Полный текст (9 685 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
ضمان البيع الفاسد، حيث قال: والأقوال نجريها في كل ضامن من غير متعد، ولا متصرف في غصب، ومن جملة الأقوال ما ذكرناه.
قال: وقيل يرد المثل أي: في الصورة؛ لحديث أبي رافع، وهذا ما صححه القاضيان الماوردي، وأبو الطيب، والبغوي والأكثرون، ثم لو اختلفا في صفة المثل، أو في قدر القيمة، فالقول قول المستقرض، صرح به الرافعي وغيره، وهذا لا يدل على أن ذكر [القدر أو القيمة] في الابتداء ليس بشرط، فإن ذلك قد يذكر [ثم يقع] الاختلاف بعده.
فرع: إذا جوزنا إقراض الخبز، وقلنا الواجب فيه رد القيمة، فشرط فيه رد المثل، ففي جوازه وجهان:
قال: وإن أخذ عن القرض [أي: عن بدل القرض] عوضاً جاز؛ لأن ملكه عليه مستقر، فجاز له أخذ العوض عنه، كالعين المغصوبة في يد الغير، ويخالف المسلم فيه؛ فإنه غير مستقر؛ لأنه يجوز أن يلحقه فسخ أو انفساخ، وليس بدل القرض كذلك، ويشترط في صحة ذلك قبض العوض في المجلس إن كان ربويًّا، والمقرض من جسه سواء ورد العقد على العين أو الذمة.
وإن لم يكن ربويًّا أو كان مما لا يحرم فيه التفرق، قبل التقابض فإن ورد على الذمة فلابد من قبض العوض في المجلس؛ لأن ذلك في معنى بيع الكالئ بالكالئ.
وحكى القاضي الحسين في هذه الصورة وجهاً: أنه لا يصح، وإن اتصل به القبض في المجلس، وإن ورد على العين، ففي اشتراط القبض وجهان، اختيار الشيخ أبي حامد وأبي إسحاق وجماعة من الأصحاب، وهو ظاهر النص في المختصر: أنه لابد منه، ومقابله نسبه الماوردي إلى ابن سريج.
وحكى في الفروع المذكورة في آخر باب الربا أنه ظاهر المذهب، وهو اختيار الإمام وصاحب التهذيب، كما لو باع بدراهم في الذمة.
وكلام الشيخ مشير إلى ترجيح ما ذهب إليه أبو حامد، حيث ذكر لفظ الأخذ الذي هو حقيقة في القبض، وعدوله عن لفظ "بعوض"، وقد صرح بذلك في كتاب الصلح.
стр. 4447
وفرق القاضي أبو الطيب، بين هذا وبين ما إذا باع بثمن في الذمة في كتاب السلم بفرقين؛ أحدهما: أن الثمن والمثمن في مسألتنا يصيران من ضمان واحد، وذلك لا يجوز، وهذا قد يرد عليه ما إذا اشترى ثوباً بثمن في الذمة، ثم قبضه، فإن الثمن والمثمن من ضمان واحد – وهو المشتري، ومع هذا لم يكن ذلك مانعاً من الصحة.
لكن جوابه أن المراد بضمان المعين أنه لو تلف انفسخ العقد، وهذا لا يوجد فيما إذا قبض المشتري المبيع، فإن به يستقر العقد.
الفرق الثاني: أن المبيع هاهنا دين، والمبيع إذا كان ديناً اعتبرنا به قبض الثمن في المجلس دليله السلم.
وفرق المتولي بينهما بأنه لم يسبق في بيع الثوب بالدراهم في الذمة حكم الدينية، وإنما يجب ديناً في الوقت.
وهاهنا الدين ثابت قبل العقد، وعدم قبض المعين في المجلس [يلحق بالدين في نظر الشرع، ألا ترى أنه لو أخر قبض أحد البدلين في الصرف عن المجلس بطل العقد، كما لو باع نسيئة، فاعتبر) قبض المعين في المجلس]؛ حتى لا يصير في حكم بيع الدين بالدين هذا مشهور المذهب.
وفي الوسيط: أن المقرض إذا استبدل عن القرض عيناً وقبض في المجلس جاز، وإن استبدل ديناً لم يجز؛ لأنه منطبق على بيع الكالئ بالكالئ، وهو منهي عنه.
والكالئ: هو الدين، وإن استبدل عيناً ولم يقبض في المجلس فإن جوزنا بيع الدين، فلا مأخذ لاشتراط القبض، وإن لم نجوز، فلابد من القبض.
قال الإمام – عن شيخه -: لأن تجويز البيع منه لأجل معنى الاستيفاء، والاستيفاء لا يتعدى المجلس، وما ذكره الغزالي قد يفهم [منه] منع بيع الدين بالدين، وإن قبض في المجلس؛ لأنه فصل في استبدال العين بين ما قبل القبض وبعده، وأطلق القول بعدم الجواز في الاستبدال بالدين، ويقتضي أيضاً أن الأصح عنده اشتراط قبض العين في المجلس؛ لأنه بناه على جواز بيعه من الأجنبي، والأصح عنده عدم
стр. 4448
الصحة، وذلك مخالف لما حكاه في كتاب الصلح؛ حيث قال: وإن صالح عن دين، نظر: فإن صالح عن دين آخر فلابد من التسليم في المجلس، فإنه بيع كالئ بكالئ، وإن صالح عن عين وسلم في المجلس صح، وإن لم يسلم فوجهان، والأظهر الصحة؛ لأنه عين.
وفيه وجه يجري في لفظ البيع، والجواب عن الأول، أن ما ذكره في البيع مصور، بما إذا باع الدين الذي له على زيد مثلاً لزيد بالدين الذي لزيد على عمرو مثلاً، وذلك حقيقة بيع الكالئ بالكالئ، وقد أشار إلى ذلك الماوردي في أواخر باب الربا.
والمذكور [في الصلح] مصور بما إذا باع الدين الذي له على زيد له بدين أنشأه في ذمة زيد؛ عوضاً عن الأول.
نعم حكى الرافعي في هذه الصورة وجهاً، أنه لا يصح، وإن قبض في المجلس، وقد حكيناه عن القاضي من قبل ووجهاً أنه يصح، وإن لم يقبض في المجلس، إذا لم يكن المصالح عليه مما يوافق المصالح به في علة الربا وعينه في المجلس، وأنه أصح.
وفي النهاية في كتاب السلم: أنه لو استحق على رجل ديناً مستقراً ثم اعتاض عنه دراهم موصوفة في الذمة، ثم عجلها في المجلس صح، وإن لم يعجلها، وكان الدين نقداً لم يجز، وإن كان عرضاً، ففي المسألة خلاف، قدمناه في البيع.
وقد انتظم من مجموع ما حكيناه عند الاختصار، إن لم يكن – كلام الإمام محمولاً على ما حاكه الرافعي من التعيين في المجلس – أنه [إن] استبدل عيناً وقبض في المجلس جاز، وألا فوجهان أصحهما الصحة، [وعند الشيخ أبي حامد ومن تابعه عدمها] وإن استبدل ديناً لم يجز على وجه، وعلى وجه يجوز إذا قبض في المجلس، وعلى وجه يجوز إذا عين في المجلس، وإن لم يقبض بشرط، ألا
стр. 4449
يتفق العوض والمعوض في علة الربا، وعلى وجه يجوز [وإن لم يقبض] ولا عين [العوض] في المجلس بالشرط المذكور.
وحكم الدين بسبب الإتلاف، وأرش الجناية حكم بدل القرض، وهل يجوز أخذ العوض عن القرض من غير من هو عليه؟ فيه وجهان محكيان في الحاوي عن تخريج ابن أبي هريرة.
[وفي التتمة في كتاب الصلح أنهما قولان، ويقرب من قوله ما حكيته في باب ما يتم به البيع، عن ابن الصباغ أن الشافعي نص على جواز بيعه وهبته، وأن بعض الأصحاب خالفه، وجعل في المهذب الأظهر من الوجهين الجواز.
وقد يؤخذ من كلام الشيخ هنا بأن ينزل قوله: "وإن أخذ عن القرض عوضاً جاز" على ظاهره؛ فإنه يقتضي جواز ذلك من المستقرض، ومن غيره].
وفي الوسيط: لعل الأصح من القولين المنع، وه والذي صححه الرافعي، والمتولي في كتاب الرهن، والصلح، وجعله البغوي المذهب.
وحكى الإمام، في كتاب الصلح عن بعضهم: القطع به، [وهو ما حكاه القاضي الحسين فيه والمحاملي].
قال الغزالي: والمنع ليس مأخوذاً من قاعدة القبض، ولكنه من ضعف الملك، وهو عدم التعيين.
ووجهه الإمام: بأنه ليس ملكاً محققاً؛ ولهذا لا يصح رهنه، والمتولي: بأن الدين ليس بمال في الحقيقة، وإنما هو حق مطالبه، يصير مالاً في ثاني الحال، والشرط في البيع أن يكون العوض مالاً، ويخالف ما لو أخذ ممن هو عليه عوضاً؛ لأن ذلك بدل مال في مقابلة إسقاط، كما لو صالح عن القصاص على مال، أو قال: أعتق عبدك على ألف.
стр. 4450
وعلى الأول [قال ابن الصباغ في آخر كتاب الهبة: لا يفتقر إلى رضا من عليه الدين، ولا يحتاج إلى القبض فيه؛ لأن الشافعي شبه ذلك في كتاب الشروط بالحوالة، فقال: إذا أنكر من عليه الحق أو جحد، لم يرجع بالدرك.
وقال غيره]: لابد من أن يقبض مشتري الدين الدين في المجلس، وبائعُهُ العوضَ في المجلس، حتى لو تفرقا قبل قبض أحدهما بطل، كما حكاه البغوي والرافعي، وأن يكون ما اشترى به الدين عيناً، فلو كان ديناً لم يجز بلا خلاف، كما قال الإمام.
وفي [مجموع المحاملي] قبيل باب المصراة اعتبار قبض العوض والسكوت عن الدين، أما جواز أن يأخذ عوضه؛ لأنه قد زال ملكه عن العين، أي: إذا قلنا: إنه يملك بالقبض.
[قال]، أما إذا قلنا: إنه لا يملك إلا بالتصرف، فقد قال بعض أصحابنا: لا يجوز أخذ بدله للمقرض؛ فإنه وإن كان ملكه باقياً إلا أنه قد ضعف؛ بتسليط المستقرض، هذا آخر كلامه.
وفي الرافعي ما يفهم حكاية هذا عن الشامل، فيما إذا أراد أخذ العوض عن البدل الثابت في الذمة، وكلامه لا يقتضي إلا ما ذكرناه فليتأمل.
стр. 4451
وكان ينبغي من جهة البحث أن يقال: إذا قلنا: إنه ملك بالقبض، فإما أن يقول: إن المقرض إذا فسخ القرض، وأراد الرجوع إلى عين مال القرض له ذلك أم لا؟
فإن قلنا: ليس له أخذ المال المقترض، بل الخيرة إلى المقبوض، فالحكم ما قاله ابن الصباغ، بلا نزاع.
وإن قلنا: إن العين ترجع إلى المقرض؛ فينبغي أن يتخرج على ما إذا باع الأب ما وهبه لابنه، وفيه ثلاثة أوجه:
أحدها: صحة البيع؛ فإنه يتضمن الرجوع.
وهو الذي صححه الغزالي في فتاويه.
والثاني: لا يصح البيع والملك للابن، والثالث: يجعل رجوعاً، ولا يصح البيع؛ إذ لا فرق بينهما.
[فإن قلت: ثم المشتري غير الموهوب له، وهو غير مالك للمبيع، فلهذا صح المشتري، وهنا المقرض قد ملك العين فكيف يشتري ملكه؟ نعم، هذا يظهر إذا باع المقرض العين المقرضة من أجنبي.
قلت: لا يعد في مجيئه في المقترض أيضاً؛ لأن من صحح البيع من الأجنبي، قدر الفسخ قبله، وذلك لا يمتنع فيما إذا كان المقترض هو المشتري، وفائدة ذلك تظهر فيما يرجع به المقرض وأمن المستقرض من رجوع المقرض في العين المقرضة].
قال: وإن أقرضه طعاماً ببلد ثم لقيه ببلد آخر، فطالبه به لم يلزمه دفعه إليه؛ لأن قيمة الطعام تختلف [ومن هذا يظهر أن قيمة الطعام لو كانت في البلدين سواء أنه يلزمه، كما صرح به ابن الصباغ وغيره في كتاب الغصب].
نعم لو أحضره إليه المستقرض، لا يلزم المقرض قبوله؛ لأن في حمله عليه
стр. 4452
مؤنة، فإن لم يكن في حمله مؤنة؛ لقلته أو قرب ما بين البلدين – اتجه أن يخرج على الوجهين، يما لو أحضر المسلم إليه المسلم فيه في غير المكان المشروط وقد تقدما.
قال: وإن طالبه بالعوض عنه لزمه دفعه؛ لأنه في البلد [الذي] اجتمعا فيه كالمعدوم.
ولو كان مثل الطعام الذي أقرضه إياه معدوماً، كان له المطالبة بالقيمة، فكذلك هاهنا، وهذا ما علل به القاضي أبو الطيب، وظاهره يقتضي أن ذلك معاوضة؛ حتى تبرأ ذمة المستقرض من القرض، كما إذا عدم مثل الطعام المغصوب، وهي قضية لفظ الشيخ حتى إذا لقيه في بلد القرض لا يملك رد العوض ومطالبته بالطعام، وكذلك ليس للآخر رد الطعام والمطالبة بالمقبوض، كما إذا أخذ الدراهم للحيلولة، ويؤيده أنه حكى مع غيره من العراقيين، وصاحب التهذيب في نظير المسألة في السلم أنه لا يجوز أخذ البدل؛ لأنه بيع المسلم فيه قبل القبض، وكذلك الغزالي عند الكلام فيما إذا أبرأ الوكيل في السلم المسلم إليه من المسلم فيه من كتاب الوكالة في الوسيط.
ونسبه في الغصب إلى قول صاحب التقريب.
وفي ابن يونس: أن أخذ القيمة يكون للحيلولة فقط، حتى يبقى معه استحقاق الحق، ويلزمه دفع الطعام إليه في بلد القرض، ويوافقه ما حكاه الغزالي وإمامه في باب السلم؛ حيث قالا: يجوز أخذ القيمة من المسلم إليه؛ للحيلولة، [وإن] أبدى الغزالي ذلك في كتاب الغصب احتمالاً.
وقد حكى الرافعي في أن المستقرض، هل يملك المطالبة بالمقبوض، والمقرض بالطعام في بلد القرض؟ وجهين، وهما مأخوذان من اختلاف النقلين، ثم [إن] القيمة المأخوذة تعتبر ببلد القرض، إن لم ينقل القرض إلى موضع آخر أو نقله وقلنا:
стр. 4453
إنه ملك بالقبض، أما إذا قلنا: إنه لا يملك إلا بالتصرف، فيجب قيمته في الموضع الذي ملك فيه.
قال: وإن أقرضه دراهم في بلد ثم لقيه في بلد آخر فطالبه بها، لزمه دفعها إليه؛ لأن القيمة في ذلك لا تختلف، فانتفى الضرر.
قال الإمام: وهكذا إذا كان المقرض من النقود، التي لا عسر في نقلها، ولا تتفاوت قيمتها بتفاوت البقاع، أما إذا كانت مما يعسر نقلها، وتختلف قيمتها فلا نطالبه بغير بلد الإقراض.
وحكى الجيلي في الصورة الأولى، وجهاً [آخر]: أنه لا يلزمه الدفع، وقد أشار إليه الإمام بقوله: لزمه الدفع على ظاهر المذهب. والله أعلم.
стр. 4454
باب الرهن
الرهن في اللغة: الثبوت، ومنه الحالة الراهنة، أي الثابتة.
وقال الماوردي: الاحتباس؛ ومنه قوله تعالى: - كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٨٣] أي: محتبسة.
وفي الشرع: جعل عين المال وثيقة بدين يستوفي منها، عند تعذر استيفائه ممن عليه.
وجمع الرهن: رهان؛ كحبل، وحبال.
ويقال: رُهُن بضم الهاء.
قال الأكثرون: جمع رهان.
وقال أبو عمرو بن العلاء: جمع رهن؛ كسقف، وسقف.
ويقال: رهنت الشيء وأرهنته، والأول أفصح وأشهر، ومنهم من منع الثانية.
ويقال: رهنته الشيء، وأرهنته إياه، والراهن دافع الرهن، والمرتهن آخذه.
والشيء رهن ورهين، والأنثى رهينة.
والأصل فيه من الكتاب، قوله تعالى: - فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقرئ: فرهان، وفي تأويل هذه القراءة وجهان:
أحدهما: أنها جمع رهن.
والثاني: أنها مستعملة في السبق والنضال، وقوله: فرهن مستعمل في المعاملات؛ وهو مصدر أقيم جزاء للشرط بحرف التعقيب، فقام مقام الأمر؛ فإن الشرط والجزاء لا يعتقبان إلا على الأفعال فجرى مجرى الأمر، كقوله تعالى: - فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقوله: - فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، وقوله تعالى: - فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقوله تعالى: - فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي: فحرروا واضربوا، وافدوا، وصوموا.
ومن السنة: ما روى الشافعي عن عبد العزيز بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: رهن رسول الله ﷺ درعه عند أبي الشحم اليهودي، وهذا مرسل، لكنه روي مسنداً، عن عكرمة، عن ابن عباس والأسود، عن عائشة أن النبي ﷺ رهن درعه عند
стр. 4455
يهودي، وأخذ منه شعيراً لأهله.
[وقد روى البخاري ومسلم عن عائشة معناه].
ويقال: إنه – ﵇ –عدل عن أصحابه مخافة أن يحابوه.
قال الماوردي: واختلف الناس هل مات رسول الله ﷺ قبل فكاك درعه؟ فقال قوم: افتكه قبل موته؛ لأنه – ﵇ – يقول: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي" وهذه صفة تنتفي عنه ﷺ .
وقال آخرون، وهو الصحيح: إنه مات قبل فكاكه؛ لرواية عكرمة عن ابن عباس قال: توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند [رجل من اليهود]، بثلاثين صاعاً من شعير، فعلى هذا يكون قوله: "نَفْسُ الْمُؤْمِنِ [مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى] " محمولاً على من مات، ولم يترك وفاء، وقد أجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة.
قال: لا يصح الرهن إلا من مطلق التصرف، أي: في العين المرهونة؛ لأنه عقد على مال، فلم يجز من غير مطلق التصرف، كالبيع، وهذا يشمل الولي وغيره؛ لأن الولي يصح تصرفه بالرهن؛ حيث يكون فيه غبطة المولى عليه، كما سنذكره، وحيث لا يكون فلا؛ لأنه غير مطلق التصرف فيها؛ لأنه مأمور له بالحظ والمصلحة.
قال: ولا يصح على دين لم يجب، ولم يوجد سبب وجوبه، مثل أن يرهنه على
стр. 4456
ما يقرضه غداً، أي وعلى [ثمن] ما يشتريه منه؛ لأنه وثيقة، يمكن أن يستوفي بها [عند] منع الحق، فلم يصح قبل ثبوت الحق، كالشهادة.
وفي النهاية: أن الرهن يجاري الضمان، في محل الوفاق والخلاف، في القديم والجديد، كما سنذكره في أول الضمان، إلا في إمساك ضمان العهدة فإن الرهن ينفصل عن الضمان في ظاهر المذهب، ويجري وجه مطرد للقفال من تنزيل الرهن منزلة الضمان وفيها [في كتاب الضمان] حكاية عن القديم أن ضمان ما لم يجب ولم يجز سب وجوبه صحيح، وكذا ضمان المجهول، إذا أمكن تقدير الإحاطة [به]، بأن قال: ما بعت من فلان فأنا ضامن لثمنه [أما إذا لم يمكن الإحاطة به كما إذا كان له عند شخص ديون فقال له شخص: ضمنت لك شيئاً منها، لم يصح فإنه ليس متعلقاً بضبط].
وفي الرافعي أن القاضي ابن كج حكى وجهاً في صحة الرهن، [في مسألة الكتاب] إذا عين ما يستقرضه [وأن] من الأصحاب من قال: إذا ارتهنا بالثمن ثم لم يتفرقا حتى تبايعا، صح الرهن فتحصل لنا في كل من المسألتين ثلاث مقالات، فإن فرعنا على ما حكاه الإمام، فلو أراد الراهن فك الرهن قبل الاستقراض أو البيع، فهل له ذلك؟ يجيء فيه ما حكاه في الضمان، بمقتضى ما قرره أولاً، والمحكي في الضمان [عن ابن سريج] أن له ذلك، قال الإمام: وقد خالفه في جواز فسخ الضمان مخالفون، وقالوا: الضامن وإن كان لا يطالب قبل الوجوب ولا يتمكن من قطع الضمان، وإن فرعنا على المذهب الجديد، [وهو عدم الصحة] فإذا وجد الرهن وإقباضه، كان مأخوذاً على جهة سوم الرهن، فإذا استقرض أو اشترى بعد ذلك لم يصر رهناً إلا بعقد جديد، وفيه وجه أنه يصير رهناً.
وقد احترز الشيخ بقوله: "ولم يوجد سبب وجوبه" عما إذا لم يجب، وجرى سبب
стр. 4457
وجوبه مثل أن تقول: أقرضتك هذه الدراهم وارتهنت بها عبدك فيقول: استقرضتك ورهنته، أو بعتك هذا العبد بألف، وارتهنت هذا الثوب به، فيقول: اشتريت ورهنت، فإنه يصح الرهن على ظاهر النص وهو الصحيح [وبه جزم الماوردي]؛ لأن شرط الرهن في القرض والبيع جائز؛ لحاجة التوثق من عدَّيُهما.
وقال أبو إسحاق: القياس أن الرهن فاسد؛ لأن أحد شقي الرهن مقدم على ثبوت الدين فبطل، كما لو قال لعبده كاتبتك وبعتك، فقال: قبلت الكتابة والبيع، فإن البيع لا يصح لما ذكرناه.
وأجيب عن ذلك – أن سلم الحكم [فيه] – بفرقين:
أحدهما: أن العبد لا صير أهلاً للمعاملة مع مولاه، حتى يتم الكتابة.
والثاني: أن الرهن من مصالح القرض والبيع، وليس البيع من مصالح الكتابة، ويجوز أن يكون ذكره؛ ليخرج الرهن المختلف فيه، فإن الإمام حكى وجهين [أو قولين] في صحة ضمان ما لم يجب، وجرى سبب وجوبه بناء على الجديد.
[ومقتضى ما حكاه الإمام والبندنيجي، من أن حكم الضمان وفاقاً، وخلافاً حكم الرهن مثله أن نجري الوجهين في الرهن] ولذلك صور؛ منها:
نفقة الزوجة في الزمن المستقبل، فإن النكاح سبب وجوبها [وهو ناجز].
وقال الماوردي: إن فرعنا على القديم، جاز ضمان النفقة.
وهل يجوز أخذ الرهن [عليها]؟ فيه وجهان وقاس وجه المنع على الدرك.
ومنها: إذا ضمن شخص عن شخص ديناً في صورة يرجع عليه [به] إذا غرم، [فقبل أن يغرم]، للأصحاب خلاف، في أن الضامن هل يملك أخذ الدين من المضمون عليه؟
فإن قلنا: ليس له ذلك، فقد حكى الإمام في صحة ضمانه القولين، وهما يجريان
стр. 4458
[في] الرهن [بمقتضى ما تقرر].
ومنها: الجعل في الجعالة.
حكى الإمام عن شيخه في كتاب الضمان، أنه إن كان يلحق ضمانه قبل عمل المجعول له بضمان ما لم يجب، وجرى سبب وجوبه من قبل أن الجعل مصيره إلى الوجوب، عند فرض العمل، وهو غير واجب قبله، وإن طوائف من أصحابنا منعوا ضمان الجعل في الجديد، وإن جوز ضمان ما وجد سبب وجوبه.
ثم قال: وهذا متجه عندي من قبل أن نفقة العبد في النكاح، وإن لم تكن واجبة في الحال، فسبب النفقة النكاح، وهو لازم في الحال، فكان في قول الجواز يقيم ما يتنجز من وجود السبب مقام وجود المسبب.
والجعل قبل العمل غير واجب، والجعالة في نفسها على الجواز، فلم يتحقق وجود سبب ولا مسبب، ومقتضى [كلام الإمام] جريان مثل هذا في الرهن.
وعلى ذلك جرى الرافعي، وحكى أن الصحيح من الوجهين: عدم الصحة.
وقال الماوردي: إنه المنصوص عليه، وصور البندنيجي محل الخلاف، بما إذا قال: من جاء بعبدي فله دينار، فقال له رجل: أعطني به رهناً، وأنا آتيك به، والقاضي الحسين، والرافعي بما إذا شرع في العمل [قبل تمامه]، فإنه لا ثبوت للجعل قبل الشروع بحال.
قال الرافعي: وكيف يتخيل ذلك، وليس [له] هو مستحقًّا معيناً.
ولنا: أن نبني الوجهين على الوجهين في جواز رجوع المالك بعد الشروع في العمل، ونقول: إن لم نجوز الرجوع؛ فقد لزم الجعل [من قبله]؛ فيصح الرهن به، وإن جوزناه لم يصح الرهن به، انتهى.
وكلام الإمام في باب الضمان والرهن أقرب إلى كلام البندنيجي، وهو الذي صرح به في المهذب، حيث قال: "قبل العمل".
قال: ولا يصح إلا بدين لازم، كثمن المبيع أي: بعد قبضه أو قبله، و"دين السلم"
стр. 4459
أي: من عين ومنفعة "وأرش الجناية"، أو يئول إلى اللزوم؛ كثمن المبيع بشرط الخيار"، أما صحته في ذلك؛ فلعموم قوله تعالى: - إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ﴾ إلى قوله: - فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] ولما تقدم من أنه ﵇: "رَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ الْيَهُودِي عَلَى طَعَامٍ [لأِهْلِهِ] "، كما رواه البخاري.
واعلم أن كلام الشيخ في ثمن المبيع يدل على أن ذلك مفرع على الصحيح في انتقال الملك، [فإنه أثبت فيه الملك وجعله غير لازم، أما إذا قلنا بعدم انتقال الملك]، فلا دين؛ فيكون من القسم قبله، وقد صرح الإمام بأن الظاهر على هذا منع الرهن، ولا شك أنه لا يباع المرهون بالثمن في زمن الخيار، ويشترط في الدين اللازم أن يكون معلوماً لهما، فلو لم يعلمه أحدهما لم يصح، كما صرح به في الاستقصاء، في مواضع منها عند الكلام في قوله: "ألق متاعك في البحر وعليَّ ضمانه" من هذا الباب.
قال: فأما ما لا يلزم بحال مال الكتابة فلا يجوز الرهن به؛ لأن الرهن للتوثيق، والمكاتب بسبيل من إسقاط النجوم متى شاء؛ فلا معنى لتوثيقها؛ ولأن الرهن إنما جعل ليحفظ عوض ما زال الملك عنه، والعوض في الكتابة هو الرقبة، وهي باقية على ملكه لا يزول ملكه عنها إلا بالأداء، فلا حاجة به إلى الرهن، وقد حكى الإمام عن ابن سريج: أنه جوز ضمان نجوم الكتابة تخريجاً على جواز ضمان ما لم يجب، وقد جرى سبب وجوبه، ومقتضى ما حكيناه عن الإمام جريانه في الرهن.
تنبيه: قول الشيخ: "ولا يصح إلا بدين" يخرج الرهن على الأعيان المضمونة، كما هو الصحيح، خلافاً للقفال، كما حكيناه من قبل.
والفرق بينه وبين الضمان أن الضرر في الرهن، لو صح يدوم في حبس العين لا إلى غاية وهو منتفٍ في الضمان، ويخرج الرهن على العمل المعين؛ لتعذر استيفائه من المرهون، ويدخل العمل إذا ألزم في الذمة بلفظ الإجارة، وقد حكى
стр. 4460
الماوردي في صحته به تفصيلاً فقال: إن لم يكن الآخر قبض الأجرة، لمي صح الرهن به؛ لأنه وثيقة في الحق المستحق، والعمل قبل دفع الأجرة [غير مستحق].
[قلت: وهذا منه تفريع على أن عقد الإجارة، إذا ورد على منفعة في الذمة، يعتبر فيه قبض الأجرة في المجلس؛ كالسلم، وألا فلا فرق بينه وبين المرهن بثمن المبيع قبل القبض].
وإن كان [قد] قبض الأجرة، ففي جواز أخذ الرهن على العمل الملتزم في الذمة وجهان:
وجه المنع: أن استيفاء العمل في الرهن غير الممكن.
ووجه الجواز: أنه حق في الذمة له قيمة يمكن استيفاؤها من الرهن، فجاز كالدين.
قال: ولا يصحَ إلا بالإيجاب والقبول؛ لأنه عقد بين اثنين على مال، فافتقر إلى الإيجاب والقبول كالبيع.
ويجيء فيه الخلاف السابق في انعقاد البيع بالمعاطاة، والاستيجاب، والإيجاب، وهل يقوم اشتراط الرهن في عقد البيع، مثل أن يقول: بعتك بكذا، على أن ترهنني دارك بكاذ، فيقول المشتري: قبلت، ورهنت – مقام القبول؟ فيه خلاف، وظاهر النص –على ما حكاه المتولي – الاكتفاء به.
وقال القاضي الحسين: لا يتم به، بل يشترط أن يقول بعده: ارتهنت أو قبلت؛ لأن الذي وجد منه شرط إيجاب الرهن لا استيجابه، وهذا أصح عند صاحب التهذيب، والإمام، وحكى أنه الذي ارتضاه المحققون.
قال: ولا يلزم أي: من جهة الراهن – إلا بالقبض [خلافاً لأبي ثور] لقوله تعالى: - فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ووجه الدلالة [منه] على ما حكاه الماوردي من ثلاثة أوجه.
أحدها: أنه وصف الرهن بالقبض، فوجب أن يكون شرطاً في صحته، كوصف الرقبة بالإيمان، والاعتكاف بالمسجد، والشهادة بالعدالة.
стр. 4461
والثاني: أنه ذكر غير الرهن من العقود [ولم يصفه] بالقبض، وذكر الراهن ووصفه بالقبض، [فلا يخلو أن يكون وصف الرهن بالقبض]، إما لاختصاصه به، أو يكون تنبيهاً على غيره، وأيهما كان فهو دليل على لزومه فيه.
والثالث: إن ذكر القبض يوجب فائدة شرعية لا تستفاد؛ لحذف ذكره، ولا فائدة في ذكره، إن لم نجعل القبض شرطاً في صحته.
وأما من جهة المرتهن، فلا يلزم بحال.
فرع: لو دفع الراهن الرهن إلى المرتهن بعد العقد، ونوى أن يكون وديعة [عنده]، ثم اختلفا فقال المرتهن: أقبضنيه عن الرهن، وقال: [الراهن]:بل وديعة، فمن المقبول قوله؟ [فيه] وجهان:
[في النهاية في الرهن] ويشترط في القبض أن يكون بإذن الراهن، وإن كان الرهن مشروطاً في البيع؛ لأن به يبطل حق الراهن من التصرف في العين، فلا يجوز بغير إذنه، ولا فرق في ذلك، بين ألا يكون المرهون في يد المرتهن أو في يده وديعة أو عارية أو إجارة أو غصباً، على النص وسيأتي في كتاب الهبة حاكية نصه في كتاب الإقرار والمواهب: أنه إذا وهب له هبة في يده فقبلها تمت، وأن من الأصحاب من طرد في كل من المسألتين قولين وهو [قول] أبي إسحاق وأن منهم من جرى على ظاهر النصين، وأن منهم من قطع بأنه لابد من الإذن لهما على ما حكاه ابن كج [وتوجيه] ذلك - إن شاء الله تعالى,
وفي النهاية أن القول المخرج في المرهون من الهبة، لا يجيء على رأي في المغصوب، بخلاف المودع؛ لأن يد المودع صدرت عن حكم المال، فإذا صادفها الرهن كان دوام اليد بمثابة ابتدائها، وهذا لا يتحقق في يد العدوان، وهذا ما جزم به الماوردي، والأول أصح عند الإمام، ثم على كلا القولين لا يلزم العقد ما لم
стр. 4462
يمض زمان تتأتى فيه صورة القبض، لكن إذا شرطنا الإذن، فابتداء الزمان يكون من وقت الإذن، وإلا فمن وقت الرهن، وحكى العراقيون عن حرملة على قول عدم اشتراط الإذن أنه لا حاجة إلى مضي زمان، ويلزم العقد بنفسه.
قال الإمام: ومقتضى نقلهم عنه، أنا إذا اعتبرنا الإذن، فلابد من مضي الزمان، وقياس مذهبه إسقاط اعتبار الزمان بعد الإذن، كما يسقط اعتباره بعد العقد، إذا لم يشترط الإذن، وعلى المذهب، هل يشترط المسير إليه ومشاهدته؟ فيه وجهان: ظاهر النص منهما نعم، وأصحهما: لا.
وبعضهم حكى وجهاً ثالثاً، وحمل النص عليه، فقال: إن كان المرهون يتردد في بقائه كالحيوان الذي لا يؤمن انفلاته، فلابد من المشاهدة، وألا فلا يشترط، وبهذا قال أبو إسحاق، ومن أصحابنا من قال: إن أخبره ثقة "أنه باق على صفته بعد مضي الزمان" صار مقبوضاً، ثم على القول بالاشتراط فهل يعتبر معه النقل؟ فيه وجهان:
أصحهما- وبه قطع طوائف -: أنه لا يشترط، وإذا شرطنا وراء مضي المدة الرجوع إلى مكان الرهن، فلو وكل وكيلاً حتى يرجع، ويشاهد وينوب عنه، فهل يصح التوكيل في ذلك، أم لابد من رجوع المرتهن بنفسه؟ فيه وجهان حكاهما الإمام، وأصحهما: الجواز، كما في أصل القبض.
ولو ذهب المرتهن إلى الموضع الذي فيه الرهن، فوجده قد خرج من يده قبل الرهن، نظر، فإن كان قد أذن له في القبض أخذه حيث وجده، وإن لم يكن قد أذن له، فلابد من أن يقبضه إياه الراهن، وإن كان قد خرج بعد الرهن.
فإن قلنا: لابد من الإذن فالحكم كما تقدم، وإن لم نشترط تجدد الإذن، فله أخذه حيث وجده.
ثم القبض المعتبر – فيما إذا لم يكن المرهون في يد المرتهن – مذكور في كتاب البيع.
قال القاضي الحسين: ويستثني من ذلك التخلية، إذا جعلناها قبضاً في المنقول؛ لان القبض ثَمَّ مستحق فقوي.
قال الإمام: وما ذكره حسن، ولكن صرح الأصحاب بذكر قول التخلية في الهبة
стр. 4463
والرهن مصيراً إلى أن القبوض صور، ولا تختلف باختلاف المحال، ولا نزاع في أن الغاصب لا يبرأ من [ضمان الغصب] وإن أذن له في القبض، كما سيأتي في الكتاب، وهل يبرأ منه بالإبراء؟ فيه وجهان، الظاهر منهما في الشامل، وهو المذكور في الحاوي: أنه يبرأ.
وأما المستعير فهل يبرأ بالرهن منه؟ ينظر: إن لم يمنعه من الانتفاع بها – لم يبرأ، وإن منعه فوجهان، في الشامل، وغيره أطلق حكاية الوجهين، [وبناهما الماوردي على أن الرهن هل يبطل العارية أو لا؟ فيه وجهان، إن أبطلها برئ، وإلا فلا يبرأ].
فرع: لو رجع الراهن في الإذن قبل مضى الزمان، إذا اعتبرناهما صح رجوعه، وإن لم نعتبر الإذن، واعتبرنا مضي الزمان، فرجع قبل انقضائه، فهل يصح؟ فيه وجهان، صرح بهام صاحب التقريب، وأشار إليهما الشيخ أبو محمد.
آخر: هل يبطل الرهن بموت أحد المتعاقدين قبل القبض؟ فيه ثلاث طرق.
أظهرها: طرد قولين، وأصحهما عدم البطلان.
والثانية: القطع بعدم البطلان.
والثالثة: أنه يبطل بموت الراهن، دون المرتهن، وبهذا قال أبو إسحاق، والفرق أن بعد موت الراهن، إن لم [يكن] هناك دين لغير المرتهن، فجميع التركة سواء في وجوب قضاء دينه منها في الحال، وإن كان هناك دين لغيره، فقد تعلق حق ذلك الغير بعين الرهن، كتعلق حق المرتهن، فلا يحصل بتسلم الوارث الرهن الغرض فيما قبض فلا حاجة إلى بقاء الرهن، وفي صورة موت المرتهن يبقى الرهن كما كان، وإنما ينتقل الاستحقاق فيه إلى الورثة وهم يحتاجون إلى الوثيقة حاجة مورثهم، ولا فرق في جريان الطرق بين الرهن المشروط في البيع، وغير المشروط على المشهور، وبه قال أبو الطيب ببن سلمة.
وقال ابن أبي هريرة: محلهما في المتبرع به، أما في المشروط فلا يبطل وجهاً واحداً؛ لتأكده بالشرط السابق، وإقرانه بالبيع اللازم.
стр. 4464
والجنون، والإغماء قبل القبض يترتب على الموت، إن قلنا: إن الموت يؤثر، ففي الجنون وجهان:
والأصح في الحاوي: أنه لا يؤثر، فعلى هذا إذا جن المرتهن، قبض له الرهن من ينصبه القاضي ناظراً في ماله، وإن جن الراهن فالوالي ينظر في الرهن، فإن لم يكن في تسليمه حظ [له لم يكن له تسليمه]، وإن كان في [تسليمه] حظ [له] بأن يكون مشروطاً في بيع فيه فضل، إن لم يسلم الرهن، فسخ البائع البيع، فهل يجوز [له] تسليمه [أم لا]؟ فيه وجهان في الحاوي.
وكذا لو مات المرتهن، والورثة محجور عليهم، وكان الرهن مشروطاً في بيع، وقد امتنع الراهن من الإقباض، وكان الحظ للورثة في البقاء، فإن كان الراهن أميناً موسراً، فهل على الولي أن يفسخ البيع؟ فيه وجهان، وطريان الحجر؛ بسبب السفه أو الفلس، كطريان الجنون.
قال: فإن اتفقا على أن يكون في يد المرتهن، جاز [أي: إذا لم يكن الرهن جارية ولا كراعاً، ولا سلاحاً، والمرتهن كافر، وصححناه؛ لأن الحق لهما، فجاز ما اتفقا عليه من ذلك.
أما إذا كان جارية، فينظر إن كانت محرماً له، أو صغيرة لا يشتهي مثلها، أو المرتهن امرأة أو أجنبيًّا ثقة، عنده زوجة، أو أمة يؤمن معها من الإلمام بها، فالحك كذلك، وإن عدم ذلك، لم يجز أن توضع على يده، وتوضع عند محرم لها، أو امرأة ثقة، أو عدل على الصفة المذكورة فإن شرط وضعها عنده؛ قال القاضي أبو الطيب [وغيره]: كان الشرط فاسداً، والرهن صحيحاً، ولو كان الرهن خنثى، فإن كان صغيراً جاز أن يكون في يد المرتهن، وعلى يد عدل وعند امرأة ثقة، وإن كان كبيراً، وضع على يد محرم له، ولا يجعل على يد أجنبي ولا أجنبية، صرح به
стр. 4465
العمراني، وإن كان كراعاً، أو سلاحاً جعل على يد عدل مسلم، صرح به ابن الصباغ.
قال: وإن اتفقا على أن يكون عدل جاز لما ذكرناه.
وإن تشاحا أي: تمانعا، فيمن يكون تحت يده، وكان الرهن مشروطاً في بيع، كما نبه عليه الإمام، والرافعي، في الباب الثالث من كتاب البيع سلمه الحاكم إلى عدل؛ لأنه العدل.
وقيل: إذا أطلق العقد، ولم يتبين من الذي يكون الرهن في يده، بطل.
قال الإمام: وظاهر النص معه، [وبه جزم المحاملي إذا كان الرهن عبداً، دون ما إذا كان أمة، فإنه لا جهة لها إلا جهة واحدة، كما حكاه عنه في الزاوئد، وكذا الخلاف فيما إذا عقد الرهن من غير شرط، ولم يتبين من يكون تحت يده].
والعدل نائب عن المرتهن، وليس له أن يسلمه لأحدهما من غير إذن الآخر، فإن فعل ضمن، وإذا فوضا للعدل البيع عند حلول الحق جاز [وهو وكيل فيه عن الراهن وأمين عن المرتهن]، ولكن هل يحتاج إلى إذن الراهن عند البيع أيضاً؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، وبه قال أبو إسحاق.
قال الإمام: ولا خلاف أنه لا يحتاج ثانياً إلى إذن المرتهن.
وفي الشامل [وغيره من كتب العراقيين]: أنه لابد من مطالبة المرتهن ببيعه.
[وفي الحاوي: أنه لا يحتاج إلى تجديد إذنهما، ويكفي استمرارهما على الإذن، وسنذكر في آخر الباب فرعاً يتعلق بهذا]؟
أما إذا وقع التشاحح فيمن يقبض الرهن غير المشروط ابتداء، فالذي يظهر أنه لا يسلم إلى العدل إلا برضا الراهن؛ لأن له الامتناع من أصل الإقباض.
стр. 4466
ولو اتفقا قبل القبض على أن يقبضه للمرتهن الراهن من نفسه لم يصح، وقبض عبده القن.
وأم ولده ومدبره كقبضه، ويجوز أن يستنيب مكاتبه.
وفي جواز استنابة عبده الماذون وجهان.
وقال الشيخ أبو علي وجها ثالثاً: إن ركبته الديون جاز، وألا فلا يجوز وجهاً واحداً، والأصح المنع مطلقاً.
[فرع: إذا مات المرتهن والرهن في يده فقال الراهن: لا أرضى بيد الورثة، فله ذلك على النص، كما حكاه الإمام عن العراقيين، قوال: إنه الأصح ورفع الأمر إلى الحاكم ليضعه على يد عدل، ولا فرق بين أن يكون الورثة عدولاً أم لا.
وقال بعض أئمتنا: لا يزيل القاضي يد الورثة، نعم له أن يضم إليهم يداً إذا استدعاها الرهن].
قال: وكل عين جاز بيعها جاز رهنها؛ لأن المقصود من الرهن البيع؛ ليستوفي المرتهن حقه منه وذلك يحصل مما يجوز رهنها، وإن قلنا بجواز بيع المستأجر].
وعلى المذهب لا يحتاج لفظ الشيخ إلى استثناء شيء منه كما نبه عليه ابن يونس في استثناء المواضع التي تذكر في الكتاب؛ لأن ذكر قول ثانٍ في المدبر لا يمنع من
стр. 4467
صحة الإطلاق الأول، ثم المشتري يجوز له رهنه وإن لم يجز للبائع المدبر كما اعتذر به الماوردي، وكذلك ذكر طريق في عدم صحة رهن الجاني وقول في المعلق عتقه بصفة، وما يتسارع إليه الفساد [لا يرد لما ذكرناه أولاً وأيضاً فإن المعلق عتقه وما يتسارع إليه الفساد] يصح رهنهما بالدين الحال، وليس في كلام الشيخ ما يقتضي تعميم الأحوال لأنه عام في الأعيان، والعام في الأعيان مطلق في الأحوال والأزمان والأمكنة، وإذا كان كذلك صح تفسيره بما ذكرناه.
وبهذا رد البندنيجي على ابن القاص حيث قال: من الأشياء ما يجوز بيعه قولاً واحداً، وفي رهنه قولان، وهو الطعام الرطب وبه يحسن الجواب أيضاً عما ذكره الماوردي، وصاحب الاستقصاء من أن العبد إذا تزوج امرأة بإذن مولاه بصداق مبلغه ألف درهم، ثم إن السيد ضمنه فإنه لا يصح أن يرهن العبد عند الزوجة على الصداق؛ لأن الدَّين مضمون على العبد، فلم يجز أن يجعل رهناً في الدين؛ لأن الوثيقة غير الموثوق فيه، على أن في عدم الصحة في هذه الصورة نظر، إذا قلنا إن المهر لا يتعلق برقبته، نعم قد يحتاج إلى استثناء المرهون فإنه يجوز بيعه من المرتهن ولا يصح رهنه منه بدين آخر على الجديد، اللهم إلا أن يقال المراد ما يصح بيعه من كل أحد فيندفع ذلك.
قال: وقيل إن المدبر لا يجوز رهنه؛ لأن المدبر إما أن يكون غير الذي عليه الدين، أو هو الذي عليه الدين.
فإن كان الأول كما إذا دبر [زيد] مملوكه، ثم رهنه عند عمرو، على دين له على خالد، وذلك جائز كما صرح به المتولي، غيره وكما إذا أعاره المدبر لمن يرهنه بدين؛ فلأن الرهن ليس برجوع عن التدبير.
فإن قلنا إن التدبير عتق بصفة كما هو الجديد [لم يحصل الرجوع فيه إلا بما يزيل الملك وإن قلنا إنه وصية كما هو القديم وبعض الجديد]، قلنا: في أن الرجوع في الوصية هل يحصل بالرهن؟
стр. 4468
وجهان، فإن قلنا: لا يكون رجوعاً فكذلك هاهنا، وإن قلنا يكون رجوعاً، فالفرق أن التدبير أقوى بدليل نفوذه بعد الموت من غير قبول بخلاف الوصية، وإذا ظهرت قوته وضعف الوصية عنه لم يحسن القياس عليها، وإذا لم يكن رجوعاً احتمل أن يموت المدبر فجأة فيبطل مقصود الرهن وذلك غرر من غير حاجة فأبطل الرهن في الابتداء.
والصورة الأولى هي التي يقتضيها كلام المزني في المختصر، فإنه قال: ولو دبره ثم رهنه كان الرهن مفسوخاً؛ لأنه أثبت له عتقاً قد يقع قبل حلول الرهن ولا يتصور أن يقع قبل حلول الرهن إذا كان المدبر هو الذي عليه الدين [إن أجرى اللفظ على ظاهره]، فإن الدين يحل في الوقت الذي يعتق فيه المدبر لا بعده، نعم إن أول مجمل قوله حلول الرهن على انفكاكه لم يختص بالصورة المذكورة، ولم أر في كلام الأصحاب ما يقتضي صريحاً أن الخلاف في غير هذه الصورة إلا في كلام الإمام.
وإن كان المدبر من عليه الدين فالمنع من رهنه ليس كخشية موته فجأة، وعتق المدبر به كما يقتضيه إطلاق الأصحاب؛ لأن المدبر إنما يعتق من الثلث ووفاء الدين من رأس المال، فهو مقدم على ما يعتبر من الثلث؛ بل لأن سقوط الأجل بالموت أو الحلول يقتضي الإجبار على بيع المرهون في وفاء الدين على الفور إذا امتنع من تعين عليه وفاء الدين من إيفائه، والمدبر بعد الموت لو صح رهنه لا يباع في الحال بل ينظر: إن وفت التركة بالديون سواه لم يبع، وعتق إن خرج من الثلث، وإن لم توف بيع منه ما يوفى بها إذ ذاك، وفي حال الحياة إذا انقضى الأجل لا يجبر على الرجوع في التدبير، وإذا لم يرجع فيه لا يبادر إلى بيع المدبر لو صح رهنه ما وجدنا له مالا غيره كما سنذكره عن الأصحاب من بعد، وفي ذلك تغيير لمقتضى العقد فلم صح معه.
وأيضاً فإن المرتهن ينحصر حقه في عين المرهون؛ حتى لا يتمكن من إجبار الراهن على الدفع من غيره، كما صرح به الإمام قبل باب الرهن، والحميل بخمس عشرة ورقة، وإن كان قادراً على تحصيله من غيره، وأشار إليه أيضاً بقوله في الأصل
стр. 4469
الثاني في أوائل كتاب الضمان: أن المرتهن وإن قصر بالارتهان حصر حقه في العين المرهونة فليس له الانفراد ببيعها، وإذا كان كذلك فقد خالفنا هذا المقتضى بإيجابنا بيع غير المرهون في وفاء دين الرهن، وهذا القول منصوص في الأم أيضاً.
فإنه قال: لو دبره ثم رهنه كان الرهن مفسوخاً، ولو قال: رجعت عن التدبير ثم رهنه ففيه قولان، وإليه مال الأكثرون.
قال: وقيل يجوز أي: ويكون التدبير بحاله؛ لأنه لما جاز أن يطرأ التدبير على الرهن ولا يبطل الرهن، وإن أبطله العتق لجواز بيعه جاز أن [يطرأ الرهن] على التدبير، ويكون الرهن جائزاً؛ لجواز بيعه، وليس ما يطرأ من جواز أن يعتق بموت السيد قبل حلول الحق [بمانع من صحة الرهن، كما أن الحيوان قد يجوز أن يموت قبل حلول الحق]، وليس ذلك بمانع من صحة الرهن، هكذا قال المارودي.
وفي قوله: "وليس ما يطرأ من جواز أن يعتق بموت السيد قبل حلول الحق" إشارة إلى أن الراهن غير المدبر كما صورناه من قبل، وهذا الطريق هو الذي رجحه الغزالي، وإمامه من جهة أن عتق المدبر متأخرعن وفاء الدين، فيؤمن معه تلف
стр. 4470
المرهون بسبب العتق، ومقتضى هذا تخصيص التصحيح بما إذا كان المدبر هو المديون وعلى هذا الطريق.
قال أبو إسحاق المروزي: إذا حل الحق فإن قضى من جهة أخرى سقط حكم الرهن وبقي العبد على تدبيره، وإن لم يقض قيل له ارجع في التدبير، فإن اختار الرجوع فيه بيع في الدين، وإن لم يختر: فإن كان له مال غيره [قضى منه الدين ويبقى العبد مدبراً وإن لم يكن له مال غيره]، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يحكم بفساد الرهن، وعلى هذا الحال يحمل كلام الشافعي أن الرهن مفسوخ.
والثاني: أنه يباع، وهو الصحيح عملاً بمقتضى صحة الرهن.
قال: وقيل على قولين القائل بهذا الطريق ابن سريج، وقد بنى الخلاف على أن التدبير وصية، أو عتق بصفة.
فإن قلنا بالأول جاز رهنه؛ لأنه يجوز الرجوع فيها بالقول فجعل الرهن رجوعاً كما لو وصى به ثم رهنه.
وإن قلنا بالثاني لم يجز رهنه، لما ذكرناه من قبل.
قال القاضي الحسين في تعيقه: وقيل إنه يجوز تفريعاً على هذا أيضاً كما سيأتي مثله في رهن المعلق عتقه بالصفة.
وهذا الطريق أصح الطرق عند الماوردي، وأقرب إلى القياس عند ابن الصباغ.
واعلم أن النواوي قال: قول الشيخ، وقيل: يجوز – تكرارٌ لا حاجة إليه.
قال قوله: "كل عين جاز بيعها جاز رهنها" مغنٍ عن ذلك؛ لأنه يجوز بيعه.
وجوابه: أن ذلك خص بالذكر؛ ليقام عليه دليل خاص به، إذ لا يمكن دفع حجة المنازع بما يضمنه دليل القاعدة المذكورة.
وتقييد الشيخ الكلام بالعين يخرج المنافع؛ فإنه لايصح رهنها، كما صرح به ابن الصباغ وغيره والدين أيضاً.
وإن قلنا بجواز بيعه، وفي الدين المستقر وجه أنه يصح رهنه حكاه الشيخ في
стр. 4471
المهذب [وغيره من العراقيين] والغزالي في كتاب الهبة.
قال في البيان: وعلى هذا يلزم بنفس العقد، و [قد] حكى في البسيط في هبة الدين وجهين عن حكاية صاحب التقريب، وأنا إذا صححناها ففي اللزوم بمجرد العقد وجهان، فإن قلنا لا يلزم وهو القياس فوجهان، أحدهما: لابد من قبض الدين، والثاني: يكتفي بتسليط وراء الإيجاب وهو أن يقول استوفى الدين، ينزل ذلك منزلة التخلية في العقار؛ فإنه غير قابل للقبض في صورته كالعقار.
قلت: ولم يحك جريان مثل ذلك في رهنه.
[قال الرافعي: لأن الرهن لا يفيد انتقال الملك والاستحقاق].
وفي الاستقصاء: أنه لو رهن الدين ممن هو عليه صح وجهاً واحداً؛ لأنه يجوز بيعه منه [فكذلك الرهن].
فإن قيل: قد حكى [القاضي] أبو الطيب وغيره عن نص الشافعي في ضبط ما يرهن به أن ما جاز بيعه جاز رهنه، وذلك يقتضي جواز رهن المنافع والدين إذا قلنا بجواز بيعه؟
قلنا: لم يذكر الشافعي ذلك إلا في معرض منازعة الخصم [في] أن رهن المشاع غير صحيح، وإقامة الحجة عليه، فإن عندنا رهنه صحيح، ولا فرق فيه بين أن يرهن نصيبه من جملة الدار أو في بيت منها والباقي مشترك بينهما، وفي رهن نصيبه من بيت من الدار مشاعاً وجه أنه لا يصح؛ لأنه ربما تقاسم الشريك فيقع الجميع في حصته، ولا يبقى للرهن مقر.
ووجهه الشيخ في المهذب، والمحاملي بأن فيه إضراراً للشريك بأن يقتسما، فيقع البيت في صحته فيكون بعضه مرهوناً.
قال المحاملي: ومحله إذا كان [الرهن] بغير إذن الشريك، أما إذا كان بإذنه، فإنه يصح؛ لأنه رضي بما يلحقه من الضرر، وهذا الوجه صححه مجلي، والأول صححه المتولي، وصاحب المرشد.
стр. 4472
ثم إذا صححنا الرهن ووقع البيت في نصيب الشريك.
قال الغزالي: احتمل أن يقال هو تلف، واحتمل أن يقال الراهن ضامن، والتفويت منسوب إليه، ومقتضى ما ذكرناه من تعليل الشيخ والمحاملي، أنه يبقى مرهوناً.
قال: والمعتق [صفة تتقدمي على حلول الحق لا يجوز رهنه أي: من غير أن يشترط بيعه قبل وجود الصفة؛ لأنه رهن ما لا يمكن استيفاء الحق منه، الذي هو مقصود العقد.
قال: وقيل فيه قول آخر أنه يجوز هذا القول خرجه أبو الطيب من رهن ما يتسارع إليه الفساد، وسنذكر تعليله.
قال الإمام: وإنما ينتظم التخريج إذا قلنا بنفوذ العتق المعلق قبل الرهن عند وجود الصفة بعد الرهن، كما سنذكره، أما إذا لم يقل به فلا يخاف تسارع الفساد إليه وفوات الوثيقة، والصحيح الأول، وبه قطع الماوردي وغيره؛ لأن الظاهر فيما يسرع إليه الفساد من جهة الراهن بيعه إذا خشي تلفه وجعل ثمنه رهناً، وهاهنا الظاهر من جهته بقاؤه على الوفاء بذلك لغرضه في حصول العتق.
أما إذا شرط بيعه قبل وجود الصفة، صح الرهن، كما في نظير ذلك مما يتسارع إليه الفساد، صرح به في المرشد.
ووراء صورة الكتاب صورتان:
إحداهما: أن يرهنه بدين حال، أو بدين يحل قبل وجود الصفة فلا خلاف في صحة الرهن للقدرة على تحصيل المقصود.
نعم لو تأخر بيعه حتى وجدت الصفة، انبنى أمره كما قال القاضي الحسين، على أن العبرة في التعليقات بحال التعليق أو بحال وجود الصفة، وفيه قولان، فإن فرعنا على الأول عتق، وإلا انبنى على جواز عتق المرهون.
стр. 4473
الثانية: أن يرهنه بدين يحتمل حلوله قبل وجود الصفة أو بعدها، كما إذا كانت الصفة وجود زيد مثلاً، وفي صحة الرهن والحالة هذه قولان، تفريعاً على المذهب في مسألة الكتاب أصحهما، وبه قطع بعضهم المنع، وقول الجواز.
قال القاضي أبو الطيب: إنه مخرج من جواز رهن المدبر فإن التدبير عتق بصفة.
أما إذا فرعنا على قول أبي علي الطبري فيها جاز هاهنا وجهاً واحداً، كما قال القاضي الحسين وفيه نظر؛ لأن أبا علي في مسألة تحقق الصفة قبل حلول الأجل يأمر ببيعه قبل وجود الصفة، كما يباع ما يسرع إليه الفساد قبل إشرافه عليه.
وهاهنا لا يتحقق حال وجود الصفة حتى يباع قبلها، نعم إن أمكن معرفة وقت وجود الصفة اتجه ذلك، ويبيعه قبل ذلك كما قال صاحب التقريب، فيما إذا كان العتق ارتفع بعَتَهٍ.
قال: وما يسرع إليه الفساد، أي: كالأطعمة والفواكه الرطبة التي لا يمكن تجفيفها، لا يصح رهنه بدين مؤجل، أي: بوقت يفسد قبل مجيئه من غير شرط بيعه عند خوف الفساد، في أصح القولين؛ لأنه لا يمكن إجبار الراهن على إزالة ملكه قبل حلول الدين؛ لكونه خلاف مقتضى العقد، وإذا كان كذلك تعذر استيفاء الحق من ثمنه؛ فلا يصح رهنه [كأم الولد]، وكما لو شرط ألا يباع عند إشرافه على الفساد.
قال: ويصح في الآخر أي: ويجبر على بيعه عند خوف الفساد، ويكون ثمنه رهناً؛ لأن العقد المطلق يحمل على المتعارف، والمتعارف فيما يفسد أن يباع قبل فساده، فيصير كما لو شرط ذلك، ولو شرط ذلك جاز وجهاً واحداً، فكذلك عند الإطلاق، وهذا القول مال غير العراقيين إليه، وهو الموافق لظاهر نصه في المختصر.
[وفي الحاوي: إذا صححنا رهنه لا نلزم الراهن ببيعه عند فساده] ولا خلاف في جواز رهنه بالدين الحال، ويباع عند الإشراف على الفساد، أما إذا كان المرهون مما يمكن تجفيفه كالرطب والعنب، وكذا اللحم جاز رهنه وجهاً واحداً، من غير
стр. 4474
شرط، ووجب على الراهن ذلك، كما يجب عليه نفقة الحيوان؛ لأنه من مؤنة حفظه.
فرع: إذا قلنا لا يصح رهنه فأخذه المرتهن وتركه حتى فسد.
قال في التهذيب: إن أذن له الراهن في بيعه ضمن وإلا لم يضمن.
وفي الجيلي في آخر هذا الباب: لو أذن الراهن [للمرتهن في بيع الرهن] عند حلول الدين، فلم يبع حتى مر على ذلك زمان، وتلف لم يلزمه ضمانه؛ لأن البيع لم يكن واجباً عليه فهو كالوكيل المأذون بالبيع مطلقاً، وهذا يطرد في كثير من السائل، فما لا يجب عليه فعله لا ضمان عليه بتركه إذا فرط في ذلك، حتى تلف بخلاف الولي [والوصي]، وما قاله فيه دليل على أن المرتهن له البيع، وليس ذلك رأي العراقيين كما سنذكره.
فرع: إذا كان المرهون لا يقطع ببقائه ولا بفساده، وتردد الاحتمال، ففي جواز الرهن المطلق من غير تقييد بالبيع عند الإشراف على التلف قولان مرتبان على القولين في الصورة السابقة، وأولى بالصحة.
فرع: إذا رهن ما لا يسرع إليه الفساد، ثم طرأ عليه ما يقتضي فساده، قبل حلول الدين لم يبطل الرهن.
وهل يجبر على بيعه ليكون الثمن رهناً مكانه؟ فيه قولان في الحاوي.
قال: والفرق على أحد القولين بينه وبين ما يسرع إليه الفساد، إذا قلنا بصحة رهنه حيث لا يجبر الراهن على البيع، أن البيع يمنع الفساد في هذه الصورة، فوجب [وفاءً] مما اقتضاه الرهن في الابتداء، وليس كذلك ما كان فاسداً وقت العقد؛ لأنه في الانتهاء على ما كان عليه في الابتداء، ولا خيار للبائع، إذا كان هذا الرهن مشروطاً في بيع؛ لأن فساده قد كان معلوماً له، ولو طرأ ما يقتضي الفساد بعد العقد وقبل القبض، فهل يحكم بانفساخ الرهن؟
فيه وجهان في الرافعي، وهما مبنيان على القول: بأن رهن ما يتسارع إليه الفساد باطل، ويجري الوجهان كما حكاه الإمام فيما لو قتل العبد المرهون بعد العقد، وقبل
стр. 4475
القبض في أن حق الوثيقة، هل تتعلق بالقيمة الواجبة على المتلف؟
قال: وما لا يجوز بيعه أي: وفاقاً كالموقوف، والمرهون ونحو ذلك، أو على رأي كالجاني والغائب ونحوهما كما تقدم، خلا ما سنبينه وما في معناه.
[قال:] لا يجوز رهنه؛ لأنه لا يحصل مقصود العقد، وهو اسيتفاء الحق من ثمنه عند التعذر.
قال: وما لا يجوز في البيع من الغرر لا يجوز في الرهن؛ لاشتراكهما في قصد المالية.
فإن قيل: الكلام الأول يغني عن هذا، فإن عدم جواز البيع تارة يكون لفقد شرط، وتارة لوجود مانع، والغرر أحدهما فلا معنى لذكره.
فالجواب: أن ذلك صحيح في المبيع بالنظر إلى ذاته لكن كلام الشيخ ثانياً يرجع إلى نفس العقد لا إلى المبيع، فلم يكن كلام الشيخ شاملاً له لو اقتصر على الأول.
قال: فإن رهن المبيع قبل القبض جاز.
[رهن المبيع قبل القبض له حالتان:
الأولى: أن يرهنه من البائع فهو صحيح، وإن كان لا يجوز بيعه منه على الأصح، كما قدمناه؛ لأن الرهن غير مضمون على المرتهن، وما لا يقتضي نقل الضمان فليس من [شرط صحته] قبضه، وهذا ما نص عليه الشافعي، كما حكاه ابن الصباغ، قبيل باب المصراة، وحكى أن من أصحابنا من قال أنه لا يصح؛ لأنه عقد يفتقر إلى القبض فأشبه الهبة].
وهذا منه يدل على أن الهبة منه ممتنعة جزماً، وقد صرح بذلك البندنيجي من قبل، وأجرى الرافعي الوجه الأول فيها أيضاً، وصحح منهما المنع وحكى عن بعضهم الجزم به، وعلى ذلك جرى المتولي [في الرهن] في كتاب الرهن، ووجهه بأن الثمن إن كان حالاًّ فهو محبوس به، إن قلنا: إن البداية بالمشتري فلا يجوز رهنه كالمرهون، وإن كان مؤجلاً [أو حالاً،] وقلنا البداية بالبائع، ففيه تغيير لمقتضى
стр. 4476
العقد في التسليم، وما قاله من أنه كرهن المرهون تفريع منه على أن رهن المرهون من الراهن لا يجوز، ويجيء هاهنا طريقة قاطعة بأنه يجوز كما حكاها في الاستقصاء، فيما إذا رهن العبد الجاني من المجني [عليه]؛ لأن رهنه بالجناية ليس رهناً حقيقة [كذلك جنس المبيع على الثمن ليس رهناً حقيقة].
الثانية: أن يرهنه من غير البائع، فالصحيح عند عامة الأصحاب على ما حكاه الرافعي، وبه جزم ابن الصباغ والبندنيجي في أوائل باب بيع الطعام، المنع لضعف الملك كما أن المكاتب لا يصح بيعه، ولا يصح رهنه، وفيه وجه أنها يصح إذا لم يكن للبائع حق الحبس؛ نظراً إلى أن المانع من صحة البيع توالي الضمانين، [وهذا ما رجحه الغزالي].
وكلام البندنيجي في كتاب الرهن يوهم الجزم به فإنه قال: وإن اشترى شيئاً فرهنه قبل القبض – نظرت: فإن كان قبل تسليم الثمن إلى البائع لم يصح.
[وقال] وإن كان بعد أن أسلم ثمنه إلى البائع فقد نص في [باب الرهن] على جواز ذلك؛ لأنه قد استحق قبضه على وجه لا يملك منعه منه كالميراث سواء، وجعله صاحب الاستقصاء المذهب، وجزم به القاضي الحسين، في التعليق وادعى نفي الخلاف فيه، وقد ذكرناه عنه من قبل.
إذا عرفت ذلك كان لك أن تحمل كلام الشيخ على العموم من غير فرق بين أن يرهنه من البائع، أو من غيره، والله أعلم.
فرع: إذا صححنا الرهن من البائع وأذن له في القبض ففعل لزم، ولا يزول ضمان البيع، بل إذا تلف ينفسخ العقد، وليس لنا رهن إذا تلف في يد المرتهن يكون من ضمانه من غير تعدَّ إلا هذا، وحكم قبض غير البائع إذا جوزنا الرهن منه، قد تقدم في أول كتاب البيع.
قال: وإن رهنه بثمنه لم يجز أي: إذا كان للبائع حق الحبس؛ لأنه محبوس به، فلا يجوز كرهن المرهون.
ولقائل أن يقول: ينبغي أن يصح ويتقوى أحد الجنسين بالآخر، ويعضده ما سيأتي
стр. 4477
حكايته عن الإمام من بعد، أما إذا لم يكن له حق الحبس، بأن كان الثمن مؤجلاً، أو حالاًّ، وقلنا البداية بالتسليم، يجبر عليها البائع فهو كما لو رهنه منه بدين غير الثمن وقد تقدم، وهذا إذا لم يكن الرهن مشروطاً في البيع.
أما لو شرط في البيع [بأن يكون المبيع مرهوناً بالثمن] لم يصح البيع؛ لأن المرهون غير مملوك له بعد؛ ولأن الثمن إما مؤجل أو حال، وأيما كان امتنع رهنه؛ لما ذكرناه من تعليل المتولي؛ ولأن ذلك يؤدي إلى تناقض الأحكام، فإن قضية الرهن كون المال أمانة، وإن تسليم الدين أولى وقضية الدين بخلافه، وفي ذلك أيضاً استثناء منفعة الاستيثاق، ولا يجوز أن يستثني البائع بعض منافع المبيع لنفسه.
وفي النهاية: حكاية وجه مفرع على القول بأن البداية بالمشتري أنه يصح، هذا الشرط لموافقته مقتضى العقد، ولو شرط أن يرهنه بالثمن بعد القبض ويرده إليه، فالبيع باطل أيضاً؛ لبعض المعاني المذكورة.
قال: وإن رهن الثمرة أي: التي يمكن تجفيفها عبد بدو الصلاح قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع جاز في أصح القولين؛ لأن الدَّين إن كان حالاًّ- بيعت في الحال فلا عذر، وإن كان مؤجلاً، فعذره يسير وبتقدير العاهة التي علل بها النبي ﷺ منع البيع لا يَسقُط من دينه شيء بخلاف البيع؛ فإنه لو جوز لتضرر المشتري بفوات الثمن.
والقول الثاني: أنه لا يجوز، وإن كان الدين حالاًّ؛ لأنه عقد لا يصح فيما لا يقدر على تسليمه، فلم يجز في الثمرة قبل بدو الصلاح من غير شرط القطع كالبيع.
وفيه احتراز من العتق، والوصية، ومحل تصحيح القول الأول عند الرافعي، إذا كان الدين حالاًّ أو يحل مع بدو الصلاح أوب عده، أما إذا كان يحل قبل بدو الصلاح، فالأصح من القولين عنده عدم الصحة، ولا نزاع في أنه إذا شرط في الرهن على الدين الحال القطع – جاز.
ولو شرط في الدين الذي يحل قبل بدو الصلاح القطع عند المحل فطريقان: منهم من خرجه على القولين، ومنهم من قطع بالجواز، وإليه أشار الشيخ أبو
стр. 4478
حامد، وصاحب التهذيب.
أما الثمرة التي لا يمكن تجفيفها حكمها حكم رهن ما يتسارع إليه الفساد، [و] هذا كله إذا رهن الثمرة وحدها.
أما لو رهنها مع الأشجار، فإن كانت مما يمكن تجفيفها، صح مطلقاً، وإن لم يمكن تجفيفها، ولم نصحح رهن ما يتسارع إليه الفساد، فطريقان.
أشبههما: أنه لا يصح في الثمار، وفي الأشجار قولاً تفريق الصفقة.
والثاني: يصح فيهما قولاً واحداً، وتكون الثمار تابعة للأشجار.
فرع: إذا رهن زرعاً قبل أن يشتد حبه من غير شرط القطع.
قال في الاستقصاء هو على القولين، يعني في مسألة الكتاب.
وروى غيره عن صاحب التلخيص، أنه لا يجوز قولاً واحداً إذا كان الدين مؤجلاً، وإن صرح بشرط القطع عند المحل؛ لأنه لا يجوز بيعه إذا سنبل، وقد يتفق الحلول في تلك الحالة.
ومن جملة المستثنيات أيضاً: رهن الجارية دون ولدها، الذي لا يجوز بيعها دونه، فإنه صحيح كما يجوز إجارتها دونه؛ لبقاء ملك الرقبة، وإن زال ملك المنفعة؛ ولأن الجارية لو ولدت في يد المرتهن، لم يدخل الولد في الرهن، فلا يمنع ابتداء الرهن، لكن إذا دعت الحاجة إلى البيع والولد بعد صغير، بحيث لا يجوز التفرقة بينهما، فهل تباع منفردة، ويقع التفريق ضرورة، أو يباعان معاً؟ فيه وجهان حكاهما ابن أبي هريرة.
وأصحهما في الطريقين، وذكر في الزوائد للعمراني أن المنصوص الثاني، وبه جزم ابن الصباغ، ويعضده أن القاضي الحسين حكى أن الشافعي نص في الجنايات على أن الجارية لو جنت، ولها ولد صغير يباعان، وهاهنا أولى.
وفي زوائد العمراني أن الوجه الآخر يجري فيما إذا جنت أيضاً، وعلى الصحيح إذا بعناهما، قومت الجارية ذات ولد دون ولدها، فإذا كانت قيمتها مائة، قوم الولد دون أمه، فإذا كانت قيمته خمسين، كان للمرتهن من ثمنها الثلثان، وهذا ما حكاه ابن الصباغ.
стр. 4479
وحكى الماوردي، أنا نقول كم قيمة الجارية وحدها، إذا بيعت مع الولد، وكم قيمة الولد إذا بيع مع الأم، وبين العبارتين فرق.
وحكى أمام وجهين كالوجهين فيما إذا رهن أرضاً بيضاء، وكان فيها نوى فقبض الرهن ثم أنبت النوى أشجاراً وبعناها مع الأشجار، فأحد الوجهين في الأرض: أن تقوم بيضاء فإذا قيمتها مائة، ثم يقومها مع الغراس فإذا قيمتها [مع الغراس] مائة وعشرون، فيكون للمرتهن من ثمنها خمسة أسداسه وهكذا، ونظيره من مسألتنا أن تقوم الأم وحدها فإذا قيمتها مائة، ثم يقومها مع الولد فإذا قيمتها مائة وعشرون، فيكون للمرتهن من ثمنها خمسة أسداسه وهكذا.
الوجه الثاني في الأرض، أنا نقومها بيضاء فإذا قيمتها مائة، ثم نقوم الغراس [في الأرض متفرداً فإذا قيمته خمسون، فيكون للمرتهن من منها الثلثان، ونظيره من مسألتنا أن تقوم الأم وحدها فإذا قيمتها مائة، ويقوم الولد وحده مضموماً إلى الأم كما قدرنا الأشجار ثابتة، فإذا قيمته خمسون، فيكون للمرتهن من ثمنها الثلثان، ثم قال: واختيار الشيخ أبي علي والقاضي هذه الطريقة.
وذكر صاحب التقريب معها طريقة أخرى واختارها، أنا نقوم الأم مع الولد وهي حاضنته، ونقوم الولد مع الأم، ولا يفرد واحد منهما بالتقويم على تقدير الانفراد، بخلاف مسألة الغراس.
والفرق: أن الجارية رهنت وهي ذات ولد، فاستحق المرتهن بيعها على نعت الضم، والأرض رهنت ولا غرس فيها، ثم حدث الغراس [من بعد، فلا جرم قدرنا الأرض بيضاً في الوجهين جميعاً، ورجعت ثمرة الخلاف إلى قيمة الغراس]، نعم نظير مسألة الغراس أن تعلق الجارية بولد بعد الرهن.
قلت: وما حكاه صاحب التقريب من الحكم مقارب لما حكيته عن الماوردي، وما قاله من الفرق فيه نظر: من حيث إنه جعل نظير مسألة الغراس، ما إذا حملت بعد الرهن وليس كذلك؛ لأن مسألة الغراس مصورة ما إذا رهنت،
стр. 4480
والنوى فيها فهو بمنزلة العلوق بل نظيرها ما إذا علقت ثم رهنها، [وكذلك جزم المحاملي في المجموع بأنه إذا كان فيها النوى وعلم به المرتهن، إما قبل عقد الرهن أو بعده ورضي به ثم نبت نخلاً، أنا إذا بعناهما دفعنا للمرتهن قيمة أرض فيها نخل؛ لأنه لما علم بذلك ورضي به صار راضياً بارتهان أرض ذات نخل، فاستحق قيمتها على تلك الحال].
ثم مقتضى قوله أنها إذا علقت بعد الرهن، يجيء فيها الوجهان في كيفية التقويم، والمنقول في الرافعي أن للمرتهن من الثمن قيمة الجارية ولا ولد لها.
وإذا تأملت ما حكيناه انتظم لك من أربعة أوجه:
فرع: هل يثبت للمشتري إذا كان جاهلاً بأن لها ولداً، وكان الرهن مشروطاً في بيع [الخيار؟].
قال الماوردي: إن قلنا تباع دون ولدها فلا خيار له، وإلا فوجهان، أحدهما – وهو ما جزم به القاضي أبو الطيب في تعليقه [وغيره]: - الثبوت لما يلحقه من النقص في قيمتها.
آخر: إذا رهن بهيمة ذات ولد يرضع، وقلنا لا تباع الجارية دون ولدها، فهل تباع البهيمة دون ولدها؟ فيه وجهان في الاستقصاء.
قال: وإن رهن نخلاً وعليه ثمرة غير مؤبرة لم تدخل الثمرة في الرهن في أصح القولين، ما لا تدخل الثمرة الحادثة بعد الرهن، وهذا هو الجديد وبه جزم بعضهم، كما حكاه ابن الصباغ "ويدخل في الآخر" كما يدخل في البيع، وهذا هو القديم.
وحكم أغصان الخلاف، وورق الآس، والفرصاد حكم الثمرة غير المؤبرة، وأما الأغصان [التي] لا تقصد، والجريد، وكذا الورق الذي ينزل إلى أن يتساقط فإنه داخل في الرهن، وإذا سقط الورق واجتمع منه شيء، كان كما يسقط من الدار المرهونة، قال الإمام: ومن أصحابنا من قال إذا انبترت أو بترت، لم يتعلق
стр. 4481
استحقاق المرتهن بها [وجزم في الشامل وتعليق أبي الطيب في الجريد الموجود حالة الرهن بعدم الدخول].
وإذا جرى الخلاف في اندراج الثمرة مع إمكانها بيعها دون النخيل العكس، ففي اندراج الحمل فيه من طريق الأولى، وقد صرح [به] الأصحاب، فإن قلنا بعدم الاندراج، فلو قال رهنتك الجارية وحملها، فهل يكون الحمل مرهوناً؟ فيه تردد للأصحاب قال الإمام: والظاهر أنه لا يندرج، وفي اندراج اللبن الكائن في الضرع حالة العقد طريقان.
أحدهما: القطع بأنه لا يدخل.
والمشهور أنه على الخلاف، ثم هو عند بعضهم بمنزلة الثمار، وعند آخرين بمنزلة الجنين.
وفي الصوف على ظهر الحيوان طريقان:
أحدهما: القطع بدخوله [كالأغصان،] حكاه في التتمة.
وأظهرهما: أنه على القولين في الثمار وزاد بعضهم قولاً ثالثاً فارقاً، بين ما قصر بحيث لا يعتاد جزه، فيدخل دون ما يعتاد جزه فلا يدخل.
فرع: إذا رهن الأشجار فيه وجهان، وكذا في دخول الأساس تحت اسم الجدار، الذي جزم به القاضي أبو الطيب في المغارس عدم الدخول، ولا يدخل البناء بين الأشجار في الرهن عند رهن الأشجار إن أمكن الانتفاع به منفرداً، وإلا فهو على الخلاف في المغارس عند صاحب التقريب، والشيخ أبي محمد، والأشهر عدم الدخول.
قال: وإن شرط في الرهن شرطاً ينافي مقتضى الرهن فإن كان ينفع الراهن أي مثل إن شرط ألا يباع في الدين، أو ألا يباع إلا بأكثر من ثمنه، أو ألا [يتقدم] به عند ازدحام الديون أو أن يكون مضموناً على المرتهن بطل الرهن؛ لأن ذلك مخالف لمقصود الرهن فمنع الصحة كما لو قال بعتك بشرط ألا تملكه.
стр. 4482
وفي كتاب القاضي ابن كج أن ابن خيران حكى في إفساد الرهن فيما عدا الصورة الأخيرة القولين الآتيين فيما إذا كان ينفع المرتهن، وحكاهما أبو علي في الإفصاح في الأخيرة أيضاً.
قال ابن الصباغ فيها: والأول أصح.
قال: وإن كان ينفع المرتهن أي مثل أن يشترط أن يباع بأي ثمن كان، وإن قل، أو قبل حلول الحق، أو أن ما يحدث من ثمرة ونتاج وكسب يكون مرهوناً أيضاً، ففيه قولان:
أصحهما: أنه يبطل؛ لأنه شرط باطل، قارن العقد فأبطله، كالشرط المضر بالمرتهن.
والثاني: لا يبطل؛ لأن هذه الشروط لا تقدح في الوثيقة فلغت، وبقي الرهن بحالة بخلاف الشرط الذي ينفع الراهن؛ ولأن الرهن ينزع من الراهن وهذا الشرط فيه تبرع آخر، وأحد التبرعين لا يبطل ببطلان الثاني كما لو أقرضه الصحاح، وشرط رد المكسر، و [قد] حكى عن القديم صحة الشرط، بأن ما يحدث من الثمار أو النتاج يكون مرهوناً، ووجه في صحة شرط ما يحدث من الكسب.
فرع: لو شرط المرتهن أن يبيع الرهن؛ لوفاء الدين، كان الشرط فاسداً، فإن شرط زيادة فاسدة في حق المرتهن، ويبطل بذلك البيع المشروط- فيه ذلك.
[وإن لم يكن الرهن مشروطاً في بيع فهل يفسد الرهن؟ فيه قولان:
ووجه فساد الشرط أن توكيل المرتهن في بيع المرهون لوفاء الدين فاسد، كما سنذكره عن العراقيين وفي النهاية ما يخالفه كما سنذكره في آخر الباب، ويجيء عليه أن يكون الشرط صحيحاً قال: وإن شرط الرهن في بيع، فامتنع [الراهن] من الإقباض، أي بعد عقد الرهن أو أقبضه، ثم وجد به عيباً، ثبت له الخيار في فسخ البيع، أي بعد رد الرهن لأنه لم يرضَ بذمته إلا بتوثيقه، فإذا لم يحصل له كان ذلك نقصاناً وعيباً، فثبت له الخيار، فإن قيل: لما لا يجبر الراهن على الإقباض وفاءً بالشرط عملاً بقوله: ﷺ "الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِم"؟
стр. 4483
قال ابن الصباغ: لان الرهن لا يلزم إلا بالقبض، كما دللنا عليه من قبل، وهكذا الحكم فيما لو شرط في البيع كفيلاً، فامتنع من الضمان لا يجبر، ويثبت للبائع الخيار، ثم الخيار في الرهن يثبت على الفور بعد الامتناع؛ لأنه خيار نقص، والامتناع يكون بعد الطلب، صرح به الماوردي، أما إذا لم يطلع على عيب المرهون إلا بعد تلفه في يده، لم يكن له خيار في فسخ البيع ولا طلب الأرش، وكذا لو شرط في الرهن رهن عبدين فأقبضه أحدهما، وتلف عنده أو تعيب، ثم امتنع الراهن من تسليم الآخر لم يثبت للمرتهن خيار.
قال في الاستقصاء: لأن الخيار يثبت إذا رد المأخوذ على الوجه الذي أخذه، وقد تعذر الرد [لذلك].
وفي النهاية حكاية وجه في ثبوت الخيار أيضاً، وادعى ميل النص إليه.
فرع: إذا خلَّى الراهن بين المرتهن وبين الرهن المشروط في البيع فامتنع من قبضه فهل يجبره القاضي على قبضه؟ فيه وجهان عن رواية صاحب التقريب.
فإن قلنا: لا يجبره أبطل القاضي خياره في فسخ البيع.
[مسألة]: قال: وإن شرط البيع رهناً فاسداً أي: مثل أن قال بعتك عبدي هذا بألف على أن ترهنني به دارك هذه بشرط ألا تباع في الدين، أو بشرط أن تكون منفعة المرهون لي مدة بقاء الرهن، أو يكون مبيعاً منك بعد شهر بالدين، [وما] جانس ذلك بطل في أحد القولين؛ لأن الرهن ينزل في مقابلته جزءٌ من الثمن، فإذا لم يصح اقتضى ضم ذلك الجزء إلى الثمن وه ومجهول فتصير جملة الثمن مجهولاً فبطل لذلك، وهذا هو الصحيح في الاستقصاء وغيره.
قال: دون الآخر؛ لأن الرهن ينعقد منفرداً عن البيع فلم يفسد بفساده؛ كالصداق مع النكاح.
قال أبو إسحاق: ولا يجوز أن يقال الرهن مقابلة جزء من الثمن؛ لجواز اشتراطه في القرض الذي لا تجوز الزيادة عليه بالشرط، وهذه طريقة الشيخ أبي حامد، وقال
стр. 4484
القاضي أبو الطيب: فيما إذا شرط أن تكون منافع المرهون للمرتهن إن كانت المنفعة مجهولة: بطل الرهن والبيع، وإن كانت معلومة فقد اشتمل هذا العقد على بيع وإجارة؛ لأنه جعل المبيع في مقابلة الثمن ومنفعة الرهن فيجيء في صحة ذلك القولان السابقان وهذا ما حكاه الماوردي في هذه الصورة.
وقال: أما إذا شرط كون المنافع للمرتهن في نفس الرهن لا في عقد البيع كان الشرط باطلاً، وفي بطلان الرهن قولان، فإن أبطلناه كان في بطلان البيع القولان.
وقال ابن الصباغ: ظاهر كلام الشافعي ما قاله الشيخ أبو حامد.
فرع: لو قال: بعني عبدك بألف على أن أعطيك بها وبالألف التي لك عليَّ داري رهناً [فيه] ففعل كان البيع والرهن باطلين.
أما البيع فلأنه شرط فيه رهناً فيما لا يستحق رهناً فيه فبطل، وإذا بطل جر جهالة إلى الثمن.
وأما الرهن في ثمن المبيع فلبطلان البيع، وفي الألف الآخر؛ لأن الرهن فيه كان بشرط البيع.
وقال ابن أبي هريرة: هذا فساد من جهة الشرط في الرهن وهو شرط ينتفع به المرتهن فكان باطلاً، وفي بطلان الرهن به قولان، فإن صححناه صح البيع، وإلا كان في صحة البيع القولان.
[و] قال الماوردي: والصحيح التعليل الأول وقد حكى عن الشيخ أبي محمد وغيره [في] صحة الرهن بالألف القديم أن كان عالماً بفساد الشرط، أو لم يعلم إذا قلنا بجواز تفريق الصفقة فيه.
ورأى القاضي الحسين عدم صحة الرهن بالألف القديم عند الجهل بالفساد.
قال: ولا ينفك من الرهن شيء حتى يقضي جميع الدين؛ [لأنه قد] تعلق به حق فكان متعلقاً به وبكل جزء منه كرقبة المكاتب، وتركة المديون ولا فرق في قضاء الدين المحصل لفكاك الرهن بين أن يكون يدفع نفس الحق أو بدله، والعبارة الوافية بالمقصود في هذا أن يقال:
стр. 4485
ولا ينفك من الرهن شيء حتى يبرأ من عليه الدين من جميع الدين المرتهن به؛ لأنها تشمل ما ينفك به الرهن من القضاء والإبراء والحوالة [على المديون أو منه كما صرح به المتولي في الحوالة] والإقالة والمعاضة.
وكلام الشيخ يقتضي الحصر في القضاء، ولا خلاف في أن العين التي اعتاضها عن الدين لو تلفت قبل القبض عادت وثيقة الرهن كما كانت، كذا لو تقايلا عقد المعاوضة كما صرح به القاضي أبو الطيب وغيره.
ثم هذا كله إذا كان الرهن في عقد واحد من شخص واحد عند واحد والمديون واحد، وكذلك مالك الرهن أو من انتقل إليه بالإرث، فلو رهن نصف العين بعشرة، والنصف الآخر بعشرة فلكل نصف حكم الرهن الكامل.
ولو رهن العين من شخصين على عشرين لهما بالسوية، ثم برئ من دين أحدهما انفك نصيبه بلا خلاف، اللهم إلا أن يتحد جهة الدينين كما إذا أتلف عليهما مالاً أو ابتاع منهما شيئاً، فإنه لا ينفك إلا أن يبرأ من جميع دين الآخر، على وجه غريب رواه صاحب التقريب.
ولو تعدد المدين والراهن وكيل فالأصح التعدد كما لو باشر من عليه الدين بنفسه. ولو تعدد مالك الرهن في صورة الاستعارة والراهن واحد وقصد فك نصيب أحدهما بدفع ما عليه، فالأظهر من القولين في عيون المسائل الانفكاك.
وروى المحاملي وغيره قولاً ثالثاً: أن المرتهن إن كان عالماً بأنه لمالكين فللراهن فك نصيب أحدهما بأداء نصف الدين، وإن كان جاهلاً فلا.
قال الإمام: ولا يعرف لهذا وجهاً.
ولو اتحد الراهن والمدين، وكان المرهون عبدين متماثلي القيمة استعار كلا منهما من مالك فأدى نصف الدين ليخرج أحدهما عن الرهن ففيه طريقان:
أحدهما: القطع بانفكاكه لانضمام تعدد المحل إلى تعدد المالك.
والأظهر طرد القولين [كما حاكه ابن الصباغ. عن الرهن الصغير] وإذا قلنا
следующие страницы →