← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

قال الرافعي: وهذا الطريق هو الذي أورده الجامعون لطريقة القفال واختياراته، وصححها في "الإبانة"، وذكر في "الشامل" أن الشيخ أبا حامد حكاها أيضاً، والأظهر: أنه لا يثبت الرجوع سواء أثبتنا الخلاف أو لا، وهو فيما إذا دفع بنفسه أولى وأظهر. والطرق المذكورة باتفاق ناقليها جارية فيما إذا دفع وهو ساكت، أما إذا قال حالة الدفع: هذه زكاتي أو صدقتي، كان بمثابة ما لو ذكر التعجيل، ومنهم من قال: الحكم كما لو دفع وسكت، وعليها جرى القاضي أبو الطيب وغيره من العراقيين. وقد سلك القاضي الحسين في حكاية الطرق مسلكاً آخر فقال: إذا دفع الزكاة ولم يقل: هذه عن زكاتي المعجلة، فلا خلاف أنه لا يرجع، فأما إذا قال: هذه عن زكاتي المعجلة، فقد نص الشافعي ﵀ في رب المال في "المختصر": أنه لا يرجع. وقال في الإمام في ["المختصر": إن له أن يسترجع]. واختلف أصحابنا في ذلك على ثلاث طرق:

стр. 2697

منهم من جعل المسألة على قولين. ومنهم من قال: المسألة على اختلاف الحالين: حيث قال له الرجوع، إذا شرط الرجوع، وحيث قال: ليس له الرجوع، إذا لم [يشرط الرجوع]. ومنهم من أجراهما على ظاهرهما، وفرق بما ذكرناه. ثم حيث قلنا بأن له الاسترجاع وإن لم يبين أنها [زكاة] معجلة، ولا علمه القابض – فمهام قال الدافع: قصدت التعجيل، ونازعه القابض، فالقول قول الدافع مع اليمين، فإنه أعرف بنيته، ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهته. وإن قلنا: لابد من التصريح [بأنها معجلة ويكفي، أو لا بد مع ذلك من التصريح] باشتراط الرجوع عند تغير الحال، واختلف الدافع والقابض في ذكر ذلك – فمن القول قوله؟ فيه وجهان في "الحاوي" وغيره: أحدهما: أن القول قول المؤدي؛ كما لو دفع ثوباً إلى غيره فقال: هو عارية، وقال الآخر: [هو] هبة – فإن القول قول الدافع، وهذا ما حكاه القاضي الحسين. والثاني – وهو الأظهر، ولم يورد البندنيجي وصاحب "العدة" غيره -: أن القول قول القابض؛ لأن الأصل عدم الاشتراط وذكر التعجيل، والغالب أن الأداء في الوقت، ولأنهما اتفقا على انتقال الملك والأصل استمراره. والخلاف جار فيما لو تنازع الإمام والقابض، وقلنا: إن الإمام كالمالك، كما أشار إليه في "التهذيب". ثم على القول بأن القول قول القابض، فهل للدافع تحليفه فيما إذا كان الدافع قد قال حال الدفع: هذه زكاتي؟ فيه وجهان جاريان فيما لو وقع النزاع بين الدافع وورثة القابض كما قال الماوردي، وقال أبو الطيب: إنهما مبنيان على ما إذا أقر عند الحاكم بأني اشتريت من هذا شيئاً وأقبضته به رهناً ثم رجع فقال: أحلفه إنه قبض الرهن- فهل له تحليفه؟ فيه وجهان. تنبيه: قول الشيخ –﵀ – "لم يجزئه عن الفرض"، مقتض لإيجاب إخراج

стр. 2698

الفرض ثانياً، سواء استرجع أو لم يسترجع، وعبارته في "المهذب" أصرح في هذا المعنى؛ فإنه قال: إذا مات الفقير أو ارتد قبل الحول لم يجزئه المدفوع عن الزكاة، وعليه أن يخرج الزكاة ثانياً، وهل يسترجع؟ وساق الكلام، ولا شك في أن الحكم كذلك إذا بقي المال بعدما عجل منه نصاباً، أما إذا لم يبق فينظر: فإن كان في صورة [لا] يثبت له فيها الاسترجاع [فقد قال الأصحاب: إنه لا يجب عليه شيء، وإن كان في صورة يثبت له فيها الاسترجاع] واسترجع – نظر: فإن كان المسترجع عين المدفوع وهو ذهب أو فضة، وإذا ضمه إلى ما عنده بلغ النصاب – وجبت فيه الزكاة؛ لأنه قبل أن يموت الفقير كان كالباقي على حكم ملكه، ولما مات صار كالدين في ذمته، والذهب والفضة إذا صارا ديناً لم ينقطع الحول فيه؛ فضمه إلى ما عنده وزكاه [كذا] قاله في "المهذب". وإن كان الذي عجله شاة؛ ففيه وجهان: أحدهما: يضمه إلى ما عنده كما لو كان ذهباً أو فضة، وهذا ما ادعى البندنيجي [أنه المذهب]، موجهاً له بأن الشاة وإن ملكها الفقير فهي في حكم ملك رب المال. والثاني: لا؛ لأنه لما مات صار كالدين، والحيوان إذا صار ديناً لم تجب فيه الزكاة، بخلاف الذهب والفضة. ويأتي فيما إذا كان ذهباً أو فضة وجه: أنه لا يضم؛ بناء على أن الدين لا زكاة فيه؛ ولأجل ذلك حكى الإمام عن العراقيين في مجموع المسألتين ثلاثة أوجه أشار إليهما البندنيجي، ثالثها: الفرق بين الماشية وغيرها؛ لما ذكرناه؛ قال: وهذا خبط لا صدور له عن معرفة القواعد، [ولعلم صوَّروه] فيما إذا كان القابض أتلف

стр. 2699

الشاة، فإن كان كذلك فلا معنى لترديد القول في ذلك فن المواشي إذا كانت ديوناً لا تجب الزكاة فيها قطعاً. وبنى صاحب "التقريب" ذلك في الماشية على الاحتمالين السابقين، فقال: إن قلنا بالثاني وهو أن الفقير قد ملك حين القبض لا محالة، والزوائد له – فلا تجب هاهنا زكاة ما مضى، بل يستأنف الحول من حين العود؛ فإنا تقدر زوال الملك عنها ثم العود عند الاسترداد. وإن قلنا [بالاحتمال] الأول- وهو أن الملك موقوف على ما تبين – فقد بان أن الملك لم يزل؛ فإذا رجعت الشاة بعينها وجبت الزكاة، قال الإمام: وهذا هو الوجه مع الالتفات في تلك الشاة التي يتسلط القابض على التصرف فيها، [على] المال المغصوب والمحجور، وهو الذي أورده العراقيون. قلت: وينبغي أن يلتفت على القولين في المغصوب – أيضاً – إذا لم يثبت له الاسترجاع، حيث دفع ولم يبين أنها زكاة مجلة ولا صدقة القابض في نية التعجيل، وكان الحيوان المعجل باقياً؛ لأنه بزعمه ملكه [ومن] هو في يده غاصب غير آثم. فإن قلنا: إن الزكاة لا تجب في المغصوب فالأمر كما قاله الأصحاب، [وإن قلنا: تجب فيه لكن لا يجب الإخراج إلا بعد العود، فيخرج هاهنا الزكاة عما في يده بالحصة، إذا قلنا: إنه لو استرجع أخرج زكاة الجميع، كما قاله الأصحاب] فيما إذا غصب بعض النصاب، وتم الحول قبل الاسترجاع، والله أعلم. وإن كان المسترجع بدل المدفوع؛ لكونه تالفاً: فإن كان دراهم أو دنانير عن دراهم أو دنانير، قال الماوردي: فالحكم كما لو استرجع عين المدفوع وهو دراهم أو دنانير. وإن كان دراهم أو دنانير قيمة عن شاة مثلاً إذا قلنا: إن الواجب عند تلفها رد القيمة، استأنف الحول، وهو ما حكاه البندنيجي، [و] عن القاضي ابن كج، عن أبي إسحاق: إقامة القيمة مقام العين هاهنا؛ مراعاة لجانب المساكين.

стр. 2700

وإن كان البدل شاة عن شاة؛ تفريعاً على قولنا: إن الواجب المثل الصوري - قال الماوردي: فيستأنف الحول أيضاً. وجريان وجه أبي إسحاق فيه من طريق الأولى. وهذا إذا كان رب المال هو الدافع للفقراء بنفسه، فلو وقع التعجيل للإمام بمسألة الفقراء فقد تقدم أن المسترجع عند تغير حال القابض وبقاء رب المال [بصفة الوجوب: هو الإمام دون رب المال]، وأنه يصرف المسترجع لمستحقه، ولا يأخذ عند تلف المدفوع في يد القابض إلا مثله، سواء كان من ذوات الأمثال أو من ذوات القيم. وفي "الرافعي" أنه إذا استرجع عين المعجل هل يصرفه إلى المستحقين دون إذن جديد من رب المال؟ فيه وجهان في "التتمة"، أظهرهما - وهو المذكور في "التهذيب" - له ذلك. وإذا أخذ القيمة عند تلفه فهل يجوز صرفها إلى المستحقين؟ فيه وجهان؛ لأن دفع القيمة لا يجزئ، فإن جوزناه - وهو الأظهر- فهل يحتاج إلى إذن جديد؟ فيه وجهان، وهذا تصريح بضمان المأخوذ بالقيمة إذا كان من ذوات القيم في هذه الحالة أيضاً. والله أعلم بالصواب. قال الشيخ ﵀ ومن وجبت عليه الزكاة في الأموال الباطنة، وهي [من] الناض وعروض التجارة والركاز - جاز له أن يفرق ذلك بنفسه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] فجعل كلا الأمرين مخيراً فيه؛ ولأنه مال مخرج على وجه الطهرة؛ فجاز أن ينفرد أربابه بإخراجه كالكفارات، وقد ادعى المحاملي الإجماع في ذلك، وعبارة الماوردي أن ذلك قول الجمهور. قال: وبوكيله؛ لأنه حق مالي؛ فجاز أن يوكل في أدائه كديون الآدميين، وقد رأيت في "تعليق" القاضي أبي الطيب في [باب] دخول مكة عند الكلام في إحرام الولي عن الصبي: أن زكاة الفطر لا تدخلها النيابة في إخراجها مع القدرة على تعاطي الإخراج بنفسه.

стр. 2701

ولا فرق في الوكيل بين أن يكون مسلماً بالغاً، أو كافراً صبياً، كما صرح به القاضي الحين في باب النية في الزكاة، وقال أيضاً: إنه يجوز أن يوكل فيها من لا يعرف أن ما يصرفه [زكاة. وفي "البحر"] عن رواية والده وجه: أنه لا يجوز أن يوكل الصبي؛ لأنه غير مكلف فكان كالمجنون. قال: ويجوز أن يدفع إلى الإمام؛ لأنه نائب عن المستحقين فجاز الدفع إليه كولي اليتيم. نعم، هل للإمام المطالبة بها بأن يقول له: إما أن تدفع بنفسك أو تدفع إليّ حتى أوصل؟ قال الرافعي: فيه وجهان في بعض الشروح، ويجريان في المطالبة بالنذور والكفارات. وفيه نظر؛ لأن أداء الزكاة على الفور، والنذور والكفارات لا يجب الوفاء بها على الفور، [كما حكاه ابن التلمساني هنا؛ فكيف يسوي بينهما؟! نعم، إن فرض الكلام في الكفارات التي تجب على الفور] على أحد الوجهين، وهي التي سببها محظور – كما قال في "الوسيط" في كتاب الحج والنذور الذي صرح فيها بالفورية – اتجه الإلحاق، ثم هذا الكلام من الرافعي يقتضي فرض الخلاف في الزكاة في حالة امتناع رب المال من الدفع، والمتولي ذكر الوجهين في حق من علم الإمام أنه يخرج الزكاة. فأحدهما: أنه ليس له مطالبته؛ كما إذا علم أنه يصلي لا يتعرض له. والثاني: يطالبه إذا أدى اجتهاده إلى ذلك لا بطريق الولاية، ولكن نيابة عن الفقراء، وحثاً على الخروج عن حقوقهم، وله في حالة الامتناع المطالبة قولاً واحداً، وقد تقدم في أول الباب.

стр. 2702

قال: وفي الأفضل ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يفرق بنفسه؛ لأنه على ثقة من أدائه، وليس على ثقة من أداء غيره، وهذا ظاهر نصه في "المختصر" حيث قال: وأحب أن يتولى الرجل قسمتها بنفسه؛ ليكون على يقين من أدائها. ولم يحك الماوردي في قسم الصدقات غيره. والثاني: أن يدفع إلى الإمام، أي وإن كان جائراً؛ لما روى أبو داود عن جرير بن عبد الله قال: جاء ناس – يعني من الأعراب – إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إن ناساً من المصدِّقين يأتوننا فيظلموننا، [فقال: "أرضوا مصدِّقيكم"، قالوا: يا رسول الله، وإن ظلمونا؟! قال: "أرضوا مصدِّقيكم"]، وزاد عثمان – وهو ابن أبي شيبة -: "وإن ظلمتم"، وأخرجه مسلم [ولم يذكر فيه]: "وإن ظلمتم". و [أثر] ابن عمر وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص والمغيرة بن شعبة موافق له، [وهذا قول أبي علي] بن أبي هريرة، وتمسك فيه من جهة المعنى: بأن الإمام أعرف بمصارفها منه، ودفعها إليه تنزيه ظاهراً وباطناً، ودفعها إلى من ظاهره الفقر يحتمل أن يكون من الباطن غنيًّا؛ فلا تقع موقعها، ولأن آحاد الناس إذا تولوا تفرقة زكواتهم لم تبسط الزكوات على المستحقين، وإذا جمع الإمام الزكوات تَأَتِّي منه

стр. 2703

بسطها، والزكاة وظيفة كلية أعدت للحاجات العامة حتى كأنها في السنة تحل محل النفقات الدَّارَّة يوماً يوماً من آحاد الناس على الذين يعولونهم؛ فكان الدفع إلى الإمام أفضل [لهذا المعنى]. والقائلون بهذا حملوا قول الشافعي – ﵀ – على أنه أراد: أولى من الوكيل، وهو مما لا خلاف فيه. والساعي في هذا المقام كالإمام، ولو اجتمع الإمام والساعي كان الدفع إلى الإمام أولى، قاله الماوردي. والثالث: إن كان الإمام عادلاً فالأفضل أن يدفع إليه؛ لتحصيل المصلحة المذكورة، مع أنه على ثقة من أدائه، وإن كان جائراً فالأفضل أن يفرق بنفسه؛ لأنه ليس على يقين من أدائه؛ فلا تحصل المصلحة المذكورة، وهذا ما صححه النواوي، وادعى البندنيجي أنه المذهب، ولم يحك في "التتمة" [في الجائر] غيره. وهذا الكلام من الشيخ وغيره من العراقيين دالٌّ على أن الإمام لا ينعزل بالجور، وهو ما ادعى القاضي الحسين في قسم الصدقات أنه المذهب الصحيح، وهو مخالف لما ذكره الشيخ وغيره في باب [أدب] السلطان؛ حيث قال: وإن زال شيء من ذلك بعد التولية بطلت ولايته. وهو الذي ذكره البندنيجي قبل باب صدقة الخلطاء، وعليه جرى الماوردي فقال: إذا كان الإمام جائراً لا يجوز الدفع إليه، فإن دفع لم يبرأ. كذا قاله في قسم الصدقات، وحكاه الحناطي [وجها]. قال: وفي الأموال الظاهرة وهي المواشي، والزروع، والثمار، والمعادن –قولان: أصحهما: أن له أن يفرق بنفسه؛ [لأنها زكاة واجبة على من يجوز له التصرف في ماله؛ فجاز له أن يفرقها بنفسه] كزكاة الأموال الباطنة، وإنما عدلت إلى القياس ولم أستدل بالآية؛ لأنها تقتضي [أن] الإخفاء خير، وذلك إنما يكون [أفضل] في الأموال الباطنة، أما في الأموال الظاهرة فقد قال الأصحاب – كما قال

стр. 2704

الماوردي -: إن إظهارها أفضل، والأفضل إذا كان المخرج هو الإمام الإظهار في الظاهرة والباطنة، وهذا ما مال إليه كلام الشافعي في الجديد. ومقابله – قاله في القديم-: أنه يجب الدفع إلى الإمام أو نائبه فيها؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٣]، فإن ظاهره الوجوب، وإذا دلت على [أن] الإمام يجب عليه الأخذ دلت على أن على أرباب الأموال الدفع، وقال – ﵇ – لمعاذ: "أعلمهم أنَّ عليهم صدقةً تؤخذ من أغنيائهم فتردُّ على فقرائهم"، وقد ثبت أن النبي ﷺ وأبا بكر عمر كانوا يبعثون السُّعاة ليأخذوا أموال الزكاة، ولأنه مالٌ للإمام ولاية المطالبة به؛ فوجب صرفه إليه كالخراج والجزية. وقد وجه الإمام هذا القول بالمعنى الذي ذكرناه آخراً في توجيه الوجه بأن الدفع إلى الإمام أفضل، وفرق بنيه وبين المال الباطن – وإن كانت العلة تقتضي التسوية – بأن للناس أغراضاً في إخفاء الأموال لا تنكر فلا يفوت عليهم هذا الغرض، وما يظهر من الأموال لا يمكن إخفاؤه. وأجاب القائلون الأول عن الآية بأن معناها: خذ إذا دفعوا، أو هو على الاستحباب. وعن خبر معاذ: بأن ذلك كان في ابتداء الإسلام؛ حيث لم يكونوا يعرفون مصارف الصدقات، ولما عرفوا وجوه مصارفها جاز لهم أن يتوَّلوها بأنفسهم، أو يحمل على الاستحباب. وبعث النبي صلى الله ليه وسلم ومن بعده السعاة ليعرفوا أرباب الأموال ما يجب عليهم، ويقبلوه منهم إذا دفعوه إليهم؛ إذ هو الأفضل كما ستعرفه. وأما قولهم: إن للإمام ولاية المطالبة به، فلا نسلمه؛ لأن بعض أصحابنا قال: ليس له المطالبة بالزكوات، قال القاضي أبو الطيب: أنا أقول: إن له المطالبة بها وهو المذهب الصحيح، لكن الفرق بين الزكاة، والخراج والجزية: أن لاجتهاد الإمام مدخلاً فيهما؛ فلذلك تعين لقبضهما، ولا كذلك الزكاة؛ فإنه لا مدخل له في مصارفها، وعلى هذا فإذا طلبها الإمام وجب الدفع إليه؛ لأنه إنما يطالب بما يؤدي

стр. 2705

إليه اجتهاده، وليس لأحد اجتهاد مع اجتهاد الإمام، قاله القاضي أبو الطيب. وقال الإمام: إن من لطيف [الكلام في] المذهب: أن الشافعي – ﵀ منع [من] نقل الصدقة في قول إليه ميله في الجديد، وأجاز نقلها في قول [فكان منع النقل مفضياً إلى قريب من قصد التعميم؛ فإن أهل كل بلدة إذا فرق الأغنياء] منهم صدقاتهم على المحاويج، قرب الغرض في الانبساط [على أهل الحاجات]،ويكون ذلك خلفاً عما [يفوت] من النظر العام الصادر عن الإمام، غير أن أحداً من الأصحاب لم يربط أحد الحكمين بالثاني، ولم يقل: إذا لمي جب الدفع إلى الإمام منعنا النقل، بل أجروا القولين، وإن حكمنا بأنه لا يجب دفع الصدقات إلى الأئمة. وقال في باب زكاة الغنم: إنما إذا قلنا بمنع نقل الصدقة، ورأينا رد اليمين على أهل السُّهمان عند نكول رب المال عن الحلف وقد توجه عليه فقد نزلناهم منزلة مستحقين متعيّنين، وقياس هذا: أن يقطع طلبة السلطان عنه، ويكون الأمر موقوفاً على دعواهم ورفعهم ربَّ المال إلى السلطان: [فإن سكتوا وهم] أهل رشد لا يولي عليهم، فلا يبقى للسلطان في هذا تصرف وسلطنة على سبيل الابتداء؛ فإن سلطانه يثبت حين يكون رأيه متعيناً في الصرف إلى من رأى. [ثم] قال: وينقدح فيه شيء، وهو أن المستحقين وإن كانوا محصورين فلرب المال ألا يسوي بين الفقراء وهم مثلاً ثلاثة، بل يفضل بعضهم على بعض؛ فيجوز أن يقال على قولنا بوجوب تسليم الزكاة إلى السلطان: يتعلق برأي الوالي أن يزيد وينقص وإن كان لا يحرم، وقد سمعت شيخي يقول: إذا منعنا النقل، وانحصر الفقراء، وزادوا [على]

стр. 2706

ثلاثة – فيجوز صرف الحصة إليهم، ويجب التسوية بينهم، وإنما يجوز الاقتصار على الثلاثة، [وتجوز المفاضلة عند خروجهم عن الضبط الممكن؛ فإن سبب الاقتصار على الثلاثة،] أنهم أقل الجمع، ولا عدد أولى من عدد بعد ذلك، وسبب المفاضلة: أن كل من أعطي أقل، فلو حرم لأمكن حرمانه بإقامة [غيره مقامه]، فأما إذا انحصروا وامتنع النقل وتيسر الاستغراق، فالوجه وجوب الصرف إليهم [مع] رعاية التسوية. قال: والذي قاله حسن منقاس. ولا فرق في جريان القولين عند الجمهور بين أن يكون الإمام عادلاً أو جائراً كما قالوا في الأموال الباطنة، ونقل عن اختيار القفال، وحكى الفوراني والقاضي الحسين في كتاب الزكاة وجهاً أنه لايجوز الدفع إلى الإمام الجائر، ويكون حكمه حكم المال الباطن، وقد تقدم مثله في الأموال [الباطنة]. وقال الماوردي في كتاب الزكاة: إن كان الإمام عادلاً في الزكاة [وغيرها]، أو فيها فقط [جائراً في غيرها – جاء القولان، وإن كان جائراً في الزكاة وغيرها أو فيها فقط]، فلا يجوز دفعها إليه [قولاً واحداً، وله أن يفرقها بنفسه؛ للضرورة، فلو دفعها إليه] أو أخذها منه جبراً لم يجزئه، قال في قسم الصدقات: إلا أن يعلم وصولها لأهل السُّهمان. التفريع: إن قلنا بالجديد ففي الأفضل الأوجه، قاله البندنيجي وغيره. وكلام القاضي الحسين قبل باب صدقة البقر يقتضي الجزم بأن الدفع إلى الإمام العادل أفضل. وقال في "الوسيط": إنه لا شك فيه، وقد صرح به القاضي أبو الطيب في قسم الصدقات، وقال القاضي الحسين فيه: إن كان عادلاً ففي الأفضل وجهان، وإن كان

стр. 2707

جائراً ففي جواز الدفع على هذا القول – وإن قلنا: إنه لا ينعزل - وجهان. وأشعر كلام الإمام قبيل باب صدقة البقر بأن الخلاف [فيما] إذا لم يوصلها إلى المستحقين، بل أهلكها وادعى أن الظاهر أنه يجب على المالك في هذه الحالة تثنية الزكاة، وإن قلنا: لا ينعزل الإمام بالفسق لتقصيره. وقال الماوردي: إن كان [الإمام] عادلاً في الزكاة وغيرها فالأفضل الدفع إليه وجهاً واحداً، وإن كان جائراً في غير الزكاة عادلاً فيها ففي الأفضل وجهان ينبنيان على [اختلاف الوجهين] في تأويل قوله – ﵇:"ومن سئل فوقها فلا يعطه"،وقد تقدم ذكره في صدقة المواشي. وإن قلنا بالثاني: فإن كان الإمام أو نائبه في القبض [حاضراً يتيسَّر] الدفع إليه فعل، وألا فعليه [أن يؤخر] ما دام يرجو مجيء الساعي، فإن دفع قبل ذلك لم يجزئه، وإن أيس من مجيئه وجب عليه أن يفرقها [بنفسه]، نص عليه. قال في "البحر": وهو المذهب؛ لأنه حق أهل السُّهمان والإمام نائبهم، فإذا ترك النائب قبض الحق لا يجوز له ترك أدائه، ومن أصحابنا من قال: يتوقف حتى يطالبه الإمام؛ لأنه مال حق القبض فيه إلى الإمام، فإذا لم يطالب به لم يفرقه هو كالخراج. وعلى القولين ينبغي للإمام أن يبعث السُّعاة لأجل الصدقات؛ اقتداء بالنبي ﷺ ومن بعده؛ لأن كثيراً من الناس لا يعرفون الواجب، [والواجب فيه]، ومن يصرف إليه. وهل ذلك على وجه الوجوب أو الاستحباب؟ اختلف النقل عن الأئمة: فالذي قاله أبو الطيب: أنه على وجه الاستحباب، وعليه يدل قوله في "المختصر": وأحب أن يبعث الوالي المصدق فيوافي أهل الصدقة مع حلول الحول، فيأخذ صدقاتهم. والذي قاله القاضي الحسين، [والشيخ في "المهذب"]: أنه على وجه

стр. 2708

الوجوب؛ فلا يجوز له تأخير ذلك، وتكلم في النص السابق فقال: قال أصحابنا: إنما قال الشافعي – ﵀: "واجب على الوالي أن يبعث المصدق"؛ [إذ جمع] الصدقة وتفريقها على مستحقيها فقط واجب على الأئمة، [ويمكن حمل] قوله: "وأحب"، على البعث في الوقت لا إلى [أصل] البعث. وأشار الإمام إلى أن ذلك تفريعٌ على القول بوجوب الدفع إلى الإمام حيث قال: إذا كان السلطان يرى جباية الصدقات، فينبغي أن يبعث السُّعاة، وينبغي أن يعين [الإمام أو الساعي] [وقتاً لأخذ الصدقة، وهل هو على الوجوب أو على الاستحباب؟ فيه خلاف، والأشهر] وهو الذي صرح به الغزالي في كتاب الزكاة. أنه مستحب، واستحب الشافعي – ﵀ – أن يكون ذلك بشهر المحرّم، صيفاً كان أو شتاء؛ فإنه أول السنة الشرعية، فليستفتح بالصدقة. وليخرج قبل أول المحرم ليوافيهم أول المحرم، وإذا جاءهم: فمن تمَّ حوله أخذ منه، ومن لم يتم حوله سأله التعجيل، فإن أبي لم يجبره، ووكل من يقبضها منه، أو يتركها في ذمته إلى أن يعود العام القابل. ويبعث الساعي لأخذ زكاة الزرع والثمرة وقت إدراكه، وذلك لا يختلف في الناحية الواحدة كثير اختلاف. وما ذكره الشيخ من تفسير الأموال الظاهرة والباطنة هو الذي أورده الجمهور ومنهم الرافعي، وحكى الإمام في قسم الصدقات وجهاً في الركاز أنه كالمعدن، وحكى تردداً في أن زكاة الفطر كالأموال الباطنة أو الظاهرة، وقد حكاه في "البيان". ونقل الماوردي الثاني عن الأصحاب، واختار الأول. قال في "الروضة": وهو ظاهر نص الشافعي – ﵀ – والمذهب، ولم يحك القاضي الحسين وأبو الطب والمتولي وكذا الماوردي في آخر قسم الصدقات غيره. قال: ويكره أن ينقل الزكاة عن بلد المال، أي: كراهية تحريم؛ لقوله – ﵇ – لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "فإن هم أجابوك فأعلمهم أنَّ عليهم صدقةً تؤخذ من

стр. 2709

أغنيائهم فترد على فقرائهم"، فقابل الفقراء بالأغنياء؛ فثبت أن صدقة اليمن يختص صرفه بأهل اليمن، ولا يجوز نقلها إلى غيرهم. وقد روى أبو داود أن زياداً أو بعض الأمراء بعث عمران بن الحصين على الصدقة فلما رجع قال لعمران: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟! أخذتها من حيث كنّا نأخذها على عهد رسول الله ﷺ ووضعتها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله ﷺ . وأخرجه ابن ماجه. قال: فإن نقلها ففيه قولان: أحدهما: [أنه] يجزئه؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٦٠] ولم يفصّل، ولأنها صدقة وضعت في أهلها؛ فوجب أن تجزئ كما لو وضعت في أهلها من أهل البلد. والثاني: لا يجزئه؛ لأنه حق وجب لأصناف بلد فلم يجز نقله إلى غيرهم، وإذا نقل لا يجزئ كالوصية لأصناف بلد، وقد روي عن معاذ أنه قال: "أيما رجل انتقل عن [مخلاف عشيرته] [إلى غير مخلاف عشيرته، فعشره وصدقته في مخلاف عشيرته] "، فجعل النُّقلة عن المكان بعد وجوب الزكاة [فيه] تمنع من نقلها عنه، وذلك صادر عنه بالأمر الذي تقدم به رسول الله ﷺ ؛ فصار كالمنقول عنه نصّاً، والعمل بالنص مقدم على العمل بالظاهر، وهذا القول أصح في "تعليق" [القاضي] الحسين والماوردي وعند النووي وغيره. وهذه الطريقة ذكرها الشيخ

стр. 2710

أبو حامد وقال: هي المذهب، وقال القاضي الحسين: إن عليها عامة الأصحاب. ولم يورد في "الحاوي" [غيرها]. ومنهم من قال: القولان في جواز النقل، فإن قلنا: لا يجوز؛ فنقل – أجزأه قولاً واحداً، حكاه أبو حامد أيضاً والقاضي الحسين. ومنهم من قال: في جواز نقل الصدقة وإجزائها قولان أحدهما: [لا] يجوز، ولا يجزئ إذا نقلها. والثاني: يجوز، ويجزئ لهم. قال ابن الصباغ: وهذه لم يذكرها الشيخ أبو حامد، وقد تحصلنا على ثلاث طرق ذكرها العراقيون. وحكى في "البحر" عن بعض المراوزة أنه قال: يجوز نقل الصدقة قولاً واحداً، وقول الشافعي – ﵀ – في قسم الصدقات: "ولا تخرج عن بلده وفيها أهله" إنما قاله استحباباً، وهذه طريقة رابعة. وحكى الإمام طريقة أخرى مخالفة لجميع ما ذكرناه وإن وافقته من بعض الوجوه، فقال: هل يجوز النقل أم لا؟ [فيه قولان، فإن قلنا: لا يجوز، فنقل: فهل يجزئ؟]؟ فيه قولان نقلهما صاحب "التقريب"، والعراقيون: أحدهما: أن الصدقة لا تقع موقعها، وهوا لذي قطع به [شيخي] ومعظم الأئمة، وهو القياس اللائق بهذا القول. والثاني: الوقوع؛ لمصادفتها [الأصناف الموصوفة في كتاب الله تعالى. ثم قال صاحب "التقريب": الصائر إلى هذا يعصي الناقل، ويبرئ ذمته] عن الصدقة. وهذه طريقة خامسة. وقد أبدى الإمام من عند نفسه احتمالاً، فقال عقيب ذكره القول بالإجزاء مع الإثم: ولا يمتنع عندنا إن صح هذا القول أن يجرع الأمر إلى كراهية النقل؛ فإن التعصية تناقض الحكم بالتبرئة. قلت: وهو يقرب من الطريقة التي حكاها في "البحر" عن بعض المراوزة، بل هي إن أطلقنا "المكروه" على "ترك الأَوْلَى"، والله أعلم.

стр. 2711

وإذا نظرت إلى جميع الطرق واختصرت، قلت: في المسألة ثلاثة أقوال كما ذكرها في "الوجيز"، ثالثها: لا يجوز النقل، ولكن تبرأ ذمته، ثم ما محل الطرق؟ اختلفت فيه عبارات النَّقلة: فعن صاحب الشافعي أنه قال: فيه الخلاف فيما إذا كان أهل السُّهمان غير محصورين، فأما إن كانوا محصورين من أول السنة إلى آخرها ملكوها ووجب صرفها إليهم، ولو مات واحد منهم انتقل حقه إلى وارثه وإن لم يكن الوارث مستحقاً للزكاة، ولو دخل البلد من أهل السهمان أحد قبل القسمة لم يستحق شيئاً. وإلى ما قاله يرشد كلام ابن الصباغ، [والقاضي أبي الطيب والماوردي] والقاضي الحسين؛ [حيث] قالوا في آخر [باب] قسم الصدقات: نص الشافعي – ﵀ – في كتاب الزكاة على أنه: إذا مات واحد من المساكين بعد وجوب الزكاة صرف نصيبه إلى ورثته؛ لأنه ثبت له ذلك الحق بعينه فانتقل بموته إلى ورثته. وكذلك نص عليه في قسم الفيء كما حكاه القاضي الحسين، وقال في "البحر": إن نصه في "الأم" إذا دفع الزكاة إلى قوم [ثم] بان أنهم غير مستحقين نزعها منهم، وفرقها على مستحقيها، وإن كانوا قد ماتوا أعطي ورثتهم، وإن كانوا أحياء أعطاهم فقراء كانوا أو أغنياء؛ [لأنهم] استحقوها حين الوجوب. وقال: إنه قال في آخر قسم الصدقات من "المختصر": "وإنما يستحق أهل السهمان سوى العاملين حقهم يوم يكون القسم". ثم قالوا: وليست المسألة على قولين؛ بل على اختلاف حالين: فالموضع الذي قال: الاستحقاق حين الوجوب، إذا كان المستحق معيناً، مثل أن يكون رب المال في قرية فتجب الزكاة عليه، وأهل السهمان بها من كل صنف ثلاثة، [وقال الماوردي وأبو الطيب]: فما دون، فإذا وجبت كانت لهم، وقد ملكوها عليه في ذمته كالدين، فإن مات واحد منهم كان نصيبه لوارثه، وإن غاب لم يسقط حقه، وإن دخل غريب فلا حق له فيها.

стр. 2712

والموضع الذي قال: يستحق أهل السهمان حقهم يوم يكون القسم، أراد: إذا لم تكن الأصناف معينة، وهو أن يكون في البلد من كل صنف أكثر من ثلاثة، قال أبو الطيب: [والزكاة] لا تتسع للكل؛ فلرب المال أن يخص بها [ثلاثة] من كل صنف، فهاهنا حين وجوب الزكاة ما استحقوها، وإنما يستحقونها بالقسمة، وإن مات واحد من أهل السهمان لم يكن لورثته شيء، وإن غاب فلا حق له، وإن دخل غريب قبل القسمة كان كأحدهم. وكلام الإمام يقتضي إجراء الخلاف في النقل سواء كانوا محصورين أو غير محصورين؛ [حيث] قال في كتاب الزكاة عند الكلام في نكول رب المال عن اليمين عند اتهام الساعي له: ومن تمام البيان في ذلك: أنا إذا منعنا نقل الزكاة، وكان مستحقوها محصورين في البقعة – فقد قال كثير من أئمتنا: ترد اليمين على المستحقين، ووجهه بين على قول منع النقل ووجوب صرف الزكاة إليهم. ولا يجوز حرمانهم؛ فتعينوا للاستحقاق، وتنزَّلوا منزلة من يستحق دينا. وكذا قوله بعده: وقد سمعت شيخي يقول: إذا منعنا النقل، وانحصر الفقراء، وزادوا على ثلاثة [فيجب صرف الحصة] إليهم، تجب التسوية. وكلام الرافعي في آخر قسم الفيء يدل على ذلك؛ فإنه قال: إذا مات الفقير بعد تمام الحول ووجوب الزكاة لا شيء لورثته؛ لأن ذلك الفقير [غير] معين للزكاة، حتى لو لم يكن في القرية إلا ثلاثة من الفقراء، ومنعنا نقل الصدقة – فعن نصه في "الأم": أن الحق ينتقل إلى الورثة. ويوافق ذلك قول القاضي الحسين في الموضع الذي حكينا فيه كلام الإمام الشافعي – ﵀ – قال: لو وبت عليه الزكاة، وهناك ساكنون [محصورون]، فلم يدفع الزكاة إليهم حتى ماتوا – قال: يعطي الزكاة إلى ورثتهم، وكذا لو صاروا أغنياء يعطي إليهم، هذا إذا قلنا: إن نقل الصدقة من بلد إلى

стр. 2713

بلد لا يجوز. وقول الفوراني في قسم الصدقات: ولو كانوا مساكين قرية محصورين، ووجبت زكاة مال، فمات واحد من المساكين قبل وصول الصدقة إليه – [فإن قلنا: لا تنتقل الصدقة، دفع نصيبه إلى وارثه وإن كان لا تحل له الصدقة، وإن قلنا بجواز نقل الصدقة] لم يدفع إلى وارثه نصيبه. قلت: وفي هذا تصريح وتلويح بأن من أجرى الخلاف في النقل [مطلقاً قائلٌ بأن ما ذكره الأصحاب من حمل النصين على حالين، مفرَّعٌ على القول بمنع النقل] كما هوا لصحيح؛ فلا اختلاف، وقد فرع الإمام على قولنا بمنع النقل، وقد انحصر المستحقون، وقلنا: يقضي على جميع الحاضرين أن الزكاة ماشية، فاعتاضوا عنها دراهم، فقال: الذي يقتضيه القياس على هذه الأصول جواز ذلك، ولكن يظهر على قاعدة المذهب رعاية التعبّد؛ ولأجله منعنا أصل الإبدال، وإن سلمنا أن سد الحاجة غرض ظاهر في الزكاة، [ولو أبرأ هؤلاء من عليه الزكاة] فاستحقاقهم واختصاصهم يقتضي تنفيذ إبرائه، ولكن أصل التعبد ينافي ذلك؛ فإن الزكاة عبادة واجبة لله – تعالى – فيبعد سقوطها من غير أداء، قال: ولا نقل عن الأئمة في أعيان هذه المسائل. وأبداه احتمالاً في جواز الصرف إلى من دخل البلد بعد الوجوب، مع ملاحظة ما تقدم ووجهه بأن أصل الزكاة منوط بالأوصاف لا بالأعيان، فإن فرض تعيين فالحكم بموجبه؛ لأجل الضرورة لا لأصل ممهد في الشرع. قلت: ومادته في هذا الاحتمال مأخوذة [مما حكاه] عن الفوراني: في أنهم لا يحلفون عند نكول رب المال، وإن انحصروا تعين الصرف لهم، كما تقدم، والله أعلم. [واعلم] أن ما ذكرناه في نقل [كل] الصدقة إلى أهل السُّهمان الذين [لم

стр. 2714

يكونوا] ببلد المال، فلو كان النقل في البعض مثل أن يكون له أربعون من الغنم عشرون ببلدة، وعشرون ببلدة أخرى، ووجبت الزكاة – فقد قال الماوردي: إن عليه إخراج نصف شاة في كل بلد، فإن قدر على إخراج [شاة] باقيها للفقراء والمساكين من أهل الصدقات، أجزأه، فإن لم يقدر على ذلك، فأخرج نصف شاة باقيها له أو لرجل آخر من غير أهل الصدقات، أو فعل ذلك مع القدرة على ما سواه – فالصحيح أنه يجزئه، ولا اعتبار بوصف ما لم يجب عليه إخراجه، ومن أصحابنا من قال: لا يجزئه حتى يكون باقي الشاة ملكاً لأهل الصدقات فيكمل لهم نفعها؛ لأن في تبعيض [الشاة] إيقاع ضرر بهم وإدخال نقص في حقهم، قال: وهذا تعسف يؤدي إلى تكليف ما يتعذر، واعتبار وصف ما لا يلزم. فإن عدل عن جميع ذلك، وأخرج شاة كاملة في أحد البلدين عن جميع المالين – فقد قال الشافعي: كرهت ذلك، وأجزأه. وتردد الأصحاب فيه: فذهب أبو حفص بن الوكيل، وكثير من الأصحاب – كما قال الماوردي – إلى أن هذا منه تفريعٌ على جواز نقل الصدقة: فإن منعنا النقل لزمه إخراج نصف شاة في كل من البلدين؛ فإن تبعيض الشاة إنما يمنع منه عند عدم الضرورة والحاجة [إليه]، وهنا بنا ضرورة إليه؛ فإن موجب القول بمنع النقل: أن أهل كل ناحية بها المال استحقوا زكاته وتعينوا لاستحقاقها؛ فلا يجوز إبطال استحقاقهم بسبب التبعيض. قال الإمام: ولم يختلف أصحابنا في [أن] إخراج نصفي شاتين من غير ضرورة ولا حاجة لا يجزئ، وإن اختلفوا في إعتاق نصفي عبدين عن الكفارة. وعلى هذا: لو عسر وجدان نصف شاة، فقد قال صاحب "التقريب": يخرج نصف قيمة شاة حيث عسرن ونحن قد نجوز إخراج القيمة عند التعذر والعسر. قال الإمام: وقد يخطر لذي نظر: أن الشاة التي تساوي عشرين قد لا يشتري نصفها بعشرة، وإنما

стр. 2715

يشتري بتمامه، ولكنا عند الرجوع إلى القيمة بمكان قيام ضرورة نعتبر قيمة [النصف] بقيمة التمام، ولا ننظر إلى ما أشرنا إليه. ثم إذا قدر بعد ذلك على نصف شاة فهل يخرجه ويسترد؟ يظهر أن يجيء فيها [ما ذكرته] في أوائل الباب. وذهب عامة أصحابنا- كما قال القاضي أبو الطيب – إلى إجراء النص على ظاهره والإجزاء، وإن قلنا بمنع النقل وعدم الإجزاء في غير هذه الصورة؛ فإنَّ ذكره البلدين وانقسام المال عليهما دالٌّ على أنه مفرع على منع النقل، وألا فلا فائدة على قولنا: يجوز النقل؛ لتخصيص هذه الصورة بالذكر، وهذه الطريقة صححها الإمام والقاضي الحسين، وذا قلنا بها فما العلة في التجويز؟ فيه وجهان: أحدهما: التبعيض الذي هو مجتنبٌ في المواشي؛ ولذلك كانت الأوقاص فيها عفواً، [وهذه] لم يورد القاضي أبو الطيب غيرها، وكذا ابن الصباغ – ﵀ – وقال: إن القائل بالأول قال: لو أجازه الشافعي – رحمه لله – لموضع الحاجة لم نكرهه. والثاني: كون المالك واحداً والمال منقسم، فله بكل بلدة علقة في الجنس الواحد الزكاتي، مع أنهما كالبلدة الواحدة في ضم أحد المالين إلى الآخر. وعلى الوجهين يتخرج – كما قال المراوزة -: [ما] إذا كان له أربعمائة من الغنم [في كل بلد مائتان، فعلى الأول لا يجوز أن يخرج الكل] في بلدة واحدة، بل الواجب أن يخرج في كل بلدة شاتين، وعلى الثاني يجوز أن يخرج الأربعة في أي البلدين شاء. قال الإمام: وتجويز النقل لأجل العلة الثانية لا أصل له عندي، وإنما يظهر التعليل في

стр. 2716

الصورة المتقدمة لضرورة التبعيض لا غير، فإن لم يكن [بد] من تخريج المسألة الأخيرة على الخلاف فلعل الأقرب في التعليل: أن الزكاة وإن لم تتبعض في الصورة التي ذكرناها، فالغنم نامية وهي سريعة المصير إلى مبالغ يقتضي الحساب تشقيص واجبها على التفريق، وذلك يعسر ضبطه؛ فيجوز النقل لحسم هذا الإمكان. قال: ولو كان له عروض تجارة ببلدة ومال تجارة [في] أخرى، ورأس المال دراهم – فيجب القطع بأنه يخرج زكاة كل مال حيث هون ولا يجوز النقل على منع النقل؛ فإن التبعيض لا وقع له في الدراهم بوجه؛ ولذلك لم يثبت عند الشافعي – ﵀ – [للدراهم] وقص بعد الوجوب، وهو ظاهر لا ريب فيه، و [به] يظهر بطلان التعليل بأن له بكل بلدة علقة في الجنس الواحد الزكاتي. ولو كان النقل إلى طائفة من أصناف الزكاة الذين فارقوا بلد المال، قال الإمام قبل باب كيف تفريق قسم الصدقات بورقة: وينبني ويتجه أن الذي ذهب إليه الأصحاب جواز ذلك: تعويلاً على الآخذين. وهذا إذا انتقل جملة المستحقين، فأما إذا كان في المقيمين في وطن المال مقنع، والمنتقل طائفة منهم – قال: فالقياس جواز النقل إلى الذين خرجوا، وحبس بعض أصحابنا في هذه الصورة على الخصوص؛ فلم يجوز النقل، وهو فاسد لا أصل له. نعم، اضطرب الأصحاب فيما لو خرج طائفة مسافرين، وغابوا في جميع السنة، ولم يشهدوا بلد المال –فهل يجوز إخراج حصصهم إليهم؟ منهم من جوز ذلك؛ لأنهم وإن غابوا فنهم من أهل البقعة، ومنهم من منع وشرط أن يحضروا وطن المال في سنة الزكاة. ولو شهدوا في بعض السنة وغابوا قبل انقضائها فهذا مرتب على الصورة قبلها، وأولى بجواز الإخراج إليهم.

стр. 2717

ولم يختلف علماؤنا أنهم لو غابوا معظم السنة، وشهدوا منقرض الحول ووقت وجوب الصدقة - جاز الصرف إليهم، ولا حكم للغيبة السابقة وإن منعنا النقل. ولو خرجوا على قصد الانتقال قبل وجوب الصدقة وانقضاء السنة، لم يجز النقل إليهم إذا فرّعنا على منع النقل. وقال ابن الصباغ في باب كيف تفريق قسم الصدقات: إذا كان في البلد صدقات، وفي سواه من هو من أهلها على مسافة لا تقصر فيها الصلاة- كان كالحاضر في البلد. وهذا قول أبي الطيب في "تعليقه". نعم، إذا كان في بلد بينها وبين الأول مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فلا تنقل الصدقة من أحداهما [إلى الأخرى؛ فإن أحداهما] لا تضاف إلى الأخرى فلا تنسب إليها، وهذا في "تعليق" أبي الطيب منسوب إلى أبي إسحاق المروزي، والله أعلم. [قال الشيخ – ﵀]-: فإن نقل، أي: على قولنا بمنع النقل، إلى ما لا تقصر فيه الصلاة – فقد قيل: يجوز؛ لأنه في حكم الحضر بالنسبة إلى القصر ونحوه؛ ولهذا قال الشافعي – ﵀: حاضرو المسجد الحرام: من كان داره أقرب إلى مكة من مسافة القصر، وإذا كان كذلك صار كما فرق وهو في محلة من البلد على [أهل] محلة أخرى. والثاني: لا يجوز؛ لأنه نقل إلى بلد آخر فأشبه ما لو نقل إلى مسافة القصر، [ولأن المعنى الذي لأجله منع من النقل إلى مسافة القصر] – وهو تضرر أهل السُّهمان من أهل البلد وانكسارهم – موجودٌ فيما إذا كان النقل إلى دونها؛ فكان كهي، ويخالف الرخص؛ فإنها تتعلق بالسفر للمشقة، وهذا ما صححه العراقيون، وقال الإمام تبعاً للقاضي: إنه المذهب، والأول بعيد لا اتجاه له، وهو يؤدي إلى دفع القول بمنع النقل الذي عليه نفرِّع؛ لأنا إذا جوزنا النقل إلى قرية على فراسخ فتلك القرية محل تفريق الصدقة، إذن فيجب تجويز النقل منها أيضاً إلى قرية على [مثل] تلك المسافة؛ فإن القرية الأولى التحقت بالبلدة وكونها

стр. 2718

محل تفرقة الصدقة، وهكذا. وما قاله فيه نظر ظاهر. ثم على الثاني: يكون الواجب الصرف لأهل السهمان الذين أحاط بهم بنيان بلد المال، لا من خرج عنه، كذا قاله الماوردي. ثم إن كان البلد واسعاً كالبصرة وبغداد، كان جيران المال من أهل البلد أخص به من غيرهم، وهل يكون ذلك [من طريق الأولى أو] من طريق الاستحقاق؟ قال في "الحاوي": فيه وجهان، ووجه الثاني قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] والجار ذو القربى: الجار القريب، والجار الجنب: البعيد في نسبه، فاعتبر في القريب والبعيد الجوار. وقال في باب كيف تفريق الصدقات: إن الأول هو الظاهر من قول البغداديين، وهو الأصح، وإن الثاني قول البصريين، وإذا قلنا به كان جيرانه: [من] أضيف إلى مكانه من البلد، وقيل: إنهم إلى أربعين داراً من داره. وهو المذكور في غيره، فلو صرف إلى من بعد أثم، وإن كان في البلد ناقلاً للزكاة. ولو كان البلد صغيراً فجميع أهله جيرانه. وهذا إذا كان رب المال هو المفرّق، فإن كان الإمام أو نائبه فكل أهل البلد الكبير والصغير في ذلك سواء؛ لما في اعتبار ذلك في حق الإمام من المشقة مع كثرة الأموال في يده. وهذا حكم أهل البلاد والقرى، وأما أهل الخيام: فإن كانوا في موضع من البادية مستقرين، وكانوا لا يبرحون منه إلا براح الحضري من الحضر ثم يعود إلى مقره فإن منعنا النقل فلهؤلاء الصرف إلى من هو منهم إلى مسافة تقصر عن مسافة القصر؛ فإنه ليس في البادية من اسم بلدة وخطة قرية؛ فكان أقرب معتبر ما ذكرناه. قال الإمام: وذكر العراقيون هذا، وذكروا وجهاً آخر: وهو أن الحلّة إذا حلت قطراً لم يجز أن ينقلوا الصدقة من تضاعيفهم فيتميز [مخيمهم] عن مخيم الحلة الأخرى كتميز القرية يخطئها عن الخطة الأخرى. قال: وهذا لا بأس به، والأشهر الأول. وإن كانوا لا يقطنون بموضع بل ينتجعون الماء والكلأ، فإن كانوا متفرقين كان

стр. 2719

موضع الصدقة من عند المال إلى قبل المكان الذي تقصر إليه الصلاة، ولا يجوز الصرف لمن في مسافة القصر، وإن كانوا في حلل مجتمعة. فمنهم من قال: الحكم كما [لو] كانوا متفرقين، والثاني: أن كل حلة كبلدة. وهذا إذا كان أهل السهمان ينتجعون معهم. وللإمام احتمال في المسألة وقال: [إن] [في] كلام العراقيين إشارة إليه من قبل أن منع النقل في حكم التعبد الذي لا يستقيم فيه معنى على السير، وإنما وردت الأخبار والآثار في المقيمين، وهؤلاء مسافرون. [قال: وإن حال الحول والمال ببادية، أي: وليس فيها فقراء، والتفريع على منع النقل أيضاً – فرَّقها على فقراء أقرب البلاد إليه؛ لأنه غاية الممكن. والتعبير هاهنا بالفقراء عن أهل السّهمان بلا خلاف؛ إذ لا يمكن حمله على حقيقته، وإن أمكن حمله فيما تقدم عليها، أما إذا كان بها فقراء – ولو مجتازين مع المال – تعين الصرف لهم]. قال: وإن وجبت عليه زكاة الفطر، أي: عن نفسه في بلد، وماله في غيره – ففيه قولان: أحدهما: أنها تجب لفقراء بلد المال كزكاة المال. والثاني: تجب لفقراء موضعه، وهو الأصح؛ لأن زكاة الفطر تتعلق بعينه فأشبه المال في زكاة المال. أما إذا وجبت عليه زكاة الفطر عن غيره، قال في "الروضة": [فالظاهر أن الاعتبار] ببلد المؤدي عنه. وقال [في] "البيان": الذي يقتضيه المذهب: أن ينبني ذلك على الوجهين في أنها تجب على المؤدّى ابتداءً أم على المؤدي عنه؛ فتصرف ببلد من تجب عليه ابتداء، والله أعلم. تنبيهات: أحدها: حيث يجوز النقل أو يجب فالمؤنة على رب المال، قال الرافعي: ويمكن

стр. 2720

أن يخرج فيه الخلاف المذكور في أجرة الكيال. وللإمام في ذلك كلام سنذكره في آخر الباب، إن شاء الله تعالى. الثاني: هل الخلاف في جواز النقل ومنعه مخصوص بما إذا كان رب المال هو المفرق، أو يجري وإن كان المفرق الإمام؟ حكى الإمام فيه احتمالين لنفسه، وقال الرافعي: ربما اقتضى كلام الأصحاب الطرد، وهو الذي فهمته من كلام الماوردي السابق وكلام غيره. قال: وربما دلَّ على أنه يجوز له النقل والتفرقة كيف شاء، وهذا أشبه. الثالث: الخلاف في جواز نقل الزكاة هل يجري في نقل الوصية إذا أطلقت للفقراء أو للأصناف وفي الكفارات؟ فيه طريقان: أحدهما: لا؛ لأن ذلك غير راتب فيطمع الفقراء فيه. والثاني: نعم. وهي التي أوردها الفوراني، والنذور ملحقة بالكفارات، وربما بنيت على أن النذر يسلك به مسلك جائز الشرع أو واجبه؟ والظاهر فيما عدا الزكاة جواز النقل؛ [لما ذكرناه]. وزكاة الفطر ملحقة بها إذا قلنا: يجوز صرفها إلى ثلاثة من الفقراء، قاله الإمام، والله أعلم. قال: ولا تصح الزكاة، أي: عن المكلف، حتى ينوي – للخبر المشهور – أنها زكاة ماله، أو زكاة واجبة؛ لأنها عبادة ودعامة من دعائم الإسلام تتنوع [فرضاً ونفلاً]؛ فكان التعيين فيها شرطاً كالصلاة والصوم. قال: وقيل: إن دفع إلى الإمام- أي المال، [وقال فرِّقه على الفقراء، كما قال أبو الطيب] – أجزأه من غير نية، [أي]: تصدر منه [أو من] الإمام، كما قال الماوردي القاضي الحسين، لأن الإمام لا يأخذ إلا الواجب فاكتفى بهذه القرينة عنها، وهذا ما صححه الماوردي وابن الصباغ، وقال البندنيجي: إنه المذهب، ولم يذكر كثير من العراقيين – كما قال الرافعي – سواه، وهو المنصوص؛ لأنه قال في

стр. 2721

"المختصر": ولو أخذ الوالي من رجل زكاته بلا نية أجزأت عنه. قال الشيخ- ﵀: وليس بشيء؛ لأن الإمام نائب عن الفقراء؛ فكما لا يصح الدفع إليهم بغير نية رب المال فكذلك لنائبهم، وهو كما يأخذ الواجب يأخذ التطوع؛ لأنه أعرف بمواضع الحظ في الصرف. والشيخ في ترجيح الأول، وكذا البغوي – ﵀ – هاهنا: "يجزئه وإن لم ينو"، أراد به: إذا امتنع رب المال من أداء الزكاة، فأخذها الإمام قهراً من ماله؛ فإنه لا يحتاج فيه إلى نية، فهذا معناه. وقال ابن الصباغ: ليس كذلك؛ لأنه قال في "الأم": إذا دفعها إلى الإمام يجزئه وإن لم ينو، طائعاً كان أو كارهاً؛ لأن أخذ الإمام كالقسم بين الشركاء فلا يحتاج [إلى نية]. [قلت: وقول القاضي: فإنه لا يحتاج فيه إلى نية]، يعني من رب المال، وإلا فقد قال قبل ذلك: إن الإمام ينوي عنه؛ للضرورة. وقال البندنيجي: إنه لا يحتاج إلى نية، وتناول الإمام منه ذلك قهراً قائم مقام نية رب المال؛ لأنه إنما يقهره على ذلك بعد وجوبها؛ فلا يقع التناول إلا عن واجب. والمراوزة قالوا: هل يجب على الإمام أن ينوي عنه؟ يبني على أن المأخوذ [منه] هل يجزئه أم لا؟ ولا خلاف أنه جزئه ظاهراً، بمعنى أنه لا يطالب بها ثانياً، وهل يجزئه باطناً حتى تسقط عنه في نفس الأمر؟ فيه وجهان حكاهما البندنيجي أيضاً، فإن قلنا: [لا] تسقط، لا ينوي عنه، وإن قلنا: تسقط، فهل ينوي عنه؟ فيه وجهان، ظاهر المذهب منهما: الوجوب؛ لأن الإمام فيما يليه من أمر الزكاة كولي الطفل، والممتنع مقهور كالطفل. قال الرافعي: وهذا لفظ القفال في "شرح التلخيص". وعكس في "البحر" ذلك فقال: إذا أخذت الزكاة كرهاً لا تجزئ في الباطن، وهل تجزئ في الظاهر؟ فيه وجهان، قاله بعض الخراسانيين، وهو كذلك في "الإبانة"، لكن

стр. 2722

فيما إذا لم ينو الإمام، وقال فيما إذا نوى الإمام ما ذكرناه أولاً عن المراوزة: وأطلق الماوردي القول بأن الإمام إذا نوى ولم ينو رب المال أنه يجزئه، ووجهه بأن الإمام لا يأخذ من [رب] المال إلا ما وجب. وحكى الرافعي والبندنيجي الوجهين فيه أيضاً، وقال: إن المذهب الإجزاء. تنبيه: قول الشيخ – ﵀: "حتى ينوي أنها زكاة ماله أو زكاة واجبة"، ظاهر في التصوير بالصورتين المذكورتين، ويجوز أن يكون مسبوقاً بذكر خلاف في المسألة صرح به القاضي الحسين، وهو أنه هل يكفي أن ينوي أنها زكاة ماله؛ [لأن الزكاة لا تكون إلا فريضة]، أو لا بدَّ من اقتران الفرض به؛ لقوله – ﵇: "زكاة الحلي إعارتها"، وقد يفعل الشيخ مثل ذلك في حكاية الخلاف، كما ستعرفه في قوله في كتاب اللعان:"ففي المسجد عند المنبر أو على المنبر"، وهكذا عادة غيره؟ فالذي حكاه الأكثرون – كما قال الرافعي -: أن نية الزكاة كافية، والقاضي الحسين أبداه على صورة الاحتمال. والذي حكاه الفوراني: مقابله. وقال الإمام: إن الوجهين هاهنا كالوجهين فيما إذا نوى صلاة الظهر ولم يتعرض للفرضية، ثم قال: وهذا فيه نظر؛ فإن الظهر قد يصح نافلةً من الصبي، وممن صلى الظهر منفرداً ثم في جماعة، فإن حمل ذكر الفرضية على هذا كان متجهاً، فأما الزكاة فلا تنقسم. وكل [هذا] تفريع على أن النية في أداء الزكاة لابد منها، وهي طريقة حكاها الشيخ أبو علي، ووراءها طريقة أخرى حاكية لوجهين أو قولين في المسألة: أحدهما: هذا؛ أخذاً من قوله في "المختصر": إذا ولي الرجل زكاة ماله لم يجزئه إلا بنية أنه فرض، والنية هي القصد؛ فإن قضية ذلك اعتبار قصد القلب. والثاني: أنه يكفيه أن يقول بلسانه وإن لم ينو بقلبه؛ أخذاً من قوله في موضع آخر: فإن قال بلسانه: هذا عطاء فرض، أجزأه، وقال في "الأم": سواء نوى في نفسه أو تكلم

стр. 2723

فإن ما أعطى فرض. فأقام الكلام مقام النية، وقال فيه: "وإنما منعني أن أجعل النية في الزكاة كنية الصلاة؛ لافتراق الصلاة والزكاة في بعض حاليهما: فتجوز لزكاة قبل وقتها، ويجوز أن يأخذها الوالي من غير طيب نفسه، وهذا لا يجوز في الصلاة". ولأجل ذلك قال القاضي الحسين: إنه ذهب إلى هذا جماعة، واختاره [الشيخ- يعني] القفال – واحتج له أيضاً بوجهين: أحدهما: أن إخراج الزكاة في حال الردة جائز، ومعلوم أن المرتد ليس من أهل النية التي يه قربة؛ فدل على أن لفظه كاف. والثاني: أنه تجزئ في الزكاة النيابة وإن لم يكن النائب من أهلها، فإذا جاز أن ينوب فيها شخص عن شخص جاز أن ينوب اللسان عن القلب، ولا يلزم الحج إذا قلنا: إنه إذا تلفظ بلسانه فيه ولم ينو بقلبه، إنه لا يجزئه؛ فإن النائب فيه لابد وأن يكون من أهل الحج، أما إذا قلنا بأنه يكفي في الحج أيضاً النطق باللسان فقط – كما حكاه القاضي –استوت المسألتان. والصحيح- وإن ثبت الخلاف – الأول، وقد قيل: إنه [من] تخريج ابن القاص، واختاره صاحب "التقريب" وقال: قول الشافعي – ﵀: "فإن قال بلسانه: هذا عطاء فرض، أجزأه"، أراد [أنه] يقول ذلك مع النية بالقلب. وأما الوجه الأول – وهو جواز إخراج الزكاة في حال الردة – فقد [حكينا عن] صاحب "التقريب" احتمالاً في أنه لا يخرجها ما دام مرتداً؛ لأجل النية، وإن سلمنا أنه يخرجها – كما هو الصحيح، وقطع [به] الأصحاب – فلا نسلم أن القصد غير معتبر في حق المرتد. نعم، [لا يتصور منه قصد [هو] قربة، وكما لا يتصور منه ذلك] لا يتصور منه أيضاً لفظ هو قربة، وقد قال القفال: إنه لا يسقط الفرض حتى يقول المرتد: هذا عطاء فرض، فإذا جاز اعتبار اللفظ وإن لم يكن قربة [يجوز اعتبار القصد وإن لم يكن قربة]، على أنا نقول: [إن] الزكاة وإن كانت عبادة مفتقرة

стр. 2724

[إلى النية]، لكن للآدمي بها تعلُّقٌ؛ فأشبه الذمية تحت الزوج المسلم تغتسل من الحيض؛ فيحل للزوج وطؤها، وإن كان الغسل بدون النية لا يصح، والوجه الثاني: باطل بالوضوء؛ فإنه يجوز [فيه إنابة] الأهل وغير الأهل، ومع ذلك يقوم القول فيه مقام نية القلب، ويقوم مقام نيته: هذه زكاة مالي الواجبة، بنية: هذه صدقة مالي الواجبة، أو: الصدقة المفروضة. ولا يكفي التعرض لفرض المال بان ينوي أنه فرض، أجمع عليه أصحابنا كما قال في "البحر"، وإن كان ظاهر ما نص عليه الشافعي –﵀ – أنه يجوز، وقالوا: معنى النص إذا قال: صدقة مالي فريضة، وإلا فنية الفرض خاصة لا تتمحض للزكاة؛ فإن ذلك قد يكون كفارة ونذراً. وكذا لا يكفي التعرض للصدقة في أصح الوجهين، وبه جزم المعظم؛ لأنها قد تكون نافلة، وإلى هذا يرشد قول الشيخ: "حتى ينوي أنها زكاة ماله أو زكاة واجبة". ولا يشترط بالاتفاق تعيين المال المزكى عنه؛ فإن غرض تنقيص المال ودفع حاجة المساكين، لا يختلف، بل يزكي عن مواشيه ونقوده حتى يخرج تمام الواجب، فلو ملك أربعمائة درهم مثلاً: مائتان حاضرتان ومائتان غائبتان، فأخرج خمسة من غير تعيين – جاز، وكذلك أربعين من الغنم وخمساً من الإبل، فأخرج شاتين أو شاة – جاز. وإذا بان له تلف أحد المالين قبل الإخراج أو تلف بعد الإخراج، فله أن يحسب المخرج عن زكاة الآخر. نعم [لو عين المخرج عن احد المالين، فبان بقاؤه أجزأه، وإن ظهر تلفه لم يكن له أن يصرف المخرج إلى الآخر؛ كما] لو أعتق عبداً عما عليه من الكفارات يجزئه عن واحدة مبهمة. ولو عين عن كفارة، فبان عليه غيرها عتق، ولم يجزئه عما عليه. اللهم إلا أن ينوي أن هذا عن زكاة ماله الغائب إن كان باقياً، وإن كان تالفاً فعن الحاضر؛ فإنه إن بان باقياً وقع عنه لأن نيته اعتضدت بأصل وهو البقاء، وبهذا خالف ما لو نوى: إن كان مورثه قد مات وورث ماله فهذا زكاته، فبان ميتاً – لا يجزئه؛ لأن الأصل بقاء حياة المورث وعدم الإرث، وشبه ذلك

стр. 2725

بما لو نوى ليلة الثلاثين من رمضان: أنه صائم غداً [من رمضان] إن كان منه، فبان منه – يجزئه؛ [لأن الأصل بقاؤه]، بخلاف ما لو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غد من رمضان إن كان منه، [فبان منه] – لا يجزئه؛ لأن الأصل بقاء شعبان. ولو بان أن المال الغائب هالك وقع المخرج عنه عند المعظم؛ كما لو نوى أن ذلك عن ماله الغائب [إن كان باقياً، وإن كان تالفاً كان صدقة؛ فإنه إذا بان تالفاً كان صدقة. وعن صاحب "التقريب" احتمال في عدم وقوع المخرج عن الحاضر عند تلف الغائب]؛ لأن النية بالإضافة إليه مترددة غير معتضدة بأصل، بل الأصل يعكر عليها؛ فإنه إنما جعلها عن الحاضر بشرط تلف الغائب، [والأصل في الغائب: البقاء، والفرق بين ذلك وبين ما إذا نوى التطوع عند تلف الغائب]: أن النفل يتساهل فيه. وقد ألحق [بعض] الأصحاب بهذه الصورة: ما إذا نوى أن هذا عن زكاة الغائب إن كان باقياً، فقال: نه إذا بان تالفاً كان له صرف المخرج إلى الحاضر، والأصح في "العدة" وبه جزم البندنيجي وغيره-: [لا]، وليس له أن يرجع فيه إلا إذا صرح فقال: هذا عن زكاة مالي الغائب، فإن كان تالفاً استرددته. وقال الإمام في باب تعجيل الصدقة: إن سبيل ذلك عند تلف المال كسبيل تعجيل الزكاة إذا انخرم شرط من شرائط الإجزاء، والتفصيل المذكور ثمَّ إذا لم تقع الزكاة مجزئة [يجيء في الاسترداد؛ إذ هو بعينه هنا] من غير فصل. ولا خلاف أنه لو نوى: أن هذا عن الغائب إن كان باقياً [أو صدقة، فبان باقياً – لا يجزئه؛ للتردد في أصل النية. نعمن لو نوى أنه عن الغائب إن كان باقياً] أو عن الحاضر، فإنه يجزئه زكاة، سواء كان الغائب سالماً أو تالفاً، حكاه الماوردي والبندنيجي، وأبداه القاضي أبو الطيب احتمالاً لنفسه موجهاً له بأنه لو أطلق اقتضى الإطلاق أن يكون عن أحد المالين، وتعيين المال في الزكاة لا يجب؛ فتقع

стр. 2726

هذه الزكاة عن أحدهما، وله أن يعينه من بعد. وقال القاضي الحسين: إنه لو كان له مال بسرخس ومال ببلخ، فأخرج خمسة دراهم، وقال: هذا عن مالي ببلخ أو بسرخس –لا يقع عن واحد منهما؛ لأنه لم يجزم النية. وهذا عين المسألة التي ذكرناها، ومن العجب أن القاضي الحسين حكى – وتبعه الإمام – فيما إذا قال: هذه عن زكاة أحد ماليّ، ولم يعين عن أيهما كان – أنه يجوز، وله التعيين، ولو تلف أحدهما انصرف إلى الباقي. وهذا يقرب من المسألة قبلها. ثم ما ذكرناه من الإجزاء عن المال الغائب عند بقائه صوَّره الماوردي بما إذا كان ماله [الغائب] غير مستقر ببلد وإنما هو سائر في بر أو بحر لا يعرف مكانه، ولا يعلم سلامته، فتبرع وأخرج الزكاة عنه. وقال البندنيجي: إن الشافعي – ﵀ – فرَّع المسألة على القول بجواز نقل الصدقة، وعلى القولين معاً إذا كانت المسافة قريبة أو بعيدة، ولم يكن أهل السُّهمان في بلد المال [وكان المالك في أقرب البلدان إلى بلد المال] وفيه أهل السهمان. والقاضي أبو الطيب ومن تبعه قالوا: إن ذلك تفريع على جواز النقل، وعلى منعه يحمل ما إذا كان غائباً عن يد صاحبه وهو معه في البلد، أو غائباً في بلد ليس فيه من أهل السهمان أحد. قال: ويجوز أن ينوي قبل حال الدفع، [أي: وبعد] العزل؛ لأنها عبادة يجوز تقديمها على وجوبها من غير عذر؛ فجاز تقديم نيتها عليها، ولأن الفعل غير [مقصود] فيها؛ ولذلك جازت الوكالة فيه. وهذا ما صححه الماوردي وابن الصباغ وصاحب "البحر"، و [ادعى] البندنيجي أنه المذهب، ولم يورد القاضي الحسين في كتاب الصيام غيره، وقال القاضي أبو الطيب، وغيره: إنه خرج من نص الشافعي – ﵀ – في الكفارات حيث قال: "لا تجزئ حتى ينوي مع التعجيل أو قبله"،

стр. 2727

والزكاة كالكفارة بلا فرق. وقيل: لا يجوز؛ لأنها عبادة يدخل فيها بفعله، فاشترط أن تكون النية مقرونة بها كالصلاة. واحترزنا بقولنا: بفعله، عن الصوم، وهذا ما ادعى القاضي الطبري- كما قال في "البحر" – أنه أشبه بمذهب الشافعي – ﵀ – في "الأم"، وهو جار في الكفارة أيضاً، صرح به البندنيجي وغيره، [ومقابله] حمل النص على ما إذا استصحب النية إلى حال التكفير. أما إذا نوى قبل العزل فقد قال الماوردي في كتاب الأيمان: إنه لا يجزئ وجهاً واحداً؛ لأنها تجردت عن الفعل فكانت قصداً، ولم تكن نية. لكن يخدش هذا ما حكاه الرافعي عن "فتاوي" القفال: أنه لو كانت له حنطة عند غيره وديعة، فقال للمودع: كل منها كذا لنفسك، ونوى أن يكون ذلك عن زكاته – ففيه وجهان: أحدهما: لا يجزئه؛ لأن المالك لم يكله عليه، وكيله لنفسه لا يعتبر. ومقابله: أنه يجزئه، وإن لم تكن نية المالك قد اقترنت بالعزل. وقد ظهر لك مما ذكرناه أن العبادات أربعة أقسام: قسم لا يجوز تقديم النية عليها، ويشترط أن تكون مقارنة لأولها، وهي الصلاة والطهارة والحج. وقسم يجوز تقديمها عليها، وهل تجب؟ فيه خلاف، وهو صوم الفرض.

стр. 2728

وقسم يجوز تأخيرها عن أولها وهو صوم التطوع. وقسم مختلف في جواز التقدم فيه، وهو الزكاة والكفارات، والتضحية ملحقة [بهما، صرح] به الإمام في كتاب الأضحية. قال: وإن دفع إلى وكيله، ونوى وكيله، أي عند الدفع لأهل السُّهمان، ولم ينو رب المال، أي عند الدفع إلى الوكيل – لم يجزئه؛ لأن المتعبد بالزكاة رب المال ولم ينو، ومن طريق الأولى ألا يجزئه إذا لم ينو الوكيل أيضاً، قال ابن الصباغ: وذلك يتصور [بألا ينوي بها الزكاة] ويقصد الصدقة، وهذا بخلاف ما إذا دفع إلى الإمام ولم ينو رب المال ونوى الإمام أو لم ينو على أحد الوجهين كما تقدم. نعم، قال الإمام – وتبعه الغزالي -: لو دفع إلى الوكيل وفوض إليه النية جاز. قال: وإن نوى رب المال، أي: عند الدفع إلى الوكيل لا غير، ولم ينو الوكيل، أي عند الدفع لأهل السهمان أو نائبهم – فقد قيل: يجوز؛ لأن العبادة في إخراج المال وهو للموكل فاكتفى بنيته، وقيل: لا يجوز كما في الحج، وهذا بخلاف ما لو دفع إلى الإمام ونوى ولم ينو الإمام؛ فإنه يجزئه قولاً واحداً؛ لأن الإمام نائب أهل السهمان فأشبه ما لو اقترنت نيته بالدفع لهم. والقائل بالأول فرق بأن العبادة في الحج تؤدي بأفعال النائب؛ فلذلك اشترط الإتيان بنيته، والنائب هنا يؤدي العبادة بمال المستنيب؛ فلذلك كانت نيته هي المعتبرة، والوجهان عند صاحب "التقريب" وغيره مخرجان على الخلاف السابق في تقديم نية رب المال على الصرف: فإن قلنا: يجوز، أجزأت هاهنا، وإلا فلا. قال الإمام: وهذا هو القياس، ومن الأصحاب من قطع هاهنا بالإجزاء، وجعل اقتران النية بالتسليم [إلى الوكيل بمثابة اقترانها بالتسليم] لأهل السهمان، والفرق بينهما قد تقدم. وقد أشار في "الوسيط" إلى هذه الطريقة بقوله: لو قدم النية على التسليم إلى المساكين أو نائبهم فثلاثة أوجه، ثالثها: أنه إن قدم على التنقيص ولكن اقترن بفعله

стр. 2729

عند التسليم إلى الوكيل جاز. وأراد بالتنقيص: الصرف إلى أهل السهمان؛ [فإن به] يحصل أداء المال [في يد الوكيل قبل الصرف على ملك رب المال]، حتى لو تلف [كان كما لو تلف] في يده قبل الدفع إلهي. وقد سكت الشيخ عن الحالة التي لا خلاف فيها في الإجزاء، وهي ما إذا نوى الموكل [عند الدفع إلى الوكيل، والوكيل حال الدفع إلى أهل السهمان]، وكذا فيما إذا نوى [الموكل] حال دفع الوكيل [المال] لأهل السهمان، صرح به الإمام. أما الصبي والمجنون فينوي عنهما الولي وجوباً؛ لأن المؤدَّى عنه ليس أهلاً للنية، كما [أنه] ليس أهلاً للقسم والتفريق، فينوب عنه في النية كما في القسمة، فلو دفع من غير نية لم تقع الموقع، وعليه الضمان، قاله ابن كج، ومساق التعليل يقتضي منع إلحاق السفيه بهما؛ لأنه من أهل النية، وفي الاعتداد بنيته نظر، والله أعلم. قال: وإن حصل عند الإمام ماشية، أي زكاة أو غيرها – فالمستحب: أن يسم الإبل والبقر في أصول أفخاذها، والغنم في آذانها؛ لما روى الشافعي – ﵁ – بإسناده "أن النبي ﷺ كان يسم الإبل في أفخاذها"، وروى "أن أنساً دخل

стр. 2730

على رسول الله ﷺ وهو يسم الغنم في آذانها"؛ فثبت ذلك في الإبل والغنم بالنص، وألحقنا البقر بالإبل؛ لأنها أقرب إليها في القوة والجلادة وخفة الشعر في الأفخاذ، قال الإمام: وكذا الخيل يسمها في الأفخاذ. قال الأصحاب: فالمعنى من الوسم: أن الإمام تكون عنده إبل الجزية وإبل الصدقة والفيء، ولكل صنف جهة ينصرف إليها؛ فلابد من علامة يقع التمييز بها، ولأنه قد يند منها بعير أو تضيع منها بقرة أو شاة، فإذا كانت موسومة حفظها كل من وجدها، ولا يحبسها لقطةً، ولأنه يكره للرجل أن يشتري صدقته، فإذا لم يكن عليها وسم ربما اشتراها و [لا] يعلم أنها صدقته، فإذا كانت موسومة احترز وتجنبها؛ كي لا يقع في المكروه. والمعنى في كونه في الإبل والبقر في الأفخاذ، والغنم في الآذان: أن ذلك موضع يقل فيه الشعر وهو صلب؛ فيخف فيه الألم. ولا يستحب في الوجه، بل يكره؛ لنهي ورد فيه، وهو ما رواه مسلم: "لعن الله فاعله" قال الإمام: والخبر عندنا يقتضي التحريم. وهو الموافق لما في "التهذيب" حيث قال: إنه [لا يجوز]. [قال] في "الروضة": وهو الأقوى. ويستحب [أن تكون سمة الغنم ألطف] من سمة الإبل [والبقر، نص عليه، قال الفوراني: وتكون سمة البقر ألطف من سمة الإبل]؛ لأنها أضعف. قال: فإن كانت من الزكاة كتب: [لله، زكاة أو صدقة]، وإن كانت من الجزية كتب: جزية أو صغاراً؛ لأن بذلك يحصل التمييز المقصود. [وعن بعض شارحي "المختصر": أن الوسم تعذيب للحيوان، والغرض منه

стр. 2731

التمييز]، وأنه يحصل بحرف واحد؛ فوجب أن يقنع به. وقد يوجد في بعض نسخ "التنبيه": "وإن كانت من الزكاة كتب: لله، أو: صدقة، [أو زكاة] "، وهو ما نص عليه في "المختصر". وقال في "الحاوي": إن كتابة "لله" أحبها الشافعي – رحمه الله تعالى- تبرُّكاً بذكر الله تعالى واقتداء بالسلف، قال أبو الطيب: ولأنها أسهل وأقل حروفاً، قال الرافعي: وقد استبعد ذلك في "شرح الوجيز"؛ لأن الدواب تتمعك في النجاسات وتضرب أفخاذها بأذنابها وهي نجسة، فلينزَّه اسم الله – تعالى- عنه. وقد رأيت هذا الاستبعاد لبعض المتقدمين ممن شرح "المختصر" وهو القائل بالاكتفاء بحرف واحد. قال: ويجوز أن يجاب عن الأول بأن إثبات اسم الله – تعالى – هاهنا لغرض التمييز والإعلام، لا على قصد الذكر والتبرك، ويختلف التعظيم والاحترام بحسب اختلاف المقصود؛ ألا ترى أن الجنب يحرم عليه قراءة القرآن، ولو أتى ببعض ألفاظه على غير قصد القراءة لا يحرم؟! وعن الثاني: بأن الغرض ظهور الوسم وسهولة الوقوف عليه، وذلك لا يحصل بالحرف الواحد. وحيث جاز الوسم لما ذكرناه – وإن كان فيه تعذيب الحيوان بالنار – فهل يجوز خصيه لأجل طلب سمنه ودفع علته؟ ينظر: إن كان غير مأكول فلا، وإن كان مأكولاً، قال القاضي الحسين: فيحتمل وجهين: أحدهما: يجوز كالوسم؛ فإن فيه تطييب اللحم وقد روي أنه – ﵇ – ضحَّى بكبشين موجوءين. والثاني: لا يجوز؛ لأن فيه تعذيب الحيوان لغير مأكلةٍ. قال: وعلى هذا تجفيف الملح في الشمس حتى يموت الدود الذي فيه، يخرج على الوجهين. وقال في "التهذيب" – وهو الذي أورده الرافعي -: يجوز خصي ما يؤكل لحمه في

стр. 2732

حال الصغر، ولا يجوز في الكبر. وبه يحصل في المسألة ثلاثة أوجه. قال: [ويجب صرف] زكاة المال إلى ثمانية أصناف، أي: إن وجدت؛ للكتاب والسنة والقياس: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ...﴾ الآية [التوبة: ٦٠]، والدلالة فيها من ثلاثة أوجه قالها أبو الطيب: أحدها: [أنه] أضاف "الصدقات" إليهم بلام التمليك، وعطف بعضهم على بعض بالواو الموضوعة للتشريك، وكل ما يصح أن يملك إذا أضيف إلى من يصح أن يملك، معيَّناً كان أو موصوفاً – اقتضت الإضافة ثبوت الملك له، أصله في المعين ما إذا قال: هذه الدار لزيد وعمرو وبكر، وفي الموصوف ما إذا قال: أوصيت بها للفقراء والمساكين [والغارمين ونحوهم. الثاني: أنه ذكر الفقراء والمساكين،] فجمع بينهما في الذكر، وهو لو اقتصر على ذكر الفقراء لجاز الصرف [إلى الفقراء] والمساكين، وجاز الاقتصار على [الصرف] لأحدهما، [وكذا لو] اقتصر على ذكر المساكين لجاز الصرف لهم وللفقراء، وجاز الصرف لأحدهما، وإنما جمع بين الصنفين في الذكر؛ ليبين أنه لا يجوز الاقتصار على أحدهما؛ فدل على أن صرف الصدقة إلى جميع هذه الأصناف واجب؛ إذ لا قائل بالفرق. الثالث: أنه قال: ﴿فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ﴾ والفرض في اللغة: التقدير، وفي الشرع: الإلزام، واللفظ إذا كان له موجبان: لغوي وشرعي، كان حمله على الشرعي أولى. فإن قيل: [يجوز أن يكون أراد إضافة كل] الصدقات إلى كل الأصناف، لا أنه جعل كل صدقة لكل الأصناف؛ فيدفع صدقة زيد للفقراء، وصدقة عمرو للمساكين، وصدقة بكر للغارمين وهكذا.

стр. 2733

قلنا: إن أراد هذا القائل بذلك إذا كان الإمام هو المفرق لها، قلنا له: الحكم عندنا كذلك؛ فإنه لا يجب عليه أن يدفع كل زكاة إلى الأصناف، بل له أن يدفع زكاة الشخص الواحد لصنف [واحد، بل لشخص واحد] إذا عمم جميع الأصناف بالصرف، لكن ليس للآية – كما ستعرفه – بل لأنه نائب أهل السهمان في القبض، فإذا حصلت الزكوات في يده صارت كزكاة الشخص الواحد فيتصرف فيها كما ذكرناه. فإن قلت: هذه العلة تقتضي أن يساوي الساعي الإمام في ذلك، وقد قال في "الحاوي": إن الساعي إذا كان هو الصارف ليس له أن يخص بكل صدقة صنفاً كالإمام؛ لأن نظره خاص لا يستقر إلا على ما جباه، وربما صرف فلمي قبض باقي الأصناف، بخلاف الإمام. نعم، له أن يصرف صدقة كل شخص في جميع الأصناف، وله أن يجمع جميع الصدقات ويفرقها في الأصناف. قلت: [و] قد سوى في "البحر" في موضع منه [بينه وبين الإمام، وعلى تقدير التسليم – وهو ما ذكره في موضع آخر منه] – فقد حصل الفرق بينهما بما ذكرناه، وقد يستدل لذلك بقوله – ﵇ – لسلمة بن صخر الأنصاري- ﵁ – وقد ظاهر من امرأته وعجز عن الكفارة: "انطلق إلى صدقة بنى زريق فلتدفع إليك، فأطعم منها وسقاً ستين مسكيناً، وكل أنت وعيالك بقيَّتها". وإن أراد بذلك: إذا كان أرباب الأموال [هم] المفرقين فهو خلاف الإجماع؛ لأن أحداً لم يصر إلى إيجاب ذلك. وقد يجوز أن يتفق جميع أهل الصدقات على صرفها كلها في أحد الأصناف، فلا يؤخذ ما ذكر على أن حقيقة هذه الإضافة تقتضي أن تكون كل صدقة لكل من سمي؛ ألا ترى أن رجلاً لو قال: هذه [الدور الثلاثة] لزيد وعمرو وبكر، كانت كل دار بينهم أثلاثاً؟!

стр. 2734

وأما السنة فما روى أبو داود عن زياد بن الحارث الصُّدائي قال: "كنت عند النبي ﷺ ، فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له النبي: "إن الله لم يرض بحكم نبيّ ولا غيره في الصَّدقات حتى حكم فيها هو، فجزَّاها ثمانية أجزاء [فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقّك"، فأخبر أنها مقسومة ثمانية أجزاء] وهذا نص لا يحتمل خلافه. وأما القياس: فلأنه مال أضيف شرعاً إلى أصناف [فلم يجز أن يختص به بعض تلك الأصناف كالخمس، أو لأنه مال أضيف إعطاؤه إلى أصناف موصوفين]؛ فلم يجز تخصيص بعضهم به مع وجود بعض كالوصية، وهذا ما عليه جمهور أصحابنا. وقد حكي عن المزني وأبي حفص ابن الوكيل البابشامي أنه يصرف خمسها إلى من يصرف إليه خمس الفيء والغنيمة، وليس بشيء؛ لما ذكرناه. قال أصحابنا: والأصناف الثمانية يستحقون الصدقات للحاجة؛ إلا أن أسباب حاجاتهم مختلفة: فالغزاة وبعض الغارمين والعاملين عليها نعطيهم لحاجاتنا إليهم، وغيرهم نعطيهم لحاجاتهم إلينا، وهم الفقراء والمساكين والمؤلفة قلوبهم، قال القاضي الحسين، على أحد القولين: والرقاب وأحد صنفي الغارمين الذين أدينوا في [مصالح أنفسهم]، وبنو السبيل. فمن دفعت إليه [لحاجته لم يستحقها إلا من الفقر، ومن دفعت إليه] لحاجتنا جاز أن تدفع إليه مع الغني والفقر. وسيأتي على ذلك كلام الشيخ، ﵀. ثم ينقسم جميعهم ثلاثة أقسام: [فمنهم] من يأخذها ويستحقها بسبب متقدم وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها؛ لان السبب الذي استحقوا به: الفقر والمسكنة والعمل، وذلك

стр. 2735

متقدم على الأخذ، فإذا أخذوا شيئاً استقر ملكهم عليه. ومنهم من يستحقها بسبب متأخر، وهم بنو السبيل والغزاة، فيأخذ ابن السبيل [ليبدأ بالسفر]، ويأخذ الغازي [ليبدأ جهاده، فإذا اخذوا لم يستقر ملكهم إلا بسفر ابن السبيل وجهاد الغازي]، فإن لم يوجد ذلك استرجع منهما؛ لفقد السبب الذي تعين به الأخذ والاستحقاق، وسيكون لنا عودة إلى شيء من ذلك. ومنهم من يأخذ بسبب متقدم واستحقاق مستحدث، وهم المؤلفة قلوبهم والمكاتبون والغارمون، وهؤلاء يستقر ملكهم بتغير نيات المؤلفة، وعتق المكاتبين بأداء ما أخذوه، وقضاء ديون الغارمين بالمقبوض، وهكذا الحكم فيما إذا حصل بالمقبوض توفية بعض النجم والدين، ثم حصل العتق بعده، ولا يستقر بدون ذلك، لكنه لا يسترجع منهم ما دام تغيّر النية ورقُّ المكاتب ودين الغارم. [نعم، لو حصل العتق بغير المال المدفوع، وكذا سقوط دين الغارم] فهل يسترجع منه ما أخذه؟ فيه وجهان في آخر "النهاية"، وادعى في "التتمة" أن الظاهر عدم الاسترجاع [والمذكور في "الحاوي" و"المهذب" وتعليق القاضي الحسين وغيرهم: الاسترجاع] وحكى الإمام [هنا] عن صاحب "التقريب" رواية الطريقين [في المكاتب، وكذا القاضي الحسين حكاهما]: أحداهما: إن كان ما أخذه باقياً استرده قولاً واحداً، وإن كان تالفاً ففي [تغريمه البدل] وجهان. والثانية: إن كان تالفاً فلا يغرم بدله قولاً واحداً، وإن كان باقياً ففي استرداده [وجهان] والجزم بعدم التغريم عند تلفه قبل العتق، هو المذكور في "الوسيط" و"التهذيب"، ونسب الرافعي القول بأنه يغرم في هذه الحالة إلى رواية أبي الفرج
следующие страницы →