Полный текст (9 685 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
ولا يقال: ما الفرق بينه وبين القميص؛ حيث لا يجوز لبسه إذا لم يجد رداء لإمكان ارتدائه بالقميص؟ لأنا نقول: المسألة مصورة في المحرم الذي لا يمكنه الارتداء بالسراويل لو فتق، أما إذا أمكن، فالذي أورده الجمهور: أنه لا يجوز له لبسه على هيئته.
وأطلق البندنيجي القول بأنه لا يلزمه فتق الرأويل، بل يلبسه على هيئته.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: [أن] الذي حكاه ﵁: أنه إذا لبسه على هيئته، لا فدية عليه؛ لأنه مرخص بالحديث، بخلاف الخفين؛ فإنا اتبعنا في قطعهما النص.
[و] الذي وجدت في كتب بعض أصحابنا: أن عليه الفدية؛ كما لو لبس الخف على هيئته عند عدم النعل، بل [فى] السراويل أولى؛ لأنه [لا يضيع و] لا ينقص [كثير من قيمته بالفتق، والخف ينقص] نقصاناً متفاحشاً بالقطع، ولا وجه للمنع في هذه المسألة وإن كان ما حكاه مذهباً؛ لتعذر الفرق بينه وبين الخف.
ثم في الحالة التي يجوز فيها لبس السراويل، لا نكلفه أن يقطع من السراويل ما جاوز حد العورة، ويجوز عقده فوق السرة.
وللإمام في جواز ذلك إذا حصل الاستيثاق بدونه نظر، وقال: إنه يظهر عندي
стр. 3257
تكليف رد عقده إلى حد السرة.
قال: ولا فدية عليه؛ لأنه غير محظور في هذه الحالة. نعم، لو وجد بعد لبسه الإزار، فعليه خلعه، فإن لم يفعله، لزمته الفدية، نص عليه في "الأم".
تنبيه: المراد بالوجدان: وجود من الإزار أو قيمته مع القدرة على شرائه، وكذا بذله [له] عارية لا هبة من أجنبي.
ولو كان البذل هبة من ابنه، ففيه وجهان؛ كما في بذل النفقة في الحج؛ [قاله القاص أبو الطيب.
ولو قدر على بيع السراويل، وشراء إزار به، فهل يجب؟] قال القاضي أبو الطيب: إن كان مع فعل ذلك لا تبدو عورته، وجب، وإلا لم يجب.
قال: ويحرم عليه لبس الخف؛ للخبر، فإن لبسه، لزمته الفدية؛ لأنه فعل محظوراً في الإحرام؛ فأشبه الحلق.
قال: فإن لم يجد نعلين، جاز أن يلبس خفين مقطوعين من أسفل الكمين، للخبر، ولا فديت عليه؛ لأنه غير محظور في هذه الحالة.
نعم: لو وجد بعد لسهما كذلك نعلين، لزمه نزعهما، فإن لم يفعل، لزمته الفدية.
قال في البحر وغيره: ومن أصحابنا من قال: هو بالخيار بين أن يلبس نعلين، وبين أن يستديم ذلك، ولا شيء عليه؛ لأنهما [صارا] بمنزلة النعلين؛ وهذا وجه من جوز لبسهما ابتداء كذلك مع وجود النعلين؛ لصيرورتهما كالنعلين؛ فإنه [لا] يجوز المسح عليهما.
قال الأصحاب: وهو باطل بالخف المنعرق؛ فإنه لا يجوز المسح عليه، ويحرم لبسه على المحرم مع أن الخبر يرد عليه.
والمداس ملحق بالخف المقطوع، فيجوز لبسه عند فقد النعلين، ولا يجوز مع وجودهما؛ على ما نص عليه في الأم؛ كما حكاه الماوردي.
стр. 3258
ومن الأصحاب من قال بالجواز وإن لم يجوز لبس الخف؛ لأن القدر المنعيط بأعلاه، للاستمساك في القدم، بخلاف الخف؛ فإنه يلبس لقصد [الستر].
واعلم أن ظاهر الحديث يدل على جواز لبس الخف عند عدم النعلين وقطعهما بعد ذلك، والأصحاب مصرحون بعدم جواز ذلك، وأجابوا عن ظاهر الخبر بأن مثل هذا جائز في اللغة؛ قال الله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، والرفع قبل الوفاة قطعاً.
قال: ويحرم عليه ستر الرأس بالمخيط وغيره، أي: عن غير عذر؛ لقوله – ﵇: "لا يلبس المحرم العمائم ولا البرانس"، وقوله في المحرم الذي خرَّ من على بعيره: "ولا تخمروا رأسه؛ قإن الله يبعثه يوم القيامة ملبياً"، أخرجه البخاري.
وقد ادعى الماوردي الإجماع على تحريم ستر الرأس.
وحكم ستر الجزء منها الذي يقصد ستره لشجة أو غيرها، حكم ستر الكل.
واحترزنا بقولنا: "يقصد ستره"، عما إذا شد خيطاً على رأسه؛ فإنه يجوز لأن قدر موضع الخيط لا يقصد ستره.
وقد اعترض الرافعي على ذلك، وقال: إن ستر المقدار الذي يحويه وشد الخيط قد يقصد - أيضاً - لغرض منع الشعر من الانتشار وغيره، وهو ينقض الضابط
стр. 3259
المذكور؛ فالوجه: النظر إلى تسميته حاسر الرأس، ومستور جميع الرأس، أو بعضه.
قلت: لعلَّ مراد الأصحاب بما يقصد ستره: لأجل الستر لا لأمر آخر، وحينئذ يندفع الاعتراض.
وقال الغزالي: يحتمل أن يقال: كل ستر يلوح للناظر - أي: السليم - على بعد، فهو الممنوع. وهذا الاحتمال للإمام قبله، والله أعلم.
[قال: فإن ستر لزمته الفدية؛ لأنه ارتكب محظوراً [فيه]].
تنبيه: كلام الشيخ يقتضي بمنطوقه أموراً، وبمفهومه آخر، ويحتاج إلى التنبيه على ذلك:
فمن الأول قوله: "وغيره" يقتضي [تحريم] ستر الرأس بالزنبيل والعدل المحمول من مكان إلى مكان، وقد جزم في "المهذب" بجوازه، وهو اختيار القاضي أبي الطيب، والصحيح من المذهب.
لكن في "الشامل": أن ابن المنذر حكى عن الشافعي ﵁ أن عليه الفدية.
وقال أصحابنا: هذا لا يعرف فى شيء من كتب الشافعى.
لكن أبا حامد حكى فى "التعليق": أنه نص فى بعض كتبه: أن عليه الفدية؛ كما لو طلاها بالطين، وقد عزى البندنيجى هذا القول إلى "الإملاء"، وهو منسوب في "البحر" إلى رواية القفال، وأنه اختيار [أبي سليمان] الخطابي وجماعة، فللشيخ أسوة بهم.
وقد تلخص في المسألة قولان، وخصهما [فى] "الحاوي" بما إذا لم يقصد الستر، فإن قصده لزمته الفدية وجهاً واحداً.
стр. 3260
ومنه - أيضاً: [ما] إذا انغمس فى ماء حتى ستر رأسه، فقد فعل محرماً، وقد نص الأصحاب على جوازه.
ومنه –أيضاً-: أنه لا يجوز [له] أن يغطي رأسه بكفيه أو يد غيره، وقد جزم الأصحاب بجواز ذلك بكف نفسه، ولا فدية عليه، وهو المذهب فى كف الغير أيضاً.
وفي "الحاوي" وجه آخر: أنه لا يجوز، ويجب به الفدية.
والفرق: فى جواز السجود على كف الغير، دون كف نفسه.
[ومنه: تحريم الستر بالطين والحناء، وقد نص الشافعي على أنه إذا خضب رأسه بالحناء، لزمته الفدية، ولم يحك البندنيجي غيره.
وكذلك أطلقه فيما إذا خضبها بالنورة.
وفيه وجه: أنه لا يلزمه الفدية كالوجه في أنه لا يحمل بالطين ستر العورة.
قلت: [وقائله] قد يؤول النص في الحناء، ويقول: إنما لزمته الفدية؛ لأن الحناء طيب؛ كما حكاه الفوراني قولاً عن رواية بعض الأصحاب، والصحيح: الأول.
قال ابن الصباغ: قال أصحابنا: وهو محمول على ما إذا كان الخضاب بحناء يمنع النظر إلى الرأس، أما إذا كان رقيقاً فلا فدية عليه.
وحكم المرهم حكم الحناء، يختلف بالثخانة والرقة.
وقال ابن الصباغ: عندي أنه يجري مجرى ما لو طلى رأسه بعسل، وقد نص الشافعي في "الأم" على أنه لا فدية عليه، وكذا إذا طلاها بسدر؛ فإنه لا يجري مجرى الحناء؛ لأن الحناء له جرم، فقد يخف ويكون ساتراً، بخلاف المرهم إلا إذا كان معه قرطاس].
ومن الثاني: جواز تغطيتها بثوب تبدو البشرة من ورائه؛ لأنه لو لبس مثل هذا الثوب من يحاول الستر، لم يكن ذلك سترًا.
وقال الإمام: إنه في الرأس ستر يوجب الفدية فيما يظن، وإنه لا بعد في إلحاق
стр. 3261
ذلك [بوضع الزنبيل]، والأوجه: الأول.
ومنه: جواز ستر الوجه؛ كما نص عليه الأصحاب؛ لأنه ليس من الرأس، لكنه يخرج البياض الذي وراء الأذن من وجوب الفدية بستره.
وقد حكى في "الروضة" عن الروياني وغيره: أنه تجب الفدية يتغطيته، وقال: إنه ظاهر.
ومنه: جواز الاستظلال بالظلالة، والسفيفة، والخيمة، والمحمل، والمجن المرفوع، والعمامة المكورة إذا توسدها؛ كما صرج بذلك الأصحاب؛ لأن ذلك لا يُعد ستراً، وقد دل على جوازه الخبر.
لكن صاحب "التتمة" خص ذلك بما إذا لم تمس المظلة والمحمل رأسه، أما إذا مسه، فتلزمه الفدية.
قال الرافعي: ولم أر هذا لغيره، وإن لم يكن بد منه فليلحق بالزنييل.
قال: ويحرم عليه الطيب، أي: استعمال الطيب في [بدنه وثيابه].
أما في الثياب؛ فللخبر السابق؛ فإنه نص فيه على منع الورس والزعفران، ونبه بهما على منع الكافور والمسك وغيرهما.
وأما في البدن؛ فبالقياس على الثياب من طريق الأولى.
ولأن الإحرام عبادة تحرم النكاح؛ فجاز أن تحرم الطيب؛ كالعدة.
وقد ادعى الماوردي الإجماع على حرمة استعمال الطيب على المحرم.
ولا فرق في ذلك بين تبخير الثياب والبدن [به]، أو تلطيخ ذلك به، وكذا صبغ الثوب وغسله، ولا بين الأخشم وغيره؛ كما قاله في "الإبانة"، ولا بين الرجل والمرأة؛ لقول ابن عمر: نهى رسول الله ﷺ النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مس الورس من الثياب.
стр. 3262
والنعل في هذا المعنى كالثوب؛ حتى إذا وطئ به طيباً قصداً، أو من غير قصد، واستدامه - لزمته الفدية.
أما إذا لم يستعمل الطيب، بل طيبه غيره، فقد حكى الغزالي عن الأصحاب: أن على الفاعل الفدية.
قلت: ويظهر أن يجيء في كون المطيب طريقاً للضمان، الخلاف الآتي في الحلق،
стр. 3263
ويظهر ألا يجيء.
والفرق: أن من قال إن المحلوق يكون طريقاً، جعل الشعر في يده كالمستعار، ولا كذلك في التطيب.
لكن قد حكى النواوي وغيره: أن الولي إذا طيب الصبي لا لحاجة، فالفدية عليه، وكذا لو طيبه أجنبي، وهل يكون الصبي طريقاً؟ فيه وجهان، أصحهما: لا، وهذا يؤيد الاحتمال [الأول]، ويلغي الفرق.
ثم ما ذكرناه في الثوب المطيب إذا ابتدأ لبسه بعد الإحرام سواء طيبه بعده أو قبله، فإن طيبه قبل الإحرام، ولبسه، [ثم نزعه بعد الإحرام]- فهل يحرم عليه لبسه ثانياً؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين، وقد تقدم ذكرهما، والمشهور: المنع.
فروع:
[أحدها:] إذا طيب أرضاً، أو فرشاً، وجلس عليه، ملاقياً له بثوبه أو بدنه - لزمته الفدية، سواء كان رطباً أم يابساً ينقص بالاستعمال أم لا.
وفي "الحاوي": أنه إذا فرش الثوب المطيب، ونام عليه؛ إن أفضى بجلده إليه افتدى، وإن لم يفض بجلده إليه، وكان بينه وبينه ثوب [آخر] فلا فدية عليه؛ لأنه ليس بلابس ولا متطيب، وإنما هو مجاور للطيب.
والمشهور: الأول. نعم، لو فرش عليه ثوباً ساتراً، وكان صفيقاً يمنع العين والريح- لم يضر، وإن كان خفيفاً لا يمنعهما، فوجود الثوب كعدمه لأن منع العين دون الريح، كره، ولا فدية عليه؛ قاله البندنيجي وغيره.
[الثاني:] إذا مس طيباً، فعبقت به رائحته دون عينه؛ ففي إيجاب الفدية عليه قولان في "المهذب" وغيره، أحدهما: نعم؛ كما لو عبق من غباره شيء يبدنه.
[الثالث:] إذا حمل المسك والعيب في خرقة مشدودة، أو كيس [أو فأرة]
стр. 3264
أو [قارورة] مصمتة الرأس، أو الورد فى ظرف - لا تجب عليه الفدية؛ نص عليه في "الأم".
وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنها تجب؛ لاستمتاعه برائحته إذا شمه في خرقة.
وفي غيره [تخصيص هذا الوجه] بما إذا كان يشم ذلك قصداً.
ولو حمل المسك فى فأرة غير مشقوقة، ففى الفدية وجهان:
أصحهما- وبه قال الشيخ أبو حامد، ولم يورد في "المهذب" غيره-: لا.
والأصح عند صاحب "العدة": نعم.
وهما - كما قال القاضي الحسين - فيما إذا لم يقصد حملها للنقل من مكان إلى مكان؛ فلو قصده فلا فدية.
قال: ويحرم عليه شم الأدهان المطيبة، أي: كدهن الورد، والزنبق، والبان المنشوش - وهو المعلى بالمسك ونحوه - بالقياس على المنصوص عليه.
وقد أطلق الإمام الحكاية عن الشافعي ﵁: أن البان ودهنه ليس بطيب.
وعن يعفى المصنفين أنه يعتبر عادة كل ناحية في طيبها، وقال: إنه فاسد؛ فإنه يشوش القواعد.
وقال الغزالي: إنه غير بعيد.
والأكثرون أطلقوا القول بأنه طيب، والتقييد الذي ذكرناه صرح به المصنف والبغوي والماوردي، وقالوا: غير المغلي بمسك ليس يطيب.
قال الرافعى: ويشبه أن يكون من أطلق القول بأنه ليس بطيب مراده: غير المنشوش، ومن أطلق القول بأنه طيب، أرادت المنشوش.
قلت: لكن كلام القاضي [الحسين ينفي هذا الحمل]؛ فإنه قال: البان يحرم على المحرم استعماله، سواء شمه أو اتخذ منه الدهن واستعمله، أو عصر ماءه واستعمله.
стр. 3265
قال: وأكل ما فيه طيب ظاهر؛ لأنه مستعمل للطيب، والظهور يحصل جزماً إذا ظهر في طعمه ولونه وريحه، وكذا لو ظهر في ريحه لا غير بلا خلاف.
ولو لم يظهر فيه إلا اللون فقط، مثل: أن صبغ اللسان إذا استعمل، فقد قال في "المختصر الأوسط" من الحج: "إنه لا يجوز"، [وقال في القديم و"الإملاء" و"الأم":
стр. 3266
"يجوز"، واختلف الأصحاب في ذلك على طريقين:
إحداهما- وبها قال أبو إسحاق-: أنه يجوز] قولاً واحداً، وحمل نصه في "المختصر" على ما إذا كانت له رائحة.
والثانية- قالها أبو العباس وأبو الطيب بن سلمة-: إجراء النصين على ظاهرهما، وحكاية قولين في المسألة.
والأصح في "المهذب" و"الحاوي" و"الإبانة": الجواز؛ لأن الطيب بالطعم والرائحة.
ووجهه الماوردي: أن رائحة الطيب لو زالت من الثوب، وبقي لونه - لم تجب الفدية بلبسه؛ فكذلك المطعوم، وهذا يدل على أنه متفق عليه في الثوب.
وقال الغزالي: إنه ينبني على القولين: ما إذا بقي جرم الطيب [على الثوب] دون رائحته إذا لم تفح رائحته إذا أصابه ماء. نعم، لو فاحت فهي غير ذاهبة، بل كامنة.
وإن عليهما ينبني – أيضاً- ما إذا مزج ماء الورد بالماء حتى سقطت رائحته.
ولو لم يظهر إلا الطعم فقط، فقد حكى البندنيجي في التحريم ثلاث طرق:
إحداها: يحرم، وتجب الفدية قولاً واحداً، وهي التي حكاها الماوردي والفوراني وغيرهما.
والثانية: لا يحرم قولاً واحداً.
والثالثة: إجراء القولين فيها.
وقال القاضي الحسين: الخلاف في ظهور الطعم وحده مرتب على الخلاف في ظهور اللون وحده، فإن أوجبنا الفدية بظهور اللون وحده، فبظهور الطعم أولى، وإلا فوجهان، والفرق: أن الطعم يقصد أكثر من اللون، فضاهى الرائحة.
ولو ظهر فيه الطعم واللون دون الرائحة، فقد حكى الإمام عن العراقيين القطع
стр. 3267
بالتحريم، [ثم] قال: ليس الأمر كذلك عندنا.
والطعم مع اللون كاللون المجرد.
قال: وشم الرياحين: كالورد، والياسمين، والورس، والزعفران؛ لأنه ترفه لا يليق بالمحرم.
وعن الحناطي حكاية وجه في الورد والياسمين: أنه لا يحرم.
وحكى القاضي الحسين الوجهين في الياسمين كالريحان، وجزم في الورد بالتحريم.
تنبيه: الياسمين: فارسي معرب؛ وسينه مكسورة.
قال ابن الجواليقي: ويقال: الياسمون، وإن شئت أعربته بالياء والواو، وإن شئت جعلت الإعراب في النون؛ لغتان. والياسمين: هو الذي يتخذ منه الزنبق.
واعلم: أن قول الشيخ: "وشم الرياحين" قد يفهم [عدم] تحريم ثم غيرها من المسك، والعنبر، والصندل، ونحو ذلك، وهو حرام بالاتفاق، وهو يؤخذ من كلام الشيخ من طريق الأولى، ولا يلتحق بذلك ثم ماء الورد، بل الحرام منه رشه على بدنه أو ثيابه؛ وكذا لا يحرم شم العود ولا ربطه على طرفه؛ لأنه لا يعد تطيباً، بخلاف شد المسك ونصه وشمه. نعم، المحرم التبخير به، وكذلك بالند والكافور، وهو صمغ شجر؛ كما قاله البندنيجى وغيره.
وما ذكرناه في العود إذا لم يعبق من ريحه شيء، فإن عبق فقد قال الإمام: إنه
стр. 3268
على القولين فيما إذا مس طيباً يابساً، فعلق به ريحه، ولم يتعرض غيره لهذا التقييد.
قال: ويجوز له شم النيلوفر والبنفسج؛ لأن القصد بهما التداوي، ولأنه لا يتخذ من يابسهما طيب؛ فأشبها الأترج والسفرجل والنارنج؛ فإن الطرق متفقة على أنه يجوز شمها؛ لأن القصد منها الأكل والتداوي، إلا أن الإمام قال: إن في النفس من الأترج والنارنج شيء؛ فإن قصد الأكل والتداوي ليس بأغلب من قصد التطيب. وألحق التفاح بالسفرجل، وستعرف ما حكاه غيره فيه.
وزهر النارنج وغيره مما ذكرناه ملحق به كما حكاه الماوردي.
ووراء ما ذكره الشيخ في النيلوفر طريقان:
إحداهما - ولم يحك القاضي أبو الطيب غيرها-: أنه لا يجوز، وهي التي صححها النواوي وغيره.
والثانية - وتعزى إلى الشيخ أبي حامد-: إجراء القولين في المسألة، وهي التي أوردها في "المهذب"، وحكى في البنفسج - تبعاً للقاضي أبي الطيب - ثلاث طرق:
إحداها: ما ذكره هنا، وهي التي نص عليها الشافعي ﵁ في عامة كتبه؛ كما قال البندنيجى.
والثانية: [المنع]، وهي التي رجحها المراوزة والنواوي، وقال البندنيجي: إنه الذي يجيء على مذهبه كالورد سواء.
وقوله: "ليس بطيب" عنى به: إذا رُبِّبَ وجعل دواء، فاستهلك فيه.
وقال الغزالي: إن الشافعي ﵁ إنما تردد جوابه فيه؛ لأنه لا يعرف طيباً فى بلاده.
وقال غيره: إنه أراد البنفسج الجاف؛ فإنه بعد الجفاف لا يصلح إلا للتداوي. وقال الفوراني: إن من القائلين بهذه الطريقة من قال: مراد الشافعي – ﵁ بنصه على عدم الفدية: دهن البنفسج؛ لأنه ليس بطيب، نص عليه في مختصر الحج، وقد حكاها الإمام طريقة لبعض العراقيين.
стр. 3269
قال البندنيجي: وهذا القائل مخالف لما عليه أكثر الأصحاب، فإنهم قالوا: إذا قلنا: إن البنفسج طيب، فدهنه كذلك. وهو الذي أورده الماوردي وغيره٠
وقال في "الوجيز": الخلاف في دهن الورد والبنفسج مع جزمه بأن البنفسج والورد طيب، وهي طريقة حكاها الإمام عن رواية شيخه، ثم قال: ولست أرى لهذا وجهاً، وحكي عنه أنه قطع بأن دهن الورد كالورد.
ثم قال: ولست أرى لهذا وجهاً، فلا فرق بين الدهنين؛ لأن الغالب أنهما لا يستعملان لغرض التطيب.
وعكس الطريقة التي رواها الشيخ أبو محمد ما ذكره الماوردي: أن الأترج ليس بطيب، وفي دهنه وجهان، الذي قطع به منهما الرازي: أنه طيب محرَّم، حكاه عنه في الروضة، وفرق بأن أصله مأكول، وقشره يربى به الدهن كالورد.
ثم المراد بدهن البنفسج والورد: [الشيرج إذا أقام فيه البنفسج والورد]؛ كما حكاه الإمام عن العراقيين، أما إذا طرحا على السمسم حتى أخذ الرائحة، ثم استخرج منه الدهن، فليس بطيب وفاقاً؛ وهذا ما ذكر الرافعي: أن به أجاب المعظم. وهو معزي في "تعليق" القاضي أبي الطيب إلى الشيخ أبي حامد، وقال: إنه غلط، بل لا فرق بين أن يجعل السمسم على الورد، فإذا اكتسب ريحه عصر دهنه، وبين أن يجعل الورد في الدهن.
وكلام البندنيجي يقتضي أن المراد يدهنهما: ما إذا طرحا على السمسم حتى اكتسب ريحهما، ثم عصر؛ فإنه قال: وأصل الأدهان كلها الشيرج، والشيرج من السمسم، يربى السمسم بهذه الأشياء، ويكرر عليه حتى يصير برائحته ثم يعصر منه دهنه، وعلى هذا ينطبق قول الشيخ أبي محمد، ووجهه بأنه أشرف وألطف مما يغلى فيه البنفسج والورد؛ ليشرب السمسم ماءهما وهى الطيبة المقصودة منهما.
стр. 3270
تنبيه: النيلوفر: مفتوح النون والسلام، ويقال: نينوفر بنونين مفتوحتين، ذكرهما أبو حفص بن مكي الصقلي، قال: ولا يقال: نينوفر بكسر النون، وجعله من لحن العوام.
قال: وفي الريحان الفارسي قولان:
وجه الجواز - وهو أحد قوليه في القديم-: ما أورده مسلم في كتاب الحج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من عرض عليه ريحان، فلا يرده؛ فإنه خفيف المحمل طيب الريح".
وروي أن عثمان سئل عن المحرم يدخل البستان؟ قال: نعم، ويشم الريحان.
ووجه التحريم - وهو المنصوص في الجديد وعاعة كتبه؛ كما قال الفوراني، [وأحد قوليه فى] القديم-: أنه يقصد شمه كالورد والزعفران، وقد صحح النواوي وغيره هذا القول، وجزم به في "الوجيز".
وقال في "الوسيط": إن الشافعي ﵁ إنما تردد نصه فيه؛ لأنه لا يعرف طيباً في بلاده. وفيه نظر؛ لأن البندنيجي حكى عن الشافعي ﵁ أنه اختار هذا القول في القديم، وأنه شنع على من ذهب إلى القول الأول.
والريحان الفارسي هو الضيمران المذكور في باب جامع الأيمان.
والقولان يجريان في مائه، ويجريان أيضاً- كما قال البندنيجي- في الريحان العربي، ويجريان [أيضاً]- كما قال في المهذب - في النرجس والنبق، وكذا في التفاح والمرزنجوش، كما قال البندنيجي؛ تبعًا للشيخ أبي حامد والقاضي الحسين.
стр. 3271
والذي أورده الماوردي في الرجس: التحريم.
قال: فإن استعمل شيئاً من ذلك، لزمته الفدية؛ لأنه ارتكب محظوراً ترفه به، ولا فرق فى ذلك بين أن يستعمله وحده، أو فى مأكول، أو سعوط، أو كحل، أو حقنة، نص عليه في "الأم".
وقيل: لا تجب الفدية في السعوط والحقنة.
واحترز الشيخ بقوله: "فإن استعمل" عما إذا جلس عند الكعبة وهي تجمر، أو في بيت وهو يبخر كما نقله الإمام عن الأئمة، أو في حانوت العطار؛ فإن ذلك لا يوجب الفدية. نعم، هل يكره له ذلك؟ قال الأصحاب: أما الجلوس عند، الكعبة فلا يكره وإن قصد ذلك لأجل الطيب، وأما الجلوس عند العطار وعند المتطيب، فقد قال البندنيجي: إنه ينظر: فإن كان لغير شم الطيب، لم يكره [قولاً واحداً، وإن كان لشم الطيب، كره]، وأطلق الرافعي حكاية قولين فيما إذا جلس عند الكعبة، وعند
стр. 3272
حانوت العطار، وقال: إن أصحهما الكراهة.
وحكي عن القاضي الحسين: أن الكراهة ثابتة لا محالة، والخلاف في وجوب الفدية.
والذي رأيته في "تعليقه" أنه هل يكره أن يستنشق الروائح الطيبة؟ فيه وجهان.
[وينبغي أن يخرج في وجوب الفدية إذا قصد الاستنشاق وجهان]، كالصائم [ثم] إذا فتح فاه حتى وصل إلى جوفه غبار الطريق وغربلة الدقيق، فإن في حصول الفطر به وجهين.
стр. 3273
قال: ويحرم عليه أن يدهن رأسه – أي: إن لم يكن أقرع - ولحيته؛ لقوله ﷺ : "الحاج أشعث أغبر"، وذلك زينة، وهذا بخلاف غسلهما بالدر والخطمي
стр. 3274
وغيرهما حيث يجوز ذلك؛ لأن ذلك لإزالة الأوساخ، والدهان لتنميته وتزيينه في عادة العرب.
قال: فإن فعل [ذلك] لزمته الفدية، لما سبق.
والحكم كما ذكرناه فيما إذا كان محلوق الشعر؛ لأن الدهن يحسن الشعر إذا نبت، كذا حكاه العراقيون.
ونقل الفوراني عن المزني: أنه يجوز، وهو الصحيح؛ إذ لا شعث عله حتى يزول به.
أما إذا كان أصلع، جاز له دهان موضح الصلع من رأسه؛ لأنه ليس فيه تزيين.
وهل يجوز خضاب الشعر بالحناء؟ حكى الفوراني تردد قول الشافعي فيه، فقيل؛ [هو] تردد في أنه هل يلحق به بالترجيل بالدهن أم لما فيه من التزيين؟
وقيل: [هو] تردد في أن الحناء طيب أم لا؟ وهو بعيد.
وقيل: هو تردد في أن الخريطة المحيطة باللحية، هل يحرم اتخاذها أم لا؟ لأن الخضاب يحتاج إليها.
قلت: وهذا يعتضد بما حكاه القاضي الحسين من أن الشافعي ﵁ قال في موضع [آخر]: إذا خضب لحيته، ولف عليها خرقة، فلا فدية عليه.
فرع: إذا كان للمرأة لحية، فدهنتها بدهن غير طيب، قال القاضي الحسين في التعليق: يلزمها الفدية؛ لأن المرأة وإن لم يكن لها جمال في اللحية؛ فالمجيز, ينقص القبح الذى بها بسبب اللحية؛ فالتحقت بالرجل فى ترجيل لحيته بالتدهين.
قال: ويحرم عليه تقليم الأظفار، وحلق الشعر، أي: من نفسه، من غير عذر.
ووجهه في حلق [شعر رأسه] قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والمراد: شعر رءوسكم؛ لأن الرأس لا تحلق، وإنما يحلق الشعر.
стр. 3275
وفي شعر باقى الجسد قوله ﷺ : "لا يمس المحرم من شعره ولا [من] بشره شيئاً؛ كذا قاله الماوردي، وبالقياس على شعر الرأس، بل أولى؛ لأن شعر الرأس يحصل بحلقه الترفه فحسب، وحلق [شعر] البدن يحصل به الترفه والزينة.
وفي تقليم الأظفار قوله ﵇: "المحرم أشعث أغبر"، وتقليمها يزيل الشعث، ولأنه قطع جزء من البدن يزيل الشعث ويحدث الترفه؛ فحرم كالشعر.
قال: فإن فعل ذلك، [أي:] ولو في شعر العانة والإبط - لزمته الفدية:
أما في شعر الرأس، فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الآية: [البقرة: ١٩٦]، وقد بينها رسول الله ﷺ ؛ روى البخاري ومسلم وغيرهما: أن رسول الله ﷺ مر بكعب بن عجرة زمن الحديبية، فقال: "قد آذاك هوام رأسك؟ " قال: نعم، فقال النبي صلى لاله عليه وسلم: "احلق، ثم اذبح نسكاً، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ثلاثة آصع عن تمر على ستة مساكين".
وفي رواية لأبي داود؛ أن كعب بن عجرة قال: أصابني هوام في رأسي، وأنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، حتى تَخَوَّفْتُ على بصري؛ فأنزل الله [فيَّ]: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، فدعاني رسول الله ﷺ ، فقال لي: "احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين فرقاً من زبيب، أو انسك شاة"، فحلقت رأسي، ثم نسكت.
وفي رواية لمسلم: أنه قال: نزلت هذه الآية في خاصة، وهي لكم عامة.
فإذا وجب ذلك مع العذر بالنص؛ فمع عدمه من طريق الأولى.
وأما في باقى شعر الجسد، وتقليم الأظفار؛ فبالقياس على المنصوص عليه للاشتراك في الترفه والتنظيف مع أن ذلك مما ينمي.
стр. 3276
واعلم أن النواوي اعترض على الشيخ، فقال: لو قال: ويحرم عليه إزالة الظفر والشعر، لكان أحسن وأعلم؛ فإنه يحرم إزالتهما بالقلم والحلق وغيرهما، يعني من الكسر، والقطع، والتقصير، والنتف والإحراق.
والجواب: أن الشيخ جرى على الغالب؛ فإن العادة فيهما ما ذكره.
وأيضاً: فإن الإزالة قد تحصل من الحك بالأظفار، وليس الحك حتى ينتف الشعر محرماً، بل مكروهاً؛ كما قاله في "المهذب". نعم، لو حكه فانتف الشعر، لزمته الفدية.
ولو شك: هل حصل ذلك بمشط اللحية أو لا؟ ففي وجوبها قولان أو وجهان؛ كما أوردهما الجمهور، وأصحهما: لا.
ولا خلاف أنه لو قطع من جسده عضواً، أو كشط منه جلداً عليه شعر- لا يلزمه الفدية؛ لأن الشعر تابع في الإتلاف، وشبه ذلك بما إذا قتلت زوجته، لا يجب له المهر؛ لما ذكرناه من العلة، بخلاف ما لو أفسد نكاحها برضاع.
أما تقليم أظفار غيره وحلق سعره، هل يحرم؟ ينظر:
فإن كان ذلك الغير حلالاً، لم يحرم؛ قاله في "المختصر"، وجزم به الأصحاب. وإن كان محرماً، أطلق في "الحاوي" القول بالتحريم.
ويظهر أن يقال فيه: إن كان يحرم ذلك على المحرك نفسه، [حرم على غيره من المحرمين أيضاً؛ لأنه يحرم على الحلال، وإلا فإن كان بإذنه لم يحرك؛ [لأنه] كالآلة له،] وإن كام بغير إذنه حرم.
قال: ويحرم [عليه] أن يتزوج، وأن يزوج، أي: بالوكالة، أو الولاية الخاصة والعامة؛ لقوله- ﵇: "لا ينكح المحرم ولا ينكح"، وفي رواية: "ولا يخطب"، أخرجه أبو داود ومسلم وغيرهما.
стр. 3277
وروى الدارقطني عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "لا يتزوج المحرم، ولا يزوج".
فإن قيل: قد روى البخاري و [مسلم] عن ابن عباس: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم. وقد أفهم كلام الشافعي –﵁ جواز ذلك؛ حيث قال
стр. 3278
في "الكبير" –كما قال القاضي [الحسين] في باب حد الصبي يبلغ: "على هذا لو أحرمت، فنكحت، فليس للزوج أن يمنعها"، وهذا يدل على ما ذكرناه.
قلنا: أما الحديث، فعنه أجوبة:
أحدها: أن الرواية عنه قد اختلفت، فروي مطر الوراق عن عكرمة عنه: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو
стр. 3279
حلال؛ فتعارضت الروايتان، وسقطتا.
الثاني: أن معني قوله: "وهو محرم" أراد: وهو في الشهر الحرام، أو في الحرم؛ كما يقال: "متهم"، و"منجد" لمن دخل تهامة ونجد.
الثالث: أنه كان يرى أن من قلد هديه، وأشعر، [صار] محرماً؛ فيحتمل أن يكون قد رأى النبي ﷺ قلد هديه بالمدينة، وعقد على ميمونة في تلك الحالة، فسماه: محرماً؛ بتقليد الهدي.
الرابع –قاله أبو الطيب بن سلمة-: أن ذلك من خصائصه، ﵇.
الخامس: أن سعيد بن المسيب قال: إن ابن عباس وهم في ذلك، ويؤيده أن هذه القصة كانت في سنة ست من الهجرة؛ وكان ابن عباس إذ ذاك ابن ست سنين، وقد روي مسلم وغيره عن ميمونة أنها قالت: "تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالٌ بسرف".
وقال أبو عمرو النمري: إن الرواية: "أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال"، متواترة عن ميمونة، وعن أبي رافع مولي رسول الله ﷺ ، وعن سليمان ابن يسار مولاها، وعن غيرهم، وما أعلم [أن] أحداً من الصحابة روى أن رسول الله ﷺ نكح ميمونة وهو محرم إلا عبد الله بن عباس، فإن لم تترجح رواية
стр. 3280
الجماعة على روايته فقد عارضتها، ويعمل بالحديث الأول.
وأما ما قاله الشافعي، فإن ما ذكره تفريعا على مذهب أبس حنيفة؛ لأنه يجوز نكاح المحرم والمحرمة؛ كذا حكاه القاضي الحسين عن الأصحاب.
قال: فإن فعل ذلك، فالعقد باطل؛ لأن النهي يقتضي التحريم والفساد، وهو إجماع الصحابة، روى أبو غطفان بن طريف المزني عن أبيه: أنه تزوج وهو محرم؛ ففرق عمر بينهما.
стр. 3281
وروي أن عليا قال: "من تزود وهو محرم، نزعناها منه، وفرقنا بينهما"، وروي نحو ذلك عن ابن عباس وابن عمر، ولم ينكر ذلك أحد.
ولأنه نكاح لا يستعقبه استباحة وطء ولا قبلة –فكان باطلاً؛ كنكاح المعتدة.
قال القاضي أبو الطيب: ولا يلزم عليه إذا كانت المنكوحة صائمة؛ لأن تقبيلها جائز لزوجها إذا كانت القبلة لا تحرك شهوته، ولا يرد عليه إذا نكحها وهي تصلي؛ لأنه يجوز أن يقبلها من وراء حائل.
ولأنه عقد يمنع الإحرام من مقصودة؛ فلم يصح كشراء الصيد.
وهكذا الحكم [فيما لو قبل للمحرم النكاح حلال] بوكالة تقدمت الإحرام؛ لوجود معنى النهي فيه؛ قاله القاضي [الحسين] وغيره.
ولا يجب عليه في كل من الحالين فدية؛ لعدم حصول المقصود، وهو الانعقاد، بخلاف غيره من المحرمات في الإحرام.
وقد حكى في "المهذب" وغيره في أن التزويج بالولاية العامة- وهي الإمامة والقضاء- هل يحرم، ولا يصح، كالخاصة أو لا؟ وجهين:
المختار منهما في "المرشد": الجواز، وفرق بأن الولاية العامة آكد؛ بديل أنها تسلط على تزويج الكافرة، بخلاف الولاية الخاصة.
وحكى القاضي أبو الطيب والحسين والماوردي طريقة قاطعة بمنع الحاكم من التزويج، بخلاف الإمام.
стр. 3282
وفرق بعضهم: بأنا لو منعنا الإمام في حال إحرامه، لوجب أن يمتنع خلفاؤه من التزويج؛ فيؤدي ذلك إلى أن يمتنع حكام الأرض من التزويج؛ [فيعلم الضرر بخلاف الحاكم].
ثم قال القاضي الحسين: إلا أن هذا لا يصح؛ لأن الإمام] إذا امتنع، لم يجب أن يمتنع خلفاؤه؛ لأنهم ليسوا منصوبين من جهته، وإنما نصبوا لمصالح المسلمين؛ ألا تري أنه لو مات أو عزل، لم ينعزل الحكام؟!
هذا حكم نكاح المحرم وإنكاحه، وأما ارتجاعه، ففيه وجهان:
المذكور منهما في "المهذب"، و"تعليق" أبي الطيب، و"الشامل"، و"الحاوي"، و"الإبانة"، والمحكي عن النص: الجواز.
والمنصوب منهما إلى أبي إسحاق، وهو ظاهر المذهب في "تعليق" القاضي الحسين: المنع.
وهما ينبنيان على أن الرجعة بمنزل الاستدامة أو الابتداء؟
وقضية ذلك: أن يجوز له إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة وأحرام أن يختار أربعاً منهن جزماً؛ لأن ذلك استدامة، وهو ظاهر ما ذكر في الكتب؛ كما حكاه المتولي في نكاح المشركات.
وعن القفال: أنه قال بالتحريم، وهو ما ادعى في كتاب الحج: أنه ظاهر المذهب، ومحله إذا لم تسلم النسوة، أما إذا أسلمن -أيضاً- قبل إحرامه، ثم أحرم، فالذي حماه في كتاب النكاح عن الشافعي -رضى الله عنه-: أن له أن يختار أربعا منهن.
وفيه وجه آخر على قياس من قال: إن الرجعة في الإحرام لا تصح.
فروع:
[أخدهم] إذا وكل في قبول النكاح، ثم أحرم، فهل يصح من الوكيل أن يقبل له
стр. 3283
النكاح بعد تحلله؟ فيه وجهان ينبنيان- كما قال القاضي الحسين- على ما إذا أحرم الولي، هل تنتقل الولاية [عن وليته] إلى السلطان، أو إلى من دونه من الأولياء؟
وفيه وجهان محكيان –أيضاً- فيما لو وكل المحرم حلالاً في قبول النكاح، وقبله له بعد تحلله، هل يصح؟
قال القاضي الحسين: وأظهرهما، وهو طريق المراوزة - كما قال أيضاً-: لا، إلا بتجديد وكالة بعد التحلل؛ لأنه لم يكن أهلا للوكالة حالة ما وكل؛ فلم يصح توكيله.
والثاني- وهو طريقة بعض العراقيين-: أنه يصح، وهي التي حكاها القاضي أبو الطيب، وابن الصباغ، والبندنيجي، وفي "الحاوي" و"البحر" نسيته إلى النص في "الأم" ووجه بأن الإذن يصح ممن هو ممنوع من توليته بنفسه لعارض؛ ألا ترى أنه يصح توكيله في بيع شيء يجهله؟!
والمحرمة إذا أذنت في النكاح، [هل يجوز] لوليها التزويج بعد تحللها؟ قال القاضي الحسين في "تعليقه": سألته مرارا فقال: ينبغي أن يخرج على الوجهين، ثم قال: والأظهر عندي الجواز؛ لأن المقصود منه رضاها بالعقد عليها والرضا صحيح به، وإن كان لا يعقد في الحال؛ كما لو رضيت أن يزوجها من فلان إذا قدم، بخلاف الرجل يوكل في العقد وهو حرام؛ لأنه يليه من جهته؛ فلم يصح إلا في حال هو من أهل الولاية والمباشرة بنفسه.
[الفرع الثاني] إذا أذن المحرم لعبده في التزويج، رجلاً كان المولي أو امرأة- فالمحكي عن أبي الحسين بن القطان: أن الإذن باطل.
وقال ابن النرزبان: عندي في هاتين المسألتين نظر؛ كذا حكاه القاضي أبو الطيب.
حكى ابن القطان: أن إسماعيل الفقيه قال في كتاب "المستعمل": إذا وكل المحرم رجلاً في أن يزوجه إذا حل من إحرامه –صح، ولو وكل رجلاً رجلاً في أن يزوجه إذا طلق إحدى أربع نسوة عنده أو إذا طلق فلان زوجته أن يزوجه – لم يصح التوكيل.
стр. 3284
والفرق: أن مدة الإحرام معلومة، وغايته معروفة؛ فلذلك صح توكيله، ومدة الطلاق غير معلومة؛ فإنه لا غاية لها تعرف؛ فلذلك لم يصح التوكيل.
قال ابن القطان: ولا فرق عندي؛ فإما أن يصح التوكيل في الجميع، أو لا يصح.
قال: ويكره له الخطبة والشهادة على النكاح:
أما الخطبة؛ فلأنها سعى في المحرم، وقد جاء في بعض الروايات- كما تقدم-: "ولا يخطب".
وكما يكره أن يخطب امرأة حلالاً وهو محرم، يكره أن يخطب المحرمة حلال؛ قال أبو الطيب وغيره، ولا تحرم؛ بخلاف خطبه المعتدة؛ حيث حرمت؛ لأنها ربما كذبت في انقضاء عدتها؛ فإن لا يطلع على انقضائها إلا منها، بخلاف زوال الإحرام؛ فإنه أمر مشاهد مضبوط؛ فلا تتعجله.
وأما في الشهادة؛ فلما روي أنه –﵇ قال: "ولا يخطب ولا يشهد".
وقد حكى عن الإصطخري أنه قال بالتحريم وعدم الانعقاد؛ لهذا الخبر.
ولأن بها يتم عقد النكاح؛ فكان الشاهد كالقابل أو الموجب.
والمذهب المنصوص عليه في "الأم": الصحة.
وما ذكره الإصطخري من الاستدلال بالخبر يلزمه عليه أن يقول بتحريم الخطبة، وقد ادعى القاضي الحسين أنه لا خلاف في المذهب فيها، على أن معني الخبر –كما قال القاضي أبو حامد-: أن من عقد من المحرمين النكاح، فلا يجوز له أن يتحمل تلك الشهادة ويؤديها؛ لأن العقد باطل.
стр. 3285
وقال غيره من أصحابنا: معناه: أن المحرم لا يجوز له أن يشهد عقد النكاح على المحرمين، ولا أن يحضره؛ لكونه محرماً باطلاً.
وإذا احتمل الخبر ما ذكرناه، فلا حجة له فيه.
والفرق بين الشاهد وأحد العاقدين: أنه غير متعين، بخلاف الولي والزوج، ولأنه [لا] فعل له في العقد؛ فكان كالخاطب.
لكن للإصطخري أن يمنع كون الخطبة [غير] محرمة؛ فإن في "البحر" حكاية وجه عن رواية صاحب "التقريب": أنها حرام، حتى لو خطب المحرم امرأة حلالاً، فرضت به، يجوز لحلال آخر خطبتها؛ لأن الخطبة الأولى لم تقع الموقع؛ للخبر. والله أعلم.
قال: ويحرم عليه الجماع في الفرج؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، والرفث: الجماع –قاله ابن عباس- وقوله- ﵇ "إذا رميتم وحلقتم، فقد حل لكم كل شيء إلا النساء".
والمراد بالفرج: القبل، والدبر.
стр. 3286
قال: والمباشرة فيما دون الفرج بشهوة، والاستمناء؛ لأنه إذا حرمت دواعي الوطء: كالنكاح والطيب، فلأن تحرم هذه الأشياء أولى.
وأيضاً: فإن ذلك يحرم على المعتكف فعله، ومعلوم أن الإحرام آكد منه.
قال: فإن فعل ذلك، لزمته الكفارة؛ لأنه استمتع بما هو محظور في الإحرام؛ فكان كالحلق.
ولا فرق في وجوبها حالة المباشرة فيما دون الفرج بشهوة، بين أن يتصل بها الإنزال أو لا. نعم، يشترط في وجوبها بسبب الاستمناء: الإنزال؛ صرح به الماوردي حيث قال: إذا أولج المحرم ذكره في فرج خنثى مشكل إن أنزل، فعليه أن يفتدي؛ لاستمتاعه بالإنزال؛ كالمحرم إذا استمنى بيده، و [إن] لم ينزل، فلا فدية عليه ولا غسل؛ لأن المحرم إذا باشر رجلاً لم يفتد. وإذا أولج في غير فرج، لم يغتسل.
وفي "النهاية" حكاية وجه آخر: أنه لا كفارة في الاستمناء أصلا؛ حكاه عن العراقيين، ونسبه في "البحر" إلى بعض الخراسانيين؛ موجها له بأنه لم يشاركه في هذا الاستمتاع غيره؛ فأشبه الإنزال بالنظر.
وقد يؤخذ هذا الوجه من كلام الشيخ حيث تعرض في باب كفارة الإحرام للواجب في المباشرة فيما دون الفرج وغيرها وصفته وسكت عن الاستمناء، والمشهور: الأول، نعم، اشتهر خلاف الأصحاب في أنه إذا باشر فيما دون الفرج بشهوة، ثم جامع، هل يدخل [واجب الاستمتاع في الفدية]، أو يجبان جميعا؟
وسيأتي في الباب الثاني ما الواجب في هذه الأشياء، إن شاء الله تعالى.
قال: ويحرم عليه الصيد المأكول، أي: يحرم عليه اصطياد الصيد المأكول من حيوانات البر؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦].
стр. 3287
قال: وما تولد من مأكول وغير مأكول؛ تغليبا للتحريم، فلو خالف وفعل [لم] يملكه، ووجب عليه إرساله على المشهور، وسنذكر من بعد ما قيل فيه.
وإذا عرفت أن الاصطياد حرام، عرفت أن قتله وجرحه وقطع جزء منه كذلك؛ لأن الشيء إذا حرم، حرم ما يفضي إليه، والاصطياد لا يحصل بدون ذلك غالبا.
وأخذ بيضة –أيضاً- حرام؛ وكذا ذبح الحيوان المأكول المتولد بين إنسي ووحشي، كالمتولد بين [ذكر] اليعفور –وهو ذكر الحجل – والدجاجة، أو الظبي والشاة؛ تغليبا للتحريم، وإذا فعله وجب عليه الجزاء.
قال: فإن مات في يده، أو أتلفه، أو أتلف جزءا منه، لزمه الجزاء:
أما إذا أتلفه عمدا؛ فلقوله –تعالى-: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥].
وأما إذا قتله خطأ؛ فلقوله –﵇: "في الضبع كبش إذا أصابها المحرم"، ولم يفصل؛ فكان على عمومه.
стр. 3288
ولأنها كفارة تجب بالقتل، فاستوى فيها حكم العمد والخطأ؛ ككفارة قتل الآدمي.
ولأن ذلك مستفيض عند الصحابة، ولم ينكره أحد؛ فكان كالإجماع.
وتقييد الآية بالعمد؛ لتضمنها الوعيد بالعقاب، لا لنفي الحكم عن المنعطئ وسيأتي الكلام فيه.
وأما في الباقي فبالقياس؛ لأنه مال ضمن لحق الغير في حال العمد والخطأ فضمن في بقية الأحوال المذكورة؛ [كمال الآدمي].
وقد حكى الماوردي في كتاب الأطعمة: أن ابن القاص قال: لا يجب الجزاء في المتولد [من مأكول وغير مأكول]، وأنه وهم منه.
ولا فرق فيما ذكره الشيخ بين أن يكون الصيد غير مملوك، أو مملوك قد تأنس، أو هو باق على توحشه. نعم، يجب في المملوك مع الجزاء قيمته لمالكه، خلافا للمزني، فإنه قال: لا يلزمه الجزاء في المملوك.
وكذا لا فرق بين أن يحصل التلف بمباشرته كالرمي، أو بسبب من جهته كنصب شبكة في ملكه أو ملك غيره، أو إرسال كلب معلم أو حله وقد رأي الصيد، أو انحلال رباطه بنوع تقصير في ربطه، أو تنفير الصيد حتى يطير قبل سكون نفاره وهلك، أو أخذه سبع، أو انصدم بشجر أو جبل.
نعم، لو أرسل عليه سهما وهو حلال، ثم أحرم، [ثم أصابه] السهم –فهل يلزمه الجزاء؟ فيه وجهان يأتي مثلهما في الجنايات، والأظهر في "تعليق" القاضي
стр. 3289
الحسين: اللزوم، وكذلك في "البحر"، وقال: إنهما يجريان فيما لو أرسل السهم وهو محرم، ثم تحلل قبل الإصابة: هل يلزمه الجزاء أم لا؟
ولو نفر الكلب، فهلك [الصيد] قبل سكون النفار بآفة سماوية، ففي الضمان وجهان.
ولو حفر المحرم بئراً في ملكه، لم يضمن ما تردى فيه على المذهب.
وفيه وجه نقله صاحب "التتمة": أنه يجب كما [لو حفره [في غير ملكه]، و [هو] في "تعليق" القاضي أبي الطيب عند الكلام فيما] إذا دل المحرم على الصيد معزياً إلى ابن القاض، وقال: إنه يحتمل ألا يضمن، وجعل حكمه فيما إذا حفر بئرا [في ملكه في الحرم كما إذا حفرها في ملكه في الحل، والمشهور فيما إذا حفرها] في ملكه في الحل: عدم الضمان، وبه جزم الجمهور، وحكوا الخلاف فيما إذا حفره في ملكه في الحرم، والأشبه والأصح في "تعليق" القاضي الحسين: الوجوب، ويحكى عن الربيع وصاحب "التخليص"، ولم يحك في "التتمة" و"الإبانة" غيره.
والفرق: أن الحرم ليس موضع اصطياد أصلا، والحل في الجملة محل الاصطياد، لكن كلام صاحب "التهذيب" [يشير إلى] ترجيح المنع.
ولو أرسل الكلب، أو قصر في رباطه حيث لا صيد، فعرض صيد- ففي الضمان وجهان: أظهرهما: أنه لا ضمان، ورأي الإمام أن الضمان أرجح؛ لحصول التلف بسبب فعله، وجهله لا يقدح فيه، كما في حفر البئر.
وما ذكرناه هو المشهور، وقد أشار القاضي الحسين في تعليقه إلى خلاف في نصب الشبكة في الحل بقوله: "والأظهر أنه يلزمه الضمان" بعد قوله: "ولا خلاف أنه لو نصبها في الحرم ضمن".
стр. 3290
وحكى الإمام ترددا فيما إذا قصر في ربط الكلب، فانحل، وقتل الصيد، وجزم الماوردي فيها بعدم الضمان، وقال هو والقاضي أبو الطيب، فيما إذا كان الكلب المرسل على الصيد غير معلم: إذا قتله لا ضمان؛ لأنه لا ينسب فعله إلى مرسله. وهو كذلك في "تعليق" القاضي الحسين، وعزاه إلى نصه في الإملاء، كما إذا أرسل الكلب المعلم على آدمي فقتله؛ فإنه لا ضمان عليه؛ لأن الكلب لا يعلم على الآدمي.
نعم، لو علم عليه، أو كان ضارياً –ضمنه.
تنبيه: قد يؤخذ من قول الشيخ: "فإن مات في يده .... " إلى لآخره – أنه يختار الضمان في مسألتين:
إحداهما: إذا خلص المحرم صيداً من جارج أو داوى جرحه فمات في يده؛ كما هو أحد القولين.
لكن الصحيح، والذى نص عليه الشافعي –﵁: عدم الضمان، والأول أخذ من احتمال أبداه الشافعي.
الثانية: أن المحرم إذا استودع صيدا لحلال، فتلف في يده – [ضمنه]، وهو ما حكاه القاضي الحسين، وقال: إنه لو كان مملوكا وجب معه قيمته لمالكه. وفيه نظر؛ لما ستعرفه من النص فيما إذا وهب من محرم صيدا وتلف في يده، أو أرسله.
وقد وافق القاضي في ضمان الوديعة بالجزاء الرافعي هنا، وكذا فيما إذا استعاره، لكن [حكى] في "الروضة": أن صاحب "البيان" حكى في كتاب العارية عن الشيخ أبي حامد: أنه قال: لا جزاء في العارية؛ لأنه لم يمسكه لنفسه، ومن طريق الأول المودع.
وقد يقال: إنه ليس في كلام الشيخ تعرض لهاتين المسألتين؛ فإنه قال أولا: "ويحرم عليه الصيد"، ثم قال: "فإن مات في يده"، أي: بعد أن اصطاده؛ كما جاء مثل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والتقدير: فحلق، ففدية، وغيرها من الآيات، وإذا كان كذلك ثبت ما قلناه.
стр. 3291
فرع: إذا قتل الصبي أو المجنون صيدا وهو محرم، فهل يجب عليه الجزاء؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين وغيره في المغمى عليه أيضاً.
ومنهم من أثبت الخلاف قولين؛ كما سنذكره.
أما صيد البحر، فحله ثابت بقوله تعالي: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦].
وهو –كما قال الأصحاب-: الذي لا يعيش إلا في البحر، وأما ما يعيش في البر والبحر فهو كالبري، والطيور المائية التي تغوص في الماء وتخرج، من صيد البر؛ لأنها لو تركت في الماء لهلكت.
ومنها –كما قال البندنيجي وأبو الطيب-: البط والإوز.
وقال في "الحاوي": إن البط –وهو الذي لا يطير- من الإوز، إذا قتله المحرم لا جزاء عليه؛ لأنه ليس بصيد، وحكى وجهين في الحمام الأهلي الذي يسمى: الراعي، وهو ما يكون في المنازل، ولا ينهض طائرا:
أحدهما: أنه من جملة الحمام؛ لانطلاق الاسم عليه؛ فيجب فيه الجزاء.
والثاني –وبه قال ابن أبي هريرة-: أنه لا جزاء فيه؛ لأنه ليس بصيد، إنما هو أنيس؛ فكان كالدجاج، ومراده: الدجاج البلدي، وإلا فدجاج الحبشة من صيد البر، ويجب فيه الجزاء؛ صرح به عن النص القاضي أبو الطيب وغيره؛ لأنه وحشي يمتنع بالطيران وإن [كان ربما ألف] البيوت، وهي [شبه الدُّرَّاج]، ويسمى بالعراق: الدجاج السندية.
والجراد من صيد البر، يجب الجزاء بقتله.
وحكى الموفق بن طاهر وغيره قولاً غريباً: أنه من صيد البحر؛ لأنه يتولد من روث السمك.
قلت: ويعضده ما روي عن أبي هريرة أنه قال: كنا مع النبي ﷺ فاستقبلنا ضرب من الجراد، وكان بعضنا يضربه بالسوط، فسئل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "هو من صيد
стр. 3292
البحر"، لكن المشهور: الأول.
واختلف الأصحاب لم عده –﵇ من صيد البحر؟
فقيل: لأنه يؤكل ميتاً؛ كالسمك.
وقيل: لأن الغالب: أنه في السواحل.
وقال كعب: إنه خرء السمك يلفظه البحر إلى الساحل، فخلقه الله تعالى منه.
والحيوان المتولد من غير مأكول لا غير، لا يحرم عليه صيده وإذا مات في يده أو أتلفه لا ضمان عليه.
نعم، في هذا الصنف ما يستحب للمحرم وغيره قتله وهي المؤذيات بطبعها، نحو الفواسق الخمس، روي أنه –﵇ قال: "خمس فواسق يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور".
стр. 3293
وروي أنه –﵇ قال: "خمس من الفواسق ليس على المحرك في قتلهن جناح .... " فذكرهن، وفي معناها: الحية، والذئب، والأسد، والنمر، والدب، والنسر، والعقاب، والبق، والبرغوث، والزنبور.
ولو ظهر القمل على بدن المحرم أو ثيابه، لم يكره له تنحيته، ولو قتله لم يلزمه شيء ولو فلى لحيته ورأسه، وارتكب هذا المكروه، فأخرج منها قملة فقتلها –تصدق ولو بلقمة؛ نص عليه، وهو عند الأكثرين محمول على الاستحباب، ومنهم من قال: إنه يجب ذلك؛ لما فيه من إزالة الأذى عن الرأس.
ولا خلاف أنه لو أخرجها من جسده وقتلها، لا يجب عليه سيء، قاله القاضي الحسين، وقال: إن الوجهين السابقين يجريان فيما إذا قتل القمل في رأسه بالزئبق؟ ونحوه.
ومنه ما لا يستحب له ولا لغيره قتله، وهي الحيوانات التي فيها منفعة ومضرة: كالفهد، والصقر، والبازي؛ لما يتوقع من المنفعة، ولا يكره لما يخاف من المضرة.
ومنه ما يكره له ولغيره قتله، وهو ما لا يظهر فيه منفعة ولا مضرة: كالخنافس، والجعلان، والسرطان، والرخمة، والكلب الذي ليس بعقور.
стр. 3294
ومنه ما لا يجوز قتله، وهو النحل، والنمل، والخطاف، والضفدع؛ لورود النهي عن قتلها.
وفي وجوب الجزاء بقتل الهدهد والصرد خلاف مبني على الخلاف في جواز أكلهما.
والمذكور في تعليق القاضي الحسين: التحريم.
قال: -ويحرم عليه لحم ما صيد له؛ لما روى جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " [صيد] البر حلال لكم [وأنتم حرم] ما لم تصيدوه أو يصد لكم".
стр. 3295
قال الترمذي: وهذا أحسن حديث.
قال: أو أعان على ذبحه أو كان له أثر في ذبحه؛ لما روى أبو داود عن أبي قتادة: أنه كان مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان ببعض طريق مكة، تخلف مع أصحاب له محرمين، وهو غير محرم، فرأى حماراً وحشياً؛ فاستوى على فرسه، قال: فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا، فسألهم رمحه فأبوا، فأخذه، ثم شد على الحمار، فقتله، فأكل منه بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، وأبي بعضهم، فلما أدركوا رسول الله ﷺ سألوه عن ذلك؟ فقال: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله تعالي"، وأخرجه البخاري ومسلم بمعناه، وفي روايتهما: أنه ﷺ قال: "منكم أحد أمره أو أشار إليه؟ " قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقي من لحمه"، ووقع فيهما: أنه ﷺ أكل منه.
فلو خالف المحرم، وأكل مما حرم عليه أكله بسبب مما ذكرناه، فهل يلزمه شيء؟ فيه قولان:
أحدهما- وهو القديم، والمختار في "المرشد"-: نعم؛ لأن الأكل فعل محرم في
следующие страницы →