← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

والثاني: أن هذا الخبر منسوخ؛ لأنه كان بالجعرانة سنة ثمان، وخبرنا في حجة الوداع سنة عشر. تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في التطيب بين ما يبقى جِرْمُهُ بعد الإحرام؛ كالمسك والغالية، وما لا يبقى إلا ريحه: كالبخور بالعود ونحوه، وهو المذهب، وبه جزم الإمام؛ لخبر عائشة السابق، ورواية مسلم عنها [أنها] قالت: "كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ وهو محرم" ووبيص المسك: بريقه. لكن التطيب بما تبقى عينه، هل يكون مستحباً أو مباحًا؟ حكى الماوردي فيه وجهين، وقال: إن الثاني أشبه بمذهب الشافعي، ﵁. والذي أورده ابن الصباغ وغيره الأول. ومقابل المذهب وجه: أنه لا يجوز التطيب بما يبقى أثره بعد الإحرام؛ لأنه في معنى التطيب بعد الإحرام، وهو جار في المرأة، ومنهم من خصه بها دون الرجل؛ حكاه أبو الطيب وغيره، وقال: إنه باطل؛ لأنه خلاف السنة؛ وعلى هذا لو فعل، لزمه غسله، وعلى المذهب: لا يجب غسله. قال في "التهذيب"- تبعاً لشيخه ويخالف المرأة إذا تطيبت، ثم لزمتها العدة، يجب عليها إزالته على وجه؛ لأن تنبه حق آدمي. ولو عرق فسال الطيب إلى موضع آخر، فلا فدية عليه؛ لأنه في حكم المغلوب عليه.

стр. 3222

وفيه وجه؛ أنها تجب؛ [لأنه حصل بسبب فعله. قال ابن الصباغ وغيره؛ وليس بشيء. ولا خلاف عند الجمهور] فى أنه لو مسه بيده عمدًا وهو مما يعلق بها، أو نقله من موضعه إلى موضع آخر، أو أعاده إلى موضعه - في لزوم الفدية. وحكى الحناطي قولين فيما إذا نقله، ثم رده إلى موضعه، أو موضع آخر. أما التطيب في ثوبه، فقد قال في القديم: "وأحب أن يجمر ثيابه ورحله"، فمنهم من أجراه على ظاهره، وقال: له أن يطيب ثياب بدنه للإحرام كما يطيب بدنه، ويكون مستحباً؛ كما حكاه القاضي الحسين، وهو الذي صححه الإمام. ومنهم من قال: إنما أراد ثياب غير البدن، فأما ثياب البدن فلا يطيبها للإحرام؛ لأن العادة فيها النزع، والإعادة؛ فيؤدي إلى ابتداء التطيب عند الإعادة؛ وعلى هذا لو فعل، فهل يكون فعله مكروهًا أو محرماً؟ فيه وجهان: المذكور منهما في طريق العراقيين: الأول. والثاني حكاه الإمام والفرق عليه بين البدن والثوب: أن الطيب [في الثوب يبقى، وفي البدن ينمحق]. وحكى وجهاً آخر: أن الطيب إن لم يكن عيناً، فلا بأس به؛ وإن كان عيناً، لم يجز،

стр. 3223

وكان بمثابة ما لو ربط مسكاً على طرف إزاره وكان يستنشقه؛ فإنه ممنوع [منه] وفاقاً. [ثم]، إذا قلنا بجواز لبس الثوب مطيباً، فلبسه، [ثم أحرم، ثم نزعه]، ورام لبسه محرماً - فهل يجوز؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين. وغيره من المراوزة [قال: إنه إذا] لبسه ثانياً وهو محرم، هل تجب عليه الفدية؟ فيه وجهان، قربهما الإمام عن الوجهين في إيجاب الفدية بسيلان الطيب، وقضية هذا "التقريب": أن يكون الصحيح المنع، لكن الصحيح في "التهذيب"- وهو المذكور في "الشامل" و"تعليق" أبي الطيب - الوجوب، ونسبه في "البحر" إلى قول أبي الحسن الماسرجسى. قال: ويصلى ركعتين؛ لرواية جابر وابن عباس: "أن النبي ﷺ أتى ذا الحليفة، فصلى ركعتين بعد العصر ببطحائها، ثم ركب"؛ كذا أورده الماوردي، والذي رواه أبو داود عن ابن عباس: "أنه ﵇ صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتين"، ولم يعين الوقت.

стр. 3224

وروى عن أنس قال: "صلى رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً، وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بذي الحليفة حتى أصبح، فلما ركب راحلته، واستوت به، أهل"، وأخرجه البخاري ومسلم؛ وهذا يدل على أن إحرامه كان قبل الزوال. ثم استحباب صلاة الركعتين مفروض عند الماوردي وغيره بما إذا لم يكن الإحرام في وقت صلاة مفروضة أو سنة أو راتبة؛ كما قال القاضي الحسين، فإن [كان] في وقت صلاة مفروضة أو سنة راتبة، صلى ذلك؛ ثم أحرم عقيبه، وحاز فضيلة الإحرام بعد الصلاة. ثم استحبابهما - أيضاً - مفروض عن القاضي الحسين فيما إذا لم يكن الإحرام في الأوقات المكروهة؛ فإن كان لم يفعل، بل يحرم من غير صلاة؛ لأن سببهما الإحرام، وهو [يتأخر عنهما] وقد لا يأتي به؛ فتجرد الصلاة في الوقت المنهي عن الصلاة فيه عن السبب. قال: ولهذه العلة لا يجوز صلاة الاستخارة، وصلاة الاستسقاء في هذه الأوقات. والمذكور في "تعليق"، اليندنيجي جواز فعلهما في الأوقات المكروهة؛ لأن لهما سبباً؛ وبذلك يحصل في المسألة وجهان، وقد حكاهما الرافعي، وصحح الأول؛ لما ذكرناه.

стр. 3225

لكن ما ذكره الماوردي من أنه ﵇ صلى الركعتين بعد العصر لو صح، دفعه، والله أعلم. قال: فإذا بدأ بالسير، أي: بأن مشى إن كان راجلاً، أو انبعثت به دابته إن كان راكباً - أحرم في أصح القولين؛ لما روى الشافعي سنده عن جابر أن رسول الله ﷺ قال لأهل مكة: "إذا توجهتم رائحين إلى عرفة، فأهلوا بالحج". وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر أنه قال في حديث طويل: "وأما الإهلال فإني لم أر رسول الله ﷺ يهل حتى تنبعث [به] راحلته"، ولرواية أنس السابقة. ولأنه إذا كبر مع السير وافق قوله فعله؛ وهذا ما نص عليه في عامة كتبه الجديدة. وفي الثاني: يحرم عقيب الصلاة - أي: قاعداً - لما روى أبو داود عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا أبا عباس، عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في إهلال رسول الله ﷺ حين أوجب! فقال: "إني لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول الله حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا: خرج رسول الله ﷺ حاجاًّ، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه، أوجب في مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام؛ فحفظته عنه، ثم ركب،

стр. 3226

فلما استقلت به ناقته، أهل، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا: إنما أهل حين استقلت به ناقته، وايم الله، لقد أوجب في مصلاه"، وهذا ما نص عليه في "مختصر" الحج والقديم واختاره جماعة من الأصحاب؛ كما قال الرافعي. قال اليندنيجي: وإحرامه عند استواء ناقته يه كإحرامه عقيب الصلاة؛ نص عليه فى لقديم أيضاً. وتمسك القائلون بالأول فى دفع خبر ابن عباس بأن فى رجاله خصيف بن عبد الرحمن الحرانى، وهو ضعف. وهذا الخلاف في الأفضل بالاتفاق. قال: وينوي الإحرام بقلبه؛ لقوله ﵇: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". وقد تقدم أن النية هي القصد، تقول العرب: نواك الله بحفظه، أي: قصدك الله بحفظه. فإذا تجدد عهدك بذلك، عرفت أن مراد الشيخ: أن يكون المأتي به في القلب قصد الإحرام، وهو الاعتقاد؛ كما قدمنا حكايته عن البندنيجي، لا قوله في القلب: أحرمت؛ فإن ذلك ليس بنية، فلا يقع الاكتفاء به؛ للحديث المذكور. وكلام الماوردي يقتضي الاكتفاء بذلك؛ فإنه قال عند الكلام في إحرام الولي عن الصبي على مذهب البصريين: يقول عند الإحرام عن الصبي: اللهم إني قد أحرمت عن ابني، و [على مذهب البغداديين يقول: قد أحرت بابني]، وكذا قول الإمام: [و] لو قال في نفسه: أحرمت كإحرام فلان، فهو سائغ - يقتضي الاكتفاء به [أيضاً]، وما ذكره الشيخ أولى. قال: ويلبي، أي: مقترناً، بالنية؛ لنقل الخلف عن السلف. قال: فإن لم يلبْ، أجزأه، أي: الإحرام بالقلب؛ لما روى جابر قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ لا ننوي إلا الحج، فلما دنونا من مكة، قال: "من لم يكن معه هدي، فليجعلها عمرة"، فأخبر أنهم أحرموا بمجرد النية دون التلبية.

стр. 3227

ولأنها عبادة يجب في إفسادها الكفارة، [ولا يجب النطق] في آخرها؛ فلم يجب في أولها؛ كالصوم. وهذا هو المذهب، ولم يورد الماوردي وأبو الطيب والفوراني غيره. وقيل: لا يجزئه -[أى]: الإحرام - حتى يلبي؛ لرواية عائشة أن النبي ﷺ قال لهم: "إذا توجهتم إلى منى فأهلوا". وحقيقة الإهلال: إظهار الحالة بالتلبية. ولأنها عبادة شرع [فيها الذكر في أثنائها]؛ فاقتضى أن يجب في ابتدائها، ولا تنعقد بدونه؛ كالصلاة. وهذا ما نسبه في "المهذب" إلى أبي عبد الله الزبيري من أصحابنا، والقاضي الحسين إلى صاحب "التقريب"؛ وحكاه الإمام قولاً للشافعي ﵁ وقال: إنه اختيار أبي علي بن أبي هريرة والطيبري. وعلى هذا: هل يقوم الإشعار والتقليد مقام التلبية؟ الذي حكاه الرافعي عن الشيخ أبي محمد وغيره في رواية القديم: نعم؛ كمذهب أبى حنيفة. و [قال] في النهاية: إن شيخه كان يتردد في إقامة ذلك مقام التلبية. وعن لحناطي: أنه حكى القول القديم في وجوب التلبية دون اشتراطها، وأنه ذكر تفريعاً عليه أنه لو ترك التلبية، لزمه دم. ولو اقتصر على [الإتيان بالتلبية] دون النية، فقد حكى الإمام: أن المزني نقل أنه

стр. 3228

يلغو ما صدر منه. ونقل الربيع: أن إحرامه ينعقد مجملاً، [ثم إنه] يصرفه إلى أحد النسكين أو إليهما؛ وأن الأصحاب كثر خبطهم في ذلك. ونحن نذكر المقصود [منه فنقول:] من ذكر التلبية حاكياً أو معلماً، وقصد غيرها، سوى الإحرام - لم يصر محرماً، [وكذلك إذا جرى اللسان بالتلبية]، فلا حكم له؛ فأما إذا [جرى قصده إلى] النطق بالتلبية، ولم يخطر بباله قصد الشروع في الإحرام - فهذا موضع التردد، وللأصحاب طريقان: منهم من قال: في المسألة قولان: أحدهما - وهو الذي نقله المزني -: أنه لا يصير محرماً. والثاني: أنه يصير محرماً. ولا أعرف له وجهاً. وعلى هذا إن كان قد سمى شيئاً صار محرماً به، وإن أطلق التلبية، انعقد الإحرام مطلقاً يصرفه إلى ما شاء من كلا النسكين أو أحدهما؛ قاله الرافعي. وسكت الإمام عن حكاية الطريق الثاني، وقد صرح به الرافعي، وهو القطع بعدم الانعقاد، وحمل منقول الربيع على ما إذا تلفظ بأحد النسكين على التعيين، ولم ينوه، ولكن نوى الإحرام المطلق، فيجعل لفظه تفسيراً أو تعيينًا للإحرام المطلق. والقاضي الحسين حكى الخلاف في المسألة على غير هذا النحو، فقال: الذي حكاه المزني فيما إذا لبَّى بحج أو عمرة، ولم يرد حجًّا ولا عمرة: فليس بشيء. وقال في موضع آخر: يلزمه ما سمى. واختلف الأصحاب في قول المزني؛ "فليس بشىء": فمنهم من قال: إنما أراد به؛ فليس بشيء أصلاً، وصورته: إذا لم ينو أصل الإحرام، وتلفظ بنسك؛ فعلى هذا قوله: "يلزمه ما سمى"، محمول على ما إذا كان قد نوى ما سماه. ومنهم من قال: معنى قوله: "ليس بشيء"، أي: ليس بشيء معين. وصورة المسألة:

стр. 3229

ما إذا نوى أصل الإحرام، [وتلفظ بنسك، ولم ينو غير ما تلفظ به، ويحمل قوله: "يلزمه ما سمى"، على أنه إذا نوى أصل الإحرام]، ونوى نسكاً، ولم ينو غير ما سماه، فيلزمه؛ لقوة الإحرام وغلبته؛ فيخرج فيما إذا سمى نسكاً ولم ينو شيئاً أصلا: أنه لا يلزمه شيء، وفيما إذا نوى أصل الإحرام، وسمى نسكاً، ولم ينوه - قولان: أحدهما- وهو الأظهر عند القاضى-: أنه لا يلزمه ما سمى؛ إذ العماد هو النية. والثاني: يلزمه ما سمى بحكم التسمية؛ لما للإحرام من الغلبة والقوة. ومنهم من قال: قوله: "ليس بشيء" إذا نوى أصل الإحرام، ورفض بقلبه ما تلفظ [به لسانه]؛ فيبقى مجرد الإحرام، وقوله: "لزمه ما سمى"، إذا لم يرفض بقلبه ما تلفظ بلسانه. والصحيح: أنه لا أثر لمجرد النطق بدون النية في التعيين ولا في الانعقاد، وعلى هذا: لو لبَّى بحج، ونوى عمرة، أو لبَّى بعمرة، ونوى حجاً - انعقد إحرامه بما نواه؛ نص عليه في "المختصر". قال: والمستحب أن يعين ما أحرم به؛ لرواية جابر: أنه ﵇ أهل بالحج، وقد استدل له الماوردي بقوله ﵇: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة"؛ فدل على أن إحرامه كان معيناً بالحج، وليعرف ما دخل عليه؛ وهذا ما نص عليه في "الجامع الكبير" و"الأم"، وهو الأصح في "الرافعي" وغيره. وقد نص في "الإملاء" على أن الإطلاق أفضل. قال الماوردي: لأن رسول الله ﷺ خرج وأصحابه مهلين يتتظرون القضاء، فأمر من لا هدي معه [أن يجعل إحرامه] عمرة، ومن معه هدي أن يجعله حجاً. ولأنه أحرى أن يقدر على صرفه إلى ما لا يخاف فوته من حج أو عمرة؛ لأنه إن

стр. 3230

كان الوقت واسعاً، أمكنه تقديم العمرة وإدراك الحج، وإن كان ضيقاً، قدم الحج؛ لئلا يفوته، ثم يحرم بالعمرة. [وانتصر ابن الصباغ للقول] الأول، وقال: الخبر الذي استدل به للقول الثاني رأويه طأوس، وهو مرسل؛ فخبر جابر أولى منه، والاحتياط ممكن بأن يحرم بالعمرة؛ فإنه إن شاء كان متمتعاً، وإن شاء قارناً، وإن شاء اقتصر عليها. قلت: وما ذكره من إمكان الاحتياط فيه نظر؛ لأنه إن حصَل فضيلة التعيين على زعمه بإحرامه بالعمرة، فقد فوّت فضيلة الإحرام بالحج في أشهره إن اقتصر على فعل العمرة، وإن لم يقتصر عليها، بل حج من عامه بعد فراغه من العمرة، أو أدخل الحج على العمرة - فقد فوّت فضيلة الإفراد؛ وحينئذٍ يبقى النظر في أي الفضيلتين أولى بالتحصيل؟ والله أعلم. قال: فإن أحرم مطلقاً، أي: في أشهر الحج، مثل: أن نوى الإحرام لا غير، ثم صرفه إلى حج أو عمرة، جاز؛ لما ذكرناه، من رواية طأوس؛ أنه ﵇ وأصحابه أهلوا منتظرين القضاء ... إلى آخره. وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن جابراً روى: أنه ﵇ أحرم مطلقاً، ثم جعله حجاً، وخالف الإحرام هاهنا الإحرام في الصلاة؛ لأنه يقع فيه ما أحرم به عن غيره عن فرضه، وما تطوع به أو نذره عن فرضه؛ فجاز لذلك انعقاده مطلقاً. وكما يجوز صرفه إلى الحج أو العمرة، يجوز صرفه إليهما، والصرف يكون بالنية دون القول؛ صرح به في "الروضة"، وفيه ما سبق. ولو شرع في الطواف والسعي قبل التعيين، قال البندنيجي: لم يعتد به؛ لأنه لا في حج ولا في عمرة.

стр. 3231

وعن الشيخ أبي حامد: أنا نجعل إحرامه بحج، وينوي الحج، ويقع هذا الطواف عن القدوم. وإنما قال: "يصير حجاً ولا يصير عمرة"؛ لأن الطواف ركن في العمرة، فلا يقع بغير نية، وطواف القدوم لا يحتاج إلى نية تخصه. قال مجلي: وفيه نظر، ولا يمتنع أن يقال: يقع هذا الطواف للقدوم، ثم إن عين حجاً مضى على حاله، وإن عين عمرة، لم يجزئه هذا الطواف، وعليه أن يطوف للعمرة، ولا وجه لصرفه للحج [تعيياً]. ولو كانت المسألة بحالها، إلا أنه لم يعين حتى فأنه الحج - قال القاضي الحسين: احتمل أن يقال: يتعين عمرة؛ لأنه كان بغرض أن يجوز عنهما، فإذا فات أحدهما تعين الآخر؛ كما لو أحرم قبل أشهر الحج. ويحتمل أنه باق على ما كان؛ فعليه التعيين، فإن عين عمرة خرج منها، وإن عين حجاً يكون كمن فأنه الحج. أما إذا أحرم مطلقاً في غير أشهر الحج، فالذي أورده الجمهور – ومنهم الماوردي-: أنه ينعقد بعمرة؛ فلا يجوز صرفه إلى حج في أشهره، وهو الذي حكاه الإمام عن معظم الأئمة، وقال في "الوسيط": إنه المذهب. وعن الشيخ أبي علي رواية وجه آخر: أنه يجوز صرفه في أشهر الحج إلى الحج والقران، ووجهه - على ضعفه-: أن العبد إذا أحرم [بالحج] في رقه، ثم عتق قبل الوقوف، ووقف حرًّا - فقد قال الشافعي: "يقع الحج عن فرض الإسلام"، وقد عزي هذا الوجه إلى اختيار الخضري؛ وعلى هذا ينعقد إحرامه مبهماً، ولو صرفه إلى الحج قبل أشهره، كان كما لو أحرم [بالحج] قبل أشهره، وقد مضى الكلام فيه؛ قاله الإمام والرافعي. وكما يجوز الإحرام المطلق يجوز الإحرام المعلق على إحرام غيره، مثل: أن ينوي إحراماً كإحرام زيد؛ لما روي أن علي بن أبي طالب وأبا موسى الأشعري لبيا

стр. 3232

باليمن، وقالا عند تلبيتهما. إهلالا كإهلال رسول الله ﷺ ، فلم ينكر عليهما؛ وهذا مما لا خلاف [فيها] عندنا، سواء علم ما أحرم به [زيد] أو لم يعلم، ويصير محرما بما زيد محرم به من حج أو عمرة أو قران أو إطلاق، ولا يلزمه عند الإطلاق أن يصرف إحرامه إلى ما صرفه إليه زيد على أحد الوجهين في تعليق القاضي أبي الطيب والمعتمد، وهو الذي أورده الجمهور. ولو كان زيد قد أحرم بعمرة أولاً، ثم أدخل عليها الحج: فإن كان الإحرام المعلق قبل إدخال زيد الحج على العمرة، انعقد بعمرة، وإن كان بعد إحرامه بالحج. فإن قصد الأول انعقد بعمرة أيضاً، وإن قصد ما هو عليه في الحال كان قارناً، وإن لم يقصد شيئاً فوجهان؛ نظراً إلى الابتداء والدوام؛ حكاهما المراوزة. ولو كان زيد لم يحرم بشيء، انعقد إحرامه مطلقاً؛ جزم به القاضي أبو الطيب وغيره، وكان ينبغي أن يتخرج على الخلاف فيما إذا كان زيد قد أحرم إحراماً فاسداً؛ فإن في انعقاده مطلقاً وعدم انعقاده وجهين في "تعليق" أبي الطيب، مشبهين بوجهين حكاهما فيما لو نذر صلاة فاسدة: هل تلزمه صلاة صحيحة أم لا يلزمه شيء؟ وقال في "الروضة": [إن] الصحيح: الثاني.

стр. 3233

أو يتخرج على ما إذا بان زيد ميتاً حال الإحرام المعلق؛ فإن في انعقاد إحرامه مطلقاً أو عدمه وجهين، أصحهما فى "البحر" وغيره: الانعقاد. وقد أشار الإمام إلى الفرق بين هذه الصورة والصورة التي ألحقناها بها: بأن هناك لا نتحقق عدم إحرامه، وهنا تحققناه. وقد قال الرافعي فيما إذا لم يكن زيد [محرماً]: [إنه] ينظر؛ فإن كان المعلق جاهلاً بعدم إحرام زيد، انعقد إحرامه مطلقاً، وإن كان عالماً به؛ ففي انعقاد إحرامه وجهان، أظهرهما: الانعقاد ولم يورد الجمهور سواه. نعم: حكى القاضي الحسين فيما لو قال: إن كان فلان محرماً، فأنا محرم بما أحرم به، فبان غير محرم-: تبينًّا أنه لم ينعقد إحرامه. وقد ذكر الأصحاب لهذه المسألة فروعاً: منها: لو قال زيد: أحرمت بالحج مثلاً، ووقع في قلب المعلَّق: أنه أحرم بعمرة - فهل يؤاخذ بما أخبر به زيد أو بما وفع في قلبه؟ فيه وجهان في تعليق أبي الطيب. ولو وقع في قلبه صدق زيد فيما أخبر به [من] أنه محرم بالعمرة، وجرى على قوله، ثم بان أنه كان محرماً إلحج - فقد بان أن إحرامه كان منعقداً بالحج فإن فات الوقت، تحلل من إحرامه؛ للفوات، وأراق دماً، وهو في ماله أو [في] مال زيد للتغرير؟ فيه وجهان في "تعليق" أبي الطيب و"المعتمد". ومنها: لو مات زيد أو غاب أو جن قبل أن يعلم المعلق ما أحرم به، قال القاضي أبو الطيب: فيلزمه أن ينوي القران قولاً واحداً؛ لأنه لا مطلع له على نيته غيره، وهو الذي حكاه الماوردي عن نصه في الجديد والقديم. وفي كتب المراوزة إجراء القولين الآتيين فيما إذا أحرم بنسك ونسيه فيه. والإمام نسبهما إلى رواية العراقيين، والمذكور في كتبهم: الأول.

стр. 3234

نعم، قال القاضي أبو الطيب: لو كان قد لقيه، وأعلمه بما أحرم به، ثم مات، ونسيه - فيأتي [فيه] القولان. ومنها: لوكان [قد] علق إحرامه بإحرام زيد وعمرو، فإن كانا محرمين بحج [أو عمرة] أو قراناً - كان المعلق كذلك. ولو كان أحدهما محرماً بحج، والآخر بعمرة، كان هو قارناً؛ قاله في "البحر". وهل يجوز تعليق الإحرام بطلوع الشمس؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"المعتمد": أحدهما؛ نعم؛ كقوله: إحراماً كإحرام زيد، وهذا ما حكاه في "البحر"، وقال تفريعاً عليه: إنه لو قال: أحرمت يوماً أو يومين أو بنصف نسك - انعقد إحرامه مطلقاً؛ كالعتق. والثاني: لا؛ لأنه علق إحرامه على شرط، بخلاف تعليقه على إحرام زيد؛ فإن أصل الإحرام انعقد في الحال، وإنما علق صفته على شرط يوجد في ثاني الحال؛ وهذا ما حكاه القاضي الحسين ومن تبعه، وألحق به ما إذا قال: إن أحرم فلان فأنا محرم، لا يصير محرماً بإحرام فلان. فرع: إذا قال: أنا محرم إن شاء الله، قال القاضي أبو حامد: ينعقد إحرامه في الحال، ولا يؤثر استثناؤه فيه؛ لأن الاستثناء إنما يؤثر في النطق أو ما يقوم مقامه: كالكناية مع النية في الطلاق ونحوه، [ولا يؤثر في النيات المستقلة بنفسها]. قلت: ويظهر أن يجيء فيه ما قيل في نظير المسألة من الصوم. قال: وإن أحرم بحجتين، أو عمرتين، [انعقد إحرامه] بأحدهما؛ [لأنه يمكن المضي فيه، ولا ينعقد بهما]؛ لأنه لا يمكن المضي فيهما، ولا فرق في ذلك بين أن يكون إحرامه بهما عن نفسه أو عن مستأجرين، أو أحدهما عن نفسه والآخر عن مستأجره، لكنه يكون لنفسه في الكل، وقد نص عليه الشافعي ﵁ في الأخيرتين في "الأم"؛ كما حكاه في "الوسيط". قال: وإن أحرم بنسك، ثم نسبه، أي: قبل أن يأتي بشيء من أعمال النسك -

стр. 3235

ففيه] قولان: أحدهما: أنه يصير قارناً. والثاني: أنه يتحرى ويصرف إحرامه إلى ما يغلب على ظنه منهما؛ لأنه لو شك في القبلة أو اشتبهت عليه الآنية والثياب، لزمه أن يتحرى، ويعمل بما يغلب على ظنه، فكذلك إذا شك في النسك الذي أحرم به، وهذا أخذ من قوله في القديم في باب وجه الإهلال "ومن لبى ينوي شيئاً، فنسي [ما لبى به ونواه]- فأحب [إلي] أن يقرن؛ [لأن القران] يأتي على ما نوى، وإن تحرى رجوت أن يجزئه، إن شاء الله تعالى". فقد أجاز له الاجتهاد والتحري. والجديد الصحيح المشهور: [الأول، وهو المنصوص عليه في أكثر كتبه] ووجهه: أن الإحرام قد انعقد، والتحري [غير ممكن]؛ لأنه شك في فعل نفسه، ولا أمارة عليه، والاجتهاد يكون عند وجود الأمارات. فإن قلت: قد مضى في كتاب الطهارة خلاف في أن من شرط الاجتهاد اعتماد الأمارات، فلمن قال بالقديم أن يمنع. قيل في الدليل: إنه شك في العبادة بعد التلبس بها؛ فلا يجوز له الاجتهاد فيها؛ كالمصلي إذا شك في عدد الركعات وهو فيها، لا يتحرى. ولأن كل عبادة أمكن أداؤها بيقين، لم يجز التحري فيها، وأصله: ما إذا شك: هل صلى أم لا؟ فإنه يبني على اليقين، [كذلك هنا يلزمه القران؛ لأن به يخرج عما عليه] بيقين؛ فإنه إن كان قد نواه لم تضر نيته ثانياً، وإن كان قد نوى عمرة، فإدخال الحج عليها جائز وإن كان قد نوى حجاً فإدخال العمرة عليه لا يقدح فيه، وإن كان في صحتها الخلاف السابق. والجواب عما ذكر من التحري في القبلة والثياب والآنية: [أنه أدى]

стр. 3236

العبادة ثم لا تحصل له بيقين إلا بعد فعل محظور، وهو أن يصلي إلى غير القبلة، ويتوضأ بماء غير طاهر، ويصلي في ثوب نسى؛ فلذلك جاز التحري، وفي مسألتنا يحصل الأداء بيقين من غير فعل المحظور كما تقدم. التفريع: إن قلنا بالقديم، فاجتهد، ولم يغلب على ظنه شيء -[عاد الحكم كما سنذكره تفريعاً على الجديد؛ صرح به الماوردي وغيره. وإن غلب على ظنه شيء] مضى عليه من غير نية، وأجزأه عن فرضه حتى لو غلب على ظنه القران، أجزأه عن حجة الإسلام وعمرته؛ صرح به الأصحاب. وبهذا يظهر لك أن قول الشيخ: "ويصرف إحرامه"، فيه مسامحة، ويستحب له على هذا أن يقرن كما نص عليه. وقد حكى الرافعي عن "شرح الفروع" للشيخ أبي علي: أن بعض أصحابنا قال: لا يجزئه ما غلب على ظنه أنه أحرم به من النسكين؛ لأن الأصل وجوبهما بيقين؛ فلا سقط اليقين بالشك، وتكون فائدة الاجتهاد مقصورة على الخلاص من الإحرام. وفي "النهاية" في حكاية هذا الوجه عن "شرح الفروع": أن [بعض أصحابنا] قال: إن فائدة الحكم بالاجتهاد القضاء بالتحلل والخلاص من الإحرام، فأما أن يحكم ببراءة ذمته من التسكين إذا ظن القران فلا، وكذلك لا يلزمه الدم بالظن. قال: وهذا بعيد؛ لأن الظن إن اتبع في وجه، وجب اتباعه في كل حكم. وهذا يدل على أن الخلاف مقصور [على ما] إذا غلب على ظنه القران. وإن قلنا بالجديد، فظاهر كلام الشيخ: أنه يصير قارناً بمجرد النسيان دون نية القران، وهو [ظاهر] كلام المزني في "المختصر"؛ قإنه حكاه كالشيخ، وقد حكاه الحناطى قولاً للشافعى - رض الله عنه - وأغرب فيه. والجمهور على صرف اللفظ عن ظاهره، وأنه لا يصير قارناً إلا بالية، ويدل عليه قوله في "الإملاء" و"الأم" - كما قال البندنيجي-: "عليه أن يأخذ باليقين، وهو أن

стр. 3237

يقرن"، ولفظ الشيخ في "المهذب" في حكاية نصه في "الأم": "أنه يلزمه أن يقرن"، وظاهر [هذا] اللفظ يقتضي أنه يجب عليه أن ينوي القران، وهو المفهوم من كلام الأصحاب، وبه صرح الماوردي. وفي "النهاية": أن الشافعي ﵁ لم يذكر القران على معنى أنه لا بد منه، ولكنه ذكره؛ ليستفيد الآتي [به] التحلل القطعي، وتبرأ ذمته عن النسكين؛ فإنه لو اقتصر على الإحرام بالحج بعد النسيان، وانتهى عمل الحج، فقد تحلل عما هو عليه قطعاً، وبرئت ذمته عن حجة الإسلام، ولذلك لو لم يجدد إحراماً بالحج، ولكنه أتى بأعمال الحج، فإنه يخرج - أيضاً - عن إحرامه، ويتحلل غير أنه لا تبرأ ذمته في ظاهر الحكم عن واحد من النسكين. وعلى كل حال، فإذا نوى القران وأتمه، سقط عنه حجة الإسلام بلا خلاف، وهل تسقط عنه عمرته؟ فيه قولان، ينبنيان على أن إدخال العمرة على الحج: هل يجوز أم لا؟ فإن قلنا بجوازه، سقطت [عنه أيضاً] عمرة الإسلام؛ وإن قلنا: لا يجوز، فالمذهب في "تعليق" البندنيجي وغيره: أنها لا تسقط؛ لاحتمال أن يكون إحرامه بالحج، وعن أبي إسحاق؛ أنها تسقط؛ لأن منع إدخال العمرة على الحج في حال الاختيار، أما في حال الضرورة فلا، والنسيان ضرورة. قال في "البحر" وغيره: [وهو] ضعيف.

стр. 3238

ثم إذا قلنا بسقوط العمرة [عنه]؟، وجب عليه دم القران إن كان ممن يجب عليه، وإن قلنا؛ لا تسقط، فهل يلزمه الدم؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، وهو ما ادعى في "البحر" - تبعاً للمهذب-: أنه المذهب، وبه جزم القاضي الحسين؛ لأنه يلزمه إذا صح قرانه، وهنا لم يحكم بصحة قرانه؛ فلم يلزمه دم لأجله. والثاني- وهو الصحيح في "الحاوي"، والظاهر في "الشامل"، والمختار في المرشد-: نعم؛ لأنا [إنما] لم نسقط عنه [العمرة] احتياطاً للعبادة، ومن الاحتياط إيجاب الدم عليه. أما إذا حصل النسيان بعد فعل شيء من النسك، فعلى القديم لا يختلف الحكم، وعلى الجديد ننظر: فإن كان الوقوف لا غير؛ بأن يكون لمّا أحرم توجه إلى عرفة، ولم يدخل مكة كما يفعل أهل خراسان اليوم، ثم طرأ عليه الشك وهو واقف بعرفة- فإنه ينوي القران، ويسقط عنه فرض الحج؛ لأنه إن كان معتمراً فقد أدخل الحج عليها [قبل الطواف، وهو جائز، وإن كان حاجاً أو قارنًا، فقد فعل الحج]؛ وعلى هذه الحالة يحمل قوله في "المهذب"- تبعاً لأبي حامد-: وإن نسي بعد الوقوف وقبل طواف القدوم أجزأه الحج. وأما فرض العمرة فقد أطلق الكرخى والبغوي: أنه لا يسقط. وقال القاضي أبو الطيب: إن قلنا فى الحالة السابقة: لا سقط، فكذلك هنا؛ وإن قلنا؛ [يسقط ثم، فهاهنا] وجهان ينبنيان على الوقت الذي يجوز فيه إدخال العمرة على الحج؛ فإن قلنا: يجوز إلى أن يقف بعرفة فلا يجوز فهاهنا لا يسقط؛ وإن قلنا: يجوز ما لم يشرع في التحلل، سقط عنه فرض العمرة هنا أيضاً؛ [وهذا] قد

стр. 3239

أبداه الرافعي احتمالاً. ولو طرأ عليه النسيان بعد انصرافه من الوقوف، فإن كان الوقت باقياً، نوى القران، وعاد إلى الموقف، وكان حكمه كما لو وقع النسيان وهو بعرفة. وإن كان [وقت الوقوف] قد فات، فلا يسقط عنه فرض الحج؛ لأنه يجوز أن يكون ما نسيه عمرة؛ فلا يصح إدخال الحج عليها في زمان لا يصح فيه الإحرام بالحج. وأما فرض العمرة، فإن قلنا: لا يجوز إدخال العمرة على الحج إذا وقف بعرفة - فلا يسقط فرضها؛ وإن قلنا: يجوز ما لم يرم جمرة العقبة - سقط عنه فرضها. وإن كان لما أحرم توجه إلى مكة قبل الوقوف، وطاف طواف القدوم، ثم طرأ عليه الشك - لم يسقط [عنه] فرض الحج؛ لأنه يجوز أن يكون ما نسيه عمرة، والطواف منصرف إلى طوافها، ولا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الطواف. وأما فرض العمرة، فإن قلنا: لا يجوز إدخالها على الحج، فلا يسقط [أيضاً] وإن قلنا: يجوز - أما في حال الاختيار أو في هذه الحالة؛ كما قاله أبو إسحاق - سقط؛ كذا قاله القاضي أبو الطيب وغيره، وهو منه بناء على أن طواف القدوم في الحج لا يمنع إدخال العمرة عليه، أما إذا قلنا: [إنه] يمنع - كما اختاره البغوي وغيره - فلا يسقط؛ صرح به القاضي الحسين؛ ولذلك قال ابن الحداد - كما حكاه ابن التلمساني -: إنه لا تجزئه العمرة يكل حال على القولين جميعاً؛ لأن [من] مذهبه - كما تقدم - أن طواف القدوم يمنع إدخال العمرة على الحج. وقال الشيخ أبو علي: إنه الصحيح، وهو الذي ذهب إليه أبو حامد في "التعليق". نعم، قال ابن الحداد: [له] في هذه الحالة أن يصلي ركعتي الطواف، ويسعى، ويحلق، ثم يحرم بالحج، ويهريق دماً لحلاقه قبل أوانه، أو لتمتعه، وقد تم حجه. وقال أبو زيد؛ كما قال القاضى الحسين وصاحب "التقريب"، والأكثرون؛ كما قال الرافعي-: لا يفتى له بما قاله ابن الحداد؛ لجواز أنه محرم إلحج؛ فيصير

стр. 3240

بالحلاق جارحاً لإحرامه، ولا يطلق للإنسان جرح الإحرام، لكنه لو أقدم على الحلاق، وأحرم بالحج، فالحكم فيه كما قاله ابن الحداد، وعلى [هذا] ينطبق قول الإمام: إن كافة الأصحاب نقموا على ابن الحداد ما قاله. وقد جعله في "الوسيط" الأظهر، ووجهه بأن هذا الضرر أعظم من أذى الشعر؛ إذ يؤدي إلى فوات الحج لو لم يفعل ذلك. وقال في "المهذب" - تبعاً للبندنيجي -: إذا أراد أن يجزئه الحج، طاف، وسعى لعمرته، وحلق، ثم يحرم بالحج، ويجزئه. قال العمراني: قال الشيخ الإمام: ينبغي [عندي] أن يقال: يكفيه السعي، ولا يحتاج إلى إعادة الطواف؛ لأنه طاف، وليس من شرط السعي أن يكون بعقب الطواف، بل يجوز التفريق بينهما بسنة وأكثر. وهذا [عين قول ابن الحداد]. وقد فرض القاضي أيو الطيب الكلام في المسألة فيما إذا طرأ النسيان بعد طواف القدوم والسعي والحلاق، ولم يكن فعل بعد الإحرام سوى ذلك، وقال: إنه ينوي القران، ويأتي بأفعاله، ويسقط عنه فرض الحج؛ لأنه إن كان الذي نسيه عمرة فقد أتى بأفعالها، واستأنف الحج؛ فيكون متمتعاً، وإن كان حاجاً فقد حلق في الحج؛ وإن كان قارناً فقد أتى بالحج، وحلق في إحرامه، فالحج ساقط؛ وكذا العمرة إن قلنا: يجوز إدخال العمرة على الحج، وإلا فلا، وهل يجب عليه دم أو دمان؟ فيه وجهان: أحدهما: دمان؛ احتياطاً للفرض. والثاني: دم واحد، وهو الصحيح في "البحر"؛ لأن المنسي إن كان عمرة، فهو متمتع؛ فيلزمه دم واحد، وإن كان حجاً؛ فقد حلق؛ فيلزمه دم الحلاق. قلت: ودم القران إن قلنا: يجوز إدخال العمرة على الحج. وإن كان قراناً؛ فيلزمه دم القران، ودم الحلاق، غير أن المتيقن دم واحد؛ فلم

стр. 3241

يلزمه غيره، وهذا ما قال البندنيجي: إنه المذهب، وبه جزم الإمام، فعلى هذا إن كان المنعرج: الدم، فينوي به الفداء أو الواجب عليه، ولا يضره الجهل بالتعيين: أنه عن تمتع أو قران أو حلاق؛ كما نقول في الكفارات. وإن كان بالصوم، فصوم التمتع عشرة أيام، وصوم الحلق ثلاثة، فإن صام العشرة مع التفريق، برئ، ولا يضر عدم التعيين في نية الصوم، وإن صام ثلاثة أيام، قال الشيخ أبو علي؛ لا يجزئه، وكذا لو أطعم ثلاثة آصع لستة مساكين؛ لاحتمال اشتغال ذمته بدم التمتع أو بدله، وقد تيقنا وجوب الكفارة، ولم نتحقق البراءة؛ فإن الإطعام لا مدخل له في التمتع. وقال الإمام: يحتمل أن يجزئه الثلاثة والإطعام؛ لأن الأصل براءة الذمة، والسبعة مترددة يين الثبوت والسقوط، فكيف نوجبها وقد تقرر فى المذهب: أن من خرج منه بلل احتمل أن يكون منيًّا ومذيًا: أنه يقتصر على الوضوء للشك؛ أخذاً بالأقل حتى قال قائلون: لو توضأ منكساً في هذه الصورة، أجزأه؟! وقد أقام في "الوسيط" هذا الاحتمال في إجزاء صيام الثلاثة وجهاً، وأثبت في المسألة وجهين؛ وهذا إذا كان الشاك من أهل التمتع والقران، وإلا فلا دم عليه لذلك، ودم الحلاق لا يجب بالشك، والاحتياط أن يريق الدم؛ لاحتمال الوجوب. تنبيه: كلام الشيخ يفهم أن محل القولين في مسألة الكتاب إذا شك؛ هل أحرم بحج أم عمرة؟ فإنه قال: "والثاني: يتحرى، ويصرف إحرامه إلى ما يغلب على ظنه منهما"، وهو ما حكاه الماوردي عن البصريين، وأنهم قالوا: إذا وقع الشك في أنه حج أو عمرة أو قران، تعين [القول] الأول جزماً. وحكي عن البغداديين إجراؤهما في الصورتين، وهو الذي حكاه الجمهور. وعن الشيخ أبي علي: نفي الخلاف في جواز التحري، وحمل النص الجديد على ما إذا شك، فلم يدر أنه أحرم بأحد النسكين، أو قرن؛ وبهذا يحمل في المسألة ثلاث طرق. قال: ولا يستحب أن يذكر ما أحرم به في التلبية، أي: إذا قلنا: إن التعيين أفضل؛

стр. 3242

كما قاله ابن الصباغ؛ لما روي عن جابر قال: "لم يسم رسول الله ﷺ [نسكاً] أحرم به قط، لا حجًّا ولا عمرة". وروي أن ابن عمر سمع رجلاً يقول: "لبيك بحجة وعمرة"، فضرب بيده على صدره، وقال: "إنه يعلم ما في نفسك". وروي أنه قال: أتلبون له بما في قلوبكم؟! إنما هي نية أحدكم. ولأن إخفاء العبادة أولى؛ وهذا ما نص عليه فى عامة كتبه؛ كما قاله البندنيجى وابن الصباغ، [ثم] قال: ومن أصحابنا من قال: الأفضل أن يذكره. والقاضى أبو الطيب والماوردي والفورانى حكوه قولاً ثانياً فى المسألة، ووجهوه بما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال وهو بالعقيق: "أتانى الليلة آت من ريى، فقال: صل في هذا الموضع المبارك، وقل: عمرة في حجة". وروى مسلم عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ أهلَّ بهما جميعاً: "لبيك عمرة وحجًّا".

стр. 3243

ولأن ذكر النسك فى التلبية يمهد النية؛ فاستحب لذلك، وما ذكر من [أن] إخفاء العبادة أولى، فهذا قد أظهرها بالتلبية؛ فلا معنى للإخفاء بعد ذلك. قال: والتلبية: أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك [لا شريك لك لبيك]، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك؛ لما روى البخاري ومسلم وغيرهما عن [عبد الله] بن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل فقال: "لبيك اللهم لبيك ... " إلى آخره. قال الأصحاب: ويستحب أن يأتي بالتلبية نسقاً لا يتخللها كلام، وإن سلم عليه رد السلام؛ لأنها سنة والرد فرض. ويستحب أن يقف وقفة لطيفة عند قوله: "والملك"، ثم يقول: "لا شريك لك"، ويستحب ألا يزيد على هذه الكلمات، ولا ينقص منها. قال الشافعي ﵁: "واختار أن يفرد تلبية رسول الله ﷺ ، لا يقصر عنها، ولا يجاوزها؛ لما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه سمع بعض بني أخيه، وهو يلبي: يا ذا المعارج، فقال سعد: إنه لذو المعارج، وما هكذا كنا نلبي على عهد

стр. 3244

رسول الله ﷺ . والفرق بينها وبين تكبيرات العيد؛ حيث استحب الزيادة فيها: أن تكبيرات يوم العيد لم يشرع فيها التكرار، فشرعت فيها الزيادة؛ لإكثار الذكر، وأما التلبية فقد شرع فيها التكرار؛ فاستغني به عن ضم الزيادة. ثم لو زاد على ذلك لم يكن مكروهاً على المشهور؛ فإن الشافعي ﵁ – قال: لا يضيق أن يزيد عليها؛ لما روى البخاري و [مسلم] في تتمة الحديث [الأول]. قالوا: وكان عبد الله يرفع مع هذا: "لبيك لبيك، لبيك وسعديك، والخير [كله] بيديك، لبيك والرغباء إليك والعمل". وروى أبو داود وابن ماجه عن جابر قال: أهل رسول الله ﷺ ، فذكر التلبية بمثل حديث ابن عمر، قال: والناس يزيدون "ذا المعارج" ونحوه من الكلام، والنبي ﷺ يسمع، فلا يقول لهم شيئاً. وقد حكى الشيخ أبو حامد: أن أهل [العراق] ذكروا عن الشافعي ﵁ أنه تكره الزيادة على ذلك، وغلطوا فيه؛ فإن المنقول عنه ما ذكرناه وهو ما أورده الفوراني. وقد استحب الشافعي ﵁ في "الأم" أن يلبي ثلاثاً. واختلف أصحابنا في تأويله على ثلاثة أوجه حكاها الماوردي:

стр. 3245

أحدها: أنه يكرر قوله: "لبيك" ثلاث مرات. والثاني: أنه يكرر قوله: "لبيك اللهم لبيك" ثلاث مرات. والثالث: أنه يكرر جميع التلبية. تنبيه: لبيك: من التلبية، وهى إجابة المنادي، والقصد [بها] هنا: إجابة إبراهيم - على نبينا وعليه السلام - التي أمر بها كما تقدم في أول الباب. وممَّ هي مشتقة؟ فيه خمسة أقوال: أظهرها- وهو قول الخليل، وثعلب-: أنها مشتقة من: ألبّ [فلان] بالمكان؛ إذا أقام فيه. ومعنى "لبيك": أنا مقيم على طاعتك. وعن الأزهري وغيره [أنه قال]: معنى "لبيك" على هذا القول: أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، والله أعلم. قلت: وهذا الاختلاف يمكن أن يكون أصله أن "لبيك" هل [هو [على]] معنى التثنية [وان كان] لا واحد له، كقولهم: حنانيك؛ فإنها تثنية لا واحد لها، [أو هو]، على معنى الإفراد؟ وفيه وجهان عند أهل اللغة نقلهما الماوردي؛ ليكون الأول مبنياً على الثاني، والثاني مبنياً على الأول، وهو المشهور، ولذلك قال بعضهم: إنها لا تستعمل إلا على لفظ التثتية، وإن أصلها: "لبَّين"، فحذفت النون للإضافة. والقول الثاني - وهو قول الفراء -: أنها مشتقة من الإجابة، ومعناها: إجابتي لك. والثالث: أنها مأخوذة من "اللب" و"اللباب" الذي هو خالص الشيء، ومعناها: الإخلاص، أي: أخلصنا لك الطاعة. والرابع: أنها مأخوذة من "لب" العقل من قولهم: "رجل لبيب"، ويكون معناه: إني منصرف إليك، وقلبي مقبل عليك.

стр. 3246

والخامس: أنها مأخوذة من المحبة من قولهم: "امرأةٌ لبَّهٌ"، إذا كانت لولدها محَّبة، ويكون معناها: محبتى لك. وكرر قوله: "لبيك"؛ للتوكيد. وقوله: "إن الحمد" روي بكسر الهمزة وفتحها، وهما وجهان مشهوران، وأشهرهما: الكسر؛ قاله الأزهري وغيره، وهو على الاستئناف، والفتح للتعليل. وقال ثعلب: من كسر فقد عمم، ومن فتح فقد خص. وحكم التلبية بغير العربية حكم التسبيحات في الصلاة. قال: ويرفع صوته بالتلبية؛ لرواية الشافعي ﵁ أنه ﵇ قال: "أتاني جبريل، فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصوأنهم بالإهلال"، وقد أخرجه الترمذي، وقال: إنه حسن صحيح. وقد روي أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا [لا] يبلغون الروحاء حتى تُبَحَّ حلوقم من التلبية.

стр. 3247

ولأن معناها معنى الأذان، الذي لا يسمعه شيء إلا شهد له، وقد جاء عنه ﵇ أنه [قال]: "ما أهلَّ مهلٌّ قط إلا بشر، [ولا كبر مكبر قط إلا بشر"]، قيل يا رسول الله، بالجنة؟ قال: "نعم". ثم حد الرفع: أن يتتهي إلى حد لو زاد عليه، انقطع صوته؛ لما روي عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، وكنا إذا علونا كبرنا، فقال – ﵇: "اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، ولكن تدعون سميعاً بصيراً" أخرجه البخاري.

стр. 3248

ومعنى اربعوا: كفوا. قال: والمرأة تخفض صوتها؛ خشية من الافتتان به؛ ولهذا شرع التسبيح في الصلاة للرجال، والتصفيق للنساء. قال القاضي الحسين: ويشرع لها: أن تقيم ولا تؤذن، ولا تجهر بالقراءة؛ وهذا - كما قال أبو الطيب - على وجه الاستحباب، فلو رفعته، كره لها كراهة تنزيه لا تحريم؛ فإن صوتها ليس بعورة. ووافقه على ذلك البندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين وغيره. [وفي "الرافعي"] وجه أنه عورة. ولا فرق في استحباب التلبية لها بين أن تكون طاهراً أو [حائضاً أو نفساء، كما أنه لا فرق في الرجل بين أن يكون طاهراً أو] جنباً. قال: ويستحب أن يكثر من التلبية؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال ابن عمر: فرض الحج: التلبية. وروى الشافعي بإسناده: أن رسول الله ﷺ كان يلبي راكباً وماشياً، وقائماً وقاعداً ومضطجعاً. وروي أن سعيد بن جبير كان يوقظ الناس في المسجد الحرام، ويقول لهم: لبوا؛ فإني سمعت ابن عباس يقول: "التلبية زينة الحج". قال: ويستحب ذلك في المساجد، أي: أكثر من غيرها - وإن كان رفع الصوت

стр. 3249

منهي عنه فيها؛ كما جاء في الخبر: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، ورفع أصواتكم"- لعموم الأخبار مع أنه ذكر هو شعار العبادة؛ فكان مستحباً في المساجد؛ كالقراءة والأذان. وعن القديم إثارة إلى أنه لا يلي إلا في [ثلاثة مساجد]: المسجد الحرام بمكة، ومسجد الخيف بمنى، ومسجد إبراهيم بعرفات؛ لاختصاص المناسك بهذه المساجد؛ فاختص استحباب التلبية بها. وفي الحاوي ما يقتضي حكاية هذا القول على غير هذا النحو؛ فإنه قال: كره الشافعي ﵁ رفع الصوت بالتلبية في القديم فيما عدا المساجد الثلاثة؛ لأنه يؤذي به المصلين والمرابطين، ثم رجع عن هذا في الجديد، واستحب رفع الصوت في كل مسجد؛ لأنه ذكر لله تعالى، [فكانت المساجد] أولى البقاع به؛ لقوله ﵇: "إنما بنيت المساجد؛ لذكر الله والصلاة". قال الإمام: وإذا قلنا بكراهية رفع الصوت بها فيما عدا المساجد الثلاثة، فهل نعدِّيه [إلى المساجد] الثلاثة؟ فيه وجهان. قال: وإقبال الليل والنهار، وعند اجتماع الرفاق، أي: وكذا عند الصعود والهبوط، وخلف الصلوات من فرض ونفل، لأن السلف كانوا يستحبون التلبية في هذه الأحوال، وفي الأسحار. قال البندنيجي: وإذا لبى دبر الصلاة، لبى ثلاثاً؛ كما يكبر في أيام التشريق ثلاثاً نسقاً. قال: وإذا رأى شيئاً يعجبه، قال: "لبيك إن العيش عيش الآخرة"، أي: وكذا إذا دهمه ما يكرهه. قال الشافعي ﵁: لأنه ﵇ قالها في أسرَّ حاله، وفي أشد حاله: [فأما أسرُّ حاله]، فحين وقف بعرفة عام الوداع، ورأى جمع المسلمين؛ فسرَّه

стр. 3250

ذلك المنظر، واستبشر، وقال: "لبيك إن العيش عيش الآخرة". وروي أنه ﵇ أحرم بذى الحليفة وهو على ناقة عليها قطيفة لا تساوي درهمين، ورأى أصحابه يتتظرون أمره ونهيه؛ فتضاءل حتى توارى براحلته تواضعاً لربه، وقال: "لبيك إن العيش عيش الآخرة". وأما أشد [حاله، فما] روي أنه ﵇ وأصحابه كانوا يحفرون الخندق، وقد نهكت أبدانهم، واصفرت ألوانهم، فقال ﵇: [اللهم] إن العيش عيش الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة"؛ فأجابوه: "نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبدا". ومعنى قوله: "إن العيش عيش الآخرة": أن الحياة المطلوبة الهنيئة الدائمة هى حياة الدار الآخرة. قال: وإذا لبّى، صلَّى على رسول الله ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، أي: لا أذكر إلا وتذكر معي. قال: وسأل الله - تعالى - ما أحب، [أى] من أمر الدين والدنيا؛ لما روى خزيمة بن ثابت: "أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من تلبيته في حج أو عمرة، سأل

стр. 3251

الله - تعالى - رضوانه والجنة، واستعاذ برحمته من النار". [قال في "الأم": وهذا أعظم ما يسأل". ثم يسأل الله تعالى بعد هذا ما أحب]. قال الإمام: ويكون هذا وكذا الصلاة على رسول الله ﷺ بصوت خفيض؛ بحيث يتميز عن التلبية. قال: ولا يلبي في الطواف؛ لأن له ذكراً يختص به؛ فكان الاشتغال به أولى. قال سفيان: ما رأيت أحداً يلبى وهو يطوف إلا عطاء بن السائب! قال القاضي أبو الطيب: وهذا حكاه سفيان على سيل النكرة؛ لمخالفة عطاء الإجماع، ولذا [كان] لا يليى في السعي؛ لأن له ذاكراً يخصه. وحكى البندنيجي عن القديم قولاً: أنه يلبي في الطواف والسعي، ويخفض صوته قدر ما يسمع نفسه، قال: وهذا في طواف القدوم؛ فإنه لا تلبية بعد جمرة العقبة. وقد عكس القاضي الحسين هذه الحكاية، فقال: الجديد: أنه يلبي فيهما، والقديم [أنه] لا يلبي، والمشهور: الأول. وقال الإمام: إن اختلاف القول في ذلك يقرب من اختلاف القول في أنا هل نستحب للمصلي أن يجيب المؤذن فى الصلاة؟ قال: وإذا أحرم، حرم عليه لبس المنعيط في جمع بدنه، أي: المعمول على

стр. 3252

قدره على الهيئة المألوفة فيه؛ لما روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ : ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله ﷺ : "لا تلبسوا القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحد لا يجد النعلين، فليلبس الخفين وليقطعهما من أسفل الكعبن، ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس". وقد جاء في رواية غيره أنه قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يلبس المحرم القميص والأقبية"، فنص على منع القميص والقباء، ونبه على الجبة والدراعة، ونص على السراويل، ونبه [به] على التبان. والمنسوج على هيئة المحيط والملزوق والملّبَّد في معنى المنعيط. ولا فرق في ذلك بين المتخذ من خرق أو ورق أو جلد [أو حديد]، كالدرع؛

стр. 3253

كما قاله أبو الطيب وغيره. والعفو في معنى الكل؛ إذا كان الملبوس معتاداً: كالقفازين، أما إذا لم يكن معتاداًَ: كما إذا اتخذ للحيته خريطة، وجعلها فيها، فقد قال القفال: إن الفدية تلزمه. وحكى غيره نصاً: ألا فدية عليه؛ كما لو لف عليها خرقة؛ كذا حكاه القاضي الحسين قبيل باب ما يجتنبه المحرم. وفي "الرافعي": أن الذي أجاب به الأكثرون: الأول. ولو اتخذ لساعده أو لعضو آخر شيئاً مخيطاً، فقد تردد فيه جواب الشيخ أبي محمد. قال الإمام: وهو لعمري محتمل؛ فإن التكشف ليس واجباً في غير عضو الإحرام، وإن القاعدة المعتبرة اجتناب زي مخصوص، وذلك يختص بالملابس المعتادة، والخريطة ليست لبساً على الزي المنعصوص. [وقال الرافعي: إن الذي أجاب به الأكثرون: التحريم]. وفي "الحاوي": أنه إذا لبس القباء، ينظر: فإن كان من أقيية أهل خراسان، ضيق الأكمام، قصير الأذيال- وجبت الفدية، أخرج [يده من]، كمه أو لم يخرج؛ لأنه يلبس هكذا. وإن كان من أقيية أهل العراق طويل الذيل، واسع الأكمام - لم تجب الفدية، إلا إذا أخرج يده من كمه؛ لأنه لا يحفظ نفسه؛ فكان كالرداء والإزار. والذي حكاه في "البحر" عن نصه في "الأم"، وهوالذي أورده العراقيون والغزالي وغيرهم-: وجوب الفدية؛ إذا أدخل كفيه فيه، سواء أخرج [يده من كمه] أو لا. وأما [إذا أراد لبس شيء مما ذكرناه على هيئة لم تؤلف؛ كما] إذا أراد أن يأتزر يقميص أو سراويل، فإنه يجوز، وكذا لو أخذ خرقاً، وخاط بعضها إلى بعض، وجعلها

стр. 3254

شبه المئزر، أو الرداء - جاز لبسها. ولو ألقى على نفسه قباء أوفرجية، وهو مضطجع، قال الإمام؛ إن أخذ من يديه؛ بحيث إذا قام [عدَّ لابساً له]؛ فعليه الفدية، وإن كان بحيث لو قام أو قعد، لم يستمسك عليه إلا بمزيد أمر، فلا. ويجوز أن يعقد الإزار لأن فيه مصلحته، وهو ثبوته على عورته، وكذا يجوز أن يجعل له حجزة؛ ليدخل فيها تكة؛ ليشدَّه بها؛ لأنه لا يعد لابساً مخيطاً، وإنما هو استيثاق في الستر؛ كذا أورده الجمهور. وفيما وقفت عليه من "تعليق" القاضي أبي الطيب: أنه لا يجوز؛ لأنه [لا] يصير كالسراويل. وعلى المشهور يجوز من طريق الأولى شد التكة فوقه بعد الائتزار. ولا يجوز شق الإزار، وأن يجعل له ذيلين يسدهما على ساقيه؛ كما نقله في البحر وغيره عن نص الشافعي ﵁ في "الأم". وقال الإمام: إن ذلك جائز، ولا تجب الفدية به إلا إذا فرطت خياطة أو شرج أو عرى. وفي "البحر" حكاية ذلك عن بعض الأصحاب، وهو اختيار القاضي أبي الطيب في "تعليقه"، وأيده بنص الشافعي ﵁ في "الأم" على جواز لف الرداء على عاتقه لفتين وثلاثة. والذي أورده الجمهور: الأول. ولا يجوز له عقد ردائه، ولا خله بخلال أو مسلة، ولا ربط طرفه إلى طرف بخيط ونحوه، وإن جاز غرز طرفيه فى إزاره، وهو ما حكاه فى "الروضة" عن النص، وقال: إنه المذهب. وفي "النهاية": أنه لو ارتدى المحرم رداء، وعقد أحد طرفيه بالآخر، فلا بأس؛ فإن هذا مخالف للستر المعتاد، والعقد الذي جرى استيثاق التوشح، هذا بمثابة

стр. 3255

عقد الإزار، وكذا لو عقد طرف ردائه بإزاره. وهل يجوز أن يجعل [لردائه سرجاً] وعرى؟ حكى الإمام فيه عن العراقيين المنع، وعن شيخه تردداً، ثم قال: ولا شك أنه لو فرض [ذلك] على طرف من الرداء، ولم ينتظم انتظاماً قريباً من الخياطة، [فلا بأس والرجوع في ذلك إلى العقد والخياطة:] فما حل محل العقد فلا بأس [به]، وما ضاهى الخياطة ففيه التردد، والظاهر: المنع؛ لأنه نص في "الأم" على أنه لا يجوز أن يزر إزاره ولا يخيطه بشوكة؛ لأنه يصير [به] كالمنعيط. قال: فإن لم يجد إزاراً، جاز أن يلبس السراويل، [أي:] الذي لا يتأتى الائتزار به لو فتق؛ لما روي عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "السراويل لمن لا يجد الإزار، والخف لمن لا يجد النعلين"، أخرجه أبو داود [والبخاري] ومسلم بنحوه.

стр. 3256

ولا يقال: ما الفرق بينه وبين القميص؛ حيث لا يجوز لبسه إذا لم يجد رداء لإمكان ارتدائه بالقميص؟ لأنا نقول: المسألة مصورة في المحرم الذي لا يمكنه الارتداء بالسراويل لو فتق، أما إذا أمكن، فالذي أورده الجمهور: أنه لا يجوز له لبسه على هيئته. وأطلق البندنيجي القول بأنه لا يلزمه فتق الرأويل، بل يلبسه على هيئته. وفي "تعليق" القاضي الحسين: [أن] الذي حكاه ﵁: أنه إذا لبسه على هيئته، لا فدية عليه؛ لأنه مرخص بالحديث، بخلاف الخفين؛ فإنا اتبعنا في قطعهما النص. [و] الذي وجدت في كتب بعض أصحابنا: أن عليه الفدية؛ كما لو لبس الخف على هيئته عند عدم النعل، بل [فى] السراويل أولى؛ لأنه [لا يضيع و] لا ينقص [كثير من قيمته بالفتق، والخف ينقص] نقصاناً متفاحشاً بالقطع، ولا وجه للمنع في هذه المسألة وإن كان ما حكاه مذهباً؛ لتعذر الفرق بينه وبين الخف. ثم في الحالة التي يجوز فيها لبس السراويل، لا نكلفه أن يقطع من السراويل ما جاوز حد العورة، ويجوز عقده فوق السرة. وللإمام في جواز ذلك إذا حصل الاستيثاق بدونه نظر، وقال: إنه يظهر عندي

стр. 3257

تكليف رد عقده إلى حد السرة. قال: ولا فدية عليه؛ لأنه غير محظور في هذه الحالة. نعم، لو وجد بعد لبسه الإزار، فعليه خلعه، فإن لم يفعله، لزمته الفدية، نص عليه في "الأم". تنبيه: المراد بالوجدان: وجود من الإزار أو قيمته مع القدرة على شرائه، وكذا بذله [له] عارية لا هبة من أجنبي. ولو كان البذل هبة من ابنه، ففيه وجهان؛ كما في بذل النفقة في الحج؛ [قاله القاص أبو الطيب. ولو قدر على بيع السراويل، وشراء إزار به، فهل يجب؟] قال القاضي أبو الطيب: إن كان مع فعل ذلك لا تبدو عورته، وجب، وإلا لم يجب. قال: ويحرم عليه لبس الخف؛ للخبر، فإن لبسه، لزمته الفدية؛ لأنه فعل محظوراً في الإحرام؛ فأشبه الحلق. قال: فإن لم يجد نعلين، جاز أن يلبس خفين مقطوعين من أسفل الكمين، للخبر، ولا فديت عليه؛ لأنه غير محظور في هذه الحالة. نعم: لو وجد بعد لسهما كذلك نعلين، لزمه نزعهما، فإن لم يفعل، لزمته الفدية. قال في البحر وغيره: ومن أصحابنا من قال: هو بالخيار بين أن يلبس نعلين، وبين أن يستديم ذلك، ولا شيء عليه؛ لأنهما [صارا] بمنزلة النعلين؛ وهذا وجه من جوز لبسهما ابتداء كذلك مع وجود النعلين؛ لصيرورتهما كالنعلين؛ فإنه [لا] يجوز المسح عليهما. قال الأصحاب: وهو باطل بالخف المنعرق؛ فإنه لا يجوز المسح عليه، ويحرم لبسه على المحرم مع أن الخبر يرد عليه. والمداس ملحق بالخف المقطوع، فيجوز لبسه عند فقد النعلين، ولا يجوز مع وجودهما؛ على ما نص عليه في الأم؛ كما حكاه الماوردي.

стр. 3258

ومن الأصحاب من قال بالجواز وإن لم يجوز لبس الخف؛ لأن القدر المنعيط بأعلاه، للاستمساك في القدم، بخلاف الخف؛ فإنه يلبس لقصد [الستر]. واعلم أن ظاهر الحديث يدل على جواز لبس الخف عند عدم النعلين وقطعهما بعد ذلك، والأصحاب مصرحون بعدم جواز ذلك، وأجابوا عن ظاهر الخبر بأن مثل هذا جائز في اللغة؛ قال الله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، والرفع قبل الوفاة قطعاً. قال: ويحرم عليه ستر الرأس بالمخيط وغيره، أي: عن غير عذر؛ لقوله – ﵇: "لا يلبس المحرم العمائم ولا البرانس"، وقوله في المحرم الذي خرَّ من على بعيره: "ولا تخمروا رأسه؛ قإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً"، أخرجه البخاري. وقد ادعى الماوردي الإجماع على تحريم ستر الرأس. وحكم ستر الجزء منها الذي يقصد ستره لشجة أو غيرها، حكم ستر الكل. واحترزنا بقولنا: "يقصد ستره"، عما إذا شد خيطاً على رأسه؛ فإنه يجوز لأن قدر موضع الخيط لا يقصد ستره. وقد اعترض الرافعي على ذلك، وقال: إن ستر المقدار الذي يحويه وشد الخيط قد يقصد - أيضاً - لغرض منع الشعر من الانتشار وغيره، وهو ينقض الضابط

стр. 3259

المذكور؛ فالوجه: النظر إلى تسميته حاسر الرأس، ومستور جميع الرأس، أو بعضه. قلت: لعلَّ مراد الأصحاب بما يقصد ستره: لأجل الستر لا لأمر آخر، وحينئذ يندفع الاعتراض. وقال الغزالي: يحتمل أن يقال: كل ستر يلوح للناظر - أي: السليم - على بعد، فهو الممنوع. وهذا الاحتمال للإمام قبله، والله أعلم. [قال: فإن ستر لزمته الفدية؛ لأنه ارتكب محظوراً [فيه]]. تنبيه: كلام الشيخ يقتضي بمنطوقه أموراً، وبمفهومه آخر، ويحتاج إلى التنبيه على ذلك: فمن الأول قوله: "وغيره" يقتضي [تحريم] ستر الرأس بالزنبيل والعدل المحمول من مكان إلى مكان، وقد جزم في "المهذب" بجوازه، وهو اختيار القاضي أبي الطيب، والصحيح من المذهب. لكن في "الشامل": أن ابن المنذر حكى عن الشافعي ﵁ أن عليه الفدية. وقال أصحابنا: هذا لا يعرف فى شيء من كتب الشافعى. لكن أبا حامد حكى فى "التعليق": أنه نص فى بعض كتبه: أن عليه الفدية؛ كما لو طلاها بالطين، وقد عزى البندنيجى هذا القول إلى "الإملاء"، وهو منسوب في "البحر" إلى رواية القفال، وأنه اختيار [أبي سليمان] الخطابي وجماعة، فللشيخ أسوة بهم. وقد تلخص في المسألة قولان، وخصهما [فى] "الحاوي" بما إذا لم يقصد الستر، فإن قصده لزمته الفدية وجهاً واحداً.

стр. 3260

ومنه - أيضاً: [ما] إذا انغمس فى ماء حتى ستر رأسه، فقد فعل محرماً، وقد نص الأصحاب على جوازه. ومنه –أيضاً-: أنه لا يجوز [له] أن يغطي رأسه بكفيه أو يد غيره، وقد جزم الأصحاب بجواز ذلك بكف نفسه، ولا فدية عليه، وهو المذهب فى كف الغير أيضاً. وفي "الحاوي" وجه آخر: أنه لا يجوز، ويجب به الفدية. والفرق: فى جواز السجود على كف الغير، دون كف نفسه. [ومنه: تحريم الستر بالطين والحناء، وقد نص الشافعي على أنه إذا خضب رأسه بالحناء، لزمته الفدية، ولم يحك البندنيجي غيره. وكذلك أطلقه فيما إذا خضبها بالنورة. وفيه وجه: أنه لا يلزمه الفدية كالوجه في أنه لا يحمل بالطين ستر العورة. قلت: [وقائله] قد يؤول النص في الحناء، ويقول: إنما لزمته الفدية؛ لأن الحناء طيب؛ كما حكاه الفوراني قولاً عن رواية بعض الأصحاب، والصحيح: الأول. قال ابن الصباغ: قال أصحابنا: وهو محمول على ما إذا كان الخضاب بحناء يمنع النظر إلى الرأس، أما إذا كان رقيقاً فلا فدية عليه. وحكم المرهم حكم الحناء، يختلف بالثخانة والرقة. وقال ابن الصباغ: عندي أنه يجري مجرى ما لو طلى رأسه بعسل، وقد نص الشافعي في "الأم" على أنه لا فدية عليه، وكذا إذا طلاها بسدر؛ فإنه لا يجري مجرى الحناء؛ لأن الحناء له جرم، فقد يخف ويكون ساتراً، بخلاف المرهم إلا إذا كان معه قرطاس]. ومن الثاني: جواز تغطيتها بثوب تبدو البشرة من ورائه؛ لأنه لو لبس مثل هذا الثوب من يحاول الستر، لم يكن ذلك سترًا. وقال الإمام: إنه في الرأس ستر يوجب الفدية فيما يظن، وإنه لا بعد في إلحاق
следующие страницы →