Полный текст (9 685 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
فرع: إذا قتل الصبي أو المجنون صيدا وهو محرم، فهل يجب عليه الجزاء؟ فيه وجهان حكاهما القاضي الحسين وغيره في المغمى عليه أيضاً.
ومنهم من أثبت الخلاف قولين؛ كما سنذكره.
أما صيد البحر، فحله ثابت بقوله تعالي: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦].
وهو –كما قال الأصحاب-: الذي لا يعيش إلا في البحر، وأما ما يعيش في البر والبحر فهو كالبري، والطيور المائية التي تغوص في الماء وتخرج، من صيد البر؛ لأنها لو تركت في الماء لهلكت.
ومنها –كما قال البندنيجي وأبو الطيب-: البط والإوز.
وقال في "الحاوي": إن البط –وهو الذي لا يطير- من الإوز، إذا قتله المحرم لا جزاء عليه؛ لأنه ليس بصيد، وحكى وجهين في الحمام الأهلي الذي يسمى: الراعي، وهو ما يكون في المنازل، ولا ينهض طائرا:
أحدهما: أنه من جملة الحمام؛ لانطلاق الاسم عليه؛ فيجب فيه الجزاء.
والثاني –وبه قال ابن أبي هريرة-: أنه لا جزاء فيه؛ لأنه ليس بصيد، إنما هو أنيس؛ فكان كالدجاج، ومراده: الدجاج البلدي، وإلا فدجاج الحبشة من صيد البر، ويجب فيه الجزاء؛ صرح به عن النص القاضي أبو الطيب وغيره؛ لأنه وحشي يمتنع بالطيران وإن [كان ربما ألف] البيوت، وهي [شبه الدُّرَّاج]، ويسمى بالعراق: الدجاج السندية.
والجراد من صيد البر، يجب الجزاء بقتله.
وحكى الموفق بن طاهر وغيره قولاً غريباً: أنه من صيد البحر؛ لأنه يتولد من روث السمك.
قلت: ويعضده ما روي عن أبي هريرة أنه قال: كنا مع النبي ﷺ فاستقبلنا ضرب من الجراد، وكان بعضنا يضربه بالسوط، فسئل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "هو من صيد
стр. 3292
البحر"، لكن المشهور: الأول.
واختلف الأصحاب لم عده –﵇ من صيد البحر؟
فقيل: لأنه يؤكل ميتاً؛ كالسمك.
وقيل: لأن الغالب: أنه في السواحل.
وقال كعب: إنه خرء السمك يلفظه البحر إلى الساحل، فخلقه الله تعالى منه.
والحيوان المتولد من غير مأكول لا غير، لا يحرم عليه صيده وإذا مات في يده أو أتلفه لا ضمان عليه.
نعم، في هذا الصنف ما يستحب للمحرم وغيره قتله وهي المؤذيات بطبعها، نحو الفواسق الخمس، روي أنه –﵇ قال: "خمس فواسق يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور".
стр. 3293
وروي أنه –﵇ قال: "خمس من الفواسق ليس على المحرك في قتلهن جناح .... " فذكرهن، وفي معناها: الحية، والذئب، والأسد، والنمر، والدب، والنسر، والعقاب، والبق، والبرغوث، والزنبور.
ولو ظهر القمل على بدن المحرم أو ثيابه، لم يكره له تنحيته، ولو قتله لم يلزمه شيء ولو فلى لحيته ورأسه، وارتكب هذا المكروه، فأخرج منها قملة فقتلها –تصدق ولو بلقمة؛ نص عليه، وهو عند الأكثرين محمول على الاستحباب، ومنهم من قال: إنه يجب ذلك؛ لما فيه من إزالة الأذى عن الرأس.
ولا خلاف أنه لو أخرجها من جسده وقتلها، لا يجب عليه سيء، قاله القاضي الحسين، وقال: إن الوجهين السابقين يجريان فيما إذا قتل القمل في رأسه بالزئبق؟ ونحوه.
ومنه ما لا يستحب له ولا لغيره قتله، وهي الحيوانات التي فيها منفعة ومضرة: كالفهد، والصقر، والبازي؛ لما يتوقع من المنفعة، ولا يكره لما يخاف من المضرة.
ومنه ما يكره له ولغيره قتله، وهو ما لا يظهر فيه منفعة ولا مضرة: كالخنافس، والجعلان، والسرطان، والرخمة، والكلب الذي ليس بعقور.
стр. 3294
ومنه ما لا يجوز قتله، وهو النحل، والنمل، والخطاف، والضفدع؛ لورود النهي عن قتلها.
وفي وجوب الجزاء بقتل الهدهد والصرد خلاف مبني على الخلاف في جواز أكلهما.
والمذكور في تعليق القاضي الحسين: التحريم.
قال: -ويحرم عليه لحم ما صيد له؛ لما روى جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " [صيد] البر حلال لكم [وأنتم حرم] ما لم تصيدوه أو يصد لكم".
стр. 3295
قال الترمذي: وهذا أحسن حديث.
قال: أو أعان على ذبحه أو كان له أثر في ذبحه؛ لما روى أبو داود عن أبي قتادة: أنه كان مع رسول الله ﷺ حتى إذا كان ببعض طريق مكة، تخلف مع أصحاب له محرمين، وهو غير محرم، فرأى حماراً وحشياً؛ فاستوى على فرسه، قال: فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا، فسألهم رمحه فأبوا، فأخذه، ثم شد على الحمار، فقتله، فأكل منه بعض أصحاب رسول الله ﷺ ، وأبي بعضهم، فلما أدركوا رسول الله ﷺ سألوه عن ذلك؟ فقال: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله تعالي"، وأخرجه البخاري ومسلم بمعناه، وفي روايتهما: أنه ﷺ قال: "منكم أحد أمره أو أشار إليه؟ " قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقي من لحمه"، ووقع فيهما: أنه ﷺ أكل منه.
فلو خالف المحرم، وأكل مما حرم عليه أكله بسبب مما ذكرناه، فهل يلزمه شيء؟ فيه قولان:
أحدهما- وهو القديم، والمختار في "المرشد"-: نعم؛ لأن الأكل فعل محرم في
стр. 3296
الصيد؛ فتعلق به الجزاء، كالقتل، ويخالف ما لو ذبحه، وأكله؛ حيث لا يلزمه في الأكل شيء؛ لأن وجوب الجزاء بالذبح أغنى عن جزاء آخر؛ فعلى هذا ماذا يلزمه؟ فيه ثلاثة أوجه ذكرها الماوردي:
أحدهما: مثل ما أكله من لحم النعم يتصدق به على مساكين الحرم.
والثاني: [يجب] من مثله من النعم بقدر ما أكل من لحمه؛ فإن كان قد أكل عشر لحمه، لزمه عشر مثله.
والثالث: قيمة ما أكله دراهم يتصدق بها إن شاء، ويصرفها في طعام يتصدق به إن شاء.
والقول الجديد –وهو الصحيح في "الحاوي" و"التهذيب" وغيرهما-: لا لأنه ليس بنام بعد الذبح ولا يئول إلى النماء؛ فلا يتعلق بإتلافه الجزاء؛ كما لو أتلف بيضة مذرة.
وقد أغرب في "الوجيز"؛ فحكي القولين فيما إذا دل المحرم حلالاً على صيد –في أنه هل يحرم عليه الأكل منه، أم لا مع الجزم بعصيانه؟
قال الرافعي: ولم نر هذا الخلاف لغيره، بل جزموا بحرمة الأكل على المحرم مما صيد له، أو بإعانته بسلاح وغيره، أو بدلالته أو إشارته؛ فالوجه: أن تغير هذه اللفظة، ويجوز أن يجعل مكانها: [وفي] وجوب الجزاء عليه عند الأكل قولان؛ لأنهما مشهوران في هذه الصورة، لكنه قد ذكر هذه المسألة من بعد، وتبديل اللفظ بها يفضي إلى التكرار.
قال: فإن ذبح الصيد، حرم عليه أكله؛ لأنه إذا حرم عليه [أكل ما] أعان على ذبحه، كان تحريم ما ذبحه أولى.
قال: وهل يحرم على غيره، أي: من المحلين والمحرمين؛ كما قاله في البحر –فيه قولان.
[ووجه الحل] –وهو القديم-: أنه من أهل الذكاة في غير الصيد؛ فوجب أن
стр. 3297
يكون من أهلها في الصيد: كالحلال طرداً، والمجوسي عكسا.
قال في "البحر": قال أصحابنا: وهذا القول القديم أصح في هذه المسألة.
وقال القاضي أبو الطيب: إن أكثر الأصحاب قالوا ذلك؛ وعلى هذا هل يحرم على الذابح على التأبيد أو مدة إحرامه؟ فيه وجهان:
أظهرهما- وهو المشهور؛ كما قال الفوراني-: الأول.
ومقابلة: منسوب في "تعليق" القاضي الحسين إلى رواية الأستاذ أبي طاهر الزيادي.
ووجه التحريم- وهو الجديد والأصح-: أنها ذكاة ممنوع منها؛ لحق الله تعالى؛ [لمعنى في] الذابح؛ فوجب ألا تقع بها الإباحة كذكاة المجوسي.
قال القاضي الحسين: ولا تأثير لقولنا: ممنوع منها؛ لأن الخلاف في المحرم المضطر وغير المضطر واحد، والمحرم المضطر غير ممنوع من الذبح، لكن نقول: الحلال إذا جرح صيداً، استفاد به شيئين: الملك، وتحليل الأكل، ثم المحرم لا يستفيد بجرحه الملك؛ فكذلك الحل.
وقد عكس النجنيجي ما ذكرناه، فقال: إن القول الجديد: [أنه] لا يحرم على غيره أكله، والقديم: التحريم. والصحيح الأول.
والقولان في الكتاب يجريان –كما حكاه في "الشامل" عن بعض الأصحاب، وهو المذكور في "تعليق" البندنيجي –في حل بيض الصيد إذا كسره المحرم، والجراد إذا قتله.
وحكى في "المهذب" عن شيخه القاضي أبي الطيب: أنه قال: [فيه] نظر؛ من حيث إن البيض لا روح فيه، والجراد يحل ميتا؛ ولأجل ذلك قال ابن الصباغ: إن القول بإجراء القولين في هاتين الصورتين غير صحيح؛ فإن المجوسي لو قتل جرادة، أو كسر بيضة، كانت على حكم الإباحة، بخلاف الصيد.
وفي "الحاوي": أن البيض إذا كسره محرم، لم يحل له ولا لغيره من المحرمين، ويحل للمحلين.
стр. 3298
وجهل بعض متأخري أصحابنا؛ فخرج جواز أكل الحلال له على قولين؛ كالصيد، وهو قبيح.
قلت: وتحريمه على غير الكاسر من المجرمين فيه نظر؛ لأنه خرج بالكسر عن أن يكون ناميا؛ فيشبه الصيد إذا ذبحه محرم.
والقولان في حله للحلال جاريان في حلة للمحرم إذا لم يصد له، ولا أعان عليه، ونحو ذلك.
وقد يقال: إن جريان القول بالتحريم على الحلال هاهنا قبيح، فليكن تحريم البيض على غير الكاسر من المحرمين كذلك.
ويجري القولان -أيضاً- فيما إذا ذبح الصيد في الحرم، أو كسر البيض، وقيل: [هو ميته قطعاً]؛ لأنه المانع في نفس البيض والذبيح، ولأن المحرم قد يستبيح مثل الصيد وأكل البيض بعد إحلاله، والحرم لا يستباح قتل صيده وكسر بيضة بحال؛ وهذا ما ادعى البندنيجي: أنه المذهب.
وقد قيل: إن الشافعي نص في "الإملاء" على هذا الفرق، قال في "البحر": وهو بعيد؛ لأن هذا الصيد في حق المحرم كصيد الحرم في حق الكافة.
وإذا قلنا بهذه الطريقة، قال الماوردي: فلو أن محرما قتل صيدا في الحرم، فقد اختلف أصحابنا: هل يغلب حكم الحرم، أو حكم الإحرام؟ على وجهين.
قال: لا يملك الصيد بالبيع والهبة؛ لأن سبب يملك به عين الصيد؛ فكان المحرم ممنوعا من التملك به؛ وما ذكره الشيخ هو الذي نص عليه الشافعي، ﵁.
وقال في "المهذب": إن الإقدام على الابتياع، والأنهاب حرام؛ لرواية ابن عباس: أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله ﷺ حمار وحش، فرده عليه؛ فلما رأى ما
стр. 3299
في وجهه، قال: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم"، وقد أخرجه مسلم والبخاري أيضاً.
وفي طريقة المراوزة حكاية قول آخر- قال الإمام: إنه منصوص عليه أيضاً-: أنه يملك بذلك، وشبهوا ذلك بشراء الكافر العبد المسلم.
وفي "الشامل" حكاية عن الشيخ أبي حامد أنه قال: من أصحابنا من تعلق بقول الشافعي فيما إذا وهب له وقبضة: "إن عليه إرساله"، وقال: قد ملكه بالهبة؛ ولهذا أمره بإرساله.
وقد ذكر القاضي الحسين أن من الأصحاب من ذكر خلافا في أن المحرم هل يملك الصيد بالاصطياد أم لا؟ ومنهم من جعله مرتبا على الخلاف فيما إذا أحرم وفي ملكه صيد، هل يزول ملكه عنه أم لا؟ فإن قلنا ثم بالزوال، لم يملكه بالاصطياد، وإلا فوجهان، والفرق: أن هذا ابتداء، وذلك استدامة؛ فأشبه النكاح.
وقال: إنا إذا قلنا: لا يملكه، وجب الإرسال، فإن لم يرسله حتى تحلل ملكة، ولا
стр. 3300
يجب عليه إرساله. وإن قلنا: يملكه، وجب الإرسال أيضاً، فإن لم يرسله حتى تحلل، هل يجب [عليه] الإرسال؟ فيه وجهان، فإن قلنا بوجوبه كان له أن يأخذه في الحال.
ثم على القول الصحيح [في] أنه لا يملك الصيد بالبيع والهبة، فرعان: أحدهما: كما يمنع من شرائه يمنع من بيعه أيضاً.
قال الإمام: وليس هذا كتصرف الكافر في العبد المسلم؛ فإنا وإن منعناه من شرائه، لا نمنعه من بيعه من مسلم، والسبب فيه: أن بيعه من مسلم يزيل مادة الاعتراض، وإذا امتنع عن بيع عبده الذي أسلم في يده، فإنا نبيعه عليه من مسلم، فإن فعل ما نفعله نفذ، والمقصود في الصيد الإرسال ورفع اليد عنه، والمحرم ببيعه يورطه في التقييد والضبط؛ فكان البيع في معنى الشراء، وهذا مفرع -كما قال أيضاً- على أن الإحرام لا ينافي الملك، يعنى: فلا يزول بالإحرام.
وفي "الحاوي" و"تعليق" اليندنيجي و"البحر" و"الرافعي": أنا إذا قلنا: لا يزول ملك المحرم عن الصيد بالإحرام، كان حكمه حكم سائر أملاكه إلا في شيء واحد، وهو أنه لا يجوز له ذبحه، وما سوى ذلك من بيعه وهبته، فجائز له، وهذا مخالف لما ذكره الإمام.
الثاني: إذا قبل البيع والهبة، وقبضه، فعليه رده إلى صاحبه وما حكى عن نص الشافعي ﵁ فيما إذا وهب له أن يرسله- فقد قال الشيخ أبو حامد والقاضي الحسين وغيرهما: مراده: الإرسال إلى يد صاحبه؛ لأنه باق على ملكه.
ثم قال الشيخ أبو حامد: ويحتمل أن يحمل كلام الشافعي ﵁ على ظاهره؛ لأن البيع والهبة لا يزيلان عنه ضمان الكفارة برده إلى صاحبه؛ فإنه لو مات في يده كان عليه الجزاء؛ كما لو كان هو الصائد ووهبه من غيره، وما ذكره من عدم براءته من الضمان برده إلى صاحبه، هو المذكور في "الحاوي"، و"التهذيب"،
стр. 3301
و"التتمة"، و"تعليق" القاضي الحسين، وقالوا: إنما يبرأ إذا أرسله، فتوحش.
لكن البندنيجي قال: إنه إذا رده إلى صاحبه؛ زال عنه الضمانات معا، يعنى: ضمان قيمته لمالكه، وضمان الجزاء.
ثم قال الشيخ أبو حامد –سؤالاً على الاحتمال الذي أبداه-: فإن قيل: ملك صاحبه باق عليه، فكيف يجب إرساله ليتوحش؟
فجوابه: أنه أسقط حقه؛ لأنه كان سببا لثبوت يد المحرم عليه، وإيجاب إرساله عليه يحصل له بدله.
ولو لم يرده [لصاحبه] حتى مات في يده، وقد قبضه على حكم البيع والهبة- لزمه الجزاء، وضمنه لمالكه بالقيمة في البيع دون الهبة؛ لأنه لم يدفعه إليه على أن يستحق لأجله عوضا؛ كذا قاله الشافعي نصا في الهبة، وهو مبني على أصح الوجهين في "الروضة" في أن الهبة الفاسدة غير مضمونة.
لكن في "الحاوي" أن الوجهين في أن الهبة الفاسدة هل تضمن، مخرجان من اختلاف قوليه في أن الهبة هل تقتضي ثوابا أم لا؟ فإن قلنا: تقتضيه، ضمن، وإلا فلا.
وهذا فيه نظر.
وقد سوى الرافعي بين الهبة والبيع والوصية، وجعل الكل مضموناً عليه بالجزاء والقيمة.
стр. 3302
ولو لم يتلف الصيد في يده، لكنه تحلل وهو في يده –قال الماوردي: فمذهب الشافعي: أنه مضمون عليه بالجزاء والقيمة، يعني: في مسألة البيع، وكذا في الهبة؛ على أحد الوجهين الذي اقتضي بناؤه: أنه أصحهما.
وفيه وجه آخر: أنه يسقط عنه ضمان الجزاء.
وعلى القول المحكي في أصل المسألة في طريقة المراوزة: أنه يملكه بالبيع ويجب عليه إرساله، فو باعه حرم البيع، ولكنه ينعقد ويجب على المشتري الإرسال، وإذا أرسل فهل يكون من ضمان البائع؟ فيه خلاف مذكور في "الوسيط"؛ كما في العبد المرتد.
[قال الإمام: ولعل الأوجه القطع هنا بأنه من ضمان البائع، فإنا قد نقول في المرتد] إذا قتل: إنه قتل، لردته في الحال، والخطرات تتجدد حالا بعد حال، والسبب الذي نيط به وجوب الإرسال، قائم لا تجدد فيه، والله أعلم.
فرعان:- على القول بعدم ملكه الصيد [بالبيع] والهبة أيضاً-:
أحدهما: إذا باع محل صيدا من محل، ثم أحرم البائع، وأفلس المشترى- هل للبائع أن يختار عين ماله؟ قال ابن الصباغ والماوردي والقاضي الحسين: لا؛ لأنه يريد أن يتملك الصيد باختياره؛ فلا يجوز. نعم، إذا زال الإحرام قال في "الحاوي": كان له أن يرجع فيه.
الثاني: إذا اشترى صيدًا من حلال، وهو حلال، ثم أحرم البائع، ووجد المشتري به عيبا، فأراد رده عليه- قال ابن الصباغ: أنبنى ذلك على أنه هل يملكه بالإرث؟
فإن قلنا: يملكه –كما سيأتي- رده عليه؛ لأنه يرده إلى ملكه بغير اختياره.
стр. 3303
وإن قلنا: لا يرثه، ففيه وجهان- قلت: قالهما القاضي أبو الطيب [في "تعليقه" احتمالين-:
أحدهما: نعم؛ لأن ذلك حق المشتري؛ فلا يسقط بإحرام البائع.
والثاني: لا يرده. قال القاضي أبو الطيب:] فيرد عليه الثمن، ويوقف الصيد حتى يتحلل، فيرده عليه.
قال ابن الصباغ: وهذا يبعد؛ لأنه إذا ملك المشتري الثمن بالرد زال ملكه عن الصيد، ووجب عوده إلى البائع، وينبغي أن يقال: هو بالخيار بين أن يقف حتى يتحلل، [فيرد عليه]، أو يرجع بأرش العيب؛ لتعذر الرد في الحال.
قال: وهل يملك بالإرث؟ [فقد قيل: يملك]؛ لأنه قهري؛ وهذا هو الصحيح في "الوسيط"، و"المرشد"، و"الروضة"، وبه قطع الشيخ أبو محمد والصيدلاني؛ كما يرث الكافر المسلم، وقال الطبري: إن هذه طريقة القفال.
وقيل: لا يملك؛ لأن الإرث سبب الملك؛ فلا يملك به المحرم الصيد؛ كالبيع والهبة.
ولا يخفي أن هذا الخلاف مفرع على المذهب في أنه لا يملك الصيد بالبيع والهبة، أما إذا قلنا: يملكه بهما، ملكة بالإرث بلا خلاف، وقد صرح به في الروضة، وأنه مفرع –أيضاً- على أنه لا يزول ملكه [عنه] بالإحرام، أما إذا قلنا بزواله، فلا يرثه قولا واحدا؛ لأنه إذا امتنع الاستدامة، فالابتداء أولى؛ قاله القاضي أبو الطيب.
وحكى الإمام عن العراقيين: أنهما قالوا: إذا قلنا: الإحرام يقطع دوام الملك، ففي الإرث وجهان:
أحدهما: لا يملك به؛ لما ذكرناه.
والثاني: يملك به ويزول؛ فإنا نضطر إلى الجريان على قياس التوريث، فلنجر
стр. 3304
ذلك الحكم، ثم نحكم بعده بالزوال.
التفريع:
إن قلنا بالملك، قال في "الوسيط" و"التهذيب": إنه يجب إرساله.
ولو باعه، قال في "التهذيب": صح، ولا يسقط عنه [ضمان الجزاء؛ حتى لو مات في يد المشتري، وجب الجزاء على البائع، وإنما يسقط عنه] إذا أرسله المشتري.
وقال الإمام تفريعا على قول الملك الذي عليه فرعنا: إنه يزول ملكه عقيب موته؛ بناء على أن الصيد يزول الملك عنه بالإحرام.
وإن قلنا بعدم الملك، قال المتولي: إنه ينتقل لباقي الورثة، وإحرامه بالنسبة إلى الصيد مانع من موانع الإرث، وهو ما صدر به صاحب "البحر" كلامه.
وعن أبي القاسم الكرخي: أنه يبقي موقوفا، فإذا تحلل ملكه، وهو ما حكاه الشيخ أبو حامد، والمحاملي، والبندنيجي، والقاضي أبو الطيب، والماوردي، والقاضي الحسين، وصاحب "العدة"، والدرامي، وقال: إنه لو مات الوارث قبل تحلله، قام وارثه مقامه.
قال: وإن كان ملكه صيد، أي: في يده، أو [في] بيته، [فأحرم] –زال ملكه عنه في أحد القولين، أي: المذكورين في "الإملاء"؛ لأنه لا يراد للبقاء دوامه؛ فيحرم استدامته؛ كلبس المنعيط.
[قال:] دون الآخر؛ لأنه ملكه؛ فلا يزول بالإحرام؛ كالبضع.
ولأنه لو ملك صيدا في الحل، وأدخله الحرم، لم يزل ملكه؛ كذلك هنا؛ وهذا ما اختاره في المرشد.
فعلى هذا: يجوز له بيعه وهبته، ولا يجوز له قتله كما ذكرناه من قبل وفيه ما نقلناه عن الإمام، ولا يجب عليه –على هذا القول- إرساله.
стр. 3305
والذي اقتضاه إيراد ابن الصباغ: ترجيح الأول، وقال في البحر: إنه الأظهر، [[وقال] القاضي أبو الطيب في "تعليقه": إنه الأصح]، وعلى هذا لا يجب عليه السعي في إرساله قبل الإحرام؛ كما صرح به الإمام، وهل يؤمر بالإرسال بعده؟ فيه وجهان في "الرافعي" عن رواية [بعض] الأصحاب، والمشهور: الوجوب، فإن لم يرسله حتى مات، نظر:
فإن قصر فيه، ضمنه بالجزاء.
وقال البندنيجي: إنه يكون بمنزلة ما إذا طير الريح ثوباً إلى داره.
وإن لم يقصر في إرساله، قال الإمام: المذهب وجوب الضمان.
ومن أصحابنا من قال: لا يضمنه، وهو ما أورده البندنيجي وإليه يرشد كلام ابن الصباغ والقاضي أبي الطيب.
ولو لم يرسله حتى تحلل، ففي عود ملكه قولان في "المهذب" وغيره.
وقال ابن الصباغ والبندنيجي وغيرهما: إن الذي نص عليه وجوب الإرسال.
[وحكي عن أبي إسحاق] أنه قال: يعود الملك، ولا يلزمه الإرسال؛ كما إذا انقلب الخمر خلاً.
وحكى الإمام عن العراقيين القطع بوجوب الإرسال، وأنهم ترددوا فيما إذا قتله، هل يجب عليه الجزاء؟
وقال: إن القول بالمنع مزيف مع القطع بوجوب الإرسال.
ورتب المراوزة الخلاف في [هذه] المسألة على غير هذا النحو، فقالوا: إذا أحرم وفي ملكه صيد، هل يجب عليه إرساله وإزالة يده أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ كما إذا دخل به الحرم، وكما يجوز له استدامة النكاح دون ابتدائه.
وهذا ما ذكر الرافعي: أنه صححه المحاملي والكرخي وغيرهما من العراقيين.
وعن القاضي ابن كج طريقة [قاطعة] بهذا القول، معزية إلى أبي إسحاق، وأنه حمل النص بالإرسال على الاستحباب؛ فإنه على هذا يستحب [له] إرساله،
стр. 3306
وإذا أرسله، وأخذه غيره، فله إذا خرج من إحرامه أن ينتزعه من يده، ولو أرسله غيره من يده، ضمن المرسل.
والقول الثاني: نعم، وهذا الذي صححه الفوراني؛ كما لا يجوز له ابتداء أخذه.
والفرق بين ما نحن فيه ودخول الحرم به: أن حكم الإحرام آكد من حكم الحرم؛ بدليل أنه لو كان حلالاً، فاصطاد صيدًا في الحل بنية حرمي، يحل لذلك الحرمي أكله، ولو اصطاد الحلال صيدًا بنية المحرم، لا يحل للمحرم أكله، وعلى هذا فرعان:
أحدهما: هل يزول ملكه عنه أو لا؟
فيه قولان:
أحدهما: نعم، وهو الأصلح عند العراقيين؛ كما قال الرافعي، [لكن هل يزول بالإحرام]، أو بالإرسال ويكون الإحرام سبب وجوب الإرسال؟
فيه وجهان في "النهاية".
وعلى كل الوجهين إذا أخذه غيره بعد الإرسال، ملكه.
و [القول] الثاني: لا يزول ملكه؛ حتى لو أرسله غيره، ضمنه، وإذا أخذه غيره بعد امتثاله ما أمر به من إرساله، فله أن يسترده إذا خرج من إحرامه، على المشهور الذي قطع به المعظم.
وحكى الإمام – تفريعًا على هذا – عن شيخه تخريج وجهين في أنه هل يزول ملكه عنه بالإرسال؛ بناء على وجهين للأصحاب في أن من فتح قفصًا عن طائر إذا نوى تحريره، أو حل الرباط عنه، وهو حلال، وحرره – هل يزول ملكه عنه؟
الفرع الثاني: إذا لم يرسله حتى تحلل، فالأمر بالإرسال مستمر، وفيه وجه: أنه ينقطع.
قال: وإن احتاج إلى اللبس، لحر أو برد، أو إلى الطيب والحلق؛ لمرض،
стр. 3307
أو إلى ذبح صيد للمجاعة، أي: شدة الجوع، وهي بفتح الميم – جاز له ذلك؛ لقوله – تعالى -: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
قال: وعليه الكفارة.
أما في الحلق لمرض؛ فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقد اختلف المفسرون في المراد بالمرض:
فقال ابن عباس: هو البثور.
وقال غيره: هو الصداع.
وأما في الباقي، فبالقياس عليه، وسنذكر في أول باب كفارة الإحرام شيئًا يتعلق به.
وهكذا الحكم في كل محظور بغير عذر إذا أبيح للعذر، وجبت فيه الكفارة، إلا لبس السراويل عند عدم الإزار، والخفين المقطوعين وما في معناهما عند فقد النعلين كما تقدم؛ للنص عليهما، ولأنهما ليسا للترفيه وإزالة الضرر؛ فإن ستر العورة واجب، ولبس الخفين المقطوعين ونحوهما يقي الرجل من النجاسة؛ فخفف فيهما لذلك.
قال: فإن صال عليه صيد – أي: قصد الوثوب عليه – جاز له قتله للدفع، لا جزاء عليه؛ لأن الذي يتعلق به المنع ألجأه إليه؛ فأشبه العبد الصائل.
وكذا الحكم فيما لو انكسر من ظفره شيء فقطع المنكسر لا غير.
والفرق بينه وبين ما إذا آذاه القمل في رأسه، فحلق شعره: أن الذي يجب فيه الجزاء الشعر، والصيال من غيره.
فإن قيل: إذا تأذى بكثرة الشعر من الحر، فالصيال حصل من الشعر [فكان قياس ما ذكرتم ألا يجب فيه الجزاء عند الحلق.
стр. 3308
قيل: الأذى جاء من الحر لا من الشعر]؛ بدليل عدمه في البرد. نعم، قال الأصحاب: لو صال عليه حلال راكب حمار وحشٍ، ولم يتمكن من دفعه إلا بقتل الحمار – قال الصيدلاني: ففي الجزاء قولان للقفال، والذي أورده الأكثرون منهما: وجوبه، وهو قياس ما تقدم.
ولا خلاف فيما إذا ضمناه أن قرار الضمان على الراكب، وهكذا الحكم فيما إذا غصب دابة وصالت [على شخص]، فقتلت – في ضرورة الدفع؛ ففي وجوب الضمان على القاتل قولان، فإن ضمناه، كان قرار الضمان على الراكب، ولمالكها مطالبة الصائل على القولين، ومن هنا قال الإمام: إن بين ما ذكر في المحرم والغاصب فرقًا ظاهرًا؛ فإن الحلال على أحد القولين لا يغرم الصيد، ولكن يرجع المحرم عليه إذا غرم، وفي مسألة الغصب يتوجه الطلب على الغاصب قولاً واحدًا، وإنما الكلام في قرار الضمان كما سبق.
قال: فإن افترش الجراد – أي: انبسط كقولهم: أكمة مفترشة، أي: منبسطة.
[قال]: في طريقه، فقتله – ففيه قولان، أي: أومأ إليهما في "الأم"، وقد أثبتهما الإمام ومن تبعه وجهين:
وجه عدم الوجوب: أنه ملجأ إلى قتله؛ فكان كالصائل؛ وهذا ما جعله الرافعي أظهر، وصححه النواوي، وعن الشيخ أبي محمد طريقة قاطعة به.
ووجه الوجوب: أنه قتله لمنفعة نفسه؛ فأشبه ما لو قتله للمجاعة؛ فإنه يجب عليه الجزاء بلا خلف؛ وهذا ما اختاره في "المرشد".
стр. 3309
والقولان يجريان – كما قال البندنيجي وغيره – فيما إذا باض الحمام على فراشه، فنقل البيض – لحاجته إلى فارشه – ففسد.
وفيما إذا أكره المحرم على قتل صيد وجهان:
أحدهما: يجب الجزاء على المكره.
[والثاني: على القاتل، ويرجع على المكره].
قال: وإن نبتت في عينه شعرة، فقلعها، لم يلزمه شيء؛ لأنها كالصائلة؛ نص عليه، وألحق الأصحاب [به] ما لو نزل شعر الرأس أو الحاجب عليى عينه، فقطع ما غطاها.
وقيد قيل: بجريان القولين في المسألة قبلها فيهما، حكاهما الشيخ أبو علي وغيره.
وفي "تعليق" القاضي الحسين الجزم بما إذا نبتت في عينه شعرة، فقلعها: أن عليه الفدية؛ وفيما لو انعطف هدبه إلى عينيه، فآذاه؛ فنتفه أو قطعه – بأن لا فدية وفرق بأن ذلك في موضعه ولم يؤذ، وإن تأذى صاحبه بمكانه.
قال: وإن تطيب أو لبس أو ادهن ناسيًا – أي: لإحرامه – لم تلزمه الكفارة، أي: خلافًا للمزني.
ووجهه: ما روى البخاري ومسلم عن يعلى بن أمية: أن رجلاً أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة، قد أهل بالعمرة، وهو معصفر لحيته ورأسه، وعليه جبة، فقال: "انزع عنك الجبة، واغسل عنك الصفرة، وما كنت صانعًا في حجك، فاصنعه في عمرتك".
وجه الدليل منه: أنه كان جاهلاً بالتحريم، وقد أمره – ﵇ – بالنزع
стр. 3310
والإزالة، ولم يأمره بالفدية، ولو كانت واجبة لبينها [له]، فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وإذا ثبت هذا الحكم في الجاهل بالحكم، فالناسي مثله؛ لأنه يفعل مع جهل التحريم.
وقد [عرفت بما ذكرناه] حكم الناسي لإحرامه والجاهل بالتحريم، وهو ما صرح به القاضي الحسين وغيره.
نعم، حكى القاضي أبو الطيب في أن من ادعى الجهل بالعلم بالتحريم في زماننا هل يقبل قوله، أو لا [يقبل] ويلزمه التكفير؟ وجهين.
وإذا ذكر الناسي ما نسيه، وعلم الجاهل ما جهله – نزع اللباس، وأزال الطيب.
والمستحب أن يزيله عنه [محل]، فإن لم يفعل، وغسله هو، جاز ولا شيء عليه، ولا يلزمه شق القميص والخروج منه، كالفرجية والقباء بل ينزعه من رأسه على الفور، وكذا إزالة الطيب، فإن لم يقدر على ذلك لعجزه، لم تلزمه الفدية. وإن استدام مع القدرة على الإزالة لزمته [الفدية] ويفارق استدامة ما تطيب به قبل الإحرام على المذهب؛ فإن ابتداءه مندوب إليه، والتطيب هنا ليس بمباح، وإنما سقط حكمه لنسيان فاعله؛ كما نقول فيما إذا أفطر يوم الشك، ثم قامت البينة بأنه من رمضان – لم يجز له استدامة الأكل فيه؛ لأن الفطر مع العلم بأنه من رمضان محرّم، بخلاف ما إذا أفطر بالسفر ثم قدم يجوز له الأكل؛ لأن ابتداء الفطر كان مباحًا مع العلم بأنه من رمضان.
[فروع:
أحدها: لو] مسَّ طيبًا على الكعبة ظنه يابسًا، فكان رطبًا، وعلق بيده – فقولان:
стр. 3311
أحدهما، تجب؛ كما لو مسه مع العلم برطوبته، وهذا ما جزم به في "الوجيز" ورجحه الإمام وغيره.
والثاني: لا، وهو الذي رجحه طائفة، وذكر صاحب التقريب: أنه القول الجديد.
[الفرع الثاني]: إذا علم تحريم الطيب [وجهل كون الشيء] الذي مسه طيبًا – فجواب الأكثرين: أنه لا فدية؛ لأنه إذا جهل كونه طيبًا، فقد جهل تحريم استعماله.
وحكى الإمام وجهًا آخر: أنها تجب.
[الفرع الثالث]: الصبي إذا تطيب، أو لبس المنعيط، ففي لزوم الكفارة له قولان مأخوذان من حكم عمد الصبي، هل هو كالخطأ أو [كعمد المكلف]؟
والراجح – على ما اقتضاه كلام الإمام الذي سنذكره من بعد -: ترجيح الوجوب.
ثم حيث ثبتت، ففي ماله، أو في مال الولي؟ فيه الخلاف الذي سبق في الكتاب.
وحكم الناسي للإحرام إذا فاخد أو قبل أو لمس بشهوة، حكم الناسي للإحرام إذا تطيب ولبس، وكذا لو فعل ذلك جاهلاً بالتحريم.
قال: وإن قتل الصيد، أو حلق رأسه، أو قلم الظفر ناسيًا – لزمته الكفارة؛ لأن إتلاف مال أو ما [هو] في معناه؛ فاستوى في ضمانه السهو والعمد، كإتلاف مال الآدمي، هذا هو المنصوص.
وقيل: في الحلق والتقليم قول آخر: أنه لا تلزمه [الكفارة]؛ لأنه ترفه وزينة فأشبه التطيب. وهذا القول مخرج من أحد القولين المنصوصين في "الأم" في المجنون إذا قتل الصيد؛ كما قاله أبو الطيب.
стр. 3312
وحكى ابن الصباغ [وغيره قولاً آخر مخرجًا مما ذكرناه عن "الأم" – أيضاً – فيما إذا قتل الصيد ناسيًا: أنه لا يلزمه الكفارة.
وقد قال الإمام قبل جزاء الصيد بورقتين وشيء: إنه وجد ذلك محكيًا عن حرملة عن الشافعي، ولفظه: "إنما يعذر متلف الصيد بما يعذر به المتطيب".
وقد وجهه ابن الصباغ] بأن الصيد على الإباحة، وإنما منع من قتله؛ تعبدًا، فلا يجب إلا على مكلف.
قال: ومن أصحابنا من فرق بينهما، وقال: إنما سقط الضمان عن المجنون؛ لأنه غير مكلف، [والناسي مكلف].
وفي موضع آخر أيد الفرق بأنه لو حلف: "لا يدخل دارًا، فدخلها مجنونًا – لم يحنث قولاً واحدًا، ولو دخلها ناسيًا، فقولان، والصحيح ما ذكره الشيخ أولاً.
والفرق بين ما نحن فيه والطيب واللباس ونحوهما من الاستمتاعات: أن الاستمتاعات تميل الطباع إليها [ولا يتكامل فيها القصد، فذر بالنسيان، والإتلافات على خلاف الطبع] فلا يقدم عليها إلا عن تكامل قصد ووجود رؤية؛ فلذلك كان حكم العمد [والنسيان فيها] سواء.
стр. 3313
فإن قيل: هذا الفرق وإن راج في القتل، فلا يروج في الحلق والتقليم؛ لأنهما من جملة الاستمتاعات.
قيل: وجوب الفدية فيهما لما فيهما من الإتلاف؛ إذ حقيقة الإتلاف: أن يفعل ما لو أراد أن يرده إلى حاله لم يمكنه ذلك، وهذان بهذه الصفة.
وحكم الجهل بتحريم ذلك في الإحرام، حكم النسيان.
قال: وإن جامع ناسيا – أي: في القبل أو الدبر – ففيه قولان:
أصحهما: أنه لا تلزمه الكفارة، أي: ولا يفسد به نكسه؛ لقوله – ﵇: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
ولأن الإحرام عبادة يجب بإفسادها الكفارة، فاختلف حكم الوطء فيه بالعمد والسهو؛ كالصوم. وهذا هو الجديد، والصحيح في "الحاوي" وغيره.
وقال في القديم: يفيسد حجه، ويلزمه الكفارة؛ لأنه معنى يتعلق به قضاء الحج؛ فاستوى فيه العمد والنسيان؛ كفوات الوقوف.
ومثار القولين – كما قال القاضي الحسين -: أن الوطء استمتاع [مشوب بالإتلاف]؛ فالجديد: تغليب الاستمتاع؛ كالطيب؛ والقديم: تغليب الإتلاف، وفرق بينه وبين الصوم: بأن محظورأنه تختص بالاستمتاع.
وعلى القولين في الأصل ينبني – كما قال ابن الصباغ – ما إذا أكره على الوطء أي إن تصور كما هو أحد القولين في طريق المراوزة [أيضاً].
ومختار [أبي علي] بن أبي هريرة: القطع بالفساد: ذهابًا إلى أن إكراه الرجل على الوطء ممتنع. والصحيح خلافه.
والصبي إذا جامع عامدًا، إن [قلنا]: عمده كعمد البالغ، [فالحكم كما تقدم] وإلا خرج على القولين.
стр. 3314
قال: إن حلق رأسه مكرهًا أو نائمًا، وجبت الفدية على الحالق – [أي: وحده – في أحد القولين، وعلى المحلوق له في الآخر – أي: مع الحالق – ويرجع بها على الحالق]، أي: إن غرم ولم يصم.
والقولان ينبنيان – كما قال الشيخ أبو حامد؛ تبعًا لأبي إسحاق المروزي – على أن شعر المحرم في يده كالعوديعة او كالعارية؟ وفيه قولان حكاهما البندنيجي وأبو الطيب:
وأصحهما: الأول عند ابن الصباغ؛ تبعًا لشيخه القاضي أبي الطيب؛ لأن العارية هي [التي] يمكسها لمنفعة نفسه، وقد يريد المحرم الإزالة دون الإمساك، فإن قلنا به، ضمنه الحالق؛ كما لو أتلف وديعة عند إنسان بغير تفريط من المودع، وهو ما نص عليه في "الإملاء" والقديم؛ كما قال البندنيجي وأبو الطيب، وهو الصحيح في "الرافعي" [و"تعليق" القاضي الحسين]، والمختار في "المرشد"، وبه أجاب في "الوجيز"، وقوي بأنه لو [احترق شعره بالشرار المتطاير]، ولم يقدر على التطفئة – لا فدية عليه؛ ولو كان كالمستعير لوجبت؛ هكذا قاله العراقيون، وستعرف ما فيه.
وإن قلنا: [إنه] كالعارية؛ كانت على المحلوق له، ويرجع بها على الحالق؛ كما لو أتلف العارية في يد المستعير؛ فإن للمالك تضمين المستعير، وإذا غرم رجع على المتلف.
وقد ذكر المزني أن الشافعي – ﵁ – خط على هذا القول، والأصحاب نقلوه عن البويطي وعن "مختصر الحج الأوسط" وقالوا: إنه فيهما غير مخطوط عليه، وهو يجري – كما قال القاضي الحسين – فيما [لو] احترق شعره بتطاير
стр. 3315
الشرار، ولم يقدر على التطفئة؛ إذا قلنا: إن العشر في يده عارية، وهذا [ما] أشرت إليه من قبل. وقال: إن نظير القولين في المسألة الوجهان في وجوب الضمان على المكره على إتلاف المال.
التفريع:
إذا قلنا بالقول الأول، فلا فرق فيه بين أن يكون الحالق محرمًا أو حلالاً.
قال الإمام: وهو مما لم يختلف الأئمة فيه، وأقرب مسلك فيه تشبيه شعر المحرم في حق الحلال بصيد الحرم وشجره، وهو ما ذكره البندنيجي أيضاً.
ويجوز للحالق أن يكفر بالصوم والإطعام والذبح، وإذا لم يكفر مع القدرة كان للمحلوق مطالبة الحالق – وإن كان محلا – بإخراج الفدية؛ كحاه البندنيجي وغيره.
وقال الإمام: إني وجدت الطرق متفقة على ذلك، وهو مشكل في المعنى، والتعويل على النقل.
وما ذكره من الإشكال قد أشار إليه ابن الصباغ أيضاً، ونسب الرافعي هذا إلى قول الأكثرين، وقال: إنه مبني على أن للمودع المنعاصمة.
لكن ستقف في كتاب الرهن على [أنه] ليس له ذلك، وحكاية وجه آخر فيه في آخر باب الوديعة.
وإن قلنا بالقول الثاني، فأراد الحالق أن يكفر ابتداء، فليس له الصوم؛ لأنه لا يتحمل، وهو مخير بين الذبح والإطعام؛ قاله القاضي أبو الطيب، وقال: إنا لا نطالب المحلوق بالإخراج ابتداء، بل الحالق.
وقال الإمام: إن في عدم صومه وقفة عندي؛ فإنه لا يمكننا أن نلزم المحرم أن يصوم، والكفارة على التخيير ويبعد أن يتعين الطعام في حق الحلال.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن الحالق لو أخرج الفدية ابتداء، لا تقع الموقع، وإن كان القرار عليه، بخلاف ضمان الأموال؛ فإن المكره لو غرمه برئ
стр. 3316
المكره على أحد الوجهين؛ لأن الفدية [فيها] معنى القربة؛ إذ هي واجبة بسبب العبادة؛ فلا بد فيها من قصد [و] نية من جهة. من لاقاه الوجوب. نعم، لو أخرج ذلك بإذن المحلوق، أجزأه؛ وبهذا يحصل في المسألة وجهان.
وقد جزم في الحاوي القول بجواز التكفير منه بالإطعام والذبح، وحكى وجهين في التكفير بالصوم، وأن أصحهما: الجواز؛ لأن الوجوب مستقر عليه، وكان مخيرًا فيه.
ولو أراد المحلوق أن يكفر، كفر بالمال، ورجع بأقل الأمرين من الشاة أو ثلاثة آصع؛ لأنه أقل الواجب.
وقال في "الحاوي": إن كفر بأقل الأمرين رجع به، وإن كفر بأكثر الأمرين فهل يرجع بأقل الأمرين أم لا يرجع بشيء؟ فيه وجهان، [و] وجه الثاني: أنه غارم عن غيره؛ فلم يكن [له] إسقاط الحق بشيء يقدر على الإسقاط بدونه، وإذا لم يكن له ذلك صار كالمتطوع به.
وهل يجوز أن يكفر بالصوم؟ فيه وجهان:
الذي قاله أبو علي بن أبي هريرة: لا، وهو الذي أورده الماوردي، ووجهه بأن التحمل لا يدخل في الصوم.
والذي قاله أبو إسحاق: نعم؛ فعلى هذا إذا صام هل يرجع بشيء على الحالق؟ فيه وجهان:
الذي قاله عامة الأصحاب – كما قاله ابن الصباغ وغيره -: لا، وهو الأظهر.
وعلى مقابله: بماذا يرجع؟ فيه وجهان [حكاهما ابن القطان]:
أحدهما: بثلاثة أمداد، قال أبو علي الطبري: وهو الأظهر؛ لأن صوم كل يوم مقابل بمد.
والثاني: بأقل الأمرين من الشاة أو ثلاثة آصع.
стр. 3317
وهل له أن يرجع حيث أثبتنا له الرجوع قبل أن يغرم؟ فيه وجهان، أظهرهما: لا.
أما إذا حلق [رأس المحرم] بإذنه، كانت الفدية عليه قولاً واحدًا، ولا شيء على الحالق، سواء كان حلالاً أو محرمًا؛ لأن الحلق منسوب إليه، فإن العادة أن الإنسان لا يحلق [شعره] بنفسه، وإنما يحلقه غيره بإذنه؛ ولهذا لو حلف: لا يحلق رأسه، فأمر غيره، فحلقه – حنث. نعم، يعصي الحالق؛ لإعانته على المعصية.
فإن قيل: لو أمر المحرم شخصًا بقتل صيد، فقتله – لا ضمان على الآمر؛ [فهلا كان] هذا مثله؟
قيل: لأن الشعر في يده، بخلاف الصيد. نعم، لو كان الصيد في يده، ضمنه؛ وهذا يعكر عليه ما حكاه الماومردي فيما إذا أمر [حلال] حلالاً بحلق [شعر محرم]، كانت الفدية على الآمر دون الحالق.
وقال في "البحر": عندي أن هذا إذا كان المحلوق [نائمًا والحالق لا يعرف الحال.
ولو حلق رأسه وهو ساكت فهو كما لو حلق وهو] نائم، أو حلق بأمره؟ فيه طريقان، المختار منهما في "تعليق" القاضي الحسين [و] في "التهذيب" و"الرافعي" و"المرشد" الثاني.
وجميع ما ذكرناه يجري فيما [إذا قلم] ظفر المحرم غيره؛ صرح به البندنيجي وغيره.
قال: ويجوز للمرأة لبس القميص والسراويل [والخف والخمار]؛ لما روى أبو داود والترمذي عن ابن عمر: أنه سمع رسول الله ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مس الورس أو الزعفران من الثياب، وليلبسن بعد ذلك ما
стр. 3318
أحببن من ألوان الثباب، معصفرًا أو خزًّا أو حليًّا، أو سراويل أو قميصًا أو ذهبا.
قال: وفي لبس القفازين قولان:
أصحهما: أنه لا يجوز لها ذلك؛ للخبر، وبالقياس على الرجل؛ فإنه يحرم عليه لبسهما قولاً [واحدًا] [كما تقدم؛ وهذا ما] نص عليه في "الأم" و"الإملاء" والقديم، ووافق الشيخ في تصحيحه أكثر النقلة، ومنهم البغوي، وصاحب "البحر".
فعلى هذا: لو لبستهما، أو أحدهما، لزمتها الفدية.
ومقابله: أنه يجوز، وهو الأصح في "الوسيط"، والمنصوص في "مختصر الحج الأوسط"، ونقله في "المختصر"، وقال الإمام: لعله الأظهر؛ لقوله – ﵇: "إحرام المرأة في وجهها؛ فلا تغطِّه"، رواه ابن عمر.
وقد روي أن سعد بن أبي وقاص كان يلبس جواريه وبنأنه القفازين وهن محرمات.
ولأنه يجوز لها ستر اليدين بغير المنعيط بلا خلاف؛ كما قال الإمام، ولم يحك
стр. 3319
العراقيون غيره؛ فكذلك بالمخيط؛ كالرجلين.
[وأما] الخبر، ففي إسناده محمد بن إسحاق، وهو متكلم فيه.
وأيضاً: فقد قال كثير من العلماء: إن ذكر القفازين إنما هو قول ابن عمر، وليس عن النبي ﷺ .
لكن لمن صحح الأول أن يقول: قد جاء في "البخاري" و"مسلم" وغيرهما عن نافع عن ابن عمر في حديث طويل: "ولا تنتقب المرأة [الحرام]، ولا تلبس القفازين".
و [أما] خبر ابن عمر فقد قيل: إنه موقوف عليه، وإن صح فإنه محمول على بيان ما يجب على المرأة كشفه في الإحرام؛ ولذلك نقول: لا يجب عليها أن تكشف غير وجهها.
و [أثر] ابن أبي وقاص والقياس، غير معمول به مع ما ذكرناه من صحة الحديث، على أن القاضي الحسين حكى فيما إذا قلنا بتحريم [لبس] القفازين وجهين في تحريم ستر اليدين بغير المخيط.
قلنا: إن منع الحكم في الأصل المقيس عليه، وقد حكى الشافعي – ﵁ – أنه علق القول في ذلك على صحة الحديث، وقد صح.
ثم على القول الثاني إذا لبستهما ففي "الأم": أنه لا فدية عليها، وقال في "الإملاء": عليها الفدية.
قال القاضي أبو الطيب: قال أصحابنا: إنما قال ذلك على سبيل الاستحباب والاحتياط [، لا] على سبيل الوجوب.
تنبيه: القفاز – بقاف مضمومة، ثم فاء مشددة، ثم ألف، ثم زاي -: شيء يعمل من البرد لليد؛ ليغطي الأصابع والكف والساعد، ويحشي بقطن، ويكون له
стр. 3320
أزرار على الساعدين، تلبسه المرأة في يديها؛ قاله الجوهري.
وقيل: إنه ضرب من الحلي تتخذه المرأة ليديها.
فرع: إذا اختضبت المرأة، ولفَّت على يديها المنعضوبتين خرقة:
فإن شدتها عليهما، قال القاضي الحسين والبندنيجي: ففيها قولا لبس القفازين.
وإن لم تشدها، فعلى القول الذي لا يجوز لها لبس القفازين فيها وجهان؛ لأنه ستر بغير مخيط؛ كذا قال القاضي – أيضاً – وحكاه أبو الطيب عن ابن المرزبان وأبي حامد.
والمذكور في "البحر": أن الشافعي قال في "الأم": وإن اختضبت المحرمة ولفَّت على يديها خرقة، رأيت علها أن تفتدي.
وقال في "الإملاء": لا يبين لي أن عليها الفدية.
ونقل أبو حامد ذلك إلى "الجامع"، وأثبتهما قولين، وقال الرافعي: إنهما مفرعان على القول بتحريم القفازين، أما إذا قلنا بعدم التحريم لم تجب قولاً واحدًا.
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب: أنه لا فدية عليه قولاً واحدًا؛ لأنا لو أوجبنا الفدية عليها لأوجبناها بالخضاب بما يستر يديها، ولأن الخرق ليست معمولة على قدر العضو؛ فأشبهت كميها تغطي بهما يديها.
وقال الرافعي: إنا إذا أوجبنا الفدية عند شد الخرقة، كان في وجوبها بمجرد الحناء ما سبق في الرجل إذا خضب رأسه بالحناء.
قال: ولا يجوز لها ستر وجهها، أي: بمخيط ولا غيره وإن جاز للرجل؛ للخبر، فلو خالفت وجبت عليها الفدية؛ لأنها فعلت محظورًا في الإحرام كالحلق.
والجزء فيما ذكرناه كالكل، اللهم إلا الجزء الذي لا يمكن ستر الرأس إلا به؛ فإنه معفو عنه للضرورة؛ نص عليه في "الأم".
فإن قيل: إذا كان كشف الوجه واجبًا، فهلا قلتم: تكشف جميعه، ولا تستوفيه إلا بكشف جزء من الرأس، فلم قدمتم الكشف على الستر؟
قيل: الرأس إنما وجب ستره من المرأة؛ لأنه عورة، [وذلك موجود في جميعه؛
стр. 3321
فوجب ستر الجميع، والوجه إنما نهي فيه عن النقاب]، وذلك القدر ليس بنقاب ولا في معناه، ولأن الغرض بذلك أن يظهر شعار الإحرام، وذلك لا يفوت بفوات جزء منه، بخلاف ستر العورة، ولأن الستر آكد؛ فقدم.
فإن قيل: لم جعل إحرام الرجل في رأسه والمرأة في وجهها؟
قيل: لأن المرأة تستر الوجه في الغالب؛ فأمرت بكشفه نقضًا للعادة تعبدًا، والرجل يستر الرأس في العادة؛ فأمر بكشفه نقضًا للعادة تعبدًا.
قال: فإن أرادت الستر عن الناس، أي لحر أو برد أو لا لغرضٍ – سدلت، أي: أَزْخَتْ، على وجهها ما يستره، ولا يقع على البشرة؛ لما روى أبو داود عن مجاهد عن عائشة قالت: كان الركبان يمرون بنا، ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا جاوزونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه.
وما قيل من أن حديث مجاهد عن عائشة مرسل؛ لأنه لم يسمع منها – ففيه نظر؛ لأن البخاري ومسلمًا في "صحيحيهما" أخرجا من حديث مجاهد عن عائشة أحاديث، ومنها ما هو ظاهر في سماعه منها، ثم لو ثبت ذلك أخذنا هذا الحكم بالقياس على ما لو ستر الرجل رأسه من الشمس وغيرها بما لا يقع عليه؛ فإنه جائز – كما تقدم – لرواية مسلم وغيره عن أم الحصين قالت: حججنا مع النبي ﷺ حجة الوداع، فرأيت أسامة وبلالاً وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي ﷺ ، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة.
وصورة الستر على الهيئة التي قالها الشيخ: أن تأخذ ثوبًا فتشده على قصاص الشعر كالكور، وتسدل عليه الثوب، وتمسكه بيدها؛ حتى لا يمس وجهها كذا قاله الماوردي.
وقال القاضي الحسين: إن ذلك لا يمكن إلا بأن تضع خشبتين على أذنيها وتشدهما بخيط، وتسدل الثوب عليهما متجافية.
ثم إذا فعلت ذلك وباشر الوجه: فإن أزالته في الحال فلا شيء عليها، وإن تركته
стр. 3322
مع القدرة وجبت الفدية؛ كما لو ابتدأت الستر.
ولو سترت وجهها بكفها جاز؛ كما لو ستر الرجل رأسه بيده.
تنبيه: كلام الشيخ يفهم أمرين:
أحدهما: أنه لا فرق فيما ذكره بين الحرة والأمة، ولا إشكال في جريانه في الحرة، وأما الأمة فالحكم في وجهها وكفيها كالحكم في وجه الحرة وبدنها، وأما رأسها وساقها فهل يتعلق بهما الإحرام كالوجه؛ لأن ذلك ليس بعورة منها؟ فيه طريقان في "تعليق" القاضي أبي الطيب:
إحداهما – وبها قال القاضي أبو حامد -: لا؛ كالحرة.
والثانية – قالها غيره-: فيهما وجهان؛ كما أن في كفي المرأة إذا لبست القفازين قولين.
وهذا إذا لم نقل: إن عورتها كعورة الرجل، أما إذا قلنا به فقد حكى القاضي – أيضاً – فيها وجهين:
أحدهما: أنها كالرجل في الإحرام سواء.
والثاني: أنها بمنزلة الحرة.
ومن نصفها حر ونصفها رقيق، هل حكمها في الإحرام حكم الأمة أو الحرة؟ فيه وجهان.
الأمر الثاني: أن الأنوثة هي المقتضية لجواز لبس المنعيط وستر الرأس وغير ذلك – كما تقدم = وهو ما أورده الرافعي وغيره؛ حيث قالوا: إن الخنثى المشكل لو ستر رأسه، ولبس المنعيط، وكشف الوجه، أو غطى وجهه بغير مخيط وحده، وكشف رأسه – لا يلزمه الكفارة؛ للشك في الموجب.
لكن في "تعليق" القاضي أبي الطيب: أنه لا خلاف على المذهب أنا نأمره بالستر ولبس المنعيط؛ كما نأمره أن يستتر في الصلاة كاستتار المرأة، وهل تلزمه الفدية؟ فيه وجهان، وجه الوجوب: الاحتياط؛ كما لزمه الاستتار في الصلاة احتياطًا للعبادة، ولا خلاف أنه لو غطى رأسه وستر وجهه لزمته الفدية.
стр. 3323
واعلم أن الشيخ قد بيّن ما تخالف المرأة فيه الرجل بسبب الإحرام، ولم يستوعبه بالذكر؛ فإن الأصحاب قالوا – حكاية عن النص -: إنه يستحب لها أن تختضب للإحرام كما تقدم، بخلاف الرجل، والله أعلم.
وقد نجز شرح مسائل الباب، ولنختمه بذكر فروع تتعلق به:
هل يكره للمحرم الاكتحال بما لا طيب فيه؟ فيه قولان، وإذا قلنا بالكراهة فهي في حق النساء أشد.
يجوز للمحرم أن يدخل الحمام ويغسل شعره بالماء والسِّدر، وأن يفتصد ويحتجم ما لم يقطع من شعره شيئًا.
يكره له أن يلبس الثياب المصبغة، ويحرم على الرجل لبس المزعفر كما تقدم.
ينبغي للمحرم أن ينزِّه إحرامه عن الخصومة والسبِّ والكلام القبيح؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ولقوله ﷺ : "من أتى البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمُّه" أخرجه البخاري في صحيحه.
стр. 3324
باب كفارة الإحرام
إذا تطيب أو لبس - أي: ما يحرم لبسه بسبب الإحرام - أو باشر فيما دون الفرج بشهوة أو دهن رأسه، أو حلق ثلاث شعرات، أي: في دفعة واحدة من شعر مضمون عليه بالجزاء، أو قلم ثلاثة أظفار - أي بالشرط الذي ذكرناه - بعذر كان جميع ذلك أو بغير عذر: لزمه دم، وهو مخيَّر بين أن يذبح شاة - أي: تجزئ في الأضحية - وبين أن يطعم ثلاثة آصعٍ: لكل مسكين نصف صاعٍ، وبين أن يصوم ثلاثة أيام.
[ثم] اعلم أن الدليل على وجوب الكفارة في هذا الأشياء قد تقدم في الباب قبله عند ذكر الشيخ لها، والمقصود الآن بيان ما هي الكفارة الواجبة في ذلك؟
وكونها على التخيير:
[ووجهه في حلق شعر الرأس بالعذر الآية المفسرة بحديث كعب بن عجرة؛ لأن تقديرها: ولا تحلقوا شعر رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله - لأن الرأس لا تحلق - فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه؛ فحلق، فعليه فدية.
والشعر جمع يصدق على ثلاث شعرات، فأوجبنا [بحلقها الفدية].
فإن قيل: هذا جمع قوبل بجمع؛ [فوجب] أن تتوزع الآحاد على الآحاد حتى نقتضي لكل واحد شعرة واحدة.
قيل هذا صحيح [فيما يتحد]، فأما فيما يتعدد فيقتضي عددًا لكل واحد من آحاد الجمع.
قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخرها، فحرّم على الرجل جميع أخوأنه ولا يختص التحريم بواحدة منهن؛ لما بيناه، فكذلك
стр. 3325
فيما نحن فيه.
ووجهه في حالة عدم العذر؛ أن كل كفارة ثبت فيها التخيير إذا كان سببها مباحًا [ثبت فيها التخيير] إذا كان سببها محظورًا؛ ككفارة اليمين، وقتل الصيد.
ولأن الله – تعالى – أوجب الكفارة، [وأثبت الخيار في قتل الصيد متعمدًا، ونبّه بذلك على ثبوته في الحلق متعمدًا].
وأثبت الخيار في الحلق للعذر، ونبه بذلك على ثبوته في قتل الصيد فكان في كل واحدة من الاثنتين تنبيه على الأخرى.
ووجهه في الباقي في الحالين القياس على ما ذكرناه؛ لأنه في معناه.
وقد حكى الماوردي أن الشافعي – ﵁ – نص في "الأم" على أن الآية دالة على ذلك – أيضاً – في ذم تقليم الأظفار، وترجيل الشعر، والطيب، واللباس، وتغطية رأس الرجل، ووجه [المرأة، ويكون] تقدير الآية: فمن كان منكم مريضًا فتطيب، أو لبس، أو أخذ ظفره، لأجل مرضه، أو كان به أذى من رأسه؛ فحلق – ففدية من صيام، أو صدقة، أو نسك.
وفي "البحر" نسبة هذا القول إلى أبي إسحاق، والصحيح نسبته إلى الشافعي؛ فإن الإمام – أيضاً – عزاه إلى نصّه في "الإملاء"، وقال في توجيهه: إن الآية ليستْ ناصة على الحلق، وإنما هي مشتملة على دفع الأذى، وقد تقع برأس المحرم شجة؛ فيحتاج في دفع أذاها إلى الستر والحلق واستعمال دواء فيه طيب.
لكن المشهور أن الحكم فيما ذكرناه غير الحلق ثابت بالقياس كما ذكرناه، وقد حكاه في "الحاوي" وغيره عن نصه في "الإملاء" [و] أن ذلك ليس بداخل في لفظ الآية، وبه يحصل في الآية قولان له.
ثم ما ذكره الشيخ هو المنصوص عليه في الكتب الجديدة والقديمة كما قال في
стр. 3326
البحر]. والمذكور في طريقة العراق، ووافقهم في كفارة حلق الشعر – [التي تسمى: كفارة الأذى، وسماها الشافعي – ﵁ – في "الإملاء": فدية التعبد؛ لأن الشرع تعبد فيها بقدر الطعام وأعداد المساكين] – المراوزة للآية.
قال الرافعي: والقلم ملحق به بلا خلاف، وقالوا في كفارة المباشرة فيما دون الفرج بشهوة: إنها دم شاة، فإن لم يجد، تقوّم الشاة دراهم، والدراهم طعامًا بسعر مكة، فإن لم يكن، صام عن كل مد يومًا.
وإن فيه قولاً آخر: أنه يكون على التخيير، كذا أورده القاضي الحسين والإمام والغزالي، وهو يقتضي أن [يكون] الراجح عندهم الترتيب، [وبه صرح في "التهذيب".
وقالوا في كفارة الاستمتاع الذي ينفرد به، مثل: الطيب، واللباس، ونحوهما – قولان محكيان في "البحر" أيضاً:
أحدهما: أنها على الترتيب] وهو الذي ذكره في "الأوسط"، ونقله المزني.
والثاني: قاله في "الإملاء في المناسك"، و"الأوسط": "إنها" على التخيير.
وقال القاضي الحسين: إنهما ينبنيان على أن الطيب واللباس هل يتضمنها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الآية [البقرة: ١٨٤]، أو يتضمن الحلق فقط؟ وفيه قولان – أي: للشافعي – كما تقدم.
فإن قلنا: يتضمن الكل فهي على التخيير، وإلا فعلى الترتيب.
стр. 3327
وعلى هذا إذا فقد الطعام وعدل إلى الصوم، ففيه وجهان:
أحدهما: صوم التعديل.
والثاني: صوم التمتع: عشرة أيام.
والماوردي جزم القول بأنها كفارة تخيير، لكنها تجري مجرى كفارة الحلق أو جزاء الصيد؟ فيه وجهان تظهر فائدتهما فيما إذا لم يخرج الدم.
ثم ما ذكرناه من تقييد كلام الشيخ بقولنا: "من شعر أو ظفر مضمون عليه بالفدية" احترزنا به عما إذا حلق ذلك من شعر حلال، أو صيد أو من شعر [نبت في عينه]، أو قلم ثلاثة أظفار [من] حلال، أو من أظفاره التي انكسرت -[فإنه] لا يجب عليه في ذلك شيء كما تقدم.
واعلم: أن الكفارة لا تتعدد بزيادة الشعر المحلوق، والأظفار المقلمة على ثلاثة مع اتحاد الزمان وتقاربه، بل إذا حلق جميع شعر رأسه وجده، أو قلم جميع أظفار يديه ورجليه على الولاء أو في دفعة واحدة، ويتصور ذلك بتعاطى الغير، ذلك بإذنه - كان الواجب كفارة واحدة؛ نص عليه، وقاسه الأصحاب على ما لو غطى رأسه ولبس القميص والخف، في مجلس واحد - فإنه لا يلزمه غير فدية واحدة.
وعن أبي القاسم الأنماطي: أنه يلزمه فيما إذا حلق شعر رأسه وبدنه فديتان؛ لأن شعر الرأس يخالف شعر البدن في الحكم؛ لأنه يتعلق النسك يحقه دون شعر البدن، [فكان كالطيب] واللباس ومما ذكره من العلة ينقطع إلحاق القلم به.
стр. 3328
وحكى الفوراني وجها آخر فيما إذا أخذ ثلاث شعرات من ثلاثة مواضع من البدن مختلفة مع اتحاد المكان وتواصل الزمان؛ أنه يلزمه في كل شعرة ما يلزمه إذا اقتصر على حلقها كما سنذكره.
وهذا الوجه لا مايع من جريان مثله في تقليم الأظفار، لكنه ووجَه الأنماطي بعيدان.
تنييهان:
أحدهما: كلام الشيخ يفهم أن المباشرة فيما دون الفرج بغير شهوة لا توجب [الكفارة] وظني أني رأيته كذلك في كتب العراقيين، ويؤيده تقييدهم إيجاب الفدية يوجود الشهوة، سواء أنزل أو لم ينزل.
لكن الماوردي قال فيما إذا قبَّل زوجته بشهوة، وجبت الفدية، وإن قبلها وهو قاصد غير الشهوة: كما إذا قبّل زوجته عند قدومه، وقصد تحية القادم، ولا شهوة - فلا تجب.
وإن لم يكن له قصد أصلاً، لكن ظاهر الحال يدل على أنه لم يكن بشهوة: كما إذا قبلها عند القدوم، وهو غافل عن القصديْنِ، فهل تجب؟ فيه وجهان:
ووجه المنع: اعتبار ظاهر الحال، وهذا يدل على أن مجرد المباشرة توجب الفدية، [إلا] أن يقصد لغير شهوة.
стр. 3329
وكلام الإمام يقتضي ما هو أبلغ من ذلك فإنه قال: وقد ضبط الأصحاب المباشرة الموجبة للفدية بما يوجب نقض الطهارة، ثم مسائل الملامسة في الطهارة تنقسم إلى خلاف ووفاق، والأمر في الحج ينطبق [على قياسها] وفاقاً [وخلافًا].
الثاني: قوله: "قلم ثلاثة أظفار":
قال الجوهري يقال: قَلَم ظفره، بتخفيف السلام، وقضم أظفاره، يتشديدها.
وقال ابن فارس: والأكثرون: قََلَم وقلّم بمعنى.
[و] الآصع: جمع صاع، وهو صحح فصيح، وقد عدّه ابن مكي في لحن العوام، وقال: الصواب أصوع مثل: دار وأدور.
وليس ما قاله بالقوي؛ لأن الأول جاء في الأحاديث، الصحيحة، وهو من باب المقلوب، وكذا يجوز "آدر" في جمع "دار" وشبه ذلك.
والصاع يذكر ويؤنث.
فائدة: قال القاضي الحسين: إنما أُعْطِيَ كل مسكين في هذه الكفارة مُدّان، وفي سائر الكفارات مُد؛ لأنه في سائر الكفارات جعل صوم كل يوم في مقابلة طعام مسكين فجعل لكل مسكين طعام مسكين واحد "وهنا جعل صوم كل يوم في مقابلة
стр. 3330
طعام مسكينين]، فجعل لكل سكين طعام مسكينين، والله أعلم.
قال: فإن قلم ظفرًا، أو حلق شعرة - أي - ضمنهما؛ لأن ما كان مضمون الجملة، كان مضمون البعض أصل ذلك الصيد.
لكن بماذا يضمن؟
قال الشيخ: ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يجب ثلث دم؛ إلى التقسيط؛ فإن كل جملة ضمنت بجنس، ضمنت أبعاضها بذلك الجنس، كالصيد، وهذا ما نقله الحميدي في "المناسك".
وقال الإمام تبعاً للقاضي الحسين: إنه أقيس الأقوال:
وقد قيل: إنه مخرج من نظيره في الحصاة، فإن القول الذي حكاه الحميدي فيها كذا قاله ابن الصباغ.
وعلى هذا يجب في الشعرتين والظفرين ثُلُثَا دم.
والثاني: درهم؛ نظراً لتقسيط قيمة الشاة في عصره ﷺ ؛ فإن تقسيط الدم يشق.
وقال الإمام: إن الشافعي ﵁ – استأنس فيه بمذهب عطاء، ولست أرى له وجهاً إلا تحسين الاعتقاد في عطاء، وأنه لا يقول مثل ذلك إلا عن تثبت، وهو أجل علماء التابعين ﵃.
وقد قيل: إن هذا القول مخرج من نظيره فى الحصاة، ولم يحكه الماوردي إلا هكذا.
وعلى هذا يجب في الشعرتين والظفرين درهمان.
والثالث: مُدُّ؛ لأنه إيجاب ثلث دم يشق، وربما تعذر؛ [فتعين] العدول عنه إلى غيره، وهو عدول من حيوان؛ فوجب أن يكون إلى الإطعام كجزاء الصيد الذي نص الله - تعالى - في كتابه العزيز عليه، والشعرة الواحدة في نهاية القلة، وكذا الظفر،
следующие страницы →