← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

قلت: وقد يظن ظان أن القول بحبسه قد ذكره الشيخ حيث قال في باب اليمين في الدعاوي: فإن نكل عن اليمين فإن كان الحق لغير معين [كالمسلمين والفقراء حبس] المدعى عليه حتى يحلف أو يدفع الحق. وليس الأمر كذلك؛ لأن الشيخ ذكر هذا حيث تكون اليمين واجبة وهاهنا إنما تكون [اليمين] واجبة عند العراقيين فيما إذا كانت دعواه تخالف الظاهر واتهم، وهو إذا امتنع عنها في هذه الحالة أخذت منه الزكاة؛ لما ذكرناه؛ فلا حبس. والوجه الثاني: أنه يقضي عليه بالنكول للضرورة، وإنما لا يقضي به في حق الآدميين؛ لإمكان حلفهم. وعلى هذا إذا: قضى به، قال مجلي: فهل يأخذها من ماله أو يحبسه حتى يؤديها؟ فيه وجهان. وقال القاضي الحسين هل تؤخذ من ماله أو يحبس [إلى أن] يقر أو يؤدي؟ فيه وجهان لابن سريج، وكذا حكاهما في "الإبانة". والوجه الثالث- وهو الذي صححه الفوراني، وقال الإمام: إنه أعدل الوجوه – أن رب المال إن تصور بصورة مدعى عليه فلا يقضي عليه به طرداً للقياس، وإن تصور في صورة مدعٍ قضي عليه به؛ فإنه لو حلف لكان على صورة مدعٍ مثبت، فإذا احتمل ذلك في تحليفه فليجر في نكوله على قياس نكول المدعي، ولو نكل المدعي عن اليمين المردودة عليه [لقضي عليه بنكوله]. قال الإمام: ومع هذا فيه شيء؛ فإن المودع إذا [ما] دعى رد الوديعة فاليمين فيها معروضة عليه، وهو على صورة المدعين، ولو نكل لم يقض عليه بنكوله، ولكن سبب منع القضاء عليه إمكان الرد على الخصم الذي هو مالك الوديعة، والرد غير ممكن في الزكاة وانضم إليه تصور من عليه الزكاة بصورة المدَّعين فقيل إنه [يقضي عليه مثل تصوُّره بصورة] المدعي عليه بما إذا قال: لم يحل [عليه] الحول، أو: ليس المال لي وإنما هو وديعة عندي، وتصوره بصورة المدعى بما إذا قال: قد

стр. 2662

أديت الزكاة إلى ساع آخر، أو: بعت المال ثم اشريته. وجعل الفوراني قوله: لم يحل عليه الحول، من القسم الثاني. والذي ذكره القاضي [الحسين] في حكاية الوجه [الثالث]، وعزاه إلى ابن سريج: أنه إن تصور بصورة المدعي عليه ونكل عن اليمين فلا يقضي عليه بالزكاة، وإن تصور بصورة المدعين، فإذا نكل قضي عليه لا بنكوله، لكن بالسبب السابق الذي أوجب الزكاة، ولم يأت بحجة يسقطها عنه، ومثل الصورتين بما ذكره الإمام، وحقيقة هذا الوجه ترجع إلى ما قاله العراقيون لولا أنه قاض بأنه إذا قال: ليس المال لي، بعدم الأخذ منه، فتأمله. والله أعلم. قال: وإن بذل الزكاة قبلت منه؛ لتبرأ ذمته، وتصل إلى مستحقيها. قال: والمستحب أن يدعي له؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادع لهم كما قاله الأكثرون، وبه أخذ الشافعي، وإن [كان] ابن عباس قال: "إن المراد بالصلاة الاستغفار"،ولأن في العداء له ترغيباً في الخير وتطييباً لقلبه. فإن قيل: ظاهر الأمر الوجوب، فلم عدلتم عنه، وهذا ظاهر قوله في "المختصر": "فحق على الوالي إذا أخذ صدقة امرئ أن يدعو له]، يقتضي الوجوب، فلم عدلتم عنه؟ قلنا: قد قال بظاهر هذا النص بعضهم؛ فأوجب على الإمام إذا أخذها الدعاء [له]، حكاه الحناطي، [وكذا الماوردي] وقال: إنه إذا أخذها الفقراء لم يجب عند هذا القائل. وقيل عكسه: إن الدعاء يلزم الفقير دون الإمام؛ لأنا دفعها إلى الإمام متعين، [وإلى الفقير غير متعين]، وقيل: إن سأل رب المال الدعاء وجب؛ لما روى عبدالله بن أبي أوفى عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ بصدقات قومي، فقلت: يا رسول الله، صل علي، فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى"، وليقع

стр. 2663

الفرق بين الجزية المأخوذة صغاراً وبين الزكاة المأخوذة تطهيراً، وهذا ما ادعى في "البحر" أن الماوردي صححه. والذي رأيته في "الحاوي" في كتاب الزكاة: تصحيح مقابله، وهو عدم الوجوب، وهو الذي صححه غيره، ولم يورد الشيخ في "المهذب" وأبو الطيب والقاضي الحسين غيره؛ لأنه – عليه السالم – لم يأمر معاذاً حين بعثه وأمره أن يأخذ الزكاة [به و] لأنه لم ينقل أنه – ﵇ – دعا لغير أبي أوفى مع أن الصدقات كانت تحمل إليه، وذلك دليل على عدم الوجوب، كذا قاله القاضي الحسين، ورواية البخاري ومسلم وغيرهما ترد عليه؛ فإنهم رووا عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان أبي من أصحاب الشجرة، وكان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل على آل فلان"، قال: فأتاه أب بصدقته، فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى"، وأصحاب الشجرة هم الذين بايعوه بالحديبية تحت الشجرة سنة ست من الهجرة، وآل أبي أوفى قيل: المراد به أبو أوفى، و"الآل" تقع على ذات الشيء، وكذلك قوله – ﵇:"من مزامير آل داود"، وقيل: أراد به داود. وقد ادعى الماوردي في كتاب الزكاة أنه لم يختلف أصحابنا في أنه إذا لم يسأل رب المال الدعاء، فليس على الوالي أن يدعو له؛ لأن رب المال بدفع الزكاة مؤد لعبادة واجبة، وذلك لا يوجب على غيره الدعاء كسائر العبادات، وقال في قسم الصدقات ما حكيناه أولاً من قبل، [وقيل:] وعليه جرى في "البحر".

стр. 2664

الأمر، وهو اللائق بالحال. والمحكي في "المختصر" في كتاب الزكاة، وهوا لذي أورده ابن الصباغ والغزالي وغيرهما في ترتيب هذا الدعاء - أنه يقول: آجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك طهورا، وبارك لك فيما أبقيت. قال النواوي: وهذا أحسن وأشبه مما قاله المصنف. وفي "آجرك الله" لغتان مشهورتان: أجره الله - بالقصر - يأجره - بضم الجيم، وكسرها - أجراً. وآجره - بالمد - إيجاراً، كأكرمه إكراماً. والأجر: الثواب. وقد ادعى في "المذهب" [أن المستحب] أن يقول: اللهم صل على آل فلان؛ للخبر. وقال القاضي الحسين في "تعليقه": إنه لا يجوز لأحد أن يصلي على أحد غير الأنبياء ابتداء، مثل أن يقول: أبو بكر أو عمر [أو عثمان] أو علي، [صلى الله عليه]، وإنما يجوز على سبيل التبعية كما يقال: اللهم صلِّ على محمد وعلى آله وأزواجه. وما فعله النبي ﷺ مخصوص به؛ لأن الصلاة منصبه فكان له أن يخص بها من شاء؛ كما أن صاحب الدار والمجلس يرفع من أراد إلى مجلسه وصدره، وليس لغيره في داره ومجلسه أن يرفع أحداً دون إذنه. وهذا ما حكاه الإمام عن الأئمة، لكنه أبدل لفظة "لا يجوز ذلك" بأنه: "لا ينبغي ذلك"، وأن الذي كان عليه الناس في الأعصار السالفة قبل ظهور الأهواء ترك ذلك؛ فلم يكن أحد من الأولين يقول: أبو بكر، رضي الله تعالى عنه. وهو كما أن قول القائل: الله فإنه لا يسوغ استعماله في حق غير الله، وإن كان "الجليل" من "الجلال" و"العزيز" من "العزة". وقال: [إن] الشيخ أبا محمد كان يقول: السلام بمنزلة الصلاة فيما ذكرناه. [قال الرافعي] لأن الله - تعالى - جمع بينهما فقال: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٦] فلا يقول: أبو بكر وعلي ﵉، وكذا غيرهما لا يفرد به في حال الغيبة.

стр. 2665

قال الرافعي: ولا بأس به في معرض المخاطبة، فيقال للأحياء وللأموات من المؤمنين: سلام عليكم. قال في "الروضة": وقول الرافعي: "لا بأس [به] "، ليس بجيد؛ فنه مسنون للأحياء والأموات بلا شك، وهذه الصيغة لا تستعمل في المسنون؛ فكأنه أراد: لا منع منه في المخاطبة بخلاف الغيبة، وأما استحبابه في المخاطبة فمعروف. ثم قال الإمام: [وظاهر] ما ذكره الصيدلاني: أن الصلاة على غير الرسل في حكم ترك الأولى والأدب، وهذا لا يبلغ مبلغ ما يوصف بالكراهة. وفي هذا أدنى نظر؛ فإن المكروه يتميز عندنا عن ترك الأولى؛ فإنما يفرض فيه نهي مقصود كالنهي عن الاستنجاء باليمين، وقد ثبت نهي مقصود في التشبه بأهل البدع وإظهار شعارهم؛ وذكر الصلاة والسلام مما اشتهر بالفئة الملقبة بالرفض، وينضم إليه تقوي السلف عن إطلاق ذلك مقصوداً في غير الأنبياء، ﵈. وحاصل ما ذكره الإمام: أن فعل ذلك ترك للأولى أو مكروه؟ فيه خلاف، الراجح عنده: الثاني، وهو الذي حكاه الرافعي عن القاضي الحسين، وعن صاحب "العدة" التصريح بنفي الكراهة؛ فإنه قال: إنما "الصلاة" بمعنى "الدعاء"؛ فتجوز على كل أحد أما بمعنى التعظيم والتكريم فيختص بها الأنبياء، ﵈. وأنت إذا أجريت ما حكيته من لفظ القاضي الحسين على ظاهره جاءك في المسألة أوجه: أحدها: أن ذلك لا يجوز. والثاني: أنه مكروه. والثالث: أن فاله تارك للأولى غير مرتكب لمكروه. والرابع: أنه مباح إذا كان بمعنى الدعاء، ممتنع إذا كان بمعنى التعظيم. والخامس: [أنه] مستحب في حق مؤدِّي الزكاة كما قال في "المهذب"، ولم أقف عليه لغيره، بل المذكور فيها ما حكيناه عن النص، وأنه بأي دعاء دعا إذا كان

стр. 2666

يليق بأخذ الصدقة – كان حسناً، وحكوه عن نصه في "الأم". وإذ قد عرفت ما ذكره الشيخ من أول الباب [إلى هنا] عرفت أن الناس في أمر الزكاة على ثلاثة أقسام- كما صرح بها غيره في [أول] كتاب الزكاة، وهو في "المهذب": قسم جحدها، وقسم اعترف بها ومنعها، وقسم بذلها؛ فاستحب الدعاء له، وأهل هذا القسم هم الذين مدحهم الله تعالى في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون:٤] وفي قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقد حمل بعض الشارحين قول الشيخ: "فإن بذل الزكاة قبلت منه"، على ما إذا بذلها بعد دعواه ما يسقطها، ووجهه بأنه أقر بحق عليه، وغفل عن أن مراده الاقتداء بالأصحاب في استيعاب الأقسام. والله أعلم. قال: وإن مات بعد وجوب الزكاة قضى ذلك، [أي أُدِّي]، من تركته؛ لأنه حق تدخله النيابةوتصح الوصية به، لزم وجوبه في حال الحياة؛ فلم يسقط بالموت كديون الآدميين، ويخالف الصلاة والصوم حيث لا تقضي عنه على المذهب؛ لأن ذلك لا تدخله النيابة وإن وصى به من هو عليه، لكنه هل يثاب على ذلك؟ قال القاضي أبو الطيب: إن كان قد امتنع من أدائها لما وجبت عليه، ولم يكن له في ذلك عذر حتى مات فلا ثواب له، ويكون [ذلك] بمثابة أن يطالبه الإمام بها، فيمتنع من أدائها؛ فيحبسه حتى يؤديها؛ فإنه لا يكون له ثواب في ذلك. وإن كان له عذر في التأخير أثيب، ولو أدى ذلك عنه الوارث من ماله جاز، وإن أخرجه عنه أجنبي، قال البندنيجي قبيل كتاب الصيام: فظاهر المذهب أنه يجوز، كما قال في الحج إذا حج عنه بعد وفاته أجنبي: جاز ذلك. ولو كان موته قبل إمكان الأداء، وقلنا: إنه شرط في الوجوب – فقد مات قبل وجوبها عليه، فما الذي يصنع الوارث: هل يبني أو يستأنف؟ فيه ما تقدم، قاله البندنيجي، والله أعلم. قال: [وإن كان هناك دين لآدمي، أي وقد سبق وجوب الزكاة الدين، وقلنا]:

стр. 2667

إن الدين لا يمنع الزكاة، وضاقت التركة عنهما- ففيه ثلاثة أقاول: أحدها: يقدم الدين؛ لأنه حق آدمي، وهو مبني على المضايقة والمشاححة؛ فقدِّم على حق الله المبني على المساهلة والمسامحة؛ كما يقدم القصاص على القتل في الردة، والقطع في السرقة. والثاني: يقدم الزكاة؛ لقوله ﵇ في الخبر الذي سنذكره [في الحج]: "فدين الله أحق بالقضاء"، ولأن مصرفها الآدميون؛ فكأنها حقوق لهم، وهي معتضدة بحق الله فرجحت على محض حق الآدمي، وتخالف القصاص والقتل في الردة والقطع في السرقة؛ فإنها عقوبة محضة لا تعلق لها بالآدمي، وهي مما يسقط بالشبهات، بخلاف حق الآدمي، وهذا أظهر في "الرافعي" وأصح عند النواوي. والثالث: يقسم بينهما، أي: على النسبة؛ كما يفعل في الدينين إذا ضاقت التركة عنهما لتساويهما في الوجوب، وهذا أقيس في "تعليق" القاضي الحسين. ثم محل الأقوال بالاتفاق عند عدم المال [الذي] وجبت فيه الزكاة، والدين مرسل في الذمة [لا يتعلق] بشيء من التركة في الحياة، وبذلك صور البندنيجي في باب زكاة الفطر محلها حيث قال: اختلف قول الشافعي في حق الله تعالى وحق الآدمي إذا اجتمعا وتعلقا بمحل واحد، مثل أن تعلقا معا بالذمة، أو تعلقا بالعين [ففيها] ثلاثة أقوال. أما إذا كان موجوداً وهو نفس التركة؛ ففيه طريقان: أحداهما: القطع بتقديم الزكاة، وهي التي ذكرها في "التهذيب" في كتاب الجنائز، [وهو] الذي تقتضيه طريقة العراقيين أيضاً؛ لأن الزكاة تعلقت بالعين في حال الحياة عندهم قولاً واحداً إما تعلق شركة أو تعلق رهن، وكل منهما يقدم على الدين الذي لا تعلق له بالعين في حال الحياة أصلاً. نعم لو كان ما وجبت فيه الزكاة مرتهناً بدين

стр. 2668

وهو كل التركة، جاءت الأقوال على خلاف سبق ذكره في أول كتاب الزكاة. وهذه الطريقة حكاها الإمام في باب الدين مع الصدقة، وأن شيخه قال بها، وه التي صححها في باب زكاة الفطر، ولم يورد القاضي الحسين فيه غيرها، [ووجهها الإمام] بأن الزكاة متعلقة بعين المال في الحياة في الجملة، وأراد بذلك أنها جارية وإن [قلنا: إن] الزكاة تجب في الذمة ولا تعلق لها بالعين أصلاً؛ لأنا على هذا القول نجوز لرب المال بيعه قبل أداء الزكاة، ويمضيه إذا أدى الزكاة من غيره، وإن لم يؤدها سلطنا الساعي على أخذها من المال وإن كان في يد المشتري. والثانية: إجراء الأقوال في هذه الحالة أيضاً واختلفت [أيضاً] عبارة الإمام في حكايتها: فأطلق في باب الدين مع الصدقة القول بها مصدراً بها كلامه، ثم ذكر الطريقة الأخرى وقال إن من قال بالإجزاء بنى ما قاله على أن الغالب في الزكاة التعلق بالذمة، وقال في باب زكاة الفطر: إن بعض أئمتنا قال: إذا قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة، جرت الأقوال الثلاثة في التقديم والتأخير، وهذا ضعيف مزيف. وهذه الطريقة هي المذكورة في "الإبانة" لا غير؛ بناء على هذا القول، والمراد إذا قلنا: إنه لا تعلق لها بالعين أصلاً، كما هو محكي في طريقتهم، وعلى ذلك جرى الماوردي فقال: إن قلنا: [إن] الزكاة تجب في العين أو في الذمة، فتتعلق بالعين تعلق رهن قدمت قولاً واحداً، وإن قلنا: تجب في الذمة، ولا تعلق لها بالعين - جرت الأقوال، والله أعلم. وهذا كله في زكاة الأموال أما زكاة الفطر إذا اجتمعت مع الدين، وضاقت التركة عنهما - فقد جزم الفوراني والبغوي بإجراء الأقوال، ومنهم من قال: إن كانت التركة عبداً والفطرة عنه، قدمت الفطرة قولاً واحداً؛ لأنها متعلقة بالعبد واجبة بسببه فصارت كأرش الجناية. وهذه الطريقة هي التي نص عليها في "المختصر" حيث قال: ولو مات بعد أن أهل شوال وله رقيق فزكاة الفطر عنه وعنهم في ماله مبدأة على الديون.

стр. 2669

وقال البندنيجي: إنها ليس بشيء، والشافعي ذكر أحد الأقوال. وفي "الرافعي" أن الروياني حكى طريقة قاطعة بتقديم زكاة [فطر] نفسه لقلتها في الغالب، والذي رأيته في "البحر" و"الحاوي" أن أبا الطيب بن سلمة قال: إن زكاة الفطر تقدم على الدين قولاً واحداً لقلتها في الغالب، وتعلقها بالرقبة. زاد الماوردي: فاستحقت كأرش الجناية. وهذا هو عين الطريق السابق، وكذلك الماوردي لم يحك مع الطريقة الطاردة للأقوال فيها غيره، لكن الروياني حكى الطريقة الأولى، ثم حكى عن أبي الطيب بن سلمة ما ذكرناه؛ فظن أنه غيرها. وتجري الأقوال الثلاثة فيما إذا مات وعليه كفارات وديون آدميين بلا خلاف، وإن كان العبد والمسكن يباعان [في ديون الآدمي وفاقاً، ولا يبعان] في الكفارات، وهو يدل على قوة الديون عليها، وهل تجري فيما إذا اجتمعت ديون وكفارات على محجور عليه؟ حكى الإمام في باب زكاة الفطر تردداً فيه، موجهاً لعدم الجريان وتقدم الديون بأن الكفارات على التراخي، وأداء الدين على التضييق؛ فقدم.

стр. 2670

وموجِّها للجريان: بأن المدعي حق من عليه الكفارة؛ فإنه قد يحاول تبرئة ذمته منها والتخلص من عذر الفوات. قال: وهذا التردد عندي قريب من اختلاف القول [في أن] الديون المؤجلة هل تحل بالحجر حلولها بالموت أم لا؟ قال: .... تجب الزكاة لما بالحول، والنصاب جاز تقديمها على الحول؛ لرواية مسلم أن النبي صلى الله عليها وسلم استسلف من رجل بكراً، فجاءته إبل [من إبل] الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضيه إياه، فقال: ما أجد فيها إلا رباعياً خياراً فقال: "اقضه منها؛ فإن خير الناس أحسنهم قضاء". وجه الدلالة منه، كما قال الشافعي – ﵀: أن العلم محيط بأنه لا يقضي من إبل الصدقة – والصدقة لا تحل له – إلا وقد تسلف لأهلها ما يقضيه من مالهم. انتهى. وإذا جاز أن يستقرض لهم [على إبل الصدقة ممن ليس عليه صدقة، فبأن يستقرض لهم] من الصدقة أولى، وقد ادعى بعض أصحابنا أن معنى استسلف: استعجل؛ فكان النبي ﷺ استعجل الزكاة من واحد، فلما حال الحول كان قد هلك مال ذلك الرجل المعجل، فقضاه النبي صلى الله ليه وسلم من إبل الصدقة. قال القاضي الحسين: وهذا غير صحيح؛ بل الصحيح الأول، وكونه – ﵇ – رد من مال

стр. 2671

المستقرض لهم أكثر مما أخذ يحتمل وجوهاً: أحدها: أنه رآه من أهل الصدقة. والثاني: أنه رأى المصلحة في ذلك ترغيباً للناس في الاستقراض، وللإمام فعل مثل ذلك. والثالث: أن المدفوع أكبر سناً وأقل في الجودة، فجعل زائد السن في مقابلة الفائت من الجودة. ثم الاستدلال بما ذكرناه من جهة القياس لا من جهة النص، وقد عضده الشافعي- ﵀ – بالقياس على المتعة، فإنا أجمعنا على أنها تجب بالطلاق، وأنه لو أعطاها قبل الطلاق ثم طلق وقعت الموقع؛ فكذا الزكاة، وبأنها حق مالي يتعلق وجوبه بسببين يختصان بهن وهما: النصاب، والحول؛ فجاز تقيمه على أحدهما كالتكفير قبل الحنث وبعد العقد؛ فإن المخالف – وهو مالك – وافق فيها، وقال المزني: الأولى أن يجعل في هذا الموضع – أي من الدليل – ما هو أولى به من أن رسول الله ﷺ تسلف صدقة العباس قبل حولها. [وازد] ما رواه أبو داود وأخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: بعث النبي ﷺ عمر بن الخطاب على الصدقة، فمنع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس، فقال رسول الله ﷺ :"ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله، وأما خالد بن الوليد فإنكم تظلمون خالداً؛ فقد احتبس أدراعه [وأَعْتُدَهُ] في سبيل الله ، وأما العباس عم رسول الله صلى الله ليه وسلم فهي عليَّ ومثلها"، و [في] رواية الدارقطني: "هي علي ومثلها معها له". ووجه الدلالة منه: أنه – ﵇ – كان قد استسلف منه صدقة عامين قبل أن يأتيه عمر لأخذ الصدقة، فلما جاءه عمر منعه، ولم يعلمه أنه أداها، فلما شكاه قال – ﵇: "هي علي ومثلها [معها] "، يعني صدقة هذا العام وعام آخر، ولا

стр. 2672

يقال: إن النبي ﷺ ضمنها عنه؛ لرواية الدارقطني، ولأنه لا يصح ضمان ما لم يجب وهي زكاة السنة الثانية، ولا ضمان الزكاة بغير إذن من هي عليهن والعباس لم يكن حاضراً القصة حتى يأذن. وإنما لم يحتج بما رواه أبو داود وأخرجه الترمذي والنسائي عن حُجَيَّة – وهو ابن عدي – عن علي: "أن العباس سأل النبي ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص في ذلك"، وقال مرة: "فأذن له"؛ لأن حجية شيخ لا

стр. 2673

يحتج بحديثه، [كما قال أبو حاتم] الرازي وغيره. وقد ذهب أبو عبيد بن حربويه من أصحابنا إلى أنه لا يجوز التعجيل قبل الوجوب بحال، حكاه البندنيجي والماوردي وغيرهما، وليس بشيء؛ لما ذكرناه. وقد أفهم كلام الشيخ أمرين: أحدهما: عدم جواز تقديمها على ملك النصاب، كما إذا ملك دون الأربعين من الغنم، فعجل شاةً رجاء أن تنتج أخرى ويكمل الحول عليهما فيجزئه المخرج، وبه صرح الأصحاب؛ لأنه يؤدي إلى التقديم على السببين، وهو لايجوز؛ كما لا يجوز تقديم الكفارة على اليمين والحنث، [وهكذا] لو ملك أربعين معلوفة، فعجل على تقدير أن يسيمها ثم ينقضي حولها: لا يجوز؛ لأن المعلوفة ليست مالاً زكاتياً فهي كالمال الناقص عن النصاب، وهكذا الحكم في الزكوات العينية كلها. وأما زكاة التجارة فيجوز التعجيل فيها على النصاب، مثل: أن يشتري عرضاً قيمته مائة، ويخرج زكاة مائتي درهم معجلة، وتبلغ القيمة في آخر الحول مائتين فإنه يجزئه على ظاهر المذهب في أن النصاب إنما يعتبر في آخر الحول، أما إذا قلنا بمذهب ابن سريج في اعتباره في جميع الحول فلا يجوز التعجيل كسائر الزكوات، صرح به في "البحر" [وغيره]. الثاني: أنه لا يجوز تقديمها [بحولين]، وهو كذلك على المشهور فيما إذا لم يملك سوى نصاب؛ لأنه يؤدي إلى تعجيل زكاة العام الثاني والمال دون النصاب، وفيه وجه: أنه يجوز كما لو عجل زكاة عام عن نصاب، والذي أورده ابن الصباغ الأول. نعم، لو كان يملك أكثر من النصاب بحيث لا ينقصه المخرج عن النصاب، مثل: أن ملك من الغنم اثنتين وأربعين، فأراد إخراج شاتين عن سنتين- فهل يجوز؟ فيه وجهان جاريان في جواز تعجيل أكثر من ذلك بالشرط المذكور: أحدهما- وهو اختيار أبي إسحاق -: الجواز؛ لحديث العباس. والثاني: المنع؛ لأن ذلك يؤدي إلى التقديم على السببين معاً، وهذا ما ادعى

стр. 2674

الرافعي أن الأكثرين على ترجيحه، ومنهم معظم العراقيين والبغوي، والقائلون به اختلفوا في المراد بالحديث: فقيل: معناه: أن العباس كان له مالان أحدهما متقدم على الآخر بأيام يسيرة، فسلف صدقتهما في وقت واحد. وقيل: معناه. أنه سلف صدقة عامين [من عامين]. لكن الصحيح في "الوسيط" و"الشامل": الأول، قال أبو الطيب: وهو قياس مذهبنا. وقال البندنيجي: إنه المذهب، والتأويلان السنة تطبلهما: [أما الأول]؛ فلأنه جاء في لفظ آخر: سلفني عمي عن زكاة ماله لعامين لعامه والعام المقبل. وأما الثاني؛ فلأنه جاء في لفظ آخر سلفني عن زكاة ماله في عام. وعلى هذا هل يجوز أن ينوي تقديم زكاة السنة الثانية على الأولى؟ فيه وجهان كالوجهين في تقديم الصلاة الثانية على الأولى في الجمع، والوجهان جاريان عند القاضي الحسين والعراقيين فيما لو ملك نصاباً؛ فعجل صدقة نصابين حيث يرجو بلوغ النصاب الثاني بالنتاج في آخر الحول، مثل أن كان معه مائة وعشرون من الغنم، فعجل شاتين زكاة مائة وإحدى وعشرين، لكن الذي صححه العراقيون منهما والبغوي وصاحب "البحر": المنع، وصحح في "الوجيز" و"التتمة" مقابله، وإله يرشد كلام الفوراني والإمام حيث قالا: إنا إن قلنا بجواز تعجيل زكاة سنتين فهاهنا أولى، وألا فوجهان، والفرق: أن هاهنا انعقد الحول على نصابين لأنها إذا [حدثت] انبنى حولها على حول الأمهات، وثَمَّ لم ينعقد الحولان جميعاً، أما إذا كان لا يرجو حصول النصاب الثاني بأن يكون سخالاً، أو كان في ملكه ما تجب الزكاة في عينه كمائتين، فأخرج زكاة أربعمائة على توقع اكتساب مائتين، واكتسبها – فقد حكى البندنيجي فيه الوجهين المذكورين في الماشية، وقال غيره: لا يجزئه ما أخرجه عن المائتين الحادثتين بلا خلاف. نعم، لو كان ذلك في مال التجارة مثل: أن اشترى بمائتي درهم عرضاً قيمته مائتا

стр. 2675

درهم، فأخرج زكاة أربعمائة، وبلغتها قيمة العرض: فهل يجزئ؟ فيه طريقان، المشهور: الإجزاء، وعن ابن عبدان حكاية الوجهين فيه. واحترز بقوله: بالحول والنصاب، عن زكاة المعدن والركاز؛ فإن ابن عبدان قال: لا يجوز تقديمها على الحول، وهو ما حكاه في "المهذب". وعما تجب الزكاة فيه ببدو الصلاح والانعقاد - وهي المعشرات - فإنه لا يجوز تعجيل الزكاة عنها قبل بروز الطلع - ونبات الزرع بلا خلاف، وكذا بعد بروز الطلع ونبات الزرع إلى أن يدرك عند أبي إسحاق، كما قال الروياني وغيره، وبه قال الشيخ أبو حامد، كما قال الفوراني والمسعودي، وقال البندنيجي: إنه المذهب، وقال الرافعي: إنه الأظهر [عند أكثر العراقيين، وتبعهم البغوي. فإذا أدرك فقد وجبت؛ فلا تعجيل، وخالف سائر] الزكوات حيث يجوز تعجيلها قبل الوجوب؛ لأنه لم يظهر ما يمكن معرفة مقداره تحقيقاً، ولا خرصاً تخميناً ولا كذلك غيره من أموال الزكاة، ولأن سائر الأموال وجوبها تعلق بسببين فجاز تقديمها على أحدهما، وهاهنا تعلق بسبب واحد وهو الإدراك؛ فلم يجز تقديمها عليه كما لا يجوز تقديم غيرها على السببين. قال الشيخ أبو حامد: ولا يجوز التقديم على السبب الواحد إلا في مسألة واحدة، وهي: إذا اضطر المحرم إلى صيد فقدم الجزاء؛ فإن الشافعي ﵀ جوّزه، قيل: فكأنه جعل الإحرام أحد سببيه فلذلك جوزه. وفيه نظر؛ لأنه لو كان كذلك لجوزه قبل الحرج إذا لم يضطر إليه، وهو لا يجوز، قال في "الحاوي" في كتاب الأيمان: وقد وهم أبو حامد الإسفراييني فخرجه على وجهين، وهما شبيهان بوجهين حكاهما الحناطي في جواز تقديم كفارة الوقاع في رمضان عليه، والأصح: المنع، وهو الذي أورده الجمهور. وقد حكى الإمام وجهاً آخر: أنه لا يجوز الإخراج بعد الإدراك وقبل الجفاف في الثمار والتصفية في الحبوب؛ لأن وجوب الإخراج بعد ذلك يكون كالتعجيل قبله،

стр. 2676

وإن كان بعد الوجوب الذي منع المالك من التصرف في المال كالتعجيل قبله. وعلى هذا يجري إطلاق القول بأنه لا يجوز إخراج زكاة المعشرات قبل وجوب إخراجها، سواء في ذلك الثمار والحبوب. والصحيح في "النهاية" وهو الذي أورده الجمهور: جوازه بعد الإدراك كما قاله أبو حامد وغيره؛ لأنه إذا جاز قبل الوجوب فيما يجب بالحول والنصاب فبعد الوجوب أولى. وذهب في "الوسيط" إلى أن الصحيح في الثمار عدم الإجزاء قبل الجفاف؛ لأن الواجب هوا لزبيب والتمر، والرطب لا يصلح للإخراج، وقال: إن الصحيح في الزروع الجواز بعد الإدراك وقبل الدياس والتصفية؛ لأن الذي وجب موجود. وقد وجه مقابله بأن النصاب لا يمكن الاطلاع عليه ما لم تحصل التصفية، بخلاف سائر الأموال؛ فإنه يمكن إدراكه، وقال الإمام: إنه ضعيف جداً، فإن لم يكن بد من هذا الوجه فالعلة فيه إذا كنا لا نقطع بأس في السنبل نصاباً من الحب، فأما إذا تحقق فلا وجه لمنع التعجيل. وقد قيل: إنه يجوز الإخراج بعد بروز الطلع وإن لم يتشقق، ونبات الزرع وإن لم ينعقد، وهو ما ينسب إلى ابن أبي هريرة، ونسبه الحناطي إلى ابن سريج، قوال ابن كج: إن أبا إسحاق أجاب به في دفعة أخرى، وهو الذي صدر به الفوراني كلامه. ثم حكى ما نقلناه عنه عن الشيخ أبي حامد واقتصر عليهما، وقال ابن الصباغ: إنه الأصح؛ لأن تعلق الوجوب بالإدراك لا يمنع تقدم الزكاة عليه؛ ألا ترى أن زكاة الفطر يجوز تقديمها على هلال شوال، وإن كان وجوبها يتعلق به؟! لأن من ويلد قبل ذلك بلحظة تجب عليه، كما أن من ملك الزرع قبل إدراكه وجب عليه العشر. وقال الرافعي في دفع العلة الأولى من علتي عدم الإجزاء إن الكلام فيما إذا عرف حصول قدر النصاب، وإن لم تعرف جملة الحاصل بعد ذلك إن خرج [زائداً على ما ظنه فيزكي الزيادة، وإن خرج] ناقصاً عن بعض المخرج فهو تطوع فلم يمنع الإجزاء. وفي دفع العلة الثانية: إنا لا نسلم أن لهذه الزكاة سبباً واحداً، بل لها سببان أيضاً: ظهور الثمرة، وإدراكها؛ فالإدراك بمثابة حولان الحول. وهذا فيه نظر ظاهر.

стр. 2677

ومنهم من قال: يجوز التعجيل في هذه الحالة في الثمرة دون الزرع؛ لأن النخل تقبل معاملة على الثمار قبل بدوها وهي المساقاة، والزرع لا يحتمل ذلك. قال الإمام: وهذا غير سديد؛ إذ لا خلاف أنه لا يجوز التعجيل قبل نبات الزرع، فإن لم يكن من الفرق بد فالأولى ما أشرت إليه وهو أن عين العشر مفقود والزرع يقل، وعين الثمار موجودة وإن كانت غير مؤبرة، فإذا بدا الحب ولم يشتد فلا يتضح إذ ذاك فرق. قال: وإن تسلف الإمام، أي: أو الساعي، الزكاة من غير مسألة: أي: وقد رأى المصلحة في ذلك؛ [لأجل حاجة] بعض الأصناف وهم أهل رشد، [فهلكت في يده، أي: في أثناء الحول ضمنها، أي: سواء إن تلفت بتفريط أو بغير تفريط؛ لأن أهل الرشد] لا يولي عليهم، فإذا قبض حقهم قبل محله بغير إذن من يعتد بقبضه بعد محله ضمنه؛ كالوكيل إذا قبض مال موكله قبل محله، كذا قاله في "المهذب"، وقاسه ابن الصباغ وغيره على ما إذا قبض الأب دين ابنه الكبير بغير إذنه، [ثم قال]: فإن قيل في الأصل: لا يجوز له القبض، وهاهنا يجوز للإمام القبض لحاجتهم – قلنا: جواز القبض لا يمنع حصول الضمان؛ كما [لا] يجوز أن يدفع الوديعة إلى من ادعى وكالة صاحبها وصدقه ويكون ضامناً، قال: وهذا فيه ضعف. وعبَّر في "البحر" عما قاله ابن الصباغ بأن القبض يكون مشروطاً بسلامة العاقبة. وحكى المراوزة وجهاً آخر: أن الحاجة تنزل منزل السؤال؛ لأن الزكاة مصروفة إلى جهة الحاجة لا إلى قوم معينين، والإمام [ناظر لها]، فإذا رأى المصلحة في الأخذ كان له ذلك. والصحيح الأول، وهو ما نص عليه في "المختصر"، وأشار إلى العلة بقوله: لأن فيهم أهل رشد لا يولَّي عليهم. ولم يحك العراقيون والماوردي غيره، لكن لم يضمنها، قال الماوردي: إن كان رب المال بصفة من تجب عليه الزكاة آخر الحول

стр. 2678

ضمنها لأهل السهمان، وألا ضمنها له. وهذا يدل على أن رب المال إذا كان بصفة الوجوب آخر الحلو وقعت الموقع، وهو ما حكاه الفوراني حيث قال: إذا عجل الزكاة فتلفت في يده قبل الحول، ووجدت شرائط الزكاة في الدافع – فإنه يجزئ عنه، ويجعل كأنه أخرجها عند الحول. وقال القاضي الحسين في "تعليقه": [إن بهذا] أجاب القفال في المرة الثانية؛ لأن الشافعي – ﵀ – قال: إذا مات المدفوع إليه قبل الحول يؤخذ المدفوع من ماله لأهل السهمان، ولولا أن الزكاة ساقطة عنه، وألا لما قبل أخذه لأهل السهمان، بل يأمره بتسليمه [إلى رب] المال؛ حتى تؤدي ثانياً كما لو عجل بنفسه. والذي قاله في المرة الأولى: أن الضمان واجب على الإمام من خالص ماله لرب المال، وعليه أن يعطي الزكاة، أما إذا كان المستسلف لهم أطفالاً، نظر: فإن كان الولي عليهم من يقدم نظره عليهم على نظر الإمام فهم كأهل الرشد، وإن كان هو وليهم فالحكم كما لو كانوا أهل رشد وتسلف بمسألتهم، صرح به الغزالي وغيره، قال الرافعي: وهو مفرع على جواز صرف الزكاة إلى الصغير، وفيه وجهان، سواء كان له من تلزمه نفقته أو لا؛ لأنه إن كان في نفقة غيره فالخلاف فيه مشهور يأتي في قسم الصدقات، وإن لم يكن فقد حكى ابن كج – وهو في "الحاوي" و"البحر" عن أبي إسحاق – أنه لا يجوز صرف الزكاة إليه؛ لاستغنائه عن الزكاة بالسهم المصروف إلى اليتامى من الغنيمة، وعن ابن أبي هريرة: أنه يجوز صرف الزكاة إلى قيِّمه، قال ابن كج: وهو المذهب. أما إذا قلنا: لا يجوز أن تصرف إليه، فلا تجيء هذه المسألة في سهم الفقراء والمساكين، ويجوز أن تجيء في سهم الغارمين ونحوه، لأن الخلاف في المكتفي بنفقة أبيه لا يتجه في سهم الغارمين؛ إذ ليس على القريب قضاء دين القريب. قل: ودعوى الرافعي أن الحكم [المذكور] مفرع على جواز صرف الزكاة إلى الصغير؛ لأن لنا وجهاً: أنه لا يجوز الصرف إليه مطلقاً بمقتضى [التقرير المذكور- فيها] نظر؛ لأن الصغير قد لا يكون في نفقة غيره، وهو من لا يصرف إليه من

стр. 2679

نصيب اليتامى في الغنيمة شيء؛ بأن يكون له أب فقير؛ لأن فقر الأب مانع من وجوب نفقة ولده عليه، ووجوده مانع من صرف شيء إليه من نصيب اليتامى إذ اليتيم من لا أب له، والله أعلم. قال: وإن تسلف بمسألة الفقراء فهو من ضمانهم؛ لأنه وكيلهم وقبض بإذنهم، وهكذا الحكم فيما إذا تسلف بغير مسألة، أو بسؤال أرباب الأموال وسلمه إليهم، فتلف في أيديهم. ومعنى كونه من ضمانهم: أن رب المال لو خرج عن أن يكون من أهل الوجوب قبل تمام الحول، وخرجوا عن أن يكونوا من أهل الاستحقاق حالة الوجوب، أو وجد أحد الأمرين – كان عليهم الضمان، ولا يكون الإمام طريقاً فيما إذا تسلف بمسألة أرباب الأموال، وهل يكون طرياً إذا تسلف بمسألة الفقراء؟ قال الرافعي: فيه وهان، [أظهرهما – كما اقتضاه كلامه، والذي أورده] الماوردي وغيره فيما إذا خرج المالك عن أهلية الوجوب -: أن له مطالبة الإمام، وهو يرجع على القابض. وجزم القول بأنه إذا خرج القابض وحده عن [أهلية] الاستحقاق: أن الإمام يطالبه بها، ويصرفها في غيره ممن يستحقها، وكذا قاله البندنيجي وليس لرب المال استرجاعها؛ لأن إخراجها واجب عليه. وفي "التهذيب" حكاية وجه آخر: أنها لا تجزئ عن رب المال، قال: وعلى رب [المال] إخراجها؛ لأن ما دفع لم يقع عن الصدقة؛ فأشبه ما لو عجل الزكاة إلى الفقراء وخرجوا عن الاستحقاق. وعلى الأول قال الماوردي: فالواجب المثل الصُّوريُّ أو الحقيقي دون القيمة؛ لأنه يسترجعها في حق أهل السُّهمان؛ [فوجب أن يسترجع ما] يصرف مصرف الزكاة وهو العين دون القيمة، بخلاف ما إذا خرج رب المال عن صفة الوجوب؛ [فإنه يرجع في النقد بمثله، وفي الحيوان بالقيمة: [بقيمته] على وجه، وعلى آخر بالمثل

стр. 2680

الصوري كما في القرض، وسنذكر من بعد ما ينازع فيه. ولو بقي رب المال على صفة الوجوب] وهم على صفة الاستحقاق إلى أن تم الحول، وقع المخرج عن زكاته، وقال الرافعي: فيه وجهان. أظهرهما: هذا. وهو المذكور في "الشامل" وتعليق" البندنيجي و"البحر" [و"الحاوي"] في أثناء [الكلام عن] تسلف الإمام الزكاة لرجلين، ووجهه: أن الإمام نائب الفقراء؛ فصار كما لو أخذوه وتلف في أيديهم. والثاني: لا؛ لأنه لم يصل إلى المستحين؛ فعلى هذا يؤخذ من الفقراء، وفي كون الإمام طريقاً وجهان. وهذا الوجه وفرعه يظهر مجيئهما من طريق الأولى فيما إذا خرج الفقراء عن صفة الاستحقاق وبقي رب المال بصفة الوجوب عليه وللإمام إذا اجتمعت عنده الزكاة: أن يصرف ذلك القدر إلى قوم آخرين عن جهة الذي تسلف منه، قاله الرافعي. واعلم أن الشيخ محيي الدين النووي – ﵀ – قال: إن المراد بالفقراء هنا جميع أصناف الزكاة، وعادة الأصحاب إطلاق هذه اللفظة في مثل هذا السياق لإرادة الأصناف، وهو من باب التعبير بالبعض عن الكل، وخصوا به الفقراء؛ لأنهم أهم الأصناف. قلت: ويجوز أن يحمل كلام الشيخ وغيره من المصنفين في هذا المقام على حقيقته، وهو إرادة نفس الفقراء، لا غيرهم؛ لما ستعرفه أن للإمام أن يصرف زكاة الشخص الواحد لواحد من الأصناف الثمانية، ويؤيد ذلك أن الشافعي – ﵀ – قال في "المختصر": لو استسلف الوالي لرجلين بعيراً، فأتلفاه وماتا قبل الحول فله أن يأخذ من أموالهما لأهل السهمان، ولو ماتا بعد الحول كانا قد استوفيا الصدقة. وقال الأصحاب: إن الحك كذلك فيما لو استسلف لأكثر منهما أو لأقل. وإذا كان كذلك فلا حاجة بنا إلى صرف اللفظ عن حقيقته، والله أعلم.

стр. 2681

قال: وإن تسلف بمسألة أرباب الأموال فهو من ضمانهم، كمن بعث ما عليه على في شخص إلى مستحقه، فتلف في الطريق. نعم، إن فرط الإمام فيه رجع به عليه، وله في هذه الحالة عند بقاء المال في يد الإمام أن يسترجعه؛ لأنه كوكيله، أما إذا فرقه لأهل السهمان وهو باق في أيديهم وهم بصفة الاستحقاق، [وهو بصفة من تجب عليه – لم يكن له استرجاعه. نعم، لوخرج عن أن يكون من أهل الوجوب عليه والمدفوع إليهم عن أن يكونوا بصفة الاستحقاق] أو لم يخرجوا – فله الاسترجاع. ولو لم يخرج رب المال عن صفة من تجب عليه لكن خرج المدفوع إليهم عن صفة الاستحقاق – فله أن يسترجعها، وعليه صرفها في أهلها ومستحقيها فإن كانت باقية بحالها استرجعها بعينها، وهل يتعين عليه دفعها في الزكاة؟ فيه وحهان في "الحاوي". قال: وإن تسلف بمسألة الجميع فقد قيل: هو من ضمان الفقراء؛ لأن الحظ في تعجيلها لهم وفي القبض لمنفعتهم فكان الضمان عليهم كالمستعير، وهذا أصح في "الشامل" وغيرهن قال الرافعي: وإليه يميل كلام الأكثرين. وقيل: من ضمان أرباب الأموال؛ لانهم يملكون الدفع والمنع فقويت جنبتهم، وهذا أصح في "التتمة" و"العدة". وما ذكره الشيخ من إطلاق الخلاف، هو ما أورده الأصحاب، وهو ظاهر فيما إذا وقعت المسألتان معاً، واعتمد الإمام في الأخذ مجموعهما، وعليه ينطبق كلام الشيخ، أما إذا وقعت أحداهما بد الأخرى فقد يقال: ينبغي أن ينبني ذلك على خلاف حكاه افمام في باب الرهن والحميل فيما إذا كان عليه دين لشخصين وقد وكلا وكيلاً في قبضه منه، فقال من عليه الدين للوكيل: خذ هذا أو ادفعه إلى فلان – أحد الموكلين – فهل يكون هذا القول من الدافع عز لا للوكيل بالقبض عن حكم ذلك الموكل، وإن لم يصرح الوكيل بالقبول لما قال له ذلك، ويصير وكيلاً

стр. 2682

للمؤدي، أو لا يكون عزلاً عن التوكيل بالقبض وإن أقبل الوكيل بالدفع على اللفظ الذي حكيناه؛ لأن يد الوكيل ليست منتهى القبض، ومعنى قبضه: أن يوصله إلى موكله، فإذا قال من عليه الدين ادفع هذا إلى موكلك، لم يكن ما قاله مضاداً للقبض؟ فإن قلنا: إنه يكون عزلاً – وهو الأفقه عند الإمام- فيكون الضمان فيما نحن فيه على السائل الأخير؛ لأنه إن كان رب المال فقد نظر من عليه الدين، وإن كان الفقراء فنحن إنما جعلنا إذن الدافع عزلاً للمضادة، وهي ثابتة هنا أيضاً؛ فتكون مسألتهم [عزلاً للإمام] عن وكالة رب المال. وإن قلنا: لا يكون عزلاً فإن اعتمد الإمام في الأخذ على إحدى المسألتين؛ لكونه رأى الحظ فيها أظهر – كان الاعتبار بها، وكذا فيما لو وقعت المسألتان معاً. وإن اعتمد على المسألتين جاء الوجهان المذكوران في الكتاب، والله أعلم. وكثير ما يقال: إذا تسلف بمسألة الجميع لم لا يكون الضمان عليهما إحالة على المسألتين، كما أبداه بعض المتأخرين احتمالاً؟ وجوابه: أنا عند انفراده المسألة جعلناها من ضمان السائل؛ [لأن الإمام وكيله فتجعل يده [يده فكأنه تلف في يده، ويستحيل] عند اجتماع المسألتين أن تكون يده نائبة عن كل منهما في حال التلف على كل العين؛ فكذلك امتنعت إضافة الضمان إليهما والله أعلم. أما إذا تلف بعد تمام الحول والدافع ممن تجب عليه تلك الزكاة فقد سقطت الزكاة في الصور كلها، ويجيء في المسألة وجه [آخر] مماسنذكره في آخر الباب، وهل يضمنه الإمام؟ ينظر: إن فرط في الدفع إليهم ضمنه لهم من مال نفسه، وإلا فلا ضمان على أحد وليس من التفريط أن ينتظر انضمام غيره إليه؛ لقلته ولانشغاله بتعرف أحوالهم وقدر حاجتهم. نعم، منه [ما] إذا عرف ذلك مع كثرة المال ولم يفرقه، سواء طالبوه بذلك أو لا، وليس كالوكيل إذا لم يطالبه موكله بما في يده؛ فإنه لا يضمنه؛ لأن الموكل متعين، والمساكين غير متعينين؛ فله أن يحرم البعض دون

стр. 2683

البعض فلا معنى لطلبهم، فإذا لم يفعل علمنا أنه مفرط. ولو تسلف الإمام لأهل السهمان مالاً على ذممهم قرضاً ممن تجب عليه الزكاة، أو [ممن] لا زكاة عليه – فالأحوال أربعة أيضاً: إن كانوا أهل رشد، ولا مسألة ولا حاجة ضمنهن سواء دفعه إليهم وتلف في أيديهم، أو تلف في يده بتفريط [أو غير] تفريط. نعم، هل يرجع الإمام بالغرم على الأخذ منه؟ ينظر: إن دفعه إليهم متبرعاً فلا، وإن أقرضهم إياه فنعم؛ لأنه أقرضهم مال نفسه. وإن كان بهم حاجة فوجهان: أحدهما: أن الحكم كما لو تسلف بإذنهم، وخصه القاضي الحسين [وكذا] الفوراني بما إذا كانوا بحيث [لو] لم يستقرض لهم لهلكوا. وأصحهما: لا؛ فعلى هذا يكون الضمان عليه، فإن أقبضه لهم وتلف في يدهم كان عليهم وعليه، وهو طريق فيه. فإذا أخذ الزكوات، والمدفوع إليه بصفة الاستحقاق فله أن يقضيه منها، وله أن يحتسب ذلك من صدقة الدافع إن كان عليه صدقة. وإن لم يكن المدفوع إليه بصفة الاستحقاق بموت أو ردة أو يسار قضي ذلك من ماله ويرجع على المدفوع إليه إذا أمكن، ولا يجوز أن يقضي ذلك من أموال الزكاة. نعم، لو مات فقيراً ففي "تعليق" القاضي الحسين أن أصحابنا قالوا: لو حال الحول على واحد من المسلمين، ولم يحل [على سائر] المسلمين، فمات المقترض له بعد حول الحول على هذا الرجل، وقبل حول الحول على سائر المسلمين – يجوز للإمام أن يقضي دين ذلك الفقير من مال من حال عليه الحول في حياته. ثم قال: وهذا ... إنما يتصور إذا كانوا محصورين معدودين وقد حكى الإمام مثل هذا القول عن الشيخ أبي بكر – ﵁ – يعني ابن الحداد – فيما إذا حلت صدقة زيد، والمستقرض من المساكين الذين يحل لهم أخذ الصدقة لدينه، ثم

стр. 2684

استغنى بجهة أخرى، أو ارتد، فحلت صدقة عمرو – [أنه تصرف إلى دينه صدقة زيد، ولا تصرف إليه صدقة عمرو]. قال: وهذا ليس بشيء؛ فإنه مديون عليه دين لا يتعلق بزكاة زيد ولا عمرو؛ فينبغي أن يكون النظر إلى صفة حاله حالة الأخذ، سواء كان من صدقة زيد أو عمرو وإنما يتجه ما قاله إذا منعنا نقل الصدقة وانحصر المستحقون، ثم فرض التغاير بعد الاستحقاق. ولو كان الإمام قد تسلف بمسألتهم فهو وكيلهم في الإقراض والضمان؛ فالضمان عليهم [على أظهر الوجهين]، سواء تلف في يده أو في يدهم، لكن هل يكون طريقا ًللضمان؟ ينظر: إن علم المأخوذ منه ذلك فلا على أظهر لوجهين، وبه جزم وبه جزم القاضي الحسين، وهو المحكي في "الإبانة" عن القفال؛ بل يرجع عليهم فقط. ومقابله: أنه يكون طريقاً كالوكيل بالشراء؛ فإنه طريق في المطالبة بالثمن على ظاهر المذهب، كما ستعرفه في باب الوكالة. وإن ظن المأخوذ منه أنه يستقرض ذلك لنفسه، أو للمساكين ابتداء من غير مسألتهم، ولا حاجة بهم، فتلف في يده – كان الضمان عليه، صرح به الفوراني، ولا مطالبة [له] على المساكين. وإن تسلف بمسألة أرباب الأموال فلا ضمان على أحد، وإن تسلف بمسألة الجميع ففيه الوجهان. قال: وإن عجل شاة، أي: جارية في الحول، عن مائة وعشرين، ثم نتجت شاة، أي: منها، سَخْلَةً قبل الحول – ضم المخرج إلى ماله، ولزمه شاة أخرى؛ لأن المخرج كالباقي على ملكه؛ ولهذا لا ينقطع الحول بإخراجه من نصاب فقط، كما إذا ملك أربعين من الغنم، فأخرج منها شاة؛ فإن الحول لا ينقطع، ولولا أنها كالباقية على ملكه لانقطع، وإذا كان كالباقي على ملكه وجبت شاة أخرى كما لو لم يخرجها.

стр. 2685

فإن قيل: لا نسلم أنه إذا اخرج شاة من أربعين لا ينقطع الحول، وهو مذهب أبي حنيفة. قلنا: ذاك مذهبنا، وحجته: أنه – ﵇ – حين رخص للعباس لم يستفصل عن ماله: هل هو نصاب أو أكثر منه، ولأنا إنما جوزنا التعجيل إرفاقاً بأهل السهمان؛ فلا يجوز أن يصير سبباً لإسقاط حقوقهم. فإن قلت: إذا قدرت أن المخرج كالباقي على ملك المخرج فهل ملكه أهل السهمان؟ فإن قلت: ما ملكوهن فكيف ينفذ تصرفهم فيه؟ وإن قلت: ملكوه، فكيف تجعله باقياً على ملك المخرج؟ قلنا: إذا تم الحول على السلامة حكمنا بملك أهل السهمان من حين القبض، وجعله على ملكا لمخرج تقديراً؛ حتى يكون مجزئاً عن زكاته [و] يكمل به النصاب رفقاً بأهل السهمان، [والثاني: الحكم بكون الملك للمخرج حقيقة مع انتقاله لأهل السهمان]، وهذا ملخص ما حكي عن صاحب "التقريب"، وبه يندفع السؤال، على أن لقائل أن يقول ببقاء ملك رب المال حقيقة، وإن نفذنا تصرف أهل السهمان فيه، كما ذهب إلى مثله الشيخ أبو محمد [في] أن القيمة المأخوذة لأجل الحيلولة لا يملكها المغصوب منه وإن نفذنا تصرفه فيها، أما إذا تغير الحال فكلام الشيخ في "المهذب" وغيره الذي سنذكره عند هلاك الفقير قبلا لحول: أن الحكم فيه كذلك، وكلام الغزالي وطائفة يقتضي خلافه، وسنذكره إن شاء الله. والحكم فيما إذا عجل شاتين من مائتين، ثم نتجت شاة سخلة قبل الحول- كما تقدم؛ فيلزمه شاة أخرى. أما لو كانت المعجلة غير جارية في الحول؛ لكونه ابتاعها فأخرجها، أو كنات معلوفة- فلا يلزمه شيء آخر، صرح به الرافعي والقاضي الحسين.

стр. 2686

تنبيه: قوله: "ثم نتجت شاة سخلة"، [هو بضم النون وكسر التاء، و"شاة" مرفوع، و"سخلة" منصوب، ومعناه: ولدت شاة [سخلة]، والسخلة: بفتح السين المهملة، وإسكان الخاء المعجمة، وجمعها: سخالٌ – بكسر السين – وسخل، وهو من ولد الضأن والمعز: يطلق على الذكر والأنثى من حين يولد إلى أن يستكمل أربعة

стр. 2687

أشهر، فإذا بلغتها وفصلت عن أمها فأولاد المعز جفار الواحدة: جفرة، والذكر: جفر، فإذا رعى وقوي فهو عتود، وجمعه: عدان، وهو في ذلك جدي، والأنثى: عناق – بفتح العين – ما لم يأت الحولن وجمعها عنوق، فإذا أتى عليه حول فالذكر: تيس، والأنثى: عنز. قال – ﵀: وإن نقص النصاب قبل الحول، [أي] مثل أن كان أربعين من الغنم، وقد عجل منها شاة، وتلفت أخرى أو باعها، وكان لدين أنها زكاة معجلة – جاز له أن يسترجع؛ لأنه دفع ذلك على أنه عجل ما يجب عليه؛ فظهر أنه غير واجب فكان له استرداده؛ كما لو عجل أجرة دار فانهدمت قبل انقضاء المدة، وللمراوزة وجه آخر حكاه الشيخ أبو محمد: أنه لا يكفي التصريح بأنها معجلة في الاسترجاع بل لابد من التصريح بالرجوع عند طرآن ما يمنع الوجوب أو الإجزاء، كما إذا قال: هذه الدراهم عن زكاة مالي الغائب، وكان تالفاً؛ [فإنه] لا يسترجع إلا إذا شرطه بتقدير تلف الغائب. والذي أورده المعظم وهو الأصح: ما ذكره الشيخ، لما ذكرناه. قال الصيدلاني: وفي قوله: إنها معجلة، تعرض لشرط الرجوع إن عرض مانع؛ فهو كمسألة الغائب. وهذا غير واضح كما ينبغي. وقرب الإمام الوجهين في المسألة من القولين فيما إذا نوى الظهر قبل الزوال هل تنعقد صلاته نفلاً أم لا؟ ثم حيث قلنا: له الاسترجاع، نظر: فإن كان ما دفعه باقياً بحاله أخذه، وفيه احتمال يأتي [مأخذه]، والذي أورده الجمهور: الأول، قال الإمام: ولا حاجة عندي إلى نقض الملك والرجوع فيه، بل ينتقض الملك أو يبين [أن] الملك في أصله لم يحصل أو حصل ثم انتقض، وليس كالرجوع في الهبة؛ فإن الراجع بالخيار إن شاء

стр. 2688

أدام الملك المتهب، وإن شاء رجع وليس لملك القابض وجه إلا وقوع المقبوض عن جهة الزكاة، فإذا امتنع وقوعها زال الملك، ولو قدرنا وقوعها نقلاً إذا لم تقع فرضاً فموجب هذا: امتناع الرجوع والاسترداد، وتفريعنا على ثبوت الرجوع، وكذا يرجع فيما دفعه إن كان زائداً زيادة متصلة، وإن كانت الزيادة منفصلة وقد حصلت قبل السبب الموجب للرجوع رجع فيه دون الزيادة، على الأصح، ولم يورد العراقيون والماوردي غيره، وهو المحكي في "تعليق" القاضي الحسين عن النص. وحكى المراوزة وجهاً آخر: أنه يسترد الزيادة مع الأصل، وهو ما اقتضى إيراد "الوجيز" ترجيحه، وقال في "الوسيط": إن مأخذ الخلاف تردد الأداء بين وجود التمليك [وعدمه، أو هو] تمليك لا محالة، لكنه متردد بين الزكاة والقرض وهنا احتمالان ظاهران: فإن قلنا: إنه متردد بين التمليك وعدمه، فقد بان أنه لا تمليك؛ فيرد بزوائده. وإن رددناه بني القرض والزكاة التفت على أن القرض يملك بالقبض أو بالتصرف؟ وشرح هذا الكلام: أن الأداء هل هو يملك ملكاً موقوفاً [مراعّى]، فإن تم الحول مع سلامة الحال تبينا أن ملك [المعطي لم يزل، أو نقول: الأداء يملك] حين القبض، وإن تغير الحال فظهر أن الزكاة لم تقع موقعها تبينا أن ملك المعطي لم يزل، أو نقول: الأداء يملك لا محالة في الحال، لكن على أي وجهي ملك؟ الأمر فيه مرقوف مراعى: فإن تم الحول على السلامة تبينا أنه [ملك حين القبض، وإن تغير الحال فظهر أن الزكاة لم تقع موقعها تبينا أن] ملكه زكاة، وإن تغير الحال تبينا أنه ملكه فرداً، وهذان الاحتمالان حوم عليهما صاحب "التقريب"، ولم يصرح بهما الأصحاب. فإن قلنا بالاحتمال الأول أخذت الزيادة مع الأصل؛ لأنا تبينا حصولها على ملك رب المال، ولو كان الآخذ قد باع ما أخذه فقياسه أن يبين أن التصرف مردود

стр. 2689

منتقض، وبه صرح في "الوسيط". وإن قلنا بالثاني – وهو الذي صرح به القاضي الحسين والفوراني فقد بان أن الأداء مملك على جهة القرض، والقرض متى يحصل الملك فيه: [هل] بالقبض أو بالتصرف المزيل للملك؟ قال الإمام: فيه قولان: أصحهما: بالقبض؛ فعلى هذا يأخذ الأصل دون الزيادة إن رضي الآخذ بذلك، وإن لم يرض وبذل [بدل] العين [كان له كما في مثله في القرض، كذا قاله الإمام ومن تبعه، وهو جار فيما إذا لم تزد العين] ولم تنقص، وفيما إذا زادت زيادة متصلة من طريق الأولى. وقد حكى بضهم في القرض أن المقرض يأخذه إذا كان باقياً وإن قلنا: إن المستقرض قد ملكه بالقبض كما ستعرفه في موضعه – وصححه الجمهور، ولعل جوابهم ها هنا مفرع عليه، والله أعلم. والثاني: بالتصرف المزيل للملك؛ فعلى هذا يأخذ الأصل والزيادة إذ لا ملك، ولك أن تقول: سيأتي في باب القرض أن التصرف المملك للقرض ما هو فيه ثلاثة أوجه: أحدها [هذا]، والثاني: كل تصرف يتعلق بالرقبة، والثالث: كل تصرف [يستدعي الملك]، فعلى هذا والذي قبله ينبغي أن يلاحظ: هل صدر ذلك التصرف من القابض أو لا؟ فإن لم يحصل [ترد الزيادة]، وإلا فلا، وعلى ذلك خلص الغزالي بقوله: التفت، إلى أن القرض يملك بالقبض أم بالتصرف؛ وإن كان ناقصاً [نقصان] وصف كما قال الإمام أخذه، وهل يأخذ معه أرش النقص ممن لو تلف في يده ضمنه؟ فيه وجهان في الطريقين، أقيسهما في "الوسيط": أخذه، واختيار القفال: لا، وهو ما يقتضي كلام أبي الطيب ترجيحه، وصرح غيره بتصحيحه، وحكى عن ظاهر نصه في "الأم"، وبه جزم الماوردي؛ لأنه نقص حدث في ملكه فلا يضمنه، وإن كان يضمن كل العين لو تلفت، كالبائع إذا استرد المبيع، وقد نقص

стр. 2690

عند الإفلاس: ليس له الأرش، وكالمشتري إذا رد المبيع بعيب والثمن باق، لكنه حدث فيه عيب: ليس له إلا المعيب كما قال القفال، قال الإمام: وهذا مشكل؛ فإلزامه الرضا بالشيء، المعيب بعيد، وإنما الذي قاله الأصحاب: أنه لو وجد بالمبيع عيباً وتمكن من الرد، فرضي لا أرش له، وقد ذكرت شيئاً يتعلق بذلك في باب التحالف فليطلب منه. وبنى الفوراني والقاضي الحسين الوجهين على الخلاف السابق في أن القرض متى يملك؟ فإن قلنا: بالقبض، فلا يغرم، وقد قال الإمام في باب اختلاف المتبايعين: إن الشافعي – ﵀ – قال: يخرج الإمام [من المال العام] أرش النقص ويضمه إلى الشاة، ولا يكلف المسكين غرم العيب. وإن بعض الأصحاب ذهب إلى القول بظاهره، وإنه خيال لا أصل له، والوجه: حمل النص على الاستحباب عند اتساع المال. ثم هذا يجزئ في القيمة لو تلفت الشاة، أما إذا نقص المخرج جزءاً متميزاً كإحدى الشاتين، أخذ بدله بلا خلاف؛ وما هو؟ سيأتي الكلام فيه. ولو كان المخرج تالفاً بجملته استرجع بدله إما من الإمام أو من الفقراء، على ما تقدم، وللإمام أن يدفعه من أموال الزكاة إن بقي الآخذ بصفة [استحقاق الزكاة] عند آخر الحول، لكن ما هو البدل؟ ينظر: إن كان المخرج مثلياً فالمثل، وإن كان متقوماً كالشاة والبعير ونحوهما فهل هو المثل الصوري أو القيمة؟ فيه وجهان في "الحاوي" كما في القرض. قلت: وهذا منه نظر إلى أن الأداء يملك على جهة القرض كما تقدم، وعليه أشار إليهما الإمام في موضع من كتابه، ومقتضى الاحتمال الآخر – وهو أن الملك موقوف على ما يظهر آخراً – [أن يضمنه] بالقيمة جزماً، وهو ما أورده البندنيجي وغيره من غير بناء.

стр. 2691

ثم إذا أوجبنا القيمة فبأي وقت يعتبر؟ فيه أوجه: أحدها: قيمته وقت القبض، وهو ما حكاه القاضي أبو علي البندنيجي عن المذهب، وصححه الماوردي، وذلك مفرع على قولنا: إنه تملك ذلك قرضاً بالقبض. [والثاني:] قيمته يوم التلف كالعارية، وحكى البندنيجي عوضه قيمته يوم الاسترجاع، فإن صح [ذلك] كان ثالثاً. والرابع – حكاه القاضي الحسين -: أقصى القيم من يوم القبض إلى يوم التلف كالغاصب، وهذا ما حكاه مع الوجه الثاني؛ بناء على أنه لا يملك إلا بالإتلاف. وأبدى الإمام ضمان أقصى القيم وجهاً محتملاً لنفسه؛ بناء على أن ملك القابض موقوف، فإن تم الحول على السلامة تبينا أنه ملك حين قبض، وألا تبينا أنه لم يملكه، قال: فقد ذكرنا مثله في المستعير والمستام، لكنه بعيد في هذا المقام مع ثبوت ظاهر الملك [للقابض]. فروع: إذا أتلف المالك النصاب أو بعضه بعد التعجيل، فهل يكون الحكم ما لو تلف بنفسه حتى يسترجع؟ فيه وجهان [في الطريقين]، أصحهما: نعم، والثاني: لا؛ لأنه يريد نقض الأداء بقصد. قيل: وقضية هذا التعليل: ألا يجري هذا الوهج فيما

стр. 2692

إذا أتلفه إنفاقاً أو لحاجة؟ إذا عجل شاة من أربعين، ثم ماتت واحدة ونتجت واحدة: فإن كانت النتاج بد الموت فالحكم كما لو لم تنتج، وإن كان [النتاج] قبل الموت [أو] معه وقعت الزكاة موقعها، حكاه البندنيجي عن ابن سريج، وحكى القاضي أبو الطب عن الماسرجسي فيما إذا مات جميع الباقي بعد المعجلة، وقد أنتجت قدرها من السخال – وجهين: أحدهما: أن المخرج وقع موقعه. والثاني: لا. ويظهر أن يكون مأخذه مذهب الأنماطي، وإذا كان كذلك جرى في الصورة الأولى قطعاً إذا مات المعجل قبل الوجوب فهل يقع المعجل زكاة أم لا؟ إن قلنا: إن الوارث يبني على حول الموروث، فنعم، ويجزئ عن الوارث، فإن تعدد [الوارث] ثبت حكم الخلة بينهم إن كان المال ماشية أو غير ماشية، وقلنا بثبوت الخلطة فيه، وإن قلنا: لا تثبت، ونقص نصيب كل واحد عن النصاب – انقطع الحول،

стр. 2693

ولا تجب الزكاة على المشهور، وعن صاحب "التقريب" وجه آخر: أنهم يجعلون كالشخص الواحد وكأنهم عين المتوفى؛ فيستدام حكمه في حقهم. وإن قلنا: لا يبني الوارث على حول الموروث، فإذا حال الحول من حين ورث فهل يجزئ عن الوارث؟ حكى البندنيجي فيه وجهين: أحدهما: نعم؛ عملاً بظاهر نصه في "الأم"؛ فإنه نص على الإجزاء. والثاني: لا، وقال قائله: نصه في "الأم" جوابٌ على أن الوارث يبني. وعن الشيخ أبي حامد أنه قال: ما أشبه هذا بما قلناه في تقديم الصدقة عامين فأكثر، فمن قال بالمنصوص فيها –وهو قول أبي إسحاق – أنه يجوز عامين، قال هنا: [فالمنصوص] أنها تقع موقعها، ومن قال: لا يجوز تقديم صدقة عامين، قال هنا: لا تقع موقعها. وقد نسب الإمام الوجهين إلى تخريج صاحب "التقريب" من الأصل المذكور، وقال: إنه محتمل، ويجوز أن يقال: لا يقع المخرج عن الوارث، [وهو الظاهر]؛ فإن مالك جديد لا ينبني حوله على الحول الماضي، وليس كسنتين في حق مالك واحد. قال: وإن هلك الفقير، أو استغنى [من غير الزكاة] قبل الحول – لم يجزئه عن الفرض؛ لأنه تبين أنه لم يصرفه إلى المستحقين، وظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق [في ذلك] بين أن يفتقر بعد ذلك، ويدوم فقره إلى آخر الحول، أو يدوم غناه إلى آخر الحول، وهو وجه للأصحاب مقيس على ما إذا كان غنياً عند الدفع إليه [فقيراً آخر الحول؛ فإنه لا يجزئ بلا خلاف، لكن الأصح فيما إذا تخلل غناه، وكان عند آخر الحول] فقيراً: أنه يجزئه عن الفرض. وقد نظر القاضي الحسين الخلاف في المسألة بالخلاف في صورتين: أحداهما: إذا تخلل بين الرهن والإقباض جنون، هل يكون مبطلاً للعقد أم لا؟ وفيه وجهان.

стр. 2694

الثانية: إذا فاتته صلاة في السفر، فهل يجوز إذا قضاها في سفر آخر تخلل بينه وبين الأول حضر أن يقصر؟ وفيه وجهان: ولو كان غناه بالزكاة التي أخذها أجزأته عن الفرض وفاقاً؛ لأنه المقصود بالدفع إليه، وكذا لو هلك أو استغنى بعد الحول أجزأته وفاقاً، اللهم إلا أن يعجل بنت مخاض عن خمس وعشيرن من الإبل، فبلغت بالتوالد ستا ًوثلاثين قبل الحول؛ فلا يجزئه بنت المخاض المعجلة، وإن صارت بنت لبون في يد القابض، بل يستردها ويخرجها ثانياً، أو بنت لبون أخرى. وقال في "التهذيب" [من عند نفسه]: لو كان المخرج هالكاً، والنتاج لم يزد على أحد عشر كان مع المخرج ستاً وثلاثين – وجب ألا تجب بنت لبون؛ لأنا إنما نجعل المخرج كالقائم إذا كنا نحتسبه من الزكاة، وهاهنا لا يحتسب من الزكاة؛ فيصير كهلاك بعض المال قبل الحول. ولو وقع الشك [في موت] الفقير قبل الحول أو بعده؛ ففي الإجزاء وجهان في "الحاوي". قال: .............. ؛ لما تقدم، وفيه الوجه السابق في اشتراط التصريح بالرجوع أو الاسترجاع. ثم ظاهر كلام الشيخ: أن المعجل هو المسترجع، وكذا كلام القاضي أبي الطيب؛ فإنه قال كما قال الشيخ، وكلام القاضي الحسين الذي حكيناه من قبل مصرح به إذا كان الدفع من رب المال إلى الفقير، وهي صورة الكتاب، كما ستعرفه من بعد. ويوافق ذلك ما حكيناه فيما إذا تسلف الإمام الزكاة بمسألة أرباب الأموال وسلمها للفقراء، ثم خرجوا عن صفة الاستحقاق، وأن لرب المال استرجاعها، وإذا كان كذلك في صورة عجلها وكيله – وهو الإمام – فكذلك إذا عجلها هو من طريق الأولى، ويعود الكلام السابق في الفصل قبله، [في أنه] يسترجعها إن كانت باقية بحالها أو زائدة أو ناقصة، أو بدلها إن كانت تالفة، وما هو البدل - على نحو ما

стр. 2695

سبق، ويظهر أن يجيء الخلاف السابق في أنه هل يتعين عليه صرفها بعينها إذا استرجعها سالمة من العيب أم لا؟ وطرآن الردة قبل الحول كطرآن اليسار والموت قبله. أما إذا لم يبين أنها زكاة معجلة: فإن علم القابض أنها معجلة فالحكم كما لو بين، وإن لم يعلمه فلا استرجاع في هذه الأحوال، ولا في حالة نقص النصاب قبل الحول إذا كان رب المال هو الدافع بنفسه، كذا قاله العراقيون، وحكى عن نصه في "المختصر"، وأنه نص فيه [فيما] إذا كان الإمام هو الدافع: أنه يسترجع وإن لم يبين أنها زكاة معجلة، وبه قال العراقيون، واختلف المراوزة في النصين على طرق: إحداها: تقرير النصين كما صار إليه العراقيون، وهي أصحها، والفرق بين رب المال والإمام من وجهين: أحدهما: أن الإمام جعل حال الفقراء إلى اجتهاده؛ فربما احتاجوا فأعطاهم الزكاة الواجبة والزكاة المعجلة، فإذا استرجعها منهم لم يكن متهماً فيها، وليس كذلك رب المال، والظاهر: أن ما أعطاهم واجب أو تطوع؛ فتلحقه التهمة في استرجاعه. والثاني: أن الإمام إذا استرجع الزكاة فلا يسترجعها لنفسه [وإنما لغيره، وليس كذلك رب المال؛ فإنه يسترجع الزكاة لنفسه] فكان متهماً فيه. وفرق الرافعي بأن المالك يعطي من ماله الفرض والتطوع، فإذا لم يقع عن الفرض وقع عن التطوع، والإمام يقسم مال الغير فلا يعطي إلا الفرض؛ فكان مطلق دفعه كالمقيد بالفرض. والثانية: تخريج قول من كل صورة إلى الأخرى، وجعلهما على قولين. والثالثة: إلحاق الإمام برب المال في عدم الاسترجاع عند عدم الاشتراط؛ لأن الإمام يتصدق بمال نفسه كما يفرق مال الغير، وبتقدير ألا يقسم إلا الفرض، لكنه قد يكون معجلاً، وقد يكون في وقته، وهؤلاء حملوا نصه فيه على ما إذا وقع بغرض التعجيل.

стр. 2696

قال الرافعي: وهذا الطريق هو الذي أورده الجامعون لطريقة القفال واختياراته، وصححها في "الإبانة"، وذكر في "الشامل" أن الشيخ أبا حامد حكاها أيضاً، والأظهر: أنه لا يثبت الرجوع سواء أثبتنا الخلاف أو لا، وهو فيما إذا دفع بنفسه أولى وأظهر. والطرق المذكورة باتفاق ناقليها جارية فيما إذا دفع وهو ساكت، أما إذا قال حالة الدفع: هذه زكاتي أو صدقتي، كان بمثابة ما لو ذكر التعجيل، ومنهم من قال: الحكم كما لو دفع وسكت، وعليها جرى القاضي أبو الطيب وغيره من العراقيين. وقد سلك القاضي الحسين في حكاية الطرق مسلكاً آخر فقال: إذا دفع الزكاة ولم يقل: هذه عن زكاتي المعجلة، فلا خلاف أنه لا يرجع، فأما إذا قال: هذه عن زكاتي المعجلة، فقد نص الشافعي ﵀ في رب المال في "المختصر": أنه لا يرجع. وقال في الإمام في ["المختصر": إن له أن يسترجع]. واختلف أصحابنا في ذلك على ثلاث طرق:

стр. 2697

منهم من جعل المسألة على قولين. ومنهم من قال: المسألة على اختلاف الحالين: حيث قال له الرجوع، إذا شرط الرجوع، وحيث قال: ليس له الرجوع، إذا لم [يشرط الرجوع]. ومنهم من أجراهما على ظاهرهما، وفرق بما ذكرناه. ثم حيث قلنا بأن له الاسترجاع وإن لم يبين أنها [زكاة] معجلة، ولا علمه القابض – فمهام قال الدافع: قصدت التعجيل، ونازعه القابض، فالقول قول الدافع مع اليمين، فإنه أعرف بنيته، ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهته. وإن قلنا: لابد من التصريح [بأنها معجلة ويكفي، أو لا بد مع ذلك من التصريح] باشتراط الرجوع عند تغير الحال، واختلف الدافع والقابض في ذكر ذلك – فمن القول قوله؟ فيه وجهان في "الحاوي" وغيره: أحدهما: أن القول قول المؤدي؛ كما لو دفع ثوباً إلى غيره فقال: هو عارية، وقال الآخر: [هو] هبة – فإن القول قول الدافع، وهذا ما حكاه القاضي الحسين. والثاني – وهو الأظهر، ولم يورد البندنيجي وصاحب "العدة" غيره -: أن القول قول القابض؛ لأن الأصل عدم الاشتراط وذكر التعجيل، والغالب أن الأداء في الوقت، ولأنهما اتفقا على انتقال الملك والأصل استمراره. والخلاف جار فيما لو تنازع الإمام والقابض، وقلنا: إن الإمام كالمالك، كما أشار إليه في "التهذيب". ثم على القول بأن القول قول القابض، فهل للدافع تحليفه فيما إذا كان الدافع قد قال حال الدفع: هذه زكاتي؟ فيه وجهان جاريان فيما لو وقع النزاع بين الدافع وورثة القابض كما قال الماوردي، وقال أبو الطيب: إنهما مبنيان على ما إذا أقر عند الحاكم بأني اشتريت من هذا شيئاً وأقبضته به رهناً ثم رجع فقال: أحلفه إنه قبض الرهن- فهل له تحليفه؟ فيه وجهان. تنبيه: قول الشيخ –﵀ – "لم يجزئه عن الفرض"، مقتض لإيجاب إخراج

стр. 2698

الفرض ثانياً، سواء استرجع أو لم يسترجع، وعبارته في "المهذب" أصرح في هذا المعنى؛ فإنه قال: إذا مات الفقير أو ارتد قبل الحول لم يجزئه المدفوع عن الزكاة، وعليه أن يخرج الزكاة ثانياً، وهل يسترجع؟ وساق الكلام، ولا شك في أن الحكم كذلك إذا بقي المال بعدما عجل منه نصاباً، أما إذا لم يبق فينظر: فإن كان في صورة [لا] يثبت له فيها الاسترجاع [فقد قال الأصحاب: إنه لا يجب عليه شيء، وإن كان في صورة يثبت له فيها الاسترجاع] واسترجع – نظر: فإن كان المسترجع عين المدفوع وهو ذهب أو فضة، وإذا ضمه إلى ما عنده بلغ النصاب – وجبت فيه الزكاة؛ لأنه قبل أن يموت الفقير كان كالباقي على حكم ملكه، ولما مات صار كالدين في ذمته، والذهب والفضة إذا صارا ديناً لم ينقطع الحول فيه؛ فضمه إلى ما عنده وزكاه [كذا] قاله في "المهذب". وإن كان الذي عجله شاة؛ ففيه وجهان: أحدهما: يضمه إلى ما عنده كما لو كان ذهباً أو فضة، وهذا ما ادعى البندنيجي [أنه المذهب]، موجهاً له بأن الشاة وإن ملكها الفقير فهي في حكم ملك رب المال. والثاني: لا؛ لأنه لما مات صار كالدين، والحيوان إذا صار ديناً لم تجب فيه الزكاة، بخلاف الذهب والفضة. ويأتي فيما إذا كان ذهباً أو فضة وجه: أنه لا يضم؛ بناء على أن الدين لا زكاة فيه؛ ولأجل ذلك حكى الإمام عن العراقيين في مجموع المسألتين ثلاثة أوجه أشار إليهما البندنيجي، ثالثها: الفرق بين الماشية وغيرها؛ لما ذكرناه؛ قال: وهذا خبط لا صدور له عن معرفة القواعد، [ولعلم صوَّروه] فيما إذا كان القابض أتلف

стр. 2699

الشاة، فإن كان كذلك فلا معنى لترديد القول في ذلك فن المواشي إذا كانت ديوناً لا تجب الزكاة فيها قطعاً. وبنى صاحب "التقريب" ذلك في الماشية على الاحتمالين السابقين، فقال: إن قلنا بالثاني وهو أن الفقير قد ملك حين القبض لا محالة، والزوائد له – فلا تجب هاهنا زكاة ما مضى، بل يستأنف الحول من حين العود؛ فإنا تقدر زوال الملك عنها ثم العود عند الاسترداد. وإن قلنا [بالاحتمال] الأول- وهو أن الملك موقوف على ما تبين – فقد بان أن الملك لم يزل؛ فإذا رجعت الشاة بعينها وجبت الزكاة، قال الإمام: وهذا هو الوجه مع الالتفات في تلك الشاة التي يتسلط القابض على التصرف فيها، [على] المال المغصوب والمحجور، وهو الذي أورده العراقيون. قلت: وينبغي أن يلتفت على القولين في المغصوب – أيضاً – إذا لم يثبت له الاسترجاع، حيث دفع ولم يبين أنها زكاة مجلة ولا صدقة القابض في نية التعجيل، وكان الحيوان المعجل باقياً؛ لأنه بزعمه ملكه [ومن] هو في يده غاصب غير آثم. فإن قلنا: إن الزكاة لا تجب في المغصوب فالأمر كما قاله الأصحاب، [وإن قلنا: تجب فيه لكن لا يجب الإخراج إلا بعد العود، فيخرج هاهنا الزكاة عما في يده بالحصة، إذا قلنا: إنه لو استرجع أخرج زكاة الجميع، كما قاله الأصحاب] فيما إذا غصب بعض النصاب، وتم الحول قبل الاسترجاع، والله أعلم. وإن كان المسترجع بدل المدفوع؛ لكونه تالفاً: فإن كان دراهم أو دنانير عن دراهم أو دنانير، قال الماوردي: فالحكم كما لو استرجع عين المدفوع وهو دراهم أو دنانير. وإن كان دراهم أو دنانير قيمة عن شاة مثلاً إذا قلنا: إن الواجب عند تلفها رد القيمة، استأنف الحول، وهو ما حكاه البندنيجي، [و] عن القاضي ابن كج، عن أبي إسحاق: إقامة القيمة مقام العين هاهنا؛ مراعاة لجانب المساكين.

стр. 2700

وإن كان البدل شاة عن شاة؛ تفريعاً على قولنا: إن الواجب المثل الصوري - قال الماوردي: فيستأنف الحول أيضاً. وجريان وجه أبي إسحاق فيه من طريق الأولى. وهذا إذا كان رب المال هو الدافع للفقراء بنفسه، فلو وقع التعجيل للإمام بمسألة الفقراء فقد تقدم أن المسترجع عند تغير حال القابض وبقاء رب المال [بصفة الوجوب: هو الإمام دون رب المال]، وأنه يصرف المسترجع لمستحقه، ولا يأخذ عند تلف المدفوع في يد القابض إلا مثله، سواء كان من ذوات الأمثال أو من ذوات القيم. وفي "الرافعي" أنه إذا استرجع عين المعجل هل يصرفه إلى المستحقين دون إذن جديد من رب المال؟ فيه وجهان في "التتمة"، أظهرهما - وهو المذكور في "التهذيب" - له ذلك. وإذا أخذ القيمة عند تلفه فهل يجوز صرفها إلى المستحقين؟ فيه وجهان؛ لأن دفع القيمة لا يجزئ، فإن جوزناه - وهو الأظهر- فهل يحتاج إلى إذن جديد؟ فيه وجهان، وهذا تصريح بضمان المأخوذ بالقيمة إذا كان من ذوات القيم في هذه الحالة أيضاً. والله أعلم بالصواب. قال الشيخ ﵀ ومن وجبت عليه الزكاة في الأموال الباطنة، وهي [من] الناض وعروض التجارة والركاز - جاز له أن يفرق ذلك بنفسه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] فجعل كلا الأمرين مخيراً فيه؛ ولأنه مال مخرج على وجه الطهرة؛ فجاز أن ينفرد أربابه بإخراجه كالكفارات، وقد ادعى المحاملي الإجماع في ذلك، وعبارة الماوردي أن ذلك قول الجمهور. قال: وبوكيله؛ لأنه حق مالي؛ فجاز أن يوكل في أدائه كديون الآدميين، وقد رأيت في "تعليق" القاضي أبي الطيب في [باب] دخول مكة عند الكلام في إحرام الولي عن الصبي: أن زكاة الفطر لا تدخلها النيابة في إخراجها مع القدرة على تعاطي الإخراج بنفسه.
следующие страницы →