Полный текст (9 685 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.
стр. 6371
أحدهما: ينفسخ نكاحهما، وحرمتا [عليه] على التأبيد؛ وهذا تفريع على [القول بصحة] أنكحتهم.
أما تحريم الأم؛ فبالعقد على البنت.
وتحريم البنت بالدخول بالأم.
والثاني- وهو الصحيح-: أنه يثبت نكاح الأم؛ إذ لا مفسد له، وينفسخ نكاح البنت بالدخول بالأم؛ وهذا تفريع على قول الوقف أو الفساد على ما تقدم.
قال: وإن أسلم [الحر] وتحته أربع إماء، فأسلمن معه- أي: في حالة واحدة، [قبل الدخول] أو في العدة بعد الدخول- فإن كان ممن يحل له نكاح الإماء اختار واحدة منهن؛ لأنه يجوز أن يبتدئ نكاحها؛ فجاز اختيارها؛ كالحرة، وينفسخ نكاح البواقي.
وحكى في "التتمة" قولاً: أنه يثبت نكاح الأربع إماء؛ [بناء] على أن الاختيار يلحق بالاستدامة اعتباراً بالرجعة.
قال الشيخ في المهذب: الفرق بينه وبين الرجعة أن الرجعة [سد] ثلمة في النكاح، والاختيار إثبات نكاح في المرأة؛ فصار كابتداء العقد.
وإن كان ممن لا يحل له نكاح الإماء انفسخ نكاحهن؛ لأنه لا يجوز له ابتداء نكاح واحدة منهن؛ فلا يجوز له اختيارها؛ كالمعتدة من غيره، وذوات المحارم.
ويجري فيه الوجه المحكي في "التتمة"، وهو مذهب أبي ثور.
أما إذا لم يسلمن، فإنه لا يختار واحدة منهن، سواء كن وثنيات أو كتابيات؛ إذ نكاح [الأمة] الكتابية غير جائز.
قال: [فإن] نكح حرة وإماء وأسلمت الحرة معه، ثبت نكاحها، وانفسخ نكاح الإماء؛ لأنه لا يجوز أن يبتدئ نكاح أمة مع وجود حرة؛ فلا يجوز أن يختارها.
стр. 6372
وفيه الوجه المحكي في "التتمة".
وإن لم تسلم الحرة وأسلم الإماء وقف أمرهن على إسلام الحرة، فإن أسلمت قبل انقضاء العدة، لزم نكاحها- أي: على المذهب- وانفسخ نكاح الإماء؛ لأن الإسلام في العدة بمنزلة المقارن.
وهكذا الحكم فيما لو أسلم على إماء، فتخلفت واحدة منهن، ثم أعتقت، وأسلمت في العدة؛ فإنه يثبت نكاحها ويندفع نكاح الإماء.
قال: وإن لم تسلم حتى انقضت العدة، كان له أن يختار واحدة من الإماء؛ إذ ظهر أنها بانت باختلاف الدين فأشبهت ما إذا تمحضت الإماء.
[وهكذا الحكم فيما لو ماتت قبل الإسلام].
فرع: لو اختار واحدة من الإماء قبل إسلام الحرة، ثم ماتت الحرة، أو لم تسلم حتى انقضت العدة، نقل المزني في المختصر: أنها تثبت.
قال الإمام: فمن الأصحاب من غلطه، والصحيح صحة النقل، وحكمه على القولين في وقف العقود.
قال: وإن أسلم وتحته إماء، وهو موسر، فلم يسلمن حتى أعسر، ثم أسلمن- كان له أن يختار واحدة منهن، هذا نصه؛ لأنه لما عسر اعتبار الشرائط حالة العقد، كان أولى الأوقات باعتبارها حالة الاختيار، وذلك حالة الاجتماع في الإسلام، فإن الأمة لو تخلفت، وأسلم الزوج، فاختيارها غير ممكن وإن كانت كتابية؛ فإن الأمة الكتابية لا تكون منكوحة لمسلم؛ وإن أسلمت الأمة، وتخلف الزوج، فاختيار الكافر المسلمة محال؛ فتعين اعتبار أول حالة الاجتماع في الإسلام؛ فإنه أول الإمكان.
فإن قيل: أليس قلتم: لو كان تحته حرة وإماء، فتأخر الإماء، وماتت الحرة بعد أن أسلمت، ثم أسلم الإماء- لم يكن له أن يختار واحدة منهن، وإن كان- وقت الاختيار- ليس تحته حرة، وكل من عدم اليسار وفقد الحرة من شرائط صحة نكاح الأمة؟
فالجواب: أن من الأصحاب من نقل جواب كل مسألة إلى الأخرى، وجعلهما على قولين.
стр. 6373
ومنهم من فرق بوجوه:
أحدها: أن حكم نكاح الحرة بعد موتها باق؛ بدليل الإرث، وجواز تغسيلها ووجوب الكفن عليه على رأي، وليس لليسار الفائت حكم حتى يقام الأثر مقام المؤثر.
والثاني: أن المرأة إذا أسلمت وتعينت حُسِبَتْ على الزوج ولم يؤثر موتها، ألا ترى أنه لو أسلم وتحته خمس نسوة، ثم أسلمت واحدة، فاختارها، ثم أسلمت البواقي، لم يكن له إمساكهن، وإنما يمسك ثلاثاً منهن.
والثالث قاله الإمام: أن الأمر في الحرة أعظم وأظهر من اليسار؛ فلا ينزل منزلتها، ألا ترى أنه لو كان في نكاحه حرة رتقاء أو غائبة- لم ينكح الأمة، ولو كان ماله غائباً لا يصل إليه إلا بعد زمان طويل يجوز له نكاح الأمة؛ هذا آخر كلامه في الفرق.
ونقل عن أبي يحيى البلخي: أن المعتبر في اليسار والإعسار وجوب العنت حالة إسلام أحدهما، ولا يعتبر حالة الاجتماع، حتى لو نكح أمة في الشرك- مثلاً- ثم أسلم وهي متخلفة، ولما أسلم كان معسرً خائفاً من العنت، ثم أسلمت وهو موسر وذلك في العدة- فله إمساك الأمة.
قال الإمام: وهذا الذي ذكره سخيف لا يساوي الذكر، ولو أسلم وأسلمت معه واحدة، ثم أسلمت الباقيات، وهو معسر، كان له أن يختار واحدة من الباقيات.
وقال ابن الصباغ: ليس له أن يختار واحدة منهن؛ لأن بإسلام الأولة دخل وقت الاختيار؛ ألا ترى أنه لو كان معسراً- كان له أن يختارها، فإذا كان موسراً، فقد بطل اختياره.
ولو أسلم وتحته ثلاث إماء، فأسلمت واحدة معه وهو معسر، ثم أسلمت ثانية وهو موسر، ثم أسلمت الثالثة وهو معسر، فيندفع نكاح الثانية، ويتخير بين الأولى والثالثة؛ وهذا مبني على ظاهر المذهب.
فرع: لو أسلم معه واحدة من الإماء، فله أن يختارها للبقاء دون الفسخ.
قلت: وكان يحتمل ألَّا يصح اختيارها للبقاء- أيضاً- لاحتمال أن تُفيق
стр. 6374
واحدةٌ من الباقيات، ثم تسلم قبل انقضاء عدتها، فإنه يندفع بذلك نكاح الإماء ويصير ذلك كما لو أسلم وتحته حرة وأمة، وأسلمت الحرة، وتخلفت الأمة.
قال: لو أسلم عبد وعنده أربع نسوة، وأسلمن معه، اختار منهن اثنتين، سواء كن حرائر أو إماء؛ إذ لا يجمع بين أكثر منهما؛ كما تقدم ذكره؛ فالزيادة عليهما في حقه كالزيادة على الأربع في حق الحر، وقد تقدم حكم ذلك.
فرع: إذا كن حرائر، هل يثبت الخيار لمن اختارها بعد الإسلام؟ فيه وجهان:
أظهرهما:- على ما ذكره الإمام والمتولي- المنع؛ لأنها رضيت برقِه أولاً ولم يحدث فيها عتق.
والثاني: يثبت؛ لأن الرق نقص في الإسلام؛ من حيث إن الحر لا يساوي الرقيق في الأحكام، وفي الشرك لا يتميز الحر عن الرقيق؛ وهذا ظاهر النص.
قال الداركي: وهذا الخلاف في أهل الحرب، فأما الذمية مع الذمي، فلا خيار لها؛ لأنها رضيت بأحكامنا.
قال: فإن أسلم، وأعتق ثم أسلمن؛ أو أسلمن ثم عتق، ثم أسلم- ثبت نكاح الأربع- أي: إذا كن حرائر- لأن الاعتبار بوقت الاختيار، وهو فيه ممن يحل له الجمع بين أربع نسوة، وهكذا الحكم فيما لو أسلم معه واحدة، ثم أعتق ثم أسلمت الباقيات.
وعن القاضي ابن كج أن أبا الحسين حكى وجهاً: أنه لا يثبت نكاح الأربع، ويختار منهن اثنتين.
أما لو أسلم معه اثنتان، ثم عتق، ثم أسلمت الباقيات، فليس له إلا اختيار اثنتين، إما الأوليين أو الباقيتين، أو واحدة من الأوليين وواحدة من الباقيتين.
والفرق بين هذه الصورة وبين الصورة الأولى على المذهب: أنه إذا لم تسلم إلا واحدة، لم تكمل عدة العبيد، فإذا أسلمت اثنتان، ثم عتقن، فقد كمل عدد العبيد قبل العتق، فحدوث الحرية من بعد لا يفيد زيادة عليه.
وشبه الأصحاب الصورتين بما إذا طلق العبد امرأته طلقتين، ثم عتق، لم يملك بالعتق طلقة ثالثة، ولم يكن له نكاحها إلا بمحلل. ولو طلقها طلقة، ثم
стр. 6375
عتق، ونكحها أو راجعها، ملك الطلقتين.
أما إذا كن الأربع إماء أسلمن، ولم يعتق، فلا يختار إلا واحدة بشرائط نكاح الأمة.
ولو أسلم معه اثنتان- والصورة هذه- ثم عتق، ثم أسلمت المتخلفات- لم يكن له إمساك الأربع، بل له اختيار اثنتين، ولا يجوز اختيار المتخلفتين، ويجوز اختيار الأوليين، وهل يجوز أن يختار واحدة من الأوليين وواحدة من الأخريين؟ فيه وجهان:
أصحهما: المنع.
وعن القاضي الحسين: أنه يجوز اختيار الأخريين.
ولو أسلمت معه واحدة، ثم عتق، ثم أسلمت الباقيات، ولم يعتقن- قال في التتمة: لا يختار إلا واحدة على ظاهر المذهب، وهذا هو الجواب في التهذيب.
قال الرافعي: لكن قياس الأصل الذي سبق أن يجوز له اختيار اثنتين؛ لأنه لم يستوف عدد العبيد قبل العتق.
وإذا قلنا: إنه لا يختار إلا واحدة، تتعين التي سبق إسلامها؛ كذا ذكره في التهذيب والتتمة.
وقال في التتمة: وعلى طريقة القاضي يختار واحدة من الجملة.
وعكس الإمام؛ فحكى عن القاضي: أن الأولى تتعين، وعده هفوة منه.
وعن سائر الأصحاب: أنه يختار من الجملة واحدة.
أما إذا عتقت البواقي في صورة إسلام الواحدة، ثم أسلمن- قال في التهذيب: له إمساك الكل.
قال: وإن أسلم الزوجان، وبينهما نكاح متعة، أو نكاح شرط فيه خيار الفسخ متى شاءا أو شاء أحدهما، لم يقرا عليه.
أما في المسألة الأولى، فلأنه إن كان بعد انقضاء المدة، لم يبق نكاح حتى يقرا عليه، وإن كان قبل انقضائها، فلم يعتقدا تأبيده، والنكاح عقد مؤبد.
стр. 6376
أما إذا اعتقداه مؤبداً، فيقرا عليه.
وأما في المسألة الثانية؛ [فلأنهما لا يعتقدان] لزوم النكاح، والنكاح عقد لازم.
ولو طلق المشرك امرأته ثلاثاً، ثم تزوجها قبل أن تنكح زوجاً غيره، ثم أسلما، لم يقرا عليه؛ لأنها لا تحل له قبل [أن يتزوجها زوج آخر] فلم يقرا عليه، كما لو أسلم وتحته ذات محرم.
قلت: لو خرج ذلك على القولين في أن نكاحهم صحيح أو فاسد؟ لم يبعد.
قال: وإن أسلما وقد تزوجها في العدة، أو بشرط خيار الثلاث، فإن أسلما قبل انقضاء العدة، أو قبل انقضاء مدة الثلاث، أقرا عليه:
أما في المسألة الأولى؛ فلأنها إذا لم تكن منقضية، لم يجز ابتداء النكاح عليها؛ فلم يجز التقرير؛ لأنا نعتبر حالة الاجتماع في الإسلام، ونقدر أن العقد إذ ذاك وجد.
وإذا كانت منقضية، جاز ابتداء العقد عليها؛ فجاز التقرير.
وخصص في "الرقم" هذا التفصيل بعدة النكاح [وأما إذا نكح معتدة عن الشبهة، ثم أسلما والعدة باقية، قال: يقران على النكاح]؛ لأن الإسلام لا ينفي دوام النكاح مع عدة الشبهة؛ فلا يعترض عليه إذا لاقاه.
قال الرافعي: ولم يتعرض لهذا الفرق أكثرهم، والإطلاق يوافق اعتبار التقرير بالابتداء.
وأما في المسألة الثانية؛ فلأنهما في المدة، لم يعتقداه على صفة اللزوم فيها، ونحن وإن لم نراع في عقودهم الجارية في الشرك- شرائطَ الإسلام، فلا نثبت
стр. 6377
ما لم يثبتوه بعد [انقضاء مدة الخيار] يعتقدان لزومه، فانتفى المانع.
تنبيه: حكم مقارنة الخيار- والعدة إسلام أحدهما- حكم مقارنة إسلامهما؛ حتى لو أسلم أحدهما والعدة باقية، أو مدة الخيار باقية، ثم أسلم الآخر وقد انقضت- فلا يقران، هكذا حكاه الإمام عن الصيدلاني، ووافقه عليه، [وبه أجاب] الغزالي، وصاحب التهذيب.
وعن القاضي الحسين: أنه لا يندفع النكاح بمقارنة العدة أو مدة الخيار؛ لإسلام أحدهما؛ لأن وقت الاختيار والإمساك هو وقت الاجتماع على الإسلام، فليكن النظر إليه.
فرع: لو وطئت بشبهة، ثم أسلما وهي معتدة عن وطء [الشبهة]، أو سبق الزوج بالإسلام، ثم أحرم، ثم أسلمت المرأة- أقرا على النكاح، على أصح الوجهين.
والوجهان بناهما جماعة من الأئمة على أن الاختيار والإمساك [لعقد] جرى في الشرك- جارٍ مجرى استدامة النكاح أو مجرى ابتدائه؟ وفيه قولان مستنبطان.
قال صاحب التتمة: وهذه القاعدة في التحقيق مبنية على أن أنكحتهم في الشرك صحيحة أم لا؟ فإن قلنا: إنها صحيحة، فالاختيار استدامة، وإلا فهو جار مجرى الابتداء.
لكن هذا البناء يقتضي أن يكون جريانها مجرى الاستدامة أظهر؛ لأن الصحيح صحة أنكحتهم، والمشهور في كلام الأصحاب ترجيح جريانه مجرى الابتداء، ونسبوا قول الاستدامة إلى أبي ثور. قال: وإن قهر حربي حربية على الوطء، أو طاوعته، ثم أسلما، فإن اعتقدا ذلك نكاحاً، أقرا عليه؛ لأنه نكاح لهم فيمن يجوز ابتداء نكاحها؛ فأقرا عليه؛ كالنكاح بلا ولي ولا شهود.
وقال القفال: لا [يقران عليه؛ إذ لا أقل من صورة العقد.
وإن لم يعتقداه نكاحاً، لم] يقرا عليه؛ لأنه ليس بنكاح في معتقدنا ولا معتقدهم.
стр. 6378
وتخصيص الشيخ المسألة بالحربي؛ ليخرج ما لو قهر ذمي ذمية، ثم أسلما؛ فإنهما لا يقران عليه وإن اعتقداه نكاحاً؛ لأن على الإمام أن يدفع بعضهم عن بعض، بخلاف أهل الحرب.
والمستأمنون ليسوا كأهل الذمة في ذلك؛ إذ ليس على الإمام منع بعضهم من بعض، وإنما يلزمه بحكم الأمان أن يمنع عنهم من عليهم أحكام الإسلام.
فرع: لو أسلما على عقد نكاح يعتقدان فساده، قال الإمام: تردد فيه شيخي، والذي أراه: أنه، لا يقران على ما اعترفا بفساده؛ إذا كان فاسداً في ديننا أيضاً، أما إذا كان صحيحاً في ديننا؛ فيتجه تقريرهما عليه إذا أسلما.
قال: وإن ارتد الزوجان المسلمان- أي: إما معاً، أو على التعاقب- فإن كان ذلك قبل الدخول، تعجلت الفرقة، وإن كان بعد الدخول، وقفت الفرقة على انقضاء العدة، فإن اجتمعا على الإسلام قبل انقضائها، فهما على النكاح، وإن لم يجتمعا حتى انقضت العدة، حكم بالفرقة؛ لأنه انتقال من دين إلى دين يمنع ابتداء النكاح؛ فكان حكمه ما ذكرناه؛ كما لو أسلم أحد الزوجين الوثنيين.
فرعان:
أحدهما: لو ارتد الرجل بعد الدخول، ثم أسلم، واختلفا؛ فقال الرجل: عدت إلى الإسلام قبل انقضاء العدة؛ فالنكاح قائم، وقالت المرأة: [بل] بعدها- فالحكم كما إذا اختلف الزوجان في إسلامه بعد إسلامها، وقد مرَّ.
الثاني: لو طلقها في زمن التوقف، أو ظاهر عنها أو آلى، توقفنا، [فإن] جمعهما الإسلام قبل انقضاء العدة- تبينَّا صحتها، وإلا فلا.
قلت: والوجه الذي حكاه الإمام عن بعض الأصحاب فيما إذا أسلم أحد الزوجين بعد الدخول، وطلق في زمن التوقف: أن الطلاق يخرج على وقف العقود- يتجه جريانه هنا.
وليس للزوج في مدة التوقف بسبب الردة أو الإسلام أن ينكح أختها، ولا عمتها، ولا خالتها، ولا أربعاً سواها، ولا أمة، وإن كان ممن يجوز له نكاح الأمة؛ لاحتمال إسلامها، واستقرار النكاح به.
стр. 6379
نعم: لو طلقها ثلاثاً في زمن التوقف، أو خالعها، جاز له ذلك.
قال: وإن انتقل المشرك من دين إلى دين يقرّ أهله عليه- أي: والأول كذلك- كما إذا تهود النصراني، [أو تنصر اليهودي]- ففيه قولان:
أحدهما: يقرّ عليه؛ لأنه دين يقرّ أهله عليه؛ فإذا انتقل إليه أقر عليه؛ كالإسلام؛ [وهذا هو المنصوص في المختصر، والأصح عند القاضي أبي حامد والبغوي].
والثاني: لا يقر عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]؛ ولأنه أحدث ديناً باطلاً بعد اعترافه ببطلانه؛ فلا يقر عليه؛ كما إذا ارتد المسلم، [وهذا أظهر في الحاوي في كتاب الجزية].
وأجاب الأولون عن الآية بأنها محمولة على المسلم إذا ارتد، وفرقوا بينه وبين المرتد بأن المرتد بدل الدين الحق، وهنا هما متساويان [في البطلان] وفي التتمة: أن القولين مبنيان على أن الكفر ملة واحدة، أو ملل مختلفة؟
إن قلنا: ملل، لم يقر. وإلا أقر، كما يقر المسلم إذا انتقل من مذهب إلى مذهب.
قال الرافعي: [ولك] أن تقول: لو كان هذا أصلاً لنا يبنى عليه هذان القولان، لأثبتنا مثلهما قولين في التوارث بين اليهودي والنصراني، وليس كذلك، نعم: قد حكينا أن بعضهم خرج وجهاً في منع التوارث من قولنا: إنه لا يقرّ [عليه]، واستدل به على أن الكفر ملل مختلفة، وفرق بين أن يستدل بقولنا: لا يقر على الاختلاف، وبين أن يقر على الاختلاف.
التفريع:
إن قلنا: يقر، فحكمه حكم المتأصل في جميع الأحكام؛ [إن كان الدينان متساويين، أو الثاني دون الأول: كالنصراني إذا تمجس.
وإن كان الثاني أعلى: كالمجوسي إذا تنصر أو تهود- قيل: يجرى عليه حكم
стр. 6380
الأول أو الثاني؟ فيه وجهان في الحاوي في كتاب الجزية.
وإن قلنا: لا يقر، فكذلك في جميع الأحكام].
قال: وما الذي يقبل منه؟ فيه قولان:
أحدهما: الإسلام- أي: فقط- وهو الأظهر عند الإمام، والأصح في الذخائر؛ للآية، ولأنه أقر ببطلان المنتقل منه، وكان يقر ببطلان المنتقل إليه.
والثاني: الإسلام؛ لأنه الدين الحق، أو الدين الذي كان عليه؛ لأنه كان مقراً عليه.
فلو أبى الإسلام على القول الأول، أو الإسلام والعود إلى ما كان عليه جميعاً على القول الثاني- فقولان [في تعليق القاضي أبي الطيب،] ويقال: وجهان:
أحدهما: أن يقتل كالمرتد، وهو الأصح في الذخائر، [وبه جزم في الحاوي في كتاب السرقة، قال: لأن الإبلاغ إلى المأمن يلزم بانتقاض العهد، وليس هذا منه نقضاً لذمته].
وأشبههما على ما قاله الرافعي: لا، بل يلحق بالمأمن.
ولو انتقل يهودي أو نصراني إلى المجوسية، فهل يقر بالجزية؟ فيه القولان، وحكى طريقة قاطعة بالمنع؛ لكون المنتقل إليه دون الأول.
فإن قلنا: لا يقر؛ فالحكم كما تقدم.
وإن قلنا: يقر، فلا تحل ذبيحته، ولا النكاح إن كان الانتقال من امرأة، ولو كانت في نكاح مسلم تنجزت الفرقة؛ إن كان قبل الدخول، وإلا فإن أسلمت قبل انقضاء العدة، أو عادت إلى ما كانت عليه [وقنعنا به- دام] النكاح بينهما، وإلا بان حصول الفرقة من حيث الانتقال.
ولو انتقل من دين يقر عليه إلى دين لا يقرّ عليه؛ كما إذا توثَّن اليهودي- لم يقرّ عليه؛ لأنه لو كان على هذا الدين في الأصل لم يقر عليه، فأولى إذا انتقل إليه، وهل لا يقبل منه إلا الإسلام، أو يقنع منه بالدين الذي كان عليه، أو بدين يساوي المنتقل عنه؟ فيه ثلاثة أقوال:
стр. 6381
أصحها في المهذب: الأول؛ لأنه اعترف ببطلان كل دين سوى دينه، ثم بالانتقال عنه اعترف ببطلانه؛ فلم يبق إلا الإسلام.
وقال القاضي أبو حامد: الأخير أظهر.
وإذا وجد هذا الانتقال من كتابية تحت مسلم، ينفسخ النكاح؛ إن كان قبل الدخول، وإن كان بعده: فإن رجعت في العدة إلى الدين الذي تقر عليه، استمر النكاح، وإلا تبين ارتفاعه من وقت الانتقال.
ولو انتقل من دين لا يقر عليه إلى دين يقر عليه؛ كالوثني إذا تهود، أو تنصر، أو تمجس- لم يقر عليه [؛ إن كان ذلك بعد مبعث النبي ﷺ ] ولم يقبل منه إلا الإسلام؛ كالمرتد.
وإذا تأملت ما ذكره الشيخ علمت أن الانتقال من دين باطل إلى دين باطل يبطل الفضيلة التي كانت في الأول، ولا يُفيد فضيلة لم تكن في الأول.
تنبيه: حيث [قلنا: لا يجوز أن يقر على الدين المنتقل إليه، ويقنع منه بالعود إلى الدين الذي كان عليه] لا يؤمر بالعود إليه، بل يقال له: لا يقبل منك إلا الإسلام، فإن عاد إلى دينه الأول، لم يتعرض له بعد؛ وهذا كما قلنا فيمن حكم بإسلامه تبعاً للدار؛ [وهذه طريقة أبي إسحاق.
وحكى الماوردي في كتاب الجزية: أن ابن أبي هريرة قال]: إنه يجوز أن يدعى إلى الإسلام وإلى دينه الأول، ولا يكون ذلك أمراً بالعود إلى الكفر، بل يكون إخباراً عن حكم الله تعالى؛ كما ندعوه إلى الجزية، ولا يقال: عرض الجزية أمر بالمقام على الكفر، والله أعلم.
***
стр. 6382
كتاب الصداق
الصَّداق: بفتح الصاد وكسرها.
ويقال: صَدُقة: بفتح الصاد، وضم الدال، وصُدْقة: بضم الصاد وإسكان الدال؛ أربع لغات.
وأصدقتُ المرأة: سميتُ لها صداقاً.
ومهرتها أَمهُرها- بضم الهاء- وأمهرتها لغتان.
وهو اسم للمال الواجب للمرأة على الرجل بالنكاح أو الوطء.
ومجموع أسمائه سبعة، نطق بها الكتاب والسنة:
فأما ما ورد به الكتاب، فأربعة: الصداق، والنحلة، والفريضة، والأجر.
والذي وردت به السنة ثلاثة: المهر، والعقد، والعليقة.
والصداق: مأخوذ من الصدق، وهو الشديد القلب، فكأنه أشد الأعواض ثبوتاً؛ من حيث إنه لا يسقط بالتراضي.
والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع:
قال الله- تعالى- ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، والنحلة: الهبة، وإنما سمي: نحلة؛ لأن كل واحد من الزوجين يستمتع بالآخر؛ فيحصل [للمرأة] [مثل] ما يحصل للرجل من الاستمتاع والألفة، ولعل حظها من الاستمتاع أوفر، لوفرة شهوتها، فجعل الصداق لهن كأنه عطية من غير عوض.
وقيل نحلة، أي: عطية من الله تعالى.
стр. 6383
وقيل: المراد بها الدين، يقال: فلان ينتحل بكذا، والمعنى: وآتوا النساء صدقاتهن تَدَيُّناً.
وروي أن النبي- ﷺ جاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله، أني وهبت نفسي لك، فقام قياماً طويلاً، فقام رجلٌ، فقال: يا رسول الله، زوجينها إن لم يكن لك بها حاجة، فقال- ﷺ : "هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ؟ " فقال: ما عندي إلا إزاري، فقال: "إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ، جَلَسْتَ فَلَا إِزَارَ لَكَ، فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ"، فالْتَمَسَ فلم يَجِدْهُ، فقال: "هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ؟ "، فقال: نعم، سورة كذا، وسورة كذا، فقال- ﷺ : "زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ"، وفي رواية: "زَوَّجْتُكَهَا؛ فَعَلِّمْهَا"، وانعقد الإجماع على ما يصح [جعله] صداقاً: أنه يثبت بالتسمية الصحيحة.
قال: والمستحب ألَّا يعقد النكاح إلا بصداق، اقتداء برسول الله- ﷺ ؛ فإنه لم يعقد نكاحاً إلا وسمي فيه صداقاً؛ على ما حكاه ابن الصباغ والمتولي، وحتى لا يشبه نكاح الواهبة نفسها للنبي- ﷺ وليكون أدفع للخصومة والمنازعة.
وإنما لم يكن [ذلك] واجباً؛ لأن الغرض الأعظم من النكاح- الاستمتاع ولواحقه، وأنه يقوم بالزوجين؛ [فهما الركنان]؛ فيجوز إخلاء النكاح عن الصداق، وقد دل على ذلك- أيضاً- قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وقوله- ﷺ لرجل: "أَتَرْضَى أَنْ أُزَوِّجَكَ فُلَانَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: أَتَرْضَيْنَ أَنْ أُزَوِّجَكِ فُلَاناً؟ " قالت: نعم؛ فزوج أحدهما صاحبه، فدخل بها، ولم يفرض لها صداقاً، ولم يُعْطِها شيئاً، وكان له سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله- ﷺ زوجني فلانةَ، ولم يفرض لها صداقاً، ولم أُعْطِها شيئاً، وإني أشهدكم أني قد
стр. 6384
أعطيتها عن صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهماً، فباعته بمائة ألف درهم"، أخرجه أبو داود.
واعلم: أن هذا الاستحباب ثابت وإن كان الصداق لا يثبت بالتسمية؛ كما إذا زوج عبده من أمته، وقلنا بجوازه، وهو المذهب؛ على ما حكاه البغوي والمتولي في كتاب الصداق.
وقال ابن الصباغ في فصل تزويج العبد: [القديم:] أنه يستحب ذكره.
وفي الجديد: إن شاء ذكره، وإن شاء ترك.
قال: وهذا أصح.
أما إذا قلنا بعدم جوازه؛ كما حكاه الرافعي في كتاب الرضاع وجهاً، أو قلنا يجب، ويسقط على أحد الوجهين، فقد امتنع التصوير.
قال: وما جاز أن يكون ثمناً [في البيع]، جاز أن يكون صداقاً- أي: قل أو كثر- فلا يتقدر بشيء.
وقال أبو ثور: إنه يتقدر بنصاب السرقة، وهو عنده خمسة دراهم.
لنا قوله- ﷺ : "أَدُّوا الْعَلَائِقَ"، قيل: وما العلائق؟ قال: "مَا تَرَاضَى بِهِ الأَهْلُونَ".
وما رُوِي أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال- ﷺ : "رَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟! "، فقالت: نعم، فأجازه. أخرجه الترمذي، وقال فيه:
стр. 6385
حديث حسن صحيح.
ولأنه بدل منفعتها؛ فكان تقدير العوض إليها؛ كأجرة منافعها.
نعم: يستحب ألَّا ينقص عن عشرة دراهم، ولا يزيد على صداق زوجات النبي ﷺ وبناته- ﵅ وهو اثنتا عشرة أوقية ونش على ما روته عائشة.
والنش: نصف أوقية، والأوقية: أربعون درهماً، مجموع ذلك خمسمائة درهم.
وهذا الاستحباب تخاطب به المرأة المالكة لأمر نفسها، والسيد في تزويج أمته، فأما المولى إذا زوج موليته المحجور عليها، فليس له أن ينزل عن مهر مثلها على ما سيأتي بيانه.
قال: فإن ذكر صداقاً في السر، وصداقاً في العلانية، فالصداق ما عقد به العقد، وهذا نصه في الإملاء، واختيار المزني؛ لأن الصداق يجب بالعقد؛ فوجب ما عقد به.
وروى عن الشافعي: أنه قال: المهر مهر السر؛ اعتباراً بما تواضعُوا عليه، واصطلحوا، والألفاظ لا تعني لأعيانها، وإنما يقصد إلى معانيها.
وللأصحاب طريقان:
أحدهما- وهو مذهب العراقيين، والأصح- تنزيل النصين على حالين:
فحيث قال: المهر [مهر] السر، أراد: ما إذا جرى العقد بألف في السر، ثم أتوا بلفظ العقد بألفين في العلانية مع اتفاقهم على بقاء العقد الأول.
стр. 6386
وحيث قال: المهر مهر العلانية، أراد: ما إذا تواعدوا [سرّاً،] ولم يعقوا، وعقدوا في العلانية؛ لأن ما سبق وعد.
والطريق الثاني: إثبات قولين [في] المسألة، وقال المزني: وهو مذهب المراوزة؛ وفي موضعها طريقان مذكوران في النهاية:
أحدهما: أن موضعها ما إذا اتفقوا على ألف، واصطلحوا على أن يعبروا عن الألف في العلانية بألفين.
والثاني: إثبات قولين، سواء اتفقوا على ألف، وجرى العقد بألفين، ولم يتعرضوا لتغيير اللغة، أو التعبير بالألفين عن الألف.
قال الإمام: وعلى هذه القاعدة تجري الأحكام المتلقاة من الألفاظ.
ثم ما المعنى بما أطلقناه من الاتفاق في السر، هل هو مجرد الرضا والتواعد؟ أم المراد ما إذا جرى العقد بألف في السر، ثم عقد بألفين في العلانية؟
قال الرافعي: منهم من يفسره بالأول، وقضية لفظ التهذيب وغيره- إثبات القولين وإن جرى العقدان.
ونقل عن الحناطي طريقاً ثالثاً في المسألة: أن الواجب مهر المثل، ونقد المسمى، وحمل [على] ما إذا جرى العقد بألفين على شرط ألا يلزمه إلا أداء ألف.
وقال الجيلي: إن الخلاف في المسألة يمكن بناؤه على أن الشرط السابق هل هو كالمقارن أم لا؟
وهذا الذي ذكره فيه نظر؛ إذ الخلاف في أن الشرط السابق، هل هو كالمقارن؟ مأخوذ من هنا.
قال: ولا يزوج ابنته الصغيرة- أي: البكر- بأقل من مهر المثل، ولا ابنه الصغير بأكثر من مهر المثل- أي: من مال الطفل- لأن في ذلك إضراراً بالمولى عليه؛ فلا يجوز بيع ماله بدون ثمن المثل.
стр. 6387
وحكم البكر البالغ إذا زوجت بغير إذنها، والمجنونة، والمجنون- حكم الصغيرة في ذلك.
قال: فإن نقص ذلك- أي: مهر البنت- وزاد هذا- أي: مهر زوجة الابن- وجب مهر المثل- أي: لها؛ لصحة النكاح، وبطلان التسمية، وبطلت الزيادة- أي: في المسألة الثانية؛ لأن تصرف الغير للغير منوط بالحظ والمصلحة، ولا حظ، ولا مصلحة في ذلك.
ونقل بعض الخراسانيين قولاً أن النكاح لا يصح، وإليه أشار القاضي؛ لأن النكاح على هذه الصورة لا يكون معقوداً على حكم الغبطة، والعقود المتعلقة بالغير إذا لم تتصف بالغبطة مردودة؛ كما لو زوجها من غير كفء.
وعلله الغزالي بأن الرضا لم يوجد إلا بالمسمى، ولم يثبت، فكيف يصح العقد بدون الرضا؟!
وفي النهاية حكاية قول: أنه إذا زوج ابنته بدون مهر المثل، أن المسمى يثبت، وإن كان قد ادعى إجماع الأصحاب على وجوب مهر المثل، وإن لم يصر أحد إلى انعقاد النكاح بالمقدار الذي سماه في باب التفويض.
وفي الحاوي في كتاب الرضاع عند الكلام في الغرم: أن ذلك مبني على أن الذي بيده عقدة النكاح من هو؟ فإن قلنا: إنه الزوج، لم يصح، وإن قلنا: إنه الولي، ففي جواز تزوجها بأقل من مهر المثل وجهان، والأصح المنع.
وفي الجيلي حكاية وجه عن بحر المذهب: أنه لا يجوز أن [يتزوج الصغير على الصغر]، أما إذا كان المهر من مال الأب، ففيه احتمالان للإمام:
أحدهما: أنه يفسد المسمّى أيضاً؛ إذ ما نجعله صداقاً يدخل في ملك الابن.
والثاني: يصح، وتستحقه المرأة؛ لأن ملكه يحصل ضمناً، فلو لم نصححه، لفات على الابن جميع المهر، ولزم مهر المثل من ماله؛ وهذا ما أورده الغزالي، وصاحب التهذيب.
стр. 6388
وفي [التتمة، و] أمالي أبي الفرج ترجيح الاحتمال الأول.
قلت: وما علل به الاحتمال الثاني من كونه يسقط الكل ممنوع، بل نقول: وجب أن يسقط الزائد على مهر المثل من المسمى؛ كما يسقط إذا كان الصداق من مال الابن- على ما سنذكره-؛ إذ هو الذي يلزم فيه المحظور، وتفريق الصفة جائز على الصحيح.
واعلم أن قول الشيخ- ﵁: بطلت الزيادة، يريد ما إذا زوج ابنه، وسمي لزوجته صداقاً، إما في الذمة، وإما معيناً، فكان الصداق زائداً على مهر المثل، فإن الزوجة تستحق [قدر] مهر المثل من المسمى، وتبطل الزيادة؛ وهذا ما حكاه الرافعي وجهاً ها هنا، وحكى فيما إذا أذن الولي للسيد في التزويج بامرأة معينة، فزوجها، وزاد على مهر المثل: أن الزيادة تسقط، ويجب مهر المثل.
وقال ابن الصباغ: القياس بطلان المسمى، والرجوع إلى مهر المثل.
والفرق: أن على التقدير الأول تستحق الزوجة قدر مهر المثل من المعين، وعلى الثاني يجب مهر المثل في الذمة؛ هذا آخر كلامه، وظاهره التناقض، بل الوجه التسوية بين الصورتين؛ كما ذكره في التهذيب؛ إذ لا فرق بينهما والله أعلم.
فرعان:
أحدهما: لو طلبت ابنته الصغيرة كفء بأكثر في مهر المثل، فزوجها من كفء آخر بمهر المثل، صح، ولا معترض عليه؛ قاله الإمام في أول كتاب الصداق.
الثاني: لو زوج ابنته البكر على صداق، وهو مهر مثلها من معسرٍ من غير رضاها، فالمذهب أنه لا يصح النكاح؛ لأنه بخس لحقها؛ كما لو زوجها من غير كفء، ذكره القاضي الحسين في الفتاوى.
قال: ولا يتزوج السفيه بأكثر من مهر المثل- أي: إذا عين له الولي المرأة أو القبيلة- لأن إذن الولي لا يتناول الزيادة عليه.
стр. 6389
قال: فإن زاد بطلت الزيادة؛ لأنها تبرع، وهو ليس من أهله.
وفي "النهاية" أبدى احتمالاً فيما إذا لم يجد إلا امرأة واحدة، ولم ترض إلا بأكثر من مهر المثل والحاجة حاجة على ما ذكره [وقد فهم مما تقدم معنى قوله: "بطلت الزيادة".
وحكى في "التتمة" طريقة توافق ما أبداه ابن الصباغ: أن المسمى يبطل ويجب] مهر المثل.
قال: وهو القياس، والأول هو ظاهر النص.
وحكى ابن القطان أن بعض الأصحاب خرج وجهاً في بطلان النكاح.
قال: ولا يتزوج العبد بأكثر من مهر المثل، أي: إذا أذن السيد في التزويج، إما من معينة وإما على الإطلاق، ولم يعين له المهر؛ لأن مطلق الإذن لا يتناول إلا مهر المثل فما دونه؛ كما في الإذن في الشراء.
قال: ومهر امرأته في كسبه، وكذا نفقتها إن كان مكتسباً؛ لأنه لا يمكن إيجاب ذلك على السيد؛ لأنه لم يلتزمه، ولم يستوف منفعته.
ولا [يمكن إيجابه] في رقبة العبد؛ لأنه وجب برضا من له الحق.
ولا [يمكن] إيجابه في ذمته إلى أن يعتق؛ لأنه في مقابلة الاستمتاع؛ فلا يجوز تأخيره عنه؛ لما فيه في الإضرار بالمرأة؛ فلم يبق إلا الكسب؛ فتعلق به.
وفي "التهذيب": أن النفقة والمهر على المولى في القديم؛ فلا يطالب به العبد، وإن أعتق أو أفلس السيد، وإن أبرأ السيد برئا [جميعاً].
وفي النهاية: أن السيد يكون ضامناً في القديم، والجديد: أنه ليس بضامن، وأن للعراقيين ثلاثة اقوال:
أحدها: أن السيد لا يصير ملتزماً بالإذن.
والثاني: أنه يصير ملتزماً.
والثالث: [أن يكون العبد] كسوباً فلا يصير [السيد] ملتزماً، [وإن لم
стр. 6390
يكن كسوباً صار] ملتزماً؛ وهذا هو المنقول في "الكتاب"، و"الشامل"، وغيرهما من كتب العراقيين، والمذهب الأول.
وحكى أبو الفرج الزاز على القديم وجهين: أن ذلك وجب على السيد ابتداء، أو يلاقي العبد، ويتحمل عنه السيد.
فعلى الأول: يكون الحكم كما ذكرناه عن التهذيب.
وعلى الثاني: تتوجه المطالبة عليهما جميعاً.
قال الرافعي: وهو الأصح.
قلت: وهو الذي جزم به الإمام [جوابه] عند كلامه في الأب: هل يكون ضامناً لصداق زوجة ابنه الصغير؟
وعلى المذهب: لا فرق في الكسب بين النادر والمعتاد، وفي النادر وجه: أنه لا يتعلق به.
والكسب الذي [يتعلق] به المهر ما يتجدد بعد التزوج؛ [إن كان] المهر حالّاً، وبعد الحلول، إن كان مؤجلاً.
وكيفية صرف الكسب: أن يبدأ منه بالنفقة، ومهما فضل صرف في المهر.
[ويجب على السيد تخلية العبد بالليل؛ ليستمتع بزوجته، وفي النهار؛ ليكتسب المهر] والنفقة، إلا إذا تكفل بذلك.
فإن استخدمه، ولم يلتزم شيئاً، فعليه الغرم، وفيما يغرمه وجهان:
أصحهما: أقل الأمرين من أجرة المثل، وكمال المهر والنفقة.
والثاني: كمال المهر والنفقة.
وهما مبنيان على القولين في قتل العبد الجاني.
وهل الاعتبار بنفقة زمن الاستخدام، أو على الأبد؟ فيه خلاف.
وحكم مسافرته بالعبد حكم استخدامه.
وحكى الإمام عن العراقيين: أنه ليس له أن يسافر به، ولا أن يستخدمه في
стр. 6391
الحضر ما بقيت عليه مؤنة من مؤن النكاح.
قال الرافعي: وجعل المسألة مختلفاً فيها بين الأصحاب، ولا يكاد يتحقق فيها خلاف.
فرع: هل يجوز للعبد أن يؤاجر نفسه للمهر والنفقة؟ فيه وجهان بناهما في "التتمة" على القولين في بيع المستأجر: إن جوزناه جاز الإيجار، وإلا فلا.
قال: وهذا في إجارة العبد، أما إذا التزم عملاً في الذمة، فالمذهب جوازه.
فرع آخر: لو أذن [له] السيد في النكاح على أن ينفق على زوجته من الاكتساب، ففي صحة الإذن وجهان في تعليق القاضي الحسين في باب مداينة العبد.
قال: أو [فيما في يده]؛ إن كان مأذوناً له في التجارة- أي: من رأس المال والربح الحاصل قبل التزويج وبعده- لأنه دين لزمه بعقد أذن فيه؛ فقضى مما في يده، كدين التجارة.
وفيه وجه: أنه لا يتعلق إلا بما يتجدد من الربح بعد التزويج ككسب غير المأذون؛ فعلى هذا لو لم يكن ثم ربح يفي به؛ فعلى السيد؛ لأنه مشغول بعمله، وماذا يجب عليه؟ فيه الخلاف السابق.
قال: فإن لم يكن مكتسباً ولا مأذوناً له في التجارة، ففي ذمته- أي: إن رضيت بالمقام معه- ولم تملك مطالبته به إلى أن يعتق- أي: ويوسر- في أحد القولين؛ لأنه دين لزمه برضا من له الحق؛ فتعلق بذمته، كبدل القرض.
قال: أو تفسخ النكاح- أي: إن لم ترض بالمقام معه- لتضررها بذلك؛ وهذا تفريع على الصحيح في ثبوت الخيار بالإعسار به؛ وذلك إذا لم تعلم بعجزه قبل العقد، فإن علمت بعجزه، فقد حكى العمراني في "الزوائد" في باب ما يحرم من النكاح: أن الجديد ثبوت الخيار للزوجة إذا علمت بإعسار الزوج بالمهر.
стр. 6392
وفي القديم: أنه لا يصح لها.
وحكى الرافعي الخلاف وجهين، [وأن أشبههما]: المنع، إذ ذلك بعينه يجري ها هنا.
قال: وفي ذمة السيد في [القول] الآخر؛ لأن الإذن لمن هذا حاله التزام للمؤنات.
وفي "التهذيب": أن القولين على الجديد.
وفي "التتمة": هما مبنيان على الجديد والقديم.
وفيه قول ثالث: أنه يتعلق برقبته، وطرده الشيخ أبو حامد في الكسوب، ومن كسبه لا يفي بما عليه من مؤن النكاح في القدر الزائد كغير الكسوب فهو على القولين؛ كما قاله الإمام.
وفي "التهذيب" و"الذخائر": أنه لا يتعلق بالسيد، ولها أن تفسخ إن شاءت.
قال في "الشامل": قال أصحابنا: ويجري القولان في الأب إذا زوج ابنه الصغير الفقير، هل يلزمه المهر والنفقة؟
وسوّى الإمام بينه وبين العبد؛ فلا يختص الخلاف بالفقر.
ونقل عن القاضي تفريعاً على قول الضمان: أنه إذا غرم الأب لا يجد رجعاً على مال الطفل، ويكون هذا كضمان العاقلة دية الخطأ، وأن الأب لو شرط ألَّا يكون ضامناً، بطل.
قال: وهذا وهم من الآخذين عنه، ولعله قال: بطل الشرط، ولزم الضمان، وصح النكاح.
وما قاله القاضي في أن الأب لا يرجع إذا غرم لا سبيل إلى القول به؛ فإن الشرع أثبت للأب نظراً في [طلب غبطة الابن]، فإذا نظر له واشتد نظره
стр. 6393
فانتصاب ذلك سبباً لالتزامه المغارم محال؛ وهذا ما أجاب به في التهذيب؛ إذا قصد الرجوع عند الأداء.
قال الإمام: ولاشك أن الابن مطالب بالنفقات، والمهر، وسائر مؤن النكاح إذا بلغ، وليس كالقاتل خطأ؛ فإنه لا يطالب بالعقد مع إمكان مطالبته للعاقلة؛ لخروج ذلك عن القياس.
ونقل في "الذخائر" عن "الحاوي" على قول الوجوب على الأب: أنه يجب عليه ابتداء، والابن بريء منه، وهو يوافق ما قاله في "التهذيب" في الإذن للعبد؛ فإنه كان قد وافق الإمام في هذه المسألة.
وحكم الولد المجنون على ما حكاه في "التهذيب" حكم الصغير.
قال: فإن زاد على مهر المثل، وجبت الزيادة في ذمته، يتبع بها إذا أعتق؛ دفعاً للضرر عن الزوجة بقدر الإمكان؛ [إذ لا يمكن أن يجب] في كسبه؛ لأن إذن السيد لا يتناوله، ولم يستوف العبد في مقابلته شيئاً.
فإن قيل: هذه الزيادة تثبت في ذمة العبد بغير إذن السيد، فهلاَّ كان في ثبوتها خلاف؛ كما في ضمان العبد بغير إذن السيد.
قلنا: الالتزام ها هنا جرى في ضمن عقد مأذون فيه؛ فكان أقرب، وقد يمتنع الشيء مقصوداً، وإذا حصل في ضمن عقد لم يمتنع؛ ألا ترى أن العبد [يمتنع من] تمليك السيد بعقد الهبة على أحد الوجهين، ولو خالع صح قولاً واحداً، ودخل المال في ملك السيد؟
قال الإمام: وهذا هو الممكن فيما ذكرناه.
ويحتمل من طريق القياس: ألَّا تلزم الزيادة في المهر أصلاً؛ كما لا يصح الضمان، وما ذكرناه تكلف، وإلا فلا فرق بين هذه الزيادة والضمان.
فرع: لو قدر له مهراً، فنكح به امرأة مهرُ مثلها دونه، فقد حكى الرافعي عن
стр. 6394
الحناطي فيه ثلاثة احتمالات:
أظهرها: صحة النكاح، ووجوب المسمى في الحال.
والثاني: أن الزيادة على مهر المثل يتبع بها إذا عتق.
والثالث: بطلان النكاح.
قال: وإن تزوج بغير إذنه، ووطئ، ففي المهر ثلاثة أقوال:
صورة المسألة ما إذا أذن في النكاح مطلقاً، فنكح العبد نكاحاً فاسداً- مثل أن قرن به شرطاً فاسداً يخل بمقصوده: كشرط الخيار، وعدم الوطء- ووطئ فيه [ففيه أقوال:].
أحدها: يجب حيث يجب في النكاح الصحيح؛ لأنه لما كان النكاح الفاسد كالصحيح في وجوب العدة والنسب والمهر، جعل كالصحيح في المحل المستوفى منه المهر.
والثاني: أنه يتعلق بذمته، وهو الجديد؛ لأنه حصل برضا المستحق؛ فصار كما إذا اشترى، أو استقرض بغير إذن السيد، [وأتلفه]؛ هكذا علله الأصحاب.
ومقتضى هذا التعليل: أنه لو تزوج حرة بغير إذنها في التزويج منه، ثم وطئها وهي نائمة- حتى لا يجعل التمكين من الوطء رضا- أنه [لا] يتعلق بالرقبة، ويؤيد ذلك ما سنذكره في الفرع بعده.
والثالث: أنه يتعلق برقبته؛ لأن المهر ينزل منزلة أرش الجناية من حيث إنه لا يتطرق إلى موجبه الإباحة.
وهذا القول، منهم مَن نَسَبَه إلى القديم، ومنهم من يقول: هو مخرج من قولنا: إن السفيه إذا نكح بغير إذن الولي، ووطئ، يلزمه المهر، كذا قاله الرافعي.
وقد تقدم في كتاب النكاح عن صاحب "التتمة": أن الخلاف في لزوم المهر للسفيه مخرج على الخلاف في هذه المسألة، والجمع بين التقليد غير ممكن.
стр. 6395
وفي "النهاية": أن من الأصحاب من لم يثبت هذا القول إلى الشافعي، وقال: إنه حكاه عن مذهب الغير.
أما إذا لم يأذن السيد له في النكاح أصلاً، فلا يجيء في المهر القول الأول، ويجيء القولان الآخران، ويجريان في كل وطء شبهة صدر منه، وقد صرح بذلك الإمام في كتاب اللقيط.
فرع: لو نكح العبد بغير إذن مولاه أمة بغير إذن سيدها، [ووطئ]، ففي المهر طريقتان:
منهم من جزم بتعلقه بالرقبة.
ومن من [خرجه] على القولين، ووجهه بأن المهر وإن كان حقّاً للسيد إلا أنها بسبيل في إسقاطه في الجملة؛ بدليل الردة والرضاع، فإذا [جاز] أن يسقط [بفعلها جاز أن يسقط برضاها].
قال: ويجوز أن يكون الصداق عيناً تباع، وديناً يسلم فيه، ومنفعة تكري، ويجوز حالّاً ومؤجلاً؛ لأنه عقد على منفعة معينة، فجاز بما ذكرناه؛ كالإجارة.
واعلم أن قول الشيخ: عيناً تباع، يريد به: أن تكون العين مستجمعة لشرائط البيع، وليس على إطلاقه، بل يستثنى منه جعل رقبة العبد صداقاً للمرأة، وجعل الأب والدة ابنه صداقاً لابنه؛ وجعل أحد أبوي الزوجة الصغيرة صداقاً لها؛ فإن ذلك لا يثبت صداقاً مع وجود شرائط البيع في كل واحدة من الصور المذكورة.
وقوله: وديناً يسلم فيه يريد: استجماعه لشرائط السلم، ومنطوقه على عمومه، ومفهومه: أن ما لا يجوز السلم فيه لا يجوز جعله صداقاً، يستثنى منه الأثمان؛ فإنه يجوز جعلها صداقاً، وإن قلنا: لا يجوز السلم فيها على أحد القولين.
لكن الشيخ لا يحتاج أن يستثني ذلك؛ فإنه جزم بجواز السلم فيها.
стр. 6396
وقد حكى القاضي الحسين في كتاب الكتابة وجهاً: أنه يجوز جعل المال النادر الوجود صداقاً في الذمة؛ على أنه مضمون ضمان اليد، وكذا إذا قلنا: إنه مضمون ضمان العقد وجوزنا الاستبدال عن الثمن، أو منعناه وقلنا: عن المسلم فيه إذا انقطع لدى المحل: أنه يثبت الخيار؛ فعلى هذا تستثنى هذه الحالة من المفهوم- أيضاً- لكن إذا قلنا بأنه مضمون ضمان العقود، [فقدم يجب عليه قيمته.
وإن قلنا يجوز الاستبدال أخذ بدله إذا قلنا: إنه مضمون ضمان عقد] وإن قلنا: لا يجوز الاستبدال ثبت لها الخيار في الصبر، وفسخ الصداق.
وحكى وجهاً ثانياً: أنه لا يصح إصداق نادر الوجود في الذمة؛ بناءً على أن الصداق مضمون ضمان عقد، ولا يصح الاستبدال وأن انقطاع المسلم فيه يفسخ العقد.
وقوله: ومنفعة تكرى، يريد المنفعة التي يجوز استيفاؤها بعقد الإجارة، سواء كانت الإجارة واردة على الذمة أو العين وهو يحسن تلك المنفعة فإن كان لا يحسنها لم يحسن على الأصح.
قال الإمام: ومحل الوجهين فيما إذا كان يحسن مقدار يشتغل بتعليمه في الحال، أو كانت الإجارة مع تعلقها بالغير واردة على مدة تتسع للتعليم والتعلم، فأما إذا [لم تكن] مدة، وكان لا يحمل شيئاً البتة، فلا وجه إلا القطع بالفساد.
وفي "التتمة"- تفريعاً على وجه الجواز-: أنها إن أمهلته على أن يتعلم فذاك، وإلا فهو معسر بالصداق.
ويدخل تحت ما ذكره الشيخ إذا أصدقها تعليم غلامها، أو ولدها الذي يجب عليها تعليمه، ويخرج تعليم ولدها الذي لا يجب تعليمه.
стр. 6397
أما المنفعة التي لا يجوز استيفاؤها بعقد الإجارة ويجوز بغيره: كمنفعة البضع، ورد الآبق من الموضع المجهول، فلا يجوز جعلها صداقاً.
وفي الآبق حكاية قول عن رواية أبي الطيب ابن سلمة وأبي حفص بن الوكيل: أنه يجوز.
وفي الذخائر: إن كان الموضع مجهولاً، لم يجز قولاً واحداً، وإن كان معلوماً، فطريقان:
منهم من خرجه على قولين:
ومنهم من قطع بالصحة.
فإن قيل: المنفعلة لا تكرى، وإنما يكرى العين؛ لأجل استيفاء المنفعة؛ لذلك قال الغزالي: وشرطه الإضافة إلى العين، يعني: في لفظ الإجارة.
فالجواب أن العراقيين [يجوزون للآجر] أن يقول: آجرتك المنفعة، وقد صرح بذلك في "الشامل" عند الكلام في أن عقد الإجارة يرد على ماذا؟ فلا اعتراض عليهم إذن.
فرع: يجوز أن يجعل النزول عن القصاص الواجب له على المرأة، أو على عبدها- صداقاً لها، ولا كذلك النزول عن الشفعة وحد القذف؛ لأن ذلك مما لا يقابل بالعوض.
ثم إن جوزنا المصالحة عن حد القذف على مال- على رأي- اتجه أن يلحق بالقصاص.
[ثم إذا طلقها الزوج قبل الدخول، وكان الصداق العفو عن القصاص، فبماذا ترجع؟ فيه قولان حكاهما الرافعي قبل كتاب الديات:
أحدهما: بنصف مهر المثل.
وأصحهما في "التهذيب": بنصف أرش الجناية].
стр. 6398
ولا يجوز أن يجعل طلاق امرأة صداقاً لأخرى، وإن كان بذل المال يجوز في مقابلة الطلاق؛ لأن ذلك لا يجلب إليها نفعاً فلو فعل ذلك، قيل: يبطل النكاح، أو يصح ويفسد الصداق؟ فيه كلام قدمناه في نكاح الشغار.
ولو أصدقها تعليم الفاتحة، وهو متعين للتعليم، ففي صحة الصداق وجهان كنظيرهما في الإجارة، والأصح: الصحة.
ولو نكحها على أداء شهادة لها عليه، أو نكح كتابية على أن يلقنها كلمة الشهادة-[لم يجز]؛ قاله في التهذيب.
ولو نكح ذمية على أن يعلمها شيئاً من القرآن؛ جاز إذا كان معلوماً.
وقال الشيخ أبو حامد: إن كان قصدها المباهاة؛ لم يصح.
قال ابن الصباغ: وهذا ضعيف؛ لأنها قد تريد ذلك، فإذا تعلمته، انتفعت به، وكان سبباً لإسلامها.
قال: وما لا يجوز في البيع والإجارة من المحرم والمجهول- أي: وغيرهما- لا يجوز [في الصداق]؛ قياساً عليهما.
قال: وتملك المرأة المهر بالتسمية، أي: سواء كانت التسمية صحيحة، أو فاسدة.
أما إذا كانت صحيحة؛ فتملك المسمى، وأما إذا كانت فاسدة؛ فتملك مهر المثل؛ لأنه عقد يملك فيه المعوض بالعقد فملك العوض فيه بالعقد؛ كالبيع.
قال: وتملك التصرف فيه بالقبض؛ لأنه مملوك بعقد معاوضة؛ فجاز التصرف فيه بعد القبض [وإن كان بصدد السقوط؛ كالمبيع بعد القبض وقبل قبض ثمنه.
وأما التصرف فيه قبل القبض] فيبنى على أن الصداق [مضمون في يد
стр. 6399
الزوج] ضمان عقد، أو ضمان يد؟ وفيه قولان عند الخراسانيين:
الجديد: أنه مضمون ضمان عقد؛ فعلى هذا لا يجوز التصرف فيه؛ إن كان عيناً أو منفعة، وإن كان ديناً، فقولان؛ كالثمن؛ وهذا ما حكاه الشيخ في البيع.
والقديم: أنه مضمون ضمان يد؛ كالمستعار؛ لأن النكاح لا ينفسخ بتلف الصداق، وما لا ينفسخ العقد بتلفه [في يد العاقد]، يكون مضموناً ضمان اليد؛ كما لو غصب البائع المبيع من المشتري بعد القبض؛ فعلى هذا يجوز التصرف فيه بالبيع والهبة والوقف والعتق والحوالة؛ كذا قاله الرافعي [وغيره].
قلت: وينبغي أن يفرع- أيضاً- على أن الزوجين إذا تشاحا في البداية بالتسليم، هل يجبران أو لا؟ أو الزوج.
فإن قلنا: لا يجبران، ينبغي ألا ينفذ تصرف المرأة في الصداق؛ لأنها غير قادرة على التسليم حالة التصرف وإن كانت قادرة عليه من بعد بالتمكين؛ كما في الرهن، اللهم إلا أن يقولوا: إن قول عدم الإجبار، إنما يجري إذا لم يتعلق به حق ثالث، أما إذا تعلق به حق ثالث، فيجبران، أو يكون بإذن الزوج؛ فحينئذ يكون هذا الإطلاق صحيحاً، ويحتاج إلى التقييد [ثم]، ولم أره، والقولان مبنيان على أن الصداق؛ نحلة أو عوض.
وتوجيه النحلة: الآية، وأن النكاح لا يفسد بفساده، ولا ينفسخ برده.
وتوجيه العوض: أن لها حبس نفسها؛ لتستوفيه، ويؤخذ بالشفعة؛ وهذا أصح.
قال: ويستقر بالموت- أي: قبل الدخول- من غير قتل، سواء كانت الزوجة حرة أو أمة؛ لأنه لا يبطل النكاح؛ بدليل التوارث؛ فكأنه انتهاء، وانتهاء العقد كاستيفاء المعقود عليه؛ بدليل الإجارة.
وفي التتمة حكاية خلاف في أنا هل نطلق القول بأن المهر تقرر بالموت؟ فمن قائل: لا؛ لأن المقرر إنما يحسن إطلاقه؛ إذا كان يتوقع وجود المسقط [ولا
стр. 6400
يتأثر الموت به، وبعد الموت لا يتوقع وجود المسقط] وهو الطلاق والردة.
ومن قائل: نعم؛ إلحاقاً لإنهاء العقد باستيفاء المعقود عليه، ولمن قال به أن يقول: ليس المسقط مطلق الطلاق والردة، بل يشترط وقوع ذلك قبل الدخول، وإنه لا يتصور حصوله بعد الدخول؛ كما لا يتصور بعد الموت.
ثم ذكر أن فائدة الخلاف تظهر فيما إذا مات زوج الصغيرة، وأراد الأب أن يعفو عن صداقها إذا جوزناه، فإن قلنا: يتقرر بالموت، فقد جعلناه كالدخول؛ فلا يصح عفوه؛ كما لا يصح بعد الدخول.
وإن قلنا: إنه لا يتقرر؛ فيصح العفو.
وفي المفوضة إذا مات زوجها، إن قلنا: الموت يقرر المسمى؛ فتستحق مهر المثل، وإلا فلا.
قال الرافعي: وليس لهذا البناء مسوغ؛ لأن التقرير إنما يطلق عند سبق الواجب؛ فلا يلزم من كون الموت مقرراً وجوب المهر في صورة التفويض، وفي الأمة وجه: أنه يسقط جميع مهرها بموتها؛ بناءً على أن السيد يزوج بحكم الملك؛ حكاه المتولي.
قال: أو الدخول؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَاخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، وفسر الإفضاء بالجماع.
ولأن الوطء بالشبهة يوجب المهر ابتداء، فالوطء في النكاح أولى أن يقرر المهر الواجب.
ولا فرق بين أن يكون الوطء حلالاً أو حراماً: كوطء الحائض، والمحرمة، أو في الفرج أو الدبر.
وفي الوطء في الدبر وجه: أنه لا يقرر مع الاتفاق على وجوب مهر المثل به في غير الزوجة.
ويكتفي في التقرير بوطأة واحدة وإن كان المهر في مقابلة جميع الوطآت على رأي؛ كما نقله الرافعي في النفقات.
стр. 6401
قال: وهل يستقر بالخلوة حتى لو طلقها قبل الدخول وبعد الخلوة، لا يسقط منه شيء؟ فيه قولان:
أصحهما- وهو الجديد: أنه لا يستقر؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ولا مسيس.
والثاني- وهو القديم-: أنه يستقر؛ لما روي [عن] عمر وعلي- ﵄ أنهما قالا: إذا أغلق باباً، وأرخى ستراً، فلها الصداق كاملاً، وعليها العدة.
ولأنه وجد التمكين من استيفاء المنفعة؛ فاستقر به البدل؛ كما في الإجارة، فعلى هذا هل تكون الخلوة موجبة للعدة ومثبتة للرجعة؟ فيه وجهان:
المذكور منهما في التتمة والوسيط: الثبوت.
قال الإمام في كتاب العدد: كنت أود أن يحال تقرير المهر على التمكين؛ فإن التمكين من المنافع في عقود المنافع تسليم، وأما العدة فكان لا يبعد في القياس ألَّا تجب وإن تقرر المهر؛ فإن تقرير المهر مأخوذ من قياس في المعاوضات، ولا يؤخذ في العدة مثله.
وما قاله إن صح فيكون وجهاً ثالثاً فارقاً بين الرجعة والعدة، ويشترط على هذا القول ألَّا يكون ثم مانع حسي: كالرتق، أو القرن، أو الجب أو العنة؛ ولا مادي: كما إذا كان معهما ثالث، وفي المانع الشرعي: كالحيض، والإحرام، والصوم خلاف، والذي ذهب إليه المحققون- على ما حكاه الغزالي-[أنه يشترط عدمه.
والمذكور في التتمة: أنه لا يشترط عدمه]، وكذلك في تعليق البندنيجي في كتاب العدد.
стр. 6402
وفي النهاية فيها أيضاً.
ثم قال الإمام في الموانع الطبيعية: إن الوجه عندنا: الحكم بالتقرير مع هذه الموانع؛ فإن المصير إلى [أن] النكاح لا يتصور فيه تقرير، فيه بُعْدٌ، والذي جرى نهاية الأمر، ولو فصل فاصل بين الجب والرتق صائراً إلى أن تمكين المجبوب [يرد] العجز إليه، وهي في نفسها فعلت ما هو ممكن على أقصى الإمكان، والرتقاء عاجزة عن التمكين، فقد جاء العجز من جهتها عن الوفاء بالتمكين.
ويعترض على ذلك بأنها تستحق النفقة وإن لم يكن الوقاع ممكناً، والمرضية التي لا يرجى زوال مرضها قد لا تستحق النفقة؛ هذا آخر كلامه.
وقال بعض الأصحاب: الخلوة لا تقرر المهر قولاً واحداً، وإنما الخلاف في ترجيح جانبها حتى يكون القول قولها في دعوى الإصابة.
فرع: إذا قلنا: الخلوة لا تقرر المهر، أو كان هناك مانع، ففي الوطء فيما دون الفرج وجهان؛ بناءً على القولين في أنه هل يثبت حرمة المصاهرة؟
ولو استدخلت ماءه، مل يتقرر به المهر على الصحيح.
وفيه وجه حكيناه في باب ما يحرم من النكاح: إنه يقرر.
قال: ولها أن تمتنع من تسليم نفسها حتى تقبض، أي: إذا كان الصداق حالّاً [في العقد] أو عيناً، وسواء كان التأخير بعذر أو بغير عذر؛ دفعاً لضرر فوات البضع.
أما إذا حل قبل الدخول، قال الشيخ أبو حامد: ليس لها الامتناع.
[و] قال القاضي أبو الطيب: هذا غلط.
وقد ذكر المزني في المنثور: أنه لو باع سلعة بثمن مؤجل، ولم يقبض السلعة حتى حل الأجل، كان للبائع الامتناع من تسليم السلعة حتى يقبض الثمن.
стр. 6403
ولو كان بعضه حالّاً، وبعضه مؤجلاً، فلها الامتناع حتى تقبض الحال منه.
فرع: إذا كانت المرأة صغيرة، أو مجنونة، فلوليها حبسها حتى تقبض الصداق، ولو رأى المصلحة في التسليم، فله التسليم.
قال: فإن تشاحا، فقالت المرأة: لا أسلم نفسي حتى أقبض الصداق، وقال: لا أسلم حتى تسلمي نفسك- أجبر الزوج على تسليمه إلى عدل، وأجبرت المرأة على التسليم، فإذا دخل بها، سلم المهر إليها؛ لأن كل واحد منهما قد استحق التسليم، فأجبر كل واحد منهما على إيفاء صاحبه [حقه]؛ وهذا نصه ها هنا.
قال الإمام: ولو سلمت نفسها، فلم يأتها، فالذي أراه [أن] على العدل تسليم الصداق إليها، فلو سلم إليها، فَهَمَّ الزوج بالوطء، فامتنعت، فالوجه استرداد الصداق منها.
قال: فإن لم يسلم، لزمه نفقتها؛ لأنها ممتنعة بحق.
قال: وفيه قول آخر: أنه لا يجبر واحد منهما، بل أيهما بدأ بالتسليم أجبر الآخر عليه؛ لأن كل واحد منهما قد وجب عليه حق بإزاء حق له؛ فلم يجبر على إيفاء ما عليه دون ما له.
قال: وإن تمانعا، مل تجب نفقتها عليه؛ لأنها ممتنعة بغير حق.
واعلم أن عدم وجوب النفقة مرتب على منعها فقط، فتقييده بما يعمها لا وجه له.
وفيه وجه ثالث: أنه [لا يجبر] الزوج.
ولا يجيء القول الرابع في البيع هنا، وهو إجبار الزوجة؛ [على] وزان إجبار البائع- وإن كانت بائعة للبضع- لأن منفعة البضع تفوت بالتسليم، ولا يمكن استدراكها، والمال يمكن استرداده.
وعن ابن الوكيل، وابن سلمة، والقاضي أبي حامد، وغيرهم: الاقتصار على
стр. 6404
القولين [الأولين]؛ كما ذكره الشيخ، وإنكار قول البداية.
قلت: وهذا صحيح، لا يتجه خلافه؛ إذا كان الصداق عيناً، وقلنا: إنه مضمون في يد الزوج ضمان عقد؛ [كما قلنا في البيع إذا كان الثمن عيناً، أما إذا كان ديناً، أو قلنا: إنه مضمون ضمان يد]، اتجه جريان القول الثالث، وهو إجبار الزوج: أما في الدين؛ فلأن حقه متعين، وحق المرأة لا يتعين إلا بالقبض؛ كما قلنا: يجبر المشتري إذا كان الثمن في الذمة على قول؛ نظراً لهذه العلة.
وأما إذا قلنا: إنه [مضمون ضمان يد، فكما إذا بان بطلان البيع بعد قبض المبيع والثمن، فإن المبيع] مضمون في يد المشتري بحكم اليد، ويجبر على تسليمه وإن لم يقبض الثمن على الأصح، وذلك مذكور في البيع، والله أعلم.
وحيث قلنا: يجبر الزوج، فذاك إذا كنت مهيأة للاستمتاع، فلو كانت محبوسة، أو ممنوعة بعذر آخر، لم يجبر، وإن كانت صغيرة، فقولان.
وكذا لو سلمت الصغيرة إلى الزوج، فهل عليه [تسليم] المهر؟ فيه قولان؛ كما في النفقة.
وقيل: لا يجب تسليم الصداق قولاً واحداً؛ لأن النفقة تجب لكونها محبوسة له، ممكنة له بحسب الإمكان، وقد تحقق هذا المعنى، والمهر عوض الاستمتاع، وهو متعذر.
وقيل: يجب تسليم الصداق قولاً واحداً؛ لأنه يجب في مقابلة البضع، وقد ملكه بالعقد، والنفقة [في] مقابلة التمكين من الاستمتاع، والتمكين يستدعي إمكان الاستمتاع، وهو متعذر.
والأمة إذا سلمت ليلاً ونهاراً، وجب تسليم مهرها، [وإن سلمت ليلاً، ولم تسلم نهاراً]، فعن الشيخ أبي حامد: أنه لا يجب تسليمه؛ كالنفقة.
وذكر القاضي أبو الطيب: أنه يجب.
قال ابن الصباغ: وهذا أصح؛ لأن التسليم الذي يتمكن معه من الوطء قد
стр. 6405
حصل، وليس كالنفقة، فإنها لا تجب بتسليم واحد.
واعلم أن هذه المسألة فيها بحثان:
أحدهما: أن القول الأول عبر عنه الأصحاب بأنهما يجبران، وصوروا الإجبار بما ذكره الشيخ، وفي ذلك نظر؛ لأن العدل إما أن يكون نائباً عن المرأة في القبض شرعاً، أو لا يكون، فإن كان نائباً عنها شرعاً- كما قاله الجيلي- فقد رجع حقيقة هذا القول إلى أن الزوج يجبر أولاً، فإذا أسلم أجبرت ثانياً، وهذا حقيقة القول الثالث؛ [إذ لا] فرق بين التسليم إلى المرأة أو [إلى] نائبها.
وإن لم يكن نائباً عنها، فقد أجبرت المرأة على التسليم أولاً، وهو وزان القول الرابع في البيع الذي لم يجر هنا.
الثاني: أن قول الشيخ: ولها أن تمتنع من تسليم نفسها حتى تقبض يوافقه القول الثالث، وهو البداية بالزوج، ويخالفه القولان الآخران:
أما وجه المخالفة على قول إجبارها، فظاهر.
وأما على قول عدم الإجبار: أن مقتضى الكلام الأول: أن امتناعها يكون بحق؛ فتستحق النفقة؛ لأن الامتناع بالحق لا يسقطها؛ كما تقدم على قول [إجبارها] ومقتضى الكلام الثاني- على ما صرح به الشيخ وغيره- أنها لا تستحق ما لم [تسلم نفسها]؛ وهذا يدل على أن الامتناع بغير حق؛ فالجمع بين الكلامين متعذر، وكلام الرافعي- ﵁ موافق لكلام الشيخ أولاً وآخراً.
ويمكن أن يجاب عن الأول بأن نقول: هو نائب عنها- كما صرح به الجيلي- إذ هو مقتضى ما قاله الأصحاب فيما إذا أخذ السلطان الدين من الممتنع، فإن المأخوذ يملكه الغريم بمجرد الأخذ، وتبرأ ذمة المأخوذ منه، وقد صرح بذلك [الرافعي] في [أواخر] كتاب الطلاق؛ نقلاً عن كتب العراقيين.
ووجه الإلحاق أن العدل إنما يسلم إليه بإذن السلطان، فهو نائب عنه في
стр. 6406
ذلك، والنائب كالمستنيب في هذا المعنى، وإذا كان نائباً عنها فهو ممنوع من التسليم إليها، وهي ممنوعة من التصرف فيه قبل التمكن، فكان ذلك فائدة الإجبار، بخلاف القول الثالث؛ فإنا إذا أجبرنا الزوج، أطلقنا تصرفها فيما تقبضه بمجرد القبض، والله أعلم.
قال: فإن تبرعت، وسلمت نفسها حتى وطئها، سقط حقها من الامتناع؛ لأنه تسليم استقر به المسمى، فأسقط حق المنع؛ كالبائع إذا سلم المبيع قبل قبض الثمن.
وحكى أبو حامد وجهاً: أن لها العود على الامتناع.
قلت: ويمكن بناء الخلاف على أن المهر في مقابلة أول وطأة، أو في مقابلة جميع الوطآت؟ كما بنى الأصحاب جواز الفسخ بالإعسار بالمهر بعد الدخول عليه.
فإن قلنا: إنه في مقابلة أول وطأة واحدة- وهو الصحيح-[لم يكن] لها الامتناع.
[وإن قلنا: إنه في مقابلة جميع الوطآت فلها الامتناع]؛ لأنه لم يستوف بقية المعقود عليه؛ فأشبه ما إذا سلم بعض المبيع، فإنه لا يسقط حق الحبس في الباقي.
ولو تبرعت، وسلمت نفسها، ولم يطأها، فلها طلب المهر على الأقوال كلها، ولها العود إلى الامتناع، وحبس النفس؛ [لاستيفاء الصداق].
ولو وطئها مكرهة، فهل يبقى لها حق الامتناع؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم؛ كما لو غصب المشتري المبيع قبل تسليم الثمن؛ فإنه يجوز للبائع رده إلى حبسه.
ويجري الوجهان فيما لو سلم الولي الصبية، أو المجنونة قبل قبض الصداق، فبلغت، أو أفاقت، ولم تقبض بعد، هل لها حبس نفسها؟ هكذا حكاه الرافعي،
стр. 6407
ومقتضاه: أن الصحيح أن لها ذلك؛ وهذا الإطلاق فيه نظر، بل ينبغي أن ينظر: إما أن يكون الولي سلمها لمصلحة اقتضاها نظره، أو لا:
فإن كان الثاني، فالحكم [كما ذكره].
وإن كان الأول، فينبغي أن يكون الصحيح: أنه ليس لها ذلك؛ كما لو ترك الولي طلب الشفعة؛ لمصلحة اقتضاها نظره، ثم بلغ المولى عليه؛ فإنه لا يثبت له الأخذ بها على الأصح.
ولو بادر الزوج، وسلم الصداق، فعليها التمكين، وتسليم النفس بشرطه؛ كما تقدم في كتاب النكاح، فإن امتنعت من غير عذر، فهل له الاسترداد؟ ينبني ذلك على أن الزوج هل يجبر أم لا؟ إن قلنا: نعم، فله الاسترداد، وإن قلنا: لا، فوجهان:
اظهرهما: أنه لا يسترد.
وعن القاضي: إن كانت المرأة معذورة حين سلم، فزال العذر، وامتنعت- يسترد.
فرع: لو سلم مهر الصغيرة التي لا تصلح للجماع: إما عالماً، أو جاهلاً، وقلنا بالصحيح، وهو أنه لا يجب تسليم مهرها، هل له الاسترداد؟ فيه وجهان في "التهذيب".
قال: وإن هلك الصداق قبل القبض، أو خرج مستحقّاً، أو كان عبداً فخرج حرّاً، أو وجدت به عيباً- أي: مقارناً أو حادثاً- فردته، رجعت إلى مهر المثل في أصح القولين؛ لأن تلف العوض قبل القبض، ورده بالعيب، وخروجه مستحقّاً يقتضي رد المعوض، فإذا تعذر، وجب رد بدله؛ كما لو باع عبداً بثوب، وتلف الثوب بعد قبضه، فإنه يرجع عليه بقيمة الثوب.
قال: وإلى قيمة العين- أي: إن كانت من ذوات القيم- في القول الآخر، وهو القديم، وادعى ابن الصباغ أنه الصحيح فيما إذا هلك؛ [لأن هلاك] العوض إذا لم يوجب فسخ العقد يوجب الرجوع إلى القيمة؛ كالبائع إذا غصب
стр. 6408
المبيع من يد المشتري بعد التسليم، وتلف في يده.
ولأنهما إذا ذكرا عوضاً كان مقصدهما ذلك العوض دون قيمة البضع، ولذلك المذكور خصوص: وهو عينه، وعموم: وهو ماليته، فإذا لم يمكن اعتبار عينه يعتبر الذكر في المالية؛ فلا يلغي التقدير، وإن لغا التعيين.
والقولان مبنيان على أن الصداق مضمون [في يد الزوج] ضمان عقد أو ضمان يد؟ وفيه قولان تقدما بتوجيههما:
فإن قلنا: ضمان عقد، كان الرجوع إلى مهر المثل، وإن قلنا: ضمان يد، فالرجوع إلى القيمة أو المثل، وأي قيمة تعتبر عند الهلاك؟ فيه قولان:
أصحهما: أقصى القيم من يوم الإصداق إلى يوم التلف.
والثاني: قيمة يوم التلف.
وفي التتمة وجه: أن المعتبر قيمة يوم الإصداق.
وروي وجه آخر: أن الواجب أقل القيم من يوم الإصداق إلى يوم التلف.
فرع: لو أصدقها تعليم سورة، فتعلمتها من غيره، أو لم تتعلمها؛ لسوء فهمها- فالحكم كما لو تلف الصداق.
واعلم أن قول الشيخ: فردته دال على أن لها الخيار في الرد والإمساك، وذلك ظاهر على قول ضمان العقد، وأما على قول ضمان اليد، فيتجه ألا يثبت لها الخيار، بل ترجع بالأرش كما لو تعيب المستعار في يد المستعير، وقد ذهب إلى ذلك أبو حفص بن الوكيل في العيب الحادث.
قال الإمام: وهذا وإن كان متجهاً في القياس، فهو بعيد في الحكاية، وإن صح هذا مذهباً، فهو في العيب المتجدد في يد الزوج، فأما إذا فرض إطلاع على عيب قديم، فتغريم الزوج أرش العيب بعيد، وإلزام المرأة الرضا بالظلامة بعيد أيضاً، ولا اعتداد على الجملة كما ذكره.
ولو ذكرا خمراً، أو خنزيراً، أو ميتة، فطريقان:
أحدهما: القطع بوجوب مهر المثل، وهو ما حكاه في الشامل.
والثاني: أنه على القولين في الحر، واختلف الأصحاب في محل القولين في الحر:
стр. 6409
فعن الشيخ أبي حامد، والصيدلاني، والقاضي الحسين: أن محلهما ما إذا قال: أصدقتك هذا العبد إما على ظن أنه عبد، وإما مع العلم بأنه حر، أما إذا قال: أصدقتك [هذا] الحر، فالعبارة فاسدة، ويجب مهر المثل قولاً واحداً؛ وعلى هذا جرى صاحب التهذيب، والشيخ في آخر الباب؛ حيث قال: وإن تزوجها على مهر فاسد، فإنه جزم بوجوب مهر المثل، وإن حكى الخلاف هنا.
وفي التتمة طريقة أخرى: أنه لا فرق بين اللفظين في جريان القولين ويتجه جريان هذا الخلاف فيما لو خرج مستحقّاً.
وإذا قلنا بالرجوع [لها ببدل] العين، فالحر يقدر عبداً وتجب قيمته، والخمر عصيراً، ويجب مثله.
قال الرافعي: وقد حكي فيما إذا أسلم الزوجان، وقد جرى القبض في بعض المهر الفاسد- وجهاً: أنه يقدر الخمر خلاًّ، والوجه: التسوية.
وذكرنا وجهاً: أنه تعتبر قيمة الخمر عند من يرى لها قيمة، ولا يبعد مجيئه هنا.
وأما الخنزير، فيقدر شاة؛ قاله الغزالي.
والمذكور في نكاح المشركات: أنه يقدر بقرة، وهو الذي أورده الإمام، وصاحب التهذيب.
وفي الميتة تقدر مذكاة، ثم الواجب فيها وفي الخنزير القيمة.
فروع:
أحدها: إذا تلف الصداق، فإن كان أتلفته الزوجة، فهو كما لو قبضته على الأصح.
وفيه وجه: أنه يجب عليها قيمته، وترجع عليه بمهر المثل، وهذا الوجه إنما يتجه على قول ضمان العقد، أما [على] قول ضمان اليد، فلا.
وإن كان المتلف أجنبيّاً، فإن قلنا: إتلاف الأجنبي المبيع قبل القبض كتلفه بنفسه، فالحكم كما تقدم.
وإن قلنا بوجوب الخيار للمشتري- وهو الأصح- فللمرأة الخيار في
стр. 6410
الصداق، سواء قلنا: هو مضمون ضمان عقد، أو يد، فإن فسخت [فماذا ترجع] به على الزوج؟ فيه القولان.
وإن لم يفسخ، أخذت من المتلف البدل، ولها أن تطالب به الزوج؛ إن قلنا بضمان اليد، وإلا فلا.
قال الرافعي: وكان يجوز أن يقال: لا يثبت الخيار على قول ضمان اليد، وليس لها [إلا طلب] البدل؛ كما إذا أتلف أجنبي المستعار في يد المستعير.
وإن كان المتلف الزوج، فذلك ينبني على أن إتلاف البائع كالآفة السماوية، أو كإتلاف الأجنبي، وقد تبين حكم الصداق على التقديرين.
فإذا ثبت الخيار، وقلنا بضمان اليد، وان الزوج يضمن ضمان الغصوب؛ فلا فائدة للفسخ، وكذلك إن قلنا: يضمن يوم الإصداق، وجعلنا إتلافه كالآفة السماوية.
وإن جعلناه كالأجنبي؛ فإن كانت قيمته يوم الإصداق أكثر؛ فلها في الفسخ فائدة، وإن كانت أقل فلا.
وإذا طالبت المرأة بالصداق، وامتنع الزوج متعدياً، ثم تلف في يده؛ فهذا التلف نازل منزلة إتلاف البائع؛ فيجيء فيه الخلاف.
[الفرع] الثاني: إذا أجازت عند إطلاعها على عيب في الصداق، إن قلنا: يضمن ضمان العقود، فلا أرش لها، وإن قلنا: ضمان يد، فلها أرش النقصان في الحادث، وفي المقارن تردد القاضي الحسين من حيث إن يد الزوج لم تشتمل يوم الإصداق إلا على معيب، والظاهر: أن لها الأرش.
[الفرع] الثالث: إذا انتفع الزوج بالصداق في الخدمة وغيرها قبل القبض؛ فعليه الأجرة على قول ضمان اليد، وإلا فوجهان؛ كالبائع إذا انتفع بالمبيع قبل القبض.
следующие страницы →