← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

آحاد كل صنف، ولا يجوز له الاقتصار على بعضه؛ فإن الاستيعاب لا يتعذر عليه، بخلاف رب المال، هكذا قاله ابن الصباغ والمتولي والبدنيجي والماوردي، وقال القاضي الحسين: إن عليه أن يول الصدقة إلى [كل] من يقدر عليه. قال الرافعي: وليس المراد أنه يستوعب في زكاة كل شخص الآحاد؛ ولكن يستوعبهم بالزكوات الحاصلة في يده. وإلى ذلك يرشد ما ذكره الماوردي من الفرق بين رب المال والإمام فيما نحن فيه، وهو أن الإمام يقسم جميع الصدقات؛ [فلزمه أن يعم بها جميع أهل السهمان، ورب المال يقسم بعض الصدقات] فجاز أن يقتصر على بعض أهل السهمان، قال الأصحاب: وللإمام وضع صدقة رجل واحد كلها في فقير واحد وفي صنف واحد، لكن لا يجوز أن يحرم من جملة الصدقات صنفاً أو يفضله على صنف آخر، صرح به الفوراني والبندنيجي. وله – كما قال المتولي، وتبعه الرافعي – أن يخص الصنف بنوع من المال، [وآخرني بنوع] آخر، لكن بالقيمة؛ لأن في تكليفه قسمة كل نوع مشقة، يوجب عليه التسوية في العطاء لأهل الصنف الواحد؛ فلا يفضل بعضهم على بعض، حكاه المتولي أيضاً. ومعنى التسوية: أن يعطي كل واحد من الصنف قدر حاجته إن اتسع سهمهم لذلك، صرح به ابن الصباغ وغيره، [وإن لم يتسع وزعه على قدر الحاجة كما توزع التركة على الديوان عند ضيق التركة عن الوفاء، صرح به البندنيجي وغيره]. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن قول الشيخ – ﵀:"وأقل ما يجزئ أن يدفع إلى ثلاثة من كل صنف إلا العامل؛ فإنه يجوز أن يكون واحداً" – غير منتظم؛ لأنه إن أراد بذلك إذا كان المفرق هو رب المال-كما ذكرناه، وصرح به غيره من الأصحاب-[لم يحتج] إلى استثناء العامل؛ لأن العامل يسقط إذا كان المفرق رب المال، وإن أراد به إذا كان [المفرق هو الإمام]: فإن كان في صورة دفع

стр. 2802

أرباب [الأموال] الزكوات فيها إلى الإمام بأنفسهم، فقد ذكرنا عن الأصحاب أن نصيب العامل يسقط أيضاً؛ فهو كما لو فرقها رب المال- وفيه ما تقدم – وإن كان في صورة لا يسقط فيها سهم العامل، وهي إذا حصل السعاة الزكوات من أرباب الأموال، وأحضروها إلى الإمام؛ لكونه لم يفوض إليهم إلا القبض دون الصرف – وهو جائز – فالإمام يجب عليه [تعميم] آحاد الصنف إذا فرق كما تقدم، وحينئذ لا يكون قوله: "وأقل ما يجزئ أن يدفع إلى ثلاثة من كل صنف" موافقاً لما قاله الأصحاب، وقد يجاب عن ذلك بوجهين ضعيفين: أحدهما: أن مراده الحالة الأخيرة، وقولكم: إن الإمام إذا فرق يجب عليه الاستيعاب، ممنوع؛ لان الغزالي – ﵀ – في "الوجيز" أطلق القول بأنه لا يجب استيعاب آحاد الأصناف، بل يجوز الاقتصار على ثلاثة؛ فإنه أقل الجمع، ولم يفصل بين أن يكون المفرق رب المال أو الإمام، وبه صرح الفوراني حيث قال: الإمام في قسمة جميع الصدقات كرب المال في [قسمة] صدقة نفسه خصوصاً، والمستحب: أن يوصل سهم كل صنف إلى جميع أهل ذلك الصنف وإن كانوا ألفاً، وإن أوصل من كل صنف إلى ثلاثة فصاعداً أجزأ ذلك، وعلى هذا: إذا فرق الإمام إلى اثنين يكون كرب المال. الثاني: سلمنا أن الإمام إذا فرق وجب عليه الاستيعاب، لكن نفرض الكلام فيما إذا كان المفرق هوا لساعي حيث جعل له الإمام الصرف ونقول له الاقتصار على ثلاثة من كل صنف؛ لأن المعنى الذي لأجله فرقنا بين الإمام ورب المال في ذلك- وهو ما ذكرناه عن الماوردي – مفقود فيه؛ لأنه لا يقبض كل الصدقات، بل صدقات أقوام مخصوصين؛ ولهذا [المعنى] حكينا عن الماوردي عند قول الشيخ: "ويجب صرف [زكاة] المال إلى ثمانية أصناف"، أن الساعي إذا كان هو الصارف ليس له أن يخص بكل صدقة صنفاً كالإمام؛ لأن نظره خاص لا يستقر إلا على ما جباه،

стр. 2803

[وربما صرف] فلم يقض باقي الأصناف، بخلاف الإمام. فإن قلت: ضعف الأول ظاهر؛ لأن الشيخ – ﵀ – عراقي، ومذهب العراقيين ما ذكرناه، فما وجه ضعف الثاني؟ قلت: لأن [الظاهر من كلام] الماوردي وغيره في الفرق بين رب المال والإمام: أن للإمام قبض كل الصدقات؛ فوجب عليه الاستيعاب بخلاف رب المال. وإنما أرادوا بقبض [كل الصدقات: [كل] صدقات] بلد المال، لا [كل] صدقات البلاد؛ لأن كون له قبض صدقات [جميع البلاد] لا يظهر له أثر في وجوب استيعاب أهل أصناف بلد المال بالصرف إليهم، على القول بمنع النقل كما هو الصحيح، نعم، أثر قبضه لكل صدقات بلد المال يظهر [في وجوب استيعاب أهل الأصناف فيها؛ لأنهم المستحقون للجميع، وإن كان كذلك فالساعي مشارك للإمام في تسلطه على قبض كل صدقات بلد المال]؛ فوجب مشاركته له في وجوب استيعاب الصرف لجميع أهل السهمان في البلد؛ ولذلك أطلق البندنيجي القول بأن الكلام في الساعي نفسه، والإمام واحد، وهو ما حكيناه عن موضع من "البحر" فيما تقدم. وهذا قلته؛ بناء على أن الإمام في منع النقل كرب المال، كما هو مقتضى كلام الماوردي وغيره كما سبق، أما إذا قلنا: إن له النقل وإن منعنا رب المال منه – كما اقتضاه كلام بعضهم – فيظهر أن يكون لتسلط الإمام على قبض صدقات غير بلد المال أثر في استيعاب أهل السهمان في كل بلد، وحينئذ لا يلتحق به الساعي؛ فيصح الجواب، والله أعلم. واعلم أنه إذا كان المفرق ماشية: فإن كان في المال متسع بحيث يخص كل شخص من صنف حيوان كامل، سلم إليه وإن كان لا يقدر أن يعطي [كل]

стр. 2804

واحد رأساً، جمع جماعة من المستحقين، وملكهم رأساً من ذلك، وبين حصة كل واحد منهم. ولا يبيع رب المال النعم ويفرق ثمنها، وكذا الإمام، إلا أن يتعذر عليه الصرف كذلك؛ لتعذر اجتماع المستحقين، أو بسبب آخر: كتعذر السوق – كما قاله الماوردي وغيره – فحينئذ يبيع ويفرق الثمن [على الفقراء، وعن "التهذيب": أن الإمام إن رأى فعل ذلك فعله، ون رأى أن يبيع باع، وفرق الثمن] عليهم. قال: وإن فضل عن بعض الأصناف شيء، وكنا نصيب الباقين وفق كفايتهم، أي: قدرها من غير زيادة – وهو بفتح الواو – نقل ما فضل إلى ذلك الصنف بأقرب البلاد إليه؛ لأن المنع من النقل إنما كان [لدفع حاجة] أهل البلد، فإذا عدمت الحاجة زال المانع فحل النقل، بل وجب كما لو لم يوجد شيء من الأصناف في بلد المال؛ فإنه يجب نقله إلى أقرب البلاد إليه، ويجيء فيه الوجه السابق المفرق بين أن يحتاج إلى مسافة القصر أو لا، ووجه آخر: أن الفاضل يقسم على جميع أهل السهمان في البلد المنقول إليه، ويجعل [كالصدقة] المبتدأة لهم، حكاه الماوردي وقال: إنه مفرع على أن المغلب حكم الأصناف، أما إذا قلنا: المغلب حكم البلد، فالأمر كما ذكر الشيخ، ثم ما ذكرناه من التعليل يقتضي جواز النقل مطلقاً، وكذا قولهم: إن أطماع أهل السهمان في البلد تتعلق بالمال فيه، لا يقتضي إيجاب النقل لأقرب البلاد؛ لأن أهل السهمان فيه لا تتعلق أطماعهم بمال في غيره، خصوصاً إذا كان حول بلد المال الذي فقد فيه الصنف أو كل الأصناف بلاد متساوية. ثم على ما قاله الأصحاب من وجوب النقل إلى [ذلك الصنف] بأقرب البلاد، لو نقل إلى أبعد منه مع تمكنه من النقل إليه، خرج على القولين في النقل. قال: وإن فضل عن بعضهم ونقص عن كفاية البعض، أي: بقدر ما فضل، مثل: أن فضل عن بعضهم مائة، وعجز عن كفاية بعض مائة – نقل الفاضل، أي: جعل الفاضل إلى الذين نقص سهمهم عن الكفاية [في أحد القولين، وينقل إلى الصنف

стр. 2805

الذي فضل عنهم بأقرب البلاد إليه في القول الآخر. هذا الخلاف حكاه القاضي أبو الطيب قولين كالشيخ، والماوردي والبندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين حكوه وجهين، وهما مبنيان على أن المغلب حكم البلد، أو حكم الأصناف – كما تقدم -: فإن غلبنا حكم البلد، جعل للبعض الذين نقص سهمهم عن الكفاية]، قال الرافعي: ويُرَدُّ عليهم بالسوية، فإن اكتفى بعضهم ببعض المردود، قسم الباقي بين الآخرين بالسوية، [وهذا ما صححه الفوراني]. وإن غلبنا حكم الأصناف، نقل إلى [ذلك] الصنف الذي فضل عنهم بأقرب البلاد إليه، ويجيء [تفريعاً عليه] الوجه الآخر: أنه يقسم الفاضل على جميع أهل السهمان بالبلد المنقول إليه كالصدقة المبتدأة، كما تقدم نظيره في المسألة قبلها. واعلم أن ظاهر قول الشيخ في هذه المسألة والتي قبلها: "نقل إلى أقرب البلاد إليه"، يفهم أن مؤنة النقل عليه، وقد قال الإمام: إنه إذا كان يحتاج في النقل إلى مؤنة فهذا مما تردد فيه الأئمة: ففي كلام بعضهم ما يدل على أنه يجب تكليف النقل وإن عظمت المؤنة؛ فإن تأدية الزكاة محتومة. قال: وهذا بعيد، والأصح: أن ذلك لا يجب، فيوقف إلى أن يجد المستحقين. قال: وأما زكاة الفطر فالمذهب أنها – كزكاة المال – تصرف إلى الأصناف، أي: الثمانية إن قسمها الإمام ووجدت، أو السبعة إن قسمها رب المال؛ لأن الأدلة الواردة في زكاة المال شاملة لها، وهذا ما نص عليه في "المختصر" في كتاب زكاة الفطر. وقيل: يجزئ أن تصرف إلى ثلاثة من الفقراء، أي: [أو] المساكين؛ لقول ابن عباس:"إن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة

стр. 2806

للمساكين"، [فخص [المساكين] بالذكر؛ فدل على أنه إذا صرف إليهم سقط الفرض، وقد تقرر أن المساكين متى خصوا بالذكر جاز الصرف إليهم وللفقراء ولأحد الصنفين، وكذلك إذا خص الفقراء بالذكر جاز الصرف لهم وللمساكين ولأحد الصنفين]. ولأن زكاة الفطر قليلة في الغالب؛ فإذا وزعت على الأصناف لم تقع من كل واحد موقعاً من كفايته. وهذا ما نقله العراقيون والمراوزة فيما وقفت عليه عن الإصطخري، وعن أبي عبد الله الحناطي أنه قول غيره، والذي قاله الإصطخري: جواز صرف زكاة المال كما تقدم، وقال في "البحر": إنه كان يفتي به كثير من أصحابنا، والجمهور غلطوه وقالوا: المشقة لا ترخص في ذلك؛ ألا ترى أن [من] وجب عليه جزء من بعير يلزمه التصدق به على الأصناف، وإن كان [فيه] مشقة؟ وأيضاً فمحل خلافه –كما قال الماوردي وغيره – إذا كان المفرق رب المال دون الإمام، وإذا كان كذلك فهو يمكنه الدفع إلى الإمام؛ حتى يجمعها مع صدقة غيره، ويصرفها إلى الأصناف، وإلى ذلك أشار أبو إسحاق في ["الشرح"] حيث قال: لو عمل فيها ما عمله أصحاب رسول الله ﷺ من الجمع في موضع واحد، ثم تفرق لم يضق. وقد أفهم كلام الشيخ أن القائل بخلاف ظاهر المذهب لا يجوز الصرف إلى غير الفقراء والمساكين فقط، وفي "التتمة": أنه لو صرف إلى العاملين أو إلى أبناء السبيل؛ لا يجوز إن قلنا: إن سقوط الفرض بالصرف إلى المساكين؛ لأن الرسول ﷺ خصهم بالذكر. قلت: وكلامه يفهم أنا إذا جعلنا علة الإجزاء في الصرف للمساكين فقط: المشقة، جواز الصرف للعاملين أو أبناء السبيل فقط، وفيه نظر؛ لأن سهم العاملين يسقط إذا فرق رب المال وهو محل الخلاف، ولا يقال: إنه يجوز أن يصرف من

стр. 2807

زكاته لمن جبي مال غيره، وابن الصباغ قال في حكاية هذا الوجه: إنه يجوز الصرف إلى ثلاثة أنفس. وقريب منه قول الفوراني: إنه يجوز الصرف إلى صنف واحد. وذلك يحتمل أن يكون المراد صنفاً معيناً، وهو ما تقدم، ويحتمل أن يكون المراد أي صنف كان غير العامل، وبالثاني صرح الماوردي – حكاية عن الإصطخري – حيث قال: إنه يجوز الدفع إلى ثلاثة من أي صنف شاء، ولا يجوز أن يصرفها إلى أقل من ذلك. وصاحب "البحر" حكى هذه الطريقة وطريقة المتولي، وقد رأيت في شرح "التنبيه" لابن يونس: أن الخراسانيين نقلوا عن الإصطخري أنه جوز الصرف إلى واحد، وهو المحكي في "البحر" عن أبي حنيفة، ثم قال: وأنا أفتي به. قال: ولا تدفع الزكاة إلى كافر؛ لقوله – ﵇ –لمعاذ: "فأعلمهم أنَّ عليهم صدقةً تؤخذ من أغنياهم، [فتردُّ على] فقرائهم"، فجعل من تدفع إليه الصدقة فقيراً، ومن تؤخذ منه الصدقة غنياً؛ فلما لم يجز أخذ الصدقة إلا من [غني] مسلم وجب ألا تدفع الصدقة إلا إلى فقير مسلم. ولا فرق في ذلك بين زكاة المال والفطر عندنا؛ لعموم الخبر، وأيضاً: فقد وافق الخصم – وهو أبو حنيفة – على زكاة المال، فنقول له: حق وجب إخراجه للطهرة؛ فلم يجز دفعه إلى أهل الذمة؛ كزكاة المال. ولا يستثنى من ذلك إلا ما تقدم عند الكلام في العامل. قال: ولا إلى بني هاشم؛ لقوله – ﵇:"إنَّ هذه الصَّدقة أوساخ النَّاس، إنها لا تحلُّ لمحمدٍ ولا لآل محمدٍ"، وروى أبو هريرة أن الحسن بن علي أخذ تمرة من [تمر] الصدقة، فجعلها في فيه، فنزعها رسول الله ﷺ من فيه [بلعابه] وقال: "كخ كخ" وقال: "إنا – آل محمد – لا تحل لنا الصدقات".

стр. 2808

قال: وبني المطلب؛ لأنه – ﵇ – قال: "نحن وبني المطَّلب شيء واحدٌ. وشبَّك بين أصًابعه، ولا يستثني من ذلك إلا ما ذكرناه عند الكلام في العامل وفاقاً وخلافاً. وقيل: إن منعوا حقهم من خمس الخمس دفع إليهم؛ لأنه – ﵇ – علل حرمانهم الزكاة بأن في خمس الخمس ما يكفيهم، فإذا منعوه زال المانع، وهذا قول الإصطخري – كما قال البندنيجي – وهو جارٍ فيما ذا عدم خمس الخمس من طريق الأولى، وبه صرح الأصحاب. [قال: وليس] بشيء؛ لأن العلة كونها أوساخ الناس، فلا يليق بشرفهم تناولها، وذلك لا يزول بمنع الخمس عنهم أو فقده. وهل يجوز أن تدفع إليهم صدقة التطوع والمنذورة؟ فيه شيء سنذكره في الباب بعده، إن شاء الله تعالى. قال: ويجوز الدفع إلى موالي بني هاشم، وبني المطلب، وقيل: لا يجوز؛ لما قدمته من التوجيه عند الكلام في العامل. ولا يجوز الدفع للرقيق على أنه يملكه نفسه بحالٍ كما تقدم. وإذا عرفت من يجو الصرف لهم ومن لا يجوز، تفرع عليه ما إذا صرف إلى من ظنه من أهل الصدقة، فظهر خلافه: هل يجزئه أم لا؟ وقد قال الأصحاب: إن ذلك يختلف بحسب اختلاف المدفوع إليه: فإن كان ممن يحتاج إلى إقامة البينة على حاجته كالمكاتب والغارم: فإن كان الدفع إليه بمجرد قوله، وغلب على الظن صدقه – ضمن الدافع، سواء فيه الإمام

стр. 2809

ورب المال ثم إن أمكنه الاسترجاع من المدفوع إليه استرجع العين أو البدل عند تلفها لنفسه لا لأهل السهمان، وإن كان ببينة ظهرت مزورة أو مخطئة كانت البينة [ضامنة. ثم] إن كان الدافع هو الإمام ضمنت لأهل السهمان، وإن كانت لرب المال ضنت له، وكانت الزكاة عليه، كذا قاله الماوردي وغيره، وفي "النهاية": أن [في] سقوط الفرض عنه قولين، كما إذا دفع إلى فقير فظهر غنيا. قلت: ولو كان الدفع إليهما بالإقرار وتصديق السيد والغريم، فينبغي أن يكون في تضمين المصدق قولاً الغرور؛ إذ تصديقه هوا لمقتضي للدفع. وإن كان المدفوع إليه ممن [يستحق] بسبب متأخر: كالغازي، وابن السبيل، ولم يغز الغازي ولم يسافر ابن السبيل- فلا ضمان على الدافع إماماً كان أو غيره، لكن عليه مطالبته. ثم إن كان عام الزكاة باقياً، خيره في المطالبة بين رد ما أخذه وبين أن ستأنف غزوا أو سفراً، وإن كان عام الزكاة قد انقضى، طالبه بالرد من غير تخيير؛ لأن زكاة كل عام مستحقة لأهلها في ذلك العام لا في غيره، كذا قاله الماوردي، ثم قال: فإن لم يسترجع منه حتى سافر وغزا في العام الثاني نظر: فإن كان قد أخذ في العام الثاني من زكاة ثانية استرجع منه ما أخذ في [العام الأول، وإن كان لم يأخذ في العام الثاني من زكاة ثانية، لم يسترجع منه ما أخذه في العام الأول]. ولو مات المدفوع إليه قبل [إمكان الاسترجاع كان تالفاً على أهل السهمان، وإن كان المدفوع إليه] متصفاً بصفة الفقر أو المسكنة، فظهر غنياً، أو رقيقاً، أو كافراً، أو من ذوي القربى – فإن [كان] الدفع إليه بغير اجتهاد، ضمن الدافع إماماً كان أو غيره، وإن كان باجتهاد، ففي حالة ظهور غناه لا يضمن الإمام، وله الاسترجاع، سواء شرط عند الدفع أنها زكاة أو لم يشترط. ويجيء فيه ما تقدم عند دفعه الزكاة المعجلة، ثم استغنى المدفوع إليه: فإن كان الدافع رب المال، ففي ضمانه قولان:

стр. 2810

أحدهما: [أنه] لا يضمن كالإمام. والثاني: أنه يضمن، وهو الذي صححه الرافعي. والفرق من ثلاثة أوجه قالها الماوردي: أحدها: أن للإمام عليها ولاية ليست لرب المال؛ فلم يضمنها إلا بالعدوان. والثاني: أن الإمام برئ من ضمانها قبل الدفع؛ فلم يضمنها إلا بتفريط ظاهر، ورب المال مرتهن الذمة بضمانها قبل الدفع فلم يبرأ منها إلا باستحقاق ظاهر. والثالث: أن الإمام لا يقدر على دفعها إلى مستحقيها] بيقين بخلاف الإمام؛ فضمن إذا دفعها باجتهاد وظهر خلافه. ثم إذا قلنا بهذا فإن كان قد شرط عند الدفع أنها زكاة، كان له استرجاعها، وإن لم يشترط وصدقه القابض على أنها زكاة، [استرجع أيضاً، وإلا فلا. وهل له إحلافه على عدم العلم بأن ما أخذه زكاة]؟ فيه وجهان في "الحاوي"، وفي حالة ظهور عبداً، أو كافراً، أو من ذوي القربى: هل يضمن الدافع؟ فيه طريقان: أحداهما – وهي طريقة كثير من المتقدمين، وهي التي نص عليها في "الأم"، كما قال ابن الصباغ وغيره-: أن الحكم كما لو ظهر غنياً. والثانية: إن كان الدافع رب المال ضن قولا واحداً، وإن كان الإمام ففي ضمانه قولان، أصحهما في "الرافعي": لا. وهذه طريقة ابن أبي هريرة وطائفة من المتأخرين، ولم يورد الماوردي في كتاب الأيمان غيرها. وعن الحناطي حكاية طريقة أخرى قاطعة بضمان الإمام أيضاً. والفرق بين هذه الصورة والتي قبلها: أن يقين الفقر لا يعلم قطعاً؛ فجاز أن يعمل فهي على الظاهر، والحرية والإسلام وعدم القرابة تعلم يقيناً؛ فلم يجز أن يعمل فيه على الظاهر؛ ألا ترى أنه ذا صلى خلف شخص ثم ظهر كافراً يعيد، بخلاف ما لو صلى خلف محدث؛ لما ذكرناه؟! ولأن الكافر العبد وذا القرابة لا يُعطَى بحال من

стр. 2811

الزكاة، والغني يعطى في حالة منها: وهي حالة الغزو ونحوها. وقد نجز شرح مسائل الباب لنختمه بشيء يتعلق به: الإمام إذا تمكن من قسم الصدقات، وجب عليه المبادرة؛ فإن لم يفعل عند عدم العذر ضمن، والعذر قد سبق بيانه عند الكلام في التعجيل، ووجه الأصحاب ذلك بأن المستحق غير متعين حتى يتمكن من المطالبة بحقه؛ ولأجل هذه [العلة] قالوا: [إن] الحكم كذلك فيما لو أوصى بتفريق ثلثه على الفقراء ومات الموصي، وتمكن من التفرقة فلم يفعل حتى تلف، وهذا بخلاف ما لو سلم [مالا إلى وكيله] ليفرقه أو يسلمه لشخص، فلم يسلمه حتى تلف – لا يضمنه كما قال الرافعي، وهو أحد الوجهين في "البحر" قبل باب صدقة البقر، واختيار كثير من الأصحاب، والفرق: أنه لا يلزمه امتثال أمره، بخلاف أمر الشرع. قال الروياني: والصحيح عندي: الضمان؛ لأنه التزمه باختياره؛ فلزمه الوفاء به. ثم حيث قلنا بضمان الإمام، [أو لم] نضمنه وقد قبض الحق بعد وجوبه؛ فذمة رب المال بريئة منه؛ لأن الشرع نصبه نائباً عن المستحقين، فإذا قبضها فقد وقعت الموقع. قال الإمام قبيل باب زكاة البقر: وهذا يتضح إذا قلنا: لابد من دفع الزكاة في الأموال الظاهرة إلى الساعي، فأما إذا قلنا: لرب المال أن يفرقها بنفسه، فلو دفعها إلى الساعي مختاراً من غير قهر، فتلفت في يد الساعي –ففيه اختلاف بين أئمتنا: منهم من قال: إن الأمر كما تقدم. ومنهم من قال: يد الساعي كيد الوكيل للمالك، ولو تلفت في يد وكيله لكانت ذمته مشغولة؛ فكذا هنا. وهذا الخلاف قد حكاه القاضي الحسين أيضاً في الموضع المذكور.

стр. 2812

ثم إذا أراد الإمام القسمة فبمن يبدأ؟ قال الأصحاب: يبدأ بالساعي؛ لما تقدم. وفي "الحاوي": أن بعض الأصناف إن تعجل حضوره وتأخر الباقون بدأ به، وإن حضروا جميعاً، فقد قيل: يبدأ بأشدهم حاجة وأمسهم ضرورة. وقيل: يبدأ بمن إذا فض عليهم سهمهم بقيت منه بقية لتفض على الباقين قبل القسمة، ولا يحتاج فضها إلى استئناف قسمتها. وقيل: يبدأ بمن بدأ الله – تعالى – به في آية الصدقات على ترتيبهم [فيها]. إذا تمكن رب المال من أداء نصيب الفقراء دون سائر الأصناف، [فلم يؤد حتى تلف المال – فعليه ضمان حصة الفقراء، قال في "البحر": ويحتمل تخصيص الفقراء بها دون سائر الأصناف]؛ لأن وجودهم الذي قرر الوجوب فيها إذا دفع الزكاة إلى مسكين وهو غير عارف بالمدفوع، بأن كان مشدوداً في خرقة، أو كان عدلاً يعرف جنسه وقدره، وتلف في يد المسكين – ففي سقوط الزكاة احتمالان في "البحر"؛ لأن معرفة القابض لا تشترط؛ فكذلك معرفة الدافع إذا تصدق بجميع ما وجبت فيه الزكاة [ولم ينو الزكاة]، فظاهر المذهب: أنها لا تسقط، وقال ابن سريج: الأمر كذلك إذا كان له مال سواه، وإن لم يكن [له] غيره فوجهان: [أحدهما] ما تقدم. والثاني: يقع قدر الواجب عن الفرض والباقي تطوع. قال الروياني: ويشبه أن يكونا لوجهان بناء على القولين في بيع مال الزكاة بعد الوجوب: فإن قلنا: ينفذ في الكل، فقدر الصدقة في ذمته، وإن قلنا: يصح فيما عدا قدر الواجب، كانت الزكاة منها واقعة موقعها، وقد تقدم أنه يجوز صرف زكاته إلى من له عليه دين خلا مكاتبه، فلو كان حال الدفع قال: على أن تردها عليَّ من

стр. 2813

ديني؛ فإنه لا يجزئه عن زكاته، ولو قضاها إياه من دينه لم يصح القضاء، ذكره القفال في "فتاويه"، والبغوي في باب الشرط في المهر، والقاضي الحسين في قسم الصدقات، ومن طريق الأولى ألا يجزئه عن الزكاة إذا أبرأ المدين مما له عليه من الدين بنسبة الزكاة. وبه صرح الإمام حي قال في باب الدين مع الصدقة: إنه لاشك في أنه لا يقع عن الزكاة؛ فإن تأدية الزكاة من ضرورتها: أن تتضمن تمليكاً محققاً، وكذا قاله القاضي الحسين قبيل باب قسم الصدقة، وزاد فيه، والإبراء محض إسقاط. ولو قال المديون: ادفع إلي ديناراً من الزكاة حتى أقضي به دينك، ففعل – جاز عن الزكاة، وهو بالخيار في أداء الدين منه. ولو دفع الزكاة إلى شخص وواعده أن يردها إليه بالبيع أو الهبة، أو ليصرفها المزكي في كسوة المسكين ومصالحه – ففي كونه قبضاً صحيحاً احتمالان ذكرهما في "البحر"، والله أعلم.

стр. 2814

باب صدقة التطوع وتستحب الصدقة في جميع الأوقات؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وقوله ﵇: "ما تصدَّق أحدٌ بصدقةٍ من طيِّبٍ - ولا يقبل الله إلاَّ الطَّيِّب -إلا أخذها الرَّحمن بيمينه وإن كانت تمرةً، فتربو في كفِّ الرَّحمن حتَّى تكون عند الله أعظم من الجبل، كما يُربي أحدكم فَلُوَّه أو فَصِيله"، أخرجه مسلم. قال: ويستحب الإكثار منها في شهر رمضان؛ لما روى الشافعي بسنده عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ كان أجود ما يكون في شهر رمضان، كان كالريح المرسلة؟ ما سئل شيئاً إلا أعطاه"، ولفظ الإمام في رواية ذلك: "كان أجود الناس، فإذا جاء شهر رمضان، كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، كان كالريح المرسلة؟ ما سئل شيئاً إلا أعطاه"، ولفظ الإمام في رواية ذلك: "كان أجود الناس، فإذا جاء شهر رمضان، كان أجود بالخير من الريح المرسلة"، وفي ذلك معنيان: أحدهما: أنه أسرع إلى الخير من الريح تهب. والثاني: أنه أعم بالخير من غيره؛ فخيره يعم البر والفاجر وكل أحد، كالريح تهب على كل صعود وهبوط، وخبيث وطيب، ورطب ويابس.

стр. 2815

والمعنى فيه: أن الناس في رمضان يكونون أشغل بالطاعات منهم في غير رمضان؛ فلا يتفرغون لمكاسبهم ومعايشهم على حسب ما يتفرغون في غيره من الأيام، وهذه العلة ترشد إلى أنه يستحب الإكثار منها في الأماكن الشريفة المقصودة بالعبادة كمكة والمدينة، وفي الغزو والحج؛ للاشتغال بالعبادة، وبذلك صرح في "الروضة"، وقال: إنه يستحب الإكثار أيضاً في الأوقات الفاضلة: كعشر ذي الحجة، وأيام العيد. قال الماوردي: ويستحب أن يوسع في رمضان على عياله، ويحسن لذي رحمه وقرابته، لا سيما في العشر الأواخر [منه]. قال: وأمام الحاجات، أي: قدامها بين يديها؛ لأنه أرجى لقضائها – وهو بفتح الهمزة – قال في "الروضة": وكذا يستحب الإكثار منها عند الكسوف والسفر والمرض. قال: ولا يحل ذلك لمن هو محتاج إلى ما يتصدق به في كفايته، وكفاية من تلزمه كفايته؛ لقوله – ﵇: "كفى بالمرء إثماً أن يضيِّع من يعول". قال: أوفي قضاء دينه؛ لأنه حق واجب عليه؛ فلا يجوز تركه بصدقة التطوع، قال في "الروضة": [وهذه عبارة أبي الطيب] وابن الصباغ والشيخ في "المهذب" و"التهذيب" والدارمي والروياني في "الحلية" وآخرين. وعبارة الرافعي: أنه لا يستحب له التصدق، وربما قيل: يكره. قال في "الروضة": وهذه العبارة موافقة لعبارة الماوردي والغزالي والمتولي وآخرين، وهذا أصح في نفقة نفسه، والأول أصح في نفقة عياله، وأما الدين فالمختار: أنه إن غلب على ظنه حصول وفائه من جهة أخرى فلا بأس بالتصدق، وإلا فلا يحل. انتهى.

стр. 2816

قلت: والأولى عندي في ذلك الجمع بين النقلين بالتنزيل على حالين: فما قاله الشيخ وغيره محمول على كفايته وكفاية من تلزمه كفايته في الحالة الراهنة، وقضاء الدين الذي تعين وفاؤه على الفور إما بطلب رب الدين أو بدونه، كما نبهنا على ذلك في أول باب التفليس. وما قاله الماوردي وغيره محمول على كفاية الأبد – وكلام بعضهم يرشد إليه – والدين الذي لم يجب أداؤه على الفور. ثم إذا قلنا بالتحريم فهل يملكه المتصدق عليه؟ ينبغي أن يكون فيه خلاف كالخلاف فيما إذا وهب الشخص ما معه من الماء بعد دخول الوقت، ومثل هذا جارٍ في تصدقه بجميع ماله تطوعاً بعد وجوب الزكاة وتمكنه من أدائها والله أعلم. قال: وتكره، أي: الصدقة بالفاضل عن الكفاية في الحال لمن لا يصبر على الإضافة؛ لما روى أبو داود عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: "كنا عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله ﷺ ، ثم أتاه قبل ركنه الأيمن، فقال مثل ذلك؛ فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الأيسر؛ فأعرض عنه، ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله فحذفه بها، فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته، فقال رسول الله ﷺ : "يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذه صدقةٌ، ثمَّ يقعد يستكُّف النَّاس، خير الصَّدقة ما كان عن ظهر غنى"، [وفي رواية]: "خذ [عنَّا] مالك لا حاجة لنا به"، فلما فهم – ﵇ – منه أنه لا يصبر على الإضافة لم يقبلها

стр. 2817

منه، والإضافة: الحاجة والضيق. قال الماوردي: وفي قوله – ﵇:"عن ظهر غنّى" تأويلان: أحدهما: بعد استغناء نفسه عن تتبع ما يخرجه عن يده. والثاني: بعد استغنائه عن [أداء] الواجبات. قال القاضي الحسين: معناه: وراء الغنى، يعنيك ما فضل عن حاجته، وقيل: إن المصدق لا ينتظر من المصدق عليه المكافأة. أما من يصبر على الإضافة فيستحب له ذلك؛ لما روى أبو داود عن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: "جُهْدُ المُقِلِّ وابْدَا بِمَنْ تَعُولُ"، وعن مر بن الخطاب قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، فوافق ذلك ما لا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : ["ما أبقيت لأهلك؟ "]، [قلت: مثله]، قال: وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له رسول الله ﷺ : "ما أبقيت لأهلك؟ "، قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبداً. وأخرجه الترمذي وقال: صحيح. وجه الدلالة من ذلك: أنه لما علم أن أبا بكر – ﵁ ممن يصبر على الإضافة ولا يتضجر، قبل ذلك منه. قال القاضي الحسين: وهذا الفعل كان منهما حين نزل قوله تعالى: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [المزمل: ٢٠]. وقد روى عنه ﷺ أنه دخل على بلال، فوجد عنده كسرة خبز على رأس كوز، فقال: "ما هذا يا بلال؟ " فقال: هذا فضل عن فطري البارحة، فأعددته لأفطر به الليلة،

стр. 2818

فقال – ﵇: "أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً". وهذه التفرقة بني الصابر وغيره هي التي أوردها البندنيجي والإمام الغزالي وغيرهم، متمسكين بحمل الأحاديث المختلفة – ما ذكرناه وما لم نذكره – عليها بقوله – ﵇:"إنَّ لله عباداً لا يصلحهم إلا الغني؛ فلو أفقرهم لأطغاهم، وإنَّ لله عباداً لا يصلحهم إلا الفقر فلو أغناهم لأطغاهم". وقد حكى المتولي ذلك وجهاً في المسألة وصححه، وحكى وراءه وجهين: أحدهما: الكراهة مطلقاً؛ لظاهر الخبر الأول. والثاني: أنه يستحب مطلقاً؛ لقصة أبي بكر وبلال، ﵄. وهما مذكوران في "تعليق" القاضي الحسين.

стр. 2819

وهذا حكم المتصدق، وبقي الكلام في المتصدق عليه والمتصدق به، وكيفية التصدق: فأما المتصدق عليه؛ فقد كانت صدقة التطوع حراماً علىرسول الله ﷺ كالزكاة؛ صيانة له ولمنصبه عن أوساخ الأموال التي تعطى على سبيل التَّرَحُّم، وتنبئ عن ذل الآخذ، وأبدل الفيء المأخوذ على سبيل القهر والغلبة، المنبئ عن عز الآخذ وذل المأخوذ منه، كذا حاكه الإمام في قسم الصدقات والغزالي في مقدمة كتاب النكاح، وقال الإمام فيها: إن القاضي [أبا بكر] ذكر عن بعض الأصحاب أن صدقة التطوع ما كانت محرمة عليه؛ ولكنه كان يأنف من أخذها تعففاً، وقد حكى الغزالي الخلاف في قسم الصدقات، وغيره حكى فيه قولين. وقال الماوردي في كتاب الوقف: إنهما منصوصان في "الأم"، وأصحهما – وهو اختيار البصريين -: التحريم. وأما بنو هاشم وبنو المطلب فهل تحرم عليهم إذا قلنا بتحريمها عليهم، ﵇؟ فيه خلاف حكاه الإمام في قسم الصدقات [والمتولي قولين،] والغزالي في مقدمة النكاح وجهين، واقتضى إيراد الغزالي ترجيح التحريم؛ كما تحرم عليهم الزكاة، مع أنه جزم في قسم الصدقات بمقابله، وكذا الماوردي في كتاب الوقف، وهو المشهور؛ لأنه روى جعفر بن محمد عن أبيه أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة، فقيل له: أتشرب من مال الصدقة؟ فقال: إنما حرم الله علينا الصدقة المفروضة. والقائل بالتحريم [ثم] تمسك بعموم قوله – ﵇:"لا تحلُّ لنا الصَّدقة"، وهي تشمل الواجبة والمتطوع بها. والصدقة المنذورة هل تلحق بالصدقة الواجبة أو بصدقة التطوع؟ فيه اختلاف

стр. 2820

للأصحاب حكاه الإمام في قسم الصدقات، ويمكن بناؤه على أن النذر يسلك به مسلك واجب الشرع أو جائزه. ويحرم على الغني أخذ صدقة التطوع مظهراً للفاقة كما قاله في "البيان"، وعليه يحمل قوله – ﵇ – في الذي مات من أهل الصفة، فوجدوا له دينارين، فقال: "ديناران من نار"،ومن طريق الأولى إذا سألها، وبه صرح الماوردي وغيره فقالوا: إذا كان غنياً فسؤاله حرام، وما يأخذه حرام عليه، وهذا إذا كان غناه بالمال، فلو كان [غناه] بسبب قدرته على الاكتساب فقد قال الغزالي في كتاب النفقات: إن في حل المسألة له خلافاً للأصحاب، وظاهر الأخبار يدل على تحريمه؛ فقد وردت فيه تشديدات، وهذا ما أورده الماوردي. قال الغزالي: وإذا سأل فلا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسئول ولا يذل نفسه وتجوز الصدقة عليه وإن كان [غنياً] بالمال إذا لم يظهر الفاقة، لكن الأولى له ألا يقبلن ويكره له التعرض لها، وكذا تجوز على الكافر والفاسق من طريق الأولى، لكن المستحب والأفضل التصدق على أهل الخير والمحتاجين وتستحب الصدقة على ذوي القرابة الفقراء، والمحرم آكد من غيره كما تقدم، ويقدم الأقرب فالأقرب، ثم الزوج والزوجة، ثم المحرم بالرضاع، ثم بالمصاهرة، ثم المولى من أعلى وأسفل، ثم الجار. وقد استحب أبو علي – كما قال في "الروضة" -: التصدق على أشد قرابته عداوة له؛ ليتألف قلبه، ولما فيه من سقوط الرياء وكسر النفس، وقد ورد فيه خبر ذكرته في باب قسم الصدقات. وهل الأولى للمحتاج أن يأخذ من الزكاة، أو [من] صدقة التطوع؟

стр. 2821

قال في "الإحياء": اختلف فيه السلف، وكان الجنيد والخوَّاص وجماعة يقولون: الأخذ من الصدقة أفضل كي لا يضيق على الأصناف، وكي لا يخل بشرط من شروطها، وقال آخرون: الزكاة أفضل؛ لأنها إعانة على واجب، ولو ترك أهل الزكاة أخذها أثموا، ولأن الزكاة لا منَّة فيها. قال الغزالي: والصواب أنه يختلف بالأشخاص، فإن عرض له شبهة في استحقاقه لم يأخذ الزكاة، وإن قطع باستحقاقها، نظر: فإن كان المتصدق إن لم يأخذها هذا لا يتصدق فليأخذ [حد] الصدقة؛ فإن إخراج الزكاة لابد منه. وإن كان لابد من إخراج تلك الصدقة، ولم تضيق الزكاة، تخير، وأخذ الزكاة أشد في كسر النفس. وأما المتصدق به فينبغي أن يكون من أطيب ما عنده؛ للخبر السابق، و [مما يحبه]؛ لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، فلو تصدق بالرديء، وما فيه شبهة، كره. ولا ينبغي أن يمتنع من الصدقة بالقليل احتقاراً له؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه﴾ [الزلزلة: ٧]، وفي الحديث الصحيح: "اتَّقوا النار ولو بشقِّ تمرةٍ"، قال في "الروضة": وقد جاءت أحاديث كثيرة بالحث على الصدقة الماء. وأما كيفية التصدق، فقد قال في "الإحياء": إن الناس اختلفوا في إخفاء الصدقة وإظهارها أيهما أفضل، وفي كل واحد فضيلة ومفسدة، ثم قال: وعلى الجملة الأخذ في الملأ وترك الأخذ في الخلاء أحسن. وقال القاضي الحسين في باب الاختيار في صدقة التطوع: إن الأفضل في التطوع: الإخفاء، وفي الصدقة المفروضة: الإظهار أولى من الإخفاء؛ كي يرغب الناس في أداء صدقاتهم إذا نظروا إليه، ولقوله – ﵇:"لن يتقرَّب إليَّ المتقرِّبون بمثل

стр. 2822

أداء فرائضهم". ولا يزول ملك الشخص عما أرسله إلى فقير على يد ولده أو غلامه قبل إعطائه، [وإذا قبضه الفقير، قال في "الروضة": ملكه]. وقد ذكرت خلافاً في احتياج صدقة التطوع إلى إيجاب وقبول في باب الهبة؛ فليطلب منه. وإذا لم يدفعه غلامه أو ولده إلى الفقير فيستحب له ألا يعود فيه، بل يتصدق به، ومن تصدق بشيء كره له أن يتملكه من [جهته بمعاوضة] أو هبة، والكراهة فيما إذا تولى مباشرة ذلك بنفسه أو بوكيله – وهو عالم بأنه وكيل عن المتصدق – أشد مما إذا كان جاهلاً به كما قال الإمام في كتاب الزكاة. ولا بأس بتملك ذلك بالإرث من غيره. وينبغي أن يدفع الصدقة بطيب [نفس وبشاشة وجه]، قال النووي – ﵀ – في"الروضة": ويحرم المن بها، وإذا من بطل ثوابها؛ لقوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، والله أعلم.

стр. 2823

كتاب الصيام ["الصيام"] و"الصوم" في اللغة: الإمساك عن كل شيء، يقال: صام فلان، أي: أمسك عن الكلام، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ [مريم: ٢٦] أي: صمتاً وسكوتاً؛ [ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾ [مريم: ٢٦]؟! وتقول العرب لوقت الهاجرة: قد صام النهار؛ لإمساك الشمس فيه عن السير، وتقول: خيلٌ صِيامٌ؛ بمعنى: واقفة قد أمسكت عن السير، قال النابغة: خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غير صائمةٍ تحتَ العَجاجِ وأخرى تَعْلُكُ اللُّجُما وفي الشرع: إمساك جميع النهار القابل للصوم، عن إدخال عين من الظاهر إلى الباطن في منفذ مفتوح، وعن الجماع واستنزال الماء والاستقاء، مع النية، من عاقل مسلم ظاهر عن الحيض والنفاس. وسيأتي على ذلك كلام الشيخ. قال: يجب صوم رمضان على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم.

стр. 2824

الأصل في ذلك قبل الإجماع عليه، من الكتاب قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٨٣]، والمراد: فرض عليكم، كما في قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] أي: فرض الله، والمراد بالأيام المعدودات: أيام شهر رمضان، وذكرها بجمع القلة، ليهونها على النفوس، ولأنها قليلة بالنسبة إلى أيام السنة، ويدل على ذلك قول ابن عباس: [إن] أول ما فرض صوم شهر رمضان فذكره بلفظ الأيام مجملاً، ثم بينه بقوله: شهر رمضان. فإن قيل: الآية تأبى ذلك؛ لأنه قال: لم يكن واجباً على من قبلنا. قلنا: قد حكى القاضي الحسين أن ما من أمة من الأمم السالفة إلاَّ وقد فرض عليهم شهر رمضان، إلا أنهم قد ضلوا عنه، ولئن سلمنا أنه لم يكن واجباً على من قبلنا فالتشبيه في أصل الصوم تشبيه لنا في الابتلاء به إلا أنه كهو من كل وجه. ويجوز أن يكون التشبيه عائداً إلى صفة الصوم؛ [لأن في بعض الشرائع السالفة إذا قام المكلف بالصوم] حرم عليه الإفطار إلى الليلة المستقبلة، وقد نقل أنه كان في صدر الإسلام الأكل والشرب والنكاح مباحاً للصائم ما بين صلاة المغرب و [صلاة] العشاء حسب، فإذا صلى العشاء أو نام قبل ذلك حرم عليه الأكل والشرب والجماع إلى الليلة المستقبلة، ثم نسخ، وسبب نسخه: أن رجلاً اختان نفسه

стр. 2825

وجامع أهله بعد أن نام، وروي نحو من ذلك عن عمر بن الخطاب، وروى البخاري وغيره أن صرمة بن قيس كان يعمل في أرض له وهو صائم، فجاء إلى أهله وقت الغروب والتمس عشاء، فذهبت امرأته تصنعه له فرجعت إليه، وقد غلبه النوم، فأنبهته وقالت: خَيْبَةً لك، فلم يذق في ليلته شيئاً. ولما كان من الغد مضى إلى عمله فغشي عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]. وقد قيل [إن:] المراد بالأيام: الأيام البيض؛ لأنه قال: أيَّاماً، و"الأيام" إنما تطلق على ما دون العشرة، وعلى هذا لا تكون الآية دالة على وجوب صوم رمضان، بل

стр. 2826

تكون دالة على وجوب صوم الأيام البيض كما قال به بعضهم، وأن ذلك نسخ بقوله: شهر رمضان. ويعضده قول عائشة: يعتبر فرض الصوم على ثلاثة أنحاء: فرض [يوم] عاشوراء، ثم نسخ بقوله: ﴿أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] وهي أيام البيض، ثم نسخ بشهر رمضان. كذا قاله القاضي الحسين، وحكى الإمام نحواً من ذلك عن معاذ. وقد قيل: إن صوم رمضان ناسخ لوجوب يوم عاشوراء، حكاه الماوردي، ولم يورد البغوي غيره. والذي اختاره الشافعي – كما قال القاضي الحسين -: الأول، وعبارة الماوردي: إن ذلك أشبه بمذهبه. ومن السنة: ما روى مسلم في "صحيحه" عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال لأناس من عبد القيس:"آمركم بأربعٍ: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأقيموا الصَّلاة،

стр. 2827

وآتوا الزَّكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم". وروى مسلم عن [ابن] عمر عن النبي ﷺ قال: "بني الإسلام على خمسٍ: على أن توحِّدوا الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وصيام رمضان، والحجِّ"، فقال رجل: الحج، وصيام رمضان قال: "لا، صيام رمضان والحج"، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ . وكان فرض صوم شهر رمضان في شعبان سنة اثنتين من الهجرة، وهي السنة التي فرضت فيها زكاة الفطر، وخطب رسول الله ﷺ [بذلك] قبل الفطر بيومين، وفيها خرج إلى المصلَّى، فصلَّى بالناس العيد، وهو أول عيد صلى فيه، [وفيها أقرَّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر؛ لأنها كانت ركعتين فجعلت أربعاً]، وفيها حولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة كما تقدم. وقد اقتضى كلام الشيخ أن الحائض والنفساء يجب عليهما صوم رمضان، وإن كان لا يصح منهما ويحرم عليهما فعله، وهو رأي بعض الأصوليين، ولم يحك البندنيجي غيره، واقتضى إيراد القاضي الحسين ترجيحه، وهو موافق لقول الشافعي

стр. 2828

الذي سنذكره، لكن المشهور أنها لا تخاطب بالوجوب ما لم تطهر؛ فتخاطب بالقضاء، وكذلك قال في "التهذيب": صوم رمضان فريضة على كل مسلم عاقل بالغ، إذا كان مقيماً قادراً، فالكافر لا يصح صومه، فإذا أسلم لا قضاء عليه، بخلاف المرتد، ولا يجب على الحائض والنفساء، فإذا طهرتا يجب عليهما القضاء. ولمن تصدى لتصحيح كلام الشيخ إذا أراد حمله على [ذلك] كما حمل عليه النص، أن يقول: الشيخ تجوَّز في هذا اللفظ، وأحلَّ السبب محل المسبَّب؛ فإن رمضان بلا خلاف هو السبب في وجوب الصوم في غيرهن وذلك جائز. تنبيه: قول الشيخ: يجب صوم رمضان، من غير إضافة الصوم إلى الشهر – اتبع فيه ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال:"من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه"، ولا معارضة بين ذلك وبين قوله ﷺ : "لا تقولوا رمضان، و [لكن] قولوا: شهر رمضان" كما رواه أبو هريرة. وقد جاء أنه اسم من

стр. 2829

أسماء الله؛ لأنا نحمل النهي على ما إذا لم تكن قرينة تدل على أن المراد الشهر، وقول النبي ﷺ :"من صام رمضان" قرينة دالة على أن المراد الشهر؛ فنزل ذلك منزلة النطق به، كذا قال القاضي الحسين والماوردي والبندنيجي، وقالوا: يكره ذلك مع [عدم] القرينة [ولا يكره مع القرينة]. ولماذا سمي بـ"رمضان؟ " اختلف فيه: قال القاضي الحسين: روي عن أنس أنه قال: سمي رمضان؛ لأنه وافق ابتداء الصوم زماناً حاراً، وكنا يرمض فيه العشب –يعني يحترق – لالتهاب الرمضاء في ذلك [الوقت؛ فسمي رمضان لشدة الحر، ثم ثبت اسمه فيما بعد ذلك]. وحكى البندنيجي ذلك عن ابن عمر. وقيل: سمي رمضان؛ لأنه يرمض الذنوب، أي: يحرقها، وهذا ما عزاه الماوردي والبندنيجي إلى أنس، وقال [القاضي] أبو الطيب: إنه قول النبي ﷺ . قال: فأما الكافر: فإن كان أصليَّا لم يجب عليه؛ لأنه لا يصح منه فعله في

стр. 2830

حال كفره، ولا يجب عليه قضاؤه بعد إسلامه؛ فكان بمنزلة الحائض في تركها الصلاة، وهذا ما أورده الماوردي [أيضاً]، وحكاه القاضي أبو الطيب وغيره وجهاً لأصحابنا، وقال: الأصح: أنه واجب عليه ومخاطب به؛ لقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ الآية [المدثر: ٤٢]. قلت: وهو ظاهر النص في "المختصر"؛ فإنه قال: وصوم شهر رمضان واجب على كل بالغً من رجل وامرأة وعبد. والكلام فيه محال على كتاب الصلاة. قال: وإن كان مرتداً وجب عليه: لأنه حق التزمه بالإسلام فلا يسقط بالردة كحقوق الآدميين. قال: وأما الصبي فلا صوم عليه؛ للخبر المشهور، ولأنها عبادة على البدن من شرطها النية؛ فلم تجب على الصبي كالصلاة، وقولنا: من شرطها النية، أخرجنا به العدَّة، فإنها عبادة تجب على الصغيرة لكن النية ليست شرطاً فيها، بدليل ما لو طلقت المرأة ولم تعلم حتى انقضت عدتها حلَّت، على أنها ليست على البدن. قال: غير أنه يؤمر به لسبع، أي: إذا كان يطيقه، ويضرب على تركه لعشر؛ قياساً على الصلاة، والحكمة في ذلك تمرنه على العبادة. قال: وما زال عقله بجنون، أو مرض، لم يجب عليه الصوم؛ للخبر المشهور، ولما ذكرناه من القياس، ولا يتلحق به المغمي عليه في ذلك، بل هو ملحق بالنائم بلا خلاف، ولأنه مكلف. قال البندنيجي: نعم، في "تعليق" القاضي الحسين عن القديم إلحاقه بالإغماء؛ فإنه قال: إن الشافعي قال في القديم: لو أصابه لمم أذهب عقله، أو أغمي عليه جميع الشهر –لزمه قضاء الشهر، ولا يلزمه قضاء الصلاة. واللمم: هو الجنون، فجعل الجنون كالإغماء. قال: وإليه ذهب ابن سريج والإصطخري. واقتصر الماوردي وأبو الطيب على [نسبته] إلى ابن سريج لا غير، وخطَّأه [فيه، وقال] أبو الطيب: إنه ليس مذهب الشافعي، والفرق بينه وبين الإغماء: أن الإغماء مرض يحدث مثله للأنبياء، والجنون نقص يزول معه التكليف، ولا يجوز حدوث مثله على الأنبياء.

стр. 2831

وعن المحاملي أن المزني نقل في "المنثور" عن الشافعي أنه قال: إذا أفاق في أثناء الشهر لزمه قضاء ما مضى كمذهب أبي حنيفة، وألا فلا، وهو ما ادعى الإمام أن العراقيين نسبوه إلى ابن سريج، ولعله لا يصح عنه. قلت: وكذلك منع البندنيجي نسبة القول الأول إليه أيضاً، وقال: إنه حكى أن المزني حكى في "المنثور": أن الشافعي قال: يقضي ما مضى. وقال أبو العباس: الذي حكاه المزني لا يعرف للشافعي. فرع: لو شرب دواء حتى زال به عقله، وفاته بذلك رمضان، ثم أفاق بعد الشهر أو في أثنائه-هل يلزمه القضاء أم لا؟ قال: فإن بلغ الصبي، أي: مفطراً؛ لأن الكلام فيما إذا بلغ صائماً سيأتي، ولأنه قرنه بالمجنون يفيق، وسوَّى بينهما [في الحكم]، ولا صوم مع الجنون، أو أفاق المجنون في أثناء النهار - لم يلزمهما صوم ذلك اليوم على ظاهر المذهب؛ لأنهما لم يدركا من الوقت بعد وجود أهلية التكليف ما يمكن فيه الصوم؛ لفقد شرطه وهو النية من الليل؛ فأشبه ما لو طرأ الحيض والجنون على من دخل [عليه] وقت الصلاة ولم يمض قدر ما يؤدي فيه الفرض؛ فإنها لا تجب، وعلى هذا لا يجب قضاؤه، كما لو بلغ الصبي وأفاق المجنون بعد الغروب، وهذا ما حكاه ابن الصباغ عن نصه في "البويطي" فيهما وصححه. وخلاف ظاهر المذهب: أنه يلزمهما كما تلزمهما الصلاة بإدراك جزء من آخر وقتها وإن كان لا يسعها، وكونه لا يصح صومهما فيما أدركاه من الوقت لا يقدح في الوجوب، دليله: وجوب الصوم على الحائض؛ فعلى هذا يلزمهما قضاء يوم كامل. والقائلون بالأول فرّقوا بينه وبين إدراك آخر وقت الصلاة بأنه لم يمكنه أن يتم الصلاة خارج الوقت؛ فكان إدراك بعضها موجباً لكلها، ولا كذلك في الصوم؛ لأنه

стр. 2832

لا يمكن إتمامه؛ فهو نظير ما ذكرناه من طروء الحيض في أول وقت الصلاة. وقد افهم كلام بعضهم أن الواجب صوم ما أدرك من النهار فقط على هذا الوجه، وأداؤه لا يمكن، وقضاؤه لا يمكن إلا بصوم كامل؛ فوجب كما نقول فيمن وجب عليه وهو محرم كفارة هي نصف مدٍّ، وأراد الصوم، فظاهر كلام الشيخ الأول، وكلام غيره إلى الثاني أميل. وقد أثبت القاضي الحسين الخلاف في المسألة وجهين، وقال: إنهما ينبنيان على أنه إذا قال: لله علي أن أصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان، فقدم في خلال النهار – هل يقضي يوماً مكانه أم لا؟ [وفيه] قولان، كذلك هاهنا، وقال في موضع آخر: إن [على] الخلاف يخرج ما إذا نذر صوم نصف يوم، هل ينعقد نذره أم لا؟ إن قلنا: لا يلزمه القضاء [هنا]، لم ينعقد، وإلا انعقد. ويجيء في المسألتين وجهان آخران؛ لأن الغزالي حكى تبعاً للفوراني والقاضي الحسين: في أنه هل يجب عليهما وعلى الكافر إذا أسلم في أثناء النهار إمساك بقية النهار؟ أربعة أوجه، فقال الإمام: إنها متفرقة في الطرق: أحدها – وهو الذي أورده القاضي أبو الطيب والماوردي لا غير، وحكاه البندنيجي عن نصه في "البويطي"-: أنه لا يلزمهم؛ كما إذا قدم المسافر مفطراً في أثناء النهار، وقد عزاه القاضي أبو الطيب في "الكافي" إلى نصه في "حرملة"، وصححه في الجميع ابن الصباغ والإمام. والثاني: يلزمهم؛ لأنهم صاروا مخاطبين في بعض النهار، فيجعل كأنهم خوطبوا به في ابتدائه، إلا أنهم لم ينووا فلم يصح صومهم؛ فلا أقل من أن يتشبهوا بالصَّائمين، وقد حكاه البندنيجي عن بعض الأصحاب، و [قد] نسبه ابن الصباغ في الصبي والكافر إلى [رواية أبي حامد في "التعليق"، موجهاً له بأنه لا يجب عليهما القضاء. والثالث: أنه يلزم الكافر] [دونهما؛ لأنه غير معذور في كفره، وهما

стр. 2833

معذوران]. [والرابع: أنه يلزم الكافر] والصبيَّ دون المجنون؛ لأن الصبي مأمور بالصوم وهو ابن سبع، ومضروب عليه وهو ابن عشر، والكافر يقدر على صحة الصوم بالإسلام، بخلاف المجنون. وهذا الوجه يؤخذ من كلام البندنيجي- أيضاً – لأنه حكى الوجهين الأولين في المجنون تفريعاً على أن الجنون ينافي الصوم، ثم قال: أما إذا قلنا: إنه لا ينافيه، فهو ملحق بالمريض، والمريض إذا برأ في أثناء النهار الذي أفطر فيه يلزمه إمساك بقيته قولاً واحداً كما قال، وإن كان فيه شيء سأذكره. ثم قال الغزالي: إن الأصحاب قالوا: إن قضاء هذا اليوم في حقهما يبني على الإمساك فمن ألزم الإمساك ألزم القضاء، ومن لا فلا. وقال الصيدلاني: من أوجب الإمساك اكتفى [به]،ومن لا يوجبه أوجب القضاء. وهذا ما أورده في "التتمة" حيث قال: الصبي إذا بلغ في أثناء النهار مفطراً هل يلزمه التشبه بالصائمين؟ فيه وجهان ينبنيان على أنه هل يجب عليه القضاء أم لا؟ فإن قلنا: لا يجب، وجب التشبُّه: لأنه أدرك زمان العبادة [وليس يلزمه ترك العبادة]، فإذا لم يأمره بالإمساك لا يظهر لإدراك وقت العبادة أثر. وهذا موافق لما قدمت ذكره من تعليل الشيخ أبي حامد، وقد عكس في "التهذيب" ذلك فقال: إن قلنا: يجب القضاء، وجب التشبُّه، وإلاّ فلا. فإذا عرفت ذلك وتأملته ظهر لك الوجهان؛ لأن من جعل وجوب القضاء مفرعاً على وجوب الإمساك يلزمه أن يقول: يجب القضاء على الصبي دون المجنون على وجه، كما وجب عليه الإمساك دون المجنون، وكذلك قال الفوراني: إن الأوجه الأربعة في وجوب الإمساك جارية في القضاء. وقد أشار إليه صاحب "التهذيب" حيث حكى الوجهين في المجنون كما هما في الصبي، [ثم قال: ومنهم من قال: لا يجب عليه قولاً

стр. 2834

واحداً، وذلك ستمد من قول القاضي الحسين: إن الوجهين في وجوب القضاء على المجنون مرتبان على الوجهين في الصبي]، وأولى بالمنع، والفرق: أن الصبي يمكنه أن ينوي من الليل فلم يكن معذوراً فيه، بخلاف المجنون، وعلى قول الصيدلاني يلزمه أن يجب القضاء على المجنون دون الصبي إذا قلنا: إن الإمساك لا يجب على المجنون ويجب على الصبين وهذا لم أره فيما وقفت عليه. واعلم أن الشيخ قد سكت عن بيان حكم الكافر في قضاء اليوم الذي يسلم فهي من رمضان، وسكوته [عنه] يجوز أن يكون لاعتقاده إمكان أخذه من الحكم الذي ذكره في المجنون إذا أفاق في أثناء النهار؛ لأنهما متساويان عنده في عدم الوجوب في أوله وعدم القدرة على النية من الليل مع تلك الحالة؛ فيجيء فيه الخلاف الذي ذكره، وقد حكاه الماوردي وغيره من العراقيين وقال: إن مذهب الشافعي الذي نص عليه في "حرملة" و"البويطي": أنه لا يلزمه. وحكى أبو الطيب ذلك عن "الأم" والقديم، وقضية ما حكيناه عن الصيدلانيِّ وغيره من بناء القضاء على الإمساك: أن يكون فيه مع الصبي والمجنون أربعة أوجه. ثالثها – وهو ما اقتضاه كلام الصيدلاني-: أنه لا يجب عليه، ويجب على الصبي والمجنون، وهذا في نهاية البعد، وبه يظهر تضعيف قول الصيدلاني وإن كان [الإمام] قد قال: إنه [ليس] خالياً عن الفقه. ورابعها: أنه يجب عليه دون الصبي والمجنون، وهو ما اقتضاه كلام غير الصيدلاني كما تقدم، وقد حكاه البغوي والمتولي حيث حكيا القولين فيه كالصبي، ثم قالا: ومنه من قال: إنه يجب عليه قولاً واحداً. قال في "التهذيب": وهو الأصح؛ لأن الكافر مخاطب بالصوم في أول النهار، بخلاف الصبي. وهذا أخذ من قول القاضي الحسين: إن الكافر مرتب على الصبي: إن قلنا: يلزم الصبي القضاء، فالكافر أولى، وألا فوجهان، والفرق ما ذكرناه. وقد اعترض الرافعي على قول من جعل وجوب القضاء مرتباً على وجوب [الإمساك فيما ذكرناه، وعلى من جعل وجوب الإمساك مرتباً على وجوب]

стр. 2835

القضاء، وهو صاحب "التهذيب" وغيره كما قال، وعلى الصيدلاني، فقال: إن الأول والثاني يشكل بالحائض والنُّفساء إذا طهرتا في خلال النهار؛ فإن القضاء واجب عليهما لامحالة، والإمساك غير واجب عليهما: إما بلا خلاف على ما رواه الإمام، وإما على الأظهر؛ لأن صاحب "المعتمد" حكى طرد الخلاف فيهما، وإذا كان كذلك لم يستقم القول بأن القضاء فرع الإمساك، ولا بأن الإمساك فرع القضاء، وقول الصيدلاني يشكل بصوم يوم الشك والمتعدِّي بالإفطار؛ فن القضاء لازم مع التشبيه، وماذكره لا يخفى جوابه على متأمل. قال: وأما من لا يقدر على الصوم، أي: أصلاً أو لو صام لأجهده وأضرَّ به ضرراً غير محتمل؛ لكبر أو مرض لا يجري برؤه – فلا يجب عليه الصوم إلا أنّه تلزمه الفدية عن كل يوم مد من طعام في أصح القولين؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، وجه الدلالة منها: [أنها] مقتضية تخيير القادر على الصوم بين الصوم والفدية كما كان مخيراً في صدر الإسلام، والمخير بين شيئين إذا عجز عن أحدهما تعين عليه الآخر: كالمكفِّر يعجز عن العتق والكسوة يتعين عليه الإطعام، وأيضاً فقد قيل: إن كلمة "لا" مضمرة فيها، والتقدير: وعلى الذين [لا] يطيقونه فدية، وعلى هذا وجه الدلالة ظاهر. فإن قيل: هذا التقدير خلاف الأصل، والقراءة المشهورة منسوخة؛ فلا دليل لكم فيها. قلنا: لانسلم أن النسخ يشمل العاجز؛ لأن الآية الناسخة قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وأجمعنا على أن الشيخ الهمَّ ومن في معناه لا يدخل في الآية الناسخة؛ فدل على أنه باق على [حكم] تلك الآية، وقد روي عن عمر وعلي وعبد الله بن عمر وابن عباس وأبي هريرة أنهم قالوا: الشيخ الهمُّ عليه الفدية إذا أفطر، ولي سلهم في الصحابة مخالف.

стр. 2836

وهذا القول نصَّ عليه في "المختصر" وعامة كتبه كما قال القاضي أبو الطيب، وهو مصرح بأن رمضان لو كان ناقصاً لم يلزمه سوى تسع وعشرين يوماً كما هو مصرح به في "التهذيب" وغيره. قال: ولا يلزمه ذلك في الآخر؛ لأنه أفطر لأجل نفسه بعذر فوجب ألا تلزمه الفدية، كالمسافر والمريض إذا ماتا قبل انقضاء السفر والمرض، وهذا ما حكاه في "الشامل" و"التَّتمة عن نصه في "شرح" حرملة و"مختصر" البويطي والفوراني والبغوي [عن القديم]، وقال الإمام: إنه منقاس، ومع ذلك فلا تعويل عليه في المذهب. واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أمرين: أحدهما: أن الصوم لا يجب على من لا يقدر عليه؛ لما ذكرناه، وإنما الواجب عليه على القول الصحيح: الفدية لا غير، وهو ما اقتضاه كلام القاضي الحسين والبغوي والذي سنذكره من بعد، وقول البندنيجي: أما الشيخ الهمُّ ففرضه الإطعام، فقد حكاه المتولي وهاً في المذهب، وقال تفريعاً عليه: إنه لو نذر الصوم لم يلزمه، وهو الذي صححه في "الروضة"؛ لأنه [غير] قادر عليه، ولا الفدية؛ لأنه لم يلزم إلا الصوم، بخلاف ما إذا قلنا بمقابله كما سنذكره؛ فإنه تلزمه الفدية. وقال القاضي الحسين في "التعليق" وآخرون – كما قال الرافعي:- يحتمل أن تبنى صحة نذره على أن النذر يسلك به مسلك إيجاب الله تعالى أو إيجاب الآدمي؟

стр. 2837

وفيه قولان، والصحيح: أن الصوم واجب على الشيخ الهمِّ ومن في معناه، وهو مخير بين أن يأتي به وبين أن يطعم على القول بوجوب الفدية؛ للآية، ووجه الدلالة منها من وجهين. أحدهما: أن ابن عباس وعائشة كانا يقرآن – كما حكاه المتولي عن رواية البخاري في "صحيحه" عنهما: "وعلى الذين يُطَوَّقونه فدية ... " ومعناه: وعلى الذين يكلفون بالصوم ولا يطيقونه، قال الماوردي وأبو الطيب وغيرهما: لأن قراءة الصحابي تجري مجرى خبر الواحد في وجوب العمل به، لأنه لا يقول ذلك إلا سماعاً وتوقيفاً. ونسب القاضي الحسين هذه القراءة إلى غير ابن عباس، وأنه كان يقول: إن الصوم لما فرض انحتم فعله على القادر عليه ولم يخير فيه، وإن الآية محكمة لم تنسخ. والثاني: على القراءة المشهورة [أن] المخاطب برمضان كان مخيراً فيه بين فعله وبين الفدية، للآية، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن سلمة بن الأكوع. قال القاضي أبو الطيب: فمقتضى ذلك إيجابه في حق كل أحد، إلا أنَّا أجمعنا على أنه لم ينحتم في حق الشيخ الهم ومن في معناه؛ فكأن حكمه باق على الأصل، واختصاص الشيخ بالقادر على الصوم، وقد روى أبو داود عن ابن عباس أنه قال: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة [الكبيرة] وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم

стр. 2838

مسكيناً، والحبلى والمرضع إذا خافتا. قال أبو داود: [يعني]: على أولادهما. قلت: ولمن أجرى كلام الشيخ على ظاهره أن يقول: قراءة ابن عباس مردودة بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ فإن العاجز عن الصوم مأمور بتركه لا بفعله، ولا نسلم أن العاجز عن الصوم دخل فيما اقتضته الآية على القراءة المشهورة، بل إنما تناولت فقط لقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، والفطر في حق الشيخ [الهمّ] ومن في معناه خير من الصوم، وهذا اعتراض المزني، وجوابه: أنه لا يمتنع أن يعود قوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾ لبعض ما دخل في اللفظ الأول، وسنذكر لذلك نظائر في كتاب الله تعالى. [وعلى هذا] لمن تصدى لتصحيح كلام الشيخ أن يقول: مراده: أنه لا يجب عليه الصوم حتماً كما يجب على غيره مقيماً كان أو مسافراً، طاهراً أو حائضاً، إلا أنه تلزمه الفدية إن لم يطعم عن كل يوم مدًّا من طعام في أصح القولين، ويؤيد ذلك أن البندنيجي قال: فرض الشيخ الهِمِّ: الإطعام، فلو حمل على نفسه وصام فلا إطعام، والله أعلم. الأمر الثاني: أن المد يجب سواء كان قاراً عليه أو عاجزاً عنه، وقد قيد الماوردي وجوبه بما إذا كان قادراً عليه، ولفظ القاضي الحسين أصرح منه؛ فإنه قال: لو كان الهمُّ فقيراً لا مال له فلا فدية عليه في الحال ولا إذا أيسر، ويحتمل أن يقال: يجب؛ بناء على أن الاعتبار في الكفارات بحال الوجوب أم بحال الأداء؟ وفيه خلاف. وقد [حكى في "التهذيب"] في وجوب الإخراج عليه عند القدرة قولين

стр. 2839

كالقولين في الكفارة فيما إذا كان معسراً حالة إفطاره بالجماع، وقال: إن الشيخ الهمَّ لو كان عبداً واتصل رقه بالموت لا شيء عليه، [و] إن عتق قبل الموت وأيسر، فإن قلنا في الحرّ إذا أيسر: لا يلزمه، فالعبد أولى، وألا فوجهان، والفرق: أن العبد لم يكن وقت الفطر من أهل الفدية بخلاف الحر. وما ذكره البغوي إذا تأملته كان أجود مما ذكره القاضي، وقد اقتضى كلام الماوردي في موضع آخر مخالفته لما قيد به الوجوب؛ فإنه قال: لو مات قبل الإمكان سقط المُدُّ. وهذا يدل على وجوبه حالة العجز عنه، وعبارة البندنيجي: أنه إذا مات قبل الصيام والإطعام نظرت: فإن مات وهو قادر على الإطعام أطعم عنه، ون مات وهو لا يقدر على الإطعام فلا شيء عليه. فروع: أحدها: لو أراد الهرم ومن في معناه تقديم المد على شهر رمضان – كما قال الرافعي في كتاب الزكاة – فهل يجوز تقديمه على أيام الشهر؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ كزكاة الفطر، والثاني: لا ككفارة الجماع. قال القاضي الحسين: والأول أصح؛ لأنه معذور فيه، وقد قيل بطرده في كفارة الجماع، حكاه الرافعي في كتاب الزكاة عن الحناطي. والذي أورده في "الروضة" [في مسألتنا]: الثاني، وفرع عليه أنه لو أخرجه بعد طلوع الفجر عن يوم من رمضان أجزأه عن ذلك اليوم، وإن أداه قبل الفجر ففيه احتمالان حكاهما في "البحر" عن والده، وقطع الدارمي بالجواز، وهو الصواب. الفرع الثاني: إذا لم يَفْدِ حتى صار قادراً على الصوم، قال القاضي الحسين – وتبعه البغوي -: لا يلزمه الصوم، بخلاف المعضوب الموسر، فإنه إذا لزمه الحج،

стр. 2840

وحج الغير عنه بإذنه، ثم قدر على مباشرته بنفسه – يلزمه الحج، والفرق: أن المعضوب كان مخاطباً بالحج ما بنفسه أو بأمر الغير، فلهذا قلنا: يلزمه، بخلاف الشيخ الهِّم؛ فنه من كان مخاطباً [بأصلٍ]، وإنما هو مخاطب ببدله فقط. انتهى. وهذا ما أشرت إليه من قبلن وهذا الفرق فيه نظر تنبه له صاحب "التهذيب": وهو أن الشيخ الهمَّ ومن في معناه إنما يكون فرضه الفدية لا الصوم، لاقتضاء حاله الإياس من فعله بنفسه قضاء [أو أداءً] يدل عليه أن من به مرض غير ميئوس [منه] ليس واجبه الفدية، بل الصوم، لاحتمال قدرته عليه قضاء؛ ولذلك لو مات قبل التمكن منه لا تجب الفدية باتفاق الأصحاب. وقال الإمام: إنه لا يعرف فيه خلافاً. وقاسه في "التهذيب" وغيره على ما [إذا أتلف ماله بعد الحول وقبل التمكن، وألحقوا به المسافر إذا] دام سفره إلى الموت. وإذا كان كذلك فقد انكشف الحال على أن الشيخ الهمِّ ومن في معناه واجبه الصوم، فهو كالحج سواء، فيجب عليه أن يصوم بلا خلاف كما لو برأ المعضوب قبل أن يحخج عنه، وإن قدر على الصوم بعد إخراج المد فكذلك على الصحيح. الثالث –وهو في الحقيقة ارجع إلى تحقيق صورة المسألة. قال القاضي أبو الطيب عند الكلام في الحامل والمرضع: لو كان الشيخ الهم يعجز عن الصوم للكبر في زمان دون زمان فإنه يجب عليه الصوم، ولا يجوز له الفطر ويفتدي. تنبيه: "برء" فيه ثلاث لغات: إحداها: برئ من المرض يَبْرَأ بُرْءاً، بضم الباء، والثانية: بَرَأَ يَبْرَأ بَرْءًا، بفتحها. والثالثة. بَرُؤَ بُرْءًا. قال: ومن ترك الصوم جاحداً لوجوبه – أي وهو قديم عهد بالإسلام – كفر؛ لأنه كذَّب الله تعالى ورسوله في خبره.
следующие страницы →