Полный текст (9 685 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
المقتضية للدفع إليهم [إذ ذاك] تتحقق، وقد [أفهم كلام الشيخ أنه لا] يشترط أن يكون غير قادر على اكتساب ما يؤديه فيها بصناعته وهو وجه حكاه الرافعي، وادعى أنه الأشبه، وهو جار في الغارم في حق نفسه إذا قدر على اكتساب ما عليه.
قال: والفرق بينه وبين الفقير والمسكين، حيث لا يعطي إذا كان قادراً على تحصيل كفايته بالاكتساب: أن حاجتهما تتحقق يوماً بيوم، والكسوب يحصِّل في كل يوم ما يكفيه وإنما يقدر على اكتساب ما يقض به الدين بالتدريج.
ومقابله هو الذي أورده الماوردي فقال: لو كان قادراً على ذلك باكتسابه لم يعط كما لو كان قادراً بمال معه.
وحيث يحوز الدفع إليه فلا يتوقف على إذن السيد، ويتوقف الدفع إلى السيد على إذن المكاتب، فلو دفع إله قبل إذن المكاتب لم يعتد به عند الجمهور، وقال [في] "الحاوي": إن كان النجم قد حل جاز الدفع إلى السيد بأمر المكاتب وبغير إذنه.
قلت: وهو ظاهر النص؛ حيث قال: وإن دفع إلى سيده كان أحب إليَّ.
وقد استحب بعضهم الدفع إلى السيد لأجل هذا النص، [ولم يورد نصر المقدسي غيره]، لكن بإذن المكاتب.
وقال البندنيجي: إن في النص تفصيلاً: فإن كان الذي يعطيه كل ما [كان] عليه، فالمستحب أن يدفعه إلى سيده بإذن المكاتب؛ لأنه أعجل لعتقه، وإن كان دون ما عليه دفعه إلى المكاتب [ليتجر] فيه، ولو أراد المكاتب أن ينفقه منع منه، قاله أبو الطيب وابن الصباغ.
وفي "النهاية": أن الخيرة إلى المكاتب في توفية النجم: إن شاء وفاه مما اكتسبه، واستنفق ما قبض من الصدقة، وإن شاء سلم ما قبضه من الصدقة.
стр. 2767
ثم ظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق في الدفع إليه ليؤدي ما عليه وبين أن يكون [ما] عليه النجم الأخير أو الأول، وهو المذكور في "الحاوي"، و"تعليق" البندنيجي.
وكذا لا فرق بين أن يكون النجم قد حل أو لا، وهو الظاهر من الوجهين في غيره؛ لأنه إذا قبض قبل محل النجم أمكنه إجبار السيد على قبضه، وأمكنه الاتجار فيه، كما قاله البندنيجي، وهو ظاهر فيما إذا دفع إليه دون ما عليه، و [عليه] ينطبق قول الرافعي: للمكاتب أن يتجر فيما يأخذه طلباً للزيادة وإيفاء لتمام النجوم، كذا حكاه صاحب "الإفصاح" وآخرون.
قال: والغارم كالمكاتب، وقيل: لا يدفع إليه من النجم شيء قبل حلوله؛ لأنه غير محتاج إليه.
قال: ولا يزادون على ما يؤدون؛ لعدم الحاجة [إليه]، فإن كان يحتاج إلى ألف ومعه ثمانمائة، لم يعط أكثر من مائتين، ولو لم يكن معه من الألف شيء لم يعط غير الألف نعم، لو دفعنا إليه ذلك، فأعتقه السيد، أو أبرأه عن النجوم قبل قبضه ما دفع للمكاتب، [أو أدى] أجنبي عن المكاتب النجوم متبرعاً – فهل يسترد من المكاتب ما قبضه إن كان باقياً، وبدله إن كان تالفاً؟ فيه خلاف تقدم، ولو تلف في يده مع استمراره على الكتابة وقع الموقع، قاله في "الروضة".
ولو عاد إلى الرق بتعجيز السيد له فلا خلاف في أنه يسترد [منه] ما قبضه إن كان باقياً في يده، وكذا بدله إن كان تالفاً، على أصح الوجهين في "الرافعي"، وادعى الإمام أنه متفق عليه، وقال الماوردي: إن كان تلفه قبل إمكان دفعه إلى سيده فلا ضمان عليه ولا على سيده؛ لأنه كالمؤتمن على أدائه، وإن كان قد أتلفه ضمنه وإن
стр. 2768
كان قد تلف بنفسه بعد إمكان دفعه إلى السيد: فإن كان بعد أن حل النجم ضمنه أيضاً ضمان المغصوب؛ لعدوانه بتأخير الأداء، وإن كان النجم لم يحل بعد فهل يضمنه؟ فيه وجهان من اختلاف الوجهين في جواز الدفع إليه قبل الحلول: فإن [قلنا يجوز، ضمنه؛ لأن جعل كالحال في جواز الدفع إليه، فإن] قلنا: لا يجوز، لم يضمنه.
وهذا كله إذا كان التلف قبل التعجيز فلو كان بعده وبعد إمكان الرد [على من دفعه إليه من رب المال أو الساعي ضمنه أيضاً، وإن كان قبل إمكان الرد] لم يضمنه المكاتب؛ لأنه ما قبضه لنفسه ما كان متعدياً في حبسه، وهل يكون مضموناً على سيده؟ فيه وجهان:
حيث ضمناه قال الرافعي: فالضمان يتعلق بذمته لا برقبته، [لأن المال حصل عنده برضا صاحبه، وهذا ما صححه في "الروضة"، وقال الإمام: إنه يتعلق برقبته]، وليس كما لو اشترى العبد شيئاً فتلف في يده؛ فإن بائعه رضي بذمته فكان مؤاخذاً بحكم رضاه، والذي سلم إلى المكاتب لم يكن عوضاً، وإنما كان الأمر فيه موقوفاً على ما يتبين، وقد بان أنه لم يقع.
وقال في "الحاوي": إن تلف ضمنه ضمان المغصوب، ويقدم على ديون المعاملات، فإن ضاق ما في يده عن غرمه ضمنه في رقبته، وإن تلف بآفة سماوية؛ حيث يضمنه [ضمان] المغصوب.
لكنه إذا كان أتلفه بعد التعجيز [كان الضمان في رقبته دون ما بيده؛ لتقدم استحقاق ما بيده في معاملاته، ولو حصل التعجيز] بعد ما قبض السيد من
стр. 2769
المكاتب ما دفع إليه من الزكاة، فهل يسترد منه إن كان باقياً، أو بدله إن كان تالفاً؟ فيه طرق:
[إحداها – وهي المذكورة] في كتب العراقيين -: حكاية وجهين فيه.
والثانية – حكاها الصيدلاني -: القطع بعدم الاسترداد، [قال الإمام: وهذه الطريقة في حالة التلف أولى.
والثالثة- قالها الشيخ أبو محمد -: القطع بالاسترداد]، قال الإمام: وذلك منقاس حسن؛ لأنه إذا انقلب رقيقاً فقد خرج ما سلمناه إليه عن كونه إعانة للمكاتب في تحصيل العتاق؛ فبان أنه لم يدفع نجماً ولا جزءاً من نجم.
والرابعة – قالها الماوردي لا غير -: أنه ينظر: فإن كان قد قبض ذلك في النجم الأخير استرجع منه ما قبضه؛ لأن المقصود من العتق لم يقع، وإن كان [قد] قبضه فيما قبل النجم الأخير من النجوم المتقدمة، ففي [جواز استرجاعه] وجهان:
أحدهما: نعم؛ كالمقبوض في النجم الأخير.
والثاني: [لا]؛ لأن لكل نجم حكماً.
وهذا إذا كان باقياً في يده، فإن كان تالفاً فحيث قلنا: يسترجع لو كان باقياً، ضمنه بالبدل، سواء تلف باستهلاكه أو بغيره؛ لأنه أخذه على وجه البدل عن العتق، فإذا فات العتق ضمنه بالرد إن بقي، وبالغرم إن تلف كالمبيع. والحكم فيما لو وجد التعجيز وقد باع السيد ما قبضه الحكم فيما لو وجد بعد التلف، قاله الرافعي.
قال: ولا يقبل قوله: إنه مكاتب، إلا ببينة، أي: يشهد بها، وبالباقي عليه من النجوم – كما قال الماوردي – لإمكان ذلك مع أن الأصل عدم الكتابة، ولو ثبت عند الإمام بالتسامع أنه عبده وقد كاتبه، وقال القاضي الحسين في "تعليقه": فلا بأس
стр. 2770
أن يعطي من غير بينة.
قال: فإن صدقه المولى [من غير بينة]، أي على ذلك – فقد قيل: يدفع إليه؛ لأنه قد صار بالتصادق مكاتباً في الظاهر؛ فإن إقراره بأنه عبد مكاتب مقبول على نفسه. وقيل: لا يدفع إليه؛ لأنهما قد يتواطآن على ذلك اجتلاباً للنفع.
قال ابن الصباغ وغيره: والأول أصح؛ لأن الدفع يقع مراعىً في حق السيد: فإن عتق العبد، وإلا طولب بالرد.
قلت: إن كان الخلاف [السابق] في الاسترجاع من السيد بعد التعجيز مصوراً بما إذا ثبت الكتابة بالبينة دونما إذا ثبتت بالإقرار، فإنه يسترجع منه قولاً واحداً – استقام هذا الرد، وألا فلا، على أنه لو بني الخلاف في [هذه المسألة على الخلاف في] الاسترجاع، لم يبعد، فإن قلنا: يثبت الاسترجاع عند العجز قيل هاهنا، وإلا فلا؛ لأن التهمة حينئذ تتحقق.
وجميع ما ذكرناه في الكتابة الصحيحة، أما المكاتب كتابة فاسدة فلا يعطي من الصدقات بحال.
قال: والسادس: الغارمون؛ لقوله تعالى: ﴿الْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠]، ولقوله – ﵇: "لا تحلُّ الصَّدقة لغنيٍّ إلا لخمسة ... "، وعدَّ منها الغارم، وقد تقدم.
قال: وهم ضربان: ضرب غرم لإصلاح ذات البين، والبين هاهنا، قال أهل اللغة: هو الوصل، قالوا: وتقديره: إصلاح حال الوصل، ومراد الفقهاء بـ"ذات البين": أن تكون فتنة بين طائفتين من المسلمين بسبب قتيل أو بهيمة مقتولة وجد ذلك بين قبيلتين، فادَّعى ولي القتيل أو صاحب البهيمة أنهم قتلوا ذلك؛ فأنكروا.
وإصلاح ذلك يكون بتحمل دية القتيل لوليه وقيمة البهيمة لمالكها، فإذا
стр. 2771
فعل شخص ذلك، واستدان لأجله أو تحمل ولم يستدن، ولم يؤد ذلك من ماله بعد – فهو من الضرب الذي بدأ الشيخ به.
قال: فيدفع إليه مع الغنى، أي: بالعقار والناض وغيرهما في ظاهر المذهب – ما يقضي به الدين، أي: الذي تحمله أو الذي استدانه وأداه فيما تحمله، كما صرح به غيره، ووجهه الآية والخبر السابق، وإنما لم يشترط في المتحمل الفقر؛ لأن المقصود تسكين النائرة بالتحمل، وهي لا تسكن بتحمل الفقير.
[و] "الغني" بالمال: مقصور، ويكتب بالياء، يقال: غني يغني، فهو غني، واستغنى: بمعناه. والغناء: ممدود، من الصوت.
ومقابل ظاهر المذهب: يجوز أن يكون ما حكاه الإمام قولاً وغيره وجهاً في مسألة تحمل الدم: أن غناه إن كان بعقار وأثاث وما لا يعسر عليه وفاء الدين منه، فالحكم كما تقدم، وإن كان بأحد النقدين فلا يدفع إليه ما يقضي به الدين؛ لأن صرف النقد في هذه الأشياء مما لا ينفك عن المتصدين للرياسة، بخلاف الوفاء من العقار والمنقولات التي تعد للتحمل؛ فإن بيعه يعد قريباً من الخروج عن منصب المروءة، وهذا وإن كان لا يرتضيه النظر في الأقيسة فهو لائق بالمعاني الكلية وهي المطلوبة.
وإذا جرى هذا القول أو الوجه في تحمل بدل الدم ففي [تحمل] بدل المال مع أنه دون الدم أولى، وعن أملي أبي الفرج السرخسي: أن هذا الوجه جار فيمن غناه بالعروض وقد تحمل بدل الدم، وهو غريب.
ويجوز أن يكون مقابل ظاهر المذهب: ما حكاه في "المهذب" والماوردي وأبو الطيب وغيرهم وجها: أن متحمل بدل الدم يقضي عنه ما تحمله مع غناه
стр. 2772
بالنقدين، ومتحمل بدل المال يقضي عنه أيضاً [إلا] إذا كان غناه بأحد النقدين، ويجوز أن [يكون] مقابله: ما حكاه البندنيجي [وجها]: أن متحمل [بدل] الدم يقضي عنه دينه كيف كان [غناه، ومتحمل بدل المال لا يقضي عنه دينه التحمل مع غناه، كيف كان].
وقد حكى الرافعي الوجهين في متحمل بدل المال هكذا، وصحح القضاء عنه؛ لما فيه [من] المصلحة الكلية، وقال: إن المتولي بناهما على أن من قصد مال إنسان هل يباح له الدفع بالقتل؟ إن قلنا: نعم، جعلنا المال كالدم.
وإذا تأملت ما حكيناه وراء ظاهر المذهب في [متحمل بدل] المال خشية الفتنة، جاءك منه طريقة صرح بحكايتها الإمام، هي: أن غناه إن كان بالنقد منع الأداء من الصدقة، وإن كان بغير النقد فقولان.
وفي معنى تحمل دية القتيل تحمل دية ما دون النفس من الأطراف، صرح به الماوردي.
أما إذا كان المتحمل قد أدى ما تحمله من ماله الذي لم يقترضه لأجل الوفاء، لم يعط من الصدقات شيئاً؛ لأنه الآن غير غارم، قال البندنيجي: وكذا لو مات المتحمل قبل الأداء، يقضي ذلك من تركته، ولا يوفى من الصدقة؛ [لأن الذي حلت له الصدقة هو] دون وارثه.
فإن قلت: هل يلتفت ذلك على ما سبق من أن موته هل كان بعد وجوب الزكاة أم لا؟ وهل أهل السَّهمان في البلد محصورون، وقد منعنا النقل، أم لا كما قلنا في الفقير؟
стр. 2773
قلت: لا؛ لأن الميت لو كان قد قبض لم يتم ملكه على ما قبضه، ويسترجع منه في حال – كما تقدم- بخلاف الفقير فإن ملكه بعد القبض مستقر؛ فجاز أن يثبت قبل القبض، والله أعلم.
قال: وضرب غرم لنفسه، أي: لمصلحة نفسه في [غير معصية]، مثل: أن استقرض مالاً ليحج به أو ليتصدق أو لينفقه على نفسه وعياله من غير إسراف- فيدفع إليه مع الحاجة ما يقضي به الدين؛ للآية، وما المراد بالحاجة هنا؟
قال الرافعي: الذي تقتضيه عبارة أكثرهم: كونه فقيراً لا يملك شيئاً، وربما صرحوا به.
قلت: والتصريح به منسوب في "النهاية" إلى المراوزة وأنهم قطعوا به؛ حيث قال: إنهم قالوا: يشترط في وفاء ما يستلزمه الإنسان بسبب خاصة نفسه الفقر عن كل ما يتصور صرفه إلى الدين.
قال الرافعي: وفي بعض شروح "المفتاح" أنه لا يعتبر المسكن والملبس والفراش والآنية، وكذلك الخادم والمركب إذا اقتضاهما حاله، بل يقضي دينه وإن ملك ذلك.
ويقرب منه قول بعض المتأخرين: إنا لا نعتبر الفقر والمسكنة هاهنا، بل لو ملك قدر كفايته ولو قضى دينه لنقص ماله عما يكفيه، فيقضي من دينه قدر ما ينقص عن الكفاية، والمقصود: أنه يترك معه ما يكفيه ولا يدخل في الإعسار.
وقد أبدى الإمام على ما حكاه عن المراوزة مباحثة في المسألة، فقال: في صرف دين من لا مال له نظر للقيه؛ فإن الغارم إذا كان لا يملك شيئاً، فلا يكون مطالباً من جهة غريمه، والصدقة إنما تصرف [لشدة حاجة أو كفاية أدنى، ومستحق الدين يستغني بتحصيل دين له على معسر] جبراً لخلته، فما معنى اشتراط الإعسار في قضاء الدين؟ وهذا مقام يعسر إدراكه على غير الفقيه، فنقول: لا يمتنع أن
стр. 2774
يكون للإنسان مال يتضرر بصرفه إلى دين، ومعنى تصور تضرره بصرفه إلى الدين: أن ينتهي بصرفه إلى الدين إلى حد الضرر [الذي] يستدرك بالصدقة، فإذا فهم هذا، انقدح وراءه وجوه:
أحدها: أن من كان ينتهي بأداء دينه مما معه إلى حد المسكنة، فهو الذي يؤدَّى دينه من الصدقة.
والثاني: أنه يجوز أن يقال: لا يجبر على أداء دينه وهو ذو كفاف، ولا يجوز أن يؤدي من الصدقة إلا دين مسكين.
والثالث: أنه يجوز أن يقال: إذا كان لا يملك شيئاً أصلاً يؤدي دينه أيضاً؛ فإنه لا يتهيأ بعيشه وهو يكتسب في اليوم الكفاف، وقد ينازع في قدر الكفاف، ويجر إلى المحاكمة، وأيضاً فإن دينه إذا أدِّى من الصدقة استرسل الناس في إقراض الفقراء وألا انسد عليهم باب الاستقراض ولحقهم الضرار.
وقد أفهم كلام الشيخ أنه لا يصرف إليه ما غرمه لمصلحة نفسه مع الغنى، وهو أحد القولين في المسألة:
المعزيُّ إلى نصه في "الأم" وأكثر كتبه، كما قال الماوردي، والصحيح عنده الجمهور وبه قطع المراوزة: كما تقدمن ووجهه: انه يأخذ لحاجته فلم يعط مع الغنى لغير الغارم.
ومقابله – محكي في القديم والصدقات من "الأم" -: أنه يعطي؛ لأنه غارم [في غير معصية فأشبه الغارم] لإصلاح ذات البين، وقد أثبته الإمام [وجها] عن رواية صاحب "التقريب" والعراقيين.
وقال الماوردي: إن محل القولين إذا كان غناه بغير النقدين، فلو كان [غناه]
стр. 2775
بأحدهما فلا يعطى قولاً واحداً.
ثم حيث يجوز الدفع إليه يجوز الدفع إلى الغريم بإذنه، ولا يجوز بغير إذنه، وقد وافق على ذلك الماوردي، وفرق بينه وبين المكاتب حيث قال: يجوز الدفع إلى سيده بغير إذنه؛ لأن المكاتب محجور عليه في حق سيده، بخلاف الغارم. نعم، لو كان الغارم محجوراً عليه بالفلس فدفع إلى غرمائه بالحصص – قال: جاز من غير إذنه؛ لأنه يصير بالحجر في معنى المكاتب.
قال في "البحر": وهذا غريب، والأصح عندي المنع بدون الإذن، وهل المستحب: الدفع إلى الغريم بإذن المدين أو إلى المدين؟ الحكم فيه كما تقدم عن البندنيجي في المكاتب، صرح به في "البحر" [والبندنيجي أيضاً].
وقد أفهم كلام الشيخ – ﵀ – أنه لا يزاد على ما يقضي به الدين، وهو مما لا خلاف فيه، فإذا [صرف إليه] وجب عليه أن يصرفه في دينه، ولا يجوز أن يصرفه في غيره.
قال الماوردي: إلا أن يعدم قوت يومه؛ [فيجوز أن يأخذ منه قوت يومه] وحده؛ لأنه غير مستحق في دينه.
وفي "الرافعي": أنه يجب أن يكون الغارم كالمكاتب، وقد قدمنا أنه يجوز له أن يتجر وأن يستنفق ما أخذه، ويؤدي النجوم كسبه، وعلى الأول يجوز له أن يصرفه إلى من شاء من غرمائه إلا أن يكون غارماً في حمالة قد أعطي فيها من مال الصدقات مع غناه؛ فإن عليه أن يصرف ما أخذه في دين الحمالة دون ما عليه من دين آخر وهذا بخلاف ما لو أخذ من الصدقات شيئاً ليصرفه فيما عليه من دين المعاملة مع فقره؛ فإن له أن يصرفه إلى ما يحمله من بدل الدم ونحوه؛ لأن الشرط في دين المعاملة أغلظ؛ لأنه لا يستحق إلا مع الفقر، ودين الحمالة أخف؛ لأنه مستحق مع الغنى والفقر؛ فجاز أن يصرف [ما غلظ [شرط استحقاقه فيما خف شرطه، ولم يجز
стр. 2776
أن يصرف] ما خف شرط استحقاقه فيما غلظ] شرطه، فإن لم يصرف ما قبضه لوفاء الدين حتى سقط عنه بإبراء أو وفاء أجنبي متبرع، ففي استرجاعه منه ما تقدم في الاسترجاع من المكاتب وقد عتق قبل أداء ما قبضه من الزكاة فإذا قلنا: يسترجع، فلو لم يسترجع حتى حدث عليه دين يقضي من الزكاة، ففي استرجاعه وجهان في "البحر" وغيره، والخلاف في أنه هل يدفع إليه وفاء ما عليه من دين مؤجل كالخلاف في الدفع إلى المكاتب النجم الذي لم يحل، صرح به الماوردي.
وحكى الإمام في آخر "النهاية" وجهاً آخر: أنه يجوز الدفع إلى [الغارم دون المكاتب]؛ فإن المكاتب مهما شاء عجز نفسه، وقال: إنه بالعكس [أولى]؛ فإن ما ذكره يتحقق في النجم الحال أيضاً؛ فالوجه أن يقول: المؤجل في حق المكاتب كالحال.
وقال الرافعي: إنه يجوز أنا يرتب ما نحن فيه على المكاتب، وهاهنا أولى بالدفع؛ لأن ما على الغارم مستقرُّ.
في المسألة وجه آخر حكاه الإمام هاهنا عن العراقيين: أن الأجل إن كان ينقضي في وسط السنة المستقبلة فيقضي، وإن كان يحل بعد سنة فصاعداً فيوقف قضاء هذا الدين إلى السنة القابلة.
قال في "الروضة": والأصح أنه [لا] يعطي، وبه قطع في "البيان".
قال: ولا [يقبل قوله: إنه] غارم، أي: لمصلحة نفسه إلا بالبينة؛ لما سبق. أما الغارم لإصلاح ذات البين فلا يحتاج إلى إقامة البينة؛ لأن اشتهار ذلك يغني عنها، والبينة – كما تقدم -: ما يثبت الحق بها.
وقد قال بعض الأصحاب: إنه لو أخبر عن الحال واحد يقع الاعتماد على قوله لكفى، وقال الإمام: رأيت للأصحاب رمزاً إلى التردد في أنه إذا حصل الوثوق بقول من يدعي الغرم، وغلب على الظن صدقه- هل يجوز الاعتماد عليه.
стр. 2777
وكل هذا يؤذن بأنه لا يراعي في ذلك شرائط الشهادة، وكذلك حكى بعض المتأخرين أنه لا يعتبر في البينة في هذه الصورة سماع القاضي وتقدم الدعوة والإنكار والاستشهاد، بل المراد إخبار عدلين على صفة الشهود.
قال: فإن صدقه غريمه، فعلى الوجهين، أي: في المكاتب، وقد سبق تعليلهما، وهذا ما ذكره العراقيون وصاحب "التقريب" والشيخ أبو علي، واختار النواوي وغيره منهما جواز الدفع كما في المكاتب، وقال الإمام: إن التصادق بين العبد والمكاتب في الكتابة أقوى عندنا وأولى بأن يرجع إليه؛ فإن إقرار كل منهما يصير ثابتاً لازماً في حقه، قال: ومن عول على الإقرار في الدين تردد جوابه فيه إذا أقر بالدين لغائب ولم يوجد منه قبول الإقرار. نعمن إذا قبلنا: القول في ذلك من غير بينة ففي تحليفه ما سبق فيمن ادعى الفقر.
قال: وإن غرم في معصية وتاب دفع إليه، أي: مع الحاجة؛ لأن المعصية زالت [فدفع إليه]؛ كمن أنفق ماله في المعاصي حتى صار فقيراً، ومن هرب من بلد ظلماً ثم أراد الرجوع؛ فإن الأول يعطي من سهم الفقراء، والثاني من سهم أبناء السبيل وإن كان السبب معصيته؛ فكذا هنا، وهذا قول أبي إسحاق وهو الصحيح في تعليق القاضي أبي الطيب، وعند البغوي والروياني وأبي خلف السلمي، وهو الجواب في "الإفصاح".
قال الرافعي: ولم يتعرضوا هاهنا للاستبراء ومضي مدة يظهر فيها صلاح الحال، إلا أن الروياني لما ذكر أن هذا أصح الوجهين قال: هذا إذا غلب على الظن صدقه في توبته.
وقيل: لايدفع؛ خشية أن يستكثر من المعاصي، ولأن توبته لا يطلع على حقيقتها، ولا يمتنع فرض إظهارها مع إضمار نقيضها حتى يسلم إليه من سهم الغارمين، وهذا قول ابن أبي هريرة، والأصح عند ابن الصباغ والبغوي وبه جزم في "المحرر".
стр. 2778
قال القاضي الحسين: والوجهان مبنيان على أن من انكسرت رجله في معصية فصلى قاعداً، فإذا برأ: هل تلزمه الإعادة أم لا؟ فيه خلاف: فإن قلنا: لا يقضي، دفع إليه وإلا فلا يعطي.
ومحل الخلاف إذا استدان استدانة صحيحة بنية الصرف إلى المعصية وصرف ما أخذه فيها، لا الاستدانة الفاسدة التي تملك الغرض، ولو كان قد استدان لغرض صحيح، ثم بدا له أن يصرف ما استدان إلى جهة الفساد - قال الإمام: فإن تحقق ذلك منه، فحق هذا الدين أن يقضي من سهم الغارمين، ولكنا إذا رأيناه قد استدان وصرف ذلك إلى المعصية لا نصدقه في انه ما كان نوى الفساد. ولو انعكس الحال، فاستدان بنية الفساد، ثم عصمه الله فصرفه إلى جهة مباحة - فهذا الدين مقضي وإن النية إنما تؤثر إذا حققت بالعمل.
وقد ألحق الشيخ أبو بكر الصيدلاني والقاضي الحسين الاستدانة للصرف في جهة إسراف- وهي الخارجة عن العادة المعتادة مما لا يكسب حمداً في العاجل، ولا أجراً في الآجل - بالاستدانة لأجل المعصية؛ لأن قضاء ديون المسرفين يجر حيلا واستجراء لأهل السفه، وفيه حرمان المقتصدين. وللإمام احتمال في ذلك، وقال: إن الأول هو الفقه.
ولو غرم [لا] لإصلاح ذات البين ولا لمصلحة نفسه، فذاك على قسمين:
أحدهما: أن يكون لمصلحة عامة، كاستدانته لبناء مسجد أو جامع أو حصن أو قنطرة أو فكاك أسير، وما جرى مجرى ذلك - قال الماوردي: فهذا يجوز أن يعطي مع الفقر والغنى بالعقار، ولايجوز أن يعطى مع الغنى بالناض؛ لأنه أي النفع متردد بين مصلحة نفسه ومصلحة ذات البين؛ فاقتضى أن يكون فيه متوسطاً بين الحكمين. وهذا ما ادعى الروياني في "الحلية" أنه الاختيار.
وعن أبي الفرج السرخسي: أنه ألحق ذلك وكذا قراء الضيف بما استدانه للنفقة
стр. 2779
وسائر مصالح نفسه.
والثاني: أن يكون لمصلحة خاصة، كمن ضمن عن شخص ديناً في معاملة، ولا هيج ولا فتنة:
فإن كان المضمون عنه موسراً، وكان الرجوع عليه ممكناً – فلا يقضي مثل هذا الدين، وقيل: يقضي مع إعسار الضامن، حكاه القاضي الحسين. والمذهب: الأول.
وإن كان الرجوع عليه غير ممكن لضمانه بغير إذنه أو بإذنه، لكنه معسر: فإن كان المتحمل معسراً فله أن يأخذ مقدار الدين، وإن كان موسراً بالنقد وغيره فمنهم من قال: هو كمتحمل الدية في فتنة الدم، ومنهم من قال: هو كمتحمل المال خشية من الفتنة، ومنهم من قال: هو كالاستقراض لحاجة نفسه، قال الإمام: ولو قيل: إنه دون استقراض الإنسان لحاجة نفسه، لكان له وجه؛ فإن الضمان ندامة وغرامة.
وفي بعض التصانيف ما يدل على أن هذا الدين لا يقضي من الصدقة قط، وهو بعيد، وإنما ذكرته ليتنبه الفقيه للمعنى الذي أشرت إليه، وإلا فضمان الإنسان [عن أخيه] لا ينحط عن رتبة استقراضه في أمر غير محظور، ولا ينتهي إلى السفر، ولا يبلغ مبلغ الحاجة المرهقة.
ولو ضمن دية مقتول عن قاتل معين فالقياس أن يرتب على ضمان مال [المعاملة وهاهنا] أولى بأن يقضي مع الغنى، وقد قال في "الروضة": إنه لا يعطي مع الغنى، كذا حكاه في "البيان" عن الصيمري.
قال: والسابع: في سبيل الله؛ لقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠].
قال: وهم الغزاة؛ لأن سبيل الله متى أطلق كان محمولاً على الغزاة، قال الله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [التوبة: ٢٠]، وقال عزَّ من قال: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [الصف: ٤]، وقال – ﵇: "لا تحلُّ الصدقة لغنيِّ إلاَّ لخمسةٍ: لغازٍ في سبيل الله ... ".
فإن قيل: قد روى أن رجلاً جعل ناقته في سبيل الله، فأرادت امرأته أن تحج، فقال
стр. 2780
لها النبي ﷺ : "اركبيها؛ فإنَّ الحجَّ من سبيل الله"، وإذا كان كذلك، فلم لا يصرف إلى الحج؟
قلنا: حجتنا: ما تقدم، والحديث محمول على أنه جعل الناقة في سبيل الله [الذي هو الحج، ويحتمل أن يكون جعلها في جميع ما هو في سبيل الله]؛ فلهذا قال لها – ﵇: "اركبيها؛ فإن الحج من سبيل الله".
قال: الذين لا حق لهم في الديوان؛ أي: ديوان أهل الفيء، وهم المسمون بالمرابطين، وهم الذين سماهم الشافعي – ﵀ – الأعراب؛ لأن الأمر جرى في عصره – ﵇ – كذلك؛ فكان بياناً للمراد بالآية. ووجهه من جهة المعنى: أن من لهم حق في ديوان الفيء يعطون الكفاية من الفيء على قيامهم بالقتال؛ فلا يجوز أن يعطوا من الصدقات؛ كما قلنا في الإمام إذا تولى قبض الصدقات بنفسه: لا يأخذ من سهم العاملين في الزكاة؛ لأنه أعطي من سهم المصالح كفايته على القيام بمصالح العباد، وذلك منها. نعم، لو عدم الفيء من بيت المال فهل يعطون؟ فيه وجهان في "النهاية"، وقولان في "الرافعي" [و"الإبانة"، فإن قلنا: لا يعطون – وهو الأصح – قال الرافعي]: وجب على أغنياء المسلمين إعانتهم.
وعن الصيدلاني وجه ثالث: أنه يجوز أن يصرف إليهم من [سهم] سبيل الله إذا احتاجوا إلى قتال مانعي الزكاة، فيعطون مما يأخذون من الممتنعين.
قال الإمام: وهذا كلام عري عن التحصيل؛ فإن تلك الزكاة المأخوذة منهم، والزكوات المأخوذة من غيرهم- بمثابة واحدة لا تختلف مصارفها وهم مرتصدون
стр. 2781
لارتسام رسم الإمام في كل قتال يندبهم إليه، فأي أثر لتخصيص مقاتلة مانعي الزكاة؟!
وقال الإمام إذا لم يكن في يده من مال الفيء شيء، والمرتزقة مستظهرون بأموالهم، ولم يكونوا على الصفات [التي] يشترطها في [استحقاق] سهم سبيل الله من الصدقات –فلا يجوز صرف ذلك السهم إليهم، وإن كانوا غير مستظهرين، ولو لم يكفهم لضاعوا، ورأى الإمام والحالة هذه أن يصرف سهم سبيل الله من الصدقات إليهم، ورأى انتهاضهم – وهم المعدون المستعدون – أقرب من انتهاض المطوعة، فلا معترض على الإمام في ذلك.
قال: فيدفع [إليهم] ما يستعينون به في غزوهم مع الغنى؛ للخبر وعموم الآية، ولأنهم يأخذون لحاجتنا إليهم؛ فلم يعتبر في الدفع إليهم فقرهم؛ كالعامل.
والذي يستعان به في الغزو: السلاح، وكذا الفرس إن كان الشخص ممن يقاتل فارساً، وألا فلا يعطاه. نعم، يعطى حمولة [تحمله] إن كان على مسافة القصر، دون ما إذا كان دونها؛ فإنه لا يعطاها.
قال أبو إسحاق المروزي: إلا أن يكون ضعيف البدن، أو شيخاً كبيراً، والنفقة في الطريق في حالة الذهاب والإياب؛ فإن استشهاده ليس بضربة لازب.
لكن هل المعطى جميع ذلك، أو الزائد على نفقة المقام؟ فيه وجهان ينبنيان – كما قال القاضي الحسين والفوراني- على أن عامل القراض إذا قلنا: يعطى النفقة، فهل يعطى جميع نفقة السفر أو الزائد على نفقة الحضر؟
والرافعي قرب الخلاف هنا من الخلاف [ثم] من غير بناء، وصحح الأول.
وهل يعطى نفقة المقام على القتال والمحاصرة؟ أطلق الإمام وغيره القول بإعطائه ذلك، وقال القاضي الحسين: إن ذلك على قولنا: إنه يعطى جميع النفقة، أما إذا قلنا: لا يعطى إلا ما زاد [على نفقة المقام] فلا يتصور للمقام هناك نفقة.
стр. 2782
قلت: وفي هذا نظر؛ لأن النفقة تختلف قيمتها باختلاف [الأماكن وبالقرب والبعد، كما تختلف باختلاف] الزمان حراً وبرداً؛ فما ذكره متجه إذا تساوت قيمة ذلك موضع مقامه على القتال [وموضع مقامه في غيره، أما إذا كانت قيمة ذلك موضع مقامه على القتال] أكثر- وهو الغالب – فينبغي أن يعطى القدر الزائد على هذا القول أيضاً.
ثم على الوجهين: القياس يقتضي أن [لا] يعطي نفقة [أهله حيث يعطى] نفقة نفسه، [وقد سكت] عنه المعظم، وعن بعض شروح "المفتاح": أنه يأخذ نفقته ونفقة عياله ذهاباً ومقاماً ورجوعاً. قال الرافعي: وذلك غير بعيد؛ لأننا ننظر في استطاعة الحاج إلى قدرته على ذلكن ولا اتجاه له على قولنا: لا يعطى إلا ما زاد على نفقة المقام.
وحكم الكسوة فيما ذكرناه حكم النفقة.
ثم المراد بما يعطاه من السلاح وغيره: قيمة ذلك لا عينه، كما قاله البندنيجي وغيره من العراقيين؛ حيث قالوا: لا يعطيهم الإمام بهيمة من خيل ولا بغل ولا حمار ولا سلاح؛ لأن ذلك لا يؤدَّى من الزكاة، ولا يجوز أن يشتري لهم ذلك من مال الصدقات، وإنما يعطي لهم مالا يشتري به الغازي ذلك لنفسه، وهذا [ما] حكاه الرافعي وجهاً عن رواية الحناطي، وقال القاضي أبو الطيب: عندي: [أنه] إذا استأذنه الإمام في شراء الفرس والسلاح، [و] اشتراه له من غير أن يدفع إليه حقه –جاز؛ لأن الإمام وكيل لمستحقي الصدقات، فإذا قبض فكأنهم قد قبضوا؛ فإذا أذنوا له في شراء ذلك مما قبض جاز.
وأطلق المراوزة القول بأن للإمام أن يشتري ذلك ويدفعه إليه عارية، أو يملكه إياه إذا رأى ذلك، وله أن يستأجر ذلك ويدفعه إليه [أو يستعيره]، وله أن يشتري ذلك
стр. 2783
من سهم الغزاة وينفقه لهذه المصلحة، صرَّح به الفوراني وغيره.
فروع:
إذا جاء شخص، وادعى أنه يريد الغزو – دفع إليه. وهل يحلف؟ فيه وجهان في "البحر":
أحدهما: نعم، وبه قال أبو إسحاق [المروزي].
والثاني: لا؛ لأنه [إن] لم يغز استرجع منه، وأيضاً: فالإمام هو الذي يعينه ويعطيه بعد التعيين عند الخروج، فإن غزا فقد استحق ما قبضه، وإن لم يغز، أطلق ابن الصباغ والبندنيجي وغيرهما القول بأنه يسترد منه [ما أخذ، وقال الماوردي: [إنه] إن لم يتصل بدار الحرب استرجع منه] وإن رجع بعد ما وصل إليها: فإن قاتل غيره [ولم يقاتل هو فكذلك الحكم، وإن لم يقاتل غيره]؛ لبعد العدو منهم؛ فرجعوا، استحق.
[و] قال الرافعي فيما إذا مات في الطريق، أو امتنع من الغزو: استرد منه [ما بقي. وهذا يدل على أنه لا يسترد منه] جميع ما أخذ، وهو مخالف لما تقدم، وظاهرٌ في حالة موته.
وهذا كله فيما إذا خرج لأجل الغزو، فلو لم يخرج بعد ما أخذ، وكذلك ابن السبيل لو لم يخرج بعد ما اخذ – استرد منه؛ لأن جهة الاستحقاق لم تحصل، وإلى متى يحتمل تأخير الخروج؟ قال الرافعي: أهمل المعظم التعرض له. وفي "أمالي" السرخسي: أنه يجوز تأخير الخروج يومين وثلاثة، فإن انقضت الثلاثة ولم يخرج، حينئذ يسترد، قال: ويشبه أن يكون هذا على التقريب وأن يعتبر ترصده للخروج، وكون التأخير لانتظار الرفقة أو إعداد الأهبة ونحوهما.
стр. 2784
ولو غزا ثم [فضل مما] أخذه فضلة أطلق ابن الصباغ والبندنيجي وغيرهما القول بأنه لا يؤخذ منه؛ فإنا إذا دفعنا إليه الكفاية فالفاضل من تضييقه على نفسه.
[وقال الرافعي: الحكم كذلك فيما إذا كان الفاضل يسيراً أو كثيراً وقد قتر على نفسه]، أما إذا لم يقتر على نفسه [فيسترد منه]؛ لأنه تبين أن المعطى فوق الحاجة، وأنه أخطأ في الاجتهاد.
قال: والثامن: ابن السبيل، وهو المسافر، أي المار بنا في سفره من غير نية الإقامة عندنا؛ سمي بذلك لملازمته السبيل – وهو الطريق – كملازمة الطفل أمه، قال البندنيجي: وهو اسم جنس.
قال: أو المريد للسفر، أي من وطنه أومن بلد هو مقيم فيه – ملحق بابن السبيل، وهو الأولى؛ لشمول المعنى الذي لأجله صرف لابن السبيل؛ فإن ابن السبيل يعطي لما ينشئه من السفر [لا] لما مضى منه؛ فاستوى فيه المجتاز والمنشئ؛ لأن لكل واحد منهما مبتدأ، ولأن المسافر لو دخل بلداً ونوى إقامته خمسة عشر يوماً، صار في حكم المقيمين من أهله، ولو أراد الخروج منه لجاز الصرف له بوفاق الخصم؛ فكذلك كل مقيم منشئ.
فإن قيل: كيف يسمى من لم يسافر مسافراً؟
قيل: كما يسمى من لم يحج حاجًّا، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، وهما لم يشهدا بعد.
قال: في غير معصية، هذا التقييد ليس راجعاً إلى بيان ابن السبيل المطلق، وإنما المراد بيان لابن السبيل المراد بالآية؛ لأن القصد بما يدفع إليه من الزكاة: إعانته على سفره وبلوغه مقصده، وإذا كان سفره معصية لا يليق بحاله الدفع إليه؛ كي لا يعان على المعاصي؛ فتعين أن يكون المراد به ما عداه، وهو ينقسم إلى:
سفر واجب: كالسفر للحج، والعمرة وإذا قلنا بوجوبها، والجهاد – كما قال
стр. 2785
البندنيجي- والهجرة.
وإلى سفر هو طاعة كالتطوع بالحج والعمرة، وزيارة قبر النبي ﷺ والوالدين، وطلب العلم، ونحو ذلك.
وإلى سفر هو مباح: كالسفر للتجارة، والنزهة والتفرج، كما قال البندنيجي وصاحب "البحر".
وقضية ما ذكرناه: الإعطاء للجميع، وذهب بعض الأصحاب إلى اختصاص الاسم فيما نحن فيه بمن سافر سفراً واجباً أو طاعة، دون من سافر [سفراً] مباحاً؛ لأن عنه غنية. والأصح الأول.
وذكر الرافعي الخلاف في السفر المباح ما سوى سفر النزهة، وقال: إذا قلنا: إنه كسفر الطاعة، ففي سفر النزهة خلاف؛ لأنه ضرب من الفضول، قال: والظاهر أنه ملحق بغيره من المباح، وحينئذ يكون في السفر المباح ثلاثة أوجه: ثالثها: إن كان سفر نزهة لم يلحق بسفر الطاعة، وإلا ألحق به.
وسلك الماوردي في السفر المباح طريقاً آخر، فقال: إن كان لغير حاجة – كالسفر للنزهة والتفرج – فلا يجوز أن يعطى وإن أبيحت له الرخص؛ لأن مال الصدقات مصروف إلى ذوي الحاجات. نعم، لو سافر للنزهة بماله، ثم انقطعت به النفقة لعوده- جاز أن يعطى لحاجته وضرورته. وإن كان سفره لحاجة ماسة: كالسفر في طلب غريم هرب، أو عبد أبق، أو جمل شرد فهذا يعطى؛ لشدة حاجته. وإن كان سفره لحاجة لكنها غير ماسة، كالسفر في تجارة – ففي جواز إعطائه وجهان حكاهما الإمام أيضاً عن رواية صاحب "التقريب" والشيخ أبي علي. ثم قال: ولا شك أن هذا مفروض فيما إذا كان ماله غائباً وهو يبغيه ليتجر، وقد حكى عن أبي إسحاق أنه قال: يجوز أن يعطى للعاصي بسفره ما يسد الرمق في الحال، ولا يعطى ما يسافر به، إلا أن يبقى منقطعاً به؛ فيعطى إذا أراد الرجوع إلى وطنه وإن كان أصل سفره معصية.
قلت: ويجيء وجه آخر: أنه لا يعطى حتى يتوب، كما قاله الشيخ أبو محمد في
стр. 2786
المضطر: لا تباح له الميتة، ويقال له: تب وكل.
نعم، إذا تاب التحق في بقية سفره بالمسافر سفراً مباحاً، والمنقول في "الحاوي": أنه يصرف إليه.
قال: فيدفع إليه ما يكفيه، أي: من نفقة وكسوة، على حسب ما يقتضيه الحال من شتاء وصيف، في [خروجه و] رجوعه، أي: إذا كان على قصد العود، وليس في المقصد ولا دونه مال يغنيه عن الزكاة؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وقيل: لا يعطى للرجوع [شيء في ابتداء سفره؛ لأنه سفر آخر، وإنما يعطى عند ابتداء الرجوع.
وقيل: إن عزم على أن يصل الرجوع بالذهاب أعطي للرجوع]، وإن عزم على أن يقيم هناك مدة لم يعط، ولو عزم على الإقامة مطلقاً لم يعط للرجوع بالاتفاق، وقد سكت الشيخ – ﵀ – عن كفايته في مدة مقامه وغيره.
قال: إن لم تزد مدة مقامه على مدة مقام المسافرين، وهي ما دون أربعة أيام- دفعت له، وألا فلا، وعن صاحب "التقريب": أنه [إن] أقام لحاجة يتوقع زوالها أعطي، وإن زادت إقامته على إقامة المسافرين.
قلت: وكأنه ذكر هذا تفريعاً على أن من أقام في بلد لقضاء حاجة، ولم ينو الإقامة-أنه يقصر [أبداً]، وإذا كان هذا المأخذ وجب أنا يعطى [كفايته – والصورة هذه – إلى ثمانية عشر يوماً، كما قلنا في القصر على قولٍ آخر.
ويعطى] مع الكسوة والنفقة المركوب إن كانت المسافة مسافة القصر؛ لأن ذلك من جملة الكفاية، إلا فلا يعطى إلا أن يكون [غير] قادر على المشي لكبر أو ضعف، هكذا أطلقوه، وسكتوا عن التعرض لاعتبار مسافة القصر ذهاباً أو ذهاباً وإياباً؛ اكتفاء بما ذكروه في غير هذا الموضع، ومحله باب صلاة المسافر،
стр. 2787
وسنذكره [ثم] إن شاء الله.
وقد ذكر أبو الفرج السرخسي في "أماليه" في كيفية تهيئة المركوب: أنه إن ضاق المال فيعطى كراء المركوب، وإن اتسع فيشترى له المركوب.
فإن قلت: هل يجري ما قاله العراقيون في الغازي من منع شراء المركوب له دون إذنه هاهنا إذا كان [في] المال متسع؟
قلت: ينبغي أن ينبني ذلك على أنه إذا اشتُرِي له المركوب – كما قاله السرخسي –عند اتساع المال، وزال السفر: هل يسترد منه؟ وفيه وجهان:
فإن قلنا: لا يسترد، [لم يبعد أن يلحق ابن السبيل بالغازي في ذلك.
وإن قلنا: يسترد] – كما أجاب به عامة الأصحاب – امتنع إلحاق ابن السبيل بالغازي، وجاز الشراء دون إذنه؛ لأنه مستعار معه، بخلاف الغازي؛ فإنه مالك فيبعد [تمليكه] غير المال الزكاتي عن الزكاة بدون إذنه، والله أعلم.
وقد اقتضى كلام الشيخ – ﵀ – أن المعطى لابن السبيل الكفاية بجملتها، وهو أصح الوجهين في "الرافعي"،ومقابله: أن المعطى [ما] زاد بسبب السفر – كما تقدم مثله في الغازي –وهو بعيد لا وجه له.
ثم ما ذكره الشيخ من إعطاء المسافر والمريد للسفر هو الطريقة المشهورة [،وهي] التي لم يورد العراقيون غيرها، وذهب بعض المراوزة إلى أن المريد للسفر يعطى، وأما المسافر المتجاز ففي جواز الصرف إليه قولان؛ بناء على القولين في جواز نقل الصدقة: فإن جوزناه جاز الصرف إليه، وألا فلا، وهو ما ذكر الإمام أنه ظاهر النص، وأشار بذلك إلى ما حكاه القفال عن الشافعي – ﵀ – أنه قال: "ابن السبيل: من شخص [من] بلده، فأما من مر به فلا"، ولأجل هذا جزم
стр. 2788
المسعودي بالمنع، والقائلون بالجواز قالوا: معنى قول الشافعي أن حقيقة اسم ابن السبيل ما ذكر، فأما في الحكم فهو والمجتاز سواء.
قال: ولا يدفع إليه حتى تثبت حاجته. هذا الكلام [لم] أره هكذا - فيما وقفت عليه - لأحد من الأصحاب، بل المنقول في "تعليق" البندنيجي و"الحاوي" وغيرهما: أن المسافر-[و] هو المجتاز - إن ذكر أنه لا مال له في هذا البلد، ولم يعلم له أصل مال فيه - فالقول قوله، وهل يحلف؟ فيه وجهان في "البحر" تقدم ذكرهما، ولا [يضره كونه] له مال في بلده أو في أثناء طريقه في منع صرف ما يكفيه إلى وصوله [إلى] ماله.
وإن عرف له مال فيه، أو قال: إنه كنا له فيه مال، وتلف - لا يقبل قوله في ذلك، ولا يصرف إليه شيء إلا بالبينة كما تقدم نظيره، فلعل هذا مراد الشيخ، أو إذا قلنا: إنه يحلف في الحال الأولى وجوباً.
وأما المريد للسفر فقد قالوا: هو والفقير سواء؛ لأنه لا يعطى إلا مع الفقر مطلقاً في الموضع الذي أراد السفر منه، وفي بلده، كما أفهمه كلام البندنيجي لمن وقف عليه، وعلى هذا قال الماوردي: إن أراد من اتصف بما ذكرناه أن يأخذ من سهم الفقراء أو المساكين أو أبناء السبيل، دفع إليه.
وقد تحرر مما ذكره الشيخ أن من يأخذ من الزكاة مع الفقر [دون الغنى] خمسة: الفقير، والمسكين، والمكاتب، والغارم لمصلحة نفسه، وابن السبيل المنشئ للسفر من عندنا - كما قاله البندنيجي - والذي يأخذ مع الغنى والفقر خمسة: العامل، والمؤلفة، والغارم لإصلاح ذات البين، والغازي، وابن السبيل المجتاز بنا.
فإن قلت: الأصناف ثمانية، وقد خرجوا في هذا التفصيل [عشرة].
стр. 2789
قيل: لأن الغارم على ضربين، وابن السبيل على ضربين؛ فلهذا زاد التفصيل صنفين، والله أعلم.
قال: فإن فضل منه شيء، أي: لتقتيره على نفسه، أو لغير ذلك – استرجع منه؛ لأنه إنما أخذ لحاجته وقد زالت بتمام السفر، بخلاف الغازي؛ فإنه يأخذ لحاجتنا إليه؛ ولذلك دفعنا إليه مع الغنى، وقد حصلها.
ومنهم من ألحق ابن السبيل بالغازي في عدم الاسترجاع، وهو ما أبداه الحناطي احتمالاً، ونسبه الشيخ أبو الفرج إلى النص، وعكس هذا: لو أُعْطِي ما يكفيه إلى غاية قدرها [ثمانية فراسخ]، فسافر شطر المسافة، ثم ترك السفر وقد أنفق جميع ما قبضه في تلك المسافة – نظر: فإن كان قد فعل ذلك [لغلاء سعر أو] زيادة مؤنة، لا يسترجع منه شيء، وإن كان لسرف في شهوة، أو استكثار، استرجع منه نفقة الباقي من سفره.
قال: وإن فقد صنف من هذه الأصناف، أي: من الوجود – وفَّر نصيبه على الباقين؛ لأنه لا يجوز أن يرد إلى رب المال يتصرف فيه؛ لأن الصدقة وجبت عليه طهرة له؛ فلا يجوز تركها عليه؛ لأن ما يصرف إلى الشخص لا يكون مطهراً له؛ ولهذا لو لم توجد جميع الأصناف لا تسقط عنه الزكاة.
قال في "التتمة": وخالف ما نحن فيه ما لو أوصى لرجلين، فرد أحدهما –يكون المردود للورثة [دون الثاني؛ لأن المال للورثة] لولا الوصية، والوصية تبرع رخص فيه، فإذا لم يتم أخذ الورثة المال، ولا يجوز أن يرد إلى سائر الناس؛ لأنه لم يوجد فيهم معنى الاستحقاق؛ فتعين الصرف لباقي الأصناف؛ لأنهم [مشاركون للذين] عدموا في الصدقات فكانوا أولى.
فإن قيل: أليس قلتم: إنه إذا خلف الميت ذا فرض لا يستغرق لا عصبة له يرد الباقي إلى بيت المال؛ ولا يرد على ذوي الفروض؛ فهلا قلتم هنا كذلك؟!
стр. 2790
قلنا: بيت المال عصبة الميت؛ لأنه لجميع المسلمين، وهم عصباته؛ فحلوا محل عصبته، وهاهنا ليس فيهم معنى الاستحقاق؛ فافترقا.
ولا فرق في الصنف المفقود بين أن يكون العامل أو المؤلفة أو المكاتبين أو غيرهم، حتى إذا كان غير [العامل فض] المأخوذ على سبعة، وقوبل السبع بأجرة العامل كما تقدم. وإن كان المفقود العامل؛ لتفرقة رب المال الزكاة بنفسه – قسم المأخوذ على سبعة على المشهور، ووراءه، وجان:
أحدهما – حكاه الحناطي عن النص -: أنه يسقط في هذه الصورة سهم المؤلفة أيضاً، وتكون القسمة على ستة أسهم، وهو هكذا في "فتاوى" القفال، ولعله أشار بذلك إلى نصه في "الأم"؛ فإن الماوردي حكى في صدقة الفطر أن الشافعي قال في "الأم": إذا تولى رب المال إخراج صدقة الفطر [فرقها في] ستة أصناف، وسقط عنه سهم العاملين والمؤلفة وادعى الإمام في أول باب كيف تفريق قسم الصدقات: أنه [الرأي] الظاهر.
والثاني – حكاه الحناطي أيضاً عن أبي سعيد الإصطخري -: أنه يجوز الصرف في هذه الحالة إلى ثلاثة من الفقراء، والمشهور نسبة هذا القول إليه في زكاة الفطر.
ولو فقد الصنف في بلد المال، ووجد في غيره: فإن كان المفقود العامل؛ فالحكم كما تقدم، وإن كان غيره: فإن كان نصيب الموجودين [قدر كفايتهم، نقل نصيب المفقودين في البلد إلى الذي وجدوا منه في غيره، قاله البندنيجي، وإن كان نصيب الموجودين] دون كفايتهم؛ ففيه ثلاث طرق:
[إحداها] – حكاها الماوردي -: أنه ينظر: فإن كان المفقود الغزاة نقل سهمهم إلى الغزاة الذين يوجدون في الثغور وغيرها؛ [لأنهم يكثرون في الثغور] ويقلون في غيرها، فلم يكتفوا بسهمهم من صدقات بلادهم. وإن كان المفقود غيرهم فهل يصرف إلى الموجودين من باقي الأصناف، أو ينقل إلى ذلك الصنف حيث كان؟ فيه وجهان.
стр. 2791
والثانية: إجراء الوجهين في جميع الأصناف؛ بناء على القولين في جواز النقل: فإن قلنا: يجوز، جاز هاهنا، وألا فلايجوز. وهذه طريقة أبي علي بن أبي هريرة، وقد صحح الأول منهما الغزالي والرافعي والقاضي أبو الطيب في أثناء كلامهن وصحح الثاني القاضي الحسين غيره.
والثالثة – حجاها ابن الصباغ والقاضي الحسين وغيرهما-: أنه يجوز النقل في هذه الحالة قولاً واحداً، وهذا القائل يعتبر المستحقين؛ لأن استحقاقهم ثبت بنص الكتاب، ومنع النقل ثبت بالاجتهاد؛ فإذا تعارضا كان تغليب ما ثبت بالنص أولى من تغليب ما ثبت بالاجتهاد، والقائل قبله اعتبر المكان، وتعلق بأن الاعتبار بالمكان الذي هو فيه؛ ألا ترى أن المسافر إذا عدم الماء في موضعه تيمم وإن كان موجوداً في غيره؟!
وقد فرَّع الرافعي على الوجهين في هذه الصورة فقال: إن قلنا: ينقل، فينقل إلى أقرب البلاد إليه، فإن نقله إلى غيره أو لم ينقله وردَّه على الباقين، ضمن.
قلت: وفي ضمانه إذا نقل إلى غير الأقرب نظر؛ لأنا إذا قلنا: إن النقل مفرع على القول بجواز النقل – كما هي طريقة ابن أبي هريرة – فكيف يمكن تضمينه مع أنه
стр. 2792
فعل ما هو جائز له؟! وإذا قلنا: إنه ينقل، فكذا [هذا] هنا، وإن منعنا النقل فينبغي أن يكون في ضمانه الخلاف السابق فيما إذا قلنا: لا يجوز النقل، فنقل.
قال: وإن قلنا: لا ينقل، فلو نقل، ضمن.
وابن الصباغ قال في هذه الصورة- تبعاً للقاضي أبي الطيب – في ضمانه القولين فيما إذا قلنا: لا يجوز نقل الزكاة فنقلها، وذلك يؤيد ما ذكرناه، وقد أشار الإمام إلى عدم الضمان إذا قلنا: إن النقل هاهنا مفرع على القول بجواز النقل مطلقاً، وقال: إذا قلنا: إنه جائز هاهنا فقط، فيتعين النقل إلى أقرب موضع وجد فيه الصنف إذا كان على دون مسافة القصر، [وكذلك إن كان على مسافة القصر عند الجمهور، حتى لا يجوز أن ينقل إلى أبعد منهم.
وذهب بعض الأصحاب [إلى] أنه إذا احتاج إلى النقل إلى مسافة القصر] [زال الحرج]، وينقل [إلى] حيث شاء، والأصح الأول.
قال: والمستحب أن يصرف صدقته إلى أقاربه الذين لا تلزمه نفقتهم؛ لما روى الترمذي عن سلمان بن عامر عن النبي ﷺ قال: " [الصَّدقة] على المسكين صدقةٌ، وعلى ذي الرَّحم ثنتان: صدقةٌ، وصلةٌ"،وروي أنه – ﵇ – قال: "أفضل
стр. 2793
الصَّدقة أن تتصدَّق على ذي الرَّحم الكاشح"، [والكاشح:] الذي يعاديك ويغتابك ويقع فيك إذا غبت، كذا حكاه القاضي الحسين في صدقة الفطر.
قال الشافعي: "ولأنه أعلم بحال قريبه منه بحال غير قريبه؛ فكان صرف الصدقة إليه أفضل"؛ ولهذه العلة استحببنا عند فقد الأقارب صرفها إلى جيرانه، وقد تقدم حكاية وجه في تعين الصرف لهم عند اتساع البلد، ومنع النقل إن كان رب المال هو المفرق.
[و] قال القاضي الحسين في صدقة الفطر: ويستحب أن يقدم ذا الرحم المحرم ثم ذا الرحم غير المحرم، [ثم المحرم] بالرضاع، ثم بالمصاهرة، ثم الجيرة بعد ذلك.
أما أقاربه الذين تلزمه نفقتهم فلا يجوز أن يعطيه من سهم الفقراء والمساكين، وكذا من سهم المؤلفة؛ لأن نفقتهم إنما تلزمه عند فقرهم، وحينئذ فدفعه يسقط النفقة عن نفسه كما يسقطها الصرف إليه من سهم الفقراء. ولا يجوز أن يعطيهم من سهم أبناء السبيل ما يحتاج إليه سفراً وحضراً؛ فإن هذا القدر هو المستحق عليه بسبب القرابة، ويجوز أن يعطيهم منه الزائد على نفقة الحضر؛ لأن ذلك لا يلزمه بالقرابة، وكذا يجوز أن يعطيهم من سهم الغارمين والمكاتبين والغزاة، قال الرافعي: والعاملين إذا كانوا بهذه الصفات. وقال البندنيجي بعد حكايته عن الأصحاب أنه يجوز أن يعطيهم من سهم العاملين: إن هذا غير صحيح؛ لأنه لا يتصور أن يدفع رب المال نصيب العاملين من زكاته؛ ولأجل ذلك قال ابن الصباغ: يجوز أن يعطي من سهم العاملين وإنما يكون بدفع الإمام دون دفعه.
وهذا كله إذا كان القريب حيًّا، فلو مات بعد وجوب الزكاة عليه فهل للإمام
стр. 2794
صرفها إلى أقاربه الذين [كانت] تلزمه نفقتهم بسبب فقرهم، أو لا يجوز؟ الذي ذكره القاضي الحسين: المنع، وقال في "البحر" قبل [كتاب] زكاة الفطر: ويحتمل أن يقال: يجوز؛ لأن شبهة استحقاق النفقة غير موجودة.
ومن تلزمه نفقته بسبب الزوجية صرفه إليه كصرف الأجنبي له، صرح به الإمام، وقد تقدم حكاية وجهين في جواز صرف الأجنبي شيئاً لزوجة غيره من سهم المسكنة، ومقتضى قول الإمام جريانهما هاهنا، ونص الشافعي [على المنع، وبه جزم الماوردي] وغيره. نعم، يجوز أن يصرف إليها من سهم المكاتبين والغارمين بلا خلاف، ولا يجوز من سهم الغزاة؛ لأنها لا تصلح لها، وهل يجوز من سهم المؤلفة؟ قال في "التتمة": يجوز. وهو ما أبداه الإمام احتمالاً حيث قال: لو قيل: تُعطى، لكان مذهباً؛ لأن ما يقصد من حسن إسلام الرجل وترغيب قومه في الإسلام موجود في المرأة. وقال الشيخ أبو حامد في "التعليق": لا يجوز؛ لأنها لا تكون من المؤلفة. قال الرافعي: والأول هو المنقول.
وطرد الشيخ أبو حامد [المنع في] [صرف] سهم العامل إليها، وكذا الماوردي، وإن كان كلامه السابق بخلافه.
والصرف من سهم سبيل الله إليها يتوقف على معرفة كيفية سفرها:
فإن كان وحدها بإذنه في حاجتها، فإن أوجبنا نفقتها على الزوج، أعطيت مؤنة السفر الزائدة على نفقة الحضر، وإن لم نوجب نفقتها على الزوج، قال الرافعي وغيره: أعطيت جميع كفايتها.
قلت: وهو تفريع على الصحيح في أن ابن السبيل يعطى جميع كفايته، كما تقدم. وللإمام احتمال في جواز الصرف إليها إذا كانت قادرة على الرجوع في زمان مكثها مع قدرتها على العود، قال: والأظهر ما ذكره الأصحاب؛ فإنه إذا جاز لها
стр. 2795
المكث، فإذا مكثت فليس العود إلى الزوج ممكناً في ذلك اليوم، وكذلك كل يوم يأتي.
قال: ويتطرق إلى أصل المسافرة احتمال آخر؛ فإنها وإن خرجت بالإذن فهي المتسببة إلى إسقاط النفقة.
وإن [كان] السفر بغير إذنه فلا تعطى من سهم أبناء السبيل؛ لأنها عاصية بسفرها، وتعطى من سهم الفقراء والمساكين، بخلاف الناشزة [وإن [كانت] عاصية بالنشوز مسقطة لنفقتها في الموضعين؛ لأن الناشز] تقدر على العود إلى الطاعة، والمسافرة لا تقدر على ذلك. نعم، لو تركت سفرها وعزمت على أن تعود إليه أعطيت من سهم أبناء السبيل. ويؤخذ من كلام الإمام احتمال في جواز الصرف إليها من جهة انتسابها إلى النشوز في أول الأمر، وهو يداني ما مر: أنا من لزمه الدين بسبب الاستنفاق في معصية، هل يقضي دينه من سهم الغارمين [أم لا؟
ولو كان سفرها وحدها لحاجته بإذنه، قال الماوردي: فهو كما لو سافرت معه] بإذنه، والحكم في هذه الحالة: أنها لا تعطى من سهم أبناء السبيل؛ لأنها مكفية المؤنة بالزوج، كذا قاله الرافعي وغيره.
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب: أن الحكم كذلك إذا كان سفرها معه بإذنه لحاجته، فلو كان في حاجتها جاز أن يعطيها القدر الذي يزيد على نفقتها في الحضر، وكذا مركوبها.
وإن كان سفرها معه بغير إذنه فالنفقة عليه؛ لأنها معه، قاله ابن الصباغ والرافعي، [وقال] القاضي الحسين: أنها لا تعطى مؤنة السفر؛ لأنها عاصية بالخروج.
ويجوز للزوجة أن تصرف صدقتها إلى زوجها، بل يستحب كما حكاه الماوردي في باب صدقة الفطر؛ لقوله – ﵇ – لامرأة ابن مسعود حين سألته [عن
стр. 2796
دفع] زكاتها إلى زوجها: "لك أجران: أجر الصَّدقة، وأجر الصَّلة". ولأنه في معنى أهلها وأقاربها الذين لاتلزمها نفقتهم.
فإن قيل: هي إذا صرفت زكاتها إليه عاد إليها النفع؛ لأنها تطالبه بنفقة الموسرين، وينبغي أن تمنع لذلك.
قلنا: قد أشار إلى المنع القاضي الحسين، حيث قال في "التعليق": يجوز أن تدفع إليه من صدقتها باسم الفقر، على الصحيح من المذهب، والمشهور الأول، كما يجوز أن يصرف زكاته لفقير أو مسكين له عليه دين، وإن كان إذا قبضها طالبه بدينه لميسرته بما قبض، كذا قاله البندنيجي وغيره.
والكل متفقون على أنه لا يجوز أن يصرف [من] سهم الرقاب إلى مكاتبه؛ لأنه قِنًّ ما بقي عليه درهم.
قال: وأن يعم كل صنف إن أمكن، أي: ويستحب أن يعم كل صنف إن أمكن التعميم في الدفع بحيث يحصل مجموع الكفاية له؛ كي لا ينكسر قلب من لم يعطه.
وقال الإمام فيما إذا كان التعميم يقربهم من الكفاف: فقد نقول: إذا صرف زكاته إلى ثلاثة من كل صنف تبرأ ذمته، ويعصي إذا لم يكن في القطر من يرعى المحاويج غيره. والمشهور: ما ذكره الشيخ، ﵀.
أما إذا كان تعميم الجميع ممكناً بحيث تندفع حاجة كل منهم بما يعطيه له، بأن كانت صدقته كبيرة، والمستحقون فيهم قلة – وجب التعميم، ولا يجوز أن يخل بواحد منهم، صرح به الماوردي والبندنيجي والمتولي، وهو قضية ما حكيناه [من
стр. 2797
إطلاق العراقيين عند الكلام في نقل الصدقة، وفي "التهذيب": أن ذلك يجب إن لم تجوز نقل الصدقة، وإن جوزناه لم يجب، لكن يستحب، وهو قضية ما حكيناه] ثم عن المراوزة، وقد حكاه الإمام في كتاب الزكاة قبل باب صدقة الخلطاء حيث قال: سمعت شيخي يقول: إذا منعنا النقل، وانحصر الفقراء، وزادوا على ثلاثة – فيجب صرف الحصة إليهم، وتجب التسوية بينهم، وإنما يجوز الاقتصار على الثلاثة وتجوز المفاضلة عند خروجهم عن الضبط الممكن؛ فإن سبب الاقتصار على الثلاثة أنهم أقل [الجمع]، ولا عدد أولى من عدد بعد ذلك، وسبب المفاضلة: أن كل من أعطي أقل فلو حرم لأمكن حرمانه بإقامة غيره مقامه فأما إذا انحصروا وامتنع النقل وثبت الاستغراق- فالوجه وجوب الصرف إليهم مع رعاية التسوية.
قال: والذي قاله حسن منقاس إذا قلنا برد اليمين عليهم، وقد ادعى في "الوسيط" في هذه الصورة أن الأولى: التعميم، ثم قال: ويحتمل أن يقال: يجب الاستيعاب عند الإمكان، والله أعلم.
قال: وأقل ما يجزئ-أي: في الحالة التي يستحب فيها التعميم – أن يدفع إلى ثلاثة من كل صنف منهم، أي: عند وجودهم، لأن الله تعالى ذكر كل صنف بلفظ الجمع، وأقل الجمع ثلاثة.
قال إلا العامل؛ فإنه يجوز أن يكون واحداً؛ أي: إذا حصلت [له] الكفاية؛ لفهم المقصود به.
فإن قيل: ابن السبيل لم يذكر في الآية بلفظ الجمع؛ فكان ينبغي أن [يجوز الاقتصار] على الصرف لواحد منهم.
قلنا: قد قال [به] بعض الأصحاب، والصحيح الأول؛ لان المراد به الجنس كما تقدم؛ لأن الإضافة تجري مجرى لام التعريف، والألف واللام يستغرقان الجنس، كذلك الإضافة.
وعن بعض شارحي "المختصر": أنه لو طرد الخلاف في الغزاة لم يبعد، أما إذا لم
стр. 2798
يوجد من الصنف إلا واحد:
فإن كان ثلث حصة الصنف يدفع حاجته فلا يزاد على ذلك، وباقي الحصة هل يرد على بقية أهل الأصناف، أو ينقل إلى ذلك الصنف في بلد آخر؟ فيه قولان في "تعليق" أبي الطيب كالقولين فيما إذا فقد الصنف في بلد [ذلك] المال ووجد في غيره، وهما في "الشامل" وجهان، وادعى الماوردي أن المذهب منهما الأول.
وإن كانت حاجة الموجود من الصنف لا تندفع إلا بجميع حصة الصنف، فقد قال المتولي: إن قلنا: لا يجوز نقل الصدقة، صرفنا جملة النصيب إلى الموجود، وإن قلنا: يجوز نقلها، فلا يجوز الإخلال بالعدد. وسكت عما يصرف للموجود وما ينقل.
وقال الإمام: إن العراقيين بنوا ذلك على ما إذا عدم الصنف كله في بلد ووجد في غيره، فإن قلنا ثم: لا ينقل ويفض على الموجودين، فهاهنا يفض في مسألتنا ولا ينقل أولى. وإن قلنا ثم: يجب النقل، ففي هذه الصورة قولان.
والذي قاله [القاضي] أبو الطيب وغيره: أن ذلك ينبني على القولين فيما إذا فقد الصنف في بلد المال ووجد في غيره، فإن قلنا: يصرف لباقي الأصناف، صرف جميع السهم هنا للموجود، وهو ما نص عليه في "المختصر" في ابن السبيل، وإن قلنا: ينقل ذلك الصنف حيث كان، فلا يجوز أن يدفع [الكل، ويجوز أن يدفع] إله الأكثر من السهم، وينقل إلى البلد الآخر ما يجوز أن يدفعه إلى الواحد [عند وجود ثلاثة منهم فأكثر؛ لأنه لا يجوز له التفضيل في الإعطاء في الصنف الواحد].
وقال الماوردي والبندنيجي على هذا: إنه لا يجوز أن يعطى الموجود إلا ثلث السهم [من غير زيادة]؛ لأن الله تعالى جعله لجمع أقله ثلاثة، وينقل باقي السهم – وهو ثلثاه – إلى ذلك الصنف بأقرب البلاد.
والخلاف هكذا هو الذي حكاه القاضي الحسين في موضع من الكتاب حيث قال: إذا لم يوجد من صنف إلا واحد دفع إليه النصيب كله إذا كان قدر حاجته، ومن
стр. 2799
أصحابنا من قال: يدفع إليه ثلث نصيب الصنف؛ للآية، والله أعلم.
قال: والأفضل أن يفرق عليهم على قدر حاجتهم، أي إن تفاوتت، وأن يسوي بينهم، أي: ويستحب أن يسوي بينهم إن استوت حاجتهم؛ لأن الزكاة شرعت لدفع الحاجة. ولو لم يفعل ذلك، وسوى بينهم مع تفاوت الحاجة، أو فاضل مع تساوي الحاجة - جاز؛ لما تقدمت حكايته [عن رواية] الإمام عن والده، ويأتي فيه وجه الشيخ أبي محمد السابق، وبه صرح في "الوسيط"، والمشهور: الأول، وقد قال الأصحاب تفريعاً عليه: إنه يخالف هذا ما لو أراد أن يفاضل بين الأصناف في القسمة؛ فإنه لا يجوز، [ولو] مع تفاوت الحاجة وشدتها؛ لأن الأصناف محصورة فيمكن التسوية بينها، والعدد من كل صنف غير محصور؛ فسقط اعتبار السوية.
قال في "التهذيب": وليس كما لو أوصى لفقراء بلد بعينه وهم محصورون؛ حيث يجب تعميمهم و [لا] تجب التسوية؛ لأن الحق في الوصية لهم على التعيين، [حتى لو لم يكن هناك [فقير] بطلت الوصية، وهاهنا لم يثبت الحق لهم على التعيين]؛ وإنما تعينوا لفقد غيرهم؛ ولهذا لو لم يكن في البلد مستحقون لا تسقط الزكاة؛ بل تنقل إلى بلد آخر، فمن حيث إنهم محصورون يجب التعميم، ومن حيث إنهم لم يثبت [لهم] على التعيين لاتجب التسوية.
وقد يقال: إن معنى قول الشيخ ﵀: "والأفضل أن يفرق عليهم على قدر حاجتهم"، أي: إن أمكن، مثل: أن تكون حاجة ثلاثة من الصنف ستمائة درهم، يحتاج أحدهم إلى مائة، والآخر إلى مائتين، والثالث إلى ثلاثمائة، وحصة الصنف من زكاته ستمائة، فيستحب أن يصرفها لهم، ولو صرفها لهم ولغيرهم جاز؛ لما تقدم، لكنه خلاف الأفضل.
وقوله: "وأن يسوي بينهم"، أي: إن لم يمكنه دفع حاجة [ثلاثة من] الصنف؛
стр. 2800
لأنه ربما وجب عليه النصف، مثل: أن تكون حصة الصنف ثلاثمائة – والصورة كما ذكرنا – فيستحب أن يدفع إلى الأول خمسين، وإلى الثاني مائة، إلى الثالث مثلهما؛ لأنه بذلك تحصل التسوية؛ ولهذا قال الأصحاب: إنه يجب على الإمام إذا قسم، ولم يمكنه تعميم الصنف [من جميع] الزكوات – أن يقسم على هذا النحو؛ إذ تعميم الصنف واجب عليه؛ ولو لم يفعل رب المال ذلك، بل سوى في الدفع إليهم من غير نظر إلى قدر الحاجة – جاز، لكنه خلاف الأفضل والله أعلم.
قال: فإن دفع جميع السهم إلى اثنين، أي: وحصة الصنف من الزكاة لا تفي بحاجات أهل الصنف ولو قسم عليهم – غرم للثالث الثلث في أحد القولين؛ لأنا جعلنا إليه الاجتهاد في [ذلك] القدر بشرط ألا يخل بالعدد، فإذا ظهر منه الإخلال بالعدد بان أنه ليس من أهل الاجتهاد؛ فألزمناه القسمة، قال: على ما اقتضاه ظاهر الآية؛ فإنه يقتضي التسوية، وهذا ما نص عليه في قسم الصدقات.
قال: وأقل جزء في القول الآخر؛ لأنه لو اقتصر عليه ابتداء أجزأه، وهذا ما ادعى ابن الصباغ [وغيره] أنه القياس؛ وصححه الإمام في كتاب الأضحية والنووي.
وقد قرب المتولي هذا الخلاف من الخلاف فيما إذا باع الوكيل [بدون] ما يتغابن بمثله وهلك المال: فهل يضمن ما نقص عن القدر الذي يتغابن به، أو يضمن جميع النقص؟ وفيه قولان، وقال المحاملي: إن الخلاف في مسألتنا وفي مسألة الأضحية مخرج من مسألة الوكيل، وقد ذكرت ذلك عنه في الأضحية.
ولو صرف جميع السهم إلى واحد فعلى الأول يضمن الثلثين، وعلى الثاني: أقل ما يجوز صرفه لاثنين. أما إذا صرف جميع السهم إلى اثنين، وحصة الصنف بقدر حاجات أهل الصنف؛ لكونهم ثلاثة – فالمغروم للثالث قدر حاجته، صرح به الماوردي.
وهذا كله فيما إذا فرق رب المال زكاته بنفسه، أما إذا فرقها الإمام فعليه استيعاب
стр. 2801
آحاد كل صنف، ولا يجوز له الاقتصار على بعضه؛ فإن الاستيعاب لا يتعذر عليه، بخلاف رب المال، هكذا قاله ابن الصباغ والمتولي والبدنيجي والماوردي، وقال القاضي الحسين: إن عليه أن يول الصدقة إلى [كل] من يقدر عليه.
قال الرافعي: وليس المراد أنه يستوعب في زكاة كل شخص الآحاد؛ ولكن يستوعبهم بالزكوات الحاصلة في يده.
وإلى ذلك يرشد ما ذكره الماوردي من الفرق بين رب المال والإمام فيما نحن فيه، وهو أن الإمام يقسم جميع الصدقات؛ [فلزمه أن يعم بها جميع أهل السهمان، ورب المال يقسم بعض الصدقات] فجاز أن يقتصر على بعض أهل السهمان، قال الأصحاب: وللإمام وضع صدقة رجل واحد كلها في فقير واحد وفي صنف واحد، لكن لا يجوز أن يحرم من جملة الصدقات صنفاً أو يفضله على صنف آخر، صرح به الفوراني والبندنيجي. وله – كما قال المتولي، وتبعه الرافعي – أن يخص الصنف بنوع من المال، [وآخرني بنوع] آخر، لكن بالقيمة؛ لأن في تكليفه قسمة كل نوع مشقة، يوجب عليه التسوية في العطاء لأهل الصنف الواحد؛ فلا يفضل بعضهم على بعض، حكاه المتولي أيضاً.
ومعنى التسوية: أن يعطي كل واحد من الصنف قدر حاجته إن اتسع سهمهم لذلك، صرح به ابن الصباغ وغيره، [وإن لم يتسع وزعه على قدر الحاجة كما توزع التركة على الديوان عند ضيق التركة عن الوفاء، صرح به البندنيجي وغيره].
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن قول الشيخ – ﵀:"وأقل ما يجزئ أن يدفع إلى ثلاثة من كل صنف إلا العامل؛ فإنه يجوز أن يكون واحداً" – غير منتظم؛ لأنه إن أراد بذلك إذا كان المفرق هو رب المال-كما ذكرناه، وصرح به غيره من الأصحاب-[لم يحتج] إلى استثناء العامل؛ لأن العامل يسقط إذا كان المفرق رب المال، وإن أراد به إذا كان [المفرق هو الإمام]: فإن كان في صورة دفع
стр. 2802
أرباب [الأموال] الزكوات فيها إلى الإمام بأنفسهم، فقد ذكرنا عن الأصحاب أن نصيب العامل يسقط أيضاً؛ فهو كما لو فرقها رب المال- وفيه ما تقدم – وإن كان في صورة لا يسقط فيها سهم العامل، وهي إذا حصل السعاة الزكوات من أرباب الأموال، وأحضروها إلى الإمام؛ لكونه لم يفوض إليهم إلا القبض دون الصرف – وهو جائز – فالإمام يجب عليه [تعميم] آحاد الصنف إذا فرق كما تقدم، وحينئذ لا يكون قوله: "وأقل ما يجزئ أن يدفع إلى ثلاثة من كل صنف" موافقاً لما قاله الأصحاب، وقد يجاب عن ذلك بوجهين ضعيفين:
أحدهما: أن مراده الحالة الأخيرة، وقولكم: إن الإمام إذا فرق يجب عليه الاستيعاب، ممنوع؛ لان الغزالي – ﵀ – في "الوجيز" أطلق القول بأنه لا يجب استيعاب آحاد الأصناف، بل يجوز الاقتصار على ثلاثة؛ فإنه أقل الجمع، ولم يفصل بين أن يكون المفرق رب المال أو الإمام، وبه صرح الفوراني حيث قال: الإمام في قسمة جميع الصدقات كرب المال في [قسمة] صدقة نفسه خصوصاً، والمستحب: أن يوصل سهم كل صنف إلى جميع أهل ذلك الصنف وإن كانوا ألفاً، وإن أوصل من كل صنف إلى ثلاثة فصاعداً أجزأ ذلك، وعلى هذا: إذا فرق الإمام إلى اثنين يكون كرب المال.
الثاني: سلمنا أن الإمام إذا فرق وجب عليه الاستيعاب، لكن نفرض الكلام فيما إذا كان المفرق هوا لساعي حيث جعل له الإمام الصرف ونقول له الاقتصار على ثلاثة من كل صنف؛ لأن المعنى الذي لأجله فرقنا بين الإمام ورب المال في ذلك- وهو ما ذكرناه عن الماوردي – مفقود فيه؛ لأنه لا يقبض كل الصدقات، بل صدقات أقوام مخصوصين؛ ولهذا [المعنى] حكينا عن الماوردي عند قول الشيخ: "ويجب صرف [زكاة] المال إلى ثمانية أصناف"، أن الساعي إذا كان هو الصارف ليس له أن يخص بكل صدقة صنفاً كالإمام؛ لأن نظره خاص لا يستقر إلا على ما جباه،
стр. 2803
[وربما صرف] فلم يقض باقي الأصناف، بخلاف الإمام.
فإن قلت: ضعف الأول ظاهر؛ لأن الشيخ – ﵀ – عراقي، ومذهب العراقيين ما ذكرناه، فما وجه ضعف الثاني؟
قلت: لأن [الظاهر من كلام] الماوردي وغيره في الفرق بين رب المال والإمام: أن للإمام قبض كل الصدقات؛ فوجب عليه الاستيعاب بخلاف رب المال.
وإنما أرادوا بقبض [كل الصدقات: [كل] صدقات] بلد المال، لا [كل] صدقات البلاد؛ لأن كون له قبض صدقات [جميع البلاد] لا يظهر له أثر في وجوب استيعاب أهل أصناف بلد المال بالصرف إليهم، على القول بمنع النقل كما هو الصحيح، نعم، أثر قبضه لكل صدقات بلد المال يظهر [في وجوب استيعاب أهل الأصناف فيها؛ لأنهم المستحقون للجميع، وإن كان كذلك فالساعي مشارك للإمام في تسلطه على قبض كل صدقات بلد المال]؛ فوجب مشاركته له في وجوب استيعاب الصرف لجميع أهل السهمان في البلد؛ ولذلك أطلق البندنيجي القول بأن الكلام في الساعي نفسه، والإمام واحد، وهو ما حكيناه عن موضع من "البحر" فيما تقدم.
وهذا قلته؛ بناء على أن الإمام في منع النقل كرب المال، كما هو مقتضى كلام الماوردي وغيره كما سبق، أما إذا قلنا: إن له النقل وإن منعنا رب المال منه – كما اقتضاه كلام بعضهم – فيظهر أن يكون لتسلط الإمام على قبض صدقات غير بلد المال أثر في استيعاب أهل السهمان في كل بلد، وحينئذ لا يلتحق به الساعي؛ فيصح الجواب، والله أعلم.
واعلم أنه إذا كان المفرق ماشية: فإن كان في المال متسع بحيث يخص كل شخص من صنف حيوان كامل، سلم إليه وإن كان لا يقدر أن يعطي [كل]
стр. 2804
واحد رأساً، جمع جماعة من المستحقين، وملكهم رأساً من ذلك، وبين حصة كل واحد منهم.
ولا يبيع رب المال النعم ويفرق ثمنها، وكذا الإمام، إلا أن يتعذر عليه الصرف كذلك؛ لتعذر اجتماع المستحقين، أو بسبب آخر: كتعذر السوق – كما قاله الماوردي وغيره – فحينئذ يبيع ويفرق الثمن [على الفقراء، وعن "التهذيب": أن الإمام إن رأى فعل ذلك فعله، ون رأى أن يبيع باع، وفرق الثمن] عليهم.
قال: وإن فضل عن بعض الأصناف شيء، وكنا نصيب الباقين وفق كفايتهم، أي: قدرها من غير زيادة – وهو بفتح الواو – نقل ما فضل إلى ذلك الصنف بأقرب البلاد إليه؛ لأن المنع من النقل إنما كان [لدفع حاجة] أهل البلد، فإذا عدمت الحاجة زال المانع فحل النقل، بل وجب كما لو لم يوجد شيء من الأصناف في بلد المال؛ فإنه يجب نقله إلى أقرب البلاد إليه، ويجيء فيه الوجه السابق المفرق بين أن يحتاج إلى مسافة القصر أو لا، ووجه آخر: أن الفاضل يقسم على جميع أهل السهمان في البلد المنقول إليه، ويجعل [كالصدقة] المبتدأة لهم، حكاه الماوردي وقال: إنه مفرع على أن المغلب حكم الأصناف، أما إذا قلنا: المغلب حكم البلد، فالأمر كما ذكر الشيخ، ثم ما ذكرناه من التعليل يقتضي جواز النقل مطلقاً، وكذا قولهم: إن أطماع أهل السهمان في البلد تتعلق بالمال فيه، لا يقتضي إيجاب النقل لأقرب البلاد؛ لأن أهل السهمان فيه لا تتعلق أطماعهم بمال في غيره، خصوصاً إذا كان حول بلد المال الذي فقد فيه الصنف أو كل الأصناف بلاد متساوية.
ثم على ما قاله الأصحاب من وجوب النقل إلى [ذلك الصنف] بأقرب البلاد، لو نقل إلى أبعد منه مع تمكنه من النقل إليه، خرج على القولين في النقل.
قال: وإن فضل عن بعضهم ونقص عن كفاية البعض، أي: بقدر ما فضل، مثل: أن فضل عن بعضهم مائة، وعجز عن كفاية بعض مائة – نقل الفاضل، أي: جعل الفاضل إلى الذين نقص سهمهم عن الكفاية [في أحد القولين، وينقل إلى الصنف
стр. 2805
الذي فضل عنهم بأقرب البلاد إليه في القول الآخر.
هذا الخلاف حكاه القاضي أبو الطيب قولين كالشيخ، والماوردي والبندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين حكوه وجهين، وهما مبنيان على أن المغلب حكم البلد، أو حكم الأصناف – كما تقدم -:
فإن غلبنا حكم البلد، جعل للبعض الذين نقص سهمهم عن الكفاية]، قال الرافعي: ويُرَدُّ عليهم بالسوية، فإن اكتفى بعضهم ببعض المردود، قسم الباقي بين الآخرين بالسوية، [وهذا ما صححه الفوراني].
وإن غلبنا حكم الأصناف، نقل إلى [ذلك] الصنف الذي فضل عنهم بأقرب البلاد إليه، ويجيء [تفريعاً عليه] الوجه الآخر: أنه يقسم الفاضل على جميع أهل السهمان بالبلد المنقول إليه كالصدقة المبتدأة، كما تقدم نظيره في المسألة قبلها.
واعلم أن ظاهر قول الشيخ في هذه المسألة والتي قبلها: "نقل إلى أقرب البلاد إليه"، يفهم أن مؤنة النقل عليه، وقد قال الإمام: إنه إذا كان يحتاج في النقل إلى مؤنة فهذا مما تردد فيه الأئمة: ففي كلام بعضهم ما يدل على أنه يجب تكليف النقل وإن عظمت المؤنة؛ فإن تأدية الزكاة محتومة. قال: وهذا بعيد، والأصح: أن ذلك لا يجب، فيوقف إلى أن يجد المستحقين.
قال: وأما زكاة الفطر فالمذهب أنها – كزكاة المال – تصرف إلى الأصناف، أي: الثمانية إن قسمها الإمام ووجدت، أو السبعة إن قسمها رب المال؛ لأن الأدلة الواردة في زكاة المال شاملة لها، وهذا ما نص عليه في "المختصر" في كتاب زكاة الفطر.
وقيل: يجزئ أن تصرف إلى ثلاثة من الفقراء، أي: [أو] المساكين؛ لقول ابن عباس:"إن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة
следующие страницы →