في أول الكلام الذي نقلته عنه، وحينئذ فلا يلزم من كون هذا محرمًا أن يكون مما نحن فيه، لجواز أن يكون من الصغائر عند هذا القائل، وهو الظاهر.
стр. 388
باب الصلح
قوله: ولو قال: أبرئني من الدين، كان إقرارًا، وإن قال: أبرئني من المال، فكذلك على الأصح، وفي ((الإشراف)): أن ابن القاص حكى عن بعض أصحابنا: أنه ليس بإقرار، لأن الله تعالى قال: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب:٦٩] وموسى ﷺ لم يكن آدر، وتبرئته عن عيب الأدرة لم تقتض إثبات الأدرة. انتهى كلامه.
وما ذكره من الجزم في الدين والتردد في المال ذكره- أيضًا- في ((المطلب))، وهو باطل بلا شك، فإنهما على حد سواء إذا أراد بكل منهما الدين المدعى به، فيكون الوجه ثابتًا فيما، إلا أن ابن القاص تكلم على المثالين.
والأدر- بهمزة مفتوحة، بعدها ألف، ثم دال مفتوحة ثم راء مهملتين-: هو الذي انتفخت خصيته، والأدرة- بضم الهمزة، على وزن ((الحمرة)): هو انتفاخها، قاله الجوهري.
قوله: ولو أذن المدعى عليه المنكر لأجنبي في مصالحة المدعي، فهل يكفي ذلك في صحة الصلح، أم لابد من إقراره عند الوكيل بأن العين ملك للمدعي؟ فيه وجهان.
أصحهما في ((الحاوي)): أنه يكفي.
ثم قال: فعلى هذا يكفي الوكيل أن يقول: هو لك، وقد وكلني في مصالحتك. وبه جزم القاضي أبو الطيب في ((تعليقه)).
وإن قلنا: لابد من إقراره فلابد أن يقول الوكيل: العين لك، وقد أقر بها المدعى عليه، ووكلني في مصالحتك. وهذا ما ادعى ابن يونس أن كلام الشيخ محمول عليه، وهو الذي أورده ابن الصباغ والمحاملي. انتهى ملخصًا.
فأما ما ذكره أولا على القول بأنه يكفي من أنه لابد أيضًا من اعتراف الوكيل بأنه للمدعي، وأن القاضي أبا الطيب قائل به- فإن القاضي وإن جزم بذلك إلا أنه لم يفرعه على القول بالاكتفاء بالمصالحة، فقال: فإن صالحه للمدعى عليه جاز الصلح إذا أقر للمدعي بالعين، وقال: إنه وكلني في مصالحتك. هذا لفظ ((التعليقة))، فيجوز أن
стр. 389
يكون ذلك تفريعًا على اشتراط الإقرار.
وأما ما ذكره على القول باشتراط الإقرار من أن الوكيل لابد مع ذلك من اعترافه بأن العين للمدعي فمعلوم: أن الوكلاء لا يشترط فيهم ذلك. وما ذكره عن ((الشامل)) من اشتراطه غلط، فإنه قال ما نصه: فإنه يقول للمدعي: إن المدعى عليه معترف لك في الباطن، وقد وكلني أن أصالح عنه. هذه عبارته، ولم يشترط معه شيئًا آخر، وكذا ذكر ابن يونس، فقال نقلًا عن الشيخ: قال: وإن كان المدعى عينًا لم يجز حتى يقول: هو لك- أي: هو مقر لك في الباطن- وقد وكلني في مصالحتك، فعند ذلك يصح. انتهى كلامه. فهذا هو الذي حمل عليه كلام الشيخ، وليس فيه اشتراط اعتراف الوكيل مع الأمرين الأخيرين.
قوله: وما روى عن صاحب ((التلخيص)) من أنه جوز الصلح عن أرش الموضحة إذا علما قدره، وأنه منع صحة بيعه- فقد خالفه فيه المعظم.
وقالوا: إن كان الأرش مجهولًا كالحكومة التي لم تقدر بعد لم يصح الصلح عنه ولا بيعه.
وإن كان معلوم القدر والصفة: كالدراهم إذا ضبطت في الحكومة جاز الصلح عنها، وجاز بيعها ممن هي عليه.
وإن كان معلوم القدر دون الصفة، كالإبل الواجبة في الدية ففي جواز الاعتياض عنها بلفظ الصلح وبلفظ البيع وجهان. انتهى كلامه.
وما قاله- ﵀ من نقل هذا التقسيم عن صاحب ((التخليص)) قلد فيه الرافعي، وهو لا ينطبق على ما نقله هو عنه، فإنه فرض المسألة في المصالحة عن أرش الموضحة إذا علم قدر أرشها، فكأنه صالحه على خمس من الإبل، وهو القسم الثالث من التقسيم المتقدم، فلا يجئ القسمان الأولان أصلًا.
قوله: واعلم أنه كما يجوز له أن يشرع الجناح إلى الشارع يجوز لمن له فيه داران متقابلتان أن يركب عليهما ساباطًا، ويجوز له أن يحفر فيه سردابًا ويبني عليه أزجا يمر عليه المارة، ويحكمه، صرح به العراقيون وغيرهم.
قال في ((بحر المذهب)): ويمثل هذا أجاب الأصحاب- يعني في السرداب- فيما إذا لم يكن الطريق نافذًا، وغلط من قال بخلافه. انتهى كلامه.
وما نقله- ﵀ عن ((البحر)) قد غلط فيه عليه، فإن المذكور في ((البحر)) إنما هو ترجيح المنع، فإنه ذكر حكم الشارع في إخراج الجناح والساباط والسرداب،
стр. 390
ثم قال: فرع: لو كان زقاقا غير نافذ اختلف أصحابنا فيه: فقال بعضهم- وهو اختيار أبي حامد-: الحكم فيه كالحكم في الطريق النافذ، بدليل أنه يجوز لكل أحد دخول هذا الزقاق. وقال هذا القائل: والشافعي لم ينص على هذه المسألة في ((الأم)). ثم قال ما نصه: وقال بعض أصحابنا- وهو اختيار القاضي الطبري، ﵀: ليس له ذلك، لأن ذلك مملوك لهم، ولا يجوز لأحد منهم الانفراد بهوائه، وهذا أقيس عندي. هذا كلام ((البحر)) بحروفه، ولم يذكر فيه غير ذلك، ولم ينص في غير النافذ على السرداب بخصوصه، لكنه يؤخذ مما سبق في الشارع.
وذكر الروياني في ((الحلية)) أيضًا مثله، فقال- بعد ذكر الجناح والساباط في الشارع-: وكذلك لو حفر سردابًا من داره إلى دار أخرى له بحذائها في طريق شارع، وأحكم ذلك بالأزج- يجوز، لأنه لا فرق بين أن يرتفق بما تحتها، أو بما فوقها إذا لم يضر بالمارين، ولو أراد ذلك في طريق سكة غير نافذ فلا يجوز إلا بإذن أهل السكة في ظاهر المذهب، وهو اختيار القاضي الطبري وجماعة. هذا لفظ ((الحلية)) - أيضًا- والموقع للمصنف في هذا الغلط هو الرافعي، فإنه نقله عن الروياني.
قوله: أما إذا قلنا بالقول القديم- أي: في وضع الجذوع على جدار الجار- فلا تجوز له المصالحة على عوض، لأن من وجب عليه حق لم يجز أن يعتاض عنه.
قلت: قد حكى الغزالي في كتاب الإجارة فيما إذا أسلمت امرأة، وليس هناك من يحسن الفاتحة إلا واحد، فجعل صداقها تعليمها الفاتحة- جاز على الأصح من الوجهين، مع أن ذلك واجب عليه، فيتجه أن يجئ مثل ذلك هنا. انتهى كلامه.
والجواب عما قاله قد ذكره الإمام في كتاب الصداق، وهو أن الوجوب إذا لاقى الشخص يجب عليه بذلك الأجرة لغيره، وإن تعين الغير طريقًا، والوجوب هنا لم يلاق صاحب الجذوع، بل لاقى الجار أولًا، فلا يأخذ عنه عوضًا.
стр. 391
باب الحوالة
قوله: ومن السنة قوله ﷺ : ((مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على ملئ فليتبع)). ألف ((أتبع)) مضمومة، وتاؤه تسكن وتخفف، وتاء ((فليتبع)) مشددة انتهى كلامه.
وما ذكره جازمًا به من تشديد التاء في ((يتبع)) فإنه مقالة ضعيفة جدًا، قال النووي في ((شرح مسلم)): والصواب المعروف في كتب الحديث وغيرها: هو التخفيف.
قوله- ﵀: ولا تفتقر إلى رضا المحال غيره، على المنصوص، أي: في ((المختصر)).
ثم قال: ومقابله: أنه لابد من رضاه، وقد رواه أبو العباس بن القاص عن نصه في ((الإملاء)). انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من أن الشافعي نص في ((المختصر)) على ذلك سهو، فإنه لم ينص فيه على المسألة. نعم نص في باب الطعام منه- أي: من ((المختصر)) - على أن الحوالة بيع، وحينئذ فيمكن أن يتفرع عليه عدم اشتراط رضا المحال عليه، وقد صرح المصنف في ((المطلب)) بذلك، وجعل المسألة مستنبطة من هذا النص، لا منصوصًا عليها.
الثاني: أن ما ادعاه من نسبة مقابله إلى ((الإملاء))، وأن ابن القاص نقل ذلك- ففي ((الرافعي)) عن المذكور- وهو: ابن القاص نسبته إلى ((الأم))، ولم ينسبه على ((الإملاء)).
قوله: وفي وجهٍ تجوز الحوالة بمال الكتابة ودين السلم، وعليهما.
ثم قال: وقد بناه الرافعي والماوردي في مسألة المسلم فيه على أنها استيفاء لا معاوضة، ويشبه أن يبني في مسألة الكتابة عليه أيضًا. انتهى كلامه.
وهو يقتضي أن ما ذكره في الكتابة من البناء لم يقف عليه منقولًا، لكن قد صرح القاضي الحسين في باب الكتابة من ((تعليقه)) بالبناء المذكور موافقًا لبحثه، فإنه ذكر أن السيد ليس له أن يحيل على المكاتب بمال الكتابة، ثم قال ما نصه: هذا إذا قلنا:
стр. 392
الحوالة معاوضة، فإن قلنا: إنهاء استيفاء الحق، فتجوز الحوالة بمال الكتابة، سواء أحال المكاتب السيد على رجل له عليه دين، أو أحال السيد رجلا على المكاتب. هذا لفظه، ذكره بعد نصف الباب بقليل.
قوله: وقيل إذا قلنا: إنهاء استيفاء، جاز أن يحيل بالحال عن المؤجل، وبالمؤجل إلى شهر عن المؤجل إلى أكثر منه، وبالصحيح عن المكسر، وبالجيد عن الرديء، ولا يجوز العكس.
وفي ((الوسيط)) عكس هذا، فإنه قال: كل ما يمنع الاستيفاء، إلا بمعاونة تمتنع الحوالة فيه. ولو كان لا يمنع الاستيفاء، بل يجب القبول، ولا يشترط رضا المستحق به: كتسليم الصحيح عن المكسر، والأجود عن الرديء، والحال عن المؤجل في بعض الأحوال- جازت الحوالة به وإن كان يفتقر إلى الرضا المجرد دون المعاوضة، ففيه وجهان، وهذا ما حكاه الإمام عن شيخه. انتهى كلامه.
وما توهمه من أن كلام ((الوسيط)) على العكس من ذلك الوجه ليس كذلك، فإن حاصل ذلك الوجه: أن الدين المحال عليه إذا كان أجود صفة من المحال به، جازت الحوالة، وسببه- كما قال الرافعي-: أنه يجوز للمحيل إعطاؤه، فإذا أحال المؤجل مثلًا على الحال، فقد عجل. وكلام الغزالي يوافق الوجه، فإنه ذكر ثلاثة أقسام:
الأول: ما يتوقف على المعاوضة لاختلاف الجنس، ولا كلام فيه.
والثاني: ما لا يتوقف عليها، بل ولا على الرضا من المستحق كتسليم الصحيح عن المكسر، فتجوز الحوالة، فإذا لزمه مكسر فأحال بصحيح عنه جاز، وهو الذي جزم به الغزالي هو الوجه المتقدم. وقد تقدم تعليله عن الرافعي.
والثالث: ما يتوقف على الرضا دون المعاوضة، كما لو لزمه صحيح، فأحال عنه بمكسر- ففيه وجهان. هذا ما قاله الغزالي، وحاصله: أنه جزم بذلك الوجه، وذكر معه وجهين في حوالة الأجود على الأردأ ونحوه، وأما ما ادعاه من أن في ((الوسيط)) عكس ذلك الوجه حتى يحال بالجيد على الرديء مثلًا دون العكس، فلا ذكر له في ((الوسيط)) ولا في غيره.
قوله: وإذا قال لمن له عليه دين: أحلتك على فلان، فقبل، ثم اختلفا، فقال: أردت الوكالة، وقال المحتال: بل أردت الحوالة- فالصحيح، وبه قال المزني: أن القول قول المحيل.
ثم قال: فإن قلنا بقول المزني، فإن كان المحتال لم يقبض الحق بعد، لم يكن له
стр. 393
قبضه، فلو قبضه فهل يكون مضمونًا عليه؟ فيه وجهان.
قال الماوردي: مأخوذان من اختلاف أصحابنا في أن هذه وكالة فاسدة أو حوالة فاسدة؟
فإن قلنا: وكالة فاسدة، لم يضمن، وإلا ضمن.
وإن كان قد قبضه برئ المحال عليه.
وحكى الرافعي عن الإمام رواية وجهٍ ضعيف عن صاحب ((التقريب)) أنه لا يبرأ، والذي فهمته من كلام الإمام: ما حكيته عن الماوردي من قبل. انتهى كلامه.
وما ادعاه من مغايرة كلام الإمام لما نقله عنه الرافعي، وتنزيل ذلك على ما قاله الماوردي- غلط عجيب، بل الموجوج في ((النهاية)) كما نقل الرافعي، فإنه ذكر المسألة في أواخر الباب، وحكى عن صاحب ((التقريب)) خلافًا فيما إذا صدقه المحيل: هل يكون ذلك بمثابة حوالة فاسدة أم لا؟ ثم قال ما نصه: فإن قلنا: إن سبيله سبيل الحوالة الفاسدة، فإذا كان المحال عليه سلم المال إلى المحتال فهل يبرأ بالتسليم إليه عما عليه؟ فعلى وجهين ذكرهما، يعني صاحب ((التقريب)). هذا لفظه بحروفه، والعجب كيف قال المصنف ما قال مستدركًا به على غيره لا سيما الرافعي.
стр. 394
باب الضمان
قوله: وهو ما روى الترمذي أن رسول الله ﷺ قال: ((والزعيم غارم))، وقال: إنه حسن صحيح. انتهى.
واعلم أن الموجود في نسخ ((الترمذي)) إنما هو تحسينه. نعم، أخرجه ابن حبان في صحيحه.
قوله: وإذا ضمن العبد بإذن سيده، وفي يده شيء من أموال التجارة- تعلق به على الصحيح.
ثم قال: فرع: إذا قلنا يتعلق بمال التجارة، فهل يتعلق بما يكسبه بعد الضمان، أو به وبما في يده من الربح الحاصل من قبل، أو بهما وبرأس المال؟ فيه ثلاثة أوجه، أقيسها الثالث. انتهى.
وتعبيره بقوله: بعد الضمان، سهو، بل صوابه المجزوم به في ((الرافعي)) وغيره: اعتبار الإذن لا الضمان، فإنه قد يتراخى عنه بأعوام.
قوله: فإن قيل: الحر لو قال: ضمنت لك ما لك على فلان في هذا المال، لم يصح- قلنا: لا نسلم أن الضمان في العين لا يصح، فإن القاضي ابن كج صححه كما ستقف عليه. انتهى كلامه.
ولم يذكر المصنف عن ابن كج بعد ذلك في المسألة شيئًا بالكلية، ولا شك أن النقل عنه غلط، لأن المصنف لم يقف على كتابه، وإنما ينقل عنه بواسطة نقل الرافعي، ولم ينقل الرافعي ذلك عنه.
قوله فإن قيل: الحر لو قال: ضمنت لك ما لك على فلان في هذا المال، لم يصح- قلنا: لا نسلم أن الضمان في العين لا يصح، فإن القاضي ابن كج صححه كما ستقف عليه. انتهى كلامه.
ولم يذكر المصنف عن ابن كج بعد ذلك في المسألة شيئًا بالكلية، ولا شك أن
стр. 395
النقل عنه غلط، لأن المصنف لم يقف على كتابه، وإنما ينقل عنه بواسطة نقل الرافعي، ولم ينقل الرافعي ذلك عنه.
قوله: ولا يصح الضمان حتى يعرف الضامن المضمون له دون المضمون عنه. وقيل تشترط معرفتهما.
ثم قال: وقيل: لا تشترط معرفة واحد منهما، لأن عليا وأبا قتادة ضمنا دين من لم يعرفاه، كذا قاله الماوردي، مع أنه حكى في موضع آخر: أن المضمون عنه كان من أهل الصفة. انتهى كلامه.
واعلم أن هذه اللفظ الذي نقله عن الماوردي لا اعتراض عليه فيه، لأنه إنما يصح الاعتراض أن لو أراد بقوله: دين من لم يعرفاه، هو المضمون عنه، ولم يصرح به فيما نقله عنه، بل المتبادر منها عند الإطلاق إنما هو المضمون له، لأن الدين له. نعم، الماوردي عبر بقوله: ضمنا عمن لم يعرفاه ولا لمن يعرفاه. هذا لفظه، والاعتراض عليه متوجد حينئذ، وكأن المصنف لما وقف عليه ظهر له الاعتراض، ولكن عبر بعبارة تدفعه، على أن الجواب عن الماوردي سهل، وهو أنهما كانا إذ ذاك غير عالمين، ثم ظهر بعد ذلك.
قوله التفريع: إن قلنا باشتراط معرفة المضمون عنه فلا خلاف في عدم اشتراط رضاه. انتهى.
وما ذكره من نفي الخلاف ذكره إمام الحرمين ثم الرافعي والنووي، وليس كذلك، فقد نقل هو في ((المطلب)) عن ((تعليقه)) القاضي الحسين وجهًا: أنه يشترط، وأن أبا الحسن الجوري في ((شرح المختصر)) قد قال به أيضًا.
قوله- نقلًا عن الإمام-: ولا يشترط رضا المضمون له عند الأكثرين، لكن لا يلزمه قبوله ما يحضره الضامن إن كان بغير إذن المضمون عنه.
ثم قال: وإن كان بإذن المضمون عنه حيث لا يثبت له الرجوع ففي اللزوم وجهان.
والأشهر: انه ليس له الامتناع، وهما مبنيان على أن المؤدى يقع فداء أو موهوبا ممن عليه الدين؟
إن قلنا بالثاني لم يكن له الامتناع. انتهى كلامه.
وهذا البناء الذي نقله عن الإمام قلد الرافعي في نقله عنه، وليس مطابقًا لما في
стр. 396
((النهاية))، فإنه قال فيها ما نصه: إذا قال لغيره: أد ديني، وقلنا: لا يثبت الرجوع إذا لم يقيد- ففي امتناع مستحق الدين عن القبول وجهان:
أحدهما: ليس له الامتناع، وهو الأشهر، فإن المؤدي مستناب من جهة الآذن، وليس لمستحق الدين تخير في عين المؤدى.
والوجه الثاني: له الامتناع، فإنه إذا كان لا يملك الرجوع فالمدفوع إلى مستحق الدين يقع فداء أو موهوبًا: فإن كان فداء لم يلزمه القبول كما لو كان الأداء بغير إذنه، وإن كان المؤدى في حكم الموهوب ممن عليه فالهبة إنما يثبت الملك فيها بالقبض، ولمستحق الدين أن يقول: لست أجلب ملكًا لمن عليه الدين بيدي، ولا يلزمني ذلك. هذا كلامه ومخالفته لما قاله الرافعي ظاهرة، ثم ذكر- أعني الإمام- بعده كلامًا آخر، فقال: وإذا لم يبعد إلزامه تحصل الملك للمؤدى عنه مع افتراض عوضه باشتراط الرجوع، لم يبعد إلزامه قبض ما يقدر موهوبًا في حق المديون، وهذه الزيادة- أيضًا- لا تحقق ما قاله المصنف، فإن غايته أنه ذكر بحثًا في اللزوم على القول بأن هبة، بعد أن جزم بعدمه تفريعًا عليه، وجعل مستند عدم اللزوم شيئًا آخر.
قوله: ثم محل الخلاف- أي في ضمان الثمن في مدة الخيار- إذا كان الخيار للمشتري وحده أو لهما، أما إذا كان للبائع وحده صح وجهًا واحدًا، صرح به المتولي. انتهى كلامه.
واعلم أن هذا النقل مذكور في ((التتمة)) على ما نقله المصنف، لكن قد تقدم في البيع في الكلام على أقوال الملك في زمن الخيار: أن الثمن والمبيع لا يجتمعان في ملك شخص واحد، بل حيث قلنا: إن الملك في المبيع للمشتري، فالثمن للبائع، وإن قلنا: للبائع، فالثمن للمشتري، وإن قلنا: موقوف، فموقوف، وتقدم- أيضًا- أن هذه الأقوال الثلاثة جارية سواء كان الخيار لهما أو لأحدهما، إلا أن الصحيح أنه إذا كان الخيار لأحدهما كان الملك له، وقيل: محل الخلاف إذا كان لهما، فإن كان لأحدهما فالملك له قطعا. وعلى هذا: فإذا كان الخيار للبائع كان الملك في المبيع له: إما بلا خلاف، وإما على الصحيح، وحينئذ فلا ثمن على المشتري قطعًا، أو على الراجح، فضلًا عن كونه لازمًا، فكيف يتصور أن يقال فيه بصحة الضمان بلا خلاف مع حكاية الخلاف في عكسه؟! وبذلك يظهر أن هذه الطريقة قد انعكست على صاحب ((التتمة)).
стр. 397
قوله: وخرج ابن سريج قولًا بجواز تعليق الضمان، فعلى هذا: لو قال: إذا بعت عبدك لفلان بألف فأنا ضامن للثمن، فباعه منه بخمسمائة- فعند صاحب ((التقريب)): يكون ضامنًا لها، وعند ابن سريج: لا. ثم قال: قلت: وقد حكى الإمام عن ابن سريج في أواخر هذا الباب: أن رجلًا لو ادعى أن فلانًا ضمن لي ألف درهم، وأقام شاهدين: شهد أحدهما أنه ضمن ألفا، والآخر أنه ضمن خمسمائة- فالألف لا تثبت، وهل تثبت الخمسمائة؟ فعلى قولين خرجهما ابن سريج، وكان يتجه أن يخرج مثلهما هاهنا. انتهى كلامه.
وما حاوله- ﵀ من تخريج الأولى على هذا الخلاف سهو، فإن الحكم المذكور فيها- أعني في الأولى- مفرع على صحة التعليق، والمعلق عليه هو البيع بألف، ولم يوجد، فلذلك جزم ابن سريج بأنه لا يكون ضامنًا لشيء، وهذا المعنى غير موجود في مسألة الشهادة.
قوله: قال: وإن أحاله على من لا دين له عليه، أي: وصححناها- لم يرجع في الحال، لأنه لم يغرم شيئًا.
قال: حتى يدفع إليه المحال عليه، ثم يرجع على الضامن فيغرمه، ثم يرجع الضامن على المضمون عنه، لأنه حينئذ غرم بإذنه.
وهذا من الشيخ تفريع على أن هذه الحوالة لا تحصل براءة ذمة المحيل في الحال.
فإن قلنا بالبراءة لم يشترط دفع المحال عليه، بل يشترط رجوع المحال عليه على المحيل الذي هو الضامن. انتهى كلامه.
واعلم أن الشيخ قد صحح في باب الحوالة: أن الحوالة على من لا دين عليه غير صحيحة، واقتضى كلامه أن إذا صححناها برئت ذمة المحيل كما نقله عنه المصنف هناك، وحينئذ فيصير تقريره هنا لكلام الشيخ مخالفًا للمذكور هناك من وجهين، وهما: جزمه بصحة الحوالة، وبعدم البراءة، ولنا عن هذا كله مندوحة، فإن الشيخ هنا لم يتعرض لصحة الحوالة ولا لبطلانها، والحكم الذي ذكره لا يتوقف على صحتها، لأن ما وقع إذن في أداء الدين، والإذن فيه كافٍ في استحقاق الرجوع إذا وقع الأداء، فيكون قد صحح هناك بطلانها، وفرع هنا على ما صححه هناك، وهذا أصوب من التقرير الذي ذكره المصنف، فإنه واضح جلي لا تناقض معه.
قوله: وإن غاب المكفول إلى موضع معلوم لم يطالب به حتى يمضي زمان يمكن
стр. 398
المضي فيه إليه والرجوع، فإذا مضت تلك المدة ولم يأت به حبسه الحاكم إلى أن يحضره أو يموت المكفول به، انتهى كلامه.
وما ذكره في آخره من تقييد غاية حبسه بالموت ليس كذلك بل الصواب ما قاله في ((المطلب)): إلى أن يتعذر إحضاره بموت أو جهل بموضعه أو إقامة عند من يمنعه.
واعلم أن الاقتصار على مدة الذهاب والإياب ذكره الأصحاب- أيضًا- وينبغي أن تعتبر مع ذلك مدة إقامة المسافرين، وهي ثلاثة أيام غير يوم الدخول والخروج، للاستراحة وتجهيز المكفول.
стр. 399
باب الشركة
قوله: والدليل على بطلان الشركة في غير النقدين من النقار والسبائك وغيرهما: القياس على القراض. انتهى.
والنقار- بنون مكسورة وقاف- جمع ((نقرة)) بضم النون وسكون القاف، والنقرة: هي السبيكة، كذا قاله الجمهور، وحينئذ يكون شاملًا للذهب والفضة، ولهذا قال الشافعي في ((الأم)): ولو غصب نقرة من ذهب. هذه عبارته، وإذا تقرر ما ذكرناه علمت منه- أيضًا- مرد توهمه المغايرة بين النقار والسبائك.
قوله: فرع: قال الرافعي: إذا جوزنا الشركة في المثليات، فإن استوت القيمتان كانا شريكين على السواء، وإن اختلفا، كما إذا كانا لأحدهما كر حنطة قيمته مائة، وللآخر كر قيمته خمسون- فهما، شريكان بالثلثين والثلث، كذا حكاه الرافعي.
ثم قال: وهذا مبني على قطع النظر في المثليات عن تساوي الأجزاء في القيمة، وإلا فليس هذا الكثير مثلًا لذلك القليل.
قلت: وهذا الكلام منه يدل على صحة عقد الشركة عليها، والذي شرطناه أولا من تساوي المثلين في الوصف يمنع ذلك، وقد صرح بحكاية المنع في هذه الصورة الروياني في ((البحر)) انتهى كلامه بحروفه.
وما ذكره من اشتراط التساوي في الوصف قد نقله عن الرافعي قبل ذلك أيضًا بقليل، إذا علمت ذلك فالذي ذكره المصنف من المنع في هذه الصورة، وأن اشتراط التساوي في الوصف مانع من الصحة حتى يتنافى كلام الرافعي- غريب، فإنهم إنما شرطوا التساوي في الأوصاف التي يحصل بها التمييز في مرأى العين حتى لا يمكن تمييز أحد المالين من الآخر، لا التساوي في القيمة، وقد صرح الرافعي بذلك فقال: وإذا جوزنا الشركة في المثليات وجب تساويهما جنسًا ووصفًا، فلا يكفي خلط حنطة حمراء ببيضاء، لإمكان التمييز وإن كان فيه عسر، وفي وجه: يكفي، لأنه يعد خلطًا. هذا كلامه، واعلم أن الرافعي عبر بقوله: وإلا فليس هذا الكر مثلًا لذلك الكر، ولم يعبر بالقليل والكثير.
стр. 400
باب الوكالة
قوله: والوكالة في الشرع: إقامة الوكيل مقام الموكل في العمل المأذون فيه. انتهى وهذا حد عجيب يلزم منه الدور، لأنه تعريف الشيء بما هو مأخوذ منه، والأولى في حد ذاته أن يقال: تفويض ما له فعله مما يقبل النيابة، إلى من يفعله في حال حياته. وعدل في ((المطلب)) عما ذكره هنا، فقال: نيابة اختيارية في قول أو فعل ... إلى آخر ما قال.
قوله- في توكيل الصبي في حمل الهدية، وفي الإذن في الدخول-: قال الإمام: إن لم توجد قرينة ففي الاعتماد عليه وجهان ينبنيان على الوجهين في روايته. ثم قال: وهذا ما حكاه الفقهاء، والذي حكاه الأصوليون: منع قبول روايته. انتهى كلامه.
وما توهمه من المغايرة بين كلام الأصوليين والفقهاء بالنسبة إلى إثبات الخلاف ونفيه ليس كذلك، فإن الخلاف عند الأصوليين ثابت مشهور كالفقهاء، والفقهاء- أيضًا- قد صححوا المنع كالأصوليين، حتى صححه الرافعي والنووي لما حكياه في استقباله القبلة والمياه وغيرهما.
وقد ذكر المصنف هنا من الألفاظ المحتاجة إلى الشرح لفظ ((العرامة))، وهي بعين مفتوحة وراء مهملتين.
قوله- نقلًا عن: الشيخ-: من جاز تصرفه فيما توكل فيه جاز توكيله وجازت وكالته، ومن لا فلا، إلا كذا وكذا. ثم قال: وقد استثنى مما ذكره الشيخ مسائل، منها: إذا قال لزوجته: إذا طلقتك فأنت طالق قبلة ثلاثًا، فإنه يمتنع عليه إيقاع الطلاق على رأيٍ، وله التوكيل في الطلاق، فإذا طلق الوكيل وقع على الأصح كما حكاه الجيلي، وأجاب عنه بعد ذلك بأن قال: يجوز أن يكون الشيخ اختار فيها وقوع الطلاق. هذا لفظه.
وفيه أمران:
أحدهما: أن جواز التوكيل والحالة هذه قد ذكره الرافعي في كتاب الطلاق جازمًا
стр. 401
به، ونقله عن الإمام وغيره، واقتصار المصنف على نقله عن الجيلي غريب، فإن عادته- وهو الذي ينبغي، أيضًا- ألا يقتصر على النقل عنه إلا في شيء لم يوجد لغيره، والظاهر أنه لم يستحضر ذلك في هذا الموضع، ولم يقف عليه لغيره.
الأمر الثاني: أن جوابه بقوله: يجوز أن يكون اختيار الشيخ هو الوقوع، أغرب من السؤال، فإن العادة- أيضًا- ألا تطلق هذه العبارة إلا في حكم لم يعلم اختيار قائله، والشيخ قد صرح بها في ((التنبيه))، وصح خلاف ما جوز أن يكون هو اختياره، مع أنه الكتاب المشروح ومحفوظ المصنف أيضًا.
قوله: مجيبًا عن بعض الصور التي أوردت على الشيخ-: وهذا خارج من كلامه، لأن ((ما)) في قوله: من جاز تصرفه فيما يوكل فيه، نكرة موصوفة، والكاف في ((يوكل)) مفتوحة، فيكون تقديره: في شيء يقبل النيابة. انتهى.
وما ذكره من تكلف إخراج ((ما)) عن كونها موصولة إلى كونها نكرة موصوفة، يقتضي توقف الجواب عليه، وهو عجيب، فإن الموصولة كذلك أيضًا.
قوله: ثم جواز التوكيل في الفسوخ مصورًا بما إذا لم يكن حق الفسخ على الفور، أما إذا كان على الفور.
قال الرافعي: فالتأخير فيه بالتوكيل قد يكون تقصيرًا، وهذا ما ذكره المتولي جزمًا. انتهى كلامه.
واعلم أن إذا اطلع على العيب وهو يأكل، أو في حمام أو ليل- فإنه لا يلزمه المبادرة ولا التلفظ بالفسخ، وإن كان الفسخ بالعيب على الفور، فإذا وكل فيه لم يكن تقصيرًا بلا نزاع، وإذا اجتمع المالك مثلًا أو القاضي، فلم يفسخ، بل وكل فيه- كان تقصيرًا، وعليه يحمل كلام ((التتمة))، فلما انقسم ذلك قسمين عبر الرافعي بقوله: ((قد يكون))، إذ لا يحسن إطلاق الجزم بأحدهما، هذا حاصل كلام الرافعي، وما فهمه من أن الرافعي متوقف، ممنوع، فإن الحمل على ذلك يعكر عليه الرافعي فيما ذكرناه في القسم الأول، وأيضًا: فإن المسألة في ((التتمة))، ويبعد عدم اطلاع الرافعي عليها، وأيضًا: فإن هذه الصيغة ليست صيغة توقف.
قوله: وما ذكره الجمهور والقاضي، بناء على الصحيح في أن الإبراء من المجهول لا يصح.
стр. 402
أما إذا قلنا: إنه يصح، فيحسن أن نجزم بالصحة، وعليه يتفرع ما إذا قال أبرئ فلانًا عن شيء من ديني، أو عما شئت من ديني- فيصح إبراؤه بشرط أن يبقي منه شيئًا. انتهى كلامه.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ذكره من تفريع الصحة في هاتين المسألتين على القديم حتى يكون باطلًا على الجديد، سهو أوقعه فيه إلباس وقع في كلام الرافعي، فإنه قال: وقوله- يعني ((الوجيز)) -: يستدعي علم الموكل، يجوز إعلامه أيضًا، لأنا إذا صححنا الإبراء عن المجهول لا يعتبر علم الموكل أيضًا. ثم ينظر في صيغة الإبراء: إن قال: أبرئ فلانًا عن ديني، أبرأه عن الكل، وإن قال: عن شيء منه، أبرأه عن قليل منه، وغن قال: عما شئت، أبرأه عما شاء، وأبقى شيئًا. هذا كلامه، فقوله: ثم ينظر، استئناف كلام، ولذلك احترز في ((الروضة))، فذكره حكمًا مستقلًا بلفظ لا إلباس فيه، فتوهم ابن الرفعة أنه تفريع على ما قبله، فصرح به، وهو باطل.
أما في قوله: عما شئت، فواضح، فإن التخيير ليس من أقسام الجهالة قطعًا، ولهذا لو قال: بع بما تراه، أو: بع ما شئيت من عبيدي، ونحوه- صح.
وأما إذا قال: عن شيء منه، فلأن المجهول الذي يبطله هو الإبراء عن دينه، ولا يعلمه، لما في تصحيحه من الغرر الظاهر، ولفظ ((الشيء)) محمول على الأقل، فلا غرر فيه، وقد وافق في ((المطلب)) على ما قلناه في ((ما شئت))، وقال في لفظ ((الشيء))، إنه تفريع على الإبراء من المجهول، وأولى بالبطلان.
الأمر الثاني: أن ما ذكره في المسألتين من كونه يصح إبراؤه بشرط أن يبقى شيئًا- صحيح في المسألة الثانية، وأما في الأولى فلا، بل لا يبرئه إلا عن أقل ما ينطلق عليه الاسم، أن اللفظ لا عموم فيه ولا تخيير، والاسم قد صدق بالأقل، فكيف يبرئه عن زيادة مع الشك في إرادته؟! وقد صرح صاحب ((التتمة)) بذلك، ونقله عنه في ((الروضة))، وقال: إنه واضح. وكلام الرافعي المتقدم كالصريح فيه، ولهذا غاير بني المسألتين.
قوله: ثم ما ذكرناه من عدم اشتراط الفورية في الوكالة مفروض فيما إذا لم يعين زمان العمل الذي وكل فيه.
стр. 403
فإن تعين وخيف فواته كان القبول فيها على الفور.
وكذلك لو عرضها الحاكم عليه عند ثبوتها عنده صار قبولها على الفور، صرح به الماوردي، وتبعه الروياني. انتهى.
أهمل صورة ثالثة ذكرها الروياني، وهي أن يوكله في إبراء نفسه.
قوله: ولا يجوز التوكيل في إثبات حد لله تعالى، لأنه يحتاط لإسقاطه، فالتوكيل في إثباته مناقض للمقصود.
ولأن الوكالة لو جازت في ذلك لكانت في الدعوى، والدعوى فيه غير مسموعة كما صرح به في ((البحر)). انتهى كلامه.
واعلم أنه يستثنى من ذلك مسألة واحدة ذكرها الرافعي في كتاب اللعان وقذف الزوجات، وهي دعوى القاذف على المقذوف أنه زنى.
قوله: فرع: هل يجوز للوكيل البيع بالألف المأذون بالبيع بها مع من يرغب بزيادة؟ فيه وجهان في ((التتمة)) وغيرها، والذي يظهر: ترجيح المنع. انتهى كلامه.
وظاهره أنه لم يقف فيه على ترجيح، فإن الرافعي لم يرجح في ((الكبير)) شيئًا، والراجح المنع كما ذكره المصنف بحثًا، فقد رجحه الرافعي في ((الشرح الصغير)) فقال: إنه الأشبه. والنووي في ((زيادات الروضة)) فقال: إنه الأصح.
قوله: ولو دفع إليه آنفًا، وقال: اشتر بهذا الثمن عبدًا ولم يقل: بعينه، ولا: في الذمة- فوجهان.
أحدهما- وهو قول أبي علي الطبري في ((إفصاحه) -: أن مقتضاه الشراء بعينها [وقد تقدم حكمه والثاني: أنه يجوز أن يشتري بعينها] وفي الذمة، وينقد الألف، وهو ما اختاره في ((المرشد))، ورجحه الرافعي. انتهى كلامه.
وما ذكره من حكاية وجهين مع الإشارة إلى الشراء بالألف، وأن الرافعي وصاحب ((المرشد)) صحيحًا وجه التخيير- غلط، فإنهما لم يذكرا هذه المسألة، والمنقول فيها: أنه يتعين الشراء بالعين على وفق ما نقله المصنف عن ((الإفصاح))، كذا صرح به الإمام في الكلام على ما إذا دفع إلى إنسان دراهم، وقال: اشتر لي بها طعامًا، ونقله المصنف عنه فيما إذا وكله في شراء شاة، فاشترى شاتين، وذكر معه الوهم الذي ذكره هاهنا، والمذكور في ((الرافعي)) و ((المرشد)): ما إذا وكل وسلم الألف، فإن الرافعي
стр. 404
قال: ولو سلمه إليه، وقال: اشتر كذا، ولم يقل: بعينه، ولا قال: في الذمة- فوجهان، أحدهما: أنه كما لو قال: اشتر بعينه، لأن قرينة التسليم تشعر به، وأظهرهما: أن الوكيل يتخير بين أن يشتري بعينه أو في الذمة، لأن على التقديرين يكون إتيانا لمأمور، ويجوز أن يكون غرضه من تسليمه إليه مجرد انصرافه إلى ثمن ذلك الشيء. هذا كلام الرافعي، والعجب من فهم ابن الرفعة ذلك مع التعليل بقرينة التسليم! نعم، ذكر- أعني الرافعي- فيما إذا دفع دينارًا، وقال: اشتر به شاة- أنه يصح الشراء بعينه وفي الذمة، ثم ينقده. وهذا التصوير كانه لم يقع عن قصد، وأما ابن عصرون فقال في ((المرشد)): وإن دفع إليه ألفا، وقال: اشتر عبدًا، ولم يقل: بعينها- فله أن يشتري بعينها، وله أن يشتري في الذمة وينقدها فيه، عملًا بمطلق الإذن. هذا لفظه نقلته من النسخة التي كانت ملكًا للمصنف- أعني ابن الرفعة- وعليها خطه.
قوله: ولو استمهل البائع الوكيل في الرد بالعيب إلى أن يعلم موكله، لم يلزمه ذلك، فلو أجاب فهل يسقط حقه من الرد؟
فيه وجهان في ((المهذب))، والمختار منهما في ((المرشد)): عدم السقوط، وقد حكاهما الإمام عن العراقيين- أيضًا- فيما لو أبطل الوكيل حق رد نفسه بإلزام العقد، وصحح وجه السقوط، وهو الذي اختاره في ((المرشد)).
ثم قال عقبه من غير فاصل: وعلى هذا إذا حضر الموكل وأجاز العقد فلا كلام، وإن لم يرض به ففي ((التهذيب)): أن المبيع للوكيل، ولا يرد، لتأخيره مع الإمكان.
وقيل: له الرد، لأنه لم يرض بالعيب، وضعفه وهذا القول لم يحك البندنيجي والمتولي سواه، واختاره في ((المرشد))، وادعى الإمام أنه متفق عليه، لأنه إذا لم يبطل حق الموكل بإبطال الوكيل فبالتأخير أولى.
ثم هذا إذا توافق البائع والمشتري والموكل على أن العقد وقع للموكل بالنية أو بالتصريح بالسفارة. انتهى كلامه.
وهذا الذي قاله- ﵀ غلط يحتاج في فهمه إلى فكر وخلو بال وتطويل، فنقول لا شك أنه فرض ذلك فيما إذا توافقوا على أن العقد وقع للموكل كما ذكره في آخر المسألة، وحينئذ فالتفريع المشار إليه بقوله: وعلى هذا ... إلى آخره، قد تقدمه
стр. 405
مسألتان: المسألة الأولى: إذا استمهل البائع، والثانية: إذا رضي الوكيل بالعيب وألزم العقد:
فإن كان ذلك التفريع عائدًا على المسألة الثانية- وهو المتبادر من كلامه- فهو باطل، لأنه لا خلاف والحالة هذه أن البيع للموكل، وأن له الرد على البائع، وتعود السلعة إليه، ولا تعود إلى الوكيل، وقد صرح الرافعي بذلك- أعني بعدم الخلاف فيه- ونقل القول به عن البغوي بخصوصه، وأيضًا: فتعليله الذي نقله عن الإمام يمنع تصوير المسألة بذلك بالضرورة، فراجعه.
وإن كان التفريع المذكور راجعًا إلى المسألة الأولى، وهي مسألة الاستمهال، لكونها المسألة الأصلية، والثانية كالتذييل عليها- فلا يكون التفريع عليها الذي قاله كله صحيحًا، بل المستقيم منه ما نقله عن ((التهذيب)) خاصة، وقد نقله عنه الرافعي، ثم استشكله، فقال: ولو أخر كما [إذا] التمس البائع، فحضر الموكل، ولم يرضه- قال في ((التهذيب)): المبيع للوكيل، ولا رد، لتأخيره مع الإمكان، وقيل: له الرد، لأنه لم يرض بالعيب، قال: وهو ضعيف، ولك أن تقول ... إلى آخره. وهذا الذي قاله الرافعي مطابق لكلام المصنف إن أراد ما قلناه، لكن هذا التفريع إنما هو على القول ببطلان خيار الوكيل عند الاستمهال بلا شك، فكان ينبغي أن يصرح به فيقول: فإن أبطلنا، أو ما في معناه، فإنه قد ت قدم منه ذكر وجهين، لاسيما وقد نقل ترجيح عدم البطلان واقتصر عليه، فكيف يصح أن يقول: وعلى هذا، مشيرًا إلى البطلان؟! فإن ذلك لا يصح مع عدم الرجحان، فضلًا عما إذا كان مع رجحان الصحة.
وعلى كل حال فما نقله عن ((التهذيب)) ثابت فيه، لكنه لا يصح الإبراء إلا بالإضمار المذكور، وأما ما بعده- وهو قوله: وهذا القول لم يحك البندنيجي ... إلى آخره، فغلط، وذلك لأنه لا يمكن حمله على الإشارة إلى الوجه الأول الذي اختاره صاحب ((التهذيب)) من أن الموكل إذا لم يرض بالبيع فيرتد على الوكيل، لأن الإمام والمتولي وغيرهما من الجماعة الذين نقل عنهم هذا القول قائلون بالعكس، وهو جواز الرد على البائع، فتأمله، فبطل العود بسببه لذلك الوجه، والتعليل الواقع في كلام الإمام يوضحه، هذا مع أمور أخرى.
стр. 406
منها: أنه يلزم منه أن يكون كلام البغوي هو المشهور المعروف في المسألة، والأمر بالعكس كما دل عليه كلام الرافعي.
ومنها: أن قوله قبله: وعلى هذا، إنما يستقيم إذا ذكر قبله وبعده خلافه، ولم يذكره، ولا يمكن- أيضًا- حمله على الإشارة إلى الوجه الثاني الذي ضعفه البغوي، وهو القائل بأن الكيل يرد على البائع إذا رد الموكل عليه، لما قلناه من أن التعليل الذي علل به ناقلًا له عن الإمام، تعليلٌ لجواز رد الموكل على البائع، لا لجواز رد الوكيل عليه، ولأن المذكورين- أيضًا- لم يقولوا بذلك، بل قالوا بخلافه على اختلاف بينهم لا ضرورة لنا إلى الإطالة بذكره.
وقد ظهر لي سبب الغلط في كلام المصنف، وهو أن المشهور- كما تقدم- جواز رد الموكل على البائع، فتوهم المصنف: أن الوجه الذي ضعفه البغوي- وهو القائل بأن له الرد- يعود إلى الموكل، فأشار إليه، فقال ما حاصله أنه المعروف، والذي ضعفه البغوي إنما هو الجواز من الوكيل، وما قلته من السبب هو الموقع له بلا شك، وقد أتعبت نفسي يومًا وليلة كاملين في تحقيق هذا الموضع، ثم في تقريره، ثم في ذكر سببه.
قوله: وإن قال: اشتر بهذا الدينار شاة، فاشترى شاتين- كانا للموكل، لما روي ((انه ﷺ دفع إلى عروة البارقي دينارًا ليبتاع به شاة، فاشترى به شاتين، فلقيه رجل، فسامومه في إحداهما، فباعها بدينار، ثم أتى النبي ﷺ ومعه شاة ودينار، وحدثه الحديث، فقال: بارك الله لك في صفقة يمينك))، فكان بعد ذلك يخرج إلى كناسة الكوفة، فيربح الربح العظيم، وكان من أكثر أهل الكوفة مالًا.
وقيل: للوكيل شاة بنصف دينار، والأخرى للموكل، والحديث قد قيل: إنه مرسل، كما حكيناه عند بيع الفضولي، فلا حجة فيه، وإن صح- كما ذكر عبد الحق- أن البخاري خرج عن شبيب بن غرقدة قال: سمعت الحي يتحدثون عن عروة ((أن النبي ﷺ أعطاه دينارًا ...)) وذكر الحديث، ففيه ما يستدل به لهذا القول. انتهى كلامه.
وما توهمه من أن رواية البخاري هنا متصلة محتج بها، ليس كذلك، فإن قول الراوي: سمعت الحي يتحدثون، هو عين الإرسال الذي أشار إليه من قال: إنه مرسل، لأن عدالة الراوي شرط، ولم تحصل تسميته حتى تعرف عدالته، كذا صرح به البيهقي
стр. 407
وغيره، وقد تفطن في ((شرح الوسيط)) للصواب، فقال عقبه ما نصه: وهذه وإن أخرجها البخاري فهي منقطعة، فلا حجة فيها عند الشافعي. هذا لفظه، وإنما أخرجه البخاري، لأن فيه قطعة متصلة.
قوله: فرع: لو ادعى البائع على الوكيل علمه برضا الموكل بالعيب، فحلف ورد، ثم حضر الموكل، وصدق البائع- بان بطلان الرد كما حكى ابن سريج، وعن القاضي الحسين خلافه كما حكاه المتولي، والذي رأيته في ((تعليقه)): أن الموكل إذا حضر وقال: كنت قد رضيت به، لا يحتاج إلى بيع جديد. انتهى.
واعلم أن هذا النقل عن ((التتمة)) ليس كما قاله، وكأنه قلد فيه الرافعي، فإنه نقل عنها ذهاب القاضي إلى نفوذ الفسخ، وعبارة ((التتمة)): حكى القاضي. وحكاية المذهب لا تستلزم ذهاب الحاكي إليه.
قوله: وإن وكله في البيع في سوق، فباع في غيرها- جاز.
وقيل: لا.
ثم قال: وقال في ((رفع التمويه)): محل القول الثاني إذا لم يقدر له الثمن، فإن قدره فباع به جاز وجهًا واحدًا. انتهى كلامه.
واقتصاره على نقل ذلك عمن ذكره عجيب، فإن المسألة مجزوم بها في ((زيادات الروضة))، نقلا عن صاحب ((الشامل)) و ((التتمة)).
قوله: ولو اختلفا في التصرف فالمصدق الموكل، وفي قولٍ: الوكيل، وكلام الماوردي يدل على جريان القولين قبل العزل وبعده.
ثم قال: وقد حكى الرافعي أن قول الوكيل بعد العزل لا يقبل وجهًا واحدًا، وأن محل الخلاف قبله. انتهى كلامه.
وما عزاه إلى الرافعي من دعوى عدم الخلاف لم يذكره، فإنه قال: نظر: إن جرى هذا الخلاف بعد انعزال الوكيل لم يقبل قوله إلا ببينة، لأنه غير مالك للتصرف حينئذ، وإن وقع قبله فقولان. هذه عبارته، وحاصلها: أنه ساكت عن ذكر الخلاف، ولا يلزم منه نفيه، فإن المصنفين كثيرًا ما يطلعون على الخلاف ولا يذكرون: إما لقصد الاختصار، أو لضعف المدرك، فكيف ينسب إلى الرافعي أنه وقع في الخلل، وهو دعوى عدم الخلاف فيما الخلاف ثابت فيه بمجرد سكوته عن الخلاف؟!
قوله: وقال- يعني القاضي- في كتاب الحجر: ظاهر المذهب أن الإغماء لا
стр. 408
يقتضي العزل. وحكاه غيره وجهًا، وهو الأظهر عند الإمام، ولذلك صححه في ((الوسيط))، لكنه احتج له بأن المغمى عليه لا يلتحق بمن يولى عليه، والمعتبر في الانعزال: التحاق الوكيل أو الموكل بمن يولى عليه.
وهذا منه يدل على أن مراده إذا لم تطل مدته بحيث يولى عليه. انتهى كلامه.
وما نقله عن ((الوسيط)) من التعليل بالعلة المذكورة التي تقتضي تخصيص الحكم بقصر المدة غلط، فإن هذه العلة لم يذكرها الغزالي في ((وسيطه)، بل صحح أنه لا ينعزل مطلقًا، على خلاف ما في ((الوجيز))، ولم يتعرض لتعليلٍ، وقد وقع في كلام الرافعي هنا ما يوهم ذلك، وكأنه السبب فيما وقع للمصنف، ولم يصحح في ((البسيط)) شيئًا.
قوله- نقلًا عن الشيخ-: وإن تعدى الوكيل انفسخت الوكالة.
ثم قال ما نصه: وهذا ما قال الإمام: إنه المذهب، كا هو قضية كلام الشيخ. انتهى كلامه.
وهذا النقل عن الإمام غلط، فإن الذي عزاه في ((النهاية)) إلى المذهب إنما هو عدم الانعزال، فإنه قال: فرع: إذا أسلم الرجل عينا إلى وكيله، ووكله ببيعها، فتعدى الوكيل في العين، وصار ضامنًا بعدوانه- فالمذهب: أنه لا ينعزل عن البيع، وأبعد بعض أصحابنا فقضى بانعزاله، قياسًا على انعزال المودع، فإنه لا يعود أمينًا وإن ترك العدوان، مع اطراد الأمر بالحفظ على الأزمان. هذا لفظ الإمام.
стр. 409
باب الوديعة
قوله: وإن أودع صبي ما لا ضمنه المودع عنده: ولا يبرأ إلا بالتسليم إلى الناظر في أمره.
ثم قال: لكن لو أتلف الصبي المذكور ما أودعه من غير تسليط، فالذي يظهر: براءته، فإن فعل الصبي لا سبيل إلى إحباط فعله، ويستحيل تضمينه مال نفسه، فتعينت البراءة. انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره بحثًا واقتضى كلامه عدم الوقوف عليه، قد صرح به الرافعي في أوائل كتاب الجنايات، قبل الفصل الثاني المعقود للمماثلة، ذكره في أثناء تعليلٍ.
قوله: وإذا مرض المودع عنده وجب عليه أن يوصي إلى أمين بأن يردها، وإلا يكن ضامنًا.
ثم قال: وإذا مات ولم يوص، فادعى المالك أنه قصر في ترك الإيصاء، وقالت الورثة: لعل الوديعة تلفت قبل أن يوصف بالتقصير- فالظاهر كما قاله الإمام: براءة الذمة. انتهى.
وما نقله عن الإمام في هذا التصوير غلط وقع للرافعي، فتبعه عليه النووي في ((الروضة))، ثم المصنف، فإن الإمام تكلم فيما إذا ثبت الإيداع بطريقة، فذكر فيه صورتين: الأولى: أن يدعي الورثة التلف وتقول: لعله إنما لم يوصِ بها لأجل أنها تلفت على حكم الأمانة، ففيه تردد، وعدم الضمان أولى. ثم ذكر الثانية فقال ما نصه: وإن قالوا: عرفنا الإيداع ولكن لم ندر كيف كان الأمر، ونحن نجوز أن تكون الوديعة قد تلفت على حكم الأمانة، فلم يوص لأجل ذلك: فإن ضمناهم في المسألة السابقة- وهي الجزم بدعوى التلف- فهاهنا أولى، وإن لم نضمنهم هناك فهاهنا وجهان: أحدهما: يجب، لأنهم لم يدعوا مسقطا، وهذا هو الأصح، والثاني: لا، لأن الأصل في الوديعة هو: الأمانة. انتهى كلامه. وحاصله: أن الصحيح في الصورة المذكورة في الكتاب على خلاف ما وقع فيه، وأن نسبة ذلك إلى الإمام غلط سببه اشتباه مسألة بمسألة على الرافعي فمن جاء بعده.
стр. 410
باب العارية
قوله: العارية: مشددة الياء، وروي تخفيفها، وجمعها: العواري- مشددًا ومخففًا- وهي مشتقة من: عار الرجل، إذا ذهب وجاء، وقيلك من ((العار))، لأن طلبها عار وعيب، قاله الجوهري. انتهى.
ودعواه اشتقاقها من ((عار)) غير مستقيم، لأنه فعل، والاشتقاق- على المعروف- إنما هو من المصدر، وقد رده أيضًا بعضهم بأنه من ذوات الياء، يقال: عار يعير، و ((العارية)) من ذوات الواو، لأن جمعها: العواري. وهو اعتراض مردود، لأنه يقال: عار يعير، وعار يعور- بالياء والواو- وحكاهما الجوهري.
قوله- نقلًا عن الشيخ-: ويكره إعارته الجارية الشابة من غير ذي رحم محرم. انتهى.
وافق الشيخ على تقييد انتفاء الكراهة في المحرم بما إذا كان ذا رحم- أي: قرابة- وليس كذلك، فإن إعارتها للمحرم من الرضاع أو المصاهرة، وإعارتها من الزوج والمرأة- جائزة بلا خلاف كما ذكره النووي في ((تصحيحه))، والعلة مرشدة إليه.
قوله: ولو استعار صيدا، فتلف في يده: فإن كان المعير محرمًا، والمستعير حلالًا- فلا جزاء على المستعير، وعليه القيمة إن قلنا: لا يزول ملك المحرم عنه، وإن قلنا بزواله فلا، وعلى المحرم القيمة، لتقصيره بعدم الإرسال، قاله المحاملي: انتهى كلامه.
وإيجاب القيمة على المحرم سهو، والصواب: الجزاء أو الفدية.
قوله- في الكلام على ما إذا استعار شيئًا ورهنه-: وأبدى الرافعي احتمالًا لنفسه في جواز البيع في حال يسار الراهن، كما يطالب الضامن في حال اليسار، وكأنه لم يقف على ما حكيناه عن البندنيجي. انتهى كلامه.
وما ادعها من أن الرافعي حكى ذلك احتمالًا لنفسه ليس كما قال، وذلك أن
стр. 411
الرافعي أولا نقل عن الإمام وحده: أنه لا يباع إلا بعد الإعسار ثم استدرك عليه، فقال: إن قياس المذهب هو البيع مطلقًا. وهذا اللفظ لا يقال فيه: إنه احتمال، ولا: إنه له، بل بيان لحكم المسألة، ولأجل ذلك جزم به في ((المحرر)).
قوله: أما لو وضع الميت في القبر ولم يدفن، فكلام الرافعي يقتضي منع الرجوع في هذه الحالة، فإنه قال: وله الرجوع قبل الحفر وبعده ما لم يوضع فيه الميت.
ثم قال: وقال المتولي: له الرجوع، ومؤنة الحفر في هذه الحالة على ولي الميت، ولا يلزم المعير الضمان. وكلام الإمام يقتضي ما ذكره المتولي. انتهى.
فيه أمران:
أحدهما: أن ما ادعاه من أن كلام الرافعي يقتضي امتناع الرجوع بعد الوضع ليس كذلك، فإن الرافعي عبر بقوله: فله الرجوع قبل الحفر وبعده ما لم يوضع الميت، قال في ((التتمة)): وكذا بعد الوضع ما لم يواره التراب. هذا لفظه، وحاصله: امتناع الرجوع في المسائل الثلاث، إلا أن الأوليين لم ينقلهما عن أحد، لوضوحهما، وأما الثالثة فلما لم يجدها إلا لصاحب ((التتمة)) نقلها عنه، ولم يصرح بموافقته ولا مخالفته. نعم، خالفه في ((الشرح الصغير)) فصحح امتناع الرجوع.
الأمر الثاني: أن هذا النقل المذكور عن ((التتمة)) في وجوب الضمان على الولي غلط وقع من الرافعي، فتبعه عليه المصنف، والمذكور في ((التتمة)) هو الجزم بوجوبه على المعير، فإنه قال: فرعان: أحدهما: إذا رجع في العارية بعد الحفر قبل الدفن غرم لولي الميت مؤنة الحفر، لأنه بإذنه له في الحفر أوقعه في التزام ما قد التزم من المؤنة، وفوت عليه مقصوده لمراعاة مصلحة نفسه، فلو لم تلزمه الغرامة لأدى إلى الإضرار به. هذا لفظ المتولي بحروفه.
قوله: وفيما سوى الإعارة للدفن يرجع فيه متى شاء. انتهى.
أهمل مسألة أخرى، وهي ما إذا كفن أجنبي ميتًا، فإن الكفن باق على ملك الأجنبي في أصح الوجهين، كما ذكره في ((الروضة)) من ((زوائده)) في كتاب السرقة. وإذا قلنا بالصحيح، فقال في ((الوسيط)) في باب الوصية: إنه يكون عارية. وقال في السرقة: إنه من العواري اللازمة. وذكر الرافعي معنى هذا- أيضًا- هناك.
ولو أراد الصلاة المفروضة، فأعارة ثوبًا ليستر به عورته، أو ليفرشه في مكان
стр. 412
نجس، ففعل وأحرم، وكان الرجوع والأخذ يؤديان إلى بطلان الصلاة- فيتجه منه، ويحتمل الجواز، وتكون فائدته طلب الأجرة، ويستثنى من رجوع المستعير ما لو استعار الدار لسكنى المعتدة، فإنه يمتنع عليه الرجوع وإن جاز للمعير، كذا ذكره الأصحاب في كتاب العدد.
قوله: وإن أتلف ولد العارية، ففي ضمانه وجهان بناهما القاضي الحسين وغيره على أن العارية تضمن ضمان الغصوب أم لا؟
فعلى الأول: يضمن الولد.
وعلى الثاني يكون حكمه كحكم ما لو هبت الري بثوب إلى داره.
ثم قال: ولا فرق في ذلك بين الولد الموجود حال العقد أو الحادث بعده.
وفي ((الجيلي)) تخصيص محل الخلاف بما إذا حدث، وجزم فيما إذا كان موجودًا حال العقد فتسلم الأم وتبعها الجحش: أنه لا ضمان. انتهى كلامه.
وهذا الذي نقله عن ((الجيلي)) خاصة قد صرح به القاضي الحسين والبغوي في ((فتاويهما))، ولم يذكر في ((الروضة)) من ((زوائده)) غيره، والتعميم الذي ذكره عجيب غير مستقيم، فإن القول بالضمان في الولد الحادث إنما محله إذا قلنا بضمان العارية ضمان الغصوب، كما صرح به الآن نقلًا عن الأئمة، والغاصب للأم إذا تبعها ولدها لا يكون ضامنًا لولدها في أصح الوجهين، كما اقتضاه كلام الرافعي، وصرح به في ((الروضة)).
стр. 413
باب الغصب
المصنف وإن احتمل عوده على القاضي أبي الطيب فإنه لا يصح أن يجاب به، لأنه- أيضًا- لم يتعرض للمسألة.
قوله: ولو فتح قفصًا عن طائر، فوقف، ثم طار- لم يضمن.
ثم قال: وغلط الروياني في ((البحر)) من صار إلى وجوب الضمان.
وحكى الرافعي عنه وعن الشيخ أبي خلف السلمي وغيرهما- اختيار وجوب الضمان. انتهى كلامه.
وسياقه يشعر بأن ما نقله الرافعي عن الروياني غلط، وليس كذلك، فإنه قد صرح بذلك في ((الحلية))، وعبر بقوله: وهو الاختيار. والغالب أن الرافعي إذا أطلق النقل عن الروياني فإنما يريد به ((الحلية))، فاعلمه.
قوله: ولا خلاف في أنه لو حمله- يعني الصبي- إلى مضيعة، فاتفق أن سبعًا افترسه، أنه لا ضمان. انتهى كلامه.
وما ذكره من عدم الخلاف ليس كذلك، فقد قال في ((المهذب)) لو كتف رجلًا، وألقاه في ارض غير مسبعة، فقتله سبع- وجبت الدية مخففة، لأنه قتل خطأ. انتهى. والصغير العاجز عن الانتقال كالرجل المكتوف إن لم يكن أولى منه بالوجوب.
قوله: منفعة الكلب تكون بالاصطياد وحفظ الزرع والماشية، واقتناؤه لذلك جائز، وفي حفظ البيوت وجهان، ظاهر النص: الجواز.
واقتناء الجرو الصغير الصالح للمنافع المذكورة عند كبره: هل يجوز؟ فيه وجهان. انتهى كلامه.
والوجهان شرطهما: أن يكون الجرو من نسل معلم، فإن لم يكن كذلك لم يجز جزمًا، كذا ذكره البغوي في ((التهذيب)) في البيع، والصحيح من هذين الوجهين هو الجواز.
قوله: وإن غصب عصيرًا، فصار خمرًا، ثم صار خلا- رده وما نقص من قيمة العصير.
стр. 414
ثم قال: وقيل: يرد الخل، ويضمن مثله من العصير، هكذا حكاه في ((المهذب)). وفي بعض نسخ ((التنبيه)) زيادة على هذا: وأرش ما نقص، أي: من قيمة الخل والعصير، وكأنه بناء على مذهب أبي ثور في أن الغاصب يضمن عند رده العين فوات الأسعار.
ومنهم من قال: يظهر بناؤه على أن الغاصب يضمن أرش السمنين. ولم يظهر لي صحة ذلك، فتأمله. انتهى كلامه.
والتخريج الأول الذي أشعر كلام المصنف بأنه ارتضاه، وهو تخريجه على مذهب أبي ثور- قد ذكر المصنف في ((المطلب)) أنه تخريج باطل، لأنه إنما قال ذلك إذا رد المغصوب بعينه، ورد الأصحاب عليه بأن ذلك كان يلزم اطراده فيما إذا تلف المغصوب ورد مثله، فدل كلامهم على أنه غير قائل به.
ثم قال: والأشبه عندي في تقريره غير ذلك، وهو أن المراد أرش ما نقص من قيمة العصير المردود عن قيمة العصير المغصوب لا بسبب ارتفاع الأسواق، بل بأن يكون قد تطور قبل الخمرية إلى حالة زادت بها قيمته، فيأخذ الأرش في مقابلة تلك الصفة الزائلة.
قال: وهو نظير قول الماوردي: إنه إذا غصب حنطة، فطحنها، ثم تلف الدقيق- يأخذ المثل وما نقص من قيمة المثل عن الدقيق.
стр. 415
باب الشفعة
قوله: أما إذا بيع البناء أو الغراس مع الأرض الحاملة له لا غير، وكان ذلك عريضًا بحيث يقبل القسمة- ففي ثبوت الشفعة وجهان.
أقيسهما في ((الرافعي)): المنع، لأن الأرض في هذه الحالة تابعة، والمنقول متبوع.
ثم قال: ولا فرق في جريان الخلاف بين أن ينص على إدراج المغارس والأساس في البيع، أو يقول باندراجها في البيع عند إطلاق بيع البناء والغراس على وجه، صرح بذلك الرافعي. انتهى كلامه بحروفه.
والمتبادر إلى الفهم منه: أن ما نقله عن الرافعي عائد إلى الحالتين وهما التنصيص والإطلاق، وقد صرح بنقله عنه في ((المطلب))، ولم يتعرض الرافعي لشيء من ذلك، وإنما حكى الوجهين ورجح بلفظ ((الأشبه))، ولولا ما ذكره في ((المطلب)) وتعبيره- أيضًا- بقوله: ذلك، الذي هو إشارة للبعيد، ولم يعبر بقوله: به لأعدناه على الوجه.
قوله: بطول أغصانها وبسوقها.
البسوق- ببناء موحدة مضمومة، ثم سين، مهملة وقاف- هو الطول، تقول بسق النخل- بالفتح- بسوقا، قال تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق:١٠].
قوله: لقول عثمان: ((لا شفعة في بئر ولا نخل، والأرف تقطع كل شفعة)).
وحكى الجيلي عن الأزهري أن ((الأرف)) - بضم الهمزة، وفتح الراء المهلمة، وضم الفاء-: الحدود بين المواضع. انتهى كلامه.
واعلم أن ضم الفاء وإن كان صحيحًا في هذا التركيب بخصوصه، لكنه لا مدخل له في تفسير المدلول اللغوي، فإنه لا فرق في ذلك بين ضمها وفتحها وكسرها، لأنه حرف إعراب، فلا يحسن من المصنف متابعة الجيلي عليه. وذكر الجوهري أن ((الأرف)) المذكور جمع ((أرفة)) بضم الهمزة وسكون الراء، كغرفة وغرف، ثم ذكر هذا الحديث.
قوله: وفي ((أمالي)) أبي الفرج أن صاحب ((التقريب)) قال: إذا كان ما يقابل الشقص مما لا يثبت في الذمة بالسلم ولا بالقرض فلا شفعة فيه، لأنه تعذر أخذه بما ملك به
стр. 416
المتملك. وهو غريب. انتهى كلامه.
ونسبة هذه المقالة إلى صاحب ((التقريب)) سهو، إنما هو صاحب ((التلخيص))، فإن المصنف قد أخذ هذا الكلام من الرافعي، والرافعي قد نقله كما ذكرته لك، فقال: ويجوز أن يعلم- بالواو- لأن في ((أمالي)) أبي الفرج السرخسي أن صاحب ((التلخيص)) قال: إذا كان ما يقابل الشقص مما لا يثبت في الذمة بالسلم ولا بالقرض فلا شفعة فيه، لأنه تعذر أخذه بما ملك به المتملك. وهو غريب. هذا لفظ الرافعي بحروفه، وهو لفظ المصنف، وبه يعلم أنه أخذه منه، وأيضًا: فإن المصنف لم يقف على كتاب السرخسي، وإنما ينقل عنه بوساطة الرافعي، وقد تفطن في ((المطلب)) إلى الصواب فقال: وعن صاحب ((التلخيص)).
قوله: لو حضر جل مغنما، فأعطاه الإمام لحضوره شقصا من دار- فهل تثبت فيه الشفعة؟ نظر: إن أعطاه عن رضخٍ فلا، لأنه تبرع.
وإن أخذه بسهم مستحق ففيه وجهان. انتهى.
وما ذكره من كون الرضخ تبرعًا قد خالفه في باب قسم الفيء والغنيمة، فقال: المشهور: أنه واجب، لأنه ﷺ لم يتركه قط، ولنا فيه أسوة حسنة. هذا كلامه، ونقل الرافعي- أيضًا- أن الأكثرين عليه، فثبت مع ما وقع فيه من الاختلاف اندفاع ما ذكره من عدم الشفعة.
قوله: والشفعة على الفور في قول، لقوله ﷺ : ((الشفعة لمن واثبها))، أي: بادر.
وروي: ((كنشطة العقال: إن قيدت ثبتت، وإن تركت فاللوم على من تركها)). انتهى.
النشطة: بنون مفتوحة، ثم شين معجمة ساكنة، وطاء مهملة.
قال ابن فارس وغيره: الأنشوطة تنحل إذا مد طرفاها، تقول: نشطت- بلا همز- إذا أردت العقد، فإن أردت الحل.
قلت: أنشطت- بالهمز- ومنه في خبر الرقيا: ((كأنما أنشط من عقال)).
قوله: وفي ((ابن يونس)) حكاية وجه عن المراوزة: أن الشفعة لا تبطل بذلك، أي بقوله. بعني: ولم أقف عليه فيما وقفت عليه من كتبهم إلا على قولنا: إن الشفعة على التأبيد. انتهى.
وما اقتضاه كلامه من إنكار هذا الوجه، تفريعًا على الفور- غريب، فقد صرح به الإمام في ((النهاية)) نقلًا عن رواية صاحب ((التقريب))، وحكاه المصنف عنه في ((المطلب))، وعلله بأنه قد يقصد أخذه رخيصًا، وأيضًا: فقد يقصد بذلك تطييب نفسه
стр. 417
وعدم القهر.
قوله: وإن أخر، وقال: لم أصدق المخبر، وكان المخبر صبيًا أو امرأة أو عبدًا- لم تبطل شفعته.
ثم قال: وفي ((المهذب)) قول: أنها تسقط بإخبار العبد والمرأة، تغليبًا لكم الخبر لا لحكم الشهادة، وهو في ((الوجيز)) و ((الرافعي)) الأظهر عند إخبار العدل. انتهى كلامه.
وهو يوهم إيهامًا ظاهرًا أن الرافعي غاير بين المرأة والعبد، وأنه سلم عدم السقوط في إخبار المرأة، وليس كذلك، بل الصحيح فيهما معًا عند الرافعي: سقوط الشفعة، فاعلمه.
قوله: وإن توكل في بيعه سقطت شفعته على وجه، لأنه قد يتهاون في طلب زيادة عليه، فصار كما لو باع الوصي شقصا له فيه شفعة.
وقيل: لا تسقط كما لو توكل في الشراء.
ثم قال ما نصه وعن رواية صاحب ((التقريب)) جريانه في الوصي- أيضًا- وبه قال ابن القطان والقفال- أيضًا- كما حكاه ابن الصباغ، ووجهه بأنه ذلك يجب على المشتري بعد تمام العقد. انتهى كلامه.
واعلم أن لفظ القفال هنا مجرور عطفًا على ((القطان))، تقديره: وابن القفال، كذا صرح به الذي نقله المصنف عنه- وهو ابن الصباغ- فقال في ((الشامل)): وحكى ابن القفال وجهًا آخر: أن له أخذه، لأن ذلك يجب له على المشتري بعد تمام العقد. هذا لفظه.
إذا علمت ذلك فاعلم أن صاحب ((التقريب)) هو ابن القفال كما صرح به الرافعي في كتابه المسمى بـ ((التذنيب))، فقال: صاحب ((التقريب)) هو القاسم بن محمد بن على بن إسماعيل الشاشي، وهو ابن أبي بكر القفال الشاشي، مشهور بالفضل وحسن النظر، وبه تخرج كثير من فقهاء خراسان، وكتابه ((التقريب)) يدل على كماله. هذا لفظ الرافعي، وذكر النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) نحوه- أيضًا- وعبر الرافعي في باب أدب القضاء، في آخر الأدب الثالث بقوله: وقال القاسم- يعني صاحب ((التقريب)) إن شاء الله. وإنما أتى بالمشيئة، لأنه يفسر مراد غيره بـ ((القاسم)). وما توهمه المصنف من المغايرة أوقعه فيه تعبير بعضهم بصاحب ((التقريب)) وبعضهم بابن القفال مع عدم علمه بالإلحاد وقد أوضحت حال الرجل في كتاب الطبقات
стр. 418
إيضاحًا بالغًا فليطلب منه.
قوله: وإن اشترى شقصين من أرضين في عقد واحد جاز أن يأخذ أحدهما. وقيل لا يجوز.
ثم قال: أما إذا لم يكن شريكًا في الشقصين أخذ ما هو شريك فيه مقتصرًا عليه وجهًا واحدًا. انتهى كلامه.
وما ادعاه من عدم الخلاف ليس كذلك فإنه لو اشترى شقصا وسيفًا لم يكن له تبعيض الصفقة في قول بل يأخذهما أو يتركهما كذا حكاه ابن القاص في باب تفريق الصفقة من ((التلخيص)) وحكاه في ((المطلب)) عنه.
قال: ولو باع حصته قبل العلم بالشفعة ثم علم بطلت شفعته في أصح الوجهين عند جماعة، فعلى هذا لو باع بعض حصته فوجهان وجه الثبوت في حال الجهل وهو الأصح في ((التهذيب)) بقاء الضرر انتهى وهو يشعر بحكاية خلاف في ((التهذيب)) وليس كذلك بل في ((التهذيب)) الجزم بالثبوت.
قوله: وإن هلك بعض الشقص بغرق أخذ الباقي بحصته من الثمن ثم قال فعلى هذا يقوم الجميع حال العقد فإذا قيل مائة قوم بعد الغرق فإذا قالوا تسعين علم أن الفائت العشر فيأخذ الموجود بتسعة أعشار الثمن. انتهى.
وما ذكره المصنف من تقويمه بعد الغرق غلط فإن مقتضاه اعتبار الزيادة والنقصان الحاصلين بعد العقد وهو باطل، بل الصواب أن يقول: قوم الباقي يوم العقد أيضًا.
قوله: فرع لو كان بين ثلاثة عقار فوكل أحدهم واحد من شركائه في بيع نصف نصيبه وجعل له إذا أراد أن يبيع مع ذلك نصيبه أو بضعه أن يفعل فباع نصف ما يملكه ونصف ما يملكه موكله من شخص.
قال الماوردي: فللموكل أخذ نصيب الوكيل وللوكيل أخذ نصيب الموكل، ولا يجوز للثالث أخذ نصيب أحدهما دون الآخر، لأن البائع واحد فإما أن يأخذ الجميع أو يدع.
وما قاله مبنى على أن اتحاد الصفقة وتفرقها يكون بالنسبة على العاقد وأن الوكيل له أخذ ما باعه وفي كل ذلك خلاف قد تقدم في موضعه.
وقد حكى الرافعي: إنه يمتنع على أحدهما أخذ نصيب صاحبه، لأجل تفريق الصفقة عليه. انتهى كلامه.
стр. 419
واعلم أن الرافعي حكى ذلك وجهًا ضعيفًا في أخذ الموكل نصيب الوكيل ولم يتعرض لأخذ الوكيل نصيب الموكل فاعلم ذلك.
قوله: والحيلة في إبطال الشفعة بالجوار مباحة قبل العقد، وبعده.
قال البندنيجي: لأنها حيلة في إبطال ما ليس بواجب.
وأما الحيلة في إبطال الشفعة بالمشاركة فينظر فيها، فإن كان بعد وجوبها فلا يحل ذلك، لأنه حق قد وجب، فلا يجوز السعي فلا إسقاطه، وأما قبل وجوبها كما إذا فعل شيئًا يزهد الشفيع فيها.
قال أبو العباس: يكره ذلك، فإذا فعل صح.
وقال أبو بكر الصيرفي في كتاب ((الحيل)): هو مباح كما حكاه عنه البندنيجي.
وفي كلام الدبيلي في ((أدب القضاء)) له ما يدل على المنع، فإنه قال: ((إذا أراد أحد الشريكين في عقار أن يبيع نصيبه من غير شريكه، فلقنه إنسان أن يهب بعض نصيبه من المشتري ويبيع الباقي منه، فإن هذا التلقين لا يجوز، لأن فيه إسقاط حق الشفيع، والمشهور الأول.
وقد ذكر الأصحاب في ذلك صورًا.
منها: أن يبيع الشقص الذي قيمته مائة بمائتين، ثم يأخذ عرضًا قيمته مائة عن المائتين.
ومنها: أن يشتري الشقص بمائة وهو يساوي خمسين، ثم يحط عن المشتري بعد المجلس خمسين.
وفي هاتين الصورتين تغرير على المشتري.
ومنها: أن يشتري عرضًا من المشتري بمائتين وهو يساوي مائة، ثم يعطيه عن المائتين الشقص، وهو يساوي مائة إلى آخر ما ذكر.
وهو صريح في أن الخلاف المذكور في كراهة ذلك، لا فرق بين أن يكون مسقطًا للشفعة، أو مزهدًا فيها، وأن الدبيلي قائل بعدم الجواز مطلقًا، وليس كذلك، بل هو أعني أبا الحسين بن أحمد الدبيلي جازم بالجواز مع الكراهة فيما لا يمنع الأخذ، بل يزهد فيه كالتحيل في زيادة الثمر ونحوه وبالتحريم فيما يمنعه بالكلية، سواء كان مانعًا لأخذ الجميع، أو لأخذ البعض كما مثل المصنف، كذا رأيته في كتابه الذي نقل عنه المصنف وهو أدب القضاء المسمى ((منهاج القضاء))، وهذه المسألة مذكورة في أواخره، وابن الرفعة إنما صور المسألة التي حكى فيها هذه الأوجه فيما
стр. 420
يزهد خاصة، لا في مطلق التحيل، والحاصل أن ابن الرفعة توهم أن الدبيلي لا يقول بالفرق، فذكر ما ذكر وهو غلط فاحش، ورأيت في كتاب ((الحيل)) لابن سراق العامري أحد كبار الأصحاب ومتقدميهم استحباب الحيلة في دفع شفعة الجوار، وإطلاق تحريمها في المشترك ولم يفصل بين ما قبل البيع وبعده.
واعلم أن الكلام على الدبيلي قد ذكرته مستوفى في طبقات الفقهاء، فراجعه.
стр. 421
باب القراض
قوله: ولا يصح القراض إلا على الدراهم والدنانير.
ثم قال: وقيل: يجوز القراض على ذوات الأمثال، حكاه في ((الإبانة)). وفي ((البيان)) عن المسعودي انتهى كلامه.
ومقتضاه أن المنقول عنه أولًا هو صاحب ((الإبانة)) غير المنقول عنه ثانيًا وهو المسعودي، وليس كذلك بل هما متحدان هنا، وذلك أن الفوراني صاحب ((الإبانة)) والمسعودي لا شك أنهما متغايران، وهما معًا من تلامذة القفال المروزي إلا أن ((الإبانة)) لما وصلت إلي اليمن ظنها العمراني وغيره من اليمنيين أنها للمسعودي فصاروا ينقلون عن المسعودي، ومرادهم بأنه الفوراني، فيحث وقع في البيان المسعودي فمراده به الفوراني، كذا قاله ابن الصلاح وغيره، وتفطن في ((المطلب)) للصواب، فقال: وحكاهما في البيان عن المسعودي لظنه أن ((الإبانة)) حين وردت عليهم اليمن أنها له، هذا كلامه هنا، وليس مطردًا كما ستعرفه في ((باب الرجعة)).
قوله: قال: وإن عقده إلى شهر على ألا يشتري بعده، أي وجعل له البيع صح، لأنه لو عقد مطلقًا ملك رب المال منعه من الشراء، أي وقت شاء، فلم يكن فيما شرطه منافاة لمقتضى العقد.
وفي ((المهذب)) وغيره وجه أنه لا يصح. انتهى.
وتقييده بقوله: أي وجعل له البيع مقتضاه أنه لابد في جريان الوجهين من هذا الشرط حتى لو نهاه عن الشراء، ولم يصرح بجواز البيع لا يكون على الوجهين بل يجزم بالبطلان، وقد خالف ذلك في ((المطلب)) فقال: والخلاف في المسألة يظهر جريانه فيما إذا قال: قارضتك إلى شهر على ألا يشتري بعده، وسكت عن البيع نفيًا وإثباتًا، وكلام الشيخ في ((التنبيه)) يدل عليه، هذا كلامه، ولم يذكر ما يخالفه، واعلم أن الغزالي في ((الوسيط)) و ((الوجيز)) صور المسألة بما إذا صرح أيضًا بجواز البيع كما في ((الكفاية))، فتبعه الرافعي في الشرحين والنووي في ((الروضة)) عليه، وصور المسألة في ((المحرر)) بما صورها في التنبيه، وتبعه عليه في ((المنهاج)).
стр. 422
قوله: وإذا سافر العامل بالإذن نفقته في ماله في أصح القولين.
والثاني في مال المضاربة، ثم قال وأي قدر يكون في مال المضاربة؟
قيل: الزائد على نفقة الحضر، أي: كالركوب وزيادة ملبوس ومأكول وزيادة سعر في الماء والطعام، كما حكاه البندنيجي وثمن الخف والإدارة والسطحية والسفرة والمحارة، ونحو ذلك كما حكاه الرافعي، لأن ذلك هو الملتزم لأجل السفر، وهذا هو الأصح في الرافعي وغيره.
وقيل: الجميع أي ذلك، والطعام والإدام، والكسوة وأجرة المنزل، كما صرح به البندنيجي والرافعي. انتهى كلامه.
واعلم أن الرافعي لم يتعرض لوجوب السطيحة والسفرة والمحارة، ولم يتعرض لما ذكره ثانيًا من أجرة المنزل فاعلمه.
قوله: وإذا عاد وجب عليه رد ما معه في أظهر الوجهين.
ثم قال: وفي ((البحر)) أن القاضي الطبري قال: رأيت في كتاب ((التهذيب)) لابن القفال في رد الكسوة وجهين. انتهى.
تعبيره بالتهذيب تحريف بل هو ((التقريب)) بالقاف والراء، وقد تقدم في آخر الباب قبل إيضاحه.
قوله: ليس للعامل التصرف في الخمر شراء وبيعًا وإن كان ذميًا، فلو خالف واشترى خمرًا، أو خنزيرًا، أو أم ولد ودفع ثمن ذلك عن علم فهو ضامن، وإن كان جاهلًا فكذلك على الأشهر.
وقال القفال: يضمن في الخمر دون أم الولد إذ ليس عليها أمارة يعرفها.
وفي ((التهذيب)) عن بعضهم: التسوية بين الخمر وبينها في عدم الضمان.
قال الرافعي: وأبعد منه وجه نقله في ((الشامل)) أنه لا يضمن حالة العلم أيضًا. انتهى.
وهذا الوجه الأخير نقله الرافعي كذلك، إلا أنه ليس مطابقًا لما في ((الشامل))، فإنه إنما حكى الوجه في الخمر خاصة، ومع ذلك فلم يصرح بكونه في حال العلم، ثم إن الوجه المذكور في شراء الخمر عالمًا أنه لا يصح هو في الذمي دون المسلم، لأنه يعتقده مالًا، قاله في ((البيان)).
قوله: ولو قال: خذ هذه الدراهم قراضًا وصارف بها مع الصيارفة، ففي صحته وجهان. انتهى كلامه.
стр. 423
وما ذكره من حكاية الوجهين في صحة العقد غلط، فإن العقد صحيح وتصح مصارفته مع الصيارفة، لوجود الإذن، وإنما الوجهان في صحة مصارفته مع غيرهم، وقد أوضحه الرافعي فقال: ولو قال خذ هذه الدراهم قراضًا وصارف بها مع الصيارفة، ففي صحة مصارفته، مع غيرهم وجهان.
وجه الصحة: أن المقصود من مثله أن يكون تصرفه تصرفًا لا مع قوم بأعيانهم. هذا كلامه.
وذكر في ((الروضة)) نحوه أيضًا، ولا شك أن المصنف إنما أخذ المسألة من كلام الرافعي فإن الرافعي قال في آخر الباب، وهذه فروع مبددة نختم بها الباب، ثم ذكر هذا الفرع، وقد فعل المصنف ذلك بعينه، فدل على ما قلناه، وصرح بذلك في ((المطلب)) فقال: ففي صحة معارضته وجهان في الرافعي، هذا لفظه وكيف تخيل- ﵀ منع المصارفة مع الصارف في حالة تصريح المالك بالإذن فيه.
стр. 424
باب العبد المأذون
قوله: في التفريع على أن العبد يملك بتمليك سيده: ولو وكل وكيلين حتى يهبا سالمًا لغانم وغانمًا لسالم، ثم جرى منهما جميعًا ذلك، لم ينفذ واحد منهما. انتهى كلامه.
وتعبيره بقوله: جميعًا سهو، بل الصواب: أن يقول معًا، أي في وقت واحد، وإما إذا صدر منهما جميعًا فلا يستلزم ذلك إبطالهما، بل يحكم بصحة المتأخر، ويكون رجوعًا عن المتقدم، وقد صرح به الرافعي على الصواب.
стр. 425
باب المساقاة
قوله تنبيه: أراد الشيخ بالكرم العنب، وكان الأولى ألا يذكر لفظ ((الكرم))، ويذكر لفظ ((العنب)) كما حكيناه عن لفظ الشافعي في ((المختصر))، لأنه ثبت في ((صحيح مسلم)): ((لا تقولوا الكرم)). انتهى.
واعلم أن الشافعي وإن عبر في موضع بالعنب، لكنه عبر في هذه المسألة بخصوصها في ((المختصر)) بما عبر به الشيخ فقال: فالمساقاة جائزة بما وصفت في النخيل والكرم دون غيرهما، هذا لفظ الشافعي، وكلام المصنف يوهم أن الشافعي لم يقع منه التعبير بالكرم خصوصًا في هذه المسألة من ((المختصر)).
قوله: فرع لو أقت المدة بإدراك الثمار فهل يصح؟ فيه وجهان.
وجه المنع: وبه قال الأكثرون الجهل بوقت الإدراك.
ووجه الجواز وهو الأصح عند الرافعي: أن ذلك هو المقصود انتهى كلامه.
وما نقله- رحمه الله تعالى- عن الرافعي غلط، فإن الرافعي هنا مشى على ما قاله الأكثرون، ووافقهم عليه، والذي صحح الجواز هو الغزالي.
قوله: فإن قيل: لم لا يجوز للمالك فسخ المساقاة ويستحق العامل أجره مثل ما عمله كما نقول في الجعالة؟
فالجواب: أن العمل في الجعالة مضبوط يمكن اعتباره، وهو في المساقاة غير مضبوط. انتهى.
وما ذكره في الفرق ذهول، فقد صرح الأصحاب في مواضع من هذا الباب حتى الشيخ في هذا الكتاب الذي هو يشرح فيه جواز الفسخ بأسباب، ويرجع إلى أجرة المثل، وصرحوا أيضًا بأن العمل في الجعالة قد لا ينضبط، وحينئذ فنقول: القائل على تقدير جوازها يوجب المتيقن في الموضعين، والقول قول المالك في الزائد، لأن الأصل براءة الذمة منه.
قوله: ولنختم الباب بفروع: إذا كانت الأشجار بين شخصين نصفين فساقى أحدهما صاحبه على نصيبه، وشرط له أكثر من نصف الثمر من الجميع صح، وإن
следующие страницы →