← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

التمييز]، وأنه يحصل بحرف واحد؛ فوجب أن يقنع به. وقد يوجد في بعض نسخ "التنبيه": "وإن كانت من الزكاة كتب: لله، أو: صدقة، [أو زكاة] "، وهو ما نص عليه في "المختصر". وقال في "الحاوي": إن كتابة "لله" أحبها الشافعي – رحمه الله تعالى- تبرُّكاً بذكر الله تعالى واقتداء بالسلف، قال أبو الطيب: ولأنها أسهل وأقل حروفاً، قال الرافعي: وقد استبعد ذلك في "شرح الوجيز"؛ لأن الدواب تتمعك في النجاسات وتضرب أفخاذها بأذنابها وهي نجسة، فلينزَّه اسم الله – تعالى- عنه. وقد رأيت هذا الاستبعاد لبعض المتقدمين ممن شرح "المختصر" وهو القائل بالاكتفاء بحرف واحد. قال: ويجوز أن يجاب عن الأول بأن إثبات اسم الله – تعالى – هاهنا لغرض التمييز والإعلام، لا على قصد الذكر والتبرك، ويختلف التعظيم والاحترام بحسب اختلاف المقصود؛ ألا ترى أن الجنب يحرم عليه قراءة القرآن، ولو أتى ببعض ألفاظه على غير قصد القراءة لا يحرم؟! وعن الثاني: بأن الغرض ظهور الوسم وسهولة الوقوف عليه، وذلك لا يحصل بالحرف الواحد. وحيث جاز الوسم لما ذكرناه – وإن كان فيه تعذيب الحيوان بالنار – فهل يجوز خصيه لأجل طلب سمنه ودفع علته؟ ينظر: إن كان غير مأكول فلا، وإن كان مأكولاً، قال القاضي الحسين: فيحتمل وجهين: أحدهما: يجوز كالوسم؛ فإن فيه تطييب اللحم وقد روي أنه – ﵇ – ضحَّى بكبشين موجوءين. والثاني: لا يجوز؛ لأن فيه تعذيب الحيوان لغير مأكلةٍ. قال: وعلى هذا تجفيف الملح في الشمس حتى يموت الدود الذي فيه، يخرج على الوجهين. وقال في "التهذيب" – وهو الذي أورده الرافعي -: يجوز خصي ما يؤكل لحمه في

стр. 2732

حال الصغر، ولا يجوز في الكبر. وبه يحصل في المسألة ثلاثة أوجه. قال: [ويجب صرف] زكاة المال إلى ثمانية أصناف، أي: إن وجدت؛ للكتاب والسنة والقياس: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ...﴾ الآية [التوبة: ٦٠]، والدلالة فيها من ثلاثة أوجه قالها أبو الطيب: أحدها: [أنه] أضاف "الصدقات" إليهم بلام التمليك، وعطف بعضهم على بعض بالواو الموضوعة للتشريك، وكل ما يصح أن يملك إذا أضيف إلى من يصح أن يملك، معيَّناً كان أو موصوفاً – اقتضت الإضافة ثبوت الملك له، أصله في المعين ما إذا قال: هذه الدار لزيد وعمرو وبكر، وفي الموصوف ما إذا قال: أوصيت بها للفقراء والمساكين [والغارمين ونحوهم. الثاني: أنه ذكر الفقراء والمساكين،] فجمع بينهما في الذكر، وهو لو اقتصر على ذكر الفقراء لجاز الصرف [إلى الفقراء] والمساكين، وجاز الاقتصار على [الصرف] لأحدهما، [وكذا لو] اقتصر على ذكر المساكين لجاز الصرف لهم وللفقراء، وجاز الصرف لأحدهما، وإنما جمع بين الصنفين في الذكر؛ ليبين أنه لا يجوز الاقتصار على أحدهما؛ فدل على أن صرف الصدقة إلى جميع هذه الأصناف واجب؛ إذ لا قائل بالفرق. الثالث: أنه قال: ﴿فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ﴾ والفرض في اللغة: التقدير، وفي الشرع: الإلزام، واللفظ إذا كان له موجبان: لغوي وشرعي، كان حمله على الشرعي أولى. فإن قيل: [يجوز أن يكون أراد إضافة كل] الصدقات إلى كل الأصناف، لا أنه جعل كل صدقة لكل الأصناف؛ فيدفع صدقة زيد للفقراء، وصدقة عمرو للمساكين، وصدقة بكر للغارمين وهكذا.

стр. 2733

قلنا: إن أراد هذا القائل بذلك إذا كان الإمام هو المفرق لها، قلنا له: الحكم عندنا كذلك؛ فإنه لا يجب عليه أن يدفع كل زكاة إلى الأصناف، بل له أن يدفع زكاة الشخص الواحد لصنف [واحد، بل لشخص واحد] إذا عمم جميع الأصناف بالصرف، لكن ليس للآية – كما ستعرفه – بل لأنه نائب أهل السهمان في القبض، فإذا حصلت الزكوات في يده صارت كزكاة الشخص الواحد فيتصرف فيها كما ذكرناه. فإن قلت: هذه العلة تقتضي أن يساوي الساعي الإمام في ذلك، وقد قال في "الحاوي": إن الساعي إذا كان هو الصارف ليس له أن يخص بكل صدقة صنفاً كالإمام؛ لأن نظره خاص لا يستقر إلا على ما جباه، وربما صرف فلمي قبض باقي الأصناف، بخلاف الإمام. نعم، له أن يصرف صدقة كل شخص في جميع الأصناف، وله أن يجمع جميع الصدقات ويفرقها في الأصناف. قلت: [و] قد سوى في "البحر" في موضع منه [بينه وبين الإمام، وعلى تقدير التسليم – وهو ما ذكره في موضع آخر منه] – فقد حصل الفرق بينهما بما ذكرناه، وقد يستدل لذلك بقوله – ﵇ – لسلمة بن صخر الأنصاري- ﵁ – وقد ظاهر من امرأته وعجز عن الكفارة: "انطلق إلى صدقة بنى زريق فلتدفع إليك، فأطعم منها وسقاً ستين مسكيناً، وكل أنت وعيالك بقيَّتها". وإن أراد بذلك: إذا كان أرباب الأموال [هم] المفرقين فهو خلاف الإجماع؛ لأن أحداً لم يصر إلى إيجاب ذلك. وقد يجوز أن يتفق جميع أهل الصدقات على صرفها كلها في أحد الأصناف، فلا يؤخذ ما ذكر على أن حقيقة هذه الإضافة تقتضي أن تكون كل صدقة لكل من سمي؛ ألا ترى أن رجلاً لو قال: هذه [الدور الثلاثة] لزيد وعمرو وبكر، كانت كل دار بينهم أثلاثاً؟!

стр. 2734

وأما السنة فما روى أبو داود عن زياد بن الحارث الصُّدائي قال: "كنت عند النبي ﷺ ، فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له النبي: "إن الله لم يرض بحكم نبيّ ولا غيره في الصَّدقات حتى حكم فيها هو، فجزَّاها ثمانية أجزاء [فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقّك"، فأخبر أنها مقسومة ثمانية أجزاء] وهذا نص لا يحتمل خلافه. وأما القياس: فلأنه مال أضيف شرعاً إلى أصناف [فلم يجز أن يختص به بعض تلك الأصناف كالخمس، أو لأنه مال أضيف إعطاؤه إلى أصناف موصوفين]؛ فلم يجز تخصيص بعضهم به مع وجود بعض كالوصية، وهذا ما عليه جمهور أصحابنا. وقد حكي عن المزني وأبي حفص ابن الوكيل البابشامي أنه يصرف خمسها إلى من يصرف إليه خمس الفيء والغنيمة، وليس بشيء؛ لما ذكرناه. قال أصحابنا: والأصناف الثمانية يستحقون الصدقات للحاجة؛ إلا أن أسباب حاجاتهم مختلفة: فالغزاة وبعض الغارمين والعاملين عليها نعطيهم لحاجاتنا إليهم، وغيرهم نعطيهم لحاجاتهم إلينا، وهم الفقراء والمساكين والمؤلفة قلوبهم، قال القاضي الحسين، على أحد القولين: والرقاب وأحد صنفي الغارمين الذين أدينوا في [مصالح أنفسهم]، وبنو السبيل. فمن دفعت إليه [لحاجته لم يستحقها إلا من الفقر، ومن دفعت إليه] لحاجتنا جاز أن تدفع إليه مع الغني والفقر. وسيأتي على ذلك كلام الشيخ، ﵀. ثم ينقسم جميعهم ثلاثة أقسام: [فمنهم] من يأخذها ويستحقها بسبب متقدم وهم الفقراء والمساكين والعاملون عليها؛ لان السبب الذي استحقوا به: الفقر والمسكنة والعمل، وذلك

стр. 2735

متقدم على الأخذ، فإذا أخذوا شيئاً استقر ملكهم عليه. ومنهم من يستحقها بسبب متأخر، وهم بنو السبيل والغزاة، فيأخذ ابن السبيل [ليبدأ بالسفر]، ويأخذ الغازي [ليبدأ جهاده، فإذا اخذوا لم يستقر ملكهم إلا بسفر ابن السبيل وجهاد الغازي]، فإن لم يوجد ذلك استرجع منهما؛ لفقد السبب الذي تعين به الأخذ والاستحقاق، وسيكون لنا عودة إلى شيء من ذلك. ومنهم من يأخذ بسبب متقدم واستحقاق مستحدث، وهم المؤلفة قلوبهم والمكاتبون والغارمون، وهؤلاء يستقر ملكهم بتغير نيات المؤلفة، وعتق المكاتبين بأداء ما أخذوه، وقضاء ديون الغارمين بالمقبوض، وهكذا الحكم فيما إذا حصل بالمقبوض توفية بعض النجم والدين، ثم حصل العتق بعده، ولا يستقر بدون ذلك، لكنه لا يسترجع منهم ما دام تغيّر النية ورقُّ المكاتب ودين الغارم. [نعم، لو حصل العتق بغير المال المدفوع، وكذا سقوط دين الغارم] فهل يسترجع منه ما أخذه؟ فيه وجهان في آخر "النهاية"، وادعى في "التتمة" أن الظاهر عدم الاسترجاع [والمذكور في "الحاوي" و"المهذب" وتعليق القاضي الحسين وغيرهم: الاسترجاع] وحكى الإمام [هنا] عن صاحب "التقريب" رواية الطريقين [في المكاتب، وكذا القاضي الحسين حكاهما]: أحداهما: إن كان ما أخذه باقياً استرده قولاً واحداً، وإن كان تالفاً ففي [تغريمه البدل] وجهان. والثانية: إن كان تالفاً فلا يغرم بدله قولاً واحداً، وإن كان باقياً ففي استرداده [وجهان] والجزم بعدم التغريم عند تلفه قبل العتق، هو المذكور في "الوسيط" و"التهذيب"، ونسب الرافعي القول بأنه يغرم في هذه الحالة إلى رواية أبي الفرج

стр. 2736

السرخسي، والله أعلم. قال: أحدها: العامل، أي: إذا استعمله الإمام ليأخذ من الصدقات؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] ولقوله ﵇: "لا تحلُّ الصَّدقة لغنيّ إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهداها المسكين للغنيّ" أخرجه ابن ماجه مسنداً. أما إذا استأجره بأجرة من بيت المال، أو جعل له جعلاً من بيت المال - فلا حق له في الصدقات، قال البندنيجي والمتولي، وقال الإمام: إن الظاهر جواز ذلك، ولا يعدم الطالب من فحوى كلام الأصحاب ما يدل على أن حرمان العاملين من الصدقات بالكلية [لا يجوز]. وإنما قدم الشيخ العامل على غيره؛ لأنه المقدم في القسمة على الأصح، وعليه نص الشافعي ﵀ في "المختصر"؛ لأن ما يأخذه عوضٌ؛ فكان أقوى

стр. 2737

ممن يأخذ مواساة، وقاله في "المهذب"، ولأن ما يفضل عن أجرة عمله من الثمن يردُّ إلى بقية الأصناف، وكذا ما ينقص عنه يؤخذ من سهامهم على قول، وفي تقديم الصرف إليه معرفة ما يتبقى لهم؛ فتسهل قسمته، ويؤمن معه الاسترجاع والزيادة. والآية وإن بدأ فيها بالفقراء؛ لأنهم أشد الأصناف [حاجة] فلا ترتيب فيها؛ لأن الواو لا تقتضيه، بخلاف كلام الشيخ؛ [فإن مقتضٍ للترتيب؛ فإن الأول يتعقَّبه ثان وثالث، وقد أفهم كلام الشيخ] [أن هذا السهم] إنما يستحق بالعمل؛ لأنه جعل للعامل، وإنما يصدق هذا الاسم عند وجود العمل، والمراد به: قبض الصدقات من أرباب الأموال وما يتوصل به [إليه]، كما دل عليه كلام الأصحاب؛ حيث قالوا: إن رب المال إذا فرق الزكاة بنفسه سقط نصيب العامل، وقسم الزكاة على سبعة أصناف، وليس له أن يقول: اصرفوا إليَّ ما يصرف للعامل؛ لأنه يفعل ما وجب عليه. نعم، قال الإمام: لو كان يحتاج إلى مؤنة في النقل عند مسيس الحاجة إليه فتكليفه المؤنة إثبات غرم عليه زائدٍ على وظيفة الزكاة، وليس في حكم معتدّ حتى يغلظ عليه بإلزامه المؤنة؛ فلا ينقدح إلا أمران: أحدهما: أن يتوقف إلى أن يطرقه المستحقُّ، أو يحسب من الزكاة ما يجوز للساعي أن يحتسبه منها. قال: وهذا يعارضه أن الساعي قابض للمساكين وغيرهم من المستحقين، [والإمام] ناظر لهم نظر الولي للمولَّى عليه، أو نظر القاضي في أموال الغيّب، أو نظر الوكيل للموكل، ولو تلف ما أخذه الساعي كان محسوباً على أهل السّهمان، والزكاة مادامت في يد ملتزمها فهي في ضمانه، هذا وجه التردد، وحيث قالوا: لو دفع رب المال الزكاة إلى الإمام الأعظم أو نائبه على القطر نيابة شاملة لقبض الزكوات وغيرها، [ففرَّقها] – سقط نصيب العامل أيضاً؛ لأن الإمام ونائبه في

стр. 2738

القطر يأخذ كفايته من بيت المال على الإمامة والنيابة؛ فلا يجوز أن يأخذ عوضاً عن بعض ما تشتمل عليه الإمامة والنيابة. قال في "البحر": قال القاضي أبو الطيب: سمعت الماسجرجسي يقول: وكذا القضاة إذا أخذوا أجورهم لم يكن لهم أن يدخلوا أيديهم مع كل متولٍّ [في كل وقف]. والذي يتوصل به إلى القبض. العريف: وهوا لذي يعرف العامل أهل الصدقات. والحاشر: وهو الذي يحشرهم إليه، أي: يستدعيهم. والجابي: الذي يجبي الصدقات. والكاتب: الذي يكتبها – يعطون من سهم العامل. لكن قد قال الأصحاب: إنه يعطي من هذا السهم لمن يعرّفه حاجات الأصناف إذا دخل البلد إن كان غريباً، وقضية ذلك: ألا يسقط عند الدفع إلى الإمام والناظر في الإقليم إلا إذا كان عارفاً بحاجات الأصناف. و [أجرة] النقال والجمال إلى أهل الصدقات من الصدقات بلا خلاف، وأجرتهما عند الأخذ من أرباب الأموال من أين تكون؟ فيه وجهان جاريان في أجرة راعيها وحافظها بعد الأخذ: أحدهما: من الصدقات. والثاني: من سهم العامل. حكاهما الماوردي. وفي أجرة الكيَّال والوزّان والعدَّاد عند الأخذ من رب المال وجهان: أحدهما: أنها على رب المال؛ كما يجب ذلك على البائع [في البيع]؛ إذ هو من تمام التسليم، وهذا قول ابن أبي هريرة، والأصح في "الشامل" وغيره، ولم يحك القاضي أبو الطيب غيره. والثاني: أنها على أهل السهمان؛ فتكون من الوسط كأجرة النقال، وهذا قول أبي إسحاق، حكاه البندنيجي، قال في "البحر": وهو الأصح عندي.

стр. 2739

وقال الماوردي: عوضه أنها تكون من سهم العامل، وعزاه إلى أبي إسحاق أيضاً. قال: ومن شرطه أن يكون حرّا فقيهاً أميناً، أما وجه اعتبار الحرية والأمانة؛ فلأن ذلك ولاية على مال الغير، والعبد والفاسق ليسا من أهلها، ووجه اعتبار الفقه فيه: أنها ولاية من جهة الشرع [فيما] يفتقر [فيه] إلى الفقه؛ فاعتبر أن يكون المولى عارفاً [به] كالقضاء، والمراد: أن يكون فقيهاً في الزكاة، فيعرف ما تجب فيه من الأموال وقدر نصبها وقدر الواجب، وأوصاف مستحقيها، ومبل استحقاقهم منها، لا أن يكون فقيهاً في غير ذلك. وفي اعتبار الفقه تنبيه على اشتراط الإسلام فيه؛ [لأن] الفقه في الصدقات متوقف عليه؛ إذ أدلته: الكتاب والسنة، وبه صرح الأصحاب موجهين له بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] يعني من دون المسلمين، وروي أن أبا موسى الأشعري رفع إلى عمر حساباً؛ فاستحسنه فقال: من كتب هذا؟ فقال كاتبي، قال: وأين هو؟ قال: هو على باب المسجد، قال: أجنبٌ هو؟ قال: لا، ولكن هو نصراني فقال: لا تأمنوهم وقد خوّنهم الله – تعالى- ولا تقرّبوهم وقد أبعدهم الله! قال: ولا يكون من حرمت عليه الصدقة من ذوي القربى، أي: إذا عمل ليأخذ من الزكاة؛ لقوله – ﵇ – للفضل بن العباس، وقد طلب منه أن يجعله عاملاً على الصدقة: "أليس في خمس الخمس ما يكفيكم ويغنيكم عن أوساخ النَّاس؟! ". وهذا ما [نص عليه كما] حكاه البندنيجي، و [قال] أبو الطيب غيره: إنه ظاهر المذهب. [وقال القاضي الحسين والشيخ في "المهذب": إنه المهذب].

стр. 2740

وقيل: يجوز أن يكون منهم؛ لأن ما يأخذه أجرة فلا تمنع منه القرابة كأجرة النقال والحافظ؛ فإنه يجوز صرفها لهم وفاقاً، كما يجوز صرفها لسيد العبد إذا عمل والكافر وإن لم يكونا من أهل الزكاة، كذا حكاه العراقيون، وقال في "البحر": إنه اختيار القفال، وهوا لذي صححه الإمام في ضمن فرع من الباب، وكذا أبو الحسن العبادي، كما قال الرافعي. وقد يرج حاصل الخلاف إلى [أن] ما يأخذه العامل أجرة أو زكاة؟ وفيه خلاف حكاه الفوراني وغيره، فإن قلنا: أجرة، جاز، وألا فلا. فإن قيل: هذا فاسد؛ لأن الصحيح أنه أجرة كما قال ابن يونس، والمذهب: أنه لا [يجوز أن] يكون من ذوي القربى كما قال هو وغيره؛ فبطل ما ذكرتم. قلت: الصحيح أن ما يأخذه العامل زكاة وإن كان مقدراً بأجرة عمله، وتصرف إليه وإن كان غنيًّا، وهو الذي جزم به الماوردي، وحكاه عن الشافعي – ﵀ – متمسكاً فيه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠] فشرك في تمليكها بين الفقراء والمساكين والعاملين؛ فلم يجز أن يزال عن الصدقة حكمها باختلاف المتملكين. وقد جعل الإمام شاهد الوجه الأول في أن المأخوذ أجرة: جواز صرف أجرة العامل من سهم المصالح، وشاهد كونه زكاة: منع ذوي القربى منه. ولا خلاف في أنه يجوز أن يكون عاملاً إذا تبرع بالعمل، ويقال: إن الرشيد ولّي الشافعي – ﵀ – صدقات اليمن. قال ابن الصباغ: وكذا [إذا] عمل على أن يعطي من بيت المال. قال الرافعي: ويجري الوجهان فيما إذا جعل بعض المرتزقة عاملاً. ثم إذا قلنا بالمذهب فعليه فرعان يمكن أخذهما من كلام الشيخ الآتي من بعد:

стр. 2741

أحدهما: إذا عدم خمس الخمس، أو وجد، لكن منعوا حقهم منه فهل يجوز أن يكون [منهم]؟ فيه وجهان. الثاني: موالي ذوي القربى هل يجوز أن يكونوا عمالاً؟ فيه وجهان، المذهب في "تعليق" القاضي الحسين: الجواز؛ لأن منع ذوي القربى منه لشرفهم وفضلهم، وهو مفقود في مواليهم. ووجه مقابله: ما روى أبو داود عن أبي رافع – وهو مولى رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع: اصحبني فإنك تصيب منها، قال: حتى آتى النبي ﷺ فأسأله، فأتاه فسأله، فقال: "مولى القوم من أنفسهم، وإنّا لا تحلُّ لنا الصّدقة"، قال الترمذي: وهو حديث حسن صحيح. والرجل الذي بعثه رسول الله ﷺ هو الرقم بن [أبي] الأرقم، وهوا لذي استخفى رسول الله ﷺ في داره بمكة في أسفل الصفا حتى كملوا أربعين رجلاً آخرهم عمر بن الخطاب – ﵃ – وهي التي تعرف بالخيزران. وقد اشترط الأصحاب في العامل أن يكون مكلفاً، وسكوت الشيخ – ﵀ – عن ذلك؛ للعلم بوضوحه؛ فإن الصبي والمجنون مولّى عليهما، فكيف يليان على غيرهما؟! وأفهم كلامه أنه لا يشترط فيه الذكورة حيث لم يتعرض لها، وهو ما صرح به الماوردي حيث قال: فإذا تكاملت الخصال المذكورة جاز أن يكون عاملاً عليها، سواء كان رجلاً أو امرأة، وإن كرهنا تقليد النساء لذلك؛ لما عليهن من لزوم الحرم؛ لأن المرأة لما جاز [أن تلي أموال الأيتام جاز] أن تلي أموال

стр. 2742

الصدقات، وسنذكر عن الروياني وغيره خلافه. وكل هذه الشروط إذا كان التفويض عاماً، فإن عين له الإمام شيئاً يأخذه فلا يعتبر أن يكون فقيهاً. قال الماوردي: وكذا لا يعتبر الإسلام والحرية. قال في "الروضة": [و] في عدم اشتراط الإسلام نظر. قال: ويجعل له الثمن؛ لأن الزكاة إذا قسمت على ثمانية هذا أحدها خصه الثمن، واستغنى الشيخ – ﵀ – بما ذكره هنا عن أن يذكر فيما بعد عند ذكر كل صنف أنه يجعل له الثمن. ثم ما ذكره في العامل مخصوص بما إذا كان أهل باقي السهام موجودين، فلو فقد بعضهم وقلنا: يقسم سهمه على باقي [أهل] الأصناف [أدخل العامل] في القسمة، وجعل له ما يقتضيه التوزيع من السبع أو السدس أو الخمس، صرح به ابن الصباغ والبندنيجي، وأفهمه كلام الشيخ وغيره. قال: فإن كان الثمن، أي: عند وجود [جميع] الأصناف، أكثر من أجرة عمله – [ردَّ الفاضل؛ لأنه يأخذه في مقابلة عمله فلا يعطي زائداً على ما يقابله وهو أجرة المثل. ثم أجرة العمل] تارة تكون مقدرة في إجارة أو جعالة يقررها الإمام له من مال الزكاة، وتارة يقول له: اعمل بأجرة تأخذها من الزكاة، والكل جائز. قال: على بقية الأصناف؛ كما لو توفر نصيب العامل بجملته. ولو جعل له أكثر من أجرة المثل فتفسد التسمية من أصلها، أو يكون قدر أجرة المثل من الزكاة، وما زاد في خالص مال الإمام؟ فيه وجهان. قال: وإن كان أقل، أي: الثمن أو ما خصَّ العامل من التوزيع تمّم من خمس الخمس في أحد القولين؛ كي لا ينقص كل صنف عما أعطاه الله، ويأخذ العاملون أكثر مما أعطاهم الله من الزكاة. قال: ومن الزكاة [في الثاني، أي]: من حق الأصناف الباقية؛ لأنه يعمل لهم

стр. 2743

فأشبه الأجير الذي ينقل المال، ولأنه لما رد عليهم الفاضل رجع عليهم بالناقص، وهذا ما صححه الفوراني والنواوي، واختاره القفال، وهذه طريقة المزني التي حكاها الماوردي لا غير، صححها في "المهذب". وأبدل القاضي أبو الطيب القولين بوجهين، والخلاف مأخوذ من قول الشافعي [في موضع من كتابه] [في "المختصر"]: "كمل من سهم المصالح سهم رسول الله ﷺ ، ولو كمَّله من مال أهل السهمان لم أر ذلك ضيّقاً": فمن الأصحاب من أجرى اللفظ على ظاهره، وقال الإمام: مخير: إن شاء أخرجه من سهم المصالح، وإن شاء أخرجه من بقية السهام، والخيرة تتبع الاجتهاد لا على وجه التشهّي، وهذا معزيٌّ في "الشامل" إلى أبي إسحاق، واختاره ابن أبي هريرة كما قال في "البحر"، وقال القاضي أبو الطيب: إنه ظاهر مذهب الشافعي. ومنهم من قال: جواب الشافع محمول على حالين، هؤلاء اختلفوا في الحالين ما هما؟ فمنهم من قال: الموضع الذي قال: يتمم من خمس الخمس، إذا قسم نصيب أهل السّهمان أولا؛ فإنه يعسر الاسترداد منهم، والموضع الذي قال: يتمم من مال أهل السهمان، [إذا كانت البداية بقسمة نصيب العاملين. ومنهم من قال: الموضع الذي قال: يكمل [من مال] أهل السهمان] إذا فضل من استحقاقهم [فضلٌ] فيكمل من الفضل، والموضع الذي قال: من سهم المصالح، إذا لم يفضل من استحقاق أهل السهمان فضل. وهذا مجموع ما ذكره العراقيون. ومنهم من قال: إن كان في بيت المال من سهم المصالح شيء صرف إليه، وإلا فيعطيهم من سهم الصدقات، وهذا ما أورده القاضي الحسين. وقد أغرب صاحب "التقريب" فذكر قولاً آخر في [أصل] المسألة، وهو أنه إذا لم يف سهم العامل بأجرة مثله فليس له إلا ذلك السهم، ولا يكمل من موضع آخر.

стр. 2744

قال الإمام: ولو صح هذا للزم على طرده أن يقول: [سهم العامل لو زاد] على أجرة المثل [فله أخذه بالغاً ما بلغ؛ ليعادل اقتصاره على ما يجد وإن نقص عن أجرة المثل]. وهذا بعيد لا يسمح به صاحب "التقريب"، ولم يصر إليه أحد من الأصحاب. قال: والثاني: الفقراء؛ للآية. [قال:] وهم الذين لا يقدرون على ما يقع موقعاً من كفايتهم، هكذا قاله الأصمعي، [واختاره الشافعي] في الجديد، وسنذكر لفظه. ونقل المزني عن الشافعي أنه قال في القديم: الفقير: الزّمن الضعيف الذي لا يسأل الناس. فمن الأصحاب من جعل في اشتراط الزّمانة [وعدم التكسب في إطلاق اسم الفقير قولين، ومنهم من قال: هل يشترط التعفف عن السؤال؟ قولان، فإن قلنا: يشترط، فهل تشترط الزمانة؟] [فيه قولان حكاهما في "البحر"، قال الإمام: وإذا قلنا باشتراط الزّمانة] ففي اشتراط العمى وجهان. والمعتبرون قطعوا بالجديد، وأوّلوا ما نقل عن القديم، وعلى هذا جرى المصنف حيث قال: "فإن رآه قوياً وادعى أنه لا كسب له أعطاه من غير يمين وقيل: يعطي بيمين]، فجزم بإعطائه مع الصحة. و"الفقير" مشتق من انكسار "الفقار" – وهو الظهر- الذي لا تبقى معه قدرة، وقيل: من "الفاقرة"، وهي الداهية العظمى، أو الهلاك المستأصل، أو الشر المجلّي. ثم عدم القرة على ما يقع موقعاً من الكفاية يصدق على من لا يملك شيئاً أصلاً وعلى من يملك قدراً يسيراً لا يقع منه موقعاً، قال البندنيجي: مثل أن يكون كفايته عشرة ودخله الدرهم والدرهمان. قال الرافعي: والثلاثة. وعلى ذلك ينطبق قول الشافعي في الجديد. الفقير: هو الذي لا شيء له، [أو له شيء] لا يقع منه موقعاً. وقال الإمام: إنه الذي لا يملك سبداً ولا لبداً، ولا تالداً ولا طارفاً. ولأجله. قال في

стр. 2745

"الوجيز": إنه [الذي] لا يملك شيئاً أصلاً. قال الرافعي: وهو غير معمول بظاهره؛ بل المعنيّ به ما ذكرناه. قلت: ولا جرم أنه قال: لو كان الشخص مالكاً لدار يسكنها وثوباً يلبسه متجملاً به لم يقدح ذلك [في استحقاقه من سهم] الفقراء. وعزاه إلى رواية صاحب "التهذيب" وغيره، وقال: إنهم لم يتعرضوا لعبده الذي يحتاج إلى خدمته، وهو في سائر الصور ملحق بالمسكن. وقال في "الروضة": إن ابن كج تعرض له في كتابه "التجريد" وصرح بأنه كالمسكن، وهو متعين، لكن الإمام قال: إنَّ [ملك] المسكن والخادم لا يمنع من استحقاقه من سهم المسكنة، كما سنصفه. وأما الفقير فلا يحتمل حاله شيئاً من ذلك لا ملك المسكن ولا ملك العبد، وهذا مقوٍّ لإجراء اللفظ على ظاهره على بعد. وكما يصدق عدم القدرة على من ذكرناه يصدق – أيضاً – على من ماله غائب عنه في مسافة القصر، وليس معه ما يقوم بكفايته؛ ولذلك قال البغوي: إنه يجوز له أن يأخذ من الزكاة من سهم الفقراء إلى أن يصل إلى ماله أو يصل ماله إليه. وهو في "تعليق" القاضي الحسين مخرجٌ من نص الشافعي – ﵀ – على أن من له مال ببلد يدفع إليه من سهم أبناء السبيل [إلى أن يصل إليه، وفي "البحر" أن أبا اسحاق المروزي قال: هذا يعطي من سهم [ابن السبيل]، ولا يعطي من سهم] الفقراء، [وهو ما] يفهم من كلام البندنيجي الذي سنذكره في [صنف] ابن السبيل. وكذا يصدق على من لا شيء له إلا دين مؤجل على إنسان؛

стр. 2746

ولأجله صرح الأصحاب بجواز أخذ ما يكفيه من سهم الفقراء إلى حلول الأجل. قال الرافعي: وقد يتردد الناظر في [اشتراط اعتبار] حلوله بقدر مسافة القصر. قلت: [و] لكن ما حكيناه عن نصه في الجديد يخرج من ماله غائبٌ عن اسم الفقر، وكذا من لا شيء له إلا دين مؤجل إذا قلنا: إن الدين مملوك، وإذا كان كذلك فلا ينبغي ان يصرف إليهما من سهم الفقراء، ولم أره لأحد من الأصحاب إلا ما حكيته عن "البحر"، وكذا مقتضى النص [أن] القادر على تحصيلك كفايته، [وكفاية من تلزمه كفايته] بالاكتساب اللائق بحاله، مع وجود من يستكسبه – داخل في اسم الفقر؛ فيجوز الصرف له من سهم الفقراء، ولا قائل به؛ بل جعلوه كالقادر على ذلك بمال معه أو بريع عقار موقوف عليه، وكذلك جعل كالغني من سقوط نفقته عن والديه ومولوديه، ووجوبها عليه لوالديه ومولوديه، وقد قال – ﵇: "ولاحظَّ فيها لغنيّ ولا لذي مرّةٍ سويّ" وهي [القوة]،ويروي:"ولا لذي قوَّة مكتسب"، فسوّى بين الغني والمكتسب، وحينئذ فعبارة الشيخ –﵀ – أجمع للمقصود من غيرها. نعم، لو كان قادراً على الاكتساب لكنه لو اكتسب لذهبت مروءته كأولاد الدهاقنة

стр. 2747

والرؤساء وذوي المروءات، أو كان مشتغلاً بالعلوم الشرعية فلو اكتسب لتعطل عليه الاشتغال – فلا يقدح ذلك في استحقاقه، صرح به في الحالة الأولى القاضي الحسين في "تعليقه" والغزالي في "فتاويه"، وفي الحالة الثانية: الجمهور، موجّهين له بأن تحصيلها من فروض الكفايات، وفي "الروضة" أن الدارمي ذكر فيه ثلاثة أوجه، ثالثها: إن كان نجيباً يرجى تفقُّهه، ونفع الناس به استحق، وإلا فلا. وبالاتفاق لا يعطي للمعطل المعتكف في المدرسة، ولا يتأتى منه التحصيل؛ إذا كان قادراً على كسب كفايته، وكذا من أقبل على نوافل العبادات، وكان الكسب يمنعه عنها أو عن استغراق الوقت بها؛ لأن الكسب وقطع الطمع عما في أيدي الناس أولى من الإقبال على النوافل مع الطمع. ولو لم يجد من يقدر على الاكتساب اللائق بحاله من يستكسبه حلت له الزكاة. ثم ظاهر النص [يقتضي] أن المستغني بنفقة غيره بسبب قرابة أو زوجية، داخلٌ في اسم الفقر؛ [لأنه] لا يملك ما يأخذه إلا شيئاً فشيئاً، وقضيته أن يصرف إليه من سهم الفقراء [وقد ادعى الإمام أنه لا يصرف إليه من سهم الفقراء]. وهل يصرف إليه من سهم المساكين [أم لا]؟ فيه خلاف [سنذكره عن غيره في استحقاقه من سهم الفقراء، وقد صرح الرافعي بأنه هل يصرف [إليه] من سهم الفقراء أم لا؟ فيه خلاف] مرتب على ما إذا أوصى أو وقف على أقارب فلانٍ الفقراء، وفيهم من هو في نفقة غيره: هل يصرف إليه من الوقف أو الوصية [أم لا]؟ وفيه أربعة أوجه عن حكاية الشيخ أبي علي في "الشرح": أحدها- وبه قال ابن الحداد -: نعم. [والثاني]: ويحكي عن [أبي زيد والخضري]-: لا.

стр. 2748

والثالث: - عن الأودني-: [أن من] في نفقة قريبه يستحق، دون الزوجة. والرابع: عكسه. فإن قلنا: لا استحقاق له في الوقف والوصية، فمن الزكاة أولى، وهذا أصح [على] ما ذكره الشيخ أبو علي وغيره. وإن قلنا: له حق هناك، فهاهنا وجهان: أصحهما: أن الجواب كذلك. والثاني: المنع، وبه قال ابن الحداد. والفرق: أن الاستحقاق في الوقف باسم الفقر، ولا يزول اسم الفقر بقيام غيره بأمره، والاستحقاق في الزكاة بالحاجة، ولا حاجة مع توجه النفقة على الغير؛ فأشبه المكتسب الذي يكتسب كل يوم قدر كفايته؛ فإنه لا تصرف له الزكاة وإن كان معدوداً في الفقراء. قال الرافعي: ومن قال بالأول منع هذا وقال: الاستحقاقان منوطان بالفقر؛ فوجبت التسوية. والذي أورده القاضي أبو الطيب في أثناء مسألة من الباب منع الصرف للمستغني بنفقة القريب كالمستغني بريع وقفٍ وُقِفَ عليه، وذلك في الزوجة من طريق الأولى؛ لما سنذكره، وهذا ما ينطبق عليه قول الشيخ؛ لأن هذا يقدر على كفايته أو على ما يقع موقعاً منها، وحكى في "التتمة" في القريب الوجه الآخر: أنه يصرف إليه، وفرق بين استغنائه بما يجب له على قريبه، وبما يستحقه من ريع الوقف؛ فإن استغناءه بقريبه يزول بأخذه الزكاة، ولا كذلك استغناؤه بريع الوقف؛ فإنه لا يزول بأخذها. قلت: اللهم إلا أن يكون موقوفاً عليه بشرط أن يكون فقيراً فحينئذ لا فرق بينهما، [و] لما ذكره من الفرق كان المشهور من المذهب- كما قال-: أن الزوجة لا

стр. 2749

يصرف لها من سهم الفقراء شيء؛ لأن استغناءها بالنفقة لا يزول بأخذها الزكاة. نعم، قال القفال: إن كانت لا تستغني بما تأخذه من النفقة؛ بأن كان لها من تلزمها نفقته، أي من رقيق، أو كانت مريضة، وقلنا: لا تستحق المداواة على الزوج، أو كانت كثيرة الأكل لا تكتفي بالقدر المستحق لها-[فلها] أخذها. قلت: و] ينبغي أن يكون أخذها [حينئذ] من سهم [المساكين كما] قال الإمام. وعلى الأول لو نشزت لم يجز الصرف إليها، وإن كانت [لا] نفقة لها على الزوج؛ لأنها قادرة على إيجابها عليه بالعود إلى الطاعة، قاله القاضي الحسين وغيره، ونسبه الإمام إلى قول العراقيين، وقال الرافعي: إن به أجاب الشيخ أبو محمد. وقال في "التهذيب": إنه يجوز أن تعطي؛ لأنه لا نفقة لها. قال: فيدفع إليهم ما تزول به حاجتهم؛ لأنه المقصود بدفع الزكاة إليهم، والدفع يكون من الثُّمن كما تقدم، فإن كفى بعضه فذاك، وألا استوعب. قال: من أداةٍ يكتسب بها، أي من هو ذو صنعة منهم، وكذا يعطي ما يكفيه إلى أن تحصل له الأداة. قاله الإمام. والأداة – بفتح الهمزة -: الآلة. قال: أو مالٍ يتجر به، أي: من هو متعود بالجارة – و"يتجر": يقال بإسكان التاء وتشديدها – ولا مردَّ لما يدفع إليه من المال بسبب التجارة [إلا العادة، فإذا كان] البقلي يكتفي بخمسة دراهم، والباقلاني [يكتفي] بعشرة دراهم، والفاكهاني بعشرين، والخباز بخمسين، والبقال بمائة، والعطار بألف، والبزاز بألفي درهم، [والصيرفي بخمسة آلاف درهم]، والجوهري بعشرة

стр. 2750

آلاف درهم- أعطي ذلك أو ما يتممه، كذا قاله الماوردي، ومفهومه: إذا كان واحداً ممن ذكرناهم يكتفي بأقل من ذلك أو لا يكتفي إلا بأكثر منه، كان قدر كفايته هو المعتبر، وعليه ينطبق قول غيره: إن المرجع في ذلك إلى عادته، حتى لو كان لا يحسن التجارة إلا بألف، أعطي ذلك. وجعل في "البحر" كفاية من ذكرناهم مقدرة بالمبالغ المذكورة من غير نظر إلى العادة، وذلك يقتضي ألا يزاد عليها ولا ينقص وإن كان العرف على خلافها. ولا جرم قال بعضهم: إن ذلك ليس بشيء، بل المحكم فيها العرف. ومن ليس من [أهل] الصناعة والتجارة، بل من المشتغلين بالعلم، ومن يستغلُّ الضّياع والعقار – يعطي ما يشتري به من العقار والضياع ما يكفيه غلته لنفسه وعائلته على الدوام. [و] قال أبو العباس بن القاص في "المفتاح" – كما قال في "البحر"-: يعطي الفقير والمسكين ما يتمم له قوت [سنة له] ولعياله، ولا يزاد على ذلك؛ لأن الزكاة تتكرر بتكرر الأعوام، ولأنه – ﵇ –كان يدخر لأهله قوت عام، وبهذا قال الغزالي والبغوي، وجزم به الرافعي في "المحرر" كذا قال في "الروضة". وقد رجع حاصل الخلاف إلى [أن]: المعتبر كفايته عاماً، أو كفايته مدة حياته؟ لأنا إذا دفعنا له الآلة ورأس مال التجارة وثمن الضيعة كفيناه مؤنة عمره؛ لأن ما يحصل من ذلك وإن كان شيئاً فشيئاً يكفيه عند حاجته إليه؛ ولذلك قلنا: من يقدر على اكتساب ما يكفيه لنفسه ولعياله يوماً فيوماً، لا يصرف إليه من سهم الفقر والمسكنة شيء، والمنصوص: اعتبار كفاية العمر [الغالب] كما قال في "البحر" و"الروضة"، وكلام الجمهور عليه. [و] في "التتمة" إشارة إلى رفع الخلاف وتنزيل الكلامين على حالين: إن

стр. 2751

أمكنه إعطاء ما تحصل منه كفايته أعطاه، وألا أعطاه كفاية سنة. ورد عليه الرافعي بما لا يكاد يتجه. وقد أبدى الإمام تردداً فيما إذا أراد أن يصرف الشخص الواحد [للفقير ما] يخرجه عن حد المسكنة دفعة واحدة: هل يجوز أم لا؟ فقال: [يحتمل أن يقال]: له ذلك، ويجوز أن يقال: لا يدفع إلى الفقير من سهم الفقراء إلا أقل القليل، والمرعيّ أن يخرج عن حد الفقر، فإذا صار إلى حد المسكنة، صرف إليه تتمة [الكفاية من سهم المسكنة، قال: وهذا الالتفات على أكل الميتة؛ فإنا قد نقول: يرعى غاية الضرورة في] الإقدام على الأكل ثم تردد الرأس] في أنه هل يزيد على سد الرمق، والأشبه عندي بالقواعد: جواز الصرف له كفايته. نعم، لو صرف له ما أخرجه عن حد الفقر، ثم رام غيره أن يصرف له تتمة كفايته – [فلا يعطيه إلا من سهم المسكنة، ولو رام هو بعينه أن يصرف إليه تتمة كفايته] [من سهم الفقراء – والتفريع على أن له أن يعطيه] [كفايته] دفعة واحدة منه – فهل يجوز؟ قال: هذا فيه تردد فإنه؛ يجوز أن يمتنع في دفعتين لتعدد الفعل وتميز الآخر عن الأول، ويجوز أن ينظر إلى اتحاد الدافع. قال: ولا شك أن ذلك في زكاة السنة الواحدة، فإذا تعددت السنة وفي يد الفقير بعينه مما كان أخذ ما يخرجه عن حد الفقر، فلا يعطي ذلك الشخص بعينه إلا من سهم المسكنة. والله أعلم. قال: فإن عرف رجل بالغنى، ثم ادعى الفقر لم يدفع إليه إلا ببينة؛ لأن الأصل بقاء غناه، وما ادعاه يمكن إقامة البينة عليه فكلف إقامتها، ثم البينة إن شهدت بتلف ماله الذي عرف غناه به كفى فيها –كما قال الماوردي – شاهدان، أو شاهد [واحد] وامرأتان، ولا يشترط أن يكونا من أهل الخبرة الباطنة، وإن شهدت البينة بفقره فلابد أن تكون من أهل الخبرة الباطنة بحاله، وفي عددها وجهان في "الحاوي":

стр. 2752

أحدهما: اثنان ذكران. والثاني: ثلاثة، وهو المذكور في "الإبانة" و"التتمة" كما ستعرفه في باب التفليس، وثمّ حكينا عن الإمام تزييفه، ووجهاً آخر عن رواية الشيخ أبي علي فليطلب منه. أما إذا لم تعرف حاله، وادعى الفقر – قبل قولهن قال البندنيجي: بغير يمين؛ لأن دعواه موافقة للأصل، وقال في "التتمة": إن في قبول قوله من غير يمين، الوجهين الآتيين فيما إذا رآه قوياً وادعى أنه لا كسب له. والفقر: بفتح الفاء، وضمها. قال: والثالث: المساكين؛ [للآية]، وهم الذين يقدرون على ما يقع موقعاً من كفايتهم ولا يكفيهم، أي: مثل أن يحتاج الواحد منهم إلى عشرة وهو يقدر على سبعة أو ثمانية، [إما بتجارة] أو بصناعة أو من أجرة ضيعة، ونحو ذلك، هكذا فسره الأصمعي واختاره الشافعي – ﵀ – ولا فرق عنده بين أن يكون ما يملكه من المال نصاباً من الأثمان أو أكثر منه، حال عليه الحول أو لا، فتؤخذ منه الزكاة ويصرف له من الزكاة، ولا فرق بين أن يكون ممن يسأل أو لا، وقد نقل المزني أنه قال في القديم: "المسكين: هو الذي يسأل"، فأفهم [أن] في المسألة قولين. قلت: ويدل على ما قاله في القديم، قوله – ﵇ في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من رواية أبي هريرة – ﵁:"ليس المسكين الذي تردّه التمرة والتَّمرتان والأكلة والأكلتان؛ ولكنّ المسكين الذي لا يسأل النَّاس شيئاً، ولا يفطنون [به] [فيعطونه] "؛ لأنه لو لم يكن المسكين عندهم هو

стр. 2753

السائل لم ينفه – ﵇ – [ونفي رسول الله ﷺ ] اسم المسكنة عنه؛ لأنه بمسألته تأتيه الكفاية، وقد تأتيه زيادة عليها؛ فسقط اسم المسكنة. والأكلة في الحديث: بالضم، وهي اللقمة، وهي بالفتح: المرة الواحدة مع الاستيفاء. والذي عليه أكثر الأصحاب: أن المسألة ليست على قولين، بل على قول واحد وهو الأول، وقول الشافعي – ﵀:"إن المسكين هو السائل"، أراد به أن الغالب ممن يسأل أنه يجد شيئاً. وإذ [قد] عرفت حد [الفقير والمسكين] عرفت أن الفقير عند الشافعي – ﵀ –أشد حالاً من المسكين، وعكسه أبو إسحاق المروزي فقال: المسكين أشد حالاً من الفقير، وبه قال الفراء والقتبي؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] أي: ألصق جلده بالتراب للعجز وغير ذلك، وحجة الشافعي – ﵀ – قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] فأثبت لهم ملكاً، وبدأ الله تعالى – في الآية بالفقراء، وعادة العرب البدأة بالأهم فالأهم؛ ولأن "الفقر" مشتق مما ذكرناه، و"المسكنة" مشتقة من التمسكن" وهو الخضوع، أو من "السكون"؛ لأن له شيئاً يسكن إليه، [وأيَّاً ما] كان فهو أخف حالاً من الأول. قال الأصحاب: والخلاف المذكور لا تظهر له فائدة في الزكاة؛ فإنه لابد من إعطاء الصنفين، وإنما يظهر فيما إذا أوصى للفقراء [بمائة وللمساكين بخمسين، أو بالعكس، أو أوصى للفقراء] دون المساكين، أو بالعكس، أو نذر التصدق على الفقراء دون المساكين، أو بالعكس، [أو وقف على نحو ذلك]، وألا فهو لو أوصى أو وقف أو نذر التصدق على الفقراء أو المساكين [جاز أن يصرف إلى الصنفين، وجاز أن يصرف للفقراء فقط وإن ذكر المساكين،] وللمساكين فقط وإن ذكر الفقراء، كما

стр. 2754

قدمنا حكايته عن رواية القاضي أبي الطيب. وفي "تعليق" البندنيجي هنا: أنه إذا أوصى للفقراء أو المساكين جاز أن يصرف إليهما، والذي وقع النص عليه لا يخرج عن العطية، وقد يؤخذ ذلك من قول الشافعي – ﵀ – الذي حكاه القاضي الحسين: هما اسمان يفترقان إذا اجتمعا، [ويجتمعان إذا افترقا]؛كما في اسم البائع والمشتري، وكما في اسم الفيء والغنيمة. وقال القاضي الحسين بعد حكايته جواز الصرف للصنفين عند الإضافة إلى أحدهما: وفي قلبي من هذا غصة، ولم أره للشافعي – ﵀ – وعندي أنه إذا أوصى للفقراء لا يصرف إلى المساكين، ولو أوصى للمساكين جاز أن يعطي لهما جميعاً. وهذا قد حكاه غيره عن أبي إسحاق كما ستعرفه [في موضعه]. قال: فيدفع إليهم ما يتم به الكفاية، أي: من الثُّمن، فإن لم يحصل إلا بجميعه دفع إليهم. فعلى هذا قال البندنيجي وغيره: يعطي من يحتاج في كل [يوم] إلى عشرة [ومتحصَّله ثمانية ما يتمم له العشرة]، فإن كان صانعاً [أعطي ما يتم له ذلك إلى نهاية عمره، وإن كان تاجراً] أعطي من المال ما يحصل له من ربحه تمام العشرة وإن كان يملك ألف دينار، وإن كان ممن يستغلّ العقار أعطي ما يشتري به عقاراً يتمم بريعه العشرة. وإن كان الواحد منهم لا يستقل بنفسه ما لم يخدم، وكان له خادم-فقد قال الشيخ أبو محمد: إنه غير محسوب عليه إذا لم يكن نفيساً، وكذلك لا يحسب [عليه] مسكنه الذي يأويه ويأوي عائلته كما قلنا: إنه لا يباع ذلك في الكفارة المرتبة، وقال الإمام: إن ذلك ظاهر في المسكن، وكذا

стр. 2755

الخادم الذي يحتاجه لضعف بدنه أو ضعف بصره، أما إذا كان يحتاجه لكونه مخدوماً [لمروءته] ومرتبته في النسا، بحيث لو تكلف خدمة نفسه لانخرمت مروءته- ففيه بعض النظر، ولا يمتنع [أن يفرق] الفارق بين ما نحن فيه والكفارة؛ لأن الكفارات يتطرق إليها توسعات من أدناها! أنها لا تثبت على الفور، وليس في الانتقال من أصل إلى بدل إسقاط الكفارة رأساً، والزكاة مثبتة؛ لشدة [الحاجة] في الفقير والمسكين. ولو كان له كتب فقه [هو محتاج] إليها فقد قال في "الإحياء": إنها لا تخرجه عن المسكنة ولا تلزمه زكاة الفطر، وحكم كتابه حكم أثاث البيت؛ لأنه محتاج إليه، لكن ينبغي أن يحتاط في الحاجة إلى الكتاب؛ فالكتاب يحتاج إليه لثلاثة أغراض: التعليم، والتفرج بالمطالعة، والاستفادة: فالتفرج لا يعد حاجة: كاقتناء كتب الشعر والتواريخ ونحوها مما لا ينفع في الآخرة ولا في الدنيا، فهذا يباع في الكفارة وزكاة الفطر ويمنع اسم المسكنة. وأما حاجة التعليم: فإن كان للتكسُّب كالمؤدّب والمدرّس بأجرة فهذه آلته؛ فلا تباع في الفطرة كآلة الخياط، وإن كان يدرس للقيام بفرض الكفاية لم تبع ولا تسلبه اسم المسكنة؛ لأنها حاجة مهمة. وأما حاجة الاستفادة والتعلم من الكتاب كادّخاره كتاب طب ليعالج به نفسه أو كتاب وعظ ليطالعه ويتعظ به، فإن كان في البلد طبيب وواعظ فهو مستغنٍ عن الكتاب، وإلا فهو محتاج، ثم ربما لا يحتاج إلى مطالعته إلا بعد مدة؛ فينبغي أن

стр. 2756

يضبط فيقال: ما لا يحتاج إليه في السنة فهو مستغن عنه، [وحاجته] بأثاث البيت وثياب البدن مقدرة بالسنة، ولا تباع ثياب الشتاء في الصيف، ولا ثياب الصيف في الشتاء، والكتب بالثياب أشبه، وقد يكون له من كتاب نسختان فيكتفي بالأصح منهما. نعم، لو كان له من علم واحد كتابان: أحدهما مبسوط، والآخر وجيز: فإن كان مقصوده الاستفادة فليكتف بالبسيط، وإن كان قصده التدريس احتاج إليهما. قال في "الروضة": وما قاله حسن إلا في كتاب الوعظ أنه يكتفي بالواعظ، فليس بمختار؛ لأنه ليس كل أحد ينتفع بالواعظ كانتفاعه في خلوته [و] على حسب إرادته. وقد شرع الإمام بعد ذلك في بيان ما تندفع به حاجة المسكين، فقال كلاماً يختص بعضه بالفقير فاعرفه لتلحقه بموضعه، وصورته: المسكين: يأخذ بعضه إلى الاكتفاء والانتهاء إلى مبلغ يفي [فيه] دخله بخرجه، ثم لا ينظر في هذا إلى ما يكفيه مدة [عمره] أو سنةً؛ فإن الذي يملك عشرين ديناراً لو كان يتَّجر ودخله من الربح لا يفي [خرجه، فهو من المساكين في الحال، وإن كان ما في يده يكفيه لسنة فالمرعيّ أن يتموَّل مقداراً ينتظم له منه دخلٌ يفي] بخرجه على ممر الزمان، وإن كان لا يحسن تصرفاً فالأقرب في ذلك: أن يملَّك ما يكفيه في العمر الغالب. كذا أشار إليه شيخي، وفيه يما ينبو عنه القلب؛ فإنه إذا كان [له] خمس عشرة سنة وقد يحتاج في السنة إلى عشرة، فما ذكرناه يؤدي إلى أن يجمع له مالاً جمًّا لا يليق بقواعد الكفايات في مطرد العادات؛ فالقريب من الفقه أن نقول: إن كان يحسن التجارة ملَّكناه مقداراً يرد عليه التصرف فيه ما يكفيه، ثم لا يحطه من الكفاية شيئاً، ولكن يكتفي بما يراه أدنى درجات الكفاية.

стр. 2757

وإن كان ممن لا يتصرف ولا يتجر فقد يتمكن من نصب عامل يحسن التجارة؛ فيرجع الترتيب إلى ما تقدم، وإن عسر هذا وأمكن تصوير العسر فيه فالظاهر عندي: ألا يزاد على نفقة سنة؛ فإن للسنة اختصاصاً بالزكاة فإنها تبج في السنة مرة، وهي في كفاية المحتاجين تنزل منزلة النفقة الحاجية في كفاية من [ينفق] الإنسان عليه، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه كان يدَّخر لأهله قوت سنة. وسنذكر في الأطعمة أو حيث يتفق: أن المجاعة إذا عظمت فلا يدخر الإنسان لنفسه وعياله إلا قوت سنة؛ فيجب التعويل على هذا، وما ذكره من اعتبار السنة قد قدمنا حكايته عن غيره، وما ادعاه من أنها في كفاية المتحاجين تنزل منزلة النفقة الحاجية أخذه من كلام القاضي الحسين؛ فإنه قال ذلك، وقال في أوائل كتاب الزكاة: إنه قيل: لو أخرج الأغنياء جميع ما يجب عليهم من حقوق الله تعالى، ولا يزيد الفقراء في السؤال على قدر الحاجة- ما بقي في الدنيا خلَّة إلا وقد انسدّت. قال: فإن رآه قويّاً، وادعى أنه لا كسب له، أي: واتهمه - أعطاه من غير يمين، أي بعد وعظه وتخويفه، لما روي: أن رجلين أتيا رسول الله ﷺ في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فيهما النظر وخفضه، فرآهما جلدين، فقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولاحظ فيها لغنيّ ولا لذي قوّةٍ مكتسب"، أخرجه أبو داود، ورواه الطحاوي في "بيان المشكل". ووجه الدلالة منه: أنه لم يعلق إعطاءه بحلفهما، وهذا أصح في "التهذيب". وقيل: يعطي بيمين؛ لأن الظاهر أنه مكتسب وأنه لا يستحق، وهذا ما أورده العراقيون، وقال الرافعي: إن من الأصحاب من يقول: تحليفه عند التهمة واجب أو مستحب؟ فيه وجهان، قال: ويشبه أن يكون المراد منهما شيئاً واحداً، لكن الغزالي في "الوسيط" جمع بينهما، فقال – تبعاً للإمام – في تحليفه وجهين: إن حلفناه فهو

стр. 2758

واجب أو مستحب؟ [فيه] وجهان، ثم إن أوجبنا اليمين فنكل لم يعط، وإن قلنا: إنها مستحبة، فيجوز أن يعطين وإن رآه ضعيفاً لكبر سنه أو نحافة بدنه أعطاه من غير يمين، قولاً واحداً. قال: وإن ادعى عيالاً، أي: ولا يفي ماله بكفايته وكفايتهم – لم يقبل إلا ببينة؛ لأن الأصل عدم العيال، ويمكنه إقامة البينة على ذلكن وهذا ما أورده البغوي، وقال الرافعي: إنه الأظهر، وحكى القاضي أبو الطب وغيره وجهاً آخر: أنه يقبل قوله من غير بينة؛ كما يقبل قوله في أنه فقير، قال الماوردي: وعلى هذا فلابد من يمينه وجهاً واحداً؛ لأنه يستزيدها على حق نفسه، والله أعلم. قال: والرابع: المؤلفة، أي: إن احتيج إليهم كما [قال] في "المختصر"؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٠] [والمؤلف: تؤلِّف واستميل] بالعطاء؛ نظراً لإصلاح المسلمين، ولهذا سموا: مؤلفة. قال: وهم ضربان، أي المؤلفة من حيث هي مؤلفة على عهد رسول الله ﷺ ؛ لأن المؤلفة التي هي أحد الأصناف الثمانية ضربان؛ لأن أحد الضربين – كما قال – مؤلفَّة الكفار، وليسوا ممن يأخذون الزكاة كما ستعرفه. والضَّرب: الصنف من الشيء. قال: مؤلفة الكفار، ومؤلفة المسلمين، فأما مؤلفة الكفار فضربان: من يرجى إسلامهن أي لحسن نيته في الإسلام، ومن يخاف شره، أي في الإقامة أو السفر، ولا يقدر الإمام على دفعه. قال: فيعطون؛ لأن النبي ﷺ أعطى صفوان بن أمية وعامر بن الطُّفيل، وهما من الضرب الأول، والمعنى فيه تقوية نيتهما في الإسلام حتى يسلما، وأعطى عامر ابن الطفيل وقد كان ذا غلظة على المسلمين، ولذلك [قتل] أهل بئر معونة، وكان – ﵇ – يتألفه، فأتى المدينة وقال: يا رسول الله، شاركني في أمرك وكن أنت على المدر وأنا على الوبر فقال: "لم يجعل الله ذلك لي"، قال: والله، لأملأنّها عليك خيلاً

стр. 2759

ورجالاً، فقال النبي ﷺ : "يأبي الله [ذلك، وأبناء قيلة" يعني الأنصار، فخرج من عنده بأخبث نية؛ فأخذته [غدَّةٌ مات بها]. وهذان من] الضرب الثاني، والمعنى في إعطائهم: الانكفاف عن الشر. وإذا ثبت أنه – ﵇ – دفع إليهم لهذا المعنى وهو موجود اتبعناه؛ لأن لنا فيه أسوةً حسنة. قال: من خمس الخمس؛ لأنه لا سبيل إلى إعطائهما من الزكاة لكفرهم – كما ستعرفه – ولا من أربعة أخماس الفيء والغنيمة؛ لأنه للمقاتلة، وليسا منهم، فتعيّن الصرف من خمس الخمس؛ لأنه مرصدٌ للمصالح، وهذا منها. وللشافعي – ﵀ – قول آخر، حكاه في "المهذب" وغيره، وصححه الرافعي: أنهم لا يعطون منه أيضاً؛ لأن الله قد أعز الإسلام وأهله بما أعطاهم من قوة وزادهم من قدرة، [عن أن يتألفوا] بأموالهم شركاء، وقد روي عن عمر – ﵁ – [أنه] قال حين سأله رجل من المشركين شيئاً من المال، فلم يعطه. "إنا لا نعطي على الإسلام شيئاً، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، وفيه إشارة أن

стр. 2760

النبي ﷺ إنما دفع؛ لأن الإسلام كان ضعيفاً والشرك قويًّا. قال الأصحاب: ولأنه يحتمل أن يكون إنما أعطى من خمس الخمس؛ لأنه كان [له أن] يصرفه [حيث] شاء. قال الرافعي: وقد أشار بعضهم إلى رفع الخلاف، فقال: لا يعطون إلا أن ينزل [بالمسلمين] نازلة وتمس الحاجة إليهم. قال: ومؤلفة المسلمين ضربان، أي: وكل ضرب منهما يشتمل على ضربين: فالأول - كما قال – [ضرب] لهم شرفٌ يرجى بعطيتهم إسلام نظرائهم، أي: أمثالهم؛ لأن النظير: المثل، وكذا النظر، بكسر النون وإسكان الظاء. وقوم يرجى [حسن] إسلامهم، أي: ولهم أيضاً شرف، وإن لم يعطوا ربما أفضى بهم ضعف نياتهم إلى الردة. قال: وكان النبي ﷺ يعطيهم، أي: يعطي ضربي هذا الضرب؛ لأنه أعطى الزبرقان بن بدر وعدي بن حاتم، وهما من الضرب الأول منه، وأعطى صفوان بن أمية والأقرع بن حابس وعينة بن حصن، كلاّ منهم مائة من الإبل، وهم من الضرب الثاني منه.

стр. 2761

قال: وأما بعده ففيه، [أي: في هذا الضرب]، ثلاثة أقوال: أحدها: لا يعطون؛ لما ذكرناه في مؤلفة الكفار، وقد روي أن [عمر و] عثمان وعليا – ﵃ – لم يعطوه شيئاً. وهذا ما ادعى الرافعي أن الشيخ أبا حامد في شرذمة صححوه. والثاني: يعطون من سهم المؤلفة؛ للآية؛ واقتداء بأبي بكر – ﵁ – فإنه دفع لعدي بن حاتم الطائي حين أتاه بثلاثمائة بعير من صدقات قومه، ثلاثين بعيراً ليتألف بها قومه، قال الأئمة: والظاهر: أنه أعطاه [من الزكاة، وهذا ما صححه النواوي. والثالث: يعطون] من خمس الخمس؛ لأنه مرصدٌ للمصالح، وهذه مصلحة. قال الماوردي: وعلى القولين يعطون [مع الغني والفقر]. وحكى الإمام عن صاحب "التقريب" أنه أجرى في إعطاء من يرجى حسن إسلامهم – إذا قلنا به – الأقوال الآتية في الضرب الآخر، ويجري القولان المذكوران في الكتاب في أنهم يعطون من سهم المؤلفة، أو من خمس الخمس – كما قال الفوراني – فيمن هو شريف في قومه غير صادق النية في القتال والجهاد. قال: وفيه قول ثالث: أنه يجوز أن يعطي من الصدقات من سهم سبيل الله لا من سهم المؤلفة.

стр. 2762

قال: وضربٌ في طرف بلاد الإسلام، أي وهم ضربان – كما تقدم -: قوم إن أعطوا دفعوا – أي بالقتال – الكفار أو البغاة أو المرتدين الذين بجوارهم، عن المسلمين، أي: الذين بجوارهم وضعفوا عن دفعهم. وإن لم يعطوا لم يدفعوا: إما لفقرهم، وإما لضعف نيتهم في الإسلام – كما قاله الماوردي – [واحتاج الإمام إلى مونة ثقيلة لتجهيز جيش لهم حتى يندفعوا عنهم. وقوم إن أعطوا جَبَوْا الصدقات ممن يليهم، أي: بالقتال كما قال الماوردي] أو بغير قتال، بل لشدتهم وخوفهم منهم كما قاله غيره، وإن لم يعطوا لم يجبوها، واحتاج الإمام إلى مؤنة ثقيلة لتجهيز من يجيبها منهم، وهذا الضرب يعطي بلا خلاف، لكن من أي شيء؟ قال الشيخ: ففيهم أربعة أقوال: أحدها: يعطون من سهم المؤلفة؛ لأنهم يتألَّفون على ذلك؛ فدخلوا في الآية. والثاني: من خمس الخمس؛ لأنه مرصدٌ للمصالح، وهذا منها. والثالث: من سهم سبيل الله؛ لأنهم غزاة ٌ أو يجرون مجرى الغزاة. والرابع: من سهم المؤلفة وسهم سبيل الله؛ لأنهم جمعوا معنى الفريقين، وهذا هو المنصوص، كما قال في "المهذب" والقاضي الحسين. وقال الماوردي: إنه معلولٌ؛ لما فيه من الجمع في دفع الصدقة بين سهمين بسببين. واختلف أصحابنا لأجل ذلك في هذا القول على ثلاثة أوجه، حكاها البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما: أحدها: أنه جواب على القول الذي جوز الشافعي – ﵀ – فيه إعطاء الشخص الواحد من الزكاة الواحد بسببين من سهمين إذا كانا فيه موجودين، فأما على القول الذي يمنع فيه من ذلك فلا يعطون إلا من أحد السهمين. قلت: وهذا منهم يقتضي أن للشافعي – ﵀ – قولين منصوصين في جواز الصرف للشخص الواحد بالسببين إذا اجتمعا فيه.

стр. 2763

والقاضي أبو الطيب حكى عن النص المنع، وجعل الجواز قولاً مخرجاً من نصه هنا، وكذلك الإمام ادعى أن ظاهر المذهب المنع، وأن الجواز وجه حكاه صاحب "التقريب"، وعلى هذه الطريقة إذا قلنا: إنه لا يجوز أن يصرف للشخص الواحد بسببين، لا يكون في مسألة الكتاب إلا الأقوال الثلاثة الأول. والوجه الثاني: أن هذا القول جارٍ سواء قلنا بجواز الصرف بسببين إلى شخص واحد أو لا؛ لأن السببين هاهنا لحاجتنا فكانا كالسبب الواحد، والقولان في جواز الصرف للشخص الواحد بالسببين، إذا كانا لحاجته، ولو كان أحدهما لحاجته والآخر لحاجتنا: كالمسكين غرم لإصلاح ذات البين، أعطى له بهما [كما] حكاه الإمام عن رواية صاحب "التقريب"، وعلى هذه الطريقة فهل يتعين ذلك أم الأمر [مفوَّضٌ] إلى [رأي] صاحب الأمر؟ فيه خلاف، ولعل الأصح الثاني، قاله الإمام. والوجه الثالث: أنه منزل على حالين: فمن قاتل منهم المشركين أعطي من سهم الغزاة. ومن قاتل منهم مانعي الزكاة أعطي من سهم المؤلفة. قال الماوردي: والأصح عندي في هذا القول الرابع – غير هذه الأوجه الثلاثة -: أنه يجمع لهذه الأصناف كلها بين سهم المؤلفة وبين سهم سبيل الله في الجملة، إلا أن الشخص الواحد لا يجوز أن يعطي من السهمين، لكن يعطي بعضهم من سهم المؤلفة ولا يعطي من سهم سبيل الله [ويعطي بعضهم من سهم سبيل الله ولا يعطي من سهم المؤلفة]؛ فيكون الجمع بين السهمين للجنس العام، والمنع من الجمع بينهما للشخص الواحد، وهذا أصح ما يحمل عليه هذا القول. قلت: وكلام أبي الطيب منطبق عليه؛ حيث قال: وقال بعض أصحابنا: إنما أراد الشافعي – ﵀ –أن بعضهم يعطي من سهم سبيل الله وبعضهم [يعطي] من

стр. 2764

سهم المؤلفة، ولم يرد أنه يجمع بينهما لشخص واحد، وعلى هذا فالخيرة [إلى الإمام]. وقد حكى الرافعي أن من الأصحاب من قال: يتخير الإمام إن شاء أعطاهم من هذا السهم، وإن شاء أعطاهم من الآخر، وربما قيل: [و] إن شاء جمع لهم بني السهمين. وهو ما أورده في "الوجيز"، وقد حكيناه من قبل، وحكى وجه آخر في أصل المسألة: أن المتألف لقتال امنعي الزكاة وجمعها يعطي من سهم العاملين، والذي جزم به الفوراني وصححه النواوي: إعطاؤهم من سهم المؤلفة. وقال الرافعي: إن قياس من صار إلى ترجيح منع الصرف إلى الضَّرب قبله – وهو الشيخ أبو حامد وشرذمة كما قدمناه -: [أن يرجح] [عدم إعطاء] هذا الضرب من الزكاة؛ لأن الأول أحق باسم المؤلفة وسهمهم من هذا الضرب؛ لأن فيه معنى الغزاة والعاملين. وكذلك اختلفت الأقوال في أنهم من أين يعطون؟ وحينئذ يسقط سهم المؤلفة بالكلية، وقد أطلق القول به من متأخري الأصحاب: القاضي الروياني وجماعة، [إلا أن] الموافق لظاهر الآية ثم ليساق كلام الشافعي والأصحاب إثبات [سهم المؤلفة، وأنه [يستحقه] الصنفان الأولان اللذان جمعهما أحد ضربي مؤلفة المسلمين، وأنه يجوز] صرفه إلى الآخرين أيضاً، وبه أجاب الماوردي في "الأحكام السلطانية". وسلك بعضهم طريقاً آخر، فقال: مما ينتبه له [أنه لا يعتقد] أن للشافعي قولاً بحرمان جميع ضربي مؤلفة المسلمين من الزكاة، وإن ذكر في كل منهما قولين؛ لأن في ذلك إبطالاً لنص الآية، ولكن متى ذهب إلى منع ضربٍ صار إلى إعطاء الضرب الآخر. فرع: من ادعى أنه من المؤلفة فلا [يجوز أن] يعطي إلا بإقامة البينة على أنه

стр. 2765

منهم، وأن في تأليفه مصلحة للمسلمين، كذا قاله [القاضي] أبو الطيب وغيره، وقال القاضي الحسين: إنه لايحتاج إلى بينة ولا يمين إذا ادَّعى ضعف الإسلام في قلبه، ويعطي؛ لأنه لا يقول ذلك إلا وهو ضعيف الإسلام. وقد حكى أبو الفرج هذا عن صاحب "التلخيص"، وذكر أن من الأصحاب من أطلق الجواب بأنه يطالبه بالبينة، كما ذكرناه. قال: والخامس: الرقاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]. قال: وهم المكاتبون؛ لأن قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ يقتضي أن تصرف الصدقة إلى الرقاب، [كما أن قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]، يقتضي الصرف إلى المجاهدين ويملكونها، وإنما يصح الصرف إلى الرقاب] أنفسها إذا حملت على المكاتبين أو غيرهم من الأرقاء الذين لا يملكون. فإن قيل: "الرقاب" جمع "رقبة"، و"الرقبة" حيث أطلقت في كتاب الله أريد بها غير المكاتب من الرقيق؛ فكان الظاهر من الآية أن يشتري بالثمن من يبتدأ عتقه. فجوابه: أن اسم "الرقاب" يقع على العبيد والمكاتبين، وحملنا مطلق "الرقبة" في الكفارة على غير المكاتب؛ لأنه قد اقترن بها ما يدل على ذلك وهو قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، وهنا دلت القرينة على أن المراد ما ذكرناه؛ لأن كل من أخرج صدقة لم يجز أن تعود إليه منفعتها، يدل عليه أنه لا يجوز أن يصرف صدقته لقريبه الفقير الذي تجب عليه نفقته، وإذا كان كذلك فلو قلنا هنا: إنه يشتري بالثمن رقاباً ويبتدئ عتقهم، لكانت منفعته عائدة إليه؛ لأنه يثبت له عليه الولاء ولا يرد على ذلك جواز صرفها [لمعسر] له عليه دين، وإن كان يقضيه دينه [منه] ومنفعته تعود إليه؛ لأن دينه لم يتجدد، فإذا قبض منه رجع إليه المال من وجه آخر، وليس كذلك هاهنا؛ لأن الولاء إنما يثبت بالعتق؛ فالمنفعة تعود إليه بذلك المعنى، والله أعلم. قال: فيدفع إليهم ما يؤدون في الكتابة عن لم يكن معهم ما يؤدون؛ لأن حاجتهم

стр. 2766

المقتضية للدفع إليهم [إذ ذاك] تتحقق، وقد [أفهم كلام الشيخ أنه لا] يشترط أن يكون غير قادر على اكتساب ما يؤديه فيها بصناعته وهو وجه حكاه الرافعي، وادعى أنه الأشبه، وهو جار في الغارم في حق نفسه إذا قدر على اكتساب ما عليه. قال: والفرق بينه وبين الفقير والمسكين، حيث لا يعطي إذا كان قادراً على تحصيل كفايته بالاكتساب: أن حاجتهما تتحقق يوماً بيوم، والكسوب يحصِّل في كل يوم ما يكفيه وإنما يقدر على اكتساب ما يقض به الدين بالتدريج. ومقابله هو الذي أورده الماوردي فقال: لو كان قادراً على ذلك باكتسابه لم يعط كما لو كان قادراً بمال معه. وحيث يحوز الدفع إليه فلا يتوقف على إذن السيد، ويتوقف الدفع إلى السيد على إذن المكاتب، فلو دفع إله قبل إذن المكاتب لم يعتد به عند الجمهور، وقال [في] "الحاوي": إن كان النجم قد حل جاز الدفع إلى السيد بأمر المكاتب وبغير إذنه. قلت: وهو ظاهر النص؛ حيث قال: وإن دفع إلى سيده كان أحب إليَّ. وقد استحب بعضهم الدفع إلى السيد لأجل هذا النص، [ولم يورد نصر المقدسي غيره]، لكن بإذن المكاتب. وقال البندنيجي: إن في النص تفصيلاً: فإن كان الذي يعطيه كل ما [كان] عليه، فالمستحب أن يدفعه إلى سيده بإذن المكاتب؛ لأنه أعجل لعتقه، وإن كان دون ما عليه دفعه إلى المكاتب [ليتجر] فيه، ولو أراد المكاتب أن ينفقه منع منه، قاله أبو الطيب وابن الصباغ. وفي "النهاية": أن الخيرة إلى المكاتب في توفية النجم: إن شاء وفاه مما اكتسبه، واستنفق ما قبض من الصدقة، وإن شاء سلم ما قبضه من الصدقة.

стр. 2767

ثم ظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق في الدفع إليه ليؤدي ما عليه وبين أن يكون [ما] عليه النجم الأخير أو الأول، وهو المذكور في "الحاوي"، و"تعليق" البندنيجي. وكذا لا فرق بين أن يكون النجم قد حل أو لا، وهو الظاهر من الوجهين في غيره؛ لأنه إذا قبض قبل محل النجم أمكنه إجبار السيد على قبضه، وأمكنه الاتجار فيه، كما قاله البندنيجي، وهو ظاهر فيما إذا دفع إليه دون ما عليه، و [عليه] ينطبق قول الرافعي: للمكاتب أن يتجر فيما يأخذه طلباً للزيادة وإيفاء لتمام النجوم، كذا حكاه صاحب "الإفصاح" وآخرون. قال: والغارم كالمكاتب، وقيل: لا يدفع إليه من النجم شيء قبل حلوله؛ لأنه غير محتاج إليه. قال: ولا يزادون على ما يؤدون؛ لعدم الحاجة [إليه]، فإن كان يحتاج إلى ألف ومعه ثمانمائة، لم يعط أكثر من مائتين، ولو لم يكن معه من الألف شيء لم يعط غير الألف نعم، لو دفعنا إليه ذلك، فأعتقه السيد، أو أبرأه عن النجوم قبل قبضه ما دفع للمكاتب، [أو أدى] أجنبي عن المكاتب النجوم متبرعاً – فهل يسترد من المكاتب ما قبضه إن كان باقياً، وبدله إن كان تالفاً؟ فيه خلاف تقدم، ولو تلف في يده مع استمراره على الكتابة وقع الموقع، قاله في "الروضة". ولو عاد إلى الرق بتعجيز السيد له فلا خلاف في أنه يسترد [منه] ما قبضه إن كان باقياً في يده، وكذا بدله إن كان تالفاً، على أصح الوجهين في "الرافعي"، وادعى الإمام أنه متفق عليه، وقال الماوردي: إن كان تلفه قبل إمكان دفعه إلى سيده فلا ضمان عليه ولا على سيده؛ لأنه كالمؤتمن على أدائه، وإن كان قد أتلفه ضمنه وإن

стр. 2768

كان قد تلف بنفسه بعد إمكان دفعه إلى السيد: فإن كان بعد أن حل النجم ضمنه أيضاً ضمان المغصوب؛ لعدوانه بتأخير الأداء، وإن كان النجم لم يحل بعد فهل يضمنه؟ فيه وجهان من اختلاف الوجهين في جواز الدفع إليه قبل الحلول: فإن [قلنا يجوز، ضمنه؛ لأن جعل كالحال في جواز الدفع إليه، فإن] قلنا: لا يجوز، لم يضمنه. وهذا كله إذا كان التلف قبل التعجيز فلو كان بعده وبعد إمكان الرد [على من دفعه إليه من رب المال أو الساعي ضمنه أيضاً، وإن كان قبل إمكان الرد] لم يضمنه المكاتب؛ لأنه ما قبضه لنفسه ما كان متعدياً في حبسه، وهل يكون مضموناً على سيده؟ فيه وجهان: حيث ضمناه قال الرافعي: فالضمان يتعلق بذمته لا برقبته، [لأن المال حصل عنده برضا صاحبه، وهذا ما صححه في "الروضة"، وقال الإمام: إنه يتعلق برقبته]، وليس كما لو اشترى العبد شيئاً فتلف في يده؛ فإن بائعه رضي بذمته فكان مؤاخذاً بحكم رضاه، والذي سلم إلى المكاتب لم يكن عوضاً، وإنما كان الأمر فيه موقوفاً على ما يتبين، وقد بان أنه لم يقع. وقال في "الحاوي": إن تلف ضمنه ضمان المغصوب، ويقدم على ديون المعاملات، فإن ضاق ما في يده عن غرمه ضمنه في رقبته، وإن تلف بآفة سماوية؛ حيث يضمنه [ضمان] المغصوب. لكنه إذا كان أتلفه بعد التعجيز [كان الضمان في رقبته دون ما بيده؛ لتقدم استحقاق ما بيده في معاملاته، ولو حصل التعجيز] بعد ما قبض السيد من

стр. 2769

المكاتب ما دفع إليه من الزكاة، فهل يسترد منه إن كان باقياً، أو بدله إن كان تالفاً؟ فيه طرق: [إحداها – وهي المذكورة] في كتب العراقيين -: حكاية وجهين فيه. والثانية – حكاها الصيدلاني -: القطع بعدم الاسترداد، [قال الإمام: وهذه الطريقة في حالة التلف أولى. والثالثة- قالها الشيخ أبو محمد -: القطع بالاسترداد]، قال الإمام: وذلك منقاس حسن؛ لأنه إذا انقلب رقيقاً فقد خرج ما سلمناه إليه عن كونه إعانة للمكاتب في تحصيل العتاق؛ فبان أنه لم يدفع نجماً ولا جزءاً من نجم. والرابعة – قالها الماوردي لا غير -: أنه ينظر: فإن كان قد قبض ذلك في النجم الأخير استرجع منه ما قبضه؛ لأن المقصود من العتق لم يقع، وإن كان [قد] قبضه فيما قبل النجم الأخير من النجوم المتقدمة، ففي [جواز استرجاعه] وجهان: أحدهما: نعم؛ كالمقبوض في النجم الأخير. والثاني: [لا]؛ لأن لكل نجم حكماً. وهذا إذا كان باقياً في يده، فإن كان تالفاً فحيث قلنا: يسترجع لو كان باقياً، ضمنه بالبدل، سواء تلف باستهلاكه أو بغيره؛ لأنه أخذه على وجه البدل عن العتق، فإذا فات العتق ضمنه بالرد إن بقي، وبالغرم إن تلف كالمبيع. والحكم فيما لو وجد التعجيز وقد باع السيد ما قبضه الحكم فيما لو وجد بعد التلف، قاله الرافعي. قال: ولا يقبل قوله: إنه مكاتب، إلا ببينة، أي: يشهد بها، وبالباقي عليه من النجوم – كما قال الماوردي – لإمكان ذلك مع أن الأصل عدم الكتابة، ولو ثبت عند الإمام بالتسامع أنه عبده وقد كاتبه، وقال القاضي الحسين في "تعليقه": فلا بأس

стр. 2770

أن يعطي من غير بينة. قال: فإن صدقه المولى [من غير بينة]، أي على ذلك – فقد قيل: يدفع إليه؛ لأنه قد صار بالتصادق مكاتباً في الظاهر؛ فإن إقراره بأنه عبد مكاتب مقبول على نفسه. وقيل: لا يدفع إليه؛ لأنهما قد يتواطآن على ذلك اجتلاباً للنفع. قال ابن الصباغ وغيره: والأول أصح؛ لأن الدفع يقع مراعىً في حق السيد: فإن عتق العبد، وإلا طولب بالرد. قلت: إن كان الخلاف [السابق] في الاسترجاع من السيد بعد التعجيز مصوراً بما إذا ثبت الكتابة بالبينة دونما إذا ثبتت بالإقرار، فإنه يسترجع منه قولاً واحداً – استقام هذا الرد، وألا فلا، على أنه لو بني الخلاف في [هذه المسألة على الخلاف في] الاسترجاع، لم يبعد، فإن قلنا: يثبت الاسترجاع عند العجز قيل هاهنا، وإلا فلا؛ لأن التهمة حينئذ تتحقق. وجميع ما ذكرناه في الكتابة الصحيحة، أما المكاتب كتابة فاسدة فلا يعطي من الصدقات بحال. قال: والسادس: الغارمون؛ لقوله تعالى: ﴿الْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠]، ولقوله – ﵇: "لا تحلُّ الصَّدقة لغنيٍّ إلا لخمسة ... "، وعدَّ منها الغارم، وقد تقدم. قال: وهم ضربان: ضرب غرم لإصلاح ذات البين، والبين هاهنا، قال أهل اللغة: هو الوصل، قالوا: وتقديره: إصلاح حال الوصل، ومراد الفقهاء بـ"ذات البين": أن تكون فتنة بين طائفتين من المسلمين بسبب قتيل أو بهيمة مقتولة وجد ذلك بين قبيلتين، فادَّعى ولي القتيل أو صاحب البهيمة أنهم قتلوا ذلك؛ فأنكروا. وإصلاح ذلك يكون بتحمل دية القتيل لوليه وقيمة البهيمة لمالكها، فإذا
следующие страницы →