Полный текст (9 685 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.
стр. 6336
والثاني: يثبت؛ للغرور، [ولأنها] طمعت في زيادة شرفه، وإن رضيت فلا خيار للأولياء؛ لأن الكفاءة حاصلة، والشرط لا يؤثر في حقهم.
وإن كان المشروط غير النسب، مثل: شرط الملاءة، والملاحة، والشباب، والطول، وأجناس ذلك، فخرج بخلاف ما شرط: فإن كان فوق ما شرط فلا خيار، وإن كان دونه فلها الخيار، وكذا ذكره في "التتمة".
فرع: إذا اختارت الفسخ بعد الدخول، وجب مهر المثل، فإن كان الزوج عبداً، فهل يجب في كسبه، أو يتعلق برقبته، أو بذمته يتبع به إذا عَتَقَ؟ فيه ثلاثة أقوال.
قال: وإن شرط أنها حرة، فخرجت أمة- أي: والمزوج [وكيل] السيد، وهو ممن يحل له نكاح الأمة- ففيه قولان:
أحدهما: أنه باطل.
والثاني: [أنه صحيح.
وتعليلهما ما ذكرنا، وهل له الخيار أم لا؟ فيه قولان:
أصحهما]: أن له الخيار؛ لتضرره برقِّ أولاده ونقصان الاستمتاع؛ لأن السيد يستخدمها، ويسافر بها، وعدم التوارث بتقدير ألا يكون حرّاً.
والثاني: لا خيار له، أي: وإن قلنا: إن المرأة يثبت لها خيار الخلف؛ لإمكان الطلاق، وهذا ضعيف؛ لأنه يستفيد بالفسخ سقوط جميع الصداق إذا كان قبل الدخول.
ولأن هذا المعنى موجود فيها إذا كان بالزوجة عيب مقارن للعقد، ومع ذلك الخيار ثابت له.
وكذا الحكم فيما لو خرجت مكاتبة، أو أم ولد، أو بعضها رقيق.
ويجري القولان في صحة النكاح، والخلاف في ثبوت الخيار بتقدير الصحة- فيما إذا شرط نسبها، فخرجت دون ما شرط، ودون نسبه، وكذا إن كانت فوق نسبه، ودون ما شرط بالترتيب، وفيما إذا شرط أنها بيضاء، فكانت سوداء، أو أنها
стр. 6337
مليحة، فكانت قبيحة، أو أنها طويلة، فخرجت قصيرة، أو أنها بكر، فخرجت ثيباً، أو أنها مسلمة، فخرجت كتابية.
قال: وقيل: إن كان الزوج عبداً، فلا خيار له [قولاً واحداً]، وهو قول أبي إسحاق، والصحيح في "التهذيب"؛ [على ما نقله] قبل باب: "الكلام الذي ينعقد به النكاح"؛ لتكافئهما.
قال: والأول أصح- أي: من الطريقين- لما تقدم.
واعلم أن التغرير بالحرية [لا يتصور] من سيد الأمة؛ لأنه متى وجد منه، عتقت، وصح النكاح قولاً واحداً، ويتصور من وكيله- كما فرضناه- ومنها، ولا عبرة بقول من ليس بعاقد ولا معقود عليه.
وما قاله الجيلي من كونه يتصور من الولي بأن يقول: هي أختي- في غاية البعد؛ من حيث إن هذا القدر لا يدل على الحرية [قطعاً]؛ [لجواز كونها رقيقة مع كونها أخته؛ فلا يكون ذلك من قبيل شرط الحرية].
نعم هذا القول إذا وجد، غلب على الظن أنها حرة؛ فيكون من قبيل ما إذا ظن حريتها من غير شرط، وسيأتي الكلام فيه، إن شاء الله تعالى.
فرع: خيار الغرور، هل هو على الفور؟ فيه طريقان:
أشبههما: نعم، كخيار العيب.
стр. 6338
والثاني: أنه [على الأقوال في خيار] العتق.
فرع آخر: إذا أثبتنا الخيار، ينفرد بالفسخ من له الخيار، ولا يحتاج إلى الحاكم؛ قاله في "التهذيب".
قال الرافعي: لكن هذا الخيار مختلف فيه مع الاختلاف في فساد العقد، فهو يشبه فسخ النكاح بالعيب، والله- أعلم.
قال: وإن كان قد دخل بها- أي: قبل العلم- وقلنا: إن النكاح باطل، أو قلنا: إنه صحيح، وله الخيار، فاختار الفسخ، [لزمه] مهر المثل؛ لأن العقد قد ارتفع بالفسخ، ومقتضى انفساخ العقود ترادّ العوضين، وهو قد استوفى منفعة البضع؛ فوجب بدلها، وهو مهر المثل؛ وهذا هو الأظهر والمنصوص.
وفيه قول مخرج: أن الواجب: المسمى، إذا فرعنا على الصحة.
ووجه نقله أبو الفرج في آماليه: أن الواجب أقل الأمرين من المسمى ومهر المثل.
فرع: إذا كان المغرور عبداً، فحيث يجب المسمى يتعلق بكسبه، ولوجوب المسمى تقديران:
أحدهما: أن يفرع على أن العقد صحيح، ولم يفسخ.
والثاني: أن يفسخ، ونقول بالمخرج، أو بالوجه الآخر إذا كان أقل.
وحيث يجب مهر المثل، فيتعلق بذمته أو بكسبه أو برقبته؟ فيه ثلاثة أقوال.
ولوجوب مهر المثل تقديران:
أحدهما: أن يحكم بفساد العقد، والأقوال- والحالة هذه- مبنية على أن إذن السيد في النكاح يتناول الصحيح والفاسد [منه]، أو يختص بالصحيح؟ إن قلنا بالأول، فالمهر في كسبه، وإن قلنا بالثاني- وهو الأصح- فهذا نكاح جرى بغير إذن [السيد]، جرى فيه دخول، ومهر المثل في هذا النكاح يكون في ذمة
стр. 6339
العبد أو يتعلق برقبته؟ فيه قولان:
أظهرهما: [هو] أولهما.
والثاني: أن يحكم بصحة العقد، وثبوت الخيار، ووجوب مهر المثل عند الفسخ؛ لأنا إذا أوجبنا مهر المثل، ألحقنا النكاح المفسوخ [بسبب] مقارن للعقد بالنكاح الفاسد.
وكان الشيخ أبو محمد يقوي في هذا التصوير قول التعلق بالكسب؛ لأنه مهر واجب في نكاح صحيح مأذون فيه.
قال: وهل يرجع به على من غره؟ فيه قولان، توجيههما قد تقدم في العيب، والتفصيل المذكور هناك جارٍ ها هنا؛ كذا قاله الرافعي.
أما إذا قلنا بالصحة، ولم يفسخ العقد، فالواجب المسمى، ولا رجوع فيه.
هذا كله إذا كان الزوج حرّاً، فإن كان عبداً، فإن قلنا: يتعلق بكسبه أو برقبته، كان للسيد الرجوع على الغارِّ.
وإن قلنا: يتعلق بذمته إلى أن يعتق، فالرجوع للعبد.
قال في "الذخائر": كذا ذكره الشيخ أبو حامد الأسفراييني في "التعليق"، ولم يذكر في رجوعه بالمهر خلافاً، وينبغي أن يكون إذا قلنا: يثبت في ذمته، يكون في رجوعه القولان في الحر.
وإن قلنا: برقبته أو بكسبه، فإن قلنا: إذن السيد يتناول الصحيح والفاسد، كان في رجوعه القولان في الحر، وإن قلنا: لا يتعلق بالفاسد، رجع قولاً واحداً. هذا آخر كلامه.
وما قاله الشيخ مجلي من البناء يحتاج إلى تأمل؛ وذلك لأن قول التعلق بالرقبة أو بالذمة مبني على عدم تناول الإذن للنكاح الفاسد، وقول التعلق بالكسب مبني على [عدم] تناوله الفاسد مع الصحيح؛ كما تقدم في الفرع قبله، وإذا كان كذلك لم يحسن البناء.
стр. 6340
قال: وإن أتت بولد- أي: لدون ستة أشهر من حين العلم- لزمه قيمته يوم الوضع، أما لزوم قيمته فلأن رق الأم يقتضي رق الأولاد؛ وهذا الولد انعقد حرّاً؛ لظنه الحرية؛ كما لو وطئ الحر أمة الغير ظانّاً أنها أمته، أو زوجته الحرة، فقد فوت رقَه بظنه، وهذا يناظر إيجاب الغرة على الجاني.
وحكى الحناطي قولاً: أنه لا يجب قيمة الولد، وحكاه الإمام في فروع العتق احتمالاً للشيخ أبي علي؛ لأن الولد خلق حرّاً؛ فلم يثبت فيه [رق]، ثم لم ينسب إلى إزالة الرق، وإنما يجب الغرم لمالك الرق إذا فرضت جناية [فيما يثبت] ملكه فيه.
ثم قال الإمام: وهذا لا وقع له، والإجماع بخلافه.
وحكي عن الشيخ أبي علي أيضاً: [أن] من أصحابنا من ذهب إلى أن الولد يمسه الرق، ثم يعتق بسبب الغرور، وأنه غريب جدّاً لم يره لغيره.
وحكي عن الشيخ أبي علي أيضاً: أن الجارية لو كانت لأب المغرور لا يجب على المغرور قيمة الولد؛ فإن تقدير الرق في الولد لا ينتفع به الأب؛ فإنه يعتق عليه لا محالة، فإذا لم يفت نسب المغرور فينتفع به، وأما اعتبار القيمة يوم الوضع فلأنه أول إمكان التقويم.
وقول الشيخ: يوم الوضع يفهم أنها لو وضعته ميتاً، لا يلزمه شيء؛ إذ لا قيمة له، كما صرح بمثله في البيع.
وهذا مفروض فيما إذا كان الوضع بغير جناية جانٍ.
وقد حُكِي فيما إذا وطئ الغاصب أو المشترى منه الجارية المغصوبة عن جهل بالتحريم في مثل هذه الصورة- وجهٌ: أنه تجب قيمته لو كان حيّاً، قال الرافعي: فليجر هنا.
أما إذا انفصل بجناية جان، فإن كان أجنبيّاً، يجب على عاقلة الجاني غرة الجنين، ويغرم المغرور عشر قيمة الأم للسيد، وإن زادت على قيمة الغرة؛ على الأظهر من الوجهين، وهو المنسوب إلى العراقيين في التهذيب، لأنه لو انفصل
стр. 6341
رقيقاً، والحالة هذه، لوجب على الجاني عشر قيمة الأم، فإذا فوت على السيد ذلك، فعليه غرمه؛ وهذا كما أنه يستحق قيمته عند انفصاله حيّاً وإن زادت على قدر الدية.
ويغرم على الوجه الثاني أقل الأمرين من عشر قيمة الأم، وما يسلم له بالوراثة من غرة الجنين؛ لأن الغرم إنما ترتب عليه بسبب ما يحصل له من الغرة؛ فلا يزاد عليه.
وفيه وجه: أنه لا يغرم له شيئاً؛ لأنه لا قيمة للميت.
وأي وقت تعتبر فيه قيمة الأم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يوم الجناية.
والثاني: يوم الانفصال، حكاهما الرافعي في التفويض.
وإذا قلنا: يغرم [أقل] الأمرين، فإنما يغرم إذا أخذ ما سلم له بالوراثة.
وإن كان الجاني هو المغرور، فعلى عاقلته الغرة، ويجب على المغرور عشر قيمة الأم، إن قلنا: بوجوبه في المسالة الأولى، وإن قلنا: الواجب أقل الأمرين؛ فيتعلق حق السيد بالغرة؛ فيؤدي منها، وما فضل يكون للورثة.
وعلى التقديرين لا يرث المغرور شيئاً منها؛ لأنه قاتل.
وإن كان المغرور عبداً، فالغرة تتعلق برقبته، ثم إن قلنا بالأول، سلمت الغرة للورثة، وحق السيد يتعلق بذمة المغرور.
وإن قلنا بالثاني قبض منها عشر قيمة الأم، فإن فضل شيء، سلم للورثة؛ هكذا قاله الرافعي.
قلت: وهو مفرع على أحد الأقوال في أن قيمة الولد تتعلق بالرقبة، وينبغي أن يكون الحكم كذلك، وإن قلنا: إنها تتعلق بالذمة أو بالكسب، كما سنذكره.
ولا فرق في حرية الولد بين أن يكون المغرور حرّاً أو عبداً.
نعم: إن كان حرّاً، فالقيمة في ذمته، وإن كان عبداً، ففي ذلك ثلاثة أقوال، ذكرها ابن الصباغ وغيره؛ كما قلنا في مهر المثل، والأصح منها التعلق بالذمة.
стр. 6342
قال: ويرجع بها على من غره، قال الإمام: إجماعاً، وقد نطق بذلك عمر- ﵁ ولأنه لم يدخل في العقد على أن يضمنها، بخلاف المهر على أحد القولين.
وعن ابن خيران، وابن الوكيل: أن في المسألة قولاً آخر أنه لا يرجع بقيمته؛ كما لا يرجع بالمهر.
وإذا قلنا بالرجوع بالمهر وقيمة الولد، فإن كان التغرير من الوكيل، فالرجوع عليه في الحال، وإن كان من الأمة، فعليها بعد العتق، ولا يتعلق الغرم بالكسب والرقبة.
وفيه وجه: أنه يتعلق بالرقبة.
وإن كان منهما؛ بأن ذكرا الحرية معاً، قال الرافعي: فالرجوع عليها.
فإن قلت: ولم لا يخرج على الوجهين فيما إذا كان الغرور بالعيب من الزوجة والولي، فإن الغرم يختص بها على وجه.
قلت: لأن في مسألة العيب هي مستحقة للمهر؛ فناسب أن يحال الغرور عليها؛ لقوة جانبها؛ بخلاف مسألتنا؛ فإن مستحق [المهر السيد]؛ فهي والوكيل سيان.
ثم في كيفية الرجوع وجهان:
أحدهما- وبه قال أبو إسحاق، وهو الأقرب-: أنه يرجع بالنصف على الوكيل، وبالنصف عليها.
والثاني: أن له أن يرجع [بالكل على من شاء منهما، ويرجع] المأخوذ منه بالنصف على الآخر؛ كذا قاله في التهذيب.
وقال الحناطي وغيره: لا يرجع واحد منهما على الآخر؛ لأن التغرير كامل من كل واحد منهما.
قلت: وينبغي أن يكون ما قيل ها هنا مذكوراً في مسألة الغرور بالعيب.
ولو ذكرت للزوج حريتها، ثم ذكرها الوكيل، فالرجوع عليها.
стр. 6343
وإن ذكرت للوكيل حريتها، فذكرها للزوج، رجع الزوج على الوكيل، والوكيل عليها، وفي [الصور كلها يكون] الرجوع بكمال المهر؛ لأنه للسيد وقد أخذه، وخرج الوطء عن صورة الإباحة؛ هذا كله إذا كان التغرير بالحرية.
فإن كان بالنسب، أو الإسلام، أو الملاحة، وغير ذلك مما ذكرناه، والزوجة هي الغارة، فلا مهر لها؛ إذ لا معنى [للدفع] إليها والاسترداد منها، وهل يجب لها أقل ما يصلح مهراً؟ فيه الخلاف المذكور في العيوب.
وإن كان من وليها، فحكمه حكم الوكيل، ولا فرق بين علمه وجهله إن كان التغرير بالنسب.
وحكم غرور المكاتبة بالحرية حكم الحرة في المهر، وأما قيمة الولد منها، فإن قلت: إن ولد المكاتبة قن للسيد، فالقيمة له، ويرجع عليها بما في يدها، فإن عجزت، ثبت في ذمتها.
وإن قلنا: إن حكمه حكمها، فيبنى على أنه إذا قتل، فلمن تكون قيمته؟ وفيه قولان:
أحدهما: للسيد؛ فعلى هذا تكون للسيد.
والثاني: لها؛ تستعين بها في أداء النجوم؛ فعلى هذا لا رجوع لها بقيمة الولد؛ إذ لا معنى للدفع إليها ثم الاسترجاع منها. ثم الرجوع على الغار في الصور المذكورة مشروط بغرم المغرور؛ كما قلنا في الضامن.
قال الإمام: وقد ذكر في الضمان وجه: [أن له] أن يغرِّمه قبل أن يغرم، فيجيء مثله هنا.
والظاهر: المنع، ويبنى على الغار بعد العتق.
أما إذا علقناه برقبته، أو بكسبه، وغرم، فيرجع السيد في الحال.
ولو أبرأته من الصداق أو بعضه، لم يرجع إلا بما غرم؛ على ما حكاه
стр. 6344
البغوي، وللمغرور مطالبة الغار بتخليصه؛ كما في الضمان.
واعلم أن الشرط إنما يؤثر إذا كان مقترناً بالعقد، فلو تقدم على العقد، فالأصح أنه لاغ، وقد ذكر مثل [ذلك] في فصل التحليل.
قال الرافعي: وهذا الخلاف في فساد النكاح وثبوت الخيار، فأما في الرجوع على الغار بالمهر إذا قضينا به، فالتغرير السابق كالمقارن؛ هذا نقل صاحب الكتاب، وحققه الإمام، فقال: لا يشترط في تصوير التغرير دخول الشرط بين الإيجاب والقبول، ولا صدوره من العاقد؛ ألا ترى أنا نضمّن المكاتبة والأمة إذا كان التغرير منهما وليستا بعاقدين، ولكن بشرط اتصاله بالعقد من الغرور فهذا تغرير.
ولو لم يقصد بما قاله تغرير السامع، واتفق بعد أيام أنه زوجها ممن سمع، فليس ما جرى بتغرير.
وإن ذكره لا في معرض التحريض، وجرى العقد على الاتصال، أو ذكره في معرض التحريض، ولكن جرى العقد بعد زمان فاصل- ففي كونه تغريراً تردد.
وقال الرافعي: ويشبه ألا يعتبر الاتصال بالعقد؛ على ما يقتضيه إطلاق صاحب الكتاب، وكان سبب الفرق بين التأثير في الفساد، وفي إثبات الخيار وبين التأثير في الرجوع- أن تعلق الضمان بالتغرير أوسع باباً؛ ولذلك يثبت الرجوع على قولٍ بمجرد السكوت عن عيب المنكوحة، وإذا قدم الطعام إلى المالك، فأكله وجب الضمان على المقدم في قول.
هذا آخر كلامه، وما قاله نقلاً وتفقُّهاً يحتاج إلى تأمل، والذي نبه عليه [قولٌ للإمام] [﵀] وقد نبهت لينظر في ذلك كل فطن، فمن عثر على مزيد، فليلحقه بحاشية كتابنا مأجوراً، إن شاء الله تعالى.
ووجه التأمل: أن قول الرجوع بالمهر على الغار مفروض فيما إذا قلنا بعدم صحة النكاح، أو قلنا بالصحة، وثبوت الخيار، ففسخ العقد، أما إذا قلنا بالصحة، ولم
стр. 6345
يفسخ، فالواجب المسمى، ولا رجوع به على أحد؛ كما تقدم ذكر ذلك، وقد دل عليه كلام الشيخ- ﵁ في المهذب، وصاحب التهذيب، والرافعي، وغيرهم.
وإذا كان التصوير كذلك، لزم أن نقول- إذا وجد الشرط قبل العقد، وقلنا بأنه غير مؤثر-: إن النكاح صحيح ولا خيار، والواجب المسمى، ولا رجوع على أحد، فلا وجه [إذن] للتفرقة بين [فسخ النكاح وبين] الرجوع بالمهر وغيره كما ذكر، والله أعلم.
قال: وإن تزوج امرأة، وشرط أنها أمة، فخرجت حرة، أو على أنها كتابية، فخرجت مسلمة- ففيه قولان:
أحدهما: أن النكاح باطل.
والثاني: أنه صحيح، وتعليلهما ما تقدم.
قال: ولا خيار؛ لأنه ثبت لأجل النقص، ولا نقص.
وفيه قول محكي في الجيلي: أنه يثبت الخيار؛ لفوات غرض مقصود.
والأول هو المشهور، وادعى الإمام أنه لا خلاف في عدم ثبوته في مسألة الكتابية وإن ثبت في البيع فيما إذا شرط: أنه كافر، فخرج مسلماً؛ لأن كل غرض يستباح في النكاح من الكتابية يستباح من المسلمة، والمقصود في الشراء راجع إلى المالية، وقد يكون الكفر في المملوك من الأغراض المالية، ولأن الكافر يطلبه [المسلم] والكافر، والمسلم لا يطلبه غير المسلم، ولو طلبه غيره، لم يستعقب، ولم يبع منه، ورواج الشيء بكثرة الراغبين؛ كما أن وقوفه بقلة الراغبين.
قال: وإن تزوج امرأة- أي: من غير شرط- ثم بان أنها أمة، وهو ممن يحل له نكاح الأمة، أو بان أنها كتابية- فقد قيل: فيها قولان:
أحدهما: أن له الخيار؛ لأن ظاهر الدار الحرية والإسلام، فإذا خالف ذلك، يثبت الخيار.
والثاني: لا خيار له؛ لبعد النكاح عن الخيار، وضعف تأثير الظن؛ ولهذا لو
стр. 6346
اشترى عبداً، وظنه كاتباً، فإذا هو غير كاتب- لا خيار.
وقيل: مأخذ القولين: أن الكفر والرق هل يلحقان بالعيوب الخمسة، أو لا؟
وجه الإلحاق أن الكفر يورث النفرة عن الاستمتاع، كما أن البرص والجذام يورثانها، والرق يتعدى إلى الولد تحقيقاً وإن كان البرص والجذام يخاف منهما.
وقيل: مأخذهما أن التغرير بالفعل هل ينزل منزلة التغرير بالقول؛ لأن هذا الظن يثبت غالباً عن فعل وإيهام صادر من الولي، أو من الزوجة؟
ووجه تنزيله منزلته: أن الخيار يثبت بالتصرية، كما يثبت بالخلف في الشرط.
قال: وقيل: في الأمة لا خيار، وفي الكتابية يثبت الخيار؛ وهذا هو النص في الموضعين.
والفرق بينهما من وجهين:
أشهرهما: أن ولي الكافرة يكون كافراً، وللكافر علامات يتميز بها من الخيار وغيره، فخفاء الحال عن الزوج إنما يكون بتلبيس الولي وتغريره؛ فأثبت الخيار لذلك. وولي الرقيقة لا يتميز عن ولي الحرة؛ فلا تغرير، بل الزوج هو المقصر؛ حيث لم يبحث عن الحال.
قال الإمام الغزالي: إن أمكن أن يجعل هذا تغريراً مثبتاً للخيار، فلو نكحها، وظن بكارتها، فإذا هي ثيب، لم يبعد إثبات الخيار؛ لأن النفرة ها هنا أعظم [هذا لفظه].
قال الرافعي: لكن تغير الهيئة في الكتابية أورث ظن الإسلام، ولم [يوجد] هنا ما يورث ظن البكارة.
نعم: قد يجعل السكوت عن بيان حالها تغريراً؛ كما جعل السكوت عن بيان العيب تغريراً.
والوجه الثاني: أن الكفر منفر للمسلم، فألحق بالعيوب، والرق لا ينفر؛ فلا يمنع من الاستمتاع.
стр. 6347
والأشبه طرد القولين.
والأصح ما ذكره البغوي وغيره: أنه لا خيار.
ولو ظنت الحرة كفاءة الزوج؛ فأذنت في التزويج منه، فإذا هو غير كفء، فلا خيار لها؛ لأن التقصير منها ومن الولي حيث لم يبحثا، وليس هذا كظن السلامة عن العيب؛ إذ الغالب السلامة، وها هنا لا يمكن أن يقال: الغالب الكفاءة.
قال الرافعي: وينبغي أن يفصل، فيقال: إن كان فوات الكفاءة؛ لدناءة نسبه، أو حرفته، وفسقه- فالجواب كذلك.
[وإن كان فوتها؛ لعيب به، ثبت الخيار].
وإن كان فواتها؛ [لرقه، فليكن الحكم] كما لو نكح امرأة على ظن أنها حرة، فكانت أمة، بل كانت المرأة أولى بإثبات الخيار من جانب الرجل.
وما قاله الرافعي من التفرقة بين العيب والرق وغيرهما ليس من عنده، بل قد صرح به الإمام نقلاً، وقد أشرنا إلى موضع ذكره من قبل.
وفي فتاوى البغوي: أنه إن كان فاسقاً، ثبت لها الخيار كالعيب.
وفي الشامل والتتمة: أن المرأة إذا تزوجت بمن ظنته حرّاً، فخرج عبداً، لها الخيار؛ بخلاف الزوج؛ ذكراه في خيار العتق.
قال: وإن تزوج بأمة، ثم أعتقت الأمة- أي: وبقي الزوج رقيقاً- ثبت لها الخيار؛ لما روي أن بريرة أُعتقت، فخيرها رسول الله ﷺ ، وكان زوجها- على ما روي عن عائشة وابن عمر وابن عباس ﵃ عبداً، وللإجماع.
ولأن عليها عاراً، وضرراً في كونها تحت عبد؛ بسبب النفقة لها ولولدها وغير ذلك.
وحكم المكاتبة إذا عتقت حكم الأمة.
وإن كانت قد تزوجت برضاها وإذنها؛ فإن إذنها محمول على رضاها بالعبد ما دامت مكاتبة.
стр. 6348
ومن بعضها حر وبعضها رقيق حكمها حكم الأمة؛ لبقاء الرق.
وفي الزوائد للعمراني حكاية وجه عن صاحب الفروع فيما إذا تبعضت الحرية فيها: أنه ينظر:
إن زادت أجزاء حريتها على أجزاء حريته، ثبت لها الخيار، وإلا فلا؛ وذلك الوجه يجب طرده هنا بطريق الأولى.
ولو دبرت، أو كوتبت، أو علق عتقها بصفة، فلا خيار لها.
ولو عتقت تحت من بعضه رقيق، ثبت لها الخيار، أما إذا أعتق الزوج معها، فلا خيار، ولو أعتق بعدها، فسيأتي الكلام فيه.
واعلم أن [صورة] المسألة فيما إذا كان العتق في الصحة، أو في المرض بعد الدخول أو قبله، وخرجت من ثلث مال المعتق سوى الصداق، أما إذا لم تخرج من ثلث المال إلا بضم الصداق إلى المال، فلا خيار لها؛ إذ لو ثبت، وترتب عليه الفسخ، لسقط الصداق، فيعود بعضها رقيقاً بسبب سقوطه، ومن عاد الرق في بعضها، امتنع الخيار؛ فثبوته يؤدي إلى نفيه؛ فمنع من أصله.
ولو أعتق الزوج وتحته أمة فلا خيار له على المذهب؛ إذ لا عار في استفراش الناقصة، ويمكنه التخلص بالطلاق، وهو الفارق بينه وبين المحل المنصوص عليه.
فرع: لو كانت صغيرة، أو مجنونة، ثبت لها الخيار عند البلوغ والإفاقة، وهل هو على الفور إذ ذاك أو لا؟ فيه الأقوال التي نذكرها من بعد؛ على ما صرَّح به ابن الصباغ.
ولا يمنع الزوج من وطء المجنونة قبل الإفاقة، وهل يمنع من وطء الصغيرة قبل البلوغ؟ فيه وجهان محكيان في ابن يونس.
والمذهب في الذخائر: أنه لا يمنع، ثم قال: ومن أصحابنا من قال: إن قلنا: إن الطلاق لا يقع على المعتقة قبل الفسخ- يُمنع من الوطء؛ لأنها كالخارجة عن ملكه، ثم قال: وكذلك الحكم في المجنونة.
قال: وفي وقته ثلاثة أقوال:
стр. 6349
أحدها: أنه على الفور، وهو الأظهر، كخيار العيب في المبيع، بل أولى؛ لبعد النكاح عن الخيار؛ وعلى هذا يكون الحكم فيه كما في البيع.
والثاني: إلى ثلاثة أيام؛ لما روى ابن عباس أن بريرة قضى لها رسول الله ﷺ بالخيار ثلاثاً.
ولأن الخيار بسبب العتق إنما يثبت لتفعل ما فيه المصلحة لها، وذلك يحتاج إلى النظر والتأمل، ومدة الثلاث قريبة، وهي مدة التروي في الشرع.
قال الإمام: ويكون ابتداء الثلاث من وقت علمها بالعتق وتأثيره في الخيار.
والثالث: إلى أن يطأها- أيك باختيارها- أو تصرح بما يبطله؛ لما روت عائشة- ﵂ أن بريرة خيّرها رسول الله ﷺ وقال: "إِنْ كَانَ قَرَبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ".
وعن حفصة مثل ذلك.
فعلى هذا إن مكنت ولم يطأها، لم يبطل حقها، قاله الإمام.
وقال في الذخائر: نكتفي به.
ولو طلبها، فامتنعت من تمكينه، فالحاكم يأمرها بعد سؤاله، إما أن تختار فراقه، أو تمكنه من وطئها.
ولو اختلفا في حصول الوطء، فمن المصدق منهما؟ فيه وجهان.
وفي البيان: أن المحاملي نقل قولاً رابعاً: أنها بالخيار إلى أن تسقط حقها، أو تمكن من الوطء، أو يوجد منها ما يدل على الرضا، مثل أني ُقَبِّلَها فتسكت.
وفي الشامل: أن بعض الأصحاب ذهب إلى أن رضاها يتقدر بالمجلس الذي علمت فيه.
стр. 6350
أما إذا أصابها الزوج قهراً، ففي سقوط الخيار تردد؛ لأنها كانت متمكنة من الفسخ عند الوطء، وهذا له التفات على ما إذا وطئ امرأته قهراً، هل يبقى لها حق الحبس حتى تقبض المهر؟ وفيه خلاف؛ وهذا مفروض فيما إذا لم يقبض على فيها، أما إذا قبض علي فيها، فلا تردد في بقاء حقه؛ وهذا يناظر تفصيل الأصحاب فيما إذا أخرج أحد المتبايعين من مجلس العقد قهراً.
قال: وإن عَتَقَتْ وهي في عدة من طلاق رجعي، فلم تفسخ، أو اختارت المقام معه- لم يسقط خيارها؛ لأنها جارية إلى البينونة؛ فمل يصح [معها اختيار] ما ينافيها.
قال الإمام: ولم يخرجوا اختيارها المقام على وقف العقود؛ لأن شرط الوقف أن يكون مورد العقد قابلاً لمقصود العقد؛ ألا ترى أن بيع الخمر لا يوقف إلى أن تتخلل وهي على حالتها غير مستحيلة؟
وحكى أنه سمع من شيخه عن طوائف من الأئمة نفوذ إجازتها، وقال: إنه متجه غير بعيد؛ فإن إجازتها إن لم تتضمن إحلالها فهي متضمنة قطع خيارها.
والغزالي نقل عن بعضهم تخريجه على وقف العقود؛ فإن راجعها نفذت، وإلا لغت، ولو فسخت نفذ؛ [لتقطع سلطة] الرجعة وتدفع [مقابل] الانتظار؛ فإنها لو أخرت الفسخ [إلى أن يراجع] كانت العدة من يومئذٍ.
وعن صاحب التقريب: أن الفسخ موقوف؛ فإن راجعها نفذ، وغلا فلا.
وعلى الأول إذا فسخت، هل تستأنف العدة، أو تكتفي ببقية الأولى؟ فيه قولان؛ كما لو طلق الرجعية.
стр. 6351
وإذا قلنا بالبناء، فتكمل عدة الحرائر، أو عدة الإماء؟ فيه خلاف يذكر في موضعه.
واعلم أن الشيخ- ﵁ لو اقتصر على ذكر المسألة الثانية، لأغنته عن ذكر الأولى.
قال: فإن ادعت الجهل بالعتق- أي: بعد الوطء، أو مضي الثلاث، أو الفورية- ومثلها يجوز أن يخفي عليها، مثل: إن كانت في بلدة، ومحلة أخرى، قبل قولها؛ إذ الأصل عدم العلم.
قلت: ويتجه أن يكون القول قوله؛ استبقاء للنكاح وإن كان الأصل العدم؛ وكذا في الإيلاء.
أما إذا [كان مثلها] لا يخفي عليها؛ كما إذا كانت مع السيد في دار واحدة، أو محلة واحدة- لم يقبل قولها؛ لأن ما تدعيه خلاف الظاهر؛ إذ العادة جارية: أن من أعتق رقيقه يعلمه إذا كان معه.
ومنهم من أطلق في المسألة قولين، ويحكى ذلك عن أبي إسحاق.
قال الشيخ أبو حامد الأسفراييني في التعليق: سئل الشيخ أبو إسحاق في هذه المسألة، فظن أن القولين فيها، وليس كذلك، بل القولان فيما إذا ادعت الجهل بالخيار.
قلت: ويظهر أن يكون مأخذ القولين تقابل الأصل والظاهر؛ إذ الأصل عدم العلم، والظاهر وجوده إذا كانت معه في بيت أو محلة.
قال: وإن ادعت الجهل بالخيار، ففيه قولان:
أحدهما: يقبل، وهو الأصح؛ لأن الأصل عدم العلم، والظاهر معها؛ إذ لا يعرف ذلك إلا الخواص من الناس.
والثاني: لا يقبل، ويكون القول قول الزوج في علمها؛ كما إذا قال المشتري: لم أعلم بأن العيب يثبت الخيار.
وحكى أبو الفرج الزاز طريقة قاطعة بالقول الثاني؛ وهذا يناظر ما إذا ادعى
стр. 6352
الزوج الوطء في مدة العنة؛ فإنه يصدق وإن كان الأصل عدم الوطء؛ محافظة على تبقية النكاح.
فرع: إذا فرعنا على أن الخيار على الفور، فادعت الجهل بأنه على الفور، لم تعذر؛ إذ الغالب أن من علم أصل ثبوت الخيار، يعلم كونه- أيضاً- على الفور.
وقال في الرق: إن كانت قديمة العهد بالإسلام، وخالطت أهله لم تعذر، وإن كانت حديثة العهد به، أو لم تخالط أهله، فقولان، والله أعلم.
قال: وإن أعتقت، فلم تفسخ حتى أعتق الزوج، ففيه قولان:
أحدهما: يبطل خيارها؛ لزوال النقص؛ وهذا هو الأظهر في الرافعي، والمذهب في النهاية، والمنصوص في المختصر.
والثاني: لا يبطل؛ عملاً بالأصل.
وهذا الخلاف كالخلاف في رد المبيع بعد زوال العيب، وفي الأخذ بالشفعة بعد بيع ما يستحق به الشفعة.
قال: ويجوز لها الفسخ بالعتق من غير حاكم؛ لأنه ثابت بالنص والإجماع؛ فأشبه الرد بالعيب والشفعة.
قال: فإن فسخت قبل الدخول، سقط المهر، أي: وإن كان حقّاً للسيد؛ كما لو ارتدت، وليس للسيد منعها من الفسخ؛ لما يلحقها من الضرر مع البقاء.
قال: وإن فسخت بعد الدخول بعتق بعده، وجب المسمى؛ [إذ المهر يستقر] بالدخول، والفسخ يستند إلى حالة العتق [والعتق بعده، ويجب] إذ هو سببه وهو بعد الدخول؛ فلا يؤثر فيما استقر.
قال: وإن فسخت بعد الدخول بعتق قبله، سقط المسمى، ووجب مهر المثل؛ لأن الفسخ يستند إلى حالة العتق، فصار الوطء كأنه في نكاح فاسد؛ كذا علله ابن الصباغ.
وفي التهذيب حكاية وجه: أنه يجب المسمى، وهو المذهب في التتمة.
وقال الإمام: "قطع الأئمة بأن المسمى لا يسقط، ولم يخرجوا فيه القول المنصوص في العيوب؛ وهو أن المسمى يسقط، ويجب مهر المثل؛ والسبب فيه:
стр. 6353
أن هذا الفسخ سببٌ ظاهر، وليست هي مستحقة المهر، وإنما المهر لغيرها؛ فيبعد سقوطه؛ فالقطع باستقرار المسمى إذا جرى فسخ العقد بعد المسيس موثوق به نقلاً وتعليلاً"، هذا آخر كلامه، ووافقه الغزالي عليه.
وقال الرافعي: وسواء قلنا: إن الواجب مهر المثل، أو المسمى، فهو للسيد؛ إذا لم تكن مفوضة.
قلت: وفي وجوب مهر المثل له مباحثة؛ لأن من يوجب مهر المثل يوجهه بأن الفسخ يستند إلى وقت وجود سببه، وهو العتق، فالوطء بعده كأنه في نكاح فاسد، ومقتضى هذا التوجيه أن يكون المهر للأمة؛ لأن الوطء الموجب له جرى وهي حرة.
وعلى تقدير: أن يحكم له به ويعلله بأنه محسن؛ فلا يليق حرمانه؛ فينبغي أن يجب له أقل الأمرين من مهر المثل والمسمى؛ لأنه إن كان المهر أقل؛ لم نوجب على الزوج سواه، وإن كان المسمى أقل فالقدر الزائد حصل بسبب الحرية؛ فيكون لها؛ كما قلنا فيما إذا قطعت يد عبد، ثم أعتق، ثم مات- فإنه يجب للسيد أقل الأمرين من كل الدية [وكل القيمة].
ووجه الشبه: أن السراية صيرت القطع قتلاً وهي حاصلة بعد العتق، والقطع سببه، وهو موجود في الرق.
وقال في الذخائر: إذا قلنا بوجوب مهر المثل ينبغي أن يخرج على الوجهين فيما إذا كانت مفوضة، ولم يفوض لها، ولم يدخل بها، وقلنا: إن المهر يجب بالوطء في أنه هل يجب للسيد أو لها؟
قال: فإن طلقها الزوج قبل أن تختار الفسخ- أي: طلاقاً بائناً- ففيه قولان:
أحدهما- وهو الصحيح، والمنقول في الإملاء-: أنه يقع؛ لأنه صادف النكاح.
والثاني- وهو المنصوص في الأم-: أنه موقوف، فإن فسخت، لم يقع؛ لأن إيقاعه يبطل حقها من الفسخ، وإن لم تفسخ، تبينا أنه قد وقع؛ لأنه لا يبطل حقها من الفسخ.
وأيضاً: فإنه إذا طلق في الردة يكون الطلاق موقوفاً، فكذلك ها هنا.
والقائل الأول يفرق بأن الانفساخ بالردة يستند إلى حالة الردة؛ فتبين أن
стр. 6354
الطلاق لم يصادف النكاح، والفسخ بالعتق لا يستند إلى ما قبله.
ومنهم من لم يثبت القول الثاني.
أما إذا كان الطلاق رجعيّاً؛ فإنه يقع قولاً واحداً؛ لأنه لا يبطل حقها من الفسخ، ويبقى الحكم كما إذا عتقت في العدة.
وقال في الذخائر: وأطلق العراقيون القولين، ولم يفصلوا، وفصل المراوزة، فذكروا نحواً مما ذكرناه من التفرقة بين الطلاق الرجعي والبائن.
ولو طلق المعيب قبل فسخ الزوجة، ففي نفوذ الطلاق أو وقفه هذا الخلاف؛ كذا حكاه الإمام، والرافعي.
وفي البيان: أن الشيخ أبا حامد قال: لا خلاف أنه ينفذ طلاقه، والله أعلم.
стр. 6355
باب نكاح المشرك
المشرك: الكافر على أي ملة كان.
قال: إذا أسلم أحد الزوجين الوثنيين، أو المجوسيين، أو أسلمت المرأة والزوج نصراني أو يهودي، فإن كان ذلك قبل الدخول، تعجلت الفرقة، وإن كان بعد الدخول وقفت الفرقة على انقضاء العدة؛ فإن أسلم الآخر قبل انقضائها فهما على النكاح، وإن لم يسلم حتى انقضت العدة، يحكم بالفرقة من حين أسلم الأول منهما.
وقال أبو ثور: إن أسلم الرجل قبل [المرأة بعد الدخول، انفسخ النكاح]، وإن أسلمت المرأة، لم ينفسخ حتى تنقضي العدة.
ودليلنا على المسألتين: ما روى عبد الله بن سمرة: أن الناس كانوا على عهد رسول الله ﷺ يسلم الرجل قبل المرأة، والمرأة قبل الرجل، فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة، فهي امرأته، وإن أسلم بعد انقضاء العدة، فلا نكاح بينهما.
وأما وجه الدلالة من هذا الخبر على الإسلام بعد الدخول، فظاهر، ويضاف إليه القياس على الطلاق؛ لأن كلّاً منهما موضوع لقطع النكاح، ثم الطلقة الواحدة لا تقطع النكاح قبل انقضاء العدة، فكذلك اختلاف الدين.
وأما على الإسلام قبل الدخول؛ فلأن الشرع جعل الإسلام في العدة مقرراً للنكاح؛ لكونها من توابعه، وغير مقرر بعد انقضائها؛ لزوال النكاح وآثاره، والإسلام قبل الدخول لا يوجب العدة؛ فكان كما بعد الانقضاء.
ولأن النكاح قبل الدخول غير متأكد، ولهذا يرتفع بالطلقة الواحدة؛ وهذا الاختلاف بين الدينين مضاد للنكاح؛ لأنه لا يجوز تقريرهما عليه بعد انقضاء العدة؛ فعلقنا به الفرقة؛ كالطلاق.
ولو أسلما معاً، أقرا على النكاح، والاعتبار بآخر كلمة الإسلام.
стр. 6356
وهذه الفرقة فرقة فسخ، لا فرقة طلاق.
فروع:
أحدها: لو قبل الكافر لابنه الصغير نكاح بالغة، وأسلم أبو الطفل والمرأة معاً، قال في التهذيب: بطل النكاح؛ لأن إسلام الولد يحصل عقيب إسلام الأب فيتقدم إسلامها إسلام الزوج.
وكذلك إذا أسلمت عقيب إسلام الأب يبطل- أيضاً-؛ لأن إسلام الولد يحصل حكماً، وإسلامها يحصل بالقول، والحكمي يكون سابقاً على القولي؛ فلا يتحقق إسلامهما معاً.
الثاني: حيث توقفنا في النكاح إلى انقضاء العدة، فلو طلقها قبل تمام العدة، فالطلاق موقوف أيضاً.
وحكى الإمام أن من الأصحاب من جعل الطلاق على قولي وقف العقود، وقال: لا يقع في قول، وإن اجتمعا على الإسلام، وأجراهما فيما إذا أعتق عبد [أبيه] على ظن أنه حي، فبان ميتاً، والمذهب الأول؛ لأن الطلاق والعتاق يقبلان صريح التعليق، فأولى أن يقبلا تقدير التعليق.
الثالث: إذا أسلمت المرأة، وتخلف الزوج، ثم أسلم، فادعى الإسلام قبل انقضاء العدة، وأنكرت، فإن اتفقا على أن العدة انقضت يوم الجمعة مثلاً، وادعى الزوج أنه أسلم يوم الخميس، وقالت: بل يوم السبت، فالقول قول [المرأة، وإن اتفقا على أنه أسلم يوم الجمعة [مثلاً]، وقالت: انقضت عدتي يوم الخميس، وقال: بل يوم السبت، فالقول قول] الزوج.
وإن اختلفا مطلقاً، فثلاثة أقوال؛ الثالث: أن القول قول من سبق إلى الدعوى، وسيأتي مثل ذلك في باب الرجعة.
قال: وإن وطئها في العدة، ولم يسلم الثاني منهما، وجب المهر؛ لأنه وطئ أجنبية بشبهة؛ فوجب عليه مهر المثل؛ كما لو وجد امرأة في فراشه، وظنها زوجته؛ فوطئها.
стр. 6357
قال: وإن أسلم- أي: في العدة- فالمنصوص: أنه لا يجب المهر؛ وكذا نصه فيما إذا ارتد أحد الزوجين، ووطئها في العدة، ثم أسلم المرتد: أنه لا يجب المهر، والمنصوص فيما إذا وطئ الرجعية، ثم راجعها أنه يجب المهر.
وفي "التتمة" أنه نص في الرجعية على قولين، وللأصحاب طريقان:
أحدهما: أن ذلك على قولين بالنقل والتخريج:
أحدهما: وجوب المهر؛ لوقوع الوطء في حال ظهور الخلل.
والثاني: المنع؛ لارتفاع الخلل آخراً، وعودها إلى صلب النكاح.
وحكى ابن كج أن أبا الحسين قال: وجدت القولين منصوصين.
والطريق الثاني: القطع بتقرير النصين.
والفرق: أن الطلاق لا يرتفع بالرجعة، بل يبقى نقصان العدد؛ فيكون ما بعد الرجعة وما قبل الطلاق بمنزلة نكاحين مختلفين، والخلل الحاصل بتبديل الدين ارتفع بالاجتماع في الإسلام، ولم يبق له أثر؛ فيكون العقد الأول باقياً بحاله.
قال: وإن أسلم الحر، وتحته أكثر من أربع نسوة، وأسلمن معه- أي: إما معاً قبل الدخول، وإما في العدة بعد الدخول- اختار أربعاً منهن، وكذا لو أسلم الرجل وهن كتابيات، أو أسلم أربع أولاً، ثم أسلم في عدتهن، ثم أسلمت الباقيات قبل انقضاء عدتهن من حين أسلم الزوج؛ لما روي أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ : "أَمْسِكْ أَرْبَعاً، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ"، ولا فرق بين أن ينكحهن معاً أو على الترتيب؛ فإن له أن يختار الأخيرات؛ لتركه الاستفصال في الحديث.
وإذا اختار أربعاً منهن، انفسخ نكاح البواقي، وهل يجب لهن مهر؟ قال ابن الصباغ في ضمن مسألة- وهي ما إذا أسلم على أم وبنت-: إنه لا يجب لهن مهر؛ إذا لم يكن [قد] دخل بهن، ولا متعة، ولا نفقة.
стр. 6358
وقال في النهاية في ضمن المسألة المذكورة: في وجوب المهر قولان مأخوذان من تصحيح أنكحة الكفار أو الوقف، فإن حكمنا بالصحة، أوجبنا نصف المهر؛ للمفارقة، وإن قلنا بالوقف، وهو قول الإعراض، فالمفارقة لا مهر لها.
وقال في "التتمة": الخلاف مبني على قولي الصحة والفساد، وقال: إذا كان قد دخل بهن، فلهن المسمى على قول [الصحة]، ومهر المثل على قول الفساد.
فرع: عدة المفارقات في أي وقت تحسب؟ قال ابن الصباغ فيما إذا أسلم وتحته إماء وأسلمن معه، وهو ممن يحل له نكاح الإماء، فاختار واحدة منهن-: انفسخ نكاح الباقيات حين الاختيار، والعدة من حين الاختيار.
وهذه المسألة تناظر الحر؛ ذلك لأن الزيادة على الأربع ممتنعة؛ كما أن [الزيادة على] الأمة في حق الحر الذي يجوز له نكاح الأمة ممتنعة؛ فوجب أن يكون الحكم كذلك.
وقال- أيضاً- فيما لو أسلم خمس إماء، ثم أعتقن قبل أن يسلم، ثم أسلم- كان له أن يختار أربعاً منهن، وانقطعت عصمة الخامسة، وبانت باختيار الأربع.
وقال في "التتمة": المذهب: أنها تعتبر من وقت اختلاف الدين بين الزوجين، وخرج فيه قولاً: أنها تعتبر من وقت الاختيار.
وقرَّب صاحب "التهذيب" الخلاف من الخلاف فيما إذا طلق إحدى امرأتيه لا بعينها، ثم عينها، تكون عدتها من وقت التعيين أو من وقت التلفظ بالطلاق؟ وذكر أن الأصح أن الاعتبار من وقت الاختيار.
قال الرافعي: لكن الراجح عند عامة الأصحاب: أن الاعتبار من وقت الإسلام.
قلت: وما قاله صاحب الشامل هو ما صححه في التهذيب.
أما لو أسلم أربع قبل الدخول، أو في العدة بعد الدخول، وتخلفت الباقيات- ارتفع نكاح المتخلفات، وكذا لو أسلم أربع من ثماني نسوة- مثلاً- ثم مُتْنَ، [ثم أسلم الزوج]، ثم أسلمت الباقيات في عدتهن- تعينت الأخيرات.
قال: فإن لم يفعل- أي: الاختيار- أجبر عليه، أي: عند الاجتماع في
стр. 6359
الإسلام؛ لأنه حق وجب عليه، لا يدخله النيابة؛ فأشبه ما إذا امتنع من قضاء الدين، وأخفى ماله.
وإنما قلنا بالوجوب؛ لقوله ﷺ لغيلانَ الثقفيِّ: "اخْتَرْ أَرْبَعاً، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ"، والأمر على الوجوب.
ولا يختار الحاكم عليه، بخلاف المُولِي؛ حيث يطلّق عليه- على الصحيح-؛ لأنه اختيار شهوة؛ ولذلك لا يجوز فيه التوكيل، ولو مات لا يقوم وارثه مقامه، بخلاف الطلاق.
والإجبار يكون بالحبس، فإن لم يغن الحبس عزر بما يراه الحاكم من الضرب وغيره، فإن أصر كرر عليه إلى أن يختار.
وحكي عن ابن أبي هريرة: أنه لا يضم إلى [الضرب الحبس]، ولكن يشدد عليه الحبس.
قال الإمام: وإذا حبس فلا يعزّر على الفور، وأقرب معتبر فيه مدة الاستتابة.
واعتبر القاضي الروياني في الإمهال الاستنظار، فقال: ولو استنظر أنظره الحاكم إلى ثلاثة أيام ولا يزيد، وما قاله مؤيد بما سيأتي في الإيلاء.
قال: وأخذ بنفقتهن إلى أن يختار؛ لأنهن محبوسات بحكم النكاح، ولأن ما من واحدة منهن إلَّا ويحتمل أنها المنكوحة، ويحتمل أنها المفارقة، وهو المفرط بترك التعيين؛ هكذا علله في "التتمة".
وعلى ما قاله ابن الصباغ من أن الفسخ يكون من حين الاختيار، تكون النفقة واجبة عليه لكل واحدة منهن [بحكم أن الأصل بقاء الزوجية في كل واحدة منهن].
فرعان:
أحدهما: لو جن في الحبس، أو أغمي عليه [في الحبس، خلي] إلى أن يفيق.
стр. 6360
الثاني: الكافر إذا قبل لابنه الصغير نكاح أختين، أو فوق الأربع، ثم أسلم الأب، وأسلمت النسوة بعد الدخول في العدة- يوقف الأمر إلى أن يبلغ.
ولو أسلم، ثم جن قبل أن يختار، وقف إلى أن يفيق، والنفقة عليه إلى التعيين، وهذا الفرع يعكر على ما علل به صاحب "التتمة" وجوب النفقة.
قال: وإن طلق واحدة منهن، كان ذلك اختياراً لها؛ لتوقف وقوع الطلاق على ثبوت النكاح.
ولو طلق أربعاً، انقطع نكاحهن بالطلاق، ويندفع نكاح الباقيات بالشرع.
ولو خاطب الجميع بالطلاق، قال الرافعي: وقع الطلاق على الأربع المنكوحات، وتبقى الحاجة إلى التعيين.
قلت: وينبغي أن يفصل، فيقال: إن أوقع الطلاق على الترتيب، تعينت الأولى، وإن خاطبهن بلفظ واحد، وقع على أربع منهن لا على التعيين، ويؤمر بالتعيين؛ كما قاله في "الشامل"، فإذا اختار أربعاً [منهن]، وقع بهن الطلاق، ويكون الحكم كما ذكرناه.
وفي "التتمة" وجه: أن الطلاق لا يكون تعييناً للنكاح؛ لأنه روي في قصة فيروز الديلمي- وقد أسلم على أختين-: أنه ﷺ قال له: "طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ" ولو كان الطلاق تعييناً للنكاح في المطلقة، لكان ذلك تفويتاً لنكاحها عليه. والرواية المشهورة: "فَارق".
وقيل: يطرد الخلاف في لفظ الفراق- أيضاً- لكن الأظهر [فيه:] أنه اختيار.
فرعان:
أحدهما: لو قال: إن دخلت الدار، فأنت طالق، فقد ذكر وجه: أنه لا يجوز؛ لأن الطلاق اختيار للنكاح، وتعليق الاختيار ممتنع، والصحيح جوازه؛ تغليباً لحكم الطلاق، والاختيار يحصل ضمناً، وقد يحتمل في العقود الضمنية ما لا يحتمل عند الانفراد والاستقلال؛ وهذا كما أن تعليق التمليك لا يجوز، ولو قال: أعتق عبد إذا جاء الغد على كذا، ففعل، صح، وإن كان ذلك متضمناً للتمليك.
стр. 6361
وفي تعليق اختيار الفسخ وجه: أنه يجوز؛ تشبيهاً له بالطلاق.
الثاني: لو قال: فسخت نكاح هذه، وأراد الطلاق، فهو اختيار للنكاح، وإن أراد الفراق، [وأطلق]، حمل على الاختيار للفراق، والحق بما إذا قال: اخترت هذه للفسخ؛ هكذا قاله الرافعي، ولم يحك سواه في هذا الباب.
وحكى في كتاب الخلع: أنه إذا قال لزوجته: فسخت نكاحك، ونوى الطلاق، وهو متمكن من الفسخ بعيب فيها-[خلافاً في] أنه يكون طلاقاً أو لا؟
ووجه عدم نفوذه طلاقاً: أنه أمكن تنفيذه في حقيقته، بخلاف ما إذا لم يوجد سبب الفسخ.
قلت: ويتجه أن يجيء مثل هذا الخلاف ها هنا، فيما إذا نوى به الطلاق؛ إذ هو عند الإطلاق منصرف إلى حقيقته، وما يؤيد ذلك أن الإمام في النهاية حكى أن العراقيين حكوا وجهاً فيما إذا قال: من أسلمت فقد فسخت نكاحها، وزعم أنه أراد بذلك الطلاق-: أن تفسير الفسخ بالطلاق مردود، وقال: إنه لا وجه له.
وإن تكلف متكلف، وقال: [إن] الفسخ في نكاح المشركات صريح في الفراق الذي هو من خصائص الباب، وما كان صريحاً في موضوعه لا يجوز أن يعدل به عن موضوعه بالنية؛ فهذا بعيد؛ فإن الفسخ قبل الإسلام لا نفاذ له على صيغة التعليق، والطلاق ينفذ؛ فكان استعمال الفسخ في وقت لا يجد نفاذاً في موضوعه. هذا آخر كلامه.
وإذا كان هذا الوجه جرى في هذه الصورة مع ما ذكره الإمام من إفساده- يتجه جريانه فيما إذا انتفى المعنى المذكور من طريق الأولى.
قال: وإن ظاهر منها، أو آلى، لم يكن ذلك اختياراً لها؛ لأن الظهار وصف بالتحريم، والإيلاء حلف على الامتناع من الوطء، وكل واحد من المعنيين بالأجنبية أليق منه بالمنكوحة.
وقيل: يكون اختياراً؛ لأنهما تصرفان يختصان بالنكاح؛ فأشبها الطلاق.
стр. 6362
والأول أصح.
فإذا اختار التي ظاهر منها أو آلى للنكاح، صح الظهار والإيلاء، ويكون ابتداء مدة الإيلاء في وقت الاختيار، وحينئذ يصير عائداً في الظهار؛ إن لم يفارقها.
قال: وإن وطئها، فقد قيل: هو اختيار، كوطء البائع الجارية المبيعة في مدة الخيار.
وقيل: ليس باختيار، وهو الصحيح؛ اعتباراً بالرجعة.
وهذان القولان كالقولين فيما لو طلق إحدى امرأتيه لا بعينها، أو أبهم إعتاق إحدى الأمتين.
وقيل: في المسألة طريقة قاطعة بأنه لا يكون اختياراً.
والفرق: أن الاختيار في نكاح المشركات حكمه حكم الابتداء [أو الاستدامة]، ولا يصح ابتداء النكاح واستدامته [بالوطء]، لما سيأتي في الرجعة.
فرع: لو وطئ الجميع، إن جعلنا الوطء اختياراً، كان مختاراً للأوليات، وإن لم نجعله اختياراً اختار منهن أربعاً.
واعلم: أن الشيخ تكلم فيما يحصل به الاختيار ضمناً، ولم يتكلم في صريح الاختيار؛ لوضوحه، وصريحه [مثل] أن يقول: اخترت نكاحك، [أو: تقرير نكاحك]، أو: عقدك، أو: اخترتك، أو: أمسكتك، أو ثبتُّ نكاحك، أو: ثبتك، أو: حبستك على النكاح.
قال الرافعي: وإيراد الأئمة يشعر بأن جميع ذلك صريح، لكن الأقرب أن يجعل قوله: اخترتك، أو: أمسكتك في غير التعريض للنكاح كناية.
وإذا أسلم على ثماني نسوة مثلاً، وأسلمن معه، فاختار أربعاً منهن للفسخ، وهو يريد حله بالطلاق- لزم نكاح الأربع البواقي، وإن لم يتلفظ في حقهن بشيء.
стр. 6363
ولو قال لأربع: أريدكن، ولأربع: لا أريدكن، قال في التتمة: يحصل التعيين بذلك.
قال الرافعي: وقياس ما سبق حصول التعيين بمجرد قوله: أريدكن.
ولو قال: اخترت الجميع للنكاح وللفسخ، فهو لغوٌ.
ولو قال: حصرت المختارات في هؤلاء الخمس، انحصرن، ويندفع نكاح الباقيات.
هذا كله فيما يحصل به الاختيار.
أما وقت الاختيار: فوقت اختيار الإجازة، يدخل بإسلامه وإسلام بعض الزوجات؛ حتى لو أسلم وأسلمت معه واحدة أو اثنتان أو ثلاث أو أربع، فاختارهن للنكاح- صح؛ إذ غاية الأمر أن يسلم الباقيات؛ فله أن يختار الأُوَل للنكاح.
ووقت اختيار الفسخ يدخل بإسلام الزوج، واجتماع الزوجات معه في الإسلام؛ حتى لو أسلم وأسلم معه أربعة فما دونهن- لم يصح اختيارهن للفسخ ولا واحدة منهن؛ لاحتمال إصرار الباقيات على الكفر حتى تنقضي العدة، وبقاء العدد الشرعي لابد منه.
وفي النهاية حكاية وجه حكاه العراقيون: أن اختيارهن- أو واحدة منهن- موقوف: فإن أسلم بعد ذلك أربع، بان صحة الفسخ، وإن لم يسلمن، لم يصح.
ولو أسلم معه فوق الأربع، فله أن يختار للفراق منهن ما زاد على الأربع.
قال: وإن مات قبل أن يختار، وقف ميراث أربع منهن إلى أن يصطلحن؛ لأنا نعلم أن فيهن أربع زوجات، وقد جهلنا عينهن؛ فوجب التوقف.
وقال ابن سريج: لا يوقف، ويوزع عليهن؛ لأن البيان غير متوقع، وهن جميعهن معروفات بشمول الزوجية، وبأنه لا مزية لبعض على بعض، وليس كما إذا قال: إن كان هذا الطائر غراباً فعمرة طالق، وإن لم يكن غراباً فزينب طالق، وأشكل الحال؛ فإن هناك الالتباس علينا، والله تعالى يعلم حال الطائر، ويعلم الطالق منهما، وها هنا لا يمكن أن يقال: إنه يعلم المختارات، مع أنه لم يوجد منه اختيار.
стр. 6364
وإلى هذا مال الإمام، والمشهور: الأول.
فإن كان تحته ثماني نسوة مثلاً، وفيهن صغيرة، أو مجنونة، صالح الولي عنها، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يصالح على ما دون الثمن؛ لأنها صاحبة يد في ثمن الموقوف؛ وهذا إذا اصطلحن جميعاً.
أما إذا طالب أربعٌ منهن فما دونهن، لم يُعْطَ لهن شيء؛ لاحتمال أن الباقيات الزوجات.
وإن جاء خمس دفع إليهن الربع، وللست النصف، وللسبع النصف والرعب؛ إذ فيهن واحدة أو اثنتان أو ثلاث.
وهل يشترط في الدفع أن يبرئن عن الباقي؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ فعلى هذا يدفع ما بقي [لمن بقي]، وكأنهن اصطلحن على القسمة هكذا.
وأصحهما: أنه لا يشترط هذا كله إذا كن مسلمات، وهو المفهوم من كلام الشيخ في أول المسألة؛ ولذلك استغنى عن ذكره.
فإن كن كتابيات، لم يوقف لهن شيء.
وإن كان أربع منهن كتابيات وأربع مسلمات، فوجهان:
الأصح منهما: أنه لا يوقف، وهو ما حكاه الغزالي؛ إذ كان يحتمل أن يختار الكتابيات؛ فلا يرث الجميع؛ فمل يحصل حق الزوجة بيقين.
والثاني: أنه يوقف، وهو ما ارتضاه في الشامل؛ لأن استحقاق نصيب الزوجات غير معلوم، والشك في أصل الاستحقاق لا يمنع الوقف؛ بدليل مسائل الحمل ونحوها.
وعلى هذا إذا أردن الصلح اصطلحن مع بقية الورثة الذين يكون لهم نصيب
стр. 6365
[الزوجات] لو كن غير وارثات؛ لأنه متردد بينهنَّ بخلاف المسألة الأولى؛ هذا حكم الإرث.
وأما العدة: فإن كان ذلك قبل الدخول، اعتدت كل [واحدة] منهن بأربعة أشهر وعشر.
وإن كان بعد الدخول، اعتدت الحامل بوضع الحمل، وغير الحامل إن كانت من ذوات الشهور، اعتدت بأربعة أشهر وعشر وإن كانت من ذوات الأقراء، اعتدت بأقصى الأجلين من أربعة أشهر وعشر أو ثلاثة أقراء.
والأشهر تعتبر من وقت الموت، وفي الأقراء وجهان، ويقال: قولان:
أحدهما: من وقت الموت.
والثاني- وهو الأصح-: من وقت دخول أحدهما في الإسلام، أو دخولهما.
والذي جزم به ابن الصباغ الأول، وقد حكيناه عنه من قبل عند الكلام في أن عدة المفارقات من أي وقت تحسب؟
والذي يظهر أن يكون هذا الخلاف مبنيّاً على أن الفرقة في أي وقت تقع؟ وقد تقدم.
فرع: لو تزوج رجلان امرأة، ثم أسلموا، واعتقادهم جواز ذلك، فلا خلاف أنه ليس للزوجين الاختيار، وهل يثبت للمرأة؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ كما لو أسلم الرجل وتحته أختان.
والصحيح: المنع، ولكن يفرق بينهما؛ لأنه لو ثبت لها الخيار، فلابد أن تختار واحداً منهما لتقرير النكاح، وآخر للفرقة، وقول المرأة لا يعتبر في تقرير النكاح؛ ولهذا لا يصح منها الرجعة بإذن الزوج.
وإن كان اعتقادهم عدم الجواز، فإن عقدا عليها في دفعة واحدة، فلا تقر مع واحد منهما.
وإن وقع أحد العقدين بعد الآخر، فنكاح الأول [صحيح دون غيره].
стр. 6366
قال: وإن أسلم وتحته أمٌّ وبنت.
اعلم: أنه لابد من تقديم قاعدة يبنى عليها حكم هذه المسألة، وهي أن أنكحة الكفار الذين يعتقدون صحتها ما حكمها؟ وفيها ثلاثة أقاويل، نقلها بعضهم أقوالاً، وبعضهم وجوهاً:
أصحها: أنها محكوم لها بالصحة، ولم يذكر في الشامل سواها في بابها، وإن حكى غيرها في التفريع؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٩]، ولما روي أنه- ﷺ قال: "وُلِدتُ مِن نِكَاحٍ لَا مِن سِفَاحٍ".
وأيضاً: أنهم يقرون عليها بعد الإسلام، والفاسد لا ينقلب صحيحاً بالإسلام، والتقرير على الفاسد محال، ولو ترافعوا إلينا لم يفرق بينهم.
ثم هذا القائل يقول: إن اتصلت بالإسلام، وكانت تفارق الشرع؛ لأمر يئول إلى العدد والجمع، مثل أن يسلم على عشر نسوة، أو على أختين- فقد صحت الأنكحة على العشر، والأختين في الشرك، ثم الإسلام يدفع إحدى الأختين
стр. 6367
والنسوة الزائدات على الأربع على الإبهام.
والثاني: أنها فاسدة؛ لأنهم لا يراعون حدّ الشرع وشروطه، وتصحيحه بعد الإسلام رخصة، وعدم التفريق؛ رعاية للعهد أو الذمة.
وضعف الإمام هذا القول ووجهه في الذخائر-[أي]: التضعيف- بأن التحليل يحصل بوطء الذمي مع أن الصحيح من المذهب: أن النكاح الفاسد لا يحصل به الإحلال.
وأيضاً: فإن النبي ﷺ رجم يهوديين زنيا، وجعلهما محصنين، والإحصان لا يحصل بالنكاح الفاسد.
والثالث: أنا نتوقف فيها إلى الإسلام، فما يقرون عليه إذا أسلموا تبين لنا صحته، وما لا، فلا.
ثم هذا الخلاف مخصوص بالعقود التي يحكم بفساد مثلها في الإسلام، أو يجري في مطلق عقودهم؟ قال الرافعي: قضية كلام أبي سعيد وغيره. الأول.
стр. 6368
وفي النهاية: أن من حكم بفساد أنكحتهم يلزمه ألَّا يفصل بين ما يقع منها على شرط الشرع وبين ما يخالفه، والمصير إلى [أن] نكاحاً يعتقدونه على شرط الشرائع كلها فاسد- مذهب لا نعتقده.
وفي الحاوي: أن الذي عليه الجمهور: أنها ليست على ثلاثة أقوال، بل على ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يوجد النكاح بالشرائط مع انتفاء الموانع؛ فهذا النكاح صحيح.
الثانية: أن يوجد مع المانع وفقد الشرائط، فهو باطل، لا يقر عليه.
الثالثة: أن يوجد مع الخلو عن الموانع، ولكن مع اختلال الشرائط: كفقد الولي، أو الشهود، أو اللفظ الخاص، وهي معفو عنها؛ فيقر عليه [بعد] الإسلام.
فعلى الأول: إن قلنا بالفساد، أو بالوقف، لا مهر لكل امرأة غير مدخول بها، اندفع نكاحها بإسلام الرجل، ولا متعة.
وإن قلنا بالصحة، وجب نصف المهر المسمى إن كان صحيحاً، ونصف مهر المثل إن كان فاسداً، والمتعة إن لم يسم شيئاً.
وقال الشيخ أبو حامد الأسفراييني: لا مهر للمندفعة، ولم يحك فيه خلافاً، ولم ينبه على الخلاف في صحة أنكحتهم.
أما إذا كان الاندفاع بإسلامها، فلا شيء لها في المهر، وكذلك المتعة؛ لأن الفراق جاء من جهتها؛ كما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى.
وقد روي فيه قول: أنه يجب لها نصف المهر؛ لأنها محسنة بالإسلام؛ فكان من حقه أن يوافقها، فإذا امتنع نسب الفراق إلى تخلفه.
والظاهر الأول:
ثم عن القفال [أنه عد] من صور الاندفاع: ما إذا نكح المشرك محرماً له، ثم أسلم، وجعل وجوب نصف المهر على القولين.
стр. 6369
ورأى الإمام القطع بأنه لا شيء للمحرم من المهر، وقال: لا نقول بأن العقد انعقد عليها، ثم اندفع وانفسخ بالإسلام.
قال الرافعي: والمطلق في إطلاق الغزالي وغيره- الأول.
رجعنا إلى مسألة الكتاب، وهي ما إذا أسلم وتحته أم وبنت، وأسلمتا معه- أي: في حالة واحدة- فإن كان قد دخل بهما، انفسخ نكاحهما، أي: وحرمتا على التأبيد:
أما نكاح البنت؛ فبالدخول بالأم.
[وأما] نكاح الأم؛ فبالدخول بالبنت، وبالعقد عليها؛ إن قلنا بصحة أنكحتهم، ولكل واحدة منهما المسمى الصحيح إن قلنا بصحة أنكحتهم، وإلا فمهر المثل.
[قال:] وإن لم يدخل بواحدة منهما، ففيه قولان:
أحدهما- وهو اختيار المزني-: أنه يثبت نكاح البنت، ويبطل نكاح الأم.
والثاني: وهو الأصح-: أنه يختار أيتهما شاء، وينفسخ نكاح الأخرى، وهما مبنيان عند جماهير الأصحاب على الخلاف في صحة أنكحتهم وفسادها؛ إن صححناها تعينت البنت، وإلا تخير.
وقضية هذا البناء ترجيح [هذا] القول الذي اختاره المزني، وهو تعين البنت، وإليه ذهب الشيخ أبو علي والصيدلاني [والإمام ومن تابعه وصاحب التهذيب، لكن الذي رجحه الشيخ قول التخيير]، وهو اختيار الشيخ أبي حامد ومن تابعه.
وضعف الإمام البناء على قول الفساد، وقال: لم يصر محقق إلى أن نكاح المشرك [لا] حكم له وكيف- يستجيز المستجيز هذا مع المصير إلى إيجاب الإمساك إلا أن يطلق، بل الوجه البناء على قول الصحة والوقف:
стр. 6370
فإن قلنا بالصحة: فسخنا نكاح الأم، وأثبتنا نكاح البنت.
وإن قلنا بالوقف؛ فحقيقته أنا عند الاتصال بالإسلام، نتبين تصحيح ما يقع عليه الاختيار؛ فيسند إلى حالة النكاح في الشرك.
فعلى هذا: لا يثبت القول بصحة [النكاح للبنت]؛ كما لا يقطع به نكاح الأم، فإذا أسلموا أجزناه.
وإلى هذا البناء ميل ابن الصباغ والشيخ في المهذب.
ومن أصحابنا من قال: القولان مبنيان على القولين في أن الاختيار ابتداء نكاح أو استدامة؟
وقال الصيدلاني: إنه تتعين البنت للإمساك، ويبطل نكاح الأم قولاً واحداً.
وفرّع ابن الحداد حكم المهر على القولين، [فقال]: إن قلنا بالتخيير، فللمفارقة نصف المهر؛ لأنه رفع نكاحها بإمساك الأخرى.
فإن قلنا بتعين البنت، فلا مهر للأم؛ لأن نكاحها اندفع بغير اختياره؛ لأن التخيير مبني على أن أنكحتهم فاسدة، فالتي فارقها كأنه لم ينكحها قط حتى يجوز لابنه أن ينكحها، وإذا لم يكن نكاح ولا دخول، فلا مهر.
وإن عين البنت فللأم نصف المهر؛ لصحة نكاحها واندفاعه بالإسلام.
ومال الإمام إلى أنه لا يجب المهر على هذا- أيضاً- لأنه صح نكاح البنت؛ فتصير الأم محرماً، وإيجاب المهر للمحرم بعيد؛ وهذا بناءً على أصله في أن المحرم لا يستحق المهر كما تقدم.
قال: وإن دخل بالبنت دون الأم، ثبت نكاح البنت؛ لأنه لم يدخل بالأم، والعقد عليها لا يحرم البنت، وانفسخ نكاح الأم؛ لأنها حرمت بالدخول بالبنت وبالعقد عليها- أيضاً- إن قلنا بصحة أنكحتهم، [ولا مهر للأم] على قول ابن الحداد.
وعلى طريقة القفال يجب نصف المهر إذا صححنا أنكحتهم.
قال: وإن دخل بالأم دون البنت، ففيه قولان:
стр. 6371
أحدهما: ينفسخ نكاحهما، وحرمتا [عليه] على التأبيد؛ وهذا تفريع على [القول بصحة] أنكحتهم.
أما تحريم الأم؛ فبالعقد على البنت.
وتحريم البنت بالدخول بالأم.
والثاني- وهو الصحيح-: أنه يثبت نكاح الأم؛ إذ لا مفسد له، وينفسخ نكاح البنت بالدخول بالأم؛ وهذا تفريع على قول الوقف أو الفساد على ما تقدم.
قال: وإن أسلم [الحر] وتحته أربع إماء، فأسلمن معه- أي: في حالة واحدة، [قبل الدخول] أو في العدة بعد الدخول- فإن كان ممن يحل له نكاح الإماء اختار واحدة منهن؛ لأنه يجوز أن يبتدئ نكاحها؛ فجاز اختيارها؛ كالحرة، وينفسخ نكاح البواقي.
وحكى في "التتمة" قولاً: أنه يثبت نكاح الأربع إماء؛ [بناء] على أن الاختيار يلحق بالاستدامة اعتباراً بالرجعة.
قال الشيخ في المهذب: الفرق بينه وبين الرجعة أن الرجعة [سد] ثلمة في النكاح، والاختيار إثبات نكاح في المرأة؛ فصار كابتداء العقد.
وإن كان ممن لا يحل له نكاح الإماء انفسخ نكاحهن؛ لأنه لا يجوز له ابتداء نكاح واحدة منهن؛ فلا يجوز له اختيارها؛ كالمعتدة من غيره، وذوات المحارم.
ويجري فيه الوجه المحكي في "التتمة"، وهو مذهب أبي ثور.
أما إذا لم يسلمن، فإنه لا يختار واحدة منهن، سواء كن وثنيات أو كتابيات؛ إذ نكاح [الأمة] الكتابية غير جائز.
قال: [فإن] نكح حرة وإماء وأسلمت الحرة معه، ثبت نكاحها، وانفسخ نكاح الإماء؛ لأنه لا يجوز أن يبتدئ نكاح أمة مع وجود حرة؛ فلا يجوز أن يختارها.
стр. 6372
وفيه الوجه المحكي في "التتمة".
وإن لم تسلم الحرة وأسلم الإماء وقف أمرهن على إسلام الحرة، فإن أسلمت قبل انقضاء العدة، لزم نكاحها- أي: على المذهب- وانفسخ نكاح الإماء؛ لأن الإسلام في العدة بمنزلة المقارن.
وهكذا الحكم فيما لو أسلم على إماء، فتخلفت واحدة منهن، ثم أعتقت، وأسلمت في العدة؛ فإنه يثبت نكاحها ويندفع نكاح الإماء.
قال: وإن لم تسلم حتى انقضت العدة، كان له أن يختار واحدة من الإماء؛ إذ ظهر أنها بانت باختلاف الدين فأشبهت ما إذا تمحضت الإماء.
[وهكذا الحكم فيما لو ماتت قبل الإسلام].
فرع: لو اختار واحدة من الإماء قبل إسلام الحرة، ثم ماتت الحرة، أو لم تسلم حتى انقضت العدة، نقل المزني في المختصر: أنها تثبت.
قال الإمام: فمن الأصحاب من غلطه، والصحيح صحة النقل، وحكمه على القولين في وقف العقود.
قال: وإن أسلم وتحته إماء، وهو موسر، فلم يسلمن حتى أعسر، ثم أسلمن- كان له أن يختار واحدة منهن، هذا نصه؛ لأنه لما عسر اعتبار الشرائط حالة العقد، كان أولى الأوقات باعتبارها حالة الاختيار، وذلك حالة الاجتماع في الإسلام، فإن الأمة لو تخلفت، وأسلم الزوج، فاختيارها غير ممكن وإن كانت كتابية؛ فإن الأمة الكتابية لا تكون منكوحة لمسلم؛ وإن أسلمت الأمة، وتخلف الزوج، فاختيار الكافر المسلمة محال؛ فتعين اعتبار أول حالة الاجتماع في الإسلام؛ فإنه أول الإمكان.
فإن قيل: أليس قلتم: لو كان تحته حرة وإماء، فتأخر الإماء، وماتت الحرة بعد أن أسلمت، ثم أسلم الإماء- لم يكن له أن يختار واحدة منهن، وإن كان- وقت الاختيار- ليس تحته حرة، وكل من عدم اليسار وفقد الحرة من شرائط صحة نكاح الأمة؟
فالجواب: أن من الأصحاب من نقل جواب كل مسألة إلى الأخرى، وجعلهما على قولين.
стр. 6373
ومنهم من فرق بوجوه:
أحدها: أن حكم نكاح الحرة بعد موتها باق؛ بدليل الإرث، وجواز تغسيلها ووجوب الكفن عليه على رأي، وليس لليسار الفائت حكم حتى يقام الأثر مقام المؤثر.
والثاني: أن المرأة إذا أسلمت وتعينت حُسِبَتْ على الزوج ولم يؤثر موتها، ألا ترى أنه لو أسلم وتحته خمس نسوة، ثم أسلمت واحدة، فاختارها، ثم أسلمت البواقي، لم يكن له إمساكهن، وإنما يمسك ثلاثاً منهن.
والثالث قاله الإمام: أن الأمر في الحرة أعظم وأظهر من اليسار؛ فلا ينزل منزلتها، ألا ترى أنه لو كان في نكاحه حرة رتقاء أو غائبة- لم ينكح الأمة، ولو كان ماله غائباً لا يصل إليه إلا بعد زمان طويل يجوز له نكاح الأمة؛ هذا آخر كلامه في الفرق.
ونقل عن أبي يحيى البلخي: أن المعتبر في اليسار والإعسار وجوب العنت حالة إسلام أحدهما، ولا يعتبر حالة الاجتماع، حتى لو نكح أمة في الشرك- مثلاً- ثم أسلم وهي متخلفة، ولما أسلم كان معسرً خائفاً من العنت، ثم أسلمت وهو موسر وذلك في العدة- فله إمساك الأمة.
قال الإمام: وهذا الذي ذكره سخيف لا يساوي الذكر، ولو أسلم وأسلمت معه واحدة، ثم أسلمت الباقيات، وهو معسر، كان له أن يختار واحدة من الباقيات.
وقال ابن الصباغ: ليس له أن يختار واحدة منهن؛ لأن بإسلام الأولة دخل وقت الاختيار؛ ألا ترى أنه لو كان معسراً- كان له أن يختارها، فإذا كان موسراً، فقد بطل اختياره.
ولو أسلم وتحته ثلاث إماء، فأسلمت واحدة معه وهو معسر، ثم أسلمت ثانية وهو موسر، ثم أسلمت الثالثة وهو معسر، فيندفع نكاح الثانية، ويتخير بين الأولى والثالثة؛ وهذا مبني على ظاهر المذهب.
فرع: لو أسلم معه واحدة من الإماء، فله أن يختارها للبقاء دون الفسخ.
قلت: وكان يحتمل ألَّا يصح اختيارها للبقاء- أيضاً- لاحتمال أن تُفيق
стр. 6374
واحدةٌ من الباقيات، ثم تسلم قبل انقضاء عدتها، فإنه يندفع بذلك نكاح الإماء ويصير ذلك كما لو أسلم وتحته حرة وأمة، وأسلمت الحرة، وتخلفت الأمة.
قال: لو أسلم عبد وعنده أربع نسوة، وأسلمن معه، اختار منهن اثنتين، سواء كن حرائر أو إماء؛ إذ لا يجمع بين أكثر منهما؛ كما تقدم ذكره؛ فالزيادة عليهما في حقه كالزيادة على الأربع في حق الحر، وقد تقدم حكم ذلك.
فرع: إذا كن حرائر، هل يثبت الخيار لمن اختارها بعد الإسلام؟ فيه وجهان:
أظهرهما:- على ما ذكره الإمام والمتولي- المنع؛ لأنها رضيت برقِه أولاً ولم يحدث فيها عتق.
والثاني: يثبت؛ لأن الرق نقص في الإسلام؛ من حيث إن الحر لا يساوي الرقيق في الأحكام، وفي الشرك لا يتميز الحر عن الرقيق؛ وهذا ظاهر النص.
قال الداركي: وهذا الخلاف في أهل الحرب، فأما الذمية مع الذمي، فلا خيار لها؛ لأنها رضيت بأحكامنا.
قال: فإن أسلم، وأعتق ثم أسلمن؛ أو أسلمن ثم عتق، ثم أسلم- ثبت نكاح الأربع- أي: إذا كن حرائر- لأن الاعتبار بوقت الاختيار، وهو فيه ممن يحل له الجمع بين أربع نسوة، وهكذا الحكم فيما لو أسلم معه واحدة، ثم أعتق ثم أسلمت الباقيات.
وعن القاضي ابن كج أن أبا الحسين حكى وجهاً: أنه لا يثبت نكاح الأربع، ويختار منهن اثنتين.
أما لو أسلم معه اثنتان، ثم عتق، ثم أسلمت الباقيات، فليس له إلا اختيار اثنتين، إما الأوليين أو الباقيتين، أو واحدة من الأوليين وواحدة من الباقيتين.
والفرق بين هذه الصورة وبين الصورة الأولى على المذهب: أنه إذا لم تسلم إلا واحدة، لم تكمل عدة العبيد، فإذا أسلمت اثنتان، ثم عتقن، فقد كمل عدد العبيد قبل العتق، فحدوث الحرية من بعد لا يفيد زيادة عليه.
وشبه الأصحاب الصورتين بما إذا طلق العبد امرأته طلقتين، ثم عتق، لم يملك بالعتق طلقة ثالثة، ولم يكن له نكاحها إلا بمحلل. ولو طلقها طلقة، ثم
стр. 6375
عتق، ونكحها أو راجعها، ملك الطلقتين.
أما إذا كن الأربع إماء أسلمن، ولم يعتق، فلا يختار إلا واحدة بشرائط نكاح الأمة.
ولو أسلم معه اثنتان- والصورة هذه- ثم عتق، ثم أسلمت المتخلفات- لم يكن له إمساك الأربع، بل له اختيار اثنتين، ولا يجوز اختيار المتخلفتين، ويجوز اختيار الأوليين، وهل يجوز أن يختار واحدة من الأوليين وواحدة من الأخريين؟ فيه وجهان:
أصحهما: المنع.
وعن القاضي الحسين: أنه يجوز اختيار الأخريين.
ولو أسلمت معه واحدة، ثم عتق، ثم أسلمت الباقيات، ولم يعتقن- قال في التتمة: لا يختار إلا واحدة على ظاهر المذهب، وهذا هو الجواب في التهذيب.
قال الرافعي: لكن قياس الأصل الذي سبق أن يجوز له اختيار اثنتين؛ لأنه لم يستوف عدد العبيد قبل العتق.
وإذا قلنا: إنه لا يختار إلا واحدة، تتعين التي سبق إسلامها؛ كذا ذكره في التهذيب والتتمة.
وقال في التتمة: وعلى طريقة القاضي يختار واحدة من الجملة.
وعكس الإمام؛ فحكى عن القاضي: أن الأولى تتعين، وعده هفوة منه.
وعن سائر الأصحاب: أنه يختار من الجملة واحدة.
أما إذا عتقت البواقي في صورة إسلام الواحدة، ثم أسلمن- قال في التهذيب: له إمساك الكل.
قال: وإن أسلم الزوجان، وبينهما نكاح متعة، أو نكاح شرط فيه خيار الفسخ متى شاءا أو شاء أحدهما، لم يقرا عليه.
أما في المسألة الأولى، فلأنه إن كان بعد انقضاء المدة، لم يبق نكاح حتى يقرا عليه، وإن كان قبل انقضائها، فلم يعتقدا تأبيده، والنكاح عقد مؤبد.
следующие страницы →