← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

الحجر، وتلقيمه الثدي، وعصر الثدي عند الحاجة إليه، لكن هل الأصل فعلها واللبن تابع، أو اللبن هو المقصود والفعل يتبعه؟ فيه وجهان في الرافعي، وأصحهما الأول. والذي حكاه القاضي أبو الطيب [والمحاملي: أن الأصحاب اختلفوا: فمنهم من قال: العقد واقع على اللبن، والحضانة والخدمة تابعة. ومنهم من قال: العقد واقع على الحضانة والخدمة، واللبن تابع له. وقال المحاملي: وهو الصحيح. وقال في البحر: إنه المذهب. ووجه القاضي أبو الطيب] بأن العين لا تملك بالإجارة؛ ولهذا لا يجوز إجارة البئر لاستقاء الماء منها، ويجوز على طريق التبع كما إذا استأجر داراً؛ ليستعمل ماء البئر. وهذه العبارة تفهم خلاف ما يفهمه لفظ الرافعي، فإن لفظ الخدمة والحضانة لا يصدق عرفاً وشرعاً على وضع الصبي في الحجر وتلقيمه الثدي فقط، بل يصدق ذلك كما صرح به القاضي الحسين وصاحب البحر على حفظ الصبي، وتعهده، وغسل ثيابه ورأسه وخروقه، وتطهيره من النجاسات، وتدهينه، وتكحيله، وإضجاعه في المهد، وربطه، وتحريكه في المهد لينام. وإذا كان كذلك؛ لزم مما ذكره المحاملي وأبو الطيب أن عقد الإجارة على الرضاع يتناول ذلك كله، لكن أصلاً وتبعاً، كما يتناول في تفسير الرافعي اللبن ووضع الرضيع في الحجر. وقد حكى الماوردي: أنه إذا استأجر للرضاع وأطلق، هل عليها مع الرضاع حضانته وخدمته أم لا؟ فيه وجهان ينبنيان على أن المقصود اللبن أو الخدمة والرضاع، فإن قلنا: إن المقصود اللب،، لم يلزمها الحضانة والخدمة وإن قلنا: اللبن تابع لزمها الحضانة والخدمة، ومقتضى هذا البناء: أن يكون الصحيح اللزوم؛ إذ الصحيح كما ذكرنا أن العقد واقع على الحضانة والخدمة. وقد حكى الرافعي أن الأصح خلافه، وحكى الخلاف فيما إذا استأجر للحضانة، هل يستتبعها الرضاع؟ والذي جزم به القاضي الحسين عدم استتباع الحضانة للرضاع.

стр. 5322

وهذا كله إذا لم يصرح بهما، ولا ينفى أحدهما، فلو صرح بهما؛ بأن استأجر على الحضانة والرضاع، تعين الإتيان بهما؛ لكن المقصود [بالعقد]: اللبن، أو الحضانة والخدمة، أو هما [الجميع مقصود بالعقد]. فيه ثلاثة أوجه حكاها القاضي الحسين، وإن فائدتهما تظهر فيما إذا فقد أحدهما، هل [ينفسخ العقد أو يثبت الخيار؟ ثم قال: والوجهان في أن مطلق الإجارة على الإرضاع هل] يستتبع الحضانة؟ يمكن بناؤهما على هذا الأصل: إن جعلنا اللبن تابعاً لم يستتبعها، وإلا استتبعها. ولو صرح بالاستئجار على الرضاع، ونفى الحضانة، فقد حكى الرافعي عن الأكثرين: أن أصح الوجهين الصحة؛ كما لو استأجر للحضانة، ونفى الرضاع، وأن الإمام قال: محل الخلاف فيما إذا ورد العقد على صرف اللبن إلى الصبي، وقطع عنه وضعه في الحجر، أما الحضانة بالتفسر الذي ذكرناه، فلا خلاف في جواز قطعها عن الرضاع. قلت: وكلام القاضي الحسين مصرح بالخلاف فيها، ثم إن صح ما قاله الإمام، لزم أن يكون الأصح في هذه الحالة البطلان، إن قلنا بأن الأصح عند إطلاق العقد: أن اللبن تابع، كما حكاه من قبل، وقد حكي عن الأكثرين: أن الأصح [الصحة]. ولتعلم أيضاً أن محل جواز الاستئجار على البيع والشراء إذا لم يكن الاستئجار على بيع من معين ولا على شراء شيء معين، وكان مما يلحق المستأجر فيه كلفة؛ كما إذا استأجره على بيع ثوب أو عبد أو نحوهما، أو شراء ذلك، أما لو استأجره على بيع من معين أو شراء شيء معين لم يصح؛ لأنه استئجار على شيء غير مقدور على تحصيله. أو شراء شيء معين لم يصح؛ لأنه استئجار على شيء غير مقدور على تحصيله. حكاه الرافعي في أواخر هذا الباب. وحكى في البحر: أنه لو استأجره ليشتري له ثوباً بعينه جاز، ولو استأجره على كلمة البيع، أو كلمة تروج بها السلعة ولا تعب منها كالاستئجار على بيع [ما استقرت قيمته في البلد، كالخبز، واللحم ونحوهما لم تصح؛ لأنها منفعة] غير مقصودة غالباً. قال الرافعي: ولم يجعلوا ذلك من صور الوجهين. تنبيه: الحمولة، بضم الحاء، هي الأحمال، وبفتحها هي الإبل التي تحمل

стр. 5323

[عليها] الأحمال، والفرش صغارها قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ [الأنعام: ١٤٢]، ولا يحتاج في العقد على الحمولة إلى معرفة الحمولة إلا أن يكون المحمول زجاجاً ونحوه، أو يكون في الطريق مطر أو طين فيحتاج إلى وصف الحمولة في كل حال. قال: فإن كان على منفعة عين لم يجز إلا على عين [يمكن استيفاء المنفعة منها .. ؛ لأن المنفعة هنا كالعين في البيع، وصحة البيع تتعين له عيناً مقدوراً عليها فكذا الإجارة، ومن هذه القاعدة يؤخذ منه الاستئجار] في مسائل بعضها مذكور في الكتاب، وبعضها مصرح به في غيره فمنها استئجار منكوحة الغير للرضاع وغيره لا يجوز بغير إذنه؛ لأن أوقاتها مستغرقة لحق الزوج؛ فلا تقدر على توفية ما التزمته ويصح بإذنه، ومنهم من صححه بغير إذنه أيضاً، وهو المختار في المرشد؛ لأن محل الاستئجار غير محل النكاح ولا حق له في كسبها وخدمتها وعلى هذا، فللزوج فسخه كي لا يحيل حقه، نعم لو أجرت نفسها ولاحق لها ثم نكحت في المدة لم يكن له فسخها كما لو وقع ذلك بإذنه، فلو كان جاهلاً بالحال ففي الحاوي في كتاب النفقات: أن له الخيار لفات الاستمتاع عليه بالنهار ولا يسقط خياره برضا المستأجر بالاستمتاع. وحيث لا يثبت الخيار فللزوج أن يستمتع بها في أوقات فراغها ولو كانت الإجارة للرضاع فهل لولي الطفل منع الزوج من وطئها؟ فيه وجهان: وجه المنع خشية حبلها فينقطع اللبن، أو يقل فيضر بالطفل. ووجه الجواز: وهو الذي أجاب به العراقيون- أن الحمل موهوم فلا يمنع به المستحق. وفي التهذيب: أن الإصابة إن كانت تضر باللبن منع. وإذا منع الزوج فلا نفقة لها عليه. ولو أجر السيد الأمة المزوجة جاز، ولم يكن للزوج منعها من المستأجر؛ لأن يده يد السيد وحكم استئجار الزوج زوجته للرضاع وخدمة البيت مثل: الكنس، والطبخ، والغسل ونحوها مذكور في كتاب النفقات من هذا الكتاب، وربما بعض ما ذكرناه هنا مذكور فيه أيضاً.

стр. 5324

قال: وإن استأجر أرضاً للزراعة لم يجز حتى يكون لها ماء يؤمن انقطاعه، كماء النهر والمد بالبصرة والثلج والمطر في الجبل؛ ليثق بحصول المعقود عليه. قال: وإن كان بمصر لم يجز حتى يروي الأرض بالزيادة .. أي: إذا لم يكن لها شرب إلا من ماء النيل؛ لأن نيل مصر خوان لا يوثق بحصوله، بخلاف ما يروى من الأراضي بمد البصرة، فإنها يجوز إجارتها للزرع قبل ريها بالمد باتفاق الأصحاب كما حكاه الإمام؛ لأنه أثبت من كل ما عد، وكذا إجارة الجبل للزراعة قبل أوان المطر ووقوع الثلج الذي يكفي الأرض نداوته؛ لأن ذلك معلوم الوقوع والقليل منه يكفي كالكثير. ثم الظاهر أن ما أطلقه الشيخ في أرض مصر محمول على ما إذا كانت لا تروى بما يزيد من الماء في الغالب، كخمسة عشر ذراعاً فما دونها، أو كانت تروى من ذلك لكنه لا يتهيأ الاشتغال بعمارة الأرض بالزرع قبل حصول الماء عليها، كما صرح به ابن الصباغ والمتولي وأبو الطيب، أما إذا كانت الزراعة ممكنة قبل حدوث الزيادة وكانت الأرض تروى من الزيادة المعتادة التي لا تنقطع إلا نادراً فالعقد صحيح كما صرحوا به أيضاً. وعن القفال: ما يقتضي المنع في هذه الحالة أيضاً، فإنه صار إلى أن الأرض التي يكفيها المطر المعتاد والنداوة التي تصيبها من الثلج المعتاد في الجبل لا يجوز إجارتها للزراعة قبل حدوث ذلك متمسكاً بظاهر قول الشافعي في المختصر: وإن تكار الأرض التي لا ماء لها وإنما تسقى بنطف من السماء أو بسيل إن [جاء- فلا] يصحز ووجهه بأن السقي معجوز عنه في الحال والماء المتوقع لا يعرف حصوله، وبتقدير حصوله لا يعرف أنه هل يحصل في الوقت الذي يمكن الزراعة فيه أم لا؟ وهذا غرر ومقتضى هذا التعليل: أن يقول بطرد مذهبه في مسألتنا. [وقد] وافقه الماوردي فيما صار إليه فإنه شرط أن يكون الماء موجوداً حالة الاستئجار إلا في مد البصرة، والجمهور على الأول، وبه قال القاضي الحسين موجهاً ذلك: بأن توهم الانقطاع عند الحاجة لو منع صحة العقد لامتنع

стр. 5325

فيما إذا كان لها شرب من نهر أو عين أو بئر؛ لأنه ما من ماء إلا ويتوهم انقطاعه وأما النص فمحمول على ما إذا لم يكن في ذلك عرف جار وإنما يتفق ذلك نادراً، وقد اتفقوا على المنع في هذه الحالة. ويؤيد ذلك أن النطف- بإسكان الطاء- القليل الذي يقطر، ومنه سمى المنى نطفة، لأنها تقطر. وقد أغرب في البحر حيث قال: حكى في أرض البصرة وجهاً: أنه لا تجوز إجارتها إلا على شرط أنه لا ماء لها. فإن قيل: ظاهر كلام الشيخ يقتضي جواز الإجارة عند ري الأرض بمصر، وإن لم ينحصر الماء عنها، كما هو ظاهر نص الشافعي، وذلك يمنع من الزرع، فينبغي ألا يصح قبل انحساره؛ لعدم إمكان اتصال الشروع في الاستيفاء بالعقد. قلت: لأجل هذا منع بعض أصحابنا العراقيين فيما إذا كان الاستئجار لزراعة ما لا يمكن زرعه [مع] قيام الماء، كما حكاه الإمام، وحمل النص كما حكاه الشيخ أبو حامد على ما إذا كان المستأجر له زراعة الأرز؛ فإنها تمكن مع الماء. والصحيح عند القاضي الحسين وبه جزم القاضي أبو الطيب: أنه لا فرق بين الأرز وغيره، والنص جار على عمومه؛ لأن الماء إذا كان على الأرض فهو من مصلحتها؛ لأنه يخرق العروق التي فيها فكان بمنزلة العمارة. وأيضاً فإن الأرض التي لها شرب يصح إكراؤها للزراعة في غير يوم شربها على انتظاره؛ فينعقد العقد على استحقاق المنفعة، ثم يستوفيها على حسب العادة، فكذلك هاهنا [كذا قاله القاضي الحسين]. فإن قيل: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق بعد حصول الري في جواز الإجارة بين الأرض التي يعلم انحسار الماء عنها وقت الحاجة بأن يكون لها مقطع ينصب إليه الماء أو لا. والجواز ظاهر في الحالة الأولى دون الثانية؛ فإنه [لا تتحقق] القدرة على الانتفاع عند الحاجة؛ فينبغي أن يمنع في هذه الحالة. قلت: قد صار إلى هذا بعض المتقدمين، كما حكاه ابن أبي هريرة وجهاً،

стр. 5326

إلحاقاً لذلك بحالة العلم بعدم انحساره، وهو موافق مذهب القفال فيما إذا كان الماء معدوماً في الحال وغلب وجوده عند الحاجة، وظاهر النص هاهنا وبه قال أبو إسحاق، وجزم الإمام: الجواز؛ اعتماداً على ما استقر من العرف فيها، ولا يخفى أن محل الجواز عند رؤية الأرض إما قبل الري أو بعده؛ لكون الماء [صافياً، أما إذا لم يرها لكون الماء] كدراً خرج على القولين في بيع الغائب، وكلام القاضي الحسين يقتضي الجواز على الجديد، فإنه قال: الماء وإن كان كدراً فهو من مصلحة الأرض، وامتناع الرؤية بما هو من مصلحة الشيء لا يكون مانعاً من الصحة، كحشو الجبة لما كان مستقراً بما فيه مصلحة لم يمتنع العقد عليه، وهو ما جعله الرافعي الأصح، وإن ثبت الخلاف وضعفه الإمام، وجزم القاضي ابو الطيب والماوردي بخلافه. واعلم أن الأرض التي لها شرب معلوم إذا أوجرت للزراعة، وصرح بإدخال الشرب فيها، صح ويتبعها الشرب، وإن نفى الشرب عنها صح أيضاص؛ لتيسر سقيها من ماء آخر، وإن أطلق دخل الشرب في الإجارة إذا اطردت العادة بإجارة الأرض بشربها، بخلاف ما إذا باعها لا يدخل [حق] الشرب فيه؛ لأن المنفعة في الإجارة لا تحصل دونه، ولو اضطربت العادة في تبعية الشرب فثلاثة أوجه: أظهرها: أنه لا يجعل الشرب تابعاً. والثاني: يتبع؛ لأن الإجارة مفتقرة إليه. والثالث: أن العقد يبطل من أصله؛ لأن تعارض المعنيين موجب جهالة المعقود عليه. فرع: لو استأجر أرضاً مطلقاً نظر، إن قال: أكريتك هذه الأرض البيضاء ولا ماء لها لتنتفع بها كيف شئت خلا البناء والغراس- جاز، كما نص عليه الشافعي – وله أن يزرع فيها بماء يسوقه إلى الأرض، أو بماء يحصل من المطر نادراً أو ثلج و [إن] لم يقل عند الإجارة إنها لا ماء لها، فإن كانت الأرض رخوة؛ بحيث يمكن حفر بئر فيها، أو شق نهر إليها- لم يصح العقد؛ لأن الغالب في مثلها الزراعة؛ فكان كذكرها. وإن كانت صلبة بحيث لا يمكن ذلك ففي صحة الإجارة وجهان:

стр. 5327

أحدهما: وبه قال أبو إسحاق، وهو ظاهر النص الصحة؛ لأن استحالة ذلك ينزل منزلة شرطه. تنبيه: "المد" بفتح الميم وتشديد الدال، وأصله: السيل. "والبصرة" بفتح الباء وكسرها وضمها ثلاث لغات حكاهن الأزهري، والمشهور بالفتح. ويقال لها: البصيرة بضم الباء وفتح الصاد على التصغير. ويقال لها: تدمر، والمؤتفكة، وقبة الإسلام، وخزانة العز بناها عتبة بن غزوان فيزمن عمر سنة سبع عشرة، وسكنها الناس [سنة] ثمان عشرة، ولم يعرف صنم قط في أرضها، وهي داخلة في حد سواد العراق، وليس لها حكمه؛ لأنها حدثت بعد فتحه ووقفه. قال: ولا يجوز إلا على [منفعة] عين معروفة لاختلاف المنفعة باختلافها، فلو قال: أجرتك عبدي أو داري أو دابة لتركبها إلى موضع كذا لم يصح؛ لما ذكرناه ثم العرف تارة يكون بالرؤية مثل أن يقول: أجرتك هذا شهراً أو لتحمل عليه كذا من هنا إلى موضع كذا ونحو ذلك، ولا يحتاج مع ذلك إلى ذكر شيء آخر وتارة يكون بالوصف فيحتاج أن يذكر ما يختلف الغرض به كما ذكرنا في السلم، وفي هذه الحالة يكون المعقود عليه منفعة في الذمة متصفة بالصفات المذكورة إذا وقع معها العقد على العين لكان إجارة غائب وسنذكره. قال: فإن لم يعرف إلا بالرؤية كالعقار لم يجز حتى يرى لتعيينه طريقاً لنفي الغرور، وعلى هذا يحتاج إلى تحديده بالجهات كما يفعل في البيع صرح به أبو الطيب ويحتاج أن ينظر من العين كل ما يختلف الغرض به، والحمام ينظر إلى بيوتها، والبئر التي يستقى [منها] ماؤها وموضع الوقود ومبسط القماش يسخن فيه الماء. قال في الشامل: ويكفي فيها مشاهدة داخلها من الحمام أو ظاهرها من الأتون.

стр. 5328

قال الرافعي: والقياس أن يعتبر مشاهدة الوجهين عند الإمكان كما يعتبر مشاهدة وجهي الثوب، وهذا كله تفري على منع بيع الغائب. أما إذا قلنا بجوازه جاز هنا أيضاً، ووجه كون العقار لا يمكن معرفته إلا بالرؤية: أن المعرفة بالوصف كما ذكرنا منتفية؛ إذ لا يتصور ثبوت عقار في الذمة؛ لأن موضعه مقصود يختلف الغرض به، فلو ذكر لانحصر المعقود عليه فيه، وذلك مخالف وضع ما في الذمة، وإذا لم يمكن التعريف بالوصف تعين له الرؤية إذ لا ثالث لهما، وقد ألحق البندنيجي بالعقار ما لم يكن حيواناً كالثياب، والخشب، والأواني، والفرش. قال: ولا يجوز إلا على منفعة معلومة القدر .. كما لا يصح البيع إلا على معلوم القدر، لكن العلم في البيع يكتفي فيه بالحدس، ولا يحتاج إلى ذكر شيء يتقدر به المبيع، وهنا الحدس والتخمين لا سبيل إليه فتعين ما سنذكره. قال: فإن كان مما لا يتقدر إلا بالعمل أي: وإن ورد العقد فيه على الذمة كالحج والركوب [من مكان] إلى مكان قدر به لتعينه طريقاً للمعرفة، فلو قال: استأجرت منك هذا البعير لأركبه مسافة شهر إلى مكة لم يجز؛ لأن ما يقدر العمل فيه لم يجز اشتراط المدة فيه. وقال بعض أصحابنا: يجوز لما فيه من زيادة التأكيد. وقال أبو الفياض: إن كان [العمل] ممكناً في مدة الإجارة جاز وإلا فلا يجوز. قال في البحر: والأول أصح. قال البندنيجي: ومما لا يتقدر إلا بالعمل دون المدة- المنفعة الموصوفة في الذمة. وفي الحاوي: أن المضمون في الذمة يجوز تقدير الركوب [فيه] بالمدة والمسافة كالمعين ولو استأجر للركوب شهراً صح لكن بشرطين: أحدهما: أن يذكر الناحية التي يركب إليهاز والثاني: المكان الذي يسلمها فيه؛ لأنه قد يركبها شهراً مسافراً إلى بلد مسافته شهراً ويكون تسلمه [في ذلك البلد وقد يركبها ذاهباً وعائداً مدة شهر فيكون تسليمها] في بلده، وإذا كان ذلك مختلفاً مع إطلاق الشهر لم يكن بد من

стр. 5329

موضع التسليم فإذا أغفل شيئاً من ذلك بطل العقد قاله الماوردي. قال: وإن كان مما لا يتقدر إلا بالزمان كالسكنى والرضاع والتطيين قدر به [لتعينه] طريقاً للمعرفة فإن الرضاع يعسر ضبطه بالفعل وكذا تطيين السطوح وتجصيص الحيطان؛ لأنه يكون في موضع دقيق، وفي موضع كثيف ويلتحق بهذا القسم رعي الدواب، وكذا إدارة الدولاب كما ذكره الماوردي؛ لأنه لو قدر بالعمل كسقي عشرة أجربة مثلاً فقد يروى بقليل الماء وقد لا يروى بكثيره [وقد لا يروى بعشرة] فلا يصير بتقدير العمل معلوماً. قال: وإن كان مما يتقدر بأحدهما كالخياطة والبناء قدر بأحدهما أي: مثل أن يقول: استأجرتك [لتخيط لي هذا الثوب أو] لتخيط لي يوماً أو: استأجرتك لتبني [لي] في هذا الحائط أو لتبني لي يوماً ويعين ابتداءه في الصورتين وتوجيه ذلك: أن به يحصل الضبط. فلو قدر بهما بأن قال: استأجرتك لتخيط لي هذا الثوب في يوم أوله الآن لم يصح؛ لأنه إن فرع منه في بعض اليوم فطالبه بالعمل في بقيته أخل بشرط العمل فإن ترك أخل بشرط المدة، وقيل: يصح، ولكن ما الذي يستحق به الأجرة؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: العمل فإن تم في بعض المدة لم يعمل في باقيها وإن انقضت قبل تمامه وجب إكماله. والثاني: وهو ما حكاه في التهذيب وصححه الرافعي: أسرعهما انقضاء. والثالث: عن القفال إن انقضى اليوم أولاً لم يلزمه خياطة الباقي، وإن تم العمل أولاً فللمستأجر أن يأتي بمثل هذا القميص ليخيط فيه بقية اليوم. ولو قال في هذه الإجارة: على إنك إن فرغت قبل تمام اليوم لم تخط غيره بطل؛ لأن زمان العمل يصير مجهولاً، وفي البحر حكاية عن البويطي: أن الأجل المضروب مع العمل إن كان مما يمكن العمل فيه كان ذكره أفضل. وقال: إنه صحيح عندي، وهذا وجه رابع، ويلتحق بهذا القسم صور:

стр. 5330

منها الاستئجار على حراثة الأرض: لجواز التقدير فيه بالزمان بأن يقول: استأجرتك لتحرث لي هذه الأرض كذا يوماً من الآن. ويجوز بالعمل بأن يقول: لحراثة هذه [الأرض] ويجب بيان ما يحرث به وبيان ناحية الأرض التي يحرثها إن لم تكن مشاهدة. ومنها: الاستئجار لدراس الزرع من البر والشعير وغيرهما تقدر المنفعة فيه بالفعل بأن يقول: استأجرتك على دراس هذا بعد رؤيته، وبالزمان بأن يقول: استأجرتك على دراس هذا الزرع شهراً من الآن ويحتاج في هذه الحالة إلى بيان ما يداس به من البهائم مع ذكر العدد ولا يجوز التقدير بالباقات والحزم؛ لاختلاف ذلك بالصغر والكبر. ومنها: الاستئجار على تعليم القرآن يجوز أن تقدر المنفعة فيه بالعمل بأن يقول: استأجرتك على تعليم سورة كذا أو آيات معينة. وأن [يقدر بالمدة بأن] يقول: استأجرتك على تعليم القرآن شهراً أو يوماً كما حكاه الإمام والغزالي. قال الرافعي: وفي إيراد غيرهما ما يفهم عدم الاكتفاء بذكر المدة. فرع: قال القاضي أبو الطيب إذا استأجره ليحصل له خياطة خمسة أيام لم تصح؛ لأن العمل يختلف بخفة صنعة العامل وثقلها، ومثل هذا إذا استأجر منه بهيمة في الذمة ليركبها خمسة أيام لم يجز للعلة التي ذكرناها. وفي ابن يونس: أنه يصح استئجار دابة موصوفة في الذمة. فرع: لو قال: استأجرتك هذا اليوم بعينه لتبيع لي كذا وكذا شيئاً بعينه. قال ابن القطان في "التهذيب": يحتمل أن يجوز؛ لأن الأغلب إمكانه فإن تعذر البيع فيه كان له الأجرة المسماة؛ لأنه شغله عن منافع نفسه، ويحتمل أن يقال: لا أجرة له؛ لأن العمل لم يحصل. وقال القاضي الطبري: هذا يصح- على ما نص عليه في البويطي- أن العمل إن كان معلوماً جاز تقديره بمدة، وكان أفضل من السكوت قاله في البحر. قال: ويجوز أن يعقد إلى مدة تبقى فيها العين في أصح القولي ولا يجوز

стр. 5331

أكثر من سنة في الآخر وقيل: فيه قول ثالث: إلى ثلاثين سنة، قد بينا توجيه ذلك في باب المساقاة. وحكى الرافعي عن بعضهم: أنه جوز الإجارة إلى مدة لا تبقى فيها العين في الغالب اعتماداً على أن الأصل الدوام والاستمرار، وهو ما جعله في البسيط الأظهر، وجعل المتفق على المنع فيه إجارة مدة يعلم أن العين لا تبقى إليها. ثم إذا وقع العقد على مثل ذلك، قال في البحر: بطل فيما لا يسوغ العقد عليه، وفي الباقي قول تفريق الصفقة، واعلم أنه يتفرع على القول الصحيح فرعان: أحدهما: أن المرجع في المدة التي تبقى فيها العين إلى أهل الخبرة. وفي التهذيب: أن العبد يؤجر ثلاثين سنة والدابة عشر سنين، والثوب [سنة وسنتين] والأرض مائة سنة وأكثر. وحكى الرافعي أن في كتاب ابن كج: أن العبد يؤجر إلى مائة وعشرين سنة من عمره. وفي رفع التمويه: أن الشيخ أبا حامد قال: [إن] العبد يؤجر ستين سنة والدابة من خمش عشرة سنة إلى عشرين [سنة]، والدار من مائة [سنة] إلى مائة وخمسين [سنة]، والأرض خمسمائة سنة، وأكثر ما يصح أن يبعي بثمن مؤجل إلى هذا القدر. وفي الحاوي أن أكثر مدة يصح استئجار الأرض فيها للزراعة ما لا يزيد على بقاء الشيء المؤجر فيها. وأقل مدة يصح استئجار الأرض [فيها] للزراعة: مدة الزراعة. وأقل مدة يصح استئجار الدار للسلكنى فيها يوم واحد وأقل من ذلك تافه لم يجر به عرف فلم يصح به عقد. الثاني: إذا أجر سنتين مثلاً هل يجب بيان كل قسط كل سنة من الأجرة؟ فيه قولان:

стр. 5332

أحدهما: لا كما لا يحاج إلى ذلك في الشهور إذا أجر سنة واحدة، وكما لو كانت الأجرة في مقابلة عمل في أعيان فإنه لا يجب فيها التقسيط وفاقاً في المذهب كما قاله مجلي وهذا ما صححه الروياني وقال: إن الفتوى عليه. وحكى الرافعي عن ابن كج طريقة قاطعة به. والثاني: نعم، وهو ما نص عليه في كتاب المزارعة كما حكاه المحاملي واختاره تبعاً للشيخ أبي حامد، ووجهه: تردد ذلك بين السلامة والعطب، وأجور السنين تختلف غالباً فيتعذر معرفة القسط بخلاف الشهور، فإنها [تتماثل غالباً]، وقد بنى الماوردي القولين على القولين فيما إذا أسلم في جنس إلى أجلين ففي قول يجوز أخذاً بظاهر السلامة. وفي قول لا لما عساه يقع [من الجهالة] في الأجرة. وقال في البسيط: إنه مبني على أن الأجرة جزافاً هل تجوز أم لا؟ قال: وإن قال: أجرتك كل شهر بدرهم بطل؛ لأنه عقد على الشهور وهي غير معلومة. وقيل: يصح في الشهر الأول؛ لأنه معلوم وأجرته معلومة فوجب أن يصح كما لو أفرده، وهذا ما نص عليه في الإملاء وبه قال الإصطخري وكذا ابن سريج [على ما حكاه القاضي الحسين والإمام الغزالي، وأنكر الرافعي أن يكون ابن سريج] قال به في هذه الحالة، وإنما قال به فيما إذا قال: أجرتك كل شهر من هذه السنة بدرهم. والمذهب الأول في الصورتين؛ لأن المعلوم إذا أضيف للمجهول صار الجميع مجهولاً، ويخالف ما إذا قال: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم فإنه يصح؛ لأن جملة الصبرة معلومة بالمشاهدة، والأشهر هنا غير معلومة الجملة، فنظير المسألة أن يقول: أجرتك هذه السنة كل شهر بدرهم، وهذا فيما إذا كان الاستئجار على غير الأذان، أما لو كان على الأذان فإن وقع من مال بيت المال جاز أن يقول: أستأجرتك لتؤذن في هذا المسجد في أوقات الصلاة كل شهر بكذا أو إن وقع لا بمال بيت المال ففي اشتراط [بيان] المدة وجهان:

стр. 5333

قال: ولا يجوز إلا على منفعة معلومة الصفة كما لا يجوز البيع إلا في معوض معلوم الصفة لاختلاف الأغراض بها,. قال: فإن كان معلوماً بالعرف كالسكنى واللبس حمل العقد عليه، أي: على العرف؛ للاستغناء به عن الذكر كما استغني به في البيع بالثمن المطلق في موضع فيه نقد متعارف [عن ذكره] ثم كلام الشيخ يحتمل أمرين: أحدهما: أن يستأجر الدار للسكنى والثوب للبس ولا يبين السكنى ولا اللبس، [والثاني: أن يستأجر داراً وثوباً، ويطلق فيحمل الإطلاق على السكنى واللبس] لاقتضاء العرف أن الدور لا تستأجر إلا للسكنى والثياب إلا للبس، وكلاهما مصرح به في المهذب. وفي الرافعي- حكاية عن بعض شارحي المفتاح: أنه لا يكفي الإطلاق في تعيين السكنى بل لا بد [من] أني ذكر السكن. وحكى في موضع آخر عن شارحي المفتاح: أنه لا بد من ذكر عدد السكان من الرجال والنساء والصبيان. ثم لا يمتنع من دخول زائر وضيف وإن بات فيها ليالي. فرع: الاستئجار للخدمة، [شهراً] مثلاً، هل يكفي فيه الإطلاق أم لابد من تفصيل أنواعها؟ الذي حكاه في البحر والرافعي [عن الشافعي: الثاني. وقيل: إن الإطلاق يكفي وهو الظاهر في الرافعي]، والمذكور في الشامل في كتاب الكتابة ويلزم الأخير ما جرت به العادة من غسل الثوب والخياطة، والخبز، وتعليف الدواب، وحمل الماء للشرب، والطهارة، وخدمة الزوجة، وحلب المواشي، وأضاف بعضهم إلى ذلك العجن وإيقاد النار في التنور وفرش الدار. وقيل: علف الدواب، وحلبها وخدمة الزوجة لا يدخل إلا بالشرط. قال في البحر: وهو اختيار شيوخ نيسابور، ونسب الرافعي ذلك إلى سهل الصعلوكي.

стр. 5334

وقال: ينبغي أن يكون الحكم كذلك في خياطة الثوب، وحمل الماء إلى الدار [ويجوز] أن يختلف الحكم فيه بالعادة، وعلى كل حال فليس للمستأجر إخراج الأجير عن تلك البلدة إلا أن يشترط له مسافة معلومة من كل جانب من فرسخ إلى خمسة عشر كذا قال القاضي الحسين. وقال: إن عليه المكث عنده من أول النهار إلى العشاء وقد نسب الرافعي ذلك إلى بعض من شرح المفتاح. قال: وإن لم يكن معلوماً بالعرف؛ أي كالاستئجار على حمل مائة رطل مثلاً من موضع كذا إلى موضع كذا، والاستئجار على بناء حائط طوله كذا وسمكه كذا وارتفاعه كذا. قال: وصفة كحمل الحديد، والقطن، والبناء بالجص والآجر، والطين، واللبن؛ ليعرف فإن الأغراض تختلف بذلك. وفي تعليق القاضي الحسين: الجزم بأنه إذا قال: أكريت منك هذه الدابة لأحمل عليها مائة منا جاز، وكأن المكرى رضي بأعظم الأمتعة ضرراً بالدابة، وهو ما حكاه الإمام وادعى إجماع الأصحاب عليه وعزاه في "الرقم" إلى حذاق المراوزة. وحكى في التهذيب فيما إذا قال: أكريتك هذه الدابة لتحمل عليها مائة من مما تشاء وجهين، وكذلك هما في البحر وصحح الروياني وفي الرافعي وجه الجواز، ثم قال: وهذا في التقدير بالوزن، أما إذا قدر بالكيل، فالمفهوم ما أورده السرخسي: أنه لا يغني عن ذكر الجنس، ولو وقع العقد على حمل شيء قد شوهد صح. وإن لم يعلم كيله ووزنه كما لو شاهد الصبرة المبيعة. وفي الحاوي حكاية قول آخر: إن الإجارة لا تصح حتى تكون الحمولة معلومة القدر، وأنه مخرج من أن دفع الدراهم جزافاً في السلم هل يجوز أم لا؟ لأن عقد الإجارة والسلم جميعاً غير منبرم بخلاف البيع. واعلم أن من هذا النوع صوراً لا غنى عن ذكرها: منها: الاستئجار للحج والعمرة لا يكفي إطلاقه بل لابد من بيان أنه إفراد، أو تمتع أو قران، ولا يحتاج في الاستئجار للحج وحده إلى بيان أفعاله إن كانا

стр. 5335

[يعلمانها وإن] لم يعلمها أحدهما وجب البيان، وهل يحتاج إلى تعيين الميقات الذي يحرم منه؟ فيه طريقان: أظهرهما وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق: إن المسألة على قولين: أحدهما: وهو ظاهر نصه في المختصر: أنه يشترط لاختلاف المواقيت قرباً وبعداً. والثاني [لا]: وهو ظاهر نصه في الإملاء وغيره، ويتعين ميقات تلك البلدة على العادة الغالبة، وبه أجاب المحاملي في المقنع، وذكر ابن عبدان أنه الصحيح. والطريق الثاني: تنزيل النصين على حالين، والقائلون به اختلفوا فمنهم من حمل النص الأول على ما إذا كان للبلد طريقان مختلفا الميقات أو كانت تفضي طريق إلى ميقاتين؛ كالعقيق، وذات عرق، وحمل الثاني على ما إذا كان لها طريق واحد إلى ميقات واحد ومنهم من حمل الأول على مع إذا كان المستأجر حياً والثاني على ما إذا كان الاستئجار لميت، والفرق: أن الحي له غرض واختيار والميت لا اختيار له، والقصد براءة ذمته، وتحكى هذه الطريقة عن ابن خيران ثم إذا اشترطنا تعيين الميقات فأهمل فسدت الإجارة ووقع الحج عن المستأجر لوجود الإذن وللأجير أجرة المثل. ومنها: الاستئجار لتعليم القرآن إذا لم يقيد بمدة فيحتاج فيه إلى بيان السور والآيات؛ لتفاوتها في الحفظ والتعليم سهولة وصعوبة. وفيه وجه: أنه لا يجب تعيين السور، وإ ذا عين عشر آيات كفى. وفي المهذب: وجه أنه لا بد من تعيين السورة لكن يكفي إطلاق العشر منها. فحصل في اشتراط تعيين الآيات ثلاثة أوجه. الثالث: الفرق بين أن يعين السورة فيتسامح بإطلاق الآيات بها أو لا يعين فيمتنع، وفي اشتراط تعيين الرواية التي يقرأ بها وجهان: أصحهما: أنه لا يشترط؛ لأن الأمر فيها قريب. وفي الحلية: الأظهر مقابله.

стр. 5336

قال الإمام: وكنت أود ألا يصح الاستئجار لتعليم [القرآن] حتى يختبر حفظ الصبي؛ كما لا يصح إجارة الدابة حتى يعرف حال الراكب، لكن ظاهر كلام الأصحاب: أنه لا يشترط. ومنها: استئجار الأرض إذا كانت تصلح لمنافع كإيواء الدواب فيها، وخزن الأمتعة، والزراعة، والبناء، والغرس فلا بد فيها من بيان أحد الأنواع أو كلها؛ ذلك مختلفة اختلافاً تختلف الأغراض به. قال الرافعي: وقد نقلنا في مسألة الأرض التي لا ماء لها تصريح الأصحاب بجواز الإجارة مطلقاً فيشبه أن تكون إجارتها مطلقاً على وجهين كإعارتها، والظاهر المنع فيهما. ويقوم مقام تعيين الأنواع كلها قوله: أجرتك لتنتفع كيف شئت، كما صرح به الإمام، ويكون له أن يصنع ما شاء لرضاه. وفي التهذيب وجه: أنه لا يصح كما لو قال: بعتك من هؤلاء العبيد من شئت، وإذا عين الزراعة، ولم يذكر ما يزرع أو البناء، ولم يذكر ما يبني وأطلق؛ [ففيه وجهان] كالوجهين المذكورين فيما إذا أعار الأرض للزراعة ولم يبين المزروع، وأظهرهما عند الأكثرين كما حكاه الماوردي، وأبو الطيب هنا، وبه أجاب العراقيون في مسألة العارية-: الصحة وله أن يزرع ما يشاء. قال الرافعي، ويجوز أن ينزل على أقل الدرجات، ونقل ابن كج وجه المنع عن النص في الجامع الكبير، وبه قال ابن سريج، وحكى الأول عن تخريج ابن القطان حكاية الشيء الغريب. ولو قال: أجرتك لتزرع ما شئت صحت الإجارة وزرع ما شاء، نص عليه. وعن رواية ابن القطان وجه أنها فاسدة. ولو قال: أجرتك لتزرع أو تغرس لم يصح. ولو قال: إن شئت فازرع، وإن شئت فاغرس، فأصح الوجهين عند الغزالي، وبه جزم الماوردي الصحة ويتخير المستأجر ولو قال: أكريتكها فازرعها

стр. 5337

واغرسها أو لتزرعها وتغرسها ولم يبين القدر فوجهان: أحدهما: وبه قال أبو الطيب بن سلمة، وابن أبي هريرة وهو ظاهر كلام الشافعي كما قاله في المهذب وغيره- أنه يصح وينزل على النصف، وله أن يزرع الكل لجواز العدول من الغرس إلى الزرع، ولا يجوز العكس، وأقربهما: أنه لا يصح، وهو ظاهر نصه في الأم كما قاله في البحر، وبه قال: المزني، وابن سريج، وأبو إسحاق لأنه لم يبين كم يزرع وكم يغرس، بل لو قال: ازرع النصف واغرس النصف، فعن القفال كما حكاه في التهذيب وغيره: أنه لا يصح لأنه لم يبين المغروس والمزروع فصار؛ كما لو قال: بعتك أحد هذين بألف والآخر بخمسمائة. وإذا عين في الإجارة البناء وجب بيان موضعه، وطوله، وعرضه، وفي بيان قدر ارتفاعه وقدره وجهان: أظهرهما: أنه لا حاجة إليه بخلاف ما لو استاجر سقفاً للبناء [عليه] فإنه يجب بيان الارتفاع والقدر جزماً لاختلاف الغرض. قال: [وإن كان مما لا] يعرف بالوصف لكثرة التفاوت، كالمحمل ولاراكب والصبي في الرضاع لم يجز حتى يرى .. لتعين الرؤية طريقاً للعلم في ذلك؛ لأن العرف يختلف بسعة المحمل وضيقه، وبثقل الراكب وخفته بالضخامة والنحافة وكثرة الحركات والسكنات، وبزهادة الولد ورغبته، وصحته وسقمه والوصف لا يفي بذلك، ولا يحتاج مع الرؤية إلى شيء آخر، وقياس ما ذكرته عن الماوردي في القول المخرج في مسالة الحمولة أن العلم بالقدر معتبر أن يجيء مثله في مسألة المحمل، ووراء ما ذكره [الشيخ] في المسألة الأولى وجهان: أحدهما: عن أبي إسحاق كما حكاه الجمهور: أن المحمل إن كان بغدادياً خفيفاً كفى فيه الوصف؛ لتفاوت محاملها، وإن كان خراسانياً ثقيلاً فلا بد من مشاهدته، وقد اختار هذا القفال كما حكاه في البحر. وحكى القاضي الحسين عن أبي إسحاق أنه إن كان في البلد محامل خفاف، وهي معروفة الصنعة؛ كالبغدادية، صح الإطلاق فيه ولا تجب الرؤية والوصف؛ لأنها لا تتفاوت.

стр. 5338

والثاني: وبه قال ابن أبي هريرة، وهو الأشبه عند الرافعي والمذكور في الوسيط: إنه يكفي فيه الوصف وذكر الوزن؛ لإفادتهما التخمين، كالمشاهدة، فعلى هذا لو ذكر الوزن [دون الصفة أو الصفة دون الوزن] فوجهان: أظهرهما: عدم الاكتفاء؛ لبقاء الجهل مع سهولة إزالته، والذي رجحه الماوردي من الخلاف في الأصل ما حكاه الشيخ وبه جزم أبو الطيب، وفي المسألة الثانية وجه: أن الوصف يكفي عند الببة، والوصف يكون بذكر الوزن كما حكاه في التهذيب، ونسبه في البحر إلى القفال وحكاه الإمام مع وجه آخر: أنه لا يشترط وزنه ويكفي ذكر صفته من الضخامة والنحافة، وهو ما ذكره الغزالي وفي المسألة الثالثة: وجه اقتصر الماوردي على ذكره: أنه لا بد مع الرؤية من معرفة سن الرضيع مشاهدة أو خبراً؛ لاختلاف شربه باختلاف سنه، ويحتاج مع ذلك كله إلى بيان موضع الرضاع من بيت المرضعة، أو بيت الرضيع، لاختلاف الأجرة بذلك صرح به الشيخ في المهذب وغيره، وكلام الماوردي دال على عدم اعتباره حيث قال: وليس على المرضعة أن تأتي إلى الطفل [فترضعه بل على ولي الطفل] إذا أراد إرضاعه أن يحمله إليها ليرتضع، فلو كان التعيين شرطاً لاستغنى عن هذا الكلام والروياني لما رأى ذلك في الحاوي نقله بعد حكايته أن التعيين شرط فكان كلامه ملبساً. تنبيه: المحمل بفتح الميم الأولى وكسر الثانية كالمجلس كذا ضبطه الجوهري. وقال غيره: بكسر الأولى وفتح الثانية وهو مركب يركب عليه على البعير. واعلم أن ما ذكرناه في المحمل مفروض فيما إذا كانت المحامل تتفاوت تفاوتاً متفاحشاً، أما إذا كانت على قدر وتقطيع لا يتفاحش فيه التفاوت كفى الإطلاق، وحمل على معهودهم كذا قاله [الرافعي] وكلام القاضي الحسين يدل على خلافه فإنه قال بعد حكاية ما نقله عن أبي إسحاق كما حكيته من قبل: والنص أنه لا بد من الرؤية والوصف مع الوزن وهو المذهب؛ لأنها وإن خفت ولم يتفاحش التفاوت؛ فلا بد من نوع يتفاوت لا محالة وحكم العمارية فيما ذكرناه حكم المحمل.

стр. 5339

ومحل الخلاف في الاكتفاء بالوصف فيما ذكرناه إذا لم يحصل به علم، أما إذا حصل كما إذا استقصى الأوصاف ففي البحر: أنه يقوم مقام المعاينة؛ لأن القصد من [الرؤية أن يصير معلوماً] وقد حصل العلم. وأما السروج والإكاف والزاملة فلا شك في أن الرؤية فيها كافية. وفي التهذيب: أن الزاملة تمتحن باليد ليعرف خفتها وثقلها بخلاف الراكب لا يمتحن مع المشاهدة. قال الرافعي: وينبغي أن يكون المحمل والعمارية في ذلك كالزاملة كما قال القاضي الحسين: الثياب التي تجمع ويشد بعضها إلى بعض على الدابة ليركب فوقها من غير محمل، وأضاف في البحر إلى [ذلك في تفسيرها: أن يكون مع المتاع الزاد والماء، وعند الغيبة يكفي فيي] ذلك الوصف، ويحتاج معه إلى الوزن على المشهور. وفي النهاية: أن أحداً من الأصحاب لم يتعرض لاشتراط الوزن في السرج والإكاف [لأنه لا يكثر فيها التفاوت، وفي الوسيط: أنه لا يحتاج إلى وصف السرج والإكاف لتساويهما]، وكل ذلك إذا وقع التعرض لذلك في الإجارة، وكان ذلك من مال الراكب. أما لو استأجر للركوب من غير أن يشترط ما يركب عليه كان على المؤجر أن يركبه على ما جرت به العادة مما يليق بالدابة من سرج، أو إكاف، أو زاملة، ولا يشترط وصفه، وكذا إذا عين الراكب نوعاً يركب عليه ويكون من مال الآجر لا يحتاج إلى وصفه كما صرح [به] الماوردي. فرعان: أحدهما: ما يفرش في المحمل ليجلس عليه، لا بد من معرفته ويكفي فيها الوصف، ومن أصحابنا من قال: يحتاج إلى مشاهدته حكاه في البحر، والغطاء الذي يستظل به ويتوقى به المطر قد يكون وقد لا يكون فيحتاج إلى شرطه، وإذا شرط فجواب الشيخ أبي حامد، وابن الصباغ: أنه يكفي الإطلاق؛ لأن التفاوت فيه قريب ويغطيه بجلد أو كساء أو لبد.

стр. 5340

قال في البحر: وليس ذلك بشيء. وفي الحاوي، وشرح ابن كج، والتتمة: أنه يتعين رؤيته أو وصفه كالوطء، وهو ظاهر النص، والذي صححه الروياني واعتبر الماوردي مع ذلك ذكر ارتفاعه وانخفاضه؛ لاختلاف ذلك على البعير والراكب، ولو كان في ذلك عرف مطرد لكفى الإطلاق كما سبق ذلك في المحمل وغيره. وظرف المحمل: كالغطاء. الثاني: التعاليق إذا شرطت كالقدر والسطيحة والقربة والسفرة ونحوها هل يحتاج إلى معرفتها بالرؤية أو الوصف مع الوزن أم لا؟ فيه طريقان: أحدهما: وهو ظاهر النص: أنه يحتاج إليه؛ لاختلاف الناس فيهاز والثاني: وهو الأظهر: أن في المسألة قولين: أصحهما: الاحتياج، والثاني: لا، وينزل على العادة وهذا ما قاله الغزالي في كتاب المسابقة أنه الأصح [وسلك الماوردي طريقاً آخر فقال: إن كانت معاليق الناس بتلك البلدة مختلفة فلا بد من معرفتها، وإن كانت متقاربة فقولان، أما إذا لم يشرط التعاليق فلا يستحق حملها؛ لأن الناس فيها مختلفون وقد لا يكون للراكب تعاليق. وفيه وجه: أنها لو شرطت] ومحل الخلاف في اعتبار الوصف إذا لم يكن فيها شيء من الزاد والماء، أما إذا كان فيها شيء فلا بد من ضبطه كما سنذكره. قال: وما عقد على مدة لا يجوز فيه شرط الخيار؛ لأنه عقد لازم على منفعة فلم يصح اشتراط الخيار فيه، كالنكاح؛ ولأن اشتراط الثلاث يتضمن إتلاف بعض المعقود عليه مع بقاء العقد في جميعه فلم يصح، كما لو شرط في ابتياع العبدين أنه إذا تلف أحدهما في يد البائع لم يبطل البيع. قال: وفي خيار المجلس وجهان: وجه المنع: أنه يفوت بعض المدة فأشبه خيار الشرط، ولأن الإجارة عقد غرر؛ لكونها عقداً على معدوم والخيار غرر فلا يضم غرر إلى غرر، وهذا ما صار إليه أبو إسحاق، وابن خيران، وصححه الإمام والبغوي، وصاحب المرشد، والأكثرون.

стр. 5341

ووجه الجواز القياس على البيع؛ لكونها عقد معاوضة، وهذا ما صار إليه الإصطخري وصاحب التلخيص. وقال الرافعي: إن صاحب المهذب وشيخه الكرخي رجحاه. والفرق بينه وبين خيار الشرط: أن المجلس في غالب الأمر لا يمتد والفائت من المنفعة قدر يسير [لا يبالى به] وإن طال فعلى ندور النادر لا يغير وضع الشيء، وقد حكى [الإمام] أن الإمام وبعض أصحاب القفال ذكروا الخلاف في ثبوت خيار الشرط أيضاً، وبه ينتظم في المسألة ثلاثة أوجه: أحدها: يثبتان وهو ما حكاه القاضي الحسين في هذا الباب عن ابن خيران. والثاني: لا يثبتان. والثالث: يثبت خيار المجلس دون خيار الشرط، ويتفرع على القول بثبوت الخيار فرعان: أحدهما: ابتداء مدة الإجارة [هل تكون] من حين العقد أو من حين اللزوم؟ فيه خلاف حكاه الإمام ورجح الأول فإن المدة لو حسبت من وقت اللزوم لتأخرت المنفعة عن العقد فشابه إجارة الزمن المستقبل، وقال: إن للقائل بمقابله أن يقول: إنما يمتنع تأخير حكم الإجارة عن العقد إذا لزم، فعلى هذا تتعطل المنافع على المكرى، وليس له الانتفاع بالعين في المدة ولا إيجارها. ولو قال به قائل كان مقارناً بخرق الإجماع، والقياس يقتضي جواز إجارة الدار المكراة في مدة الإجارة على هذا، وأراه بعيداً كذا قاله الإمام، وعلى الأول: إن كانت المنافع في يد الآجر تلفت مضمونة عليه وإن تلفت في يد المستأجر، ففيه وجهان: ينبنيان على أن المبيع إذا تلف في يد المشتري في زمن الخيار يكون من ضمان من؟ فيه قولان: أصحهما: من ضمان المشتري. فعلى هذا تكون المنفعة محسوبة على المستأجر وعليه تمام الأجرة. والثاني: يكون من ضمان البائع، فعلى هذا يحسب على الآجر وينحط من الأجرة ما يقابل تلك المدة.

стр. 5342

الثاني: إذا أجر الآجر العين قبل لزوم العقد من آخر صح على المذهب وانفسخ العقد الأول. وفيه وجه: أن الأول ينفسخ، ولا يصح الثاني؛ كيلا يكون اللفظ الواحد فسخاً وعقداً، وذلك متناف، كذا قاله الماوردي، ويتجه أن يجيء الوجه الثالث الذي حكيناه في نظير المسألة من البيع. قال: وما عقد على عمل معين أي كخياطة ثوب وبناء حائط والإركاب إلى مكان كذا يثبت فيه الخياران لأن [منفعة] العين المعينة كالعين المتعينة [في البيع ثم بيع العين يثبت فيه الخياران فكذلك هنا]، ولأن المحذور الذي ذكرناه في إجارة المدة من فوات بعض المعقود عليه منتف هاهنا. وقيل: لا يثبتان كما لا يثبتان في النكاح، ولأن الإجارة عقد غرر فيصان من غرر آخر. وقيل: يثبت فيه خيار المجلس دون خيار الشرط؛ [لأنه عقد على منتظر فثبت فيه خيار المجلس] دون خيار الشرط كالسلم، وهذا ما اختاره في المرشد ثم هذان القسمان فيما إذا كانت الإجارة واردة على العين، أما إذا كانت واردة على منفعة في الذمة، ففي تعليق القاضي الحسين: أنا إن قلنا بحذائها حذو السلم، فحكمها حكم المسلم فيه، فثبت خيار المجلس دون خيار الشرط وإلا فمرتب على إجارة العين فإن قلنا: يثبت ثم خيار الشرط فهنا أولى، وإن قلنا: لا يثبت ثم فهاهنا وجهان؛ لأن إثبات الخيار هناك يتضمن تفويت جزء من المعقود عليه مجاناً بخلاف ما إذا كانت الإجارة على ما في الذمة، وهذا يقتضي الجزم بثبوت خيار المجلس والتردد في ثبوت خيار الشرط، وفي المهذب حكاية وجهين: أحدهما: لا يثبت فيه خيار أصلاً، لكونها عقد غرر. والثاني: يثبت خيار المجلس دون خيار الشرط؛ لأن الإجارة [في الذمة؛ كالسلم، وهذا ما اختاره في المرشد، وهذا من الشيخ] يقتضي الجزم بعدم ثبوت خيار الشرط والتردد في ثبوت خيار المجلس. وفي الوسيط: الجزم بثبوت الخيارين فيها؛ نظراً إلى كونه لا يحذر فوات

стр. 5343

منفعته والإجارة بيع تحقيقاً، والأحسن ما قاله القاضي وإلا أشكل الفرق بينه وبين السلم حيث يثبت فيه خيار المجلس جزماً وحصل التردد في ثبوته هنا، وينتظم من مجموع ما ذكرناه ثلاثة أوجه كما صرح بها في البيان والمحاملي في المجموع، وعلى هذا إذا جمعت الطرق كان في ثبوت الخيار في عقد الإجارة كيف فرض ثلاثة أوجه: قال: ... ولا تجوز إلا معجلاً ويتصل الشروع أي إمكان الشروع في الاستيفاء بالعقد [أي إذا ورد العقد على العين سواء قدرت المنفعة فيه بالعمل] أو بالمدة؛ لأن إجارة العين كبيع العين، وبيع العين لا يجوز إلا على ما يمكن الشروع في قبضه فكذلك في الإجارة ولأن عقود المنافع إذا تعينت بزمانها بطلت بتأجيل إقباضها كالزوجة إذا شرط [تأجيل] تسليمها. قال: فإن أطلق وقال: أجرتك [هذا] شهراً أي ولم يعين أن ابتداءه من حين العقد؛ لم يصح لجواز أن يريد أن ابتداءه بعد يوم في مثالنا؛ لكونه منكراً فيخل الاتصال المذكور. وقد حكى القاضي الحسين وجهاً عن القفال وصححه: أن العقد يصح، ويحمل على الشهر الأول، وعلى ذلك جرى الإمام ومن تابعه؛ لأنها مدة مضروبة في عقد فوجب أن تتعقب [العقد] إذا أطلقت؛ كمدة الإيلاء، والحلف على ترك الكلام شهراً. والصحيح الأول، وبه جزم العراقيون، وأبطل القاضي أبو الطيب علة خلافه بأن هذا شهر منكر فلم يحمل على الأول؛ كما لو قال: أجرتك شهراً من شهور هذه السنة، وقد ادعى الإمام أنه لا خلاف في هذه الصورة في عدم الصحة، وكذا القاضي الحسين، وهو محمول على ما إذا بقي من السنة أكثر من شهر، أما إذا لم يبق فيها إلا شهر، فقد صرح المتولي والبغوي بالصحة فيه، ولو قال: أجرتك الشهر أو نصف الشهر حمل على ما بقي من ذلك الشهر في الصورة الأولى وعلى نصفه في الثانية، وهذا الحكم: فيما لو قال: السنة. صرح به القاضي

стр. 5344

الحسين، أما إذا كانت الإجارة واردة على الذمة فيجوز تأجيلها قطعاً؛ كالمسلم فيه وسنذكرها. تنبيه: [قول الشيخ: ويتصل الشروع في الاستيفاء بالعقد. ظاهره يقتضي أن يتمكن] المستأجر من استيفاء المنفعة عقيب العقد ويلزم على ذلك مخالفة الأصحاب في بعض المسائل ومخالفة بعضهم في بعض فيتعين أن يصرف عن ظاهره ويحمل على التمكن من الشروع في استيفاء المعقود عليه إذا أمكن والتمكن من الشروع فيما يوصل إلى الاستيفاء إن لم يمكن وذل كيتضح برسم مسائل: منها: استئجار عين الشخص للحج قبل أشهره يجوز؛ إذا كان لا يتأتى الإتيان به من بلد العقد إلا بالسير قبله وكان في وقت خروج الناس من تلك البلد إليه، ولا مانع قائم بالأجير من مرض أو بالطريق من خوف أو تراكب الثلوج والأنداء التي لا يعلم وقت زوالها، فلو علم فالأصح عند الغزالي أنه غير مانع، وكذا الاستئجار على الحج في أشهره ليحرم الأجير من الميقات، جائز عند خروج الناس إليه، وفي كل من الحالتين المذكورتين لم يتصل الشروع في نفس المستأجر عليه؛ لأنه غير [معقود عليه] بل فيما يوصل إليه، ويدل على ذلك ما سنذكره من أن الأجير إذا مات بعد قطع المسافة وقبل الإحرام لا يستحق شيئاً من الأجرة، وقد استدرك الرافعي على الغزالي وإمامه حيث قالا: ثم مهما صحت الإجارة وجب على الأجير الخروج مع أول رفقة، ولا يجوز التأخير إلا بعذر انتظار الرفقة ولا عذر بعد وجودها، بأن ذلك يقتضي جواز تقديم الإجارة على خروج الناس، وأن له انتظار خروجهم، ولا يلزمه المبادرة وحده، والذي ذكره جمهور الأصحاب على طبقاتهم ينازع فيه ويقتضي اشتراط وقوع العقد في زمان خروج الناس من ذلك البلد حتى قال صاحب التهذيب: لا يصح استئجار العين إلا في وقت خروج القافلة من تلك البلد بحيث يشتغل عقيب العقد بالخروج أو أسبابه من شراء الزاد ونحوه وإن كان قبله لم يصح؛ لأن الإجارة للزمن المستقبل لا تجوز وفرع على ذلك أنه لو كان الاستئجار بمكة لم يجز إلا في أشهر الحج، لتمكنه من الاشتغال بالعمل عقيب العقد. ومنها استئجار الدار المشحونة بالأمتعة: يجوز على الأصح وإن لم يتصل

стр. 5345

الشروع في استيفاء المنفعة؛ لأن الشروع في التفريغ في الحال ممكن وهو موصل إلى المقصود. وعن الشيخ أبي محمد: منع إجارتها بخلاف بيعها. وحكى الرافعي في أواخر الباب: أنه رأى للأئمة فيما جمع من فتاوى القفال في صحة إجارتها جوابين: أحدهما: أنه إن أمكن التفريغ في مدة ليس لمثلها أجرة صح العقد وإلا فلا؛ لأنها إجارة [مدة] مستقبلة، وفي هذا التعليل نظر. والثاني: أنه إن كان يذهب في التفريغ مدة الإجارة لم يصح، وإن كان يبقى منها شيء صح ولزم قسطه من الأجرة إذا وجد فيه التسليم وأنهم خرجوا على الجوابين: ما لو استأجر داراً ببلد آخر فإنه لا يتأتى التسليم إلا بقطع المسافة بين البلدين. ومنها: إذا استأجر شخصاً ليتعلم منه شيئاً من القرآن والأجير لا يعرف ذلك [ولكن] يتأتى منه أن يتعلم ويعلم ففي صحة الإجارة وجهان حكاهما الإمام في باب الجعل والجعالة من كتاب الصداق عن العراقيين، ثم قال ومحلهما: إذا كان يحسن مقداراً يشتغل بتعليمه في الحال، أو كانت الإجارة مع تعلقها بالعين واردة على مدة تتسع للتعلم وللتعليم أما إذا لم تكن مدة وكان لا يحسن شيئاً ألبتة فالوجه القطع بفساد الإجارة لتحقق العجز عن المستحق في الحال وعلى ذلك جرى في الوسيط هنا. فروع: لو أجر دابة إلى موضع ليركبها المكري زماناً ثم المكتري زماناً- لم يجز؛ لتأخر حق المكتري في بعض الطريق، وتعلق الإجارة بالزمن المستقبل، وإن أجرها منه ليركب المكتري بعض الطريق وينزل ويمشي في البعض، أو أجرها من اثنين ليركب هذا زماناً، وهذا مثله؛ ففيه أربعة أوجه: أحدها: أن الإجارة فاسدة في الصورة الأولى، صحيحة في الثانية؛ لأنه إذا أكرى من اثنين اتصل زمان الإجارة بعضه ببعض، وإذا أكرى من واحد يفرق

стр. 5346

وتكون إجارة في الزمن المستقبل، وهذا ما صححه الماوردي. والثاني: المنع في الصورتين؛ لأنها إجارة إلى آجال متفرقة وأزمنة متقطعة. والثالث: وبه قال المزني في الجامع الكبير تخريجاً. ووافقه صاحب التلخيص، واختاره القاضي الطبري والروياني: أنه يجوز في الصورتين مضمونة في الذمة، ولا يجوز على دابة معينة، والفرق: أنها إذا كانت في الذمة فإن أجرها من واحد؛ فقد ملكه نصف المنافع على الإشاعة فيقاسم المالك، وإن أجرها من اثنين ملكهما الكل فيقتسمان. وأما إجارة العين فإنها تتعلق بأزمنة منقطعة فتكون إجارة للزمان المستقبل. والرابع- وهو أصحها وجعله أبو الطيب في تعليقه المذهب- جواز الإجارة في الصورتين على الذمة والعين ويثبت الاستحقاق في الحال، ثم يقتسم المكرى والمكتري أو المتكاريان والتأخر الواقع من ضرورة القسمة والتسليم فلا يضر، وعلى هذا إن كان في الطريق عادة مضبوطة إما بالزمان [بأن] يركب يوماً وينزل يوماً، أو المسافة بأن يركب فرسخاً ويمشي فرسخاً حمل العقد عليها، وإن لم تكن عادة مضبوطة فلا بد من البيان في الابتداء، وليس لأحدهما أن يطلب الركوب ثلاثاً والنزول ثلاثاً؛ لما في دوام المشي من التعب، ودوام الركوب من الإضرار بالدابة، ولو اختلفا فيمن يبدأ بالركوب فالمحكم القرعة، وهذه المسألة مشهورة بكراء العقب وهو جمع عقبة، والعقبة: النوبة إذا أكرى الدابة من اثنين ولم يتعرض للتعاقب. وقال القفال يجوز، ويتهايأ فيركبها هذا يوماً وهذا يوماً. قال في البحر بعد حكايته ذلك: وهذا عندي إذا أمكن أن يركبها معاً، فإن لم يمكن فلا يجوز كراهما للركوب معاً. وقال المتولي: إن احتملت الدابة ركوب الشخصين اجتمعا على الركوب، [وإلا رجع] إلى المهايأة. لو قال: أجرتك نصف الدابة إلى موضع كذا، أو أجرتك الدابة لتركبها نصف الطريق صح ويقتسمان إما بالزمان أو المسافة، وفي إجارة نصف الدابة وجه: أنها غير جائزة للتقطع.

стр. 5347

قال: .... ولا تجوز الإجارة إلا على أجرة معلومة الجنس [والقدر] والصفة؛ لقوله ﷺ : "مَنِ اسْتَاجَرَ أَجِيراً فَلْيُعْلِمْهُ أَجْراً"؛ ولأنها بمنزلة الثمن في البيع ومعرفة الثمن في البيع شرط فكذلك الأجرة، وهذا إذا كانت الأجرة في الذمة، أما لو كانت على العين فالمعتبر شرائط المبيع وإلا لا يكون عمله واقعاً فيما جعله له؛ كما إذا استأجر الطحان ليطحن الحنطة بقفيز منها مطحوناً؛ لنهيه ﷺ عن قفيز الطحان وهو مفسر بما ذكرناه، وألحق الأصحاب به ما إذا استأجر الطحان على الطحن بجزء شائع من الدقيق أو النخالة، أو السلاخ ليسلخ الشاة المذبوحة بجلدها وأظهروا للنهي معنى لأجله عدوا الحكم إلى ما ذكرناه، وهو أن الأجرة غير حاصلة في الحال على الهيئة المشروطة، وإنما تحصل بعمل الأجير من بعد فهي إذاً غير مقدور عليها في الحال. وفي بعض المسائل ما يقتضي الفساد، ولو خلت عن المعنى المذكور، وهو في مسألة الاستئجار بجزء من الدقيق أو النخالة: جهالة الدقيق في الحال، وكذا النخالة؛ لاشتمال القمح عليهما وفي مسألة السلاخ الجهل بصفاته؛ لأنه لا يعرف حاله في الرقة والثخانة وسائر الصفات قبل السلخ، وكذلك يمتنع جعله أجرة مطلقاً، وإن كان الاستئجار على عمل غير السلخ وقد ألحق الأصحاب على ما حكاه الغزالي وإمامه بمسألة قفيز الطحان أيضاً ما إذا استأجر مرضعة على الرضاع بجزء من المرتضع الرقيق في الحال وقاطف الثمار بجزء منها على رؤوس الأشجار موجهين ذلك بأن عمل الأجير لم يقع في خالص ملك المستاجر، ثم قال الغزالي: وزاد الأصحاب فقالوا: المرتضع المشترك بين امرأة

стр. 5348

مرضعة ورجل لا يجوز للرجل استئجارها على الرضاع؛ لأن عملها لا يصادف خالص ملك المستاجر، وهذا فيه احتمال؛ إذ قطعوا في كتاب المساقاة: بأن أحد الشريكين لو ساقى صاحبه وشرط له جزاء جاز وهو على عمل مشترك، ولكن قيل: ما يخص المستأجر يستحق به الأجرة، وهو محتمل- هاهنا – أيضاً. قلت: وجه الزيادة في هذه المسألة على ما ذكره في الصورة السابقة: أن الفساد قد يعلل فيها: بأن الاستئجار لما وقع في حال كون جميع العين ملكاً للمستأجر انتهض ذلك دليلاً على أن المراد بالاستئجار العمل في كل العين، وإذا كان كذلك اقتضى العقد تمليك الأجير جزءاً من العين في مقابلة عمله فيه وفي باقيها، وإجباره على العمل في ملكه والأول مخالف لوضع الإجارة، والثاني مخالف لوضع الملك. وفي مسألة استئجار الشريك على الإرضاع لا بجزء من الرضيع، العقد واقع على العمل في حصته؛ لكون الظاهر أن الإنسان لا يستأجر إلا على العمل في ملكه [فيصير كما لو صرح بذلك، ولو صرح بذلك لانتفى ما ذكرناه من كونه يأخذ الأجرة على عمله في ملكه] وكونه مجبراً على العمل في ملكه قصداً فإلحاقه بالصورة السابقة زيادة وهو بصورة المساقاة أشبه، وقد أشار الإمام إلى أن المنع جاء من جهة أن الاستئجار على إيقاع العمل في الملك المشتر لا يجوز ما لم يجتمع عليه الملاك، فلو جاز لأحدهم لزم منه التصرف في ملك غيره بغير إذنه إلى انقضاء الإجارة أو عدم القدرة على تحصيل المنفعة. وكل منهما محذور وإذا كان كذلك فهذا المعنى موجود فيما إذا كان الأجير هو الشريك؛ لأنه لا يلزمه العمل في ملكه، وما ذكره لا يقتضي المنع في استئجار الشريك؛ لأنه بعينه موجود في مسألة المساقاة، وقد جزم فيها بالصحة وموجود فيما لو كان بين رجلين حمل مشترك فاستأجر أحدهما صاحبه على حمله إلى البيت، فإنه يصح بالأجرة المسماة كما لو قال: استأجرتك لحمل نصيبي بكذا وفيما إذا كان بين شخصين طاحون فاستأجر أحدهما صاحبه على أن يعمل فيه كذا يوما بأجرة معلومة فإنه يصح، ويجعل كما لو استأجره ليحمل نصيبه أو على

стр. 5349

نصف منفعة بدنه، لأنه لو استأجر من حر نصف منفعته جاز، كذا حكاه القاضي الحسين الحكم والتوجيه في الصورتين، وموجود أيضاً فيما لو استأجر أحد الشريكين في الحنطة صاحبه ليطحنها أو في الدابة ليتعهدها بدراهم، وقد جزم في التهذيب فيهما بالصحة، فكان إلحاق مسألة الرضيع بهذه المسائل أولى والله أعلم. قال: فإن استأجر بالطعمة والكسوة لم يصح، كما لو جعل ذلك عوضا في النكاح والبيع، وهذا الحكم فيما لو اكترى الدابة بعلفها، أو الأرض بخراجها وكلفتها أو الدار بعمارتها، وكذا لو استأجر الدار بدراهم معلومة وشرط على المستأجر صرفها في العمارة؛ لأن الأجرة الصرف والدراهم، والعمل فيا لصرف مجهول، نعم لو قدر شيئاً من الطعام ووصفه بصفات السلم صح جعله أجرة، وإن قسطه في كل يوم شيئاً خرج على السلم في جنس إلى أجلين صرح به القاض الحسين، ثم إذا أذن له في صرف ذلك إلى العبد المستأجر جاز. وهكذا نقول فيما إذا استأجر داراً بقدر من الدراهم ثم أذن له في صرفها في العمارة بدون شرط صح ولم يخرج الأصحاب ذلك فيما وقفت عليه على اتحاد القابض والمقبض وكأنهم نزلوا القابض من المستأجر منزلة النائب عن الأجير وإن لم يكن معنياً واغتفروا مثل هذا التوكيل لوقوعه ضمناً، وإن كان لا يصح لو وقع قصداً كما صرح به القفال فيما إذا قال وكلت كل من أراد بيع مالي ببيعه [بل ادعى ابن الصباغ في كتاب الخلع فيما إذا خالع زوجته وأذن لها في إنفاق ذلك على ولده كان له، وأنه لا يختلف أصحابنا في ذلك]، لكن قياس هذا أن يقال: إذا كان له في ذمة شخص مال فأذن له في غسلامه في كذا أن يصح، وهو ما حكاه صاحب الإشراف عن ابن سريج، ثم قال: والمذهب خلافه وقضية هذا أن يجيء مثله هاهنا. وعلى الأول: لو اختلف الآجر والمستأجر في قدر المصروف وكان ما ذكره المستأجر محتملاً؛ فمن القول قوله؟ فيه قولان في الإبانة، والذي أجاب به ابن الصباغ أن القول قول المستأجر، وسيأتي فيما إذا أذن الحاكم للمستأجر عند هرب الجمال في الإنفاق وجدناه ثم اختلف الجمال والمستأجر في قدر المنفق، فمن القول قوله؟ فيه ثلاثة أوجه يتجه مثل جريان مثلها هاهنا، ولو أنفق المستأجر

стр. 5350

عند اشتراط الإنفاق في أصل العقد بشرط الرجوع رجع عليه، وإن فسد العقد [لإذنه، فإن اختلفا] في قدر المنفق ذكر القاضي في تعليقه أن القول قول المنفق؛ لأنه ائتمنه على ذلك. قال ابن الصباغ: وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لم يأتمنه وإنما شرط عليه أن تكون النفقة عليه، وذلك لا يقتضي الأمانة. تنبيه: الطعمة بضم الطاء: الإطعام. والكسوة: بكسر الكاف وضمها جميعاً، كسي، وكسوته [ثوباً] فاكتسى وهو كاس، وهم كساة ونسوة كاسيات. قال: ... وإن عقد على مال جزاف؛ أي: والعقد على منفعة عين معينة جاز؛ لأن المنافع في حكم الأعيان المقبوضة بدليل جواز التصرف فيها؛ فجاز أن يكون ما يقابلها جزافاً؛ كالثمن في البيع، وهذا هو المذهب. وقيل فيه قولان؛ كرأس مال السلم، والجامع: أنهما عقدان على منتظر يخشى انفساخ العقد فيه بتعذره. والقائل الأول: فرق بأن السلم معقود إلى أجل فهو غرر فلا ينضاف غرر إلى غرر، والإجارة معقودة على منفعة حالة وإنما تستوفي شيئاً فشيئاً فشابه الطعام إذا اشتراه وقبضه [كيلاً] قليلاً قليلاً، والأجل املذكور فيها ليس بأجل في الحقيقة وإنما يضرب لتقدير المنفعة فإن الأجل: ما يحل الحق عند انقضائه، وهذه المدة تعني الحق عند انقضائها، أما إذا كانت الإجارة على منفعة في الذمة؛ قال ابن يونس: فهي كالسلم بلا خلاف، وهذا إن قاله وقد عقد بلفظ السلم فهو ظاهر، وإن قاله وقد عقد بلفظ الإجارة ونحوها ولم يسلك به مسلك السلم فلا اتجاه له. قال: وإن أجر منفعة بمنفعة جاز؛ لأنهما منفعتان يجوز أن يعقد على كل منهما فجاز العقد على إحداهما بالأخرى عند اتفاق الجنس؛ كما لو كانتا مختلفتي الجنس، ومن منع الصحة عند اتفاق الجنس- وهو أبو حنيفة- اتبع في ذلك أصله، وفي تحريم الربا في كل جنس واحد، وقد بينا في باب الربا: أنه لا يجري إلا في المطعوم والنقدين.

стр. 5351

قال: وتجب الأجرة بنفس العقد؛ لأنه عقد لو شرط فيه تعجيل العوض أو تأجيله تبع في ذلك بالاتفاق، فإذا أطلق وجب أن يحمل على التعجيل؛ كالثمن في البيع وأيضاً: فإن المستأجر قد ملك المنفعة وصح تصرفه فيها فوجب أن يملك الآجر مقابلها وهو الأجرة عملاً بتساوي المتعاقدين. قال: إلا أن يشرط فيها الأجل فتجب في محله [كالثمن]، وهذا إذا كانت الإجارة واردة على العين أما إذا وردت على الذمة فسيأتي. واعلم إنا وإن أوجبنا الأجرة بنفس العقد فلا يوجب تسليمها ما لم تسلم العين المؤجرة إلى المستأجر، كذا صرح به الماوردي، وكان يتجه أن يكون فيه الخلاف المذكور في البيع إذا كانت الإجارة على عمل، وقلنا: إن الصنعة كالعين، وإن قلنا: إنها أثر فتكون كالنكاح؛ لأن المنفعة تفوت بالتسليم كما تفوت منافع البضع بالوطء، خصوصاً إذا كانت المنفعة حراسة أو رعياً أو نحوهما، وقد صرح المتولي بإلحاق الآجر والمستأجر عند التنازع بالبائع والمشتري، وإذا تسلم الآجر الأجرة فهل ملكها ملكاً مستقراً أو ملكها ملكاً مراعى؟ فيه قولان صرح بهما الماوردي وغيره. ومعنى الملك المستقر كما حكاه الإمام في كتاب الزكاة: أن الإجارة لو انفسخت في أثناء المدة انتقص ملك الآجر عما يخص الذي انفسخ العقد فيه [من حينه. ومعنى الملك المراعى: أنها إذا انفسخت في أثناء المدة تبينا أنه لم يملك ما يقابل ما انفسخ العقد فيه]. فرع: إذا وقع العقد بأجرة مؤجلة والنقد على صفة ثم صار عند الحلول على غيرها، فالواجب النقد الموجود حالة العقد بخلاف ما لو كان النقد حال [عقد] الجعالة على صفة ثم تغير حال تمام العمل فإن المعتبر فيه النقد الموجود حال الفراغ على وجه؛ لأن به استحق الأجرة والصحيح أنه كالإجارة. قال: وإن كان العقد على مدة أي مثل [إن استأجر شيئاً شهراً من حين العقد فتسلم العين ومضت المدة، أو على عمل معين، أي: مثل] إن استأجر عبداً

стр. 5352

ليخيط له ثوباً أو يبنى له حائطاً ونحو ذلك، [أو استاجر دابة ليركبها إلى موضع كذا، أو يحمل عليها شيئاً إلى موضع كذا ونحو ذلك]. فسلم العين ومضى زمان يمكن فيه الاستيفاء استقرت الأجرة أي سواء استوفى المنفعة أو لا، وسواء كان عدم الاستيفاء لعذر قام به أو بالطريق أو لا لعذر؛ لأن المعقود عليه تلف تحت يد متملكه فاستقر عليه بدله؛ كالمبيع إذا تلف تحت يد المشتري. وفي الحاوي: أن هذا فيما إذا كان العذر المانع من استيفاء المنفعة قائماً بالمستأجر كالمرض ونحوه أما إذا كان قائماً بالعين المستأجرة؛ كمرض الدابة فلا أجرة على المستأجر لكن إن كانت الإجارة على مدة فقد انفسخت وإن كانت إلى مسافة معلومة فهي بحالها. وألحق العذر القائم بالطريق من خوف أو حذر بالعذر القائم بالعين المستأجرة لكون المنع في الحالتين من غير المستأجر فصار ممنوعاً من استيفاء حقه، والأصحاب استشعروا ذلك وأجابوا عنه: بأن المستأجر متمكن من استيفاء المنفعة في طريق آخر إلى مثل الموضع المعين؛ إذ لا يتعين السير إلى الموضع الذي عينه عندنا فصار كما لو لم يكن في الطريق خوف. وليس للمستأجر عند تعذر [استيفاء] المنفعة عليه لا بسبب من جهة المؤجر فسخ الإجارة ولا أن ييلزم المكرى استرداد الدابة في الصورة الأخيرة من صور الكتاب إلى أن يقدر على استيفاء المنفعة، وقد ألحق بالتسليم فيما ذكرناه عرض الآجر العين المستأجرة على المستأجر وامتناعه من تسلمها إلى انقضاء المدة والزمان صرح به في المهذب وغيره فحينئذ [تستقر الأجرة] فيما إذا كانت الإجارة على منفعة عين معينة بأحد ثلاثة أشياء: كما صرح به في الذخائر- استيفاء المنافع، والتمكين من الاستيفاء بأن يسلم إليه العين وتمضي المدة وهي في يده، وأن تعرض عليه العين ويتمكن من قبضها فيتركها اختياراً حتى تمضي المدة. قلت: والجزم بالاستقرار في الصورة الأخيرة فيه نظر؛ لأن الأصحاب شبهوا

стр. 5353

منفعة العين المعينة بالمبيع المعين، وقد تقدم حكاية وجه فيما إذا وضع البائع [العين المبيعة] في بيت المشتري أو حجره، أو بين يديه بغير إذنه ورضاه أنه لا يكون إقباضاً ما لم ينقله فيشبه أن يجيء مثله هاهنا. قال: ويجب رد العين أي: بعد مضي المدة والزمان؛ لأن ذلك قضية الملك، وهذا جواب على أن المستأجر يجب عليه [رد العين] بعد المدة كما سيأتي. فرع: إذا وقع العقد على منفعة حر فسلم نفسه ولم يستعمله المستأجر حتى مضت المدة أو مضت مدة يمكن فيها العمل المستأجر عليه، فهل تستقر الأجرة؟ قال الرافعي: الذي ذهب إليه الأكثرون الاستقرار، والذي ذهب إليه القفال عدمه؛ لأن الحر لا يدخل تحت اليد فلا تحصل منافعه في ضمان المستاجر إلا عند وجودها، وهذا ما قاله الشيخ أبو علي عند الكلام فيما إذا تلف الثوب الذي وقعت الإجارة على خياطته، وإيراد القاضي أبي الطيب، والماوردي وغيرهما موافق لما حكاه عن الأكثرين فإنهم قالوا فيما إذا استأجره على قلع ضرس وجيع ثم امتنع المستأجر من تمكين الأجير من القلع مع بقاء الألم حتى مضت مدة يمكن قلعه فيها: إنه لا يجبر على ذلك وتجب الأجرة عليه ويستقر. كذا حكوه عند الكلام في أن المستأجر ليس له فسخ الإجارة بعذره. وحكى ابن الصباغ: أن القاضي أبا الطيب قال في المجرد: وعندي أنها لا تستقر حتى إن هذا السن لو انقلع انفسخت الإجارة ووجب رد الأجرة كما قلنا في النكاح: إذا مكنت الزوجة من نفسها ولم يطأها الزوج، ويفارق هذا إذا حبس الدابة مدة المسافة أنه تستقر عليه الأجرة؛ لأن المنافع تلفت تحت يده بخلاف مسألتنا. وهذا التعليل يؤيد ما أوردته عن الأصحاب في الجزم باستقرار الأجرة بالعوض. قال: ... وإن كانت الإجارة فاسدة استقرت أجرة المثل ... أي سواء انتفع بالعين [بعد تسليمها أم لا]؛ لأن الإجارة كالبيع، والمنفعة كالعين، ثم البيع الفاسد كالصحيح في الضمان بالقبض فكذلك الإجارة.

стр. 5354

قال: وما يحتاج إليه في التمكين من الانفاع كمفتاح الدار، وزمام الجمل والحزام والقتب، فهو على المكري؛ أي عند إطلاق العقد؛ لأن التمكين من الانتفاع واجب على الآجر، وهو متوقف على ذلك؛ [فوجب عليه] وفي معنى القتب الإكاف والبرذعة والثفر وبرة البعير: وهي التي تكون في أنفه من خشب أو غيره، واللجام، والسرج إذا كان المستأجر فرساً للركوب صرح به القاضي أبو الطيب وغيره. وحكى أبو الحسن العبادي في الرقم: أن مكري الدابة لا يلزمه تسليمها إلا عارية، والآلات كلها على الراكب؛ كما لو شرط ذلك عليه. وفي التهذيب: أن ما ذكرناه يجب على المؤجر؛ إذا كانت الإجارة واردة على الذمة، أما إذا كانت واردة على عين الدابة والبرة، والخطام، ولجام الفرس، وكل ما يحتاج إليه للتمكين يجب عليه أيضاً، والسرج والإكاف على المستأجر، وكذا الوعاء إذا كان الكراء لحمل متاع. فلو سلم إليه الدابة عارية، فركبها أو حمل عليها بلا إكاف ولا سرج ضمن؛ لأنه يرق ظهر الدابة إلا أن تكون المسافة قريبة. وذهب ابن كج إلى أن السرج لا يجب إلا إذا كانت العادة جارية بالركوب عليه، وجعله الرافعي وجهاً ثالثاً، وهذا يدل على الخلاف في إيجابه وإن لم تجر العادة بالركوب عليه. ولو كانت الدار مما يقفل عليها قفل حديد، فلا يجب على المؤجر. والفرق بينه وبين المفتاح: أن المفتاح منفعة تابعة للضبة وهي من الثوابت، بخلاف القفل؛ فإنه منقول غير تابع. تنبيه: جمع المفتاح مفاتيح ومفاتح، كالأماني، والأماني، [و] الزمام بكسر الزاي: أصله الخيط الذي يشد في [البرة] بضم الباء وتخفيف الراء، وقد يسمى المقود بكسر الميم وهو الرسن، [وهو مراد المصنف] الحزام بكسر الحاء جمعه حزم، والفعل حزمت الدابة أحزمها حزماً. القتب: بفتح القاف والتاء جمعه أقتاب، قال: و [ما يحتاج إليه لكمال الانتفاع: كالدلو والحبل، أي عند كراء شخص للاستقاء والمحمل والغطاء؛ أي عند

стр. 5355

الكراء للركوب بهما كما تقدم- فهو على المستأجر؛ لأنه لا يتوقف الاستيفاء عليه بل كماله. ومن هاهنا يؤخذ أنه لا يجب على الآجر ما يشد به أحد المحملين إلى الآخر من طريق الأولى، وفي المهذب حكاية وجه: أنه يجب عليه وهو بعيد مع القطع في نفس المحمل وسائر توابعه المذكورة أنها على المكتري. قال الرافعي: والأقوم ما في تعليق الشيخ أبي حامد وغيره، وهو رد الوجهين إلى أن شد أحد المحملين إلى الآخر على من يجب؟ فعلى وجه: يجب على الآجر؛ كما يجب عليه الشيل والحمل؛ [لأنه يراد للتمكين من الركوب]. وفي الثاني: على المكتري؛ لأنه إصلاح ملكه [فهو كتأليف المحمل]. واعلم أن محل وجوب الحبل والدلو على المستأجر إذا كانت الإجارة واردة على العين، أما إذا كانت واردة على الذمة، فهي كالوعاء في الاستئجار على نقل الغلة في الذمة، فتكون على المكتري. وعن القاضي الحسين أن الرجل إن كان معروفاً بالاستيفاء بآلة نفسه؛ لزمه الإتيان بها. قال الرافعي: وهذا يجب طرده في الوعاء. تنبيه: الدلو قال ابن السكيت: الغالب عليها التأنيث، وقد يذكر، وتصغيرها: دلية، وجمع القلة أدل وفي الكثرة دلاء ودلى بضم الدال وكسر اللام وتشديد الياء، وأدليت الدلو أرسلتها في البئر، ودلوتها نزعتها منه، وأيضاً أرسلتها. والغطاء- بكسر الغين والمد-: جمعه أغطية، وهو ما يغطي الشيء، يقالك غطيته بتشديد الطاء تغطية، وحكى الجوهري أيضاً: غطيته غطيا بالتخفيف، ومنه قولهم: غطا الليل يغطو ويغطي أي أظلم. قال: وفي كسح البئر أي بئر الحش وتنقية البالوعة أي إذا امتلئ ذلك في أثناء المدة بعد تسليمه فارغاً، وجهان: وجه إيجابه على المكري: أنه من مقتضى التمكين من الاستيفاء؛ فوجب كما يجب تسليم ذلك في الابتداء فارغاً حتى إذا لم يفعله، ثبت للمستأجر الخيار؛

стр. 5356

وهذا ما اختاره الروياني، ولم يحك الماوردي عن الأصحاب سواه. ووجه ثبوته على المستأجر: أنه تسلم ذلك فارغاً، وإنما حصل الامتء بفعله؛ فكان عليه، كتنظيف الدار عن الكناسة والأتون عن الرماد، وهذا ما صححه الرافعي، واختاره الماوردي لنفسه، وبه أجاب القاضي أبو الطيب، والبندنيجي وابن الصباغ، والمتولي. فعلى هذا: إذا لم يفعله المستأجر لا يثبت له خيار. وفيه وجه: أنه يثبت له. وفي الحاوي: أنه يجبر على ذلك. وهذا كله في خلال المدة، أما إذا انتهت المدة، فهل يجب على المستأجر تنظيف ما تسلمه فارغاً؛ ليسلمه كما تسلمه أم لا؟ قال الأصحاب: إن كان الموجود القمامات المجتمعة في زمن إجارته، وجب عليه إزالتها؛ وكذا الرماد عند الإمام. وفي التهذيب: أنه لا يجب؛ لأن طرح الرماد من ضرورة استيفاء المنفعة. وأما كسح البئر وتنقية البالوعة، فلا خلاف في عدم وجوب ذلك. ومستنقع الحمام- وهو الذي يجتمع فيه الماء الوسخ- حكهم حكم البالوعة عند بعضهم في الدوام والانتهاء. وحكى في البحر: أن القاضي في الجامع حكى عن بعض أصحابنا: أن كسحه على المكري أبدا، وهو المذهب؛ لأن التمكين من الانتفاع لا يكون إلا به ولا يشبه الحش في الدار؛ لأن معظم الانتفاع لا يكون به بخلاف الحمام. ثم القمامات التي وقع [فيها] الكلام القشور وما يسقط من الطعام ونحوه، أما التراب الذي حصل من هبوب الرياح، فلا يجب على المستأجر؛ لأنه حصل بغير فعله. قال الرافعي: لكن قد قيل: إن الثلج إذا وقع في العرصة وجف ولم يمنع الانتفاع كان ملحقاً بكنس الدار وكذا إن كثف على الظاهر، ومنه من ألحقه بتنقية البالوعة، وإن كان قد حصل لا بفعله، [فيجب أن يكون التراب أيضاً كالنكاسات في أثناء الإجارة وإن حصل لا بفعله].

стр. 5357

تنبيه: الكسح: الكنس. والبئر مؤنثة مهموزة وتخفف بتركه، وجمع القلة: أبؤر؛ كأفلس وأبار بإسكان الباء وبعدها همزة، ومن العرب من يقلب الهمزة فيقول: آبار بمد أوله وفتح الباء [والكثرة بئار] بكسر الباء وبعدها همزة. البالوعة، والبلوعة: ثقب في وسط الدار تنصرف فيه الأوساخ. قال: وعلى المكري الإشالة والحط، أي إشالة الحمل وحطه، وإركاب الشيخ، أي بأن يمسك بيده، أو يضع له ركبته؛ ليركب عليها على العادة، وإبراك الجمل للمرأة؛ لاقتضاء العرف، وفي معنى المرأة: الرجل الضعيف؛ بسبب مرض أو نحافة، وكذا من جاوز الحد في السمن؛ كما صرح به الماوردي. والاعتبار في القوة والضعف بحالة الركوب، لا بحالة الإجارة؛ صرح به أبو الطيب وغيره. ولو كان المستأجر بغلاً أو حماراً؛ وجب عليه تقريبه من المرأة ومن في معناها؛ ليسهل الركوب. ويجب عليه بعد الإركاب سوق الدابة وتعهدها، وإعانة الراكب في النزول على العادة. وعليه إنزال الراكب؛ لقضاء الحاجة، والطهارة وصلاة الفرض؛ إذا طلب المستأجر ذلك ولو في أول وقت الصلاة، وإذا نزل انتظره، ولا يلزم المستأجر المبالغة في التخفيف ولا الاقصر، ولا الجمع، وليس له الإبطاء والتطويل، فإن كانت التطويل طبعاً فيه وعادة؛ كان عيباً فيه، وللجمال الخيار في فسخ الإجارة، والصبر عليه، وهكذا لو كان عسر الركوب إلا أن يستبدل الراكب بنفسه غيره صرح به الماوردي، ولا يجب إنزال المستأجر لصلاة النفل والأكل والشرب؛ ليأتيها على الراحلة. واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه لا فرق في وجوب ما ذكرناه على المكرين بين أن تكون الإجارة واردة على العين أو على الذمة، وهو ما صرح به الماوردي. وقال الرافعي: إن محله إذا وردت على الذمة، أما إذا وردت على عين الدابة، فالذي يجب على الآجر التخلية بينها وبين المستأجر، وليس عليه أن يعينه في

стр. 5358

الركوب ولا في الحمل وإن هذا ما يوجد للأكثرين في نوعي الإجارة، وإن الإمام حكى وراءه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يفترق في إجارة الذمة بين أن يقع العقد على التبليغ مثل أن يقول: ألزمت ذمتك تبليغي إلى موضع كذا على الدابة صفتها كذا فتقع الدابة تبعاً فتلزم الإعانة، وبين أنه تقع على الدابة بأن يقول: ألزمت ذمتك منفعة دابة صفتها كذا؛ لأركبها إلى موضع كذا فلا يجب. والثاني: أنه يجب الإعانة على الركوب في إجارة العين أيضاً. والثالث: أنها تجب في الحمل سواء كانت الإجارة في الذمة أو على العين لاطراد العادة بالإعانة على الحط والحمل وإن اختلفت في الركوب، وهذا ما اختاره في الوسيط ووضع الحط وحمله؛ كالحمل. فرع: أجرة الدليل والسائق والقائد ينظر فيه، فإن اكترى بهيمة بعينها فليس على الآجر غيرها وإن اكترى منه الركوب أو الحمولة في الذمة كان ذلك على الآجر قاله في البحر. تنبيه: الإشالة: الرفع يقول: أشلته، بضم الهمزة، إشالة [بكسرها] كأقمته أقيمه إقامة، وانشال هو، قال الجوهري: ويقال شُلْتُه أَشُوله شَوْلاً أي: رفعته. إبراك الجمل، قال أهل اللغة: يقال: برك البعير يبرك- بضم الراء- أي: استناخ، وأبركته أنا فبرك. قال ابن فارس: هو مشتق من البرك بفتح الباء وإسكان الراء وهو الصدر؛ لأنه يقع صدره على الأرض. وأصل هذه الكلمة من الثبوت قال: وللمكتري أن يستوفي المنفعة بالمعروف؛ لأن إطلاق العقد يقتضي المتعارف؛ فألحق بالمشروط؛ وهذا اللفظ من جوامع الكلم؛ لأنه ينظم مسائل كثيرة صرح بها الأصحاب. فمنها: أن من استأجر ثوباً للبس كان له أن يلبسه بالنهار وفي الليل إلى وقت النوم، وليس له أن ينام فيه ليلاً، وكذا في وقت القيلولة على وجه، وبه جزم في الوجيز. والصحيح: وهو الذي أورده الأكثرون- الجواز، ومحله في القميص الأسفل، أما الأعلى، فيلزمه نزعه في سائر [أوقات] الخلوة؛ لأنه إنما يلبس

стр. 5359

عادة في وقت الخروج إلى الطريق ودخول الناس عليه. ولا يجوز له الاتزار بالقميص المستأجر للبس؛ لأنه أضر من اللبس، وهو غير متعارف في لبس القميص، وفي الارتداء به وجهان حكاهما شيوخ الطريقين. وأظهرهما: الجواز؛ لأن ضرر الارتداء دون ضرر اللبس ومن هذا يظهر: أنه لو صرح بالاستئجار للارتداء، لا يجوز له الاتزار به؛ كما صرح به في التتمة. ويجوز له أن يتعمم به؛ لأنه أخف ضرراً. ومنها: إذا استأجر داراً للسكنى كان له أن ينقل الأمتعة إليها، وهل له أن يضع فيها ما يسرع إليه الفأر وينقب بسببه الحيطان؟ فيه وجهان: أصحهما: الجواز؛ لأنه معتاد ولا يجوز له أن يضع التراب والرماد في أصل حيطانها ولا ربط الدواب فيها، ولا أن يسكنها حداداً ولا قصاراً؛ لإضرار ذلك بجدرانها. قال في البحر: فإن قيل: أليس قلتم: إذا استأجر أرضاً للزراعة، يجوز له أن يزرع أضر زرع، فهلا قلتم في السكنى مثله؟ قيل: الفرق: أن السكنى لا تتضمن الإضرار بالدار، فإذا أسكنها ما يضر بها لم يجز، والزرع متضمن الإضرار بالأرض، فإذا أطلق، فقد رضي بأكثر الضرر. وهذا جواب عما أورده الرافعي سؤالاً على جواز إطلاق الإجارة للسكنى. ومنها: من استأجر راحلة للركوب، كان له النوم عليها في الوقت المعتاد بالنوم فيه، وليس له ذلك في غير وقته؛ لأن النائم يثقل. وله استنهاض الدابة بالضرب، وكبح اللجام، وركض الرجل على العادة؛ روى جابر قال: "سَافَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَاشْتَرَى مِنِّي بَعِيراً، وَحَمَلَنِي عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَسُوقُهُ وَأَنَا رَاكِبُهُ، وَإِنَّهُ لَيَضْرِبُهُ بِالْعَصَا".

стр. 5360

ومنها: للمستأجر للركوب وضع الرجل والجلوس على الدابة على الوسط المعتاد، وليس لأحد المتآجرين أن يضع الرجل مكبوباً ولا مستلقياً والمكبوب: أن يجعل مقدم الجمل أو الزاملة أوسع من المؤخر، وهذا أنفع للدابة وأضر للراكب، والمستلقى عكسه كما قاله أبو إسحاق، وقيلك المكبوب: أن يضيق المقدم والمؤخر، والمستلقي: أن يوسعهما جميعاً، وهو قول أبي علي الطبري. وقيل: المكبوب تقديم المحمل إلى مقدم البعير، وهو أوطى للركوب، والمستلقيك تأخير المحمل إلى مؤخرة البعير، وهو أسهل على البعير، وهذا قول ابن أبي هريرة. ومنها: إذا كان في الطريق مراحل معلومة، جرت العادة بقطعها في كل يوم مرحلة، فليس للمستأجر أن يزيد عليها عند إطلاق العقد، وكذا ليس للأجير تكليفه ذلك. وهكذا الحكم في النزول في البلد أو في ظاهرها. وفي السير في الليل والنهار يتبع فيه العادة، فإن لم تكن ثم عادة في المراحل، ولا في السير في وقت مخصوص، ولم يقع في ذلك شرط في حال العقد، فسد. وإن وقع شرط بأن يسير في كل يوم قدراً معلوماً، جاز. قال أبو إسحاق: وقد جرت العادة في قطع البادية إلى مكة في أيام الحج بما لا تطيقه الحمولة؛ فلا يجوز الإطلاق في ذلك؛ لأن الإطلاق لا يمكن حمله عليه؛ لما فيه من حمل الحمولة على ما لا تطيق. ومنها: إذا كانت العادة به جارية بأن ينزل الراكب ويمشي في الرواح، فإن شرط مع ذلك النزول، اتبع الشرط. قال الإمام: ويعترض في شرط النزول إشكال لقطع المسافة ويقع في إكراء
следующие страницы →