← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

قال الماوردي: ويستحب للإمام إن كان محرماً أن يفتتح الخطبة بالتلبية، وإن كان حلالاً افتتحها بالتكبير. ويستحب [له] إن كان مقيماً بـ"مكة" أو من أهلها أن يحرم ويصعد المنبر [محرماً]. وإن كان فقيهاً، قال الشافعي ﵁: "أحب أن يقول لهم: هل من سائل فأجيبه". وهذا إذا لم يكن الثامن يوم جمعة، "فإن كان قال ابن الصباغ": فإنه يأمرهم أن يخرجوا قبل الفجر؛ فإن الفجر إذا طلع، لم يجز الخروج إلى سفر، وترك الجمعة على أصح القولين. وفي القول الآخر: يكون مكروهاً. وقد قال الشافعي ﵁ – "ولا يصلون الجمعة بـ"منى"، ولا بـ"عرفات" إلا أن تحدث قرية مجتمعة البناء يستوطنها أربعون رجلاً". وإن كان السابع يوم جمعة، خطب للجمعة، وصلاها، ثم رقي المنبر بعد الصلاة، وخطب للحج؛ قاله المتولي [وغيره]. قال: ثم يخرج إلى منى في اليوم الثامن، فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت بها، ويصلي بها الصبح؛ هكذا رواه مسلم عن جابر في صفة حج النبي ﷺ . ويستحب للإمام إن لم يكن قد أحرم قبل الخطبة -كما ذكرناه- أن يحرم قبل أن يخرج، ليحرم معه من بقي من الناس غير محرم، ويختار أن يكون إحرامه بعد أن يطوف بالبيت سبعاً؛ توديعاً له، ويصلي ركعتين؛ قاله الماوردي. قال الأصحاب: والناس مخيرون في اليوم الثامن - وهو المسمى بيوم التروية - يين أن يغدوا بكرة، وبين أن يخرجوا بعد الزوال إلا أن يكون يوم جمعة، فيخرجون قبل الفجر؛ لما تقدم.

стр. 3502

ويستحب أن تكون صلاتهم في مسجد الخيف عند الأحجار التي بين يدي المنارة؛ فإنه مصلى رسول الله ﷺ ، وقد روى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "قد صلى في مسجد الخيف سبعون نبياً، فمنهم موسى، وكأني أنظر إليه، وعليه عباءتان قطوانيتان، وهو محرم على بعير مخطوم بخطام من ليف، وله ضفيرتان"؛ والمبيت بـ"منى في هذه الليلة؛ للاستراحة، وليس بنسك اتفاقاً؛ فلا يجب بتركه دم، وكذا لو ترك وداع البيت بما ذكرناه من الطواف، لا دم عليه؛ لأنه بخروجه غير مفارق للبيت، وإنما خرج؛ ليعود إليه. وقد اختلف الناس لم سمي اليوم الثامن يوم التروية؟ فقيل: لأن الناس يروون فيه من الماء؛ لأنه لم يكن بـ"منى" ولا عرفات ماء. وقيل: إن آدم ﵇ رأى فيه حواء وقيل: لأن جبريل ﵇[أرى إبراهيم ﵇ فيه أول المناسك. وقيل: لأن إبراهيم ﵇] تروى فيه في ذبح ولده. وقيل: غير ذلك. ومنى: يكسر الميم، مقصور، منون، مصروف، ويجوز ترك صرفها، سميت بذلك؛ لما يمنى فيها من دماء الهدي - أي: يراق - ولذلك سمي ماء الظهر منيًّا؛ لأنه يمنى، أي يراق. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧]. وقيل: لأن الله تعالى مَنَّ فيها على إبراهيم ﵇ بالفداء. وقيل: لِمَنِّهِ على خلقه [فيها] بالمغفرة. وبينها وبين مكة فرسخان، وكذا بينها وبين عرفات فرسخان؛ لكون طريق منى

стр. 3503

إلى عرفات أطول من طريق مكة إلى مِنى، وبينها وبينها وبين مزدلفة فرسخ، كما بين مزدلفة وعرفات فرسخ، لكن الفرسخ الذي بين عرفات ومزدلفة أطول وأمد؛ كذا قاله القاضي الحسين. وقال في "الروضة": المختار أن المسافة بين مكة ومنى فرسخ فقط؛ كذا قاله جمهور العلماء المحققين، منهم الأزرقي وغيره ممن لا يحصى. قال: فإذا طلعت الشمس على ثبير. ثبير هذا بثاء مثلثة مفتوحة، ثم باء ثانية الحروف مكسورة، جبل عظيم بـ"المزدلفة" على يمين الذاهب من منى إلى عرفات. قال: سار إلى الموقف، [واغتسل للوقوف] وأقام بنمرة. أما استحباب الغسل؛ فلأن ابن عمر كان يغتسل إذا راح لـ"عرفة". وحكى ابن الخل ذلك عن رسول الله ﷺ . ولأنه موضع اجتماع يسن فيه الاغتسال؛ كالجمعة. وأما باقي ما ذكره؛ فلأنه ﷺ لما صلى الصبح بمنى مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، فأم بقبة، فضربت له بـ"نمرة"، فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع، فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى "عرفة"، فوجد القبة قد ضربت له بـ"نمرة"، فنزل بها كذا رواه مسلم عن جابر وقوله: "فأجاز [رسول الله ﷺ ] "، قيل: هي لغة في تجوز، وجاز، وأجاز بمعنى. وقيل: جاز الموضع: سلكه، وسار فيه، وأجازه: خلفه، وقطعه. ونمرة: بفتح النون وكسر الميم، عند الجبل الذي عليه أنصاب الحرم عن يمينك إذا خرجت من مَأزِمَىْ عرفات تريد الموقف؛ قاله الأزرقي وغيره؛ وكذا قاله النواوي.

стр. 3504

وقد يفهم أن "نمرة" من "عرفات"؛ كما يفهمه ظاهر الخبر السابق. وقد جاء عن جابر أن رسول الله ﷺ أتى عرفة، فنزل بها حتى إذا زالت الشمس، أمرنا بالقصواء، فرحلت له ... وساق الحديث؛ ذكره الماوردي، وهو أبين من الأول؛ ولأجله صرح به في "الشامل"، وتبعه الشيخ زكي الدين: أنها موضع بـ"عرفة". لكن في "الحاوي": أنها قبل عرفة، وهي إلى الصخرة الساقطة بأصل الجبل عن يمين الذاهب إلى عرفة. وكلام القاضي الحسين يوافق ذلك في موضع؛ فإنه قال: "وتضرب خيمة الإمام قريبًا من عرفات بـ"نمرة"، أو بوادي عرنة، ولا يدخل عرفات، بل يقيم بها حنى تزول الشمس". وقال في آخر: "إن نمرة ليست من عرفات"، وهو الذي صرح به البندنيجي أيضاً وحكاه عن نصه في "المختصر" "الأوسط" من الحج. وقال في "الروضة" إنه الصواب. واعلم أن بعض الشارحين قال: لو قال الشيخ "سار إلى عرفات"، لكان أحسن من قوله: "سار إلى الموقف"، وكأنه -والله أعلم- يشير بذلك لأمرين: أحدهما: أنه لفظ الشافعي ﵁. والثاني: أن قوله بعد: "ثم يروح إلى الموقف" يكون منتظماً مع هذا القول. [والجواب عن هذا]: أنا نقول: إن لم تكن نمرة من عرفات، فلا فرق بين أن يقول: "ثم يروح إلى الموقف" أو "إلى عرفات"؛ لأن تقدير الكلام: سار للموقف، ونزل دونه؛ للاستراحة بنمرة، وحينئذ يبقى قوله من بعد: "ثم يروح إلى الموقف" منظماً مع ما تقدم. وإن كانت نمرة من عرفة كما دلَّ عليه الخبر - فلا فرق يين اللفظين أيضاً، والكلام منتظم؛ لأنا نستحب له أن يوقع صلاة الظهر والعصر بمسجد إبراهيم ﵇ كما سنذكره، وليس كله من "عرفة". ولفظ الشيخ في "المهذب" "فإذا طلعت الشمس على "ثبير" سار إلى الموقف"،

стр. 3505

وقال ثانياً: "ثم يروح إلى عرفة، ويقف". قال: فإذا زالت الشمس، خطب الإمام، أي: بعد توجهه إلى المصلى، وهو مسجد إبراهيم ﵇؛ كما قال الماوردي والقاضي الحسين وغيرهما، وهو خارج عن عرفة - كما سنعرفه - وبينه وبين موقف النبي ﷺ بالصحراء نحو [ميل، قاله] "في الروضة". قال خطبةً خفيفة، [وجلس جلة خفيفة] أي: بقدر ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ كما قاله البندتيجي وغيره - ثم يقوم، ويأمر بالأذان، ويخطب الخطبة الثانية، ويفئ منها مع فراغ المؤذن، ثم تقام الصلاة، ويصلي الظهر والعمر. قال القاضي الحسين: لأن جابراً روى أن النبي ﷺ فعل ذلك. والذي رواه مسلم عن جابر: أنه ﵇ لما نزل نمرة أقام بها حتى إذا بزغت الشمس، أمر بالقصواء فرحلت له، فأتي يطن الوادي، فخطب الناس، تم أذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يفعل بينهما شيئاً. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي ﷺ أتى بطن الوادي، فخطب، ثم وقف قليلاً، ثم خطب، وأمر بلالاً، فأذن وأقام. وروى البخاري بإسناده أن سالم بن عبد الله قال: للحجاج: إن كنت تريد أن تصيب السنة، فأقصر الخطبة، وعجل الوقوف. قال ابن عمر: صدق. وهذه الخطبة الثانية من الخطب الأربع في الحج، ويعلِّمهم فيها مشروعات الوقوف، وواجباته، والمبيت بـ"مزدلفة"، ويأمرهم بأخذ الحصى من "مزدلفة"، لرمي جمرة العقبة، ويعلمهم الوقوف بالمشعر الحرام، وغير ذلك من المناسك التي يستقبلونها.

стр. 3506

قال الشافعي ﵁ – "وأقل ما عليه أن يعلِّمهم ما يلزمهم من هذه الخطبة إلى الخطبة الثالثة". فإن كان فقيهاً، قال: "هل من سائل؟ "، وإن لم يكن فقيهاً لم يتعرض للسؤال. واعلم أن كلام الشيخ يفهم أمرين: أحدهما: أن الإمام يفرغ من الخطبة الثانية مع فرإغ المؤذن من الأذان ثم تقام الصلاة، وهو الذي أورده البندنيجي، والماوردي، وابن الصباغ، والبغوي. والمنقول في "النهاية"، و"التتمة"، والخلاصة: أنه يفرغ منها مع فراغ المؤذن من الإقامة بعد الأذان، ويكون [الإمام] قد أمره بهما. وقال الإمام: إن رسول الله. [هكذا فعل]. الثاني: أنه لا فرق في جمع الإمام بين الظهر والعصر بالناس بين أن يكون آفاقيًّا أو من أهل مكة، أو مقيمًا بها؛ وهو ما صرح به الماوردي حيث قال: إنه سنة هناك للمقيم والمسافر؛ لأن رسول الله ﷺ إنما جمعهما ليتصل له الدعاء بالموقف، فلذلك لم يقع الفرق يين المسافر والمقيم. وحكم من صلى معه من مسافر ومقيم حكمه في ذلك، إلا أن الإمام إذا جمع، وجب عليه أن ينوي الجمع عند افتتاح الأولى بلا خلاف. وأما الذين خلفه من المأمومين، ففيهم وجهان: أصحهما [:أن]، عليهم أن ينووا الجمع؛ كالإمام، ويوصي الناس بعضهم [بعضاً] بها، ويخبر من علم من جهل. والثاني: أنهم إن جمعوا من غير نيَّة، أجزأهم؛ لاختصاص الموضع بجواز الجمع، ولحوق المشقة في إعلام الكل؛ لأن رسول الله ﷺ جمع هناك من غير أن نادى فيهم بالجمع، ولا أخبرهم به. و [من] لم يصلِّ مع الإمام؛ لكونه تأخر عنه، فإن كان مسافراً جمع منفرداً كان أو في جماعة، ولا بد في هذه الحالة من نية الجمع.

стр. 3507

وإن كان من المقيمين بـ"مكة"، فهل يجوز له الجمع؟ على قولين مبنيين على اختلاف قوليه في جواز الجمع في السفر القصير. وقد أطلق ابن الصباغ حكاية القولين في أهل مكة من غير [تفصيل بين] أن يصلوا مع الإمام أو منفردين؛ إحالة على ما تقدم في الجمع بين الصلاتين. والقاضي أبو الطيب حكاهما فيما إذا جمعوا مع الإمام، وكذا غيره. والقاضي الحسين: نسب المنع [إلى] الجديد، والجواز إلى القديم، وقال: وعلى هذا لأي معنى جاز له؟ فيه معنيان: أحدهما: لأجل النسك. والثاني: للسفر. ويظهر أثرهما في أهل "عرفة" هل يَجْمَعُوك؟ فإن قلنا: إنما جاز للمكي؛ لأجل النسك، جاز لهم أيضاً، وإلا فلا؛ لفقد السفر، وهو ما ذكره البندنيجي. والإمام حكى طريقين في جواز الجمع للمكي: أحدهما: القطع بالجواز؛ لأجل النسك. والثاني: تخريجه على القولين في السفر القصير؛ وهذا حكم الجمع، ولم يتعرض الشيخ لحكم القصر هنا؛ اكتفاء بما سبق عنه في باب صلاة المسافر؛ فإن الحكم لا يختلف. ولا يجهر الإمام بالقراءة فيها؛ لأنها صلاة نهارية. فرع: لو وقع يوم عرفة يوم جمعة، فقد ذكرنا عن الشافعي ﵁ أنه لا تصلي الجمعة فيها إلا أن تحدث قرية مجتمعة البناء يستوطنها أربعون رجلاً بصفة الكمال. قال: ثم يرجع إلى الموقف؛ لأنه ﷺ لما فرغ من صلاة العصر، ركب حتى [أتى] الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبْل المشاة

стр. 3508

بين يديه، واستقبل القبلة، كذا رواه مسلم عن رواية جابر. وحَبْلُ المشاة - بفتح الحاء المهملة، وسكون الباء الموحدة، وبعدها لام: صَفُّهُمْ، ومجتمعهم في مشيهم. وقيل: طريقهم الذي يسلكونه في الرمل. [وعن بعض المحققين من قال: هو بالحاء مصحف، وإنما هو "جبل المشاة" بجيم، وهو جبل الدعاء، [سمي بذلك]؛ لأن المشاة كانوا يقفون عليه]. والمراد بالموقف: عرفات؛ روى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: كانت قريش ومن دان بدينها يقفون بـ"المزدلفة"، وكانوا يُسَمَّوْنَ: الْحُمْس، وكان سائر العرب يقفون بـ"عرفة". [قالت] فلما جاء الإسلام، أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يأتي عرفات يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وأخرجه البخاري ومسلم. و [قد] قيل: إن قريشاً كانوا لا يخرجون من الحرم يوم عرفة، ويقفون بـ"نمرة" دون عرفة في الحرم، ويقولون: لسنا كسائر الناس؛ نحن أهل الله؛ فلا نخرج من حرم الله. وكان النبي ﷺ لا يقف مع [قريش في] الحرم، ويخرج مع الناس إلى عرفة؛ للآية. قال الماوردي: وفي ﴿النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] قولان للعلماء: أحدهما: أنه إبراهيم ﵇؛ [لأنه] كان يقف بـ:"عرفة".

стр. 3509

والثاني: أنه رسول الله ﷺ [حيث] وقف بها. وغيره حكى [فيه] ثلاثة أقوال: أحدها: أنه إبراهيم ﵇. والثاني; أنه آدم ﵇، "ويعضده" قراءة من قرأ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]. والثالث: أنهم سائر العرب. وعرفات - كما قال الشافعي في القديم - ما بين الجبل المشرف على بطن عرنة إلى الجبال المقابلة يميناً وشمالاً. ولفظه في "الأوسط": وعرفة ما جاوز وادي عرفة [إلى الجبال القابلة على عرفة كلها مما يلي حوائط بني عامر وطريق الحصن، فإذا جاوزت ذلك، فليس من عرفة] [وليس الوادي، ولا المسجد من عرفة]. ومراده بالمسجد: مسجد إبراهيم ﵇. وقد قال القاضي الحسين وغيره: إن صدره من عرفة، وهناك يقف للصلاة والخطبة، ومؤخره من جملة [عرفة]؛ فمن وقف فى قاصية، المسجد أجزأه عن فرض الوقوف. قال الإمام: ويتميز مكان المسجد من عرفات يصخرات كبار، فرشت في ذلك الموضح. قال بعضهم: ولا منافاة بين هذا وقول الشافعي- ﵁ لأنه يجوز أن يكون لد فيه بعد الشافعي ﵁ شيء من عرفة. قال الإمام: ويطيف بعَرَصَات عرفة جبال وجوهها من عرفة. واخلف الناس: لم سميت عرفة؟ فقيل: لتعارف آدم وحواء فيها؛ لأنه تعالى أهبط آدم بأرض الهند، وحواء بأرض

стр. 3510

جدة، فتعارفا بالموقف. وقيل: لأن جبريل ﵇ عرَّف فيه إبراهيم ﵇ مناسكه. وقيل: سميت بذلك للجبال التي فيها، ووقوف الناس عليها، والجبال هي الأعراف. ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦]. قيل: وهو سور بين الجنة والنار، ومنه قيل: عرف الديك، وكل ناتئ، فهو عرف. وقيل: لأن الناس فيها يعترفون بذنوبهم؛ فحينئذٍ يغفر لهم. وقيل: لأنه أطيب تلك الأماكن من قولهم: عرفت المكان، أي: طييته. قال: والأكل أن يقف عتد الصخرات، أي: ويجعل بطن ناقته - إن كان راكبها - إلى الصخرات؛ اقتداء به ﵇. وقال: بقرب الإمام؛ كما يستحب أن يقرب منه في الصلاة والخطبة. وإنما حمل فعله ﵇ على الاستحباب؛ "لأن جابراً روى" أنه ﵇ وقف بـ"عرفة"، فقال: "قد وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف"، أخرجه أبو داود ومسلم والنسائي بنحوه. وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى قدمنا عرفة [فقال النبي ﷺ سلم هذه عرفة،] وكلها موقف، إلا وادي عرنة).

стр. 3511

وهذا الحديث يفهم أن وادي عرنة من عرفات إذا جعلنا الاستغناء متصلاً، لكنه لا يصلح موقفاً، وعلى هذا فيحمل ما ذكره الشافعي من حد عرفة على عرفة التي يصلح الوقوف بها. وقد حُكي [عن] ابن الصباغ أنه قال: الأفضل أن يقف عند الحصيات السود عند جبل الرحمة، وهو الجبل الذي يعرف بجبل الدعاء، وفيه قبة تعرف بقبة آدم، واستحباب الوقوف عنده؛ لكونه موقف الأنبياء؛ كما قال الماوردي. قال فى "التتمة": يستحب أن يقف عند الصخرات على جبل الرحمة. وقال الإمام: إنه [لا نسك في الرقي] فيه وإن كان يعتاده الناس. وبالجملة: فأي موضع خلا بنفسه كان أفضل ليتوفر على الدعاء؛ كذا قاله الشافعي ﵁. قال: وأن يتقبل القبلة؛ للخبر، ولأنه لا بد من استقبال جهة، وجهة القبلة أولى؛ لقوله ﵇ – "خير المجالس ما استقبل به القبلة". ويستحب – أيضاً- أن يكون متطهراً؛ قاله في "الروضة" قال: وأن يكون راكباً في

стр. 3512

أحد القولين؛ اقتداء به ﵇. والمعنى فيه: أنه يقوى على الدعاء الذي هو المقصود في هذا الموقف؛ ولهذا استحب للواقف بـ"عرفة"، الفطر فيه؛ وهذا هو الصحيح، والمنصوص عليه في القديم، كما قال الماوردي، و"االإملاء" كما قال في "المهذب" و"الشامل". قال: وفيه قول آخر: أن الراكب وغيره سواء؛ لتأويهم في حصول المقصود، وهو الحصول بـ"عرفة"، وركوبه ﷺ كان ليراه الناس، فيتعلموا منه مناسكهم؛ وهذا ما نص عليه في "الأم". قال الأصحاب: [ويستحب] أن يبرز للشمس، ويظهر نفسه لها؛ لأنه – ﵇ رأى يوم عرفة رجلاً يطلب الفيافي، فقال رسول الله ﷺ : أضح لمن أحرمت له، أي: اخرج [إلى] الشمس، لأن الشمس: الضح. قال: ويكثر من الدعاء؛ لقوله ﷺ : "أفضل الدعاء يوم عرفة". ولأنه أعظم الأيام التي يرجى فيها الإجابة؛ روى مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: وما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة،

стр. 3513

وإنه [ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء] ". قال الأصحاب: ويستحب أن يرفع يديه [فيه] بحيث لا تحاذيان رأسه، ولا يفرط في الجهر به؛ فإنه مكروه. قال: ويكون أكثر قوله: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير"؛ لأن عليَّ بن أبي طالب روى ذلك عن رسول الله ﷺ ، وأنه كان يقول عقيبه: "اللهم اجعل في سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي قلبي نوراً، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، وشر ما يلج في النهار، وشر ما تهب به الرياح، وشر بوائق الدهور"؛ كذا حكاه في "الحاوي". وفي "تعليق القاضي الحسين": أن عليًّا قال: كان دعاء النبي ﷺ عند عرفة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير". والمشهور أنه ﵇ قال: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: "لا إله إلا الله وحدم لا شريك له". وقد سئل سفيان بن عيينة عن أفضل الدعاء يوم عرفة؟ فقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك لهم"، فقيل له: هذا ثناء وليس بدعاء، فقال: أما سمعت قول الشاعر: إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرءُ يَوْماً كَفَاهُ من تعرّضِهِ الثَّناءُ

стр. 3514

وفي "الشامل": .. .... .... كفاه ما يعوضه الثناء وفي الخبر الصحيح عن الله أنه قال: "من اشتغل بذكري عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين". قال: ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى [طلوع] الفجر الثاني من يوم النحر. أما وجه كون أوله من الزوال لا قبله -كما قال الإمام أحمد – فلقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم"، وقد صح أنه ﷺ وقف بعد الزوال لا قبله؛ كما ذكرناه من خبر جابر. وسئل [ابن] عمر عن الساعة التي راح فيها رسول الله ﷺ إلى الموقف في هذا اليوم؟ فقال: إذا كان [ذلك] رضاً، فلما أراد أن يروح قال: "أزاغت الشمس؟ " [قالوا: لم تزغ الشمس، قال: " أزاغت الشمس؟، قالوا: لم تزغ] فلما قالوا: زاغت [الشمس] ارتحل؛ أخرجه أبو داود وابن ماجه. ومعنى زاغت [الشمس]: مالت بالزوال إلى جهة المغرب، ومنه ﴿زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ [الأحزاب: ١٠]، أي: مالت عن مقلها. وقد اتفق [الناس] على العمل بما ذكرناه من لدنه ﷺ إلى وقتنا هذا، ولو كان جائزاً قبل ذلك ومجزئاً لما اتفقوا على تركه.

стр. 3515

وأما وجه كون آخره [عند] طلوع الفجر الثاني من يوم النحر؛ فلما روى عبد الرحمن بن يعمر الدِّيلي: أن النبي ﷺ أمر رجلاً فنادى: "الحج، الحج يوم عرفة، من جاء قبل صلاة الصبح من ليلة جمع تمَّ حجه، أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه". [قال:] ثم أردف رجلاً خلفه، فجعل ينادي بذلك، أخرجه أبو داود. ورواه يحيي بن سعيد عن سفيان قال: "الحج" مرة. وأخرجه الترمذي [والنسائي وابن ماجه]. وعن عروة الطائى أن رسول الله ﷺ قال: "من أدرك معنا هذه الصلاة، وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه، وقضى تفثه"؛ أخرجه أيو داود، وقال الترمذي: إنه حسن صحيح. وهذا القول كان من رسول الله ﷺ بالموقف بجمع كما قال الراوي، ولأنه لم يخالف في ذلك أحد. وإذ [قد] ثبت ذلك، قال الشيخ: فمن حصل بـ"عرفة" في شيء من هذا الوقت [وهو] عاقل – أي: "وهو محرم" فقد تَمَّ حجه؛ لأنه أتى بالعبادة في وقتها،

стр. 3516

وهو من أهلها. فإن قيل: إن ابن عمر روى أن النبي ﷺ قال: "من أدرك عرفة ليلاً، فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفة ليلاً، فقد فاته الحج، فليحل بعمرة، وعليه الحج من قابل"؛ وهذا يدل على أنه إذا وقف بعد الزوال، ولم يتصل وقوفه بالليل، [لا يحمل له الحج؛ كما قال به الإمام مالك ﵀. فجوابه أن في هذا الخبر دليلاً على إدراكه [بالليل]]، وتنبيهاً على إدراكه بالنهار؛ لأن حكم آخر الوقت أما أن يكون مثل أوله أو أضعف، ولا يجوز أن يكون أقوى منه، فلما جعله رسول الله ﷺ مدركاً بآخره وهو [أول]، الليل، كان أولى أن يكون مدركاً بأوله، وهو عن الزوال. وتخصيصه ﵇ الليل بالذكر، لأن الفوات يتعلق به؛ إذ الليل يوجد بعد النهار. وقد عكس بعض أصحابنا ما اقتضاه ظاهر هذا الخبر، فقال: الليل ليس بوقت للوقوف، وحكاه الفوراني قولاً للشافعي ﵁. وقال الأصحاب: إنه لا يصح عنه. نعم: الخلاف مشهور في [أن] الليلة العاشرة هل يصح الإحرام فيها بالحج أم لا؟ وعن أبي الحسين وجه فيما إذا وقف في أول الزوال، وانصرف لا يجزئه، بل يجب أن يكون الوقوف بعد مضي إمكان صلاة [الظهر] بعد الزوال. قال: ومن فاته ذلك، أو وقف وهو مغمى عليه - فقد فأنه الحج: أما إذا فاته ذلك، فلفوات الوقت، ولا سبيل إلى قضائه؛ لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد ولم يوجد، ويخالف غيره من العبادات التي [تقضى؛ لأن تلك لم تكن] في مستقبل الزمان ما يمكن فعلها فيه أداء بخلاف الحج؛ ولهذا قلنا: من

стр. 3517

أراد التطوع بالأضحية، وفاته يوم النحر وأيام التشريق، لا يضحي بعدها وإن قلنا بقضاء النوافل. وأما إذا وقف وهو مغمى عليه؛ فلخروجه عن أهلية العبادة، وهذا ما أورده الغزالي [في "الوسيط"] موجهاً له بما ذكرناه، وصححه في "الروضة". وحكى القاضي أبو الطيب عند الكلام في النيّة في الطواف عن أبي إسحاق دعوى الإجماع عليه، وكذا فيما إذا وقف وهو ناسٍ، وهو يخالف ما لو استغرق وقت الوقوف بالنوم؛ فإنه يتم حجه، قياساً على ما لو نام جميع النهار في رمضان؛ فإنه يصح صومه. وقد قيل: إن النائم لا يكون مدركاً- أيضاً - حكاه ابن القطان، وليس بشيء. تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أموراً: أحدها: أنه لا فرق في إدراك عرفة بين الواقف، والقاعد، والماشي؛ وهو مما لا خلاف فيه. نعم: في "الروضة" حكاية وجه في المرور المجرد: أنه لا يكفي، وهو شاذ. الثانى: أنه لا فرق بين أن يكون قد قصد الوقوف، أو قصد غيره، كما إذا أعَارَ فرسه أو بَعِيرَهُ، فتبعه؛ فحصل فيها، أو لم يقصد شيئاً؛ وهو ما ذكره القاضي الحسين. وقال الإمام: قد ذكرنا اختلافاً في الذي يصرف طوافه عن جهة النسك إلى جهة أخرى، والظاهر أنه لا يجزئ هنا، ولعل السبب فيه أن الوقوف في نفسه لا يتخيل [قربة، والطواف] قربة على حياله. ثم قال: ولا يمتنع طرد الخلاف في الوقوف إذا صرف قصدًا [إلى غير] جهة النسك. الثالث: أنه لا فرق بين أن يعرف أنه عرفة أو لا، ولا بين أن يعرف أنه يوم عرفة أو لا، وهو المشهور. وقيل: يشترط أن يعرف أن موقفه عرفة؛ حكاه ابن القطان عن ابن الوكيل، وحكاه

стр. 3518

في "التتمة" فيما إذا جهل اليوم أيضاً. وقال: إن أصل هذا الاختلاف: أن كان ركن من أركان الحج؛ هل يحتاج إلى نية مفردة؟ فيه طريقان: أحدهما: لا؛ كالصلاة. والثاني: نعم؛ [لأن] أركانه ينفصل بعضها عن بعض، وكل ركن عبادة مفردة. فإن قلنا: يحتاج إلى النيّة، فلا يصح مع الجهل بالمكان واليوم، وإلاَّ صح. وبهذا الخلاف يقوى تخرج الإمام الخلاف في الصورة السابقة. الرابع: أنه إذا وقف وهو مجنون، فقد فاته الحج من [طريق] الأولى؛ لأنه أسوأ حالاً من المغمى عليه. وقد قيل فيهما: إنه يتم حجُّهما أيضاً؛ حكاه ابن الصباغ عن رواية ابن القطان، وقال: إنه ليس بشيء، وهو الذي حكاه القاضي الحسين فى المغمى عليه؛ ولأجله اقتضى إيراد البغوي ترجيحه فيه، وصححه الرافعي، وقال الإمام: إنه ظاهر كلام الأئمة.

стр. 3519

وهو فيه وفي المجنون موافق لما تقدم: أن المجنون يصح حجه [، والأول موافق لما ذكره العراقيون من [أن] المجنون لا يصح حجه،]. ومن العجب أن الغزالى قال بصحة حجّه، وأنه لا يعتد بوقوف المغمى عليه؛ كما ذكرناه، ولعل مراده؛ أنه لا يعتد به عن الفرض لا مطلقاً، كما صرَّح به في "التتمة"؛ حيث قال: "لو حضر الموقف وهو مجنون، لا يحسب له؛ لأن الجنون يضاد الخطاب، ولكن يقع نفلاً مثل حج الصبي". ومن هنا يظهر لك أنه لو وقف سكران، فإن كان من غير معصية، كان حكمه حكم المغمى عليه؛ وإن كان بمعصية، فقياس من جعله كالصاحى فى الطلاق ونحوه - تغليظاً عليه - ألاَّ يعتد له بالوقوف؛ تغليظًا عليه، وحينئذٍ يتوافق فيه الوجهان. ويجوز أن يقال: من جعله ثم كالصاحي؛ لأجل التغليظ، فالتغليظ أن يجعل هنا كالمغمى عليه فيجري الوجهان، وهما مذكوران فى "تعليق القاضي أيى الطيب" والبيان: أحدهما: يعتد [له] به؛ كالصاحي. والثاني: لا؛ تغليظ عليه. قال: ومن أدرك الوقوف بالنهار، وقف حتى تغرب الشمس؛ لأن النبي ﷺ لم يزل واقفاً حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلاً، رواه مسلم عن جابر.

стр. 3520

قال: فإن دفع [قبل] الغروب، لزمه دم في أحد القولين؛ لقوله ﵇ – "مَنْ تَرَكَ نُسُكًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ"، والوقوف بعرفة إلى الليل نسك. ولأنه ﵇ سَنَّ الدفع عن عرفة بعد الغروب، كما سنَّ الإحرام من الميقات، ثم ثبت أن الدم يجب لمجاوزة الميقات؛ فكذا هنا، وهذا ما نص عليه في القديم [لفظاً] والجديد، وقال النواوي: إنه الأصح. ومقابله: أنه يجب، بل يستحب؛ لأنه ﵇ في خبر عروة الطائي السابق لم يأمر به؛ فدلَّ على أنه غير واجب. وبالقياس على ما لو وقف ليلاً؛ فإنه لا يلزمه الدم بلا خلاف؛ وهذا ما نص عليه في "الأم"، و"الإملاء". وقال القاضي الحسين، وتبعه البغوي: إنه نص عليه في القديم، وقد صححه المحاملي والروياني. وقال الرافعي: إن ثبت ذلك، فالمسألة مما يفتى فيها على القديم، لكن أبا القاسم الكرخي ذكر أن الوجوب هو القديم. وبالجملة فهذا الخلاف مبني على أن الجمع بين الليل والنهار في الوقوف في حق من تمكن منه هل هو من واجبات الإحرام أو من سننه؟ وسيأتي الكلام فيه. فإن قلنا: إنه واجب، لزمه الدم بتركه، وإلاَّ فلا، وهو الذي اختاره في "المرشد"، وهذه الطريقة أصح الطرق، ووراءها طريقان [آخران]: أحدهما: أنه إذا أفاض مع الإمام فهو معذور؛ لأنه تابع، وإن انفرد

стр. 3521

بالإفاضة ففيه القولان. والثاني: نفي وجوب [الدم] والجزم الاستحباب مطلقاً. والدم الواجب هنا، وكذا في ترك الميت بمزدلفة، وليالي منى، وطواف الوداع إن أوجبنا ذلك ما هو؟ [وفيه]، كلام سنذكره في باب فرض الحج والعمرة، إن شاء الله تعالى. ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الدم يجب هنا - على القول به - عاد إلى عرفة قبل طلوع الفجر أَوْ لا. وقد جزم الماوردي وغيره بأنه إذا عاد قبل الغروب، وأقام إلى الغروب: أنه لا يلزمه الدم بلا خلاف. وإن عاد بعد الغروب، فهل يسقط بهذا العود الدم؟ فيه وجهان: المذكور في "الحاوي"، و"تعليق" أبي الطيب، والقاضي الحسين، و"الشامل": السقوط أيضاً؛ لأنه لو وقف بها ليلاً دون النهار، لم يجب؛ فأولى ألاَّ يجب إذا وقف ليلاً ونهاراً. ووجه المنع: أن المقصود أن يتصل آخر النهار بأول الليل وهو كائن بعرفة. ولا فرق في عدم وجوبه على من وقف ليلاً لا غير بين أن يكون لم يدرك الوقوف نهاراً، أو أدركه ولم يفعله ووقف ليلاً، وإن كان لا يجوز له تأخير الوقوف إلى الليل؛ كما قاله ابن الصباغ عند الكلام في الرمي في أيام التشريق. قال: ثم يدفع بعد الغروب إلى المزدلفة على طريق المأزِمَيْنِ؛ لآن النبي ﷺ فعل ذلك، فلو سلك الطريق الآخر جاز. وقد قيل: إن النبي ﷺ سلكه حين غدا من منى إلى عرفات. قال عطاء: وهي طريق موسى، ﵇. والمزدلفة سميت بمزدلفة؛ من التزلف والازدلاف، وهو التقريب؛ لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها، أي: تقربوا ومضوا إليها؛ قاله الأزهري، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء: ٩٠]، أي: قربت.

стр. 3522

وقيل: سميت بذلك؛ لاجتماع الناس بها؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤]، أي: جمعناهم. قال الماوردي: وكذلك قيل: لمزدلفة: جمع؛ كما جاء في الحديث السابق. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات: ٥]: إنه المزدلفة. وقال غيره: إنما سميت بجمع؛ لاجتماع آدم وحواء فيها. وقيل: لأنه يجمع فيها في تلك الليلة بين الصلاتين، وهي - كما قال الشافعي ﵁ من حيث يفيض من مأزمَيْ عرفة إلى أن أتي قريب مُحَسِّر عن يمينك وشمالك من تلك المواطن الظواهر، كل ذلك من المزدلفة، والمأزمان ووادي محسر ليسا منها، وكذا [نقل] عن عطاء. والمأزمان: بهمزة بعد الميم الأولى، ويجوز ترك همزه كما في راس، والزاي مكسورة. والمأزم: المضيق بين جبلين، هذا أصله في اللغة، ومراد الفقهاء: الطريق الذي بين الجبلين، [وهما جبلان] بين عرفات ومزدلفة. قال: ويمشي وعليه السكينة والوقار، فإذا وجد فرجة أسرع؛ لأنه ﷺ لما دفع شَنَقَ للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مَوْرِكَ رحله، ويقول بيده اليمنى: "أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ"، كلما أتى جبلاً من الجبال، أرخى لها قليلاً حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة. رواه مسلم عن جابر. وعن أسامة بن زيد أنه سُئل: كيف كان رسول الله ﷺ حين أفاض من عرفة؟ قال: "كان يسير العَنَقَ فإذا وجد فجوة نصَّ"، أخرجه البخاري ومسلم. ومورك الرحل: هي المرفقة التي تكون [عند قادمة الرحل يضع الراكب رجله

стр. 3523

عليها، ليستريح من وضع رجله في الركاب، يكون] شبيه المنعدة الصغيرة. والعنق: مسير الجماعة والرفاق. والنص: قال أبو عبيد: هو التحريك حتى يستخرج من الدابة أقصى سيرها. والفجوة- بفتح الفاء، وسكون الجيم، وبعدها وأو مفتوحة، وتاء تأنيث-: الموضع المتسع من المسير يخرج إليه من مضيق. قال الشيخ زكي الدين: وقد روي: فُرجة، بضم الفاء، وسكون الراء المهملة. قال: ويصلي بها المغرب والعشاء، أي: في وقت العِشَاء؛ لأنه ﷺ لما وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبِّح بينهما شيئاً؛ كذا رواه مسلم. وهذا الجمع جائز للآفاقي بلا خلاف، ويفعل قبل حط الرحل، وهو مخير بين أن ينيخ راحلته أو يعقلها ويصلي؛ لأن الصحابة فعلوا ذلك. وهل يجوز لأهل مكة والمقيمين بها؟ فيه ما تقدم في الجمع بـ"عرفة". ولا خلاف في أنه لو أقام كل صلاة في وقتها، جاز. ومحل القول باستحباب الجمع- كما قال في "الإملاء" - إذا لم يخف فوت وقت الاختيار للعشاء قبل أن يوافي مزدلفة، وفيه قولان في الكتاب، الجديد: ما لم يذهب ثلث الليل؛ كما قال أبو الطيب، فإن خاف فوت ذلك فيصلى فى الطريق دون مزدلفة.

стр. 3524

وقد دلَّ ظاهر الخبر على أنه يأتي بأذان واحدٍ وإقامتين، وبه قال في القديم. وقال في الجديد: إنه يجمع بينهما بإقامتين من غير أذان؛ لرواية ابن عمر أنه ﷺ جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة لكل واحدة، ولم يناد في الأولى، ولم يسبح على إثر واحدة منهما؛ أخرجه أبو داود. فإن قلت: قد حكى الشيخ في باب الأذان فيما إذا جمع بين صلاتين أو فائتتين ثلاثة أقوال، وقضية ذلك جريان القول الثالث [هنا]. قلت: قد حكاه ابن الصباغ وغيره، وعزاه القاضي أبو الطيب إلى نصّه في "الإملاء"، وهو إن رجا حضور جماعة أذَّن للأولى، وأقام للتي بعدها، وإلا أقام لكل واحدة منهما. وإن أبا إسحاق المروزي قال: إنه يجيء على ما قاله في "الإملاء": أن يؤذن في الصلوات الراتبة؛ إذا رجا اجتماع الناس، ويقتصر على الإقامة إذا لم يرج اجتماعهم. وقال البندنيجي: إن القول الثالث الذي نَصَّ عليه في "الإملاء" يجيء هاهنا؛ لأن الناس قد اجتمعوا. وفي "تعليق القاضي الحسين": أن القولين هنا في الأذان مفرعان على القول بأنه لا يؤذن للفوائت.

стр. 3525

فإن قلنا: يؤذن لها، فالمغرب بمزدلفة عند الجميع أولى؛ لأنها في الحقيقة كالمؤداة في وقتها؛ لأن وقت العشاء جعل وقتاً لها. وعلى كل حال إذا صلى العشاء، قال العجلي: أتي بعدها بنافلة المغرب، ثم بنافلة العشاء، والوتر، وهكذا يفعل الجامع في السفر. وفي "الحاوي" و"تعليق" القاضي الحسين: أن الشافعي ﵁ قال: ولا يسبِّح بينهما، ولا في إثر واحدة منهما، وهو ما حكيناه في الخبر، وأراد بذلك: أنه لا يتنفل بين صلاتي الجمع؛ لأن التنفل بينهما يقطع الجمع، ولا يتنفل قبل المغرب، ولا بعد العشاء؛ لأنه مأمور بالتأهب لمناسكه. قال القاضي: ولو فعل كان جائزاً، لكنه غير مسنون. قال: ويبيت بها - أي: يمكث بها نائماً أو مستيقظاً - إلى أن يطلع الفجر الثاني؛ لقول [جابر - كما رواه مسلم-:] "ثم اضطجع حتى طبع الفجر حين تبيَّن له الفجر بأذان وإقامة". واعلم أن كلام الشيخ قد اشتمل على ما هو مستحب بلا خلاف، وهو المقام بها بعد نصف الليل إلى صلاة الصبح؛ كما يدل عليه كلامه الآتي من بعد، وهو في حق غير الضَّعَفَة، فأما الضعفة والنساء فالأولى في حقهم الدفع بعد نصف الليل إلى منى؛ روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "بعثني رسول الله ﷺ في النفل – أو قال: في الضعفة - من جَمْع بليل"، أخرجه مسلم. وعلى ما هو نسك بلا خلاف، وهو المبيت إلى بعد نصف الليل، وليس بركن عندنا، خلافاً لأبي محمد وعبد الرحمن ابن بنت الشافعي، وأبي بكر بن خزيمة من أصحابنا، وهل هو واجب؟ فيه قولان ثابتان في الكتاب.

стр. 3526

قال: ليأخذ منها حصا الجمار؛ لما روي عن الفضل بن العباس قال: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة، وهو على راحلته؛ "الْتَقِطْ لِي"، فالتقطت له حصيات مثل حصا الخذف، فلما وضعها في يده، قال: "بِمِثْلِ هَذَا فَارْمُوا". ولأنه إذا دخل الحرم، استحب له أن يبدأ بالرمي تحية له، فإذا أخذ الحصا من المزدلفة لم يشتغل بغير الرمي]. وقد أطلق الشافعي ﵁ القول في "المختصر" بأنه يأخذ منها حصا الجمار؛ كما فعل الشيخ. وقال الشيخ أبو حامد: إنما أراد بما قال: إنه يأخذ منها الذي يرمي [به] جمرة العقبة، وهو سبع حصيات، وبه قال الأكثرون، وحكوه عن نصه في موضع آخر؛ ولأجله قال القاضي أبو الطيب والشيخ فى "المهذب": إنه يأخذ منها حصا جمرة العقبة. وعن بعضهم أنه قال: يستحب الأخذ من المزدلفة تكون لجميع الجمار؛ فيأخذ [منها] سبعين حصاة، لكن الأخذ لرمي يوم النحر أحب. وفي "النهاية": أن الحجج يعتادون أخذ ما يحتاجون إليه من الحصا من جبال مزدلفة، ولم يرد في التزود منها نص وتوقيف في الشرع. قال: ومن حيث أخذ جاز؛ لحصول المقصود منه. وفي "الشامل": أنه مكروه؛ للمخالفة. والمنقول عن الشافعي ﵁ أنه كره أخذه من ثلاثة مواضع: من المسجد، والحُشِّ، والمرمى:

стр. 3527

أما المسجد؛ فإن أحجاره فرشه [، ويكره تعطيل فرش المسجد. وأما الحش؛ فإن أحجاره نجسة]، ويكره الرمي بالنجس. وأما المرمى؛ فلأن ما بقي فيه من الحجارة قيل: إنه مردود؛ فإن من يقبل حجه يرفع حجره، ولولا ذلك لصارت جبالاً من كثرة ما رمي فيها؛ قال ﵇: "الحَجَرُ قُرْبَانٌ؛ فَمَنْ تُقُبِّلَ حَجُّهُ رُفِعَ حَجَرُهُ، وَمَنْ لَمْ يُتَقَبَّلْ حَجُّهُ بَقِيَ حَجَرُهُ". ولا فرق في كراهية الرمي بالحجر الذي رمى به بين أن يكون هو راميه أو غيره. نعم: هل يجزئه ما رمى هو به؟ فيه كلام سنذكره. قال الأصحاب: ويستحب أن يلتقط الحصا، ولا يكسره، وكذا يستحب أن يغسله؛ لما روى عن عائشة ﵂ أنها كانت تغسل جمار رسول الله ﷺ . قال: فإن دفع قبل نصف الليل، أي: ولم يعد قبل الفجر - لزمه دم في أحد القولين؛ لقوله ﵇: "مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ". قال في "الحاوي": وهذا ما نص عليه في القديم والجديد، وكذلك اختاره في "المرشد"، وصححه النواوي. وحكى الرافعي طريقة قاطعة [به]. ومقابله: أنه لا دم عليه؛ كما لو ترك المبيت بمنى ليلة عرفة، وهو ما نص عليه في

стр. 3528

"الأم" و"الإملاء"؛ كما قال الماوردي. وحكى الرافعي طريقة قاطعة به. وبالجملة: فالخلاف في لزوم الدم مبني على أن المبيت بها في هذه الليلة واجب أو مستحب؟ وفيه قولان يأتيان من بعد: فإن قلنا بالوجوب وجب الدم، وإلا فلا. وقد اختصر الماوردي ما ذكرناه، فقال: الكلام في هذا كالكلام في الدفع من عرفة قبل الغروب. لكنه قال: إنه لو دفع من عرفة ليلاً، وحصل بمزدلفة بعد نصف الليل، كان في الدم القولان؛ لأنه لم يبت بها إلا أقل من نصف [الليل]؛ فصار كالخارج منها قبل نصف الليل، وقد تقدم أنه لولم يقف إلا ليلاً: أنه لا يلزمه الدم جزماً، وهو نظير ما نحن فيه في الحكم، وكان قياسه ألا يجب جزماً، وهو مقتضى قول الأصحاب؛ إن من لم يدرك الوقوف إلا ليلاً، فاشتغل به حتى فاته المبيت بمزدلفة لا دم عليه، بلا خلاف كما سنذكره. وكذا قول النواوي في "الروضة": إن الذي نص عليه الشافعي ﵁ فيما إذا حصل بمزدلفة في النصف الأخير: أنه حصل له المبيت. وحكى قولاً ضعيفاً عن نصه في "الإملاء" والقديم: أنه يحصل بساعة بعد نصف الليل وطلوع الشمس. فإن قضية القولين التوافق على عدم الدم. وقد حكى الإمام عن نقل شيخه وصاحب "التقريب" في حد المبيت في هذه الليلة، وفي ليالي "منى" قولين: أظهرهما: أن المعتبر كونه بموضع المبيت في معظم الليل. والثاني: أن الاعتبار بحال طلوع الفجر.

стр. 3529

وقال: إن طردهما على [هنا]، النسق في ليلة مزدلفة محال؛ لأنَّا جوزنا الخروج منها بعد انتصاف الليل، ولا ينتهون إليها إلا بعد غيبوبة الشفق عالياً، ومن انتهى إليها والحالة هذه، وخرج بعد انتصاف الليل -[لم يكن بها حال طلوع الفجر، ولا في معظم الليل]؛ فلا يتجه لها الاعتبار حالة الانتصاف. قال الرافعي: ولك أن تقودت هذه الاستحالة [واضحة إن قيل بوجوب المبيت، لكنه مستحب على هذا القول]؛ فعلى هذا لا يستحيل المصير إلى الكون بها في معظم الليل، أو حالة الطلوع، ويجوز خلافه، وهذا في [حق] غير المعذورين. أما المعذورون فسيأتي حكمهم عند الكلام في الدعاء، إن شاء الله تعالى. قال: ثم يصلي الصبح في أول الوقت؛ للخبر؛ وقد روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة إلا لوقتها [إلا] بِجَمْعِ؛ فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى الصبح من الغد قبل وقتها". انتهى. وأراد ابن مسعود قبل وقتها المعتاد في كل يوم، لا أنه صلاها قبل الفجر؛ لما تقدم. والمعنى في ذلك: ليتسع الوقت للدعاء؛ ولأجل ذلك قال الجمهور: الأولى أخذ

стр. 3530

الجمار قبل الصلاة؛ كما اقتضاه إيراد الشيخ، وإن كان في "التهذيب" قال: إنه يؤخر أخذها عن الصلاة. قال: ثم يقف على قُزَح، وهو المشعر الحرام، ويذكر الله تعالى إلى أن يسفر، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقال جابر في صفة حجه ﵇ كما رواه مسلم: "ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبّره، وهلله، ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جدًّا". قال: ويكون من دعائه: اللهم كما أوقفتنا فيه، وأريتنا إيَّاه فوفقنا لذكرك كما هديتنا واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك، وقولك الحق، ويقرأ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] إلى قوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]؛ لأنه لائق بالحال، وهو مضمون الآية. ويستحب أن يدعو سرًّا ويرفع يديه؛ لما ذكرناه من الخبر، وهذا الوقوف سنة، وليس بنسك، ولا يجب يتركه دم. قال القاضي الحسين: ويكتفي فيه بالمرور كما في الوقوف بعرفة. [قال في "الأم": "ويستحب الاغتسال لهذا الموقف؛ لأنه موضع اجتماع". وعلى هذا يغتسل بعد صلاة الصبح يوم النحر. وقد أهمل الشيخ هاهنا هذه السنة؛ اتباعاً لسياق الخبر]. تنبيه: قُزح - بقاف مضمومة، ثم زاي مفتوحة، ثم حاء مهملة-: جبل صغير من المزدلفة؛ كما قال ابن الصباغ، ودلَّ عليه ما رواه مسلم: أن ابن عمر كان يقدِّم ضَعَفَةَ أهِلِه؛ فيقومون عند المشعر الحرام بالمزدلفة، وهو آخرها كما قال الماوردي،

стр. 3531

والقاضي الحسين، وليس هو من [منى]؛ كما قال النواوي. وعلى ذلك يدل ما رواه أبو داود عن علي قال: فلما أصبح - يعني النبي ﷺ ووقف على قزح، وقال: "هَذَا قُزَحُ، وَهُوَ الْمَوْقِفُ، وَجَمْغٌ كَلُّهَا مَوْقِفٌ، وَنَحَزْتُ هَاهُنَا، وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ؛ فَانْحَرُوا في رِحَالِكُمْ". قال الترمذي: هو حسن صحيح. وفي ابن يونس: أن قزح جبل بمنى، ولم أره لغيره؛ فلعله من طغيان القلم. وقد صرح ابن الصباغ والشيخ بأن المشعر الحرام قزح، وهو قول حكاه الماوردي مع قول آخر: أنه الجبل الذي [في] ذيله وأطنابه. والمشعر: المعلم، وكل شيء علمته بعلامة فقد أشعرته، والمشاعر: المعالم؛ وعنه قوله تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢]، أي: معالم الله. قال: ثم يدفع قبل طلوع الشمس؛ لأنه ﷺ دفع قبل أن تطلع الشمس؛ كما رواه مسلم عن جابر. وعن عمر بن الخطاب قال: "كان أهل الجاهلية لا يفيضون حتى تزول الشمس على ثَبِير، فخالفهم النبي ﷺ فدفع قبل طلوع الشمس"، أخرجه البخاري. وقد قيل: إن قائلهم [كان] يقول: "أشرِقْ ثَبِير كيما نغير"، أي: فلتطلع الشمس عليك يا ثبير، أو أضئ ثبير- يقال: شرقت الشمس، إذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت وصفت - كيما ندفع ونسرع بالمشي؛ يقال: أغار الرجل، إذا أسرع في المشي. فلو أخرّ الدفع إلى بعد الطلوع، كره؛ لمخالفة فعل رسول الله ﷺ ، وموافقة أهل

стр. 3532

الجاهلية؛ قاله في "المهذب". قال: فإذا وجد فرجة أسرع؛ كما فى السير من عرفات. قال الأصحاب: وكذا يستحب أن يمشي وعليه السكينة والوقار؛ روي عن ابن عباس أنه قال: "أفاض النبي ﷺ وعليه السكينة والوقار، فلما بلغ وادي مُحَسِّر، أَوْضَعَ"، والإيضاع- كما قال أبو عبيد-: سير الإبل إذا سارت الخَبَبَ. قال: فإذا بلغ وادي محسِّر أسرع، أي: إن كان ماشياً، أو حرك دابته؛ إن كان راكباً قدر رمية حجر؛ كما قاله في "المهذب" و"الشامل"، ووجهه فيما إذا كان راكباً [الخبر]. وقد روى مسلم أن جابراً قال في صفة حج النبي ﷺ : "حتى إذا أتى بطن محسر، حرَّك قليلاً، ثم سلك طريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة". وإذا كان ماشياً؛ فبالقياس على الراكب؛ كما في الرمل. قال الرافعي: ورأيت في بعض الشروح: أن الراكب يحرّك دابته، وأما الماشي فلا يعدو، ولا يرمل. ثم إسراعه - عليه [السلام]- يحتمل أن يكون، لأجل [سعة المكان، ويحتمل أن يكون لأجل] أن العرب كانت تقف فيه، وتذكر مفاخر آبائهم؛ فأمرنا بمخالفتهم، وهذا ما ذكره الغزالي. وقال القاضي الحسين: إنما كان ذلك؛ لأن النصارى كانوا يقفون بها، وعليه يدل فعل الصحابة؛ روي أن أبا بكر حرّك دابته في هذا الموضع حتى إن فخذه لتندلج بالقتب. وعن عمر أنه كان يحرّك في محسِّر، ويقول: تشكو إليك قلقاً وضِينها معترضاً في بطنها جنينها

стр. 3533

مخالفاً دين النصارى دينُها وقال القاضي الحسين في حكاية ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁: إليك تعدو قلقاً وضينها معترضاً فى بطنها جنينها مخالفاً دين النصارى دينها وقال: إنه يستحب أن يقول ذلك فيه. وعلى هذا لو ترك الإسراع فيه كره، ولا شيء عليه، ولم يذكر في "الشامل" الكراهة. تنبيه: محسر: بميم مضمومة، ثم حاء مفتوحة، ثم سين مكسورة مشددة مهملتين، ثم راء، سمي بذلك؛ لأن فيل أصحاب الفيل حَسَّر فيه – أي: أَعْيَى، وهو واد بين المزدلفة ومنى، وليس من واحد منهما، وذَرْعُهُ - كما قيل - خمسمائة وأربعون ذراعاً. قال: فإذا وصل إلى منى، بدأ يجمرة العقبة؛ لحديث جابر، ووصوله إليها يوافي [بعد] طلوع الشمس إذا فعل ما ذكرناه؛ فحينئذ يكون الأفضل الرمي بعد طلوع الشمس، وبه صرّح الأصحاب، وعليه يدل ما روى مسلم عن جابر قال: "رمى رسول الله ﷺ يوم النحر ضُحى". قال الماوردي: ويستدام وقت الفضيلة إلى الزوال يوم النحر. قال ابن الصلاح: وقد قيل: إنه يليه في الفضيلة ما بعد طلوع الفجر، وقبل طلوع الشمس. وقال: إن هذه الجمرة تسمى: الجمرة الكبرى، والرمي إليها تحية منى؛ فلا يبدأ بغيرها من مناسك هذا الأيام الأربعة كما سنبينها، ويبدأ بها قبل نزوله في المنعيم. واختلف الناس فى تسميتها: جمرة، وكذا ما قبلها من الجمرتين: فقيل: إنما سميت بذلك؛ لاجتماع الناس بها، ومنه ما روي "رأنه ﷺ نهي عن

стр. 3534

التجمير"، يعني: اجتماع الرجال والنساء في الغزوات، ويقال: جَمَّر بنو فلان؛ إذا [اجتمعوا] فصاروا إِلْبًا على غيرهم. وقيل: سميت بذلك؛ لأن إبراهيم ﵇ لما عرض له إبليس هناك فحصبه جَمَّر بين يديه، أي: أسرع، والإجمارت الإسراع. وقيل: سميت بذلك؛ لأنها تجمر بالحصى، والعرب تسمى الحصى الصغار: جماراً، وسميت: جمرة العقبة؛ لأنها حائدة عن الطريق، مرتفعة قليلاً فى حضيض الجبل. وقد قال الشافعي ﵁ الجمرة: مجتمع الحصى، إلا ما سأل من الحصى، فمن رمى في المجتمع أجزأه، وإن رمى في السائل فلا. قال: يرمي إليها مع حصيات، أي: بيده؛ فإنه لو رمى عن القوس أو دفع ذلك برجله [لم يجزئه]؛ كما قاله في "العدة" وغيرها. قال: واحدة واحدة؛ للخبر. قال: لا يجزئه غير ذلك؛ لأنه فعل غير معقول المعنى؛ فاتبع فيه ما ورد؛ وبهذا خالف ما لو جمع الأسواط [في الحد]، وضرب بها ضربة واحدة؛ فإنه يجزئ؛ لأنه معقول المعنى، وهو إيصال الألم إليه. وفي تعليق أبي الطيب حكاية قولين فيما إذا رمى فوقع الحصى في مسيل الماء: المنصوص في "الأم": أنه لا يجزئ، وهو الموافق لما في الكتاب؛ لأنه – ﵇ رمى الحصى في المرمى، فدلَّ على أن الفرض أن يرمي الحصى فيه دون غيره. ووجه مقابله: أن مسيل الماء [متصل] بالمرمى، وليس بينهما حائل، وهو بمنزلة جزء منه. فرع: هل تجب الموالاة في رمي الحصى؛ حتى لو فرق بينهما تفريقاً كبيراً لا يعتد

стр. 3535

به؟ فيه قولان فى "التتمة"؛ كالموالاة فى الوضوء. تنبيه: كلام الشيخ يفهم أموراً: أحدها: أنه لو رمى بغير الحصى لا يجزئه، وسيأتي الكلام فيه. الثاني: [أنه] لو رمى في الهواء، فوقع في المرمي، لا يجزئه، وهو يفهم أن القصد إلى المرمى شرط فيه، وقد صرح [بذلك] في "المهذب" وغيره. وقال أبو الطيب وغيره; إنه إذا قصده، فوقعت الحصاة على محمل، أو بدن إنسان، أو بعير، ثم جازته إلى أن حصلت في المرمى، أجزأته؛ ونص عليه. ويخالف ما لو جرى مثل ذلك في المرمى في المسابقة؛ حيث لا يحتسب له على أحد القولين؛ لأن المقصود ثم معرفة حذق الرامي، ولم يوجد، والقصد هنا حصول الحصى في المرمى بفعله، وقد حصل. وقولنا: "بفعله" يحترز به عما إذا وقعت على ثوب رجل، فنفضها، فوقعت في المرمي، [أو وقعت على بعير، فانتفض،] ووقت في المرمى؛ فإنها لا تجزئه - أيضاً- لأنها حصلت فيه بغير فعل منه. لكن هذا القيد لا يخرج ما إذا رمى، فوقعت الحصاة في كمه [أو ثوبه،] فنفضه فوقعت فى المرمى؛ فإنها لا تجزئ؛ كما قال القاضى الحسين. فلا جرم أنه احترز عنه يقوله: "يقوة الرمي". ولو رمى حصاة، فوقعت أعلى من المرمي، ثم تدحرجت إليه، ففي إجرائها وجهان جاريان: فيما لو وقعت على بعير وهو ينتفض، فوقعت في المرمي، وقد أبداهما القاضي الحسين في الأولى احتمالين لنفسه، وقال في "التهذيب" فيها: الأصح الإجراء؛ لأنها حصلت فيه لا بفعل الغير. الثالث: أنه لو وضع الحجر في المرمى لا يجزئه؛ لأنه لا يسمى: رمياً، وقد صرح به أبو الطيب وغيره، وعن صاحب "التقريب" حكاية وجه بعيد: أنه يعتد به، اكتفاء

стр. 3536

بالحصول في المرمى. الرابع: أنه لو رمى حصاتين دفعة واحدة، لا يعتد بهما، سواء وقعتا متساويتين، أو متعاقبتين، وهو المذهب. [و] الذي حكام القاضي الحسين عن النص: أنه يعتد له بواحدة منهما، وكذا لو رمى السبع دفعة واحدة، ولم يحك غيره. وغيره من المراوزة حكى وجهاً بعيداً فيما إذا رمى دفعة بحصاتين، وتلاحقتا في الوقوع، ولم يتساويا-: أنه يعتد بهما اثنتين. نعم، حكى القاضي - وتبعه المتولي - فيما لو رماهما في دفعتين، وتساويتا في الوقوع [وجها: أنه لا يجزئه إلا واحدة منهما؛ نظراً إلى الوقوع،] وكذا لو رماهما على التعاقب، فوقعت الثانية قبل الأولى، لم تحتسب له إلا واحدة على وجه، والمذهب خلافه. الخامس: أنه لو وقع الشك في أن الحصاة وقعت في المرمى [أم لا تجزئه؛ لأنه جعل الواجبَ، الرميَ] إلى الجمرة، وقد حصل، وهو قول قديم؛ لأن الظاهر؛ أن الحصاة سقطت فيه. لكن الجديد: المنع؛ لأن الفرض حصول الحصاة برميه في المرمى؛ فلا تسقط بالشك، وقد قطع بعضهم به، وقال: إن الأول ليس بمذهب للإمام الشافعي ﵁ وإنما حكاه عن غيره. السادس: أنه لو أخذ حصاة واحدة، ورمى بها [ثم عاد، وأخذها، ورمى بها،] وكذا سبع مرات في يوم واحد - لا يجزئه، وهو وجه حكاه القاضي الحسين وغيره، وأن المزني اختاره، وهو الأظهر في "النهاية". لكن الظاهر من نص "المختصر"، وهو الذي صححه في "التهذيب": أنه يجزئه مع الكراهة؛ كما لورمى هو بها في جمرة أخرى، أو في يوم آخر؛ وهذا يشعر بموافقة المزني على ذلك، وكلام القاضي أبي الطيب وغيره يقتضي مخالفته فيه أيضاً؛ لأنهم

стр. 3537

قالوا: الذي نض عليه في "المختصر": أنه يجزئه ما رمى به هو وغيره، وقال المزني: إنه يجزئه ما رمى به غيره، ولا يجزئه ما رمى هو به. وقد قيل: إن هذا غلط. وعلى المذهب يكفيه للجمرات كلها حجر واحد؛ كما تتأدى به الكفارة بمد واحد؛ بأن يدفعه لفقير، ثم يشتريه منه [، ثم يدفعه لآخر، ويشتريه منه]، وهكذا إلى أن يتم المقصود، وليس كالماء إذا استعمل في الطهارة مرة لا يستعمل فيها مرة أخرى؛ لأن ثم انتقل إليه مانع؛ فألحق بالمستهلك، ولا كذلك هنا، بل نظير الحصاة نظير الثوب؛ فيصلي فيه مراداً. قال: ويكبر مع كل حصاة؛ للخبر. قال الشافعي ﵁ – "فيقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد". قال: ويرفع يديه حتى يرى بياض إبطه؛ لما ذكرناه من الخبر أول الباب، ولأنه أعون على الرمي. قال الأصحاب: ولا يقف عند هذه الجمرة للدعاء؛ لما سنذكره، بل يدعو في منزله. قال: والأولى أن يكون راكباً؛ اقتداء برسول الله ﷺ . أشار الشيخ بذلك لما رواه جابر قال: رأيت رسول الله ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر، ويقول لنا: "خذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه". أخرجه مسلم. قال في "المهذب" والمستحب أن يرمي من بطن الوادي؛ لما روت أم سلمة قالت: "رأيت رسول الله ﷺ يرمي من بطن الوادي، وهو راكب، وهو يكبر مع كل حصاة".

стр. 3538

وروى [مسلم] عن عبد الرحمن بن يزيد: أنه كان مع عبد الله بن مسعود، فأتى الجمرة، فاستبطن الوادي، فاستعرضها، فرماها من بطن الوادي بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة قال: فقلت: "يا [أداء عبد الرحمن، إن الناس يرمونها من فوقها" فقال: "هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة". وفي "الحاوي" أن الشافعي ﵁ – قال: "إنه لا يمكنه غير ذلك، لأنها على أكمة، ولا يتمكن من [الرمي إليه] إلا كذلك". نعم: لو رمى الجمرة من فوقها، ولم يرمها من بطن الوادي، أجزأه؛ لأن عمر لما أتى الجمرة، ورأى زحام الناس صعد الجمرة، فرماها من فوقها. قال ابن الصلاح في "المناسك": وإذا رمى من بطن الوادي جعل مكة والقبلة عن يساره ومنى وعرفة عن يمينه، ويستقبل العقبة. وقطع الشيخ أبو حامد وغيره بأنه يقف مستقبل الجمرة، مستدبر الكعبة، وهو المذكور في "الشامل" وغيره. وحكى في "الروضة" وجهاً آخر: أنه يقف فى بطن الوادي مستقبل الكعبة؛ فتكون الجمرة - على هذا - على جانبه الأيمن. قال ابن الصلاح: وهذا قد رواه الترمذي والنسائي من حديث ابن مسعود. والقول الأول هو المختار عندنا، وكذلك جعله النواوي في "الروضة" الصحيح؛

стр. 3539

لأنه جاء في مسلم والبخاري وغيرهما عن ابن معود أنه لما انتهي إلى الجمرة الكبرى، جعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى الجمرة بسبع حميات، وقال: "هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة". قال: ويقطع التلبية مع أول حصاة؛ لأن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، أخرجه مسلم عن رواية الفضل بن عباس، وهو أعرف الناس بحال النبي ﷺ في هذا المكان؛ لأنه كان ردف النبي ﷺ من مزدلفة إلى منى. والمعنى في ذلك: أنه مدعو إلى فعل جميع المناسك، فما لم يتحلل من إحرامه يستحب له التلبية [؛ لأنها إجابة الداعي، وإذا رمى فقد شرع في التحلل؛ فلم يستحب له التليية]؛ لأنه أخذ في فعل الانصراف، ولا معنى للإجابة في حال الانصراف. وكذلك يستحب للمعتمر أن يقطع التلبية بأخذه في الطواف. ولو شرع الحاج في خلاف الأولى، وهو تقديم الطواف على الرمي، أو الحلق، وقلنا: إنه نسك - كما سنذكره - قطع التلبية بشروعه فيه –أيضاً- لما ذكرناه. ولو خالف السنة بأن قطع التلبية، وكبر قبل رمي جمرة العقبة وغيرها من أسباب التحلل، أو استدام التلبية، ولم يكبر إلى أن فرغ من [رمي] الجمرة - كان فاعلاً لمكروه، ولا فدية عليه. وعن القفال: إن الحجاج إذا رحلوا من مزدلفة مزجوا التلبية بالتكبير في ممرهم، فإذا ابتدءوا في رمي جمرة العقبة محضوا التكبير. قال الإمام: ولم أر ذكر المزج إلى الرمي لغيره. قال: وإن رمى بعد نصف الليل، أجزأه؛ لما روى الشافعي ﵁ بإسناده عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أرسل بأم سلمة ليلة النحر، فرمت جمرة العقبة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذي يكون رسول

стр. 3540

الله ﷺ ، يعني عندها. وأخرجه أبو داود، وقال البيهقي: إن إسناده صحيح، لا غبار عليه. وروي أنه أمرها أن تعجل الإفاضة، وأن توافي مكة مع صلاة الصبح. قال الشافعي ﵁ – "وهذا يدل على جواز خروجها بعد نصف الليل، وقبل الفجر، وأن رميها كان قبل الفجر أيضاً؛ لأنها لا تصلي الصبح بـ"مكة" إلا وقد رمت قبل الفجر [بساعة]. ولأنه وقت يجوز الدفع فيه للمعذورين من مزدلفة؛ فجاز الرمي فيه لبعد طلوع الفجر؛ وهذا بيان أول وقت جواز الرمي، وأما آخره فلم يتعرض له الشيخ. وقد قال القاصي الحسيين والماوردي وغيرهما: أنه غروب الشمس من يوم النحر. وفي "النهاية" حكاية وجه: أنه يمتد إلى طلوع [الفجر أول] أيام التشريق [على وجه]؛ اعتباراً بالوقوف بـ"عرفة"؛ فإنه لما تعلق بالنهار والليل، تعلق بالليلة المستقيلة. والأصح في الرافعي [و"الروضة" الأول لكن سيأتي; أن يقول: إن الصحيح فيما إذا أخَّرَ هذا الرمي إلى اليوم الأول أو الثاني أو الثالث من أيام التشريق – وقع أداءً؛ وهذا يدل على أن الوقت لم يخرج بما ذكر. ويجوز أن يقال]: إن المراد هنا: خروج وقت الاختيار، والذي سيأتي المراد به: ييان وقت الجواز؛ وحينئذ يكون للرمي ثلاثة أوقات: وقت فضيلة: وهو بعد طلوع الشمس إلى الزوال. ووقت اختيار: وهو من الزوال إلى الغروب.
следующие страницы →