Полный текст (9 685 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.
стр. 7246
الثانية: أن يتفقا على وقت الطلاق، ويشكا في الولادة هل تقدمت أو تأخرت- فيحكم بسقوط العدة والرجعة.
الثالثة: لو قال الزوج: علمت أني طلقت بعد الولادة، وقالت: لم أعلم- قال الماوردي: القول قول الزوج، ولها إحلافه على الرجعة دون العدة.
وحكى الإمام عن القفال: أنه ليس لها المطالبة؛ فإنها ما أتت بدعوى صحيحة؛ فلا تلزمه الإجابة. وفي "الشامل" و"التتمة": أنه يقال لها: ليس هذا بجواب، فإما أن تصدقيه أو تكذيبه، فإن لم تفعل جعلناها ناكلة، وحلفناه.
الرابعة: لو قالت للزوج: علمت أنك طلقت قبل الولادة، وقال الزوج: لست أعلم- قال الماوردي: القول قول الزوجة، ولا عدة عليها ولا رجعة، وله إحلافها في سقوط العدة دون الرجعة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين و"النهاية": أنا نقول له: قد ادعت المرأة بأمر فأجبها، ولا نقنع بهذا، فإن لم تجب جعلناك منكراً، ثم نعرض عليك اليمين، فإن نكلت حلفت هي، واستحقت دعواها.
الخامسة: أن يعترف كل منهما بالإشكال، ففي "المهذب": أنا لا نحكم بينهما بشيء، لأنهما لم يدعيا حقاً.
وفي "الحاوي" وغيره: أن عليها العدة بالأقراء، وله أن يراجعها، والورع ألا يراجعها، والله أعلم.
فائدة: قال الإمام: [ومما تجب] الإحاطة به: أنا ذكرنا طرقاً مختلفة في تداعى الزوجين في انقضاء العدة ووقوع الرجعة، والذي ذكرناه من التقسيم في هذه المسالة اتفق عليه الأصحاب في طرقهم، ومساقه [ما أوردناه] لا غير، والسبب فيه: أن الخلاف إذا آل إلى إنشاء الرجعة وانقضاء العدة، فيتعارض في الحكم تصديق المرأة لصور دقيقة المدرك. ويعترض- أيضاً- بتنزيل الدعوى رجعة، وعطف قول الزوجة: انقضت عدتي، على زمان منقض، وشيء من تلك المعاني لا يجري في هذه المسألة، ومن تأمل ما ذكرناه [ثم]، وتأمل هذه المسألة، استبان الفرق بينهما.
стр. 7247
باب الاستبراء
الاستبراء - بالمد-: عبارة عن التربص الواجب لسبب ملك اليمين حدوثاً وزوالاً.
وخص بهذا الاسم؛ لأن هذا التربص مقدر بأقل ما يدل على البراءة من غير تكرر وتعدد فيه، وخص التربص بسبب النكاح باسم "العدة" اشتقاقاً من "العدد"؛ لما يقع فيه من التعدد.
قال: من ملك أمة، أي: بأي سبب كان من سبي أو بيع أو إرث أو هبة أو وصية أو فسخ عقد أو رجوع في هبة أو غير ذلك، وسواء كانت الأمة كبيرة أو صغيرة، حائلاً أو حاملاً، آيسة أو غير آيسة، بكراً أو ثيباً، ملكها من رجل أو صبي لا يجامع مثله أو امرأة.
قال: لم يطأها حتى يستبرئها، أي: سواء استبرئت قبل ملكه، أو بعده وقبل قبضه، [أو لم] تستبرأ.
أما في المسبية؛ فلعموم قوله ﷺ في سبايا أوطاس: "لَا تُوطَأُ حَامِلُ حَتَّى تَضَعَ، وَلا غَيْرُ حَامِلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً". خرجه أبو داود عن أبي سعيد الخدري.
وأما في الباقي فبالقياس على المسبية.
ثم ما العلة في وجوبه؟ خرجه القاضي الحسين على جوابين من نصين للشافعي سنذكرهما:
أحدهما: حدوث ملك الرقبة مع فراغ محل الاستمتاع.
والثاني: حدوث ملك حل الفرج:
وستظهر لك فائدتهما.
وفي البكر وجه خرجه ابن سريج: أنها لا تستبرأ، حكاه الرافعي هكذا.
стр. 7248
وفي "النهاية" حكايته عن صاحب "التقريب"، ثم قال: لكنه خصصه بالمسبية، وهو مطرح مزيف لا اعتداد به.
وعن المزني في "المختصر": أنه إنما يجب إذا كانت الجارية موطوءة أو حاملاً.
قال الروياني: وأنا أميل إلى هذا، والمذهب الأول. واحتج له بإطلاق الخبر، مع حصول العلم بأنهن كان فيهن أبكار وعجائز.
وملك الحصة الباقية من الأمة، يوجب الاستبراء عند إرادة الوطء، كما يوجبه ملك جميعها.
قال: فإن كانت حاملاً استبرأها بوضع الحمل؛ لعموم الحديث، وظاهر هذا اللفظ يقتضي أنه لا فرق في الحمل بين أن يكون من نكاح أو وطء شبهة أو زنى وهو موافق لما حكاه المتولي.
وقال الرافعي في الموطوءة بالشبهة، والنكاح: الأقوم أن يفصل فيقال: إن ملك الأمة بالسبي حصل استبراؤها بالوضع، وإن ملك بالشراء فهي كالحرة، فإن كانت حاملاً من زوج، وهي في نكاحه أو عدته، أو من وطء شبهة- فهي معتدة في ذلك الوقت، والمشهور: أنه لا استبراء في الحال، وفي وجوبه بعد انقضاء العدة وجهان، وإذا كان كذلك لم يكن الاستبراء حاصلاً بالوضع.
وقال في "التهذيب": هل تخرج من الاستبراء بوضع الحمل؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ كالمسبية.
والثاني: لا؛ كما أن العدة لا تنقضي بالوضع؛ إذ الحمل من غير صاحب العدة، بخلاف المسبية؛ فإن حملها من كافر؛ فلا يكون له من الحرمة ما يمنع انقضاء الاستبراء.
وأما الحمل من الزنى ففي حصول الاستبراء بوضعه حيث يحصل بوضع ثابت النسب، وجهان، أصحهما عند المتولي وغيره: الحصول.
وبنى القاضي الحسين هذا الخلاف على الخلاف في أن استبراء ذات الأقراء بالحيض أو الطهر؟ فإن اعتبرنا الطهر لم يحصل الاستبراء به، وأن اعتبرنا الحيض فالنظر إلى ما تعرف براءة الرحم به، والحمل من الزنى تعرف براءة الرحم
стр. 7249
بوضعه، فإن قلنا: لا تعتد به، وكانت ترى الدم عليه، وقلنا: إنه حيض- حصل الاستبراء به في أصح الوجهين.
ولو ارتابت بالحمل- إما في مدة الاستبراء أو بعده- فالحكم كما ذكرناه في العدة.
قال: وإن كانت حائلاً تحيض استبرأها بحيضة في أصح القولين، وهو الجديد؛ للحديث، ويخالف العدة؛ فإنها لإباحة العقد، والعقد يستباح في الحيض والطهر، وخصصناها بالطهر؛ لأنها وجبت قضاء لحق الزوج، فاختصت بأزمان حقه وهي الأطهار، كما في صلب النكاح. وأما الاستبراء فشرع لاستباحة الوطء؛ فاختص بالحيض ليفضي إلى إباحة الوطء إذا انقضى؛ إذ لو جعل بالطهر لما استبيح الوطء بعده لعارض الحيض.
والقول الآخر: أنها تستبرأ بطهر كما في العدة.
وفيه وجه ثالث حكاه الماوردي عن البصريين: أن كلا الأمرين من الحيض والطهر معتبر مقصود.
التفريع: إن قلنا بالقول الأول نظر:
إن وجد سبب وجوب الاستبراء في الطهر لم يحصل الاستبراء حتى تحيض ثم تطعن في الطهر.
وإن وجد في الحيض فلا يعتد به؛ بل لابد من الطعن في الطهر الثاني؛ إذ به تحصل حيضة كاملة للحديث، ويفارق بقية الطهر حيث [يعتد ببقيته طهراً] – كما سنذكره على رأي- لأن بقية الطهر يستعقبها الحيض الدال على البراءة، وبقية الحيض يستعقبها الطهر الذي لا دلالة فيه على البراءة.
وإن قلنا بالقول الثاني، فإن وجد سبب وجوب الاستبراء في آخر الحيض، كان الطهر الكامل بعده استبراء، لكن يكفي ظهور الدم أو يعتبر مضي يوم وليلة؟ فيه ما سبق في العدة.
وقد حكي وجه آخر: أنه لا بد من مضي حيضة كاملة بعد ذلك الطهر، وهذا بعيد عند الغزالي وغيره.
وذكر القاضي الروياني [أنه] الأظهر والأقيس، وهو في الحقيقة راجع
стр. 7250
إلى ما حكاه الماوردي عن البصريين، كما سنذكره.
وإن وجد وهي طاهر، فهل يكتفي ببقية الطهر؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، وهو ما رجحه في "البسيط" والقاضي في "التعليق"، وحكاه في "المهذب"، وعزاه الماوردي إلى البغداديين من الأصحاب، ولكن يضم إليه حيضة كاملة؛ لتعرف بها براءة الرحم ببقية الطهر.
والثاني- وهو المذكور في "التهذيب" ونسبه الماوردي إلى البصريين-: أنه لا يكتفي بها، ولا ينقضي الاستبراء حتى تحيض ثم تطهر، ثم ترى دم الحيضة الثانية، وتخالف العدة؛ فإن فيها عدداً؛ فجاز أن يعبر بلفظ الجمع عن [اثنين وبعض] الثالث.
وإن قلنا بالوجه الثالث: فإن وجد سبب الاستبراء وهي حائض، انقضى الاستبراء باستكمالها [الحيضة الثانية، وإن وجد وهي طاهر، ولم يعتبر بقية الطهر قرءاً- فينقضي الاستبراء باستكمالها الطهر الثاني.
وإن اعتبرناه قرءاً فينقضي الاستبراء باستكمالها] الحيض، والاستكمال يظهر بالدخول في الضد.
قال: وإن كانت ممن لا تحيض [لصغر أو إياس] استبرأها بثلاثة أشهر في أصح القولين؛ لأنها أقل مدة تدل على براءة الرحم، وهذا حكاه الماوردي عن القديم.
قال: وبشهر في الثاني؛ لأن كل شهر في مقابلة قرء في حق الحرة؛ فكذلك في حق الأمة، وهذا هو الأصح في "التهذيب" وعند النواوي.
أما إذا كانت تحيض ثم ارتفع حيضها بغير ما ذكرناه، فحكمها حكم المعتدة إذا ارتفع حيضها.
فرع: لو وطئها قبل الاستبراء، أثم، ولا ينقطع الاستبراء.
قال في "التتمة": لأن قيام الملك لا يمنع الاحتساب؛ فكذلك المعاشرة، بخلاف العدة.
стр. 7251
ولو أحبلها بالوطء الواقع في الحيض، فانقطع الدم، حلت بتمام الحيض، وإن كانت طاهراً عند الوطء لم ينقض الاستبراء حتى تضع الحمل.
قال: وإن كانت مجوسية أو مرتدة- أي: حالة الملك- لم يصح استبراؤها حتى تسلم؛ لأن الاستبراء يراد لاستباحة الاستمتاع، ولا استباحة في هذين الحالين.
وفي طريقة المراوزة حكاية وجه: أنه إذا وجد وضع الحمل أو الحيض بكماله، أو الأشهر قبل الإسلام- لا يجب عليها استبراء آخر، ورواه مع الأول الفوراني عن الشيخ أبي حامد فيما إذا حاضت المحرمة، والوثنية قبل الإسلام، ورواه المتولي عنه فيما إذا وضعت الحمل أيضاً.
وبنى القاضي الحسين هذا الوجه على أن علة وجوب الاستبراء حدوث ملك الرقبة، مع فراغ محل الاستمتاع، وجعل الأول مبنياً على أن العلة حدوث ملك حل الفرج.
أما إذا وجد الإسلام قبل استكمال الاستبراء في الكفر، فلا بد من تجديد الاستبراء، والمحرمة- فيما ذكرناه- ملحقة بها على ما حكاه القاضي وغيره.
قال: وإن كانت مزوجة أو معتدة، [أي] حالة الملك لم يصح استبراؤها حتى يزول النكاح، وتنقضي العدة؛ لما ذكرناه من التعليل. وهذا الكلام يدل على وجوب الاستبراء بعد زوال ذلك، وهو موافق لنص الشافعي- ﵁ في "الإملاء"، ومخالف لنصه في "الأم"؛ فإنه صرح بأنه لا استبراء عليها.
وفي طريقة المراوزة حكاية وجه: أنه يعتد به في حال النكاح والعدة.
ووجه حكاه القاضي الحسين في أن المزوجة إذا طلقت بعد الشراء قبل الدخول لا استبراء عليها؛ بناء على العلة الأولى، وهذه المسألة هي الملقبة بالهارونية التي أجاب فيها أبو يوسف بمثل هذا الوجه.
قال: فإن ملكها بمعاوضة، لم يصح استبراؤها حتى يقبضها، وهذا ما ذهب إليه أكثر أصحابنا البغداديين؛ لأن الملك فيها قبل القبض غير مستقر بسبب تعرضه للفسخ.
стр. 7252
فعلى هذا: لو وجد بعض الاستبراء في يد البائع، [ثم كمل في يد المشتري- نظر:
فإن كان الأكثر في يد البائع] لم يعتد به، وإن كان في يد المشتري اعتد به، قاله الماوردي.
وفيه وجه صححه الماوردي والرافعي، واختاره القاضيان أبو الطيب والروياني، وجعله البغوي المذهب: أنه يعتد به؛ لأن الملك تام لازم فأشبه ما بعد القبض.
قال في "المهذب": وأصل المسألة: أن المبيع إذا تلف قبل القبض، يرتفع العقد من أصله أم لا؟ وفيه خلاف.
تنبيه: ذكر الشيخ المعاوضة في هذا المقام يظهر به أن اختياره: أن الملك إذا حصل بغير معاوضة تعتد بالاستبراء فيه قبل القبض، وهو الذي ذهب إليه أكثرهم.
وقال البندنيجي: كل من استبرئت قبل قبضها لم يقع الاستبراء موقعه في جميع جهات الملك، إلا إذا ورثها ابنها وبعضهم فصل فقال: إن ملكها بالإرث فلا حاجة إلى القبض؛ لأن الملك به نازل منزلة المقبوض، بدليل جواز بيعه. وإن ملكها بالوصية والقبول، ففيه الخلاف المذكور في المعاوضة، وهذا ما حكاه في "المهذب" والبغوي.
وأما الهبة والمغنم قبل القبض، والوصية قبل القبول، فعدم الاعتداد بالاستبراء في هذه الأحوال ليس لعدم القبض؛ بل لعدم الملك الذي هو سبب الاستبراء؛ فإن الملك لا يحصل إلا به، وإذا لم يحصل السبب لم يوجد المسبب، خصوصاً إذا لم يكن له إلا سبب واحد، وإذا كان كذلك لم يكن كلام الشيخ متضمناً إخراجهما بالقيد المذكور.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن تكون الجارية مستحسنة أو غير مستحسنة؛ لأن الشرع ائتمن المشتري على ذلك، بدليل أنه لم يمنع سبايا أوطاس من الذين وقعن في سهامهم، ويجوز للمشتري استخدامها، وهذا بخلاف الجارية المرهونة: إذا لم نجوز للراهن وطأها ولا يجوز استخدامها؛ لأن الحق فيها للمرتهن، فغلظ فيه.
فرع: لو وقع الحيض أو وضع الحمل في مدة الخيار بعد القبض- فحصول الاستبراء مبني على أقوال الملك:
стр. 7253
فإن قلنا: إنه للبائع، لم يحصل، فإذا طهرت من النفاس وطعنت في الحيض انقضى الاستبراء، إن كان ذلك بعد انقضاء الخيار- أيضاً- وقلنا: إن الاستبراء بالطهر، وإن قلنا: إنه بالحيض، فإنما ينقضي إذا تمت الحيضة.
وإن قلنا: إن الملك للمشتري أو موقوف، فوجهان، أظهرهما: المنع؛ لأن الملك في زمان الخيار غير لازم، بخلاف ما قبل القبض.
وخصص الماوردي الخلاف بما إذا حاضت في زمن الخيار، وجعل الصحيح حصوله، وقطع بحصول الاستبراء إذا وضعت؛ لأن الاستبراء بالوضع أقوى من الاستبراء بالأقراء.
وإن وجد الاستبراء في مدة الخيار قبل القبض، [وقبل اللزوم، فهاهنا أولى.
و [إن] قلنا: إنه لا يعتد به، فهاهنا وجهان حكاهما القاضي الحسين.
[فرع] آخر: إذا اشترى العبد المأذون جارية، فللسيد وطؤها بعد الاستبراء إن لم يكن هناك دين، فإن كان هناك دين للغرماء لم يكن له وطؤها، فإذا انفكت الديون بقضاء أو إبراء، فهل يكتفي بما حصل من الاستبراء قبل ذلك أم لا؟ فيه وجهان كما في المجوسية، وبالثاني: أجاب العراقيون، وطرده ابن الصباغ فيما إذا اشترى أمة، ثم رهنها، ثم انفك الرهن بعد وجود الاستبراء في حالة الرهن، وغلطه القاضي الروياني فيه.
قال: وإن ملكها وهي زوجته حلت له من غير استبراء؛ لأنا إن قلنا: إن علة وجوبه حدوث ملك حل الفرج، فهي كانت حلالاً له قبل ذلك، وقد انتقلت من حل إلى حل. وإن قلنا: العلة حدوث ملك الرقبة مع فراغ محل الاستمتاع، فليس محل الاستمتاع هاهنا فارغاً؛ فإنها في حال الشراء منكوحة، وبعد تحقق الشراء معتدة، بدليل أنه لو أراد تزويجها، لم يجز إلا بعد انقضاء تمام عدتها، ولو كانت معتدة عن الغير، فاشتراها- لم يجب الاستبراء بناءً على هذه العلة؛ فكذلك إذا كانت معتدة منه، لكن له هاهنا أن يطأها، [وإن لم نوجب الاستبراء؛ لأن الماءين له، وثم لا يطؤها] وإن لم نوجبه؛ خشية من اختلاط الماءين، وهذا إذا [كان] المشتري حراً.
стр. 7254
أما إذا كان مكاتباً، فإن النكاح ينفسخ على ما حكاه الماوردي، ولا يحل له وطؤها إن لم يأذن له السيد، وإن أذن له ففي جوازه قولان، فإن قلنا: [يحل، فيتجه] وجوب الاستبراء.
قال: والأولى ألا يطأها حتى يستبرئها؛ ليتميز الحر من ولده الذي تصير به الأمة أم ولد عن الرقيق الذي يعتق عليه، ويثبت عليه الولاء.
وحكى الغزالي وغيره وجهاً: أنه واجب؛ لما ذكرناه من المعنى.
وبنى الماوردي الخلاف على الخلاف في حل وطئها له في زمان الخيار، فقال: إن قلنا يحل الوطء لم يجب، وإلا وجب، كذا حكاه في البيع.
وبناه القاضي الحسين على العلتين في وجوب الاستبراء، فقال: إن قلنا: إن العلة حدوث ملك [حل] الفرج، فلا، وإن اعتبرنا حدوث ملك الرقبة فيجب، وقد ذكرنا شيئاً على ذلك.
فرع: لو أراد أن يزوجها بعد الشراء، نظر:
إن وطئها بعد الشراء، فلا بد من أن يستبرئها بقرء واحد استبراء الإماء.
وإن لم يكن قد وطئها، قال الماوردي: فلا بد من أن يستبرئها بقرأين عدة أمة؛ لأنه عن وطء في زوجية.
فرع آخر: لو اشتراها بعدما طلقها وهي في عدته، وجب الاستبراء؛ لأنها حرمت بالطلاق، وليس الملك كالرجعة؛ لأنه يقطع النكاح فلا يصلح استدراكاً لما وقع فيه من الخل، وبم يستبرئها؟
ملخص ما ذكره الإمام في باب الرجعة: أنه إن بقيت من العدة حيضة كاملة اكتفى بها، وإن بقيت بقية من الطهر فكذلك عند بعضهم.
ومنهم من يشترط حيضة كاملة، وهي القياس.
[و] هذا إذا قلنا: إن الاستبراء بالحيض، أما إذا قلنا: إن الاستبراء بالطهر، وقلنا: إن الطهر كاف للاستبراء حصل الغرض بها، والله أعلم.
قال: فإن كاتب أمة، ثم رجعت بالفسخ، لم يطأها حتى يستبرئها؛
стр. 7255
لأنه استحداث استباحة بملك بعد عموم التحريم؛ فوجب عليه الاستبراء كالتي استحدث ملكها، أو لأنه عقد عليها عقداً صار غيره أحق بمهرها بسببه؛ فأشبه ما إذا باعها أو وهبها.
فإن قيل: الملك في الرقبة باق، والتحريم طارئ؛ فوجب ألا يجب بزواله الاستبراء؛ كما لا يجب بزوال الصوم، والصلاة، والاعتكاف، والحيض، والنفاس، والرهن، والتكفير عن الظهار؛ بجامع اشتراك ذلك في التحريم مع بقاء الملك.
قلنا: لا نسلم أن الملك باق له في رقبة المكاتب؛ فإنا قد حكينا في باب جامع الأيمان أن المكاتب مملوك لنفسه على رأي، لا للسيد. وعلى تقدير التسليم، فالفرق: أن هذه اشياء لم تؤثر التحريم؛ لخلل في الملك، بدليل: أنه يجوز له أن يستمتع بالنظر إليها- مع وجود ما ذكر- بالقبلة- واللمس بشهوة في بعض الصور، وتحريم المكاتبة عام يحرم سائر الاستمتاعات؛ فدل على خلل في الملك فافترقا.
فرع: لو أحرمت الأمة، ثم تحللت، لم يجب الاستبراء عند الجمهور، وهو الذي صححه الإمام.
وعند الغزالي والمتولي في وجوبه خلاف، كما سيأتي في المرتدة.
فرع آخر: لو باع جارية بشرط الخيار، ثم عادت إليه بالفسخ فيه أو في خيار المجلس- فهل يجب الاستبراء عليه؟
إن قلنا: إن الملك للبائع، لم يجب.
وإن قلنا: إنه للمشتري، أطلق الأصحاب القول بالوجوب، وهو ما أجاب به في "التهذيب"، وقضية ما ذكرته في أول الباب.
وقال الإمام: هذا عندي مخرج على أصل، وهو أنه هل يحل له وطؤها مع بقاء الخيار له؛ تفريعاً على القول بزوال ملكه؟
فإن قلنا: لا يحل له، لم يمتنع وجوب الاستبراء.
وإن قلنا: يحل- وهو الأصح- فيبنى على أن الزوج إذا اشترى زوجته، هل
стр. 7256
يجب عليه الاستبراء أم لا؟ فإن قلنا: لا يجب، فكذلك هاهنا، وإلا فوجهان.
وقال الرافعي: قد حكينا وجهاً فيما إذا قلنا: إن الملك للبائع: أن الوطء لا يحل، فيجيء على هذا الوجه أن يقال بوجوب الاستبراء.
فرع آخر: إذا أسلم في جارية، فسلمت إليه، ثم اطلع بها على عيب لو رضي به للزم الأخذ، لكنه فسخ- فهل يجب عليه استبراؤها؟ فيه وجهان.
قال: وإن ارتد السيد أو ارتدت الأمة، ثم عاد أي: المرتد منهما، إلى الإسلام لم يطأها حتى يستبرئها؛ لأنه زال ملكه عن استمتاعها بالردة، وعاد بالإسلام؛ فأشبه المسألة قبلها.
وقيل: إن السيد إذا ارتد، [ثم عاد، وقلنا بأن ملكه لم يزل- لا يجب الاستبراء. وادعي في الأمة- أيضاً- إذا ارتدت]، ثم أسلمت.
وادعى الإمام: أنه الأصح فيها.
وبنى في "التهذيب" الخلاف فيها على الوجهين فيما إذا اشترى مرتدة ثم أسلمت، هل يعتد باستبرائها في زمن الردة أم لا؟ فإن قلنا: يعتد به، لم يجب هاهنا، وإلا وجب.
قال: وإن زوجها، ثم طلقها الزوج قبل الدخول، لم يطأها حتى يستبرئها؛ لما ذكرناه من العلة.
وقيل: لا يجب، وادعى مجلي أن ظاهر النص يقتضيه.
قال بعضهم: وهذا الخلاف ينبني على العلتين اللتين ذكرهما القاضي الحسين: فالألو مبني على الثانية، والثاني مبني على الأولى.
وعلى الوجهين: لو كان السيد قد وطئها قبل التزويج لا تعود فراشاً بالطلاق، بخلاف أم الولد كما سنذكره، صرح به الماوردي وغيره.
قال: وإن طلقت بعد الدخول، فاعتدت من الزوج، فقد قيل: يدخل الاستبراء في العدة؛ لحصول المقصود، وهو براءة الرحم، وهذا نصه في "الإملاء". وقيل: لا يدخل، بل يلزمه أن يستبرئها؛ لتجدد ملك الاستمتاع عليها، وهذا نصه في "الأم". ومن هذين النصين استنبط القاضي الحسين العلتين في وجوب الاستبراء.
قال: ومن لا يحل وطؤها قبل الاستبراء- أي بسبب تجدد ملك الرقبة-
стр. 7257
لم يحل التلذذ بها قبل الاستبراء- أي: مثل القبلة، واللمس، والنظر بشهوة- لاحتمال أن تكون حاملاً من سيدها؛ فتكون أم ولد له، ويتبين أنه لم يملكها، ولأن هذه الاستمتاعات تدعو إلى الوطء المحرم؛ فحرمت.
قال: إلا المسبية؛ فإنه يحل التلذذ بها في غير الجماع؛ لما روي أن منادي رسول الله ﷺ نادى بأمره في سبايا أوطاس: "ألا لا تُوطَأُ حَامِلُ حَتَّى تَضَعَ، وَلا حَائِلُ حَتَّى تَحِيضَ"؛ فاقتضى النداء الاقتصار على تحريم الوطء، وكانت السبايا مختلطات بالمسلمين، ويغلب على الظن امتداد الأيدي إليهن، فلما لم يحرم الرسول ﷺ إلا الوطء مع الحال التي وصفت، اقتضى ذلك تخصيص الوطء بالمحظورات.
وقد روى ابن عمر أنه قال: "وقعت في سهمي جارية منس بي جلولاء فنظرت إليها فإذا عنقها مثل إبريق الفضة، فلم أتمالك أن وثبت عليها فقبلتها والناس ينظرون"؛ فلو كان حراماً لامتنع منه، ولأنكره الناس عليه.
قال: وقيل: لا يحل كما في غيرها، وللعلة الثانية، وهذا أصح في "النهاية".\
стр. 7258
قال: والأول أظهر؛ لما ذكرناه، ونظراً إلى العلة الأولى؛ فإن ملكه عليها قد تحقق حائلاً كانت أو حاملاً، وإنما حرم وطؤها صيانة لمائه؛ كي لا يختلط بماء حربي، لا لحرمة الحربي، بخلاف غيرها.
ومثل هذا الخلاف يجري في التلذذ في الحامل من الزنى، لما ذكرناه من التعليل، صرح به الماوردي، وجعل ضابط من يحرم التلذذ بها جزماً: أن تكون بحيث لو ظهر بها حمل صارت به أم ولد لمن كان مالكها، مثل: أن تكون من مالك كانت له فراشاً، أو موروثة عنه، أو مستوهبة منه.
تنبيه: إذا قلنا بجواز التلذذ، فذاك فيما فوق الإزار، أما ما تحت الإزار ففيه تردد أبداه الإمام كما في حق الحائض، والذي يقتضيه إيراد الشيخ [جوازه]- أيضاً- حيث قال: "فإنه يحل التلذذ بها في غير الجماع"، وكذلك إيراد البندنيجي؛ فإنه قال: هل يحل له وطؤها فيما دون الفرج، ودواعي الجماع كالقبلة؟
وهذا التردد يظهر أثره فيما إذا كان استبراؤها بوضع الحمل أو بالأشهر، أما إذا كان بالحيض فلا يظهر له أثر.
وإذا قلنا بتحريم التلذذ، فهل ينقطع بانقطاع الحيض، أم يبقى إلى الاغتسال كما يبقى تحريم الوطء؟
المذهب الأول، والثاني منقول في "تعليق" القاضي الحسين، وطرده فيما إذا قلنا بتحريم التلذذ بالحائض أيضاً.
قال الإمام: وقد بحثت عن الطرق، فلم أجد ما نسب إلى القاضي في شيء منها.
قال: ويصح بيع الأمة قبل الاستبراء- أي: وإن كان قد وطئها المالك- لأن الاستبراء يجب على المتملك عند إرادة الوطء؛ للخبر؛ فتحصل به براءة الرحم؛ فلا حاجة إلى استبراء البائع.
ولا نقول على هذا: يتداخل استبراءان، بل نقول: الواجب استبراء واحد من غير تداخل على المشتري.
стр. 7259
وأيضاً: فإن استبراء البائع استبراء مع بقاء الحل؛ فلا يعتد به كاستبراء الزوجة قبل الطلاق.
قال: وأما تزويجها، فينظر:
فإن كان قد وطئها المالك، أي: في الحال، أو من ملكها من جهته، ولم يكن قد استبرأها- لم يجز تزويجها قبل الاستبراء؛ لأنه لو جاز لاستعقب الحل؛ فإنه المقصود من العقد، بدليل أنه لا يصح أن يعقد على من لا يجوز له وطؤها، وذلك يؤدي إلى اختلاط المياه، وهذا بخلاف البيع؛ فإن المقصود منه ليس الوطء، بدليل صحة شراء من يحرم عليه وطؤها، فإذا أوجبنا الاستبراء على من يحل له وطؤها، لم يكن مقصود العقد قد تخلف عنه، وبه يحصل الأمن من اختلاط المياه.
ثم هذا إذا كان الراغب في تزويجها من لم يجب الاستبراء بسبب وطئه [أما إذا كان الرغب في من وجب الاستبراء بسبب وطئه]، فإنه يصح أن يتزوجها قبل الاستبراء، صرح به صاحب "التهذيب".
قال: وإن لم يكن قد وطئها جاز؛ لأن الظاهر فراغ رحمها عن الحمل؛ فجاز الإقدام على العقد عليها كما في المطلقة قبل الدخول.
وفيه وجه: أنه لا يجوز، وهو جار فيما إذا وطئها من ملكها من جهته، ثم استبرأها قبل نقلها عنه، وادعى القفال أنه الذي عليه أكثر الأصحاب، ونوقش فيه.
وهذا الخلاف فيما لو كان الانتقال من امرأة أو صبي.
وعلى المذهب: فالفرق بين التزويج ووطء المشتري أن الزوج إذا لحقه منها ولد أمكنه نفيه باللعان؛ فيندفه عنه الضرر، والسيد لو أبيح له الوطء قبل الاستبراء لم يتمكن من نفيه؛ إذ نفيه يكون بدعوى الاستبراء، ولم يوجد الاستبراء، والله أعلم.
قال: وإن أعتق أم ولده في حياته أو مات عنها، لزمها الاستبراء؛ لأنها كانت فراشاً للسيد، وزوال الفراش بعد الدخول يقتضي التربص؛ كما في زوال الفراش عن الحرة، وهذا الاستبراء يكون كاستبراء الأمة، وقد تقدم، ووجهه: أنه استبراء عن ملك.
стр. 7260
ولا يجب عليها أن تعتد عدة الحرائر، ولا عدة الإماء؛ لأن الله- تعالى- خصص الاعتداد بالأقراء بالمطلقات، وبالأشهر والعشر بالزوجات، وهذه ليست بزوجة ولا مطلقة. ولأن هذا استبراء عن ملك؛ فوجب أن يقتصر فيه على قرء كالأمة المشتراة.
فإن قيل: هذا استبراء وجب في حال الحرية؛ فوجب أن يكون كاستبراء الحرة.
فجوابه ما ذكرناه.
ولا فرق [فيما ذكرناه] بين أن تكون قد استبرأت قبل العتق والموت أو لا؛ كما لا فرق في وجوب استبراء الحرة بين أن يكون قد وجد قبل الطلاق أو لا.
وفي "التتمة" حكاية وجه حكاه في "التهذيب" قولاً: أنه إذا وجد قبل العتق والموت كفى.
وبنى بعضهم الخلاف على أن فراش أم الولد هل يزول بالاستبراء، وهل تعود فراشاً للسيد إذا مات زوجها أو طلقها وانقضت عدتها، أو لا تعود ولا تحل إلا بعد استبراء؟ وفيه خلاف.
قال القاضي الحسين: فإن قيل: أم الولد يجوز تزويجها ولو كان الفراش [لا] يزول عنها بالاستبراء، لم يجز تزويجها. ثم قال: قد قيل: إنها لا تزوج لأجل ذلك.
وحكم الأمة الموطوءة إذا أعتقها سيدها- إما في حياته، وإما بعد موته بالتدبير- حكم أم الولد، إلا فيما إذا وجد الاستبراء قبل العتق؛ فإنه لا يحتاج إلى تجديده بعده حتى يحل لها أن تتزوج، كذا حكاه الرافعي عن الأئمة، [وأنهم لم يطردوا] الخلاف المذكور في المستولدة فيها؛ لأن المستولدة ثبت لها حق الحرية، وفراشها شبيه بفراش النكاح.
والإمام والغزالي حكيا الخلاف فيها- أيضاً- وجهين مع ثالث: أنه لا استبراء على القنة بعد العتق، ويجب على المستولدة.
стр. 7261
وإذا مات عن الأمة ولم تعتق بموته، لم يكن عليها استبراء عنه، لكن على من انتقلت إليه إذا أراد الوطء، كما تقدم.
ولو أعتق الأمة غير المستفرشة، لم يلزمها استبراء بلا خلاف، وإن أفهم كلام الغزالي [أنه وجه]، صرح به الرافعي.
فرع: حيث قلنا: يجب استبراء المستولدة أو المعتقة بعد العتق؛ لأجل التزويج، فلو أراد السيد أن يتزوجها ففيه وجهان:
أصحهما: الجواز؛ كما يجوز أن ينكح المعتدة منه، وهذا ما جزم به الماوردي فيما إذا كان بائع الأمة قد استبرأها قبل بيعها للمعتق.
قال: وإن مات عنها [وهي مزوجة أو معتدة لم يلزمها الاستبراء؛ لأنها ليست فراشاً للسيد] والحالة هذه؛ فلم يلزمها الاستبراء كما لو لم تكن موطوءة.
وأيضاً: فإن الاستبراء لطلب حل أو لاستباحة نكاح، وهي مشغولة بحق الزوج؛ فلا يطلب منها حل، ولا تنكح غيره.
وخرج [ابن سريج] قولاً: أنه يلزمها الاستبراء؛ كما لو وطئت منكوحة إنسان بشبهة، فشرعت في عدة وطء الشبهة، ثم مات الزوج أو طلقها- فإنه يلزمها العدة عنهز
وأضاف المتولي هذا القول إلى الإصطخري.
وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسي: أنه منصوص عليه في القديم.
فعلى الأول: لو أعتقها أو مات عنها وهي في عدة وطء شبهة، فهل يلزمها الاستبراء؟ فيه وجهان:
أشهرهما: الوجوب.
وميل البغوي إلى مقابله.
ولو مات السيد أو أعتقها بعد انقضاء عدتها عن طلاق الزوج أو موته، لم يلزمها الاستبراء على وجه؛ لأن براءة الرحم قد عرفت بالعدة.
стр. 7262
والمنصوص وظاهر المذهب: أنه يجب، إلا أن من الأصحاب من يشترط لوجوبه أن يقع إعتاق السيد أو موته بعد انقضاء العدة بلحظة؛ لتعود فيها فراشاً للسيد، وهذا ما يقتضيه كلام الشيخ في مسألة "موت السيد والزوج" الآتية من بعد. ومنهم من لم يشترط ذلك.
وقد بني الخلاف في وجوب الاستبراء هاهنا على ما إذا انقضت عدة الزوج والسيد حي، هل تعود فراشاً؟ ومذهبا لشافعي وما ظهر من منصوصاته في كتبه- على ما حكاه الماوردي-: أنها تعود فراشاً للسيد، وتحل له من غير استبراء، كما إذا رهنها ثم زال الرهن. فعلى هذا: يلزمها الاستبراء بموت السيد.
وحكى ابن خيران قولاً ثانياً تفرد بنقله عن الشافعي في القديم: أنها لا تعود فراشاً، ويجب عليه الاستبراء إذا أراد وطأها.
فعلى هذا: هل يلزمها الاستبراء بموت السيد؟ فيه الخلاف المذكور فيما إذا مات وليست فراشاًله، وبناهما الماوردي على أصل، وهو أن استبراء [أم الولد] هل وجب لحرمة الولد؟ أو [لرفع] الفراش؟ وفيه وجهان، أحدهما- وهو قول أبي سعيد الإصطخري-: الأول؛ فعلى هذا يجب الاستبراء، وعلى الثاني: لا يجب، وهو الذي جزم به ابن الصباغ.
قال: ولو مات السيد والزوج، أحدهما قبل الآخر، ولم يعلم السابق منهما – فإن كان بين موتهما شهران وخمس ليال فما دونها لم يلزمها الاستبراء، وهذا لفظ الشافعي، كما حكاه ابن الصباغ؛ لأنها تكون عند موت السيد الذي يجب الاستبراء بسببه: إما مزوجة إن كان السيد قد مات أولاً، أو معتدة إن كان الزوج قد مات أولاً، وقد بينا أنه لا استبراء عليها في الحالين، ويلزمها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر من موت الثاني، لاحتمال أن يكون السيد هو الذي مات أولاً؛ فتكون حرة عند موت الثاني.
وما ذكرناه مبني على أنه إذا مات وهي في العدة لا يجب عليها استبراء، أما إذا قلنا بأنه يجب فالحكم كما في المسألة بعدها.
واعلم أن النووي قال: قول الشيخ في هذه المسألة: "شهران وخمس ليال"، صوابه: "شهران وخمسة أيام بلياليها".
стр. 7263
قلت: وما قاله الشيخ إن أجري على ظاهره لم يكن فيه مؤاخذة من جهة الحكم؛ لأن غايته أن يكون بين موتهما دون عدة الأمة عن الوفاة، فإنها شهران وخمسة أيام وخمس ليال، والحكم لا يتغير بذلك. وإن حمل على أن المراد أن يكون بين موتهما عدة الأمة للوفاة- وهو الظاهر، كما حكاه في "التهذيب"- فقد سبق في كتاب العدد، الجواب عنه، لكن يكون ما ذكره الشيخ فيما إذا كان بين موتهما شهران وخمس ليال مفرعاً على أنه لو تحقق موت السيد آخراً والحالة هذه لا يلزمها الاستبراء [كما أشرنا إليه من قبل، أما إذا قلنا: إنه يلزمها الاستبراء] فيكون الحكم كما هو في الحالة الثانية.
قال: وإن كان أكثر لزمها الأكثر من عدة الوفاة، وهي أربعة أشهر وعشر وحيضة؛ لأنه يحتمل أن يكون الزوج مات أولاً؛ فتكون وقت موت السيد قد عادت إلى فراشه؛ فيلزمها الاستبراء. ويحتمل أن يكون السيد مات أولاً، فتكون عند وفاة الزوج حرة؛ فيلزمها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر. فيلزمها أكثرهما؛ لأنها تخرج به عما عليها بيقين.
قال: والاستبراء، أي: بالحيضة، والأشهر المعتبرة في عدة الوفاة تعتبر من موت الثاني منهما.
أما اعتبار الحيضة؛ فلأنا إنما أوجبناها لاحتمال أن يكون الثاني هو السيد، وإلا لم تجب.
وأما اعتبار الأشهر؛ فلما ذكرناه من قبل.
فعلى هذا: إذا حاضت حيضة كاملة بعد موت الثاني منهما، وقبل استكمال أربعة أشهر وعشر من موت الثاني- يلزمها أن تصبر إلى انقضائها.
وإن انقضت أربعة أشهر وعشر من موت الثاني قبل أن تحيض حيضة، لزمها أن تصبر إلى أن تحيض حيضة.
وعبارة الأصحاب في ذلك: لزمها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر من موت الثاني منهما، فيها حيضة.
وعبارة الشيخ أحسن.
стр. 7264
ولا فرق بين أن تأتي الحيضة في أول الشهور أو آخرها.
وحكى أبو إسحاق المروزي وجهاً: أنه يشترط أن تكون الحيضة بعد مضي شهرين وخمس ليال؛ كي لا يجتمع الاستبراء وعدة الزوج. وغلط قائله؛ لأن الاستبراء إنما وجب لاحتمال أن يكون الزوج مات أولاً، وإذا كان كذلك فعدة الزوج انقضت قبل موت السيد؛ فلم يجتمعا.
ثم اعلم أن ما ذكرناه مفرع على أن أم الولد تعود فراشاً للسيد بموت الزوج، ومصور بما إذا كانت من ذوات الأقراء. أما إذا قلنا: إنها لا تعود فراشاً، أو كانت من ذوات الشهور- كفاها مضي أربعة أشهر وعشر من موت الثاني منهما.
تنبيه: اعتبار وجود الحيضة الكاملة في الأشهر والعشر أو بعدها، قد يظن أنه إنما يكون إذا قلنا: إن الاستبراء يكون بالحيض، أما إذا قلنا: إن الاستبراء بالحيض، أما إذا قلنا: إنه بالطهر، فينظر:
إن كان موت الثاني في الطهر فكذلك الحكم؛ لأنه لا بد من وجود الحيضة، سواء اكتفينا ببقية الطهر أو لم نكتف كما حكيناه من قبل، وقال الماوردي: إنه لم يقل أحد بخلافه.
وإن كان في الحيض فقد تقدم في اعتبار الحيضة [الكاملة- والحالة هذه؛ تفريعاً على هذا القول- وجهان، وأن الأظهر منهما والأقيس عند القاضي الروياني: أنه لا بد منها؛ فعلى هذا يكون اعتبار وجود الحيضة] لا بد منها على القولين جميعاً.
واعلم أن ما شرحته هو ما وجدته في أكثر ما وقفت عليه من النسخ، وفي بعض الشروح ما يقتضي أن كلام الشيخ: لزمها الأكثر من عدة الوفاة، وهي أربعة أشهر وعشر، والاستبراء، [أو الاستبراء] يعتبر- أي الأكثر- من موت الثاني منهما. وهذا كلام صحيح حسن، وهو راجع لما ذكرناه.
قال: ولا ترث من الزوج شيئاً؛ لأن الميراث لا يستحق إلا بالتيقن ولم يوجد، مع أن الأصل عدم استحقاق الإرث، ويخالف وجوب العدة حيث أوجبنا
стр. 7265
عليها عدة الحرائر؛ لأن العدة واجبة عليها بيقين، فلا تخرج منها بالشك.
فإن قيل: لم لا أوقفتم لها نصيب زوجة؛ لاحتمال أن يكون السيد مات أولاً؛ كما لو طلق إحدى امرأتيه ولم يبين حتى مات؟
قيل: لأن ميراث أم الولد متردد بين استحقاقه وإسقاطه؛ فلم يجز وقفه مع الشك، وميراث إحدى الزوجتين متحقق قطعاً؛ فجاز أن يوقف على بيان مستحقه.
فإن قيل: هذا الفرق يفسد بما إذا كانت إحدى الزوجتين ذمية؛ فإنه يوقف، ولو احتمل أن تكون المسلمة هي المطلقة فلا إرث لواحدة منهما.
قيل: لا نسلم أنه يوقف لهما شيء والحالة هذه؛ تمسكاً بما حكي عن الغزالي من قبل.
وعلى تقدير التسليم- وهو ما حكاه الماوردي وابن الصباغ هنا- فالفرق: أن الأصل في المسلمة: أنها تستحق الميراث؛ فلم يسقط ميراثها بالشك، والأصل في أم الولد أنها غير وارثة؛ فلم يوقف لها الميراث.
فرع: لو شككنا هل بين موتهما شهران وخمس ليال أو أكثر، كان الحكم كما لو تحققنا أن بين موتهما أكثر من شهرين وخمس ليال.
ووراء الصور التي ذكرناها ثلاث صور:
إحداها: أن يموت السيد أولاً؛ فلا يجب عليها استبراء على الصحيح، ويجب عليها أن تعتد عن الزوج أربعة أشهر وعشراً.
الثانية: أن يموت الزوج أولاً؛ فعليها أن تعتد عنه عدة الوفاة، لكن ينظر:
إن مات السيد قبل استكمال شهرين وخمس ليال فقد عتقت في أثناء العدة، وفي وجوب استكمال عدة الحرائر عليها قولان، ولا يجب عليها استبراء على الصحيح، وعلى قول الوجوب تأتي به بعد فراغ عدة الوفاة [إن كانت ممن لا تحيض، أو لم تر الحيض فيما بقي من مدة عدة الوفاة] وإن رأته، قال الرافعي: كفى.
وإن مات بعد مضي ذلك فقد انقضت عدة الوفاة، ووجب عليها الاستبراء على الصحيح؛ بناء على أنها تعود فراشاً.
الثالثة: أن يموتا معاً؛ فلا استبراء على الصحيح، ويجب عليها عدة الحرائر على الصححيح عند البغوي، وهو موافق لما حكيته عن الماوردي فيما إذا وقع الطلاق والعتق معاً: أنها تعتد عدة الحرائر وجهاً واحداً، وعند الغزالي: عدة
стр. 7266
الإماء؛ تفريعاً على أنها إذا عتقت في أثناء العدة تتم عدة أمة، أما إذا قلنا: عدة حرة، فهاهنا أولى.
قال: وإن اشترك اثنان في وطء أمة- أي: لهما أو لغيرهما- بشبهة، لزمها عن كل واحد منهما استبراء؛ لأن الاستبراء لحقهما فلا يتداخلان، كالعدتين.
ومن أصحابنا من قال: يكفيها استبراء واحد.
ثم محل وجوب الاستبراء في الوطء في الشبهة إذا لم يظن الواطئ أنها زوجته، أما إذا ظن أنها زوجته فهل يجب عليها الاستبراء والعدة؟ فيه تفصيل مذكور في العدد.
فرع: إذا أتت الأمة المشتراة بولد، فقال البائع: هو مني- نظر:
إن صدقه المشتري قبل منه، وبطل البيع، وحكم بحرية الولد، وبأن أمه أم ولد.
وإن كذبه المشتري، وكان البائع قد أقر بالوطء عند البيع أو قبله، ولم يكن استبرأها قبل البيع- فالحكم كذلك، سواء أتت به لدون ستة أشهر أو أكثر، ولا يمين على البائع، قال الماوردي: لأن البائع لو رجع عن إقراره لم يقبل.
وهكذا الحكم لو ادعى الاستبراء، ثم أتت بولد لدون ستة أشهر من وقت البيع، وإن أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت البيع لم يلحقه، والبيع بحاله.
وإن لم يكن قد أقر بالوطء حال البيع، ولا قبله- لم يقبل قوله، وفي ثبوت نسب الولد منه فيما إذا أتت به لزمان يمكن أن يكون منه، قولان.
ثم حيث نفينا الولد عنه هل يلحق بالمشتري؟ ينظر:
إن لم يطأها لم يلحقه، وكذا إن وطئها وأتت به لدون ستة أشهر من وقت وطئه.
وإن أتت به لستة أشهر فأكثر لحقه.
وحيث حكمنا بلحوقه بالبائع فيما إذا أتت به لستة أشهر من وقت الوطء ولم يكن استبرأها، وكان المشتري قد وطئها، وبين وطئه وولادتها ستة أشهر- عرض على القائف.
стр. 7267
فرع آخر: إذا أخبرت الأمة المشتراة سيدها بالحيض اعتمد على قولها، ولا تحلف، ولو امتنعت على السيد، فقال: قد أخبرتني بتمام الاستبراء، فالمصدق السيد، ووجهوه بأن الاستبراء باب من التقوى مفوض إلى السيد، وليس ذلك بحال الخصومات، ولو لم يكن كذلك، لحلنا بين السيد وبينها كما نحول بين الزوج والمعتدة عن وطء الشبهة، لكن هل لها أن تحلفه؟ فيه وجهان يقربان من الوجهين فيما إذا ورث جارية من أبيه أو ابنه، فامتنعت وادعت أن مورثه أصابها، وأنها حرمت عليه بالإصابة، في جواز تحليفها له؛ فإنه لا يلزمه تصديقها، لكن الورع لا يخفى.
هذا ما حكوه هاهنا في هذه المسألة المستشهد بها، ورأيت في "تعيق" القاضي الحسين بعد فصل أوله: "إذا قال لزوجته: أنت طالق في الشهر الماضي، أو قالت أمة لغير سيدها: أنا أختك من الرضاع، ثم ملكها ذلك الرجل يوماً ما- لا يحل له الاستمتاع بها.
ولو قالت ذلك لسيدها:
فإن كان بعدما مكنته، لا يقبل قولها.
وإن كان قبل التمكين، فوجهان، وجعل ظاهر المذهب القبول في نظير المسألة في النكاح إذا كانت بكراً، وزوجت بغير إذنها، ومقتضى هذا الخلاف أن يجري في هذه المسألة أيضاً، فليتأمل.
وفي أصل المسألة وجه: أن القول قولها؛ فإن الأصل عدم انقضاء الاستبراء، وهذا الوجه كنت قد [أبديته] احتمالاً.
стр. 7268
باب الرضاع
الرضاع- بفتح الراء وبكسرها-: اسم لمص الثدي، وشرب اللبن.
يقال: رضع الصبي أمه- بكسر الضاد- يرضعها رضاعاً، وأهل نجد يقولون: رضع يرضع، بكسر الضاد في المضارع، كـ"ضرب يضرب ضرباً"، وأرضعته أمه.
وامرأة مرضع، أي: لها ولد ترضعه، فإن وصفتها بإرضاعه قلت: مرضعة.
والأصل في إثبات حكمه- قبل الإجماع- على الجملة ما سنذكره من الكتاب والسنة.
قال: إذا ثار للمرأة لبن، أي: ظهر، على ولد، فارتضع منها طفل له دون الحولين خمس رضعات متفرقات- صار ولداً لها، وأولاده أولادها، وصارت المرأة أماً له، وأمهاتها جداته، وآباؤها أجداده، وأولادها إخوته وأخواته، [وإخوتها] وأخواتها أخواله وخالاته.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] نص الله- تعالى- على هاتين؛ للتنبيه، لا لاختصاص الحكم بهما؛ فإن الأصل في النسب هاتان؛ لأن النسب مشتمل على قطب وجوانب، فالأمهات أصل القطب، فنص عليها، ونبه بها على من هو [قطب النسب، والأخوات أصل الجوانب؛ لأنها أول فصل، فنص عليها، ونبه بها على من هو] في جوانب النسب، وإلا فيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وإلى هذا أشار النبي ﷺ بقوله لعلي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- وقد قال له: يا رسول الله، هل لك في بنت عمك حمزة؛ فإنها أجمل فتاة في قريش؟: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ حَمْزَةَ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَأَنَّ اللهَ حَرَّمَ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا حَرَّمَ مِنَ
стр. 7269
النسب؟ " كما رواه الشافعي مسنداً عن علي بن أبي طالب.
وقد وردت أخبار في ذلك تدل على هذا المعنى، ونذكرها في الباب، إن شاء الله تعالى.
ولا فرق- فيمن ذكرناهم- بين أن تكون نسبتهم إلى الأم المرضعة من جهة الأبوين أو أحدهما، ولا بين النسب والرضاع، وحكم إخوة أمها وأخواتها، وإخوة جدتها وجداتها من الطرفين- كما ذكرنا ضابط ذلك في النسب في باب ما يحرم من النكاح- حكم الأخوال والخالات.
واعلم أن الشيخ- ﵀ نبه بما ذكره في صدر الباب على أركان الرضاع وبعض شرائطه، ويحتاج إلى بيان ما يخرج بذلك، وما يدل على المدعى؛ فإن مدار الباب على ذلك، وما ذكره من بعد فهو في معرض البيان والتتمة له، وقد يطول الكلام فيه، لكن الضرورة تدعو إليه:
فاعتبار لبن المرأة في ثبوت ما ذكرناه يخرج ثلاثة ألبان:
أحدها: لبن الرجل المنفصل عن ثديه، لا يثبت مثل ذلك؛ لأن اللبن من أثر الولادة، والولادة تختص بالنساء.
وأيضاً: فإنه لم يخلق [لغذاء الولد] فلم يتعلق به التحريم كسائر المائعات.
وعن الكرابيسي من أصحابنا: أنه يثبت ذلك.
الثاني: لبن الخنثى المشكل إذا لم نجعل رؤيته مزيلة للإشكال على الرأي الظاهر، كما فصلناه في باب ما يحرم من النكاح، ولم تظهر أنوثته [لا يثبت ذلك؛ لعدم تحقق الشرط، أما إذا ظهرت أنوثته]، فإنه يثبته وإن وجد الإرضاع في حال الإشكال.
الثالث: لبن البهيمة لا يثبت الأخوة بين من ارتضعا منه ولا ما يترتب عليها؛ لأن الأخوة فرع الأمومة، ومنها ينتشر التحريم؛ فإذا لم تثبت الأمومة- التي هي
стр. 7270
الأصل- لا يثبت فرعها.
وأيضاً: فلبن البهيمة لا يصلح غذاء للطفل صلاحية لبن الآدميات؛ فلا يشاركها في التحريم.
واعتبار ثوران اللبن على ولد؛ ليخرج اللبن الثائر من غير ولد، وسيأتي الكلام فيه.
واعتبار ارتضاع الطفل؛ ليحترز به عما إذا أوجر اللبن؛ فإن فيه تفصيلاً نذكره من بعد.
واعتبار أن يكون له دون الحولين؛ ليحترز به عما فوق الحولين، فإنه لا يحرم عندنا؛ لقوله- تعالى-: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فجعل إتمام الرضاع في حولين، فأشعر بأن الحكم بعد الحولين بخلافه، ويعضده ما روى أبو داود عن جابر أن النبي ﷺ قال: "لَا رَضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ"، والكتاب دل على أن الفصال في عامين.
وروي – أيضاً- عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ".
وروي عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: "لا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلا مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ" أخرجه الترمذي، وقال: إنه حديث حسن صحيح.
стр. 7271
وما ورد من أن النبي ﷺ قال لسهلة بنت سهيل، لما قالت: كنا نرى سالماً ولداً، وكان يدخل علي وأنا فضل، وقد نزل من التبني والحجاب ما قد علمت؟ - وفي رواية: وليس إلا بيت واحد فماذا تأمرني؟ - قال: "أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ، فَيَحْرُمُ بِلَبَنِهَا"، وفي رواية: [أَرْضِعِيهِ] خَمْساً يَحْرُمْ بِهِنَّ عَلَيكِ"، وأنها فعلت ذلك، فكانت تراه ابناً؛ فقد روى الشافعي أن أم سلمة قالت في الحديث: "هو خاصة"، وهو يوافق ما ذهب إليه نساء رسول الله ﷺ سوى عائشة- من أن ذلك رخصة في سالم وحده.
ثم الحولان معتبران بالأهلة؛ فلو انكسر شهر منها اعتبرنا ثلاثة وعشرين شهراً بالأهلة، وكملنا الشهر الأول من الشهر الخامس والعشرين.
قال الرافعي: [والقياس أن] ابتداءهما يكون من وقت استكمال خروج الولد.
وقال في "البحر": "لو خرج نصف الولد، ثم بعد مدة خرج الباقي، فابتداء الحولين في الرضاع عند ابتداء خروجه". هذا لفظه.
وحكى القاضي ابن كج فيه وجهين، وحكى وجهين- أيضاً- فيما لو ارتضع قبل أن ينفصل جميعه هل تتعلق به الحرمة.
وحكى ابن يونس عن الصيمري: أن الاعتبار بخروج بعض الولد، لا خروج جميعه، فإن أراد بالبعض: النصف، كان موافقاً لما ذهب إليه صاحب "البحر"،
стр. 7272
وإن أراد غيره تحصل في ابتداء المدة ثلاثة أوجه: خروج الكل، خروج النصف، خروج البعض كيف قدر.
فرع: لو ارتضع أربع رضعات في استكمال الحولين، ثم استكملهما قبل فراغ الرضعة الخامسة- قال في "التهذيب": المذهب حصول الحرمة؛ لأن ما يعتد به من الرضاع غير مقدر، وقيل: لا تثبت. قال: وليس بصحيح.
واعتبار الخمس رضعات؛ ليحترز بها عما صار إليه أبو ثور من أن ذلك يثبت بثلاث رضعات، وعما صار إليه أبو حنيفة؛ فإنه أثبت ذلك برضعة واحدة.
ودليلنا: ما رواه مسلم عن عائشة- ﵂ قالت: "كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُنَّ مِمَّا نَقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ"، فلما أخبرت أن التحريم بالعشر منسوخ بخمس دل على ثبوت التحريم بالخمس؛ لأنها دونها، ولو وقع التحريم بأقل منها بطل أن يكون الخمس ناسخاً، وصار منسوخاً كالعشر.
وقول عائشة: "وهن فيما يقرأ من القرآن"- محمول على قراءة حكمها، أو العمل بها.
وقال الماوردي: إنما أضافت عائشة ذلك إلى القرآن- مع أن العشر نسخن بالخمس إنما كان بالسنة- لما في القرآن من وجوب العمل بالسنة، كالذي روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: [إن الله- لعن الواصلة والمستوصلة في كتابه العزيز، فقالت امرأة] ما وجدت هذا [في] الكتاب، فقال أنس: أليس الله- تعالى- يقول في كتابه العزيز: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
وأيضاً: فإن حديث سهلة بنت سهيل يدل على اعتبار الخمس من وجهين:
أحدهما: قوله ﷺ : "يَحْرُم بِهِنَّ عَلَيْكِ"، فلم يجز أن يحرم بما دونها؛ لما فيه من من إبطال حكمه في وقوع التحريم [بالخمس.
والثاني: أن رضاع سالم حال ضرورة يوجب الاقتصار على ما تدعو إليه
стр. 7273
الضرورة؛ فلو وقع التحريم] بأقل منها لاقتصر عليه.
فإن قيل: هذا ورد في رضاع الكبير، ورضاعه منسوخ بزعمكم؛ فلم يجز التعلق به؟
ففيه جوابان:
أحدهما: أنه يشتمل على حكمين:
أحدهما: رضاع الكبير.
والثاني: عدد ما يقع به التحريم.
ونسخ أحد الحكمين لا يوجب سقوط الآخر؛ كما قال تعالى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٥]؛ فإن ذلك يشتمل على حكمين:
أحدهما: عدد البينة في الزنى.
والثاني: إمساكهن في البيوت إلى الموت حداً في الزنى، ثم نسخ هذا الحد، ولم يوجب ذلك سقوط عدد البينة.
والجواب الثاني: أن رضاع الكبير حرم عند جواز التبني؛ لأن سهلة وأبا حذيفة تبنيا سالماً، وكان التبني مباحاً، وكانا يريان سالماً ولداً، فلما حرم التبني ونزل الحجاب حرمه رسول الله ﷺ بالرضاع عن تبنيه المباح؛ ليعود به إلى التبني ألأول، فلما نسخ الله- بقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ .....﴾ الآية [الأحزاب: ٥]، سقط ما تعلق به من رضاع الكبير؛ لأن الحكم إذا تعلق بسبب ثبت بوجوده وسقط بعدمه؛ فصار رضاع الكبير غير محرم؛ لعدم سببه، لا لنسخه.
وروى النسائي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ الْمَصَّةُ وَلا الْمَصَّتَانِ، وَلا يُحَرِّمُ إِلا مَا فَتَقَ الأَمْعَاءَ مِنَ اللَّبَنِ".
وروى غيره أنه- ﵇ قال: "لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ وَلَا الرَّضْعَةُ
стр. 7274
وَلَا الرَّضْعَتَانِ"، والمراد بالمصة: الجرعة يجرعها، وبالرضعة: الرضعة التامة في العادة.
والدليل عليه- من جهة المعنى-: أن كل سبب يقع به التحريم المؤبد إذا عري عن جنس الاستباحة افتقر إلى [العدد كاللعان، وما لم يعر عن جنس الاستباحة لم يفتقر إلى] العدد كالنكاح والوطء.
ووراء ما ذكرناه من المذهب وجهان آخران:
أحدهما: كمذهب أبي حنيفة.
والثاني: كمذهب أبي ثور، قال ابن المنذر: واختاره مشايخنا.
فلو حكم حاكم بالتحريم برضعة لم ينقض حكمه، وإن كنا نفرع على ظاهر المذهب، وعن الإصطخري: أنه ينقض.
واعتبار التفريق؛ كي لا يكون الجميع رضعة واحدة، وسيأتي الكلام فيما تتم به الرضعة الواحدة عن أكثر منها.
قال: وإن كان الحمل ثابت النسب من رجل، أي: بنكاح، أو ملك يمين، أو شبهة- صار الطفل ولداً له، وأولاده أولاده، وصار الرجل أبا له، وأمهاته جداته، وآباؤه أجداده، وأولاده إخوته وأخواته، وإخوته وأخواته أعمامه وعماته.
الأصل في ذلك ما روى مسلم عن عائشة- ﵂ قالت: "جاء عمي من الرضاعة يستأذن علي، فأبيت أن آذن له، فقال رسول الله ﷺ : "فليلج عليك عمك". قلت: إنما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل. قال: "إِنَّهُ عَمُّكِ؛ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ".
وعنها في هذا الحديث: "أن الرضاع يحرم ما يحرم من النسب".
стр. 7275
وما رويناه من حديث علي، كرم الله وجهه!
ولأن الولد مخلوق من مائهما؛ فكان الولد لهما وإن باشرت الأم ولادته؛ فاقتضى أن يكون اللبن الحادث عنه لهما وإن باشرت الأم رضاعه، وإذا كان اللبن لهما وجب أن تنتشر حرمته إليهما.
ولا فرق فيمن ذكرناهم بين أن تكون نسبتهم إلى الأب الذي له اللبن من جهة الأبوين أو من أحدهما، ولا بين النسب والرضاع [وحكم إخوة الجد وإن علا، وأخواته من الطرفين من النسب والرضاع-] حكم إخوة الأب وأخواته [هذا] هو المذهب.
وفي "الذخائر": أن بعض أصحابنا حكى عن الشافعي أنه قال: نشر الحرمة إلى الفحل خارج عن القياس؛ فإن اللبن لا ينفصل عنه، وإنما ينفصل عنها.
وذهب ابن بنت الشافعي إلى أن الحرمة لا تثبت معه.
وعن صاحبي "التقريب" و"التلخيص"، و"الجامع الكبير" للمزني رواية قول: أن اللبن من وطء الشبهة لا يثبت الحرمة من جهة الفحل؛ لأنه لا ضرورة إلى إثبات حرمة الرضاع، بخلاف النسب والعدة.
وفي "الجيلي" في آخر الباب حكاية وجه: أن لبن أم الولد لا يحرم المرضعة على السيد؛ بناء على أصلين:
أحدهما: أنه لا يجوز له أن يزوجها.
والثاني: أنه لا يجوز إجبار المملوك على النكاح.
واحترز الشيخ بقوله: ثابت النسب، عما إذا كان الحمل من وطء زنى؛ فإنه لا تثبت به الحرمة من جهة الواطئ، والأحكام من جهة الأم ثابتة.
قال الرافعي: وقد حكينا في النكاح وجهاً: أن الزاني لا يجوز له أن ينكح بنت الزنى؛ فيشبه أن يجيء ذلك الوجه هنا.
وعن المنفي باللعان إذا ارتضع طفل بلبنه؛ فإن الحكم فيه كولد الزنى.
نعم، إذا استلحقه ثبتت حرمة الرضاع- أيضاً- كما إذا نفاه بعد الرضاع انتفت حرمة الرضاع تبعاً، وإن لم يتعرض لنفيه في اللعان.
стр. 7276
قال الرافعي: ولم يذكروا هاهنا الوجهين المذكورين في نكاح المنفية باللعان، ولا يبعد أن يسوى بينهما.
تنبيه: قول الشيخ- في أول الباب-: "صار ولداً لها"، ثم قال: "وصارت المرأة أماً له .. " إلى آخره، مع أن العلم حاصل بأنه إذا صار ولداً لها، صارت أماً له، وكذلك قال في هذا الفصل: "صار الطفل ولداً له .. " إلى آخره، "وصار الرجل أباً له"، مع أن العلم حاصل بأنه إذا كان ولداً له كان ذاك أباً له؛ فأي فائدة في ذكر ذلك"؟
فجوابه: أن الشيخ لما ذكر في "باب ما يحرم من النكاح" المحرمات بسبب النسب، وعدها، ثم ذكر بعد إعراض محرمات أخر، وما حرم من ذلك بالنسب حرم- أي: مثله- بالرضاع، فأراد أن يبين في هذا الباب الأمومة والأبوة وما عداها؛ لينطبق الكلامان على معنى واحد، وعلى ذلك جرى الأئمة.
ويجوز أن يقال: لم يذكر الشيخ ذلك ليبين الأمومة والأبوة؛ فإنها ظاهرة- كما ذكرتم- ولكن ذكر ذلك؛ لأن [أصول] الرضاع التي ينتشر منها التحريم ثلاثة: المرضعة ومن حملها منسوب إليه، والمرضع؛ فذكرهما ليبين أن منهما ينتشر التحريم إلى من هو منسوب إليهما، كما ذكر أن التحريم من الولد ينتشر إلى ولده، وإن كان ذلك غير قاصر عليهم، والله أعلم.
قال: ويحرم النكاح بينهما بالرضاع كما يحرم بالنسب؛ للخبر، وقد تقدم الكلام في ذلك في باب ما يحرم من النكاح.
قال: ويحل لهما الخلوة والنظر كما يحل بالنسب؛ لحديث عائشة.
وتخصيص الشيخ هذين الحكمين بالذكر مع إثبات الأمومة وما يتفرع عنها، وكذلك الأبوة- يعرفك أنه لا يثبت بسبب الرضاع غيرهما من الأحكام: كالولاية في النكاح، والمال، والميراث، والنفقة، والعتق، وسقوط القصاص، ورد الشهادة، ومنع صرف الزكاة إليه، وغير ذلك، وهذا متفق عليه بين الأصحاب.
فائدة: قال الماوردي: قد سمى الله- تعالى- بالأم ثلاثة أصناف من النساء: الوالدة، والمرضعة، وأزواج النبي ﷺ .
стр. 7277
فالوالدة: مستوجبة لجميع أحكام النسب.
والمرضعة: مقصورة على ما ذكرناه.
وفي أزواج رسول الله ﷺ وجهان:
أحدهما: يشاركن المرضعة في التحريم والمحرمية.
والثاني: ينفردن بالتحريم دون المحرمية.
قال: وإن ارتضع، ثم قطع باختياره، من غير عارض- أي: ولم يعد إليه على قرب- كان ذلك رضعة.
لما ورد الشرع باعتبار خمس رضعات وجب تحديد الرضعة وتقديرها، والمقادير تؤخذ من أحد ثلاثة أشياء: من شرع، أو لغة، أو عرف، وليس في الشرع واللغة لذلك حد؛ فوجب أن يؤخذ من العرف كالحرز والإحياء والقبض، والعرف ما ذكره.
أما إذا قطع لعارض: كانقطاع النفس، [أو اللعب]، أو لازدراد ما اجتمع في فمه، وما جانس ذلك، ثم عاود- فالمجموع رضعة واحدة؛ لأن [العرف] قاض بذلك: كمن حلف لا يأكل إلا مرة، ففتن في أكله بسبب ما ذكرناه، ثم عاود الأكل؛ فإنه لا يحنث.
وألحق الشيخ إبراهيم المروزي بذلك ما لو قامت المرضعة فاشتغلت بشغل خفيف، ثم عادت للإرضاع، وكذا تنقله من أحد الثديين بعد إنفاذ ما فيه إلى الآخر؛ فإن ذلك رضعة، كذا حكاه الماوردي عن النص، ولم يتعرض في "شرحه" لإنفاد ما في المنتقل عنه، ولو قل زمان الفترة بين الانقطاع والعود كان الجميع رضعة.
ولا فرق فيما جعلناه رضعة بين أن يصل إلى الجوف منها قطرة أو أكثر.
قال: وإن قطعت المرأة عليه لم يعتد بذلك رضعة لعدم كمالها؛ كما لو حلف لا يأكل إلا مرة، فقطع عليه الأكل بغير اختياره، ثم عاود الأكل بعد تمكنه- لم يحنث.
стр. 7278
قال الإمام- بعد حكاية هذا عن العراقيين وتضعيفه-: وهذا فيما إذا دام تشوف الصبي إلى الرضاع في الزمان المنقطع، فأما إذا انقطع تشوفه فهو ملحق بإضرابه.
قال: وقيل: يعتد به؛ لأن الرضاع يعتبر فيه فعل المرضعة والمرتضع على الانفراد، ولا يعتبر جتماعهما عليه، لأنه لو ارتضع منها [وهي نائمة كان رضاعاً، وإن لم يكن لها فعل، ولو أوجرته لبناً] وهو نائم كان رضاعاً، وإن لم يكن له فعل، وغذا كان كذلك وجب أن يحتسب بقطعها كما يحتسب بقطعه، وهذا هو الأصح في "الرافعي" وغيره.
قال: وإن ارتضع من ثدي امرأة، ثم انتقل إلى ثدي امرأة أخرى، أي: مع قرب الزمان- فقد [قيل]: لا يعتد بواحدة منهما لأنه انتقل من إحداهما إلى الأخرى قبل تمام الرضعة؛ فلا يحتسب بكل منهما رضعة؛ كما لوانتقل من أحد الثديين إلى الآخر، وكما لو حلف: لا يأكل إلا مرة، فانتقل من زبدية إلى زبدية، أو من مائدة إلى مائدة، وهذا هو الأصح في "الجيلي"، وقال الإمام: إنه مزيف.
وقيل: يحتسب من كل واحدة منهما رضعة؛ لأن من شرط الرضعة أن يقع امتصاص الثدي، ولا يعود إليه إلا بعد مدة طويلة، وقد وجد، وهذا هو الأصح في "تعليق" القاضي الحسين و"التهذيب".
تنبيه: الثدي: بفتح الثاء، يذكر ويؤنث، والتذكير أكثر، واستعمله الشيخ مؤنثاً في قوله: "جنى على الثدي فشلت"، ويكون الثدي للمرأة وللرجل، وأكثر استعماله في المرأة، ومنهم من خصه بها.
قال: وإن أوجر من لبنها، أو أسعط خمس دفعات- ثبت التحريم.
أما في الوجور- وهو صب اللبن في حلقه- فلقوله ﷺ : "الرضاع ما شد العظم وأنبت اللحم" رواه أبو داود، والوجور يحصل ذلك.
وقوله- ﵇ في قصة سالم لسهلة بنت سهيل: "أَرْضِعِيهِ خَمْساً
стр. 7279
يَحْرُمْ بِهِنَّ عَلَيكِ"، ومعلوم أنه لم [يرد] ارتضاعه من الثدي لتحرم عليه؛ فثبت أنه أراد الوجور.
وأما في السعوط- وهو صب اللبن في أنفه- فلأنه سبيل يحصل بالواصل منه الفطر؛ فتعلق به التحريم كالفم، ولأن الدماغ جوف التغذي كالمعدة.
قال: وإن حقن، ففيه قولان:
أحدهما: أنه يثبت التحريم؛ لما ذكرناه في السعوط، وهذا ما اختاره المزني.
والثاني: لا يثبته؛ لأن الرضاع يراد لإنبات اللحم وإنشاز العظم، وهذا معدوم في الحقنة؛ لأنها لا تصل إلى محل الغذاء، وتراد للإسهال وإخراج ما في الجوف، فخالفت حكم ما يصل إلى الجوف، وهذا هو الأصح، ويقال: إنه الجديد.
وقد أجرى بعض الخراسانيين في السعوط مثل هذين القولين، وضعف ذلك بأن في الدماغ منافذ إلى المعدة؛ فلا يصل شيء إلى الدماغ إلا انحدر منه إلى المعدة؛ فيحصل به التغذين بخلاف الحقنة.
وحكم تقطير اللبن في الإحليل إذا وصل إلى المثانة، حكم الحقنة. وإن لم يصل، وقلنا: لا يفطر- فلا أثر له، وإلا فعلى القولين في الحقنة.
وكذا لو كان في جوفه جرح، فصب فيه اللبن حتى وصل [إلى الجوف.
وفي "التهذيب": أنه لو وصل إلى المعدة بخرق في الأمعاء، أو وصل] إلى الدماغ بالصب في مامومة- ثبت التحريم قولاً واحداً.
وصب اللبن في العين لا يثبت الحرمة وجهاً واحداً.
وصبه في الأذن، أطلق الروياني في "البحر": أنه يحرم.
وفي "التهذيب": أنه لا يحرم.
وفي "زوائد العمراني" عن "شرح التلخيص": أنه إذا علم الوصول إلى جوف الرأس كان رضاعاً، وإلا فلا.
وفي "النهاية": أنا قد ذكرنا تردداً في أن الصائم إذا قطر في أذنه شيئاً هل يفطر؟ فإن قلنا: لا يفطر، لم تتعلق به حرمة المصاهرة، وإن قلنا: يفطر، فالوجه
стр. 7280
تخريجه على قولي الحقنة.
وقد حكى الشيخ أبو علي- عن نص الشافعي- أنه لا تتعلق به حرمة الرضاع.
قال: وإن حلبت لبناً كثيراً في دفعة واحدة، وفرق في خمس أوان، وأوجر الصبي في خمس دفعات- ففيه قولان:
أحدهما: أنه رضعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فأضاف الفعل إليهن؛ فاقتضى أن يكون فعلهن فيه أغلب، وهو المعتبر في الحكم.
ولأن الوجور فرع الرضاع.
ثم العدد لا يحصل في الرضاع إلا بما ينفصل خمس مرات؛ فكذلك في الوجور، وهذا ما نقله المزني في "المختصر" و"جامعه"، وهو الأصح عند الأكثرين.
والثاني: خمس رضعات؛ تنزيلاً للإناء المنتقل إليه منه منزلة الثدي.
وأيضاً: فإن الرضعات كالأكل، ولو حلف لا يأكل خمس دفعات، فوضع الطعام دفعة واحدة، وأكله في خمس دفعات- كانت خمس أكلات، وهذا ما رواه الربيع.
وكان أبو حامد المرورزي وجميع البصريين يجعلونه قولاً ثانياً مخرجاً.
وفي "الجيلي" أنه الأصح في "البسيط"، وكان أبو إسحاق المروزي وابن أبي هريرة يجعلانه وجهاً قاله مذهباً لنفسه.
تنبيه: قوله: "خمس أوان"، كان الأجود: "خمسة آنية"؛ لأن "الآنية" جمع "إناء"، و"الأواني" جمع الجمع؛ فيقتضي أن يكون أكثر من خمسة، ويصح كلامه على قولنا: أقل الجمع اثنان؛ فيكون أقل جمع الجمع أربعة، والله أعلم.
قال: وإن حلبت خمس دفعات، وخلطت، وأوجر الصبي في دفعة، فهو رضعة، أي: وإن قلنا في المسألة الأولى: إن اللبن خمس رضعات؛ لأنه لم
стр. 7281
يحصل اللبن في جوفه إلا دفعة واحدة، بخلاف المسألة قبلها؛ فإنه يحصل في خمس دفعات.
قال: وقيل: فيه قولان مأخذهما النظر إلى حال الانفصال من الضرع أو حال الاتصال بالصبي، وبهذا الطريق قال صاحب "الإفصاح" وأبو إسحاق.
قال: وإن حلبت خمس دفعات، وخلط، وفرق في خمس أوان، وأوجر في خمس دفعات- فهو خمس رضعات؛ لأن حال الانفصال والاتصال متعدد، وهذا أصح الطريقين وعليه أكثر الأصحاب.
قال: وقيل: على قولين؛ لأن التفريق الذي حصل من جهة المرضعة قد بطل بالخلط؛ فأشبه ما لو حلب دفعة وفرق.
ووراء هذه الصور صورتان لا يخفى حكمهما، وهما:
إذا حلب في دفعة، وأوجر في دفعة؛ فإنه رضعة.
وإذا حلب في خمس دفعات، وأوجر في خمس دفعات من غير خلط- فذلك خمس رضعات، لا خلاف فيه.
فرع: لو حلب خمس نسوة في إناء واحد، وأوجر الصبي دفعة واحدة- حصلت من كل واحدة منهن رضعة.
وإن أوجر في خمس دفعات، فقد حكي فيه وجهان، والذي أورده القاضي الروياني منهما: ثبوت التحريم. هذا لفظ الرافعي.
وفي "الحاوي": أنه إذا أوجر لبن امرأتين في دفعة واحدة، فهل يعتد بذلك عن كل واحدة رضعة، أو لا يعتد به عن واحدة منهما؟ ينبني على أنه إذا ارتضع من ثدي امرأة، ثم انتقل إلى ثدي امرأة أخرى- فإن اعتددنا بذلك عن كل واحدة منهما رضعة فكذلك هاهنا، وإن لم نعتد به ثم عن واحدة منهما هاهنا فكذلك هاهنا.
فرع آخر: لو شك هل ارتضع خمساً أو دونها لم يثبت التحريم.
ولو شك هل ارتضع الخمس في مدة الححولين أو فوقها فكذلك على الأصح،
стр. 7282
وبعضهم أشار إلى خلاف مأخذه تقابل الأصلين، وربما نسب قول ثبوت الحرمة إلى الصيمري.
قال: وإن جبن اللبن، أو جعل في خبز أو ماء، أي: ولم يستهلك فيه، وأطعم الصبي- حرم؛ لقوله ﵇: "الرَّضَاعُ مِنَ المَجَاعَةِ"، وهذا أبلغ في دفع المجاعة من اللبن المنفرد، ولأنه يحصل به التغذية.
وقيل: يشترط أن تكون الغلبة للبن، وبه قال المزني، وهو بعيد.
وحكم اختلاطه بالدواء، والخمر حكم اختلاطه بالخبز والماء، كما ذكرناه.
وحكم الأقط والزبد والمخيض حكم الجبن، ولا يندفع التحريم بحموضة اللبن ولا بغليه، وكذا لا يندفع بفت الطعام فيه، وبعجن الدقيق به وخبزه- على الأصح- خلافاً لما يحكى عن القاضي الحسين.
ولا فرق في ذلك بين أن يطعم الجميع، أو البعض والباقي دون قدر المختلط باللبن.
نعم، هل يشترط أن يكون اللبن قدراً يمكن أن يسقى منه خمس دفعات لو انفرد عن المخالط، فيه وجهان:
أظهرهما: الاشتراط.
والذي يظهر: "أن محل الخلاف فيما إذا أطعم من المختلط خمس دفعات.
تنبيه: "حرم" و"لم يحرم" كله بتشديد الراء.
قال: وإن وقعت قطرة في حب ماء، فأسقي الصبي بعضه- لم يحرم؛ لأنا نشك هل وصل اللبن إلى البعض الذي شربه أم لا؛ فلا نحكم بالتحريم بالشك.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون قد ارتضع من صاحبة اللبن قبل ذلك أربع رضعات، أو أسقي من الحب خمس دفعات، وإن شرب الجميع ثبتت الحرمة، كذا قاله القاضي الحسين؛ لأنا تحققنا وصول اللبن إلى الجوف.
وعن صاحب "الإفصاح" و"تعليق" القاضي الحسين وغيرهما حكايةو جه بثبوت الحرمة بشرب البعض في الصورتين؛ لأن المائع إذا خالط المائع، فما من
стр. 7283
قدر يؤجد إلا وفيه شيء من هذا وشيء من ذلك.
ويحكى هذا عن اختيار الصيمري والقاضي أبي الطيب، والأظهر الأول.
ووراء ما ذكرناه طريقة حكاها الإمام، واقتصر الغزالي على ذكرها، وهي أن المخالط للبن: إن كان غير ماء فالحكم كما ذكرنا، وإن كان ماء فإن كان مغلوباً فيه، والماء دون القلتين، فشرب جميعه- ففي ثبوت [الحرمة] قولان، الذي حكاه القاضي الحسين منهما في "التعليق": الثبوت.
قال الإمام: وهذان القولان يقربان من أصل ذكرناه في أحكام المياه، وهو أن المقدار الذي لا يسع وضوءاً من الماء لو كمل بماء ورد، وهو مغلوب بالماء – ففي جواز التوضؤ به خلاف، وإن شرب بعضه فوجهان أو قولان مرتبان، وأولى بعدم التحريم.
وإن [مزج بقلتين] فصاعداً، فإن قلنا: لا تتعلق الحرمة بما دون القلتين، فهاهنا أولى، [وإلا فإن] شرب بعضه لم يحرم، وإن شرب كله فقولان.
تنبيه: الحب: بالحاء المهملة، وهو الحابية، وهو فارسي معرب، والحابية: عربية صريحة، جمعه: حباب- بكسر الحاء- وحببة بفتح الحاء والباء.
والمراد بكون الماء مغلوباً عند الغزالي: خروجه عن كونه مغلوباً، وهذا يحكى عن الشيخ ابي علي.
والظاهر الذي أورده الأكثرون: أن الاعتبار بصفات اللبن من الطعم واللون والرائحة، فإن ظهر منها شيء في المخلوط فاللبن غالب، وإلا فهو مغلوب.
ونقل عن ابن سريج- تفريعاً على هذا- أن الأوصاف الثلاثة لو زايلته، فيعتبر قدر اللبن بما له لون قوي يستولي على الخليط، فإن كان القدر منه يظهر ثبتت الحرمة، وإلا فلا، وهذا ما استنبطه الحليمي قبل الوقوف على ما قاله ابن سريج، كما حكاه أبو الحسن العبادي، وقال: إنه عرضه على القفال الشاشي وولده القاسم، فارتضياه.
стр. 7284
فرعان:
أحدهما: إذا وقعت قطرة لبن في فم صبي، واختلطت بريقه، ثم وصل ذلك إلى جوفه- فطريقان:
أحدهما: ينظر إلى كونه غالباً أو مغلوباً، كما ذكرناه.
والثاني: القطع بثبوت التحريم.
الثاني: إذا اختلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى، وغلب أحدهما- جزم الماوردي بثبوت الحرمة من كل واحدة منهما على ما ذكرناه من قبل.
وقال الرافعي: إن علقنا الحرمة بالمغلوب ثبتت الحرمة فيهما، وإلا اختصت بالتي غلب لبنها، والله أعلم.
قال: وإن شرب، وتقيأ، أي: بالهمز، قبل أن يحصل في جوفه- لم يحرم؛ لقوله- ﵇: "الرَّضَاعُ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ، وَأَنْشَزَ العَظْمَ"، وقد سقط ذلك برده، ولو وصل إلى جوفه، فتقيأه في الحال- حرم.
وحكى القاضي الروياني عن جده رواية وجه آخر.
وفيه وجه: أنه إن تقيأ بعد أن تغير اللبن حرم، وإن لم يتغير فلا.
قال: وإن ارتضع من ثدي امرأة ميتة، لم يحرم؛ لقوله- ﵇: "الحَرَامُ لَا يُحَرِّمُ الحَلَالَ"، وهذا اللبن محرم؛ لنجاسة عينه، فلم يثبت به تحريم ما كان حلالاً من قبله.
ولأن ما يثبت به التحريم إذا اتصل بحياتها زال عنه التحريم إذا اتصل بموتها؛ كالوطء.
ولأن لبن الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم، ولبن الميتة لا يثبت ذلك؛ فلم يثبت به التحريم.
قال: وإن حلب منها في حياتها، ثم أسقى الصبي بعد موتها- حرم، أي: إذا كان ذلك الرضعة الخامسة- كما نص عليه الشافعي- أو كان كبيراً فسقى منه
стр. 7285
خمس دفعات، على التفصيل الذي تقدم؛ لعموم الخبر، ولأن موتها بعد حلب اللبن في الإناء كموتها بعد اجتماع اللبن في فمه؛ لأن فمه كالإناء.
وفيه وجه: أنه لا يحرم.
قال الإمام: رأيته في طرق أهل العراق، وقد نسب إلى القاضي الحسين، وهو مخرج- على ما حكاه في "التعليق"- مما إذا علق العتق في حال الصحة، فوجدت الصفة المعلق عليها في المرض، وفي احسابه من الثلث قولان.
ولا خلاف في أن الرجل إذا مات، فأرضعت المرأة بلبنه طفلاً- ثبتت الحرمة بين الطفل والميت، ومن ينتسب إليه، [على] المذهب.
ولا فرق بين أن يكون الرضاع في العدة أو بعدها، وإن كان بأكثر من حولين.
قال: وإن ثار لها لبن من وطء من غير حمل- أي: وهي في سن من تحمل، كابنة عشر مثلاً- ففيه قولان:
أحدهما: يحرم؛ لأن لبن النساء غذاء للأطفال، وهذا ما رأيته فيما وقفت عليه من كتب الأصحاب، وهكذا الحكم عندهم في لبن من [لا] ولد لها من بكر أو ثيب.
قال: والثاني: لا يحرم؛ لأن ولد الرضاع تابع لولد النسب، ولا ولد؛ فانتفت التبعية. وهذا القول حكاه مجلي وجهاً في البكر وفي التي لا ولد لها، ونسبه إلى الخراسانيين، والرافعي اقتصر على حكايته في البكر؛ إلحاقاً للبنها بلبن الرجل.
следующие страницы →