Полный текст (9 685 стр.). Показаны 7281–7320 · переход к 7286.
стр. 7281
يحصل اللبن في جوفه إلا دفعة واحدة، بخلاف المسألة قبلها؛ فإنه يحصل في خمس دفعات.
قال: وقيل: فيه قولان مأخذهما النظر إلى حال الانفصال من الضرع أو حال الاتصال بالصبي، وبهذا الطريق قال صاحب "الإفصاح" وأبو إسحاق.
قال: وإن حلبت خمس دفعات، وخلط، وفرق في خمس أوان، وأوجر في خمس دفعات- فهو خمس رضعات؛ لأن حال الانفصال والاتصال متعدد، وهذا أصح الطريقين وعليه أكثر الأصحاب.
قال: وقيل: على قولين؛ لأن التفريق الذي حصل من جهة المرضعة قد بطل بالخلط؛ فأشبه ما لو حلب دفعة وفرق.
ووراء هذه الصور صورتان لا يخفى حكمهما، وهما:
إذا حلب في دفعة، وأوجر في دفعة؛ فإنه رضعة.
وإذا حلب في خمس دفعات، وأوجر في خمس دفعات من غير خلط- فذلك خمس رضعات، لا خلاف فيه.
فرع: لو حلب خمس نسوة في إناء واحد، وأوجر الصبي دفعة واحدة- حصلت من كل واحدة منهن رضعة.
وإن أوجر في خمس دفعات، فقد حكي فيه وجهان، والذي أورده القاضي الروياني منهما: ثبوت التحريم. هذا لفظ الرافعي.
وفي "الحاوي": أنه إذا أوجر لبن امرأتين في دفعة واحدة، فهل يعتد بذلك عن كل واحدة رضعة، أو لا يعتد به عن واحدة منهما؟ ينبني على أنه إذا ارتضع من ثدي امرأة، ثم انتقل إلى ثدي امرأة أخرى- فإن اعتددنا بذلك عن كل واحدة منهما رضعة فكذلك هاهنا، وإن لم نعتد به ثم عن واحدة منهما هاهنا فكذلك هاهنا.
فرع آخر: لو شك هل ارتضع خمساً أو دونها لم يثبت التحريم.
ولو شك هل ارتضع الخمس في مدة الححولين أو فوقها فكذلك على الأصح،
стр. 7282
وبعضهم أشار إلى خلاف مأخذه تقابل الأصلين، وربما نسب قول ثبوت الحرمة إلى الصيمري.
قال: وإن جبن اللبن، أو جعل في خبز أو ماء، أي: ولم يستهلك فيه، وأطعم الصبي- حرم؛ لقوله ﵇: "الرَّضَاعُ مِنَ المَجَاعَةِ"، وهذا أبلغ في دفع المجاعة من اللبن المنفرد، ولأنه يحصل به التغذية.
وقيل: يشترط أن تكون الغلبة للبن، وبه قال المزني، وهو بعيد.
وحكم اختلاطه بالدواء، والخمر حكم اختلاطه بالخبز والماء، كما ذكرناه.
وحكم الأقط والزبد والمخيض حكم الجبن، ولا يندفع التحريم بحموضة اللبن ولا بغليه، وكذا لا يندفع بفت الطعام فيه، وبعجن الدقيق به وخبزه- على الأصح- خلافاً لما يحكى عن القاضي الحسين.
ولا فرق في ذلك بين أن يطعم الجميع، أو البعض والباقي دون قدر المختلط باللبن.
نعم، هل يشترط أن يكون اللبن قدراً يمكن أن يسقى منه خمس دفعات لو انفرد عن المخالط، فيه وجهان:
أظهرهما: الاشتراط.
والذي يظهر: "أن محل الخلاف فيما إذا أطعم من المختلط خمس دفعات.
تنبيه: "حرم" و"لم يحرم" كله بتشديد الراء.
قال: وإن وقعت قطرة في حب ماء، فأسقي الصبي بعضه- لم يحرم؛ لأنا نشك هل وصل اللبن إلى البعض الذي شربه أم لا؛ فلا نحكم بالتحريم بالشك.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون قد ارتضع من صاحبة اللبن قبل ذلك أربع رضعات، أو أسقي من الحب خمس دفعات، وإن شرب الجميع ثبتت الحرمة، كذا قاله القاضي الحسين؛ لأنا تحققنا وصول اللبن إلى الجوف.
وعن صاحب "الإفصاح" و"تعليق" القاضي الحسين وغيرهما حكايةو جه بثبوت الحرمة بشرب البعض في الصورتين؛ لأن المائع إذا خالط المائع، فما من
стр. 7283
قدر يؤجد إلا وفيه شيء من هذا وشيء من ذلك.
ويحكى هذا عن اختيار الصيمري والقاضي أبي الطيب، والأظهر الأول.
ووراء ما ذكرناه طريقة حكاها الإمام، واقتصر الغزالي على ذكرها، وهي أن المخالط للبن: إن كان غير ماء فالحكم كما ذكرنا، وإن كان ماء فإن كان مغلوباً فيه، والماء دون القلتين، فشرب جميعه- ففي ثبوت [الحرمة] قولان، الذي حكاه القاضي الحسين منهما في "التعليق": الثبوت.
قال الإمام: وهذان القولان يقربان من أصل ذكرناه في أحكام المياه، وهو أن المقدار الذي لا يسع وضوءاً من الماء لو كمل بماء ورد، وهو مغلوب بالماء – ففي جواز التوضؤ به خلاف، وإن شرب بعضه فوجهان أو قولان مرتبان، وأولى بعدم التحريم.
وإن [مزج بقلتين] فصاعداً، فإن قلنا: لا تتعلق الحرمة بما دون القلتين، فهاهنا أولى، [وإلا فإن] شرب بعضه لم يحرم، وإن شرب كله فقولان.
تنبيه: الحب: بالحاء المهملة، وهو الحابية، وهو فارسي معرب، والحابية: عربية صريحة، جمعه: حباب- بكسر الحاء- وحببة بفتح الحاء والباء.
والمراد بكون الماء مغلوباً عند الغزالي: خروجه عن كونه مغلوباً، وهذا يحكى عن الشيخ ابي علي.
والظاهر الذي أورده الأكثرون: أن الاعتبار بصفات اللبن من الطعم واللون والرائحة، فإن ظهر منها شيء في المخلوط فاللبن غالب، وإلا فهو مغلوب.
ونقل عن ابن سريج- تفريعاً على هذا- أن الأوصاف الثلاثة لو زايلته، فيعتبر قدر اللبن بما له لون قوي يستولي على الخليط، فإن كان القدر منه يظهر ثبتت الحرمة، وإلا فلا، وهذا ما استنبطه الحليمي قبل الوقوف على ما قاله ابن سريج، كما حكاه أبو الحسن العبادي، وقال: إنه عرضه على القفال الشاشي وولده القاسم، فارتضياه.
стр. 7284
فرعان:
أحدهما: إذا وقعت قطرة لبن في فم صبي، واختلطت بريقه، ثم وصل ذلك إلى جوفه- فطريقان:
أحدهما: ينظر إلى كونه غالباً أو مغلوباً، كما ذكرناه.
والثاني: القطع بثبوت التحريم.
الثاني: إذا اختلط لبن امرأة بلبن امرأة أخرى، وغلب أحدهما- جزم الماوردي بثبوت الحرمة من كل واحدة منهما على ما ذكرناه من قبل.
وقال الرافعي: إن علقنا الحرمة بالمغلوب ثبتت الحرمة فيهما، وإلا اختصت بالتي غلب لبنها، والله أعلم.
قال: وإن شرب، وتقيأ، أي: بالهمز، قبل أن يحصل في جوفه- لم يحرم؛ لقوله- ﵇: "الرَّضَاعُ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ، وَأَنْشَزَ العَظْمَ"، وقد سقط ذلك برده، ولو وصل إلى جوفه، فتقيأه في الحال- حرم.
وحكى القاضي الروياني عن جده رواية وجه آخر.
وفيه وجه: أنه إن تقيأ بعد أن تغير اللبن حرم، وإن لم يتغير فلا.
قال: وإن ارتضع من ثدي امرأة ميتة، لم يحرم؛ لقوله- ﵇: "الحَرَامُ لَا يُحَرِّمُ الحَلَالَ"، وهذا اللبن محرم؛ لنجاسة عينه، فلم يثبت به تحريم ما كان حلالاً من قبله.
ولأن ما يثبت به التحريم إذا اتصل بحياتها زال عنه التحريم إذا اتصل بموتها؛ كالوطء.
ولأن لبن الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم، ولبن الميتة لا يثبت ذلك؛ فلم يثبت به التحريم.
قال: وإن حلب منها في حياتها، ثم أسقى الصبي بعد موتها- حرم، أي: إذا كان ذلك الرضعة الخامسة- كما نص عليه الشافعي- أو كان كبيراً فسقى منه
стр. 7285
خمس دفعات، على التفصيل الذي تقدم؛ لعموم الخبر، ولأن موتها بعد حلب اللبن في الإناء كموتها بعد اجتماع اللبن في فمه؛ لأن فمه كالإناء.
وفيه وجه: أنه لا يحرم.
قال الإمام: رأيته في طرق أهل العراق، وقد نسب إلى القاضي الحسين، وهو مخرج- على ما حكاه في "التعليق"- مما إذا علق العتق في حال الصحة، فوجدت الصفة المعلق عليها في المرض، وفي احسابه من الثلث قولان.
ولا خلاف في أن الرجل إذا مات، فأرضعت المرأة بلبنه طفلاً- ثبتت الحرمة بين الطفل والميت، ومن ينتسب إليه، [على] المذهب.
ولا فرق بين أن يكون الرضاع في العدة أو بعدها، وإن كان بأكثر من حولين.
قال: وإن ثار لها لبن من وطء من غير حمل- أي: وهي في سن من تحمل، كابنة عشر مثلاً- ففيه قولان:
أحدهما: يحرم؛ لأن لبن النساء غذاء للأطفال، وهذا ما رأيته فيما وقفت عليه من كتب الأصحاب، وهكذا الحكم عندهم في لبن من [لا] ولد لها من بكر أو ثيب.
قال: والثاني: لا يحرم؛ لأن ولد الرضاع تابع لولد النسب، ولا ولد؛ فانتفت التبعية. وهذا القول حكاه مجلي وجهاً في البكر وفي التي لا ولد لها، ونسبه إلى الخراسانيين، والرافعي اقتصر على حكايته في البكر؛ إلحاقاً للبنها بلبن الرجل.
стр. 7286
أما إذا كانت في سن من لا تحمل، كبنت ثمان مثلاً- فلبنها نجس، ولا يثبت الحرمة به.
قال ابن يونس: ولا خلاف أنه لا يثبت التحريم بالنسبة إلى زوجها.
فرع: حيث حكمنا بأن لبن البكر إذا كانت في سن من تحمل يحرم، فلا نحكم ببلوغها، حكاه في "التهذيب"، وهو يشابه ما قاله الأصحاب في زوجة الصبي إذا أتت بولد في زمان احتمال بلوغه؛ فإنا نلحقه به، ولا نحكم ببلوغه.
وفي "الإبانة": أنا نحكم بأنها حاضت، وبلغت بالحيض.
قال: وإن كان لها لبن من زوج، فتزوجت بآخر، أي: بشرطه، وحبلت منه، وزاد اللبن، أي: في مدة الحمل في زمان ثورانه لأجل الحمل، فأرضعت صبياً، أي: خمس رضعات- ففيه قولان:
أحدهما: أنه ابن الأول؛ لأن الأصل بقاء لبنه، والزيادة تحتمل أن تكون بسبب [الحمل؛ فتثبت الأبوة، ويحتمل أن تكون بسبب] إصلاح الغذاء فلا تثبتها، فحكمنا باليقين، وألغينا الشك، وهذا هو الجديد والصحيح.
قال والثاني: أنه ابنهما؛ لأنا لظاهر أن الزيادة بسبب الحمل، وإذا كان كذلك كان اللبن لهما؛ فجعل الرضيع ابناً لهما.
وفي "الإبانة" ما يقتضي على هذا القول ألا يلحق بالأول؛ فإنه قال- والصورة كما ذكرناه-: فاللبن لأيهما؟ فعلى قولين؛ لتعارض الأصل والظاهر.
وفي "النهاية" دعوى نفي ذلك.
أما إذا كانت زيادة اللبن بعد وضع الحمل فهو لبن الثاني ليس إلا.
وإن كان قبل جود زمان يحدث فيه اللبن للحمل، أو لم يزد اللبن- فهو
стр. 7287
لبن الأول ليس إلا.
وقد حكى الرافعي أن منهم من أجرى القولين المذكورين في أصل المسألة وإن لم يزد اللبن، ومقتضى هذا أن يجريا في هذه الصورة الأخرى أيضاً.
ثم الزمان الذي يثور فيه اللبن بسبب الحمل أقله- على ما قاله ابن الصباغ والبندنيجي-: أربعون يوماً، وعلى ما قاله الماوردي: زمان استكمال الروح، وجواز أن يولد فيه حياً، ومقتضاه أن يكون بعد أربعة أشهر.
وقال الشيخ أبو حامد: يرجع فيه إلى قول القوابل، وعلى ذلك جرى الإمام.
ولا فرق- فيما ذكرناه- بين أن يكون لبن [الأول قد انقطع ثم عاد قبل نكاح الثاني، أو هو مستمر، ولا بين أن يكون] له أربع سنين أو فوقها من حين حصول الفراق.
وفيه وجه: أنه إذا انقطع، ثم عاد بعدما مضى أربع سنين من وقت الطلاق- لا يكون منسوباً إليه، وإن لم تتزوج، كما لو أتت بولد بعد هذه المدة، فإنه لا يلحقه، كذا خصصه في "التهذيب" بما إذا نقطع ثم عاد.
قال الرافعي: ومنهم [من] يشعر إيراده باطراده في صورة استمرار اللبن.
قلت: ومنهم الإمام في الحكاية عن رواية أبي علي، وزيفه.
وحكم من وطئت بشبهة أو ملك يمين حكم من نكحت فيما ذكرناه.
قال: وإن انقطع اللبن من الأول، أي: مدة طويلة إلى [أكثر من] الذي يحدث فيه اللبن بسبب الحمل، ثم حملت من الثاني، وزاد اللبن، أي: في المدة التي ذكرناها، وأرضعت صبياً- ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه ابن الأول؛ لأن اللبن تبع للولد وغذاؤه، لا غذاء للحمل؛ فتبع الولد المنفصل دون الحمل، وعوده بعد انقطاعه؛ لأن الوطء لقاح هاج به اللبن، فثار وظهر بعد كمونه، وهذا أصحها.
والثاني: أنه ابن الثاني- أي: دون الأول- لأن الأول قد انقطع، وقرب وقت الولادة سبب لظهور اللبن؛ فأشبه اللبن الثائر بعد الولادة.
قال الرافعي: وقد يبنى هذان القولان على تقابل الأصل والظاهر.
стр. 7288
والثالث: أنه ابنهما؛ لتقابل المعنيين.
أما إذا كان الانقطاع يسيراً، أو كان طويلاً قبل زمان إمكان حدوث اللبن للحمل- فهو كما لو لم ينقطع، صرح بالأول الرافعي، وبالثاني الإمام.
ويتفرع على هذه الأقوال فروع:
أحدها: لو نزل لبن البكر، ونكحت، وهي ذات لبن، ثم حبلت- فحيث قلنا في المسألة قبلها: إن الولد للثاني أو لهما، فهاهنا يكون للزوج، وحيث قلنا: إنه للأول، فهو للمرأة وحدها، ولا أب للرضيع.
الثاني: لو حبلت من الزنى، وهي ذات لبنمن زوج- فحيث قلنا هناك: اللبن للأول أو لهما، فهو للزوج، وحيث قلنا: إنه للثاني، فلا أب للرضيع.
الثالث: لو نكحت ولا لبن لها، فحبلت، ونزل لها لبن- قال في "التتمة": ففي ثبوت المحرمية بين الرضيع والزوج وجهان؛ بناء على الخلاف المذكور.
قال: وإن وطئ رجلان امرأة، أي: وطءاً يلحق به النسب، فأتت بولد، وأرضعت طفلاً بلبنه- فمن ثبت منهما نسب المولود منه، أي: إما بالفراش، أو بالقيافة، أو بالانتساب- كما ذكرناه بشرطه- صار الرضيع ولداً له؛ لأن اللبن تابع للولد.
وفي "النهاية" حكاية قول: أن المرضع يكون ابناً لهما وإن ألحق القائف الولد بأحدهما أو انتسب.
وهذا إذا قلنا: إن أبوة الرضاع تثبت بالوطء بالشبهة، [أما إذا قلنا: إن وطء الشبهة] لا يثبت أبوة الرضاع، فلا يخفى التفريع عليه.
ولو كان الولد لا يمكن أن يكون من واحد منهما فالمرضع تابع له، منتف عنهما.
قال الماوردي: وذكر بعض أصحابنا: أنا نلحق المرضع بالأول، لثبوت لبنه؛ كما لو لم تلد المرضعة. ثم قال: إنه ليس بصحيح؛ لأن لبن الولد قاطع لحكم ما تقدم؛ فإذا انتفت الولادة عن كل واحدة منهما فأولى أن ينتفي الرضاع عنهما.
واعلم أن هذا الكلام قد يوهم أن الوطء إذا ثار به اللبن يثبت أبوة الرضاع،
стр. 7289
وليس كذلك، بل هو محمول على ما إذا كان له لبن بسبب حمل متقدم انفصل، وسيأتي في كلام الماوردي ما يوضح ذلك.
قال: فإن مات المولود، ولم يثبت نسبه، أي: لفقد ما يحصل به الانتساب من فراش وقائف وانتساب- ففي الرضيع قولان:
أحدهما- وهو الأصح في "الجيلي"-: أنه ابنهما؛ لأن اللبن قد يحدث بالوطء تارة، وبالحمل أخرى، وقد اجتمعا، ولا مرجح؛ فأثر حكمهما، ويخالف النسب؛ فإنه يتصور أن يكون للإنسان أبوان من الرضاع، ولا يتصور من النسب؛ لما قدمناه.
فعلى هذا: هل يحتاج إلى عشر رضعات أم يكفي خمس؟ قال الداركي: يحتمل وجهين.
قال القاضي أبو الطيب: هما ينبنيان على ما إذا ارتضعت من امرأتين على التواصل، هل يكون رضعة في حق كل واحدة منهما، وهل هذا الحكم في الظاهر والباطن، أو في الظاهر فقط؟ الذي ذكره في "البسيط": إثبات ذلك في الظاهر، وهو ما أبداه الإمام عند حكاية القول الأول الذي حكيناه عنه.
قال الرافعي: والذي ذكره الأصحاب توجيهاً وتفريعاً يخالف ذلك.
وهل تثبت المحرمية من الجانبين؟ قال الإمام: الوجه عندنا: ألا تثبت [المحرمية]؛ فإن الغالب التحريم، والذي يغلب الحرمة هو بعينه يقتضي ألا تثبت المحرمية؛ لأنا نتحقق أن المحرمية تقتضي مداخلة واستجلاب خلوة، وهذا محذور إذا التبس الحلال بالمحذور.
وهذا منه يظهر أنه بناء على ما ذكره من أن هذا الحكم إنما يثبت في الظاهر فقط.
قال: والثاني: لا يكون ابن واحد منهما- أي: على التعيين- بل ابن أحدهما على الإبهام، كما صرح به البندنيجي؛ لأن اللبن فرع الولد، فإذا كان الولد من أحدهما كان اللبن من أحدهما، وهذا هو الأصح.
وضعف الأول بأن نزول اللبن إنما يضاف إلى الواطئ بالولادة لا بالوطء؛ لأنه
стр. 7290
لو نزل لها بوطئه لبن، فأرضعت به ولداً- لم يصر ابناً للزوج حتى تلد منه فيصير اللبن له، كذا قاله الماوردي.
قال: وهل للرضيع أن ينتسب إلى أحدهما، أي: على القول الثاني؟ فيه قولان منقولان في "الأم":
أحدهما: ينتسب كالمولود؛ فإن الرضاع يؤثر في الطباع والأخلاق، قال- ﵇: "لَا تَسْتَرْضِعُوا الحَمْقَاءَ؛ فَإِنَّ اللَّبَنَ يُعْدِي"، وقال ﷺ : "أَنَا أَفْصَحُ العَرَبِ، بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ، وأَخْوَالِي بَنُو زُهْرَةَ، وَارْتَضَعْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ" قاله الماوردي.
وقال الرافعي وغيره: إنه- ﵇ قال: "أنا سيد ولد آدم، بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد، وارتضعت في بني زهرة"، وهذا القول هو الأصح.
وعلى هذا: هل يخير؟ فيه وجهان، وفي "المهذب" قولان، المذهب منهما في
стр. 7291
"التهذيب": أنه لا يخير، وعليه: هل يحرم عليه بنات الآخر؟ فيه وجهان في "الحاوي"، وعلى وجه الجواز: الأولى ألا يفعل.
ولو كان معتوهاً لم يلتحق بواحد منهما؛ لأنه لا حكم لكلامه، قاله الجيلي. وإنه لو انتسب كان له أن يرجع بعد ذلك، ويختار الآخر، فلا يزال بينهما على تناوب، وهو ضعيف.
قال: والثاني: لا ينتسب، وهو الأصح في "الجيلي"؛ كما لا يعرض على القائف، ويخالف النسب؛ لأنه لا يقع فيه الاشتراك؛ فجاز أن يكون فيه على الطبع الحادث، والرضاع يقع فيه؛ فعدم فيه الطبع الحادث.
ولأن امتزاج النسب موجود مع أصل الخلقة، والرضاع حادث بعد استكمال الخلق واستقراره.
والقائل الأول فرق بين الانتساب والعرض على القائف بأن القائف تعويله على الأشباه الظاهرة في الخلقة، دون الأخلاق.
على أن القاضي ابن كج نقل وجهين عن أبي الحسين وأبي حامد في عرضه على القائف.
قال الرافعي: وهو غريب.
وروى الخراسانيون في المسألة قولاً ثالثاً: أنه موقوف.
قال الجيلي: وأثره عموم التحريم؛ لأن التحريم غالب.
قال: وإن أراد أن يتزوج بنت أحدهما- أي: على قولنا: لا ينتسب، أو على قولنا: لا يخير، كما قيده في "المهذب" و"الحلية"، أو قبل الانتساب، كما قاله الفوراني- فقد قيل: لا يحل؛ لأن إحداهما أخته بيقين، فلا يحل له الإقدام على نكاح واحدة منهما، كما لو اختلطت أخته بأجنبية، وهذا هو الأصح عند الشيخ أبي حامد وغيره.
قال: وقيل: يحل أن يتزوج بنت من شاء منهما، أي: من غير اجتهاد؛ لأن الأصلا لحل، والحرمة في التي ينكحها غير معلومة.
стр. 7292
والفرق بينه وبين الأخت: أن الأصل فيها التحريم؛ فغلب، كما لو اشتبه عليه ماء وبول؛ فإنه يعرض عنهما، وهاهنا الأصل في كل واحدة منهما الإباحة؛ فيجوز؛ كما إذا اختلط ماء طاهر بنجس، وهذا هو ظاهر النص.
وذكر الفوراني في "الإبانة": أنه يجتهد في الرجلين أيهما الأب، ثم ينكح بنت من لا يراه أباً. وبنى الوجهين في أصل المسألة على أن من معه إناء طاهر بيقين هل له أن يجتهد في الإناءين؟ وفيه وجهان، والجمهور لم يشترطوا الاجتهاد، كما ذكرناه، والله أعلم.
قال: فإذا تزوج بنت أحدهما حرمت عليه بنت الآخر؛ لأنه إذا نكح إحداهما تعينت الأخوة في الأخرى؛ فكان نكاح الواحدة اعترافاً بأخوة الأخرى. وشبه ذلك بما إذا اشتبهت ثلاث أوان: طاهران ونجس، واختلف فيها اجتهاد ثلاثة واستعملوها، واقتدى أحدهما بأحد صاحبيه- لا يجوز له الاقتداء بالثاني؛ لتعينه للنجاسة في زعمه.
فعلى هذا: يحرمن على التأبيد، وهذا قول أبي علي بن أبي هريرة، واختاره القاضي أبو الطيب.
قال: وقيل: يحل أن يتزوج بنت كل واحد منهما على الانفراط؛ لأن التحريم غير متعين في واحدة منهما. وشبه ذلك بما إذا صلى إلى جهة بالاجتهاد يجوز أن يصلي إلى جهة أخرى باجتهاد آخر، وهذا قول أبي إسحاق. فعلى هذا: يجوز له أن يتزوج بنت أحدهماويطلقها، ثم يتزوج [الأخرى ويطلقها، ثم يتزوج] الأولى.
قال: ولا يجمع بينهما؛ إذ به يحصل يقين التحريم.
وفي "الحاوي" حكاية وجه: أنه يجوز، ويحكم بارتفاع الأبوة عنهما، وقال: إنه الظاهر من كلام الشافعي، وهو الذي يقتضيه [إطلاق] الشيخ، ﵀.
قال: وإن كان لرجل خمس أمهات أولاد، فارتضع صبي من كل واحدة منهن رضعة- صار ابناً له في ظاهر المذهب؛ لأنه ارتضع من لبنه خمس رضعات، فأثبت ذلك البنوة كما لو كانت من امرأة واحدة، وبهذا قال أبو إسحاق
стр. 7293
وابن القاص، وهو الأصح.
وقيل: لا يصير؛ لأن الأبوة تابعة للأمومة؛ لأن انفصال الولد عنها مشاهد محسوس؛ فإذا لم تثبت الأمومة التي هي الأصل لا تثبت الأبوة، وهذا ما ذهب إليه الأنماطي وابن سريج وابن الحداد.
وهذا الخلاف يجري فيما لو كان له أربع زوجات ومستولدة، أو ثلاث مستولدات: أرضعته اثنتان رضعتين رضعتين، والأخرى رضعة.
ولا خلاف أن الأمومة لا تثبت بهذا. نعم، يحرم عليه المرضعات؛ لأنهن موطوءات أبيه، إن قلنا: إن الأبوة تثبت.
وهذا الخلاف فيما إذا وقع الرضاع منهن في أوقات متفرقة، أما لو أرضعنه على التوالي والتواصل، وقلنا بثبوت الحرمة عند التفريق- فهاهنا وجهان، ووجه المنع: أنا نزلنا لبنهن في حقه منزلة لبن المرأة الواحدة، والمرأة الواحدة إنما يثبت رضاعها الحرمة إذا تفرق، فعلى هذا: لو أرضعته كل واحدة منهن أربع رضعات، فهل تصير أماً له؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم؛ لأنه ارتضع منها خمس رضعات متفرقات.
والثاني: المنع؛ لأن تلك الرضعة لم تكن تامة.
والظاهر في الأصل الأول.
ووراء ما ذكره الشيخ صور نذكر منها ما تيسر:
إذا كان لشخص خمس بنات أو أخوات، فأرضعن صغيراً- لم تثبت الأمومة ولا الأبوة، وهل تثبت الجدودة والخئولة؟ فيه خلاف مرتب على الصورة الأولى، وأولى بعدم الثبوت، والأصح العدم، والفرق: أن الجدودة والخئولة إنما تثبت بواسطة الأم، فإذا انتفت الواسطة لم يوجد ما يترتب عليها، وهناك اللبن مشترك بين الرجل والمرضعات، ولا استحالة في ثبوت الأبوة دون الأمومة، [ولا العكس].
فإن قلنا بثبوت ذلك حرمت المرضعات لا لكونهن أمهات، بل لكونهن أخوات أو خالات.
ولو كان له أم، وبنت، وأخت، وبنت أخ، وبنت أخت، فأرضعن طفلاً- ففي
стр. 7294
ثبوت الحرمة بينه وبين الرضيع خلاف مرتب على الصورة قبلها، وأولى بالمنع، والأصح: العدم، وةالفرق: أن الرضاع من جهات مختلفة لا يمكن أن ينسب إليها بواحدة منها، بخلاف الجدة، كذا قاله ابن الصباغ وغيره.
وإذا قلنا بالثبوت حرمت المرضعات بالأمومة.
فرع: لو كان للمرأة بنت ابن، وبنت ابن ابن، وبنت ابن ابن ابن، فأرضعن خمس رضعات- كان في ثبوت الحرمة بينها وبين الرضيع الخلاف السابق.
فإن قلنا بثبوتها، قال في "الرقم": فهل تحرم المرضعات على الرضيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن العدد لم يتم في إرضاع واحدة منهن.
والثاني: أن المرضعات من الجهات المختلفة إذا كانت كل واحدة منهن بحيث لو تم العدد فيها ثبتت الحرمة، فعلى هذا: ينظر:
إن كانت الوسطى بنت أخ العليا [والسفلى بنت أخ الوسطى حرمت العليا] عليه؛ لأن إرضاعها لو تم لكان الرضيع ابنها، وإرضاع الوسطى لو تم؛ لكان الرضيع ابن بنت أخ العليا، وإرضاع السفلى لو تم لكان ابن بنت ابن أخ، وهذه الجهات كلها محرمة؛ فيجمع ما فيها من عدد الرضعات.
وإن كانت الوسطى بنت ابن عم العليا، والسفلى بنت ابن [ابن] عمها- لم تحرم عليه العليا؛ لأن إرضاع الوسطى لو تم لم تحرم، وكذلك إرضاع السفلى، [و] لا تحرم الوسطى والسفلى بحال؛ لأن إرضاع العليا يجعل الوسطى بنت عم، والسفلى ابنة عمة الأب.
نعم، يحرم عليه أن يجمع بينهن في المثال الأول؛ لأن العليا عمة الوسطى، والوسطى عمة السفلى، ولا يجوز الجمع بين المرأة وعمتها.
قال: وإن كان له امرأتان صغيرتان، فأرضعت امرأة- أي: ليست بزوج له-
стр. 7295
إحداهما بعد الأخرى، أي: الرضعة الخامسة- ففيه قولان:
أحدهما: ينفسخ نكاحهما؛ لأنهما صارتا أختين معاً؛ فأشبه ما إذا أرضعتهما الخامسة دفعة واحدة.
وأيضاً: فلو أرضعت زوجته الكبيرة زوجته الصغيرة انفسخ نكاحهما؛ لصيرورتهما أماً وبنتاً معاً؛ فكذلك هاهنا، وهذا ما نسبه الماوردي إلى القديم، وهو الصحيح عند أكثر الأصحاب، واختاره المزني.
والثاني: أنه ينفسخ نكاح الثانية؛ لأن الجمع حصل بإرضاعها، فاختص الفساد بها؛ كما لو نكح أختاً على أخت يختص الفساد بنكاح الثانية، وهذا ما نسبه الماوردي إلى الجديد، وفي "تعليق" الشيخ أبي حامد ترجيحه.
ولا خلاف- على القولين- أن المرضعة حرمت عليه على التأبيد؛ لأنها صارت من أمهات زوجاته.
أما إذا كانت المرضعة زوجة، فإن كان اللبن له أو من غيره، وهي مدخول بها- انفسخ نكاح الجميع، وحرمن على التأبيد، سواء كان الرضاع معاً أو متعاقباً. وإن لم يكن اللبن منه، وهي غير مدخول بها: فإن أرضعتهما معاً انفسخ نكاح الجميع، وحرمت الكبيرة على التأبيد دونهما، وإن أرضعتهما على التعاقب فينفسخ نكاح المرضعة، والأولى؛ لاجتماعها مع الأم في النكاح، ولا ينفسخ نكاح الثانية؛ لانفرادها ووقوع إرضاعها بعد اندفاع نكاح أمها وأختها.
ولو كانت المسألة بحالها، والصغار ثلاث، فلا يختلف الحال- فيما ذكرناه- إلا في ثلاث صور تفرض فيما إذا وقع الرضاع على التعاقب:
فإحداها: أن ترضع اثنتين معاً، وأخرى بعدهما، فينفسخ نكاحهما مع الكبيرة، ويبقى نكاح الثالثة.
والثانية: أن ترضع واحدة أولاً، ثم اثنتين معاً- انفسخ نكاح الجميع، أما الأولى؛ فلاجتماعهما مع الأم، وأما الأخريان؛ فلاجتماع الأخوة.
والثالثة: أن ترضع واحدة بعد واحدة، فبرضاع الأولى انفسخ نكاحها مع الكبيرة، ولا ينفسخ نكاح الثانية برضاعها، ثم إذا أرضعت الثالثة انفسخ نكاحها؛
стр. 7296
لاجتماعها مع الأخت، وهل ينفسخ نكاح الثانية؟ فيه القولان المذكوران في الكتاب.
وفي الصور الثلاث: الكبرية حرام على التأبيد.
فرعان:
أحدهما: لو كان الصغار أربعاً، فأرضعتهن أجنبية، فإن كان ذلك دفعة واحدة انفسخ نكاحهن، وإن كان على الترتيب.
فإن فرعنا على القول الأول في الكتاب، لم ينفسخ برضاع الأولى شيء، وينفسخ برضاع الثانية نكاحها مع الأولى، ولا ينفسخ برضاع الثالثة شيء، وينفسخ برضاع الرابعة نكاحها مع الثالثة.
وإن قلنا بالقول الثاني فالمرضعة الأولى نكاحها مستمر، وبرضاع الثانية ينفسخ نكاحها خاصة، وكذلك برضاع الثالثة ينفسخ نكاحها، وكذلك برضاع الرابعة ينفسخ نكاحها.
الثاني: لو كان له ثلاث زوجات كبار، وصغيرة أرضعتها كل واحدة من الكبار خمس رضعات- فينفسخ نكاحهن جميعاً:
أما التي أرضعت أولاً فينفسخ نكاحها مع الصغيرة؛ لاجتماع الأم والبنت في النكاح، وأيضاً: فقد صارت أم الزوجة.
وأما الأخيرتان فينفسخ نكاحهما؛ للمعنى الثاني.
وتحرم الكبار لذلك على التأبيد، وتحرم الصغيرة- أيضاً- إن كانت الكبار مدخولاً بهن، وإلا فلا.
قال: ومن أفسد على الزوج نكاح امرأة بالرضاع، أي: قبل الدخول بغير إذنه، وكان ممن يثبت للزوج عليه دين ابتداء، سواء أثر ذلك تحريماً مؤبداً أو لا – لزمه نصف مهر مثلها على المنصوص.
أما نفس الغرم؛ فلأن البضع مضمون بالعقد في الخلع؛ فلذلك يضمن بالإتلاف كالأموال.
وأما كونه نصف مهر المثل؛ فلأن الفرقة إذا حصلت قبل الدخول جعل كأن
стр. 7297
الزوج لا يملك إلا نصف المعقود عليه؛ ولهذا [إنه] لا يلزمه إلا نصف المسمى، وإذا لم يملك إلا النصف لم يغرم له إلا قيمته وهو نصف مهر المثل، وهذا هو الصحيح.
قال: وفيه قول آخر: أنه يلزمه مهر مثلها؛ لأنه أتلف عليه بضعها، ومن أتلف على إنسان شيئاً وجب عليه قيمته، وقيمة البضع مهر المثل. وهذا مخرج من نص الشافعي فيما إذا رجع شهود الطلاق قبل الدخول: أنه يجب عليهم جميع مهر المثل، وبه قال أبو سعيد الإصطخري، وخرج في مسألة الطلاق من هاهنا- أيضاً- وجهاً، وبعضهم يرويه منصوصاً.
وهذا القول الثاني في الكتاب صححه أبو علي والإمام وجماعة، وقطع أبو إسحاق بتقرير [النصين]، وفرق بأن الرضاع يوجب الفرقة حقيقة، وحقيقة المفارقة قبل الدخول لا توجب إلا النصف كالمفارقة بالطلاق.
وفي الشهادة النكاح باق في الحقيقة بزعم الزوج والشاهدين، إلا أنهما بالشهادة حالا بينه وبين البضع؛ فيغرمان قيمته؛ كالغاصب يحول بين المالك والمغصوب.
وحكى الشيخ أبو علي وآخرون على طريقة إثبات الخلاف قولين:
أحدهما: أنه يرجع بنصف المسمى؛ لأنه الذي فوت على الزوج، وينسب إلى رواية القفال.
فعلى هذا: لو كانت التي انفسخ نكاحها أمة مفوضة فالواجب المتعة؛ لأنها الواجبة على الزوج، كما صرح به ابن الحداد، لكن من غير بناء على هذا الأصل.
والثاني: أنه يرجع بتمام المسمى؛ لأنه قد التزمه، والتشطير أمر ثبت على خلاف القياس، فيختص بالزوجين؛ فتحصلنا على أربع مقالات.
أما إذا كان ذلك بعد الدخول، كما لو أرضعت أم الكبيرة المدخول بها أو جدتها زوجته الصغيرة، فإنه ينفسخ نكاحهما، وما تغرمه للزوج بسبب انفساخ نكاح الصغيرة قد تقدم.
стр. 7298
وهل تغرم بسبب انفساخ نكاح الكبيرة له شيئاً؟ فيه قولان.
الذي ذهب إليه أكثر الأصحاب منهما: أنها تغرم له تمام مهر المثل؛ كشهود الطلاق.
والثاني- وينسب إلى رواية المزني- في "المنثور"، وبه قال ابن الحداد-: أنها لا تغرم شيئاً لأجل ذلك؛ لأنه استوفى منفعة البضع، فلم يجب له شيء؛ كما لو ارتدت.
ولأنه لو أخذ المهر لصارت في معنى الموهوبة.
ولو كانت الزوجة الكبيرة هي المرضعة فلا يرجع الزوج عليها بسبب انفساخ نكاحها بشيء.
وفي "الإبانة": أنه يسقط مهرها المسمى، ويجب لها مهر المثل.
ثم اعلم أنه لا فرق- فيما ذكرناه-:
بين أن تقصد بالإرضاع فسخ النكاح أو لا.
[ولا] بين أن يجب عليها- بألا يكون [ثم غيرها]- أو لا يجب.
وعن الشيخ ابي حامد احتمال في أنه لا غرم عليها إذا أرضعته وجوباً، وقد حكاه العمراني في "الزوائد" في النكاح، عند الكلام في مسائل شتى وجهاً عن بعض الأصحاب، والماوردي هاهنا، ثم قال: وهذا لا وجه له في سقوط الغرم، وإنما هو وجه في سقوط المأثم، كمن خاف تلف نفسه؛ فأحياها بمال غيره- ضمن، ولا يأثم.
ولا بين ألا يكون من المرتضع فعل أو وجد منه الفعل مع تمكينها، قال في "البسيط": لأن الإرضاع منها بحكم الطبع فلا وقع له، ولم ينزل هذا منزلة انفلات الطائر عند فتح باب القفص، والفرق غامض.
وقال في "الحاوي": فيه وجهان محتملان:
أحدهما: يغلب فيه فعل الكبيرة.
والوجه الثاني: أنه يحال التحريم عليها، فيسقط من نصف المهر ما يقابل
стр. 7299
فعلها وهو نصف النصف، ويبقى نصفه وهو الربع.
ولا بين أن تكون مخوفة على ذلك أو غير مخوفة، وفيه وجه: أن الغرم يجب على المخوف.
ولا بين أن يكون ذلك من امرأة أو رجل، وصورته: أن تحلب المرأة التي يفسد رضاعها النكاح خمس دفعات في خمس أوان، فيوجره الرجل ذلك في خمس دفعات.
ولا فرق بين أن يكون ذلك من شخص واحد- كما صورناه- أو من أشخاص.
نعم، لو سقى كل شخص الرضيع دفعة من إناء، وجب عليه خمس الغرم.
ولو تفاوتوا في السقي فهل يجب الغرم عليهم بالسوية، أو بالتوزيع على السقيات؟ فيه وجهان، أصحهما: الثاني.
ولو أرضع الصغيرة أماً ولديه، وثلاث زوجات له، وقلنا: بأن ذلك يحرمها عليه انفسخ نكاحها دون نكاح الزوجات.
قال الشيخ أبو علي: وأما غرامة مهر الصغيرة:
فإن أرضعن على الترتيب فالانفساخ يتعلق بإرضاع الأخيرة.
فإن كانت الأخيرة إحدى المستولدتين فلا شيء عليها؛ لأن الإنسان لا يثبت له على مملوكه شيء، وإن كانت إحدى النسوة فعليها الغرم.
وإن أرضعن معاً، بأن جعلت كل واحدة لبنها في مسعط، وأوجرنه معاً، فلا شيء على المستولدتين، وعلى النسوة ثلاثة أخماس الغرم.
ولو أرضع الصغيرة أم الزوج، وبنته، وأخته، وبنت أخيه، وبنت أخته، وقلنا بتحريم الصغيرة، فإن أرضعنها على التعاقب فالغرم على الأخيرة.
وقد حكى الماوردي وجهاً في نظير المسألة، وهو إذا كان له زوجتان صغيرتان، فأرضعت أجنبية إحداهما، ثم أرضعت [أم] الأجنبية الأخرى- بطل نكاح الثانية، وفيمن يرجع عليه بالغرم وجهان:
стр. 7300
أحدهما: على المرضعة الثانية؛ لأن برضاعها انفسخ النكاح.
والثاني: يرجع على المرضعتين؛ فيتجه جريانه هاهنا.
وإن وقع ذلك معاً فعليهن بالسوية.
فروع:
لو دبت الصغيرة بنفسها، فارتضعت من زوجته الكبيرة وهي نائمة- انفسخ نكاحها، وسقط جميع مهر الصغيرة على الأصح، ولا يجب على الكبيرة بسبب فساد نكاح الصغيرة شيء، على الأصح.
وقال الداركي: إنه يجب عليها الغرم؛ لتقصيرها.
وإذا قلنا بالأصح وجب في مال الصغيرة- بسبب فساد نكاح الكبيرة- الغرم.
ولو وقعت قطرة من لبن المرضعة أربع مرات في فم الرضيع بطيران الهواء، لم يجب عليها الغرم.
قال الرافعي: ويجيء في وجوب الغرم عليها الوجه المنقول عن الداركي.
ولو ارتضعت الصغيرة من أم الزوج مثلاً رضعتين وهي نائمة، ثم أرضعتها الأم ثلاثاً- فعلى الوجهين السابقين في أن الغرم يوزع على عدد المرضعات، أو على عدد الرضعات:
إن قلنا بالأول فيسقط من نصف المسمى نصفه، ويجب على الزوج نصفه.
وإن قلنا بالثاني فيسقط من نصف المسمى خمساه، ويجب على الزوج ثلاثة أخماسه.
ولو أرضعتها الأم أربع رضعات، ثم ارتضعت الصغيرة منها الخامسة وهي نائمة- فقد قال في "التتمة": في نظيره لأصحابنا اختلاف، وهو أن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثاً على التلاحق، يتعلق التحريم بالطلقة الثالثة وحدها [أو بالطلقات الثلاث؟
إن قلنا: يتعلق بالثالثة وحدها] فكذلك هاهنا: يحال التحريم على الرضعة الأخيرة، ويكون الحكم كما إذا ارتضعت وصاحبة اللبن نائمة، ويسقط مهر الصغيرة.
стр. 7301
وإن علقنا التحريم بالطلقات الثلاث فهاهنا يتلعق التحريم بالرضعات، فيسقط من نصف المسمى خمسه، ويجب على الزوج أربعة أخماسه، ويجب على المرأة أربعة أخماس مهر المثل؛ تفريعاً على أن الواجب مهر المثل، وادعى أنه أظهر.
وقد أبدى الماوردي ما قاله المتولي وجهين محتملين، لكن غير مبنيين على ما ذكره المتولي.
تنبيه: الغرم الواجب يكون للزوج إن كان حراً، وإن كان عبداً فلسيده.
وقوله: بالرضاع، يحترز به عما إذا أفسده عليه بوطئه كالأب والابن إذا وطئ زوجته بشبهة؛ فإنه لا يجب عليه الغرم على رأي قدمته، مع ما قيل فيه في باب: ما يحرم من النكاح.
وقال الجيلي: إنه احترز به عما إذا أفسده بالقتل، وقد حكينا فيه خلافاً عن بعض المصنفين هذا آخر كلامه، والله أعلم.
стр. 7302
كتاب النفقات
النفقة: من "الإنفاق"، وهو الإخراج.
ولوجوبها ثلاثة أسباب: ملك النكاح، وملك اليمين، وقرابة التعصيب.
والأول والثاني يوجبان النفقة للمملوك على المالك، دون العكس؛ لاشتغال المملوك، وكونه محبوساً برقه؛ ليتفرغ لمالكه. والثالث يوجب النفقة لكل واحد من الفريقين على الآخر؛ لشمول معنى التعصيب والشفقة.
стр. 7303
باب نفقة الزوجات
بدأ الشيخ- ﵀ بنفقة الزوجات؛ تبعاً للشافعي- ﵁ لأنها تجب بطريق المعاوضة في مقابلة التمكين من الاستمتاع، ولا تسقط بمضي الزمان؛ فهي أقوى من غيرها؛ فلهذا بدأ بها.
قال: يجب على الزوج نفقة؛ زوجته للكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
والدليل فيها من وجهين:
الأول: قوله: ﴿قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ والقيم على غيره هو المتكفل بأمره.
والثاني: قوله: ﴿وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فنص على وجوبها بالولادة في الحال التي تتشاغل بولدها عن استمتاع الزوج؛ ليكون أدل على وجوبها عليه في حال استمتاعه بها.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فدل على وجوب النفقة؛ لأنها من جملة الفروض.
ومن السنة: ما روى الشافعي- ﵁ بإسناده عن أبي هريرة: أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، معي دينار؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ". قال: معي آخر؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ". قال: معي آخر؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ". قال: معي آخر؟ قال: "أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ". قال: معي آخر؟ قال: "أَنْتَ أَعْلمُ".
стр. 7304
وروى البخاري عن أبي هريرة أنه- ﵇ قال: "وَابْدَا بِمَنْ تَعُولُ؛ تَقُولُ المَرْأَةُ: إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي، وَيَقُولُ المَمْلُوكُ: أَطْعِمْني وَاسْتَعْمِلنِي، وَيَقُولُ الابْنُ: أَطْعِمْنِي، إِلَي مَنْ تَدَعُنِي؟ " قَال: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ سَمِعْتُ؟ قَالَ: مَا هَذَا مِنْ كِيسِ أَبِي هُرَيرَةَ.
وأجمعت الأمة على وجوب نفقة الزوجات على الجملة.
قال: فإن كان موسراً لزمه مدان من الحب المقتات في البلد، أي: غالباً، وإن كان معسراً لزمه مد، وإن كان متوسطاً لزمه مد ونصف.
أما اعتبار التفاوت بين الموسر وغيره فالدليل عليه قوله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي: ضيق ﴿فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].
وأما اعتبار المدين في حق الموسر، والمد في حق المعسر- فقد تمسك الأصحاب فيه بأن الشرع قدر النفقة بالاجتهاد، ولا يجوز اعتبارها بقدر الحاجة؛ لأنه لو كان كذلك لسقطت نفقة المريضة ومن هي مستغنية بالشبع في بعض الأيام، وإذا بطل هذا المأخذ، وجب أن تلحق بما هو شبيه بها، وأشبه شيء بها الكفارات؛ لأن كل واحدة منهما طعام واجب بالشرع؛ لسد الجوعة؛ فيستقر في الذمة.
وأيضاً: فقد اعتبر الله- تعالى- جنس الإطعام في الكفارة بنفقة الأهل بقوله- تعالى-: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]؛ وذلك يدل على المشابهة والمقاربة، وأكثر ما أوجبه الشرع في الكفارة مدان للمسكين الواحد في كفارة الأذى، وأقل ما أوجبه للواحد فيها مد في كفارة اليمين والظهار والوقاع؛ فوجب أن يكون هاهنا كذلك.
وأما اعتبار المد والنصف في حق المتوسط؛ فلأنا لو أوجبنا عليه المدين، لأضررنا به، ولو أوجبنا لها المد لأضررنا بها، وهو متردد بينهما؛ فوجب عليه من نفقة كل واحد منهما نصفها؛ دفعاً للضرر.
وأما اعتبار الحب المقتات في البلد؛ فلأن الله- تعالى- أوجب النفقة
стр. 7305
بالمعروف، ومن المعروف أن يطعمها ما يطعم أهل البلد.
وأما اعتبار الحب، دون الدقيق والخبز؛ فبالقياس على الكفارات.
ولا فرق في ذلك بين القمح والأرز والشعير والتمر والأقط في حق أهل البوادي الذين يقتاتونه.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: أن بعض أصحابنا قال: إن كان الأغلب في بعض البلاد أنهم لا يطحنون الأطعمة بأيديهم، لم يفرض لها إلا الدقيق، وإن كانت العادة أن المرأة تطحنه برحى يد فلا بأس أن يفرض لها الحنطة.
وعلى المذهب: هل يجب عليه أجرة طحن الحب وخبزه؟ ينظر:
إن لم تكن ممن جرت عادتها بتعاطي ذلك بنفسها وجبت، وإن كانت ممن جرت عادتها بذلك- كأهل البوادي- كان عليها دون الزوج، صرح به الماوردي.
وفيه وجه: أنها تجب مطلقاً.
ووجه: أنها لا تجب مطلقاً.
ولو نذرت الطعام أو باعته، فهل يسقط حقها من مؤنة إصلاحه؟ فيه تردد للإمام.
هذا هو المشهور من المذهب، ووراء ما ذكرناه في قدر الطعام قولان آخران:
أحدهما- عن رواية الشيخ ابي حامد: أنه يعتبر بقدر الكفاية كنفقة القريب، وقد يحتج له بقوله- ﵇ لهند، وقد قالت له: إن أبا سفيان رجل شحيح، ما يعطيني من النفقة ما يكفين ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك" كما رواه مسلم، فسوى بينها وبين الولد، وفي هذا الحديث فوائد نذكرها من بعد، إن شاء الله تعالى.
وبأن النفقة تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، والتمين يعتبر بكفاية الزوج؛ فوجب أن يكون ما يقابله من النفقة مقدراً بكفاية المرأة كالمقاتلة، لما لزمهم كفاية المسلمين في جهاد عدوهم استحقوا على المسلمين في بيت مالهم قدر كفايتهم.
стр. 7306
والثاني- عن رواية صاحب "التقريب"-: أن الاعتماد فيه على فرض القاضي، وعليه أن يجتهد في ذلك.
وروي عن ابن خيران وغيره: أن النفقة لا تتقدر بالمقادير المذكورة، ولكن يتبع فيه عرف الناس في البلد.
وزفي صفة الطعام- تخريجاً عن ابن سريج- وجه: أنه لا ينظر إلى الغالب، وإنما يعتبر ما يليق بحال الزوج إلحاقاً للجنس بالقدر، وهذا ما أبداه الإمام تردداً فيما إذا كان الغالب قوتاً، ولكن الفقراء يعتادون اقتيات غيره.
وعلى المذهب: لو لم يكن في البلد قوت غالب، ففي "الرافعي": أن الواجب ما يليق بحال الزوج إن كان يأكل ما يليق به؛ فإن كان قوته أقل من الحال اللائق به كالمتزهدين فإنا نعتبر الائق به، قاله مجلي.
وفي "الحاوي": أنه إذا اختلف قوت بلدهما، وجب لها الغالب من قوت مثلها، فإن كان مختلفاً كان الزوج مخيراً دونها.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون للمرأة منصب أو لا، ولا بين المسلمة
стр. 7307
والذمية، والحرة والرقيقة: [والصحيحة والمريضة والصغيرة والكبيرة]؛ بل إنما يختلف باليسار وغيره- كما ذكرناه- وقد اختلفت عبارات الأصحاب في ضبط ذلك: فالذي ذكره الماوردي: أن الموسر من يقدر على نفقة الموسرين في حقنفسه وحق كل من يلزمه نفقته من كسبه، لا من أصل ماله.
والمعسر من لا يقدر على أن ينفق من كسبه على نفسه وعلى من تلزمه [نفقته، إلا] نفقة المعسرين، وإن زاد عليها كانت من أصل ماله، لا من كسبه.
والمتوسط هو: أن يقدر على أن ينفق من كسبه على نفسه، وعلى من تلزمه [نفقته] نفقة المتوسطين، فإن زاد عليها كان من أصل ماله، وإن نقص عنها فضل عن كسبه.
والذي ذكره القاضي الحسين: أن الموسر من يزيد دخله على خرجه، والمعسر من يزيد خرجه على دخله، والمتوسط من يستوي دخله مع خرجه.
وقد أورده صاحب "التهذيب" مع وجه آخر: أنه يرجع في ذلك إلى العادة، والعادة تختلف باختلاف البلاد، وهذا ما حكاه المتولي.
قال الرافعي: وأحسن قيل فيه ما أورده الإمام والغزالي: أن من لا يملك شيئاً أصلاً، أو يملك من المال ما [لا] يخرجه عن استحقاق سهم المساكين فهو معسر، فإن ملك ما يخرجه عن استحقاق سهم المساكين: فإن كان لا يتأثر بتكليف المدين فهو موسر، وإن كان يتأثر بأن يرجع إلى صفة المسكنة لو كلف مدين فهو متوسط، أي: ولم يتأثر بالمد والنصف، كما صرح به الإمام، ولا بد مع ذلك من النظر إلى الرخص والغلاء.
والقدرة على الكسب الواسع لا تخرجه عن حد الإعسار في النفقة، كذا حكاه الغزالي.
وفي "المهذب": أن القدرة بالكسب كالقدرة بالمال.
قال مجلي: ومضمونه: أنه إذا كان يقدر على التكسب، كلفه؛ كما لو كان يقدر بالمال.
стр. 7308
وأراد مجلي بذلك: نفقة المتوسط [أو الموسر] عن كان كسبه يفي بها، وسنذكر في الباب الثاني خلافاً في وجوب الاكتساب لأجل النفقة.
فإن كان الزوج عبداً فليس عليه إلا نفقة المعسرين، وكذا المكاتب، وكذا من بعضه حر وبعضه رقيق، على أصح الوجهين في "البندنيجي" وغيره.
وفي الثاني: يوزع على الحصتين إن كان موسراً بنصفه [الحر، أو متوسطاً.
والنظر في اعتبار اليسار وما عداه إلى وقت طلوع الفجر، وهو الوقت] الذي يجب فيه تسليم النفقة، ولا نظر إلى ما يطرأ بعده من يسار أو إعسار؛ صرح به في "التهذيب".
ويجيء- على ما سنذكره عن "المهذب"-: أن يعتبر ذلك وقت طلوع الشمس.
فرع: لو اختلفا في يساره وإعساره، فإن لم يعرف له مال فالقول قوله، وإن عرف له مال أيسر به، فالقول قولها.
وهذا يظهر على قول من اعتبر وجود المال في اليسار، وأما على طريقة القاضي والماوردي فالذي يظهر أنه لا أثر لوجود المال أو عدمه.
تنبيه المد يجمع على: أمداد، ومداد، بكسر الميم.
стр. 7309
قال: فإن رضيت بأخذ العوض، [أي]: من ذهب أو فضة- جاز على ظاهر المذهب؛ لأنه طعام مستقر في الذمة لمعين؛ فجاز أخذ العوض عنه، كالقرض.
وقيل: لا يجوز، وهو الأصح في "تعليق" القاضي الحسين؛ لأنه طعام واجب في الذمة بالشرع، فلم يجز أخذ العوض عنه كطعام الكفارة.
ولأنه طعام يثبت في الذمة ببدل؛ فلا يجوز العدول إلى بدله قبل القبض كالسلم.
وفيما ذكرناه من علة ظاهر المذهب- وهو قول أبي إسحاق- ما ينفي ذلك.
وفي "تعليق" القاضي الحسين حكاية وجه ثالث فارق بين النفقة المستقرة الثابتة في الذمة؛ فيجوز الاعتياض عنها، وبين النفقة المستقبلة؛ فلا يجوز. وكأنه يشير- والله أعلم- إلى نفقة اليوم قبل مضيه؛ فإنها متعرضة للسقوط بالنشوز.
وحكم أخذ الخبز والدقيق عند بعضهم حكم أخذ الذهب والنقرة؛ فيخرج على الخلاف، وهو ما حكاه ابن يونس والفوراني.
وفي "الشامل": أن الذي يجري على قول أصحابنا: أنه لا يجوز؛ لما فيه من الربا.
وفي "الرافعي": أن القاضي الروياني وغيره تابع العراقيين عليه، يعني: على عدم الجواز.
وفي "التهذيب": الجزم بأنها إذا رضيت بأخذ الدقيق والسوييق والخبز جاز.
ولعل وجهه ما ذكره مجلي: أنها بذلك قابضة لحقها، وليس من باب المعاوضات، وإنما أسقطت مؤنة الإصلاح.
وعلى هذا التعليل ينبغي أن تكون من جنس حقها.
وفي "الذخائر" حكاية الخلاف، لكنه مرتب على الخلاف في الفضة، وأولى بالمنع.
стр. 7310
وعلى كل حال: فلا يجوز الاعتياض عن النفقة المستقبلة، ولا بيعها من الغير بحال.
ولو كانت تأكل مع الزوج على العادة، ففي سقوط نفقتها بذلك خلاف مبني على جواز بيع المعاطاة.
قال الغزالي: والأحسن السقوط، والقياس عدم الإجزاء، وهو الذي اختاره الروياني والمحكي في "تعليق" البندنيجي.
قال البندنيجي: وهذا إذا لم ترض بذلك عوضاً، فإن رضيت به عوضاً سقطت وجهاً واحداً.
وفي "تعليق" البندنيجي: أنها ترجع عليه بالنفقة، ويرجع عليها ببدل ما أنفق.
قال: ويجب لها من الأدم ما تحتاج إليه من أدم البلد، أي: من زيت، أو سمن، أو شيرج، أو جبن، أو خل، أو لبن.
أما أصل وجوب الأدم؛ فلأن الله – تعالى- قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وليس من المعروف أن يدفع إليها القوت بلا أدم؛ فإن الطعام لا ينساغ أكله في الغالب إلا به.
وأما كونه يرجع فيه إلى أدم البلد؛ فلأن الشرع لم يضبطه بشيء، ولا له نظير في الشرع يقاس عليه؛ فتعين حمله على العرف كالحرز والإحياء، والعرف يختلف.
وقد قال الأئمة: [إن كان بالعراق فالأدم فيه الشيرج والزيت، و] إن كان بخراسان أو بالحجاز فالأدم فيه السمن، وإنكان بالشام – قال القاضي الحسين: أو مصر- فالأدم فيه الزيت.
وإنما خص بذلك؛ لأنه أصلح للبدن، وأخف مؤنة؛ فإنه لا يحتاج في التأدم به إلى طبخ ولا كلفة، هذا كلام ابن الصباغ، وظاهره يقتضي حصر الأدم في الأدهان.
قال مجلي: وكذلك كلام الشيخ أبي حامد؛ فإنه ذكر هذه العلة، وزاد فيها: أنه
стр. 7311
قل طعام يطبخ إلا وفيه الدهن؛ فلهذا خص الدهن من سائر الآدام بالإيجاب، ثم قال: وهذا الذي قالاه ظاهر قول الشافعي في "الأم" رأيته.
وقال بعض أصحابنا: لا يختص بجنس الدهن. انتهى.
وهو ما حكاه الرافعي، وإليه أشار الماوردي، كما ذكرناه أولاً.
ثم ذلك يختلف- أيضاً- باختلاف الفصول، فقد تغلب الفاكهة في أوقاتها؛ فتجب.
قال القاضي الحسين: الرطب في وقته [واليابس في وقته].
قال الرافعي: والوجه المذكور في جنس القوت- أنه ينظر إلى عادة الزوج دون الغالب- يعود في الأدم أيضاً.
وأما قدر ما يؤتدم به فالمرجع فيه اجتهاد القاضي وفرضه، فإذا قيل: إنه يكفي في إدام كل مد من الطعام أوقية من الدهن مثلاً- أوجبنا لامرأة الموسر أوقيتين، ولامرأة المعسر أوقية، ولامرأة المتوسط أوقية ونصف.
وما نقل عن الشافعي من أنه قال: "مكيلة زيت أو سمن"، فقد قال الأئمة: إنه تقريب، لا تقدير.
وفي "الجيلي": أن بعض أصحابنا قال: المراد بمكيلة الزيت والسمن: أربعون درهماً.
قال: ومن اللحم على حسب عادة [أهل] البلد، أي: فإن كان أهل البلد يأكلون اللحم في كل أسبوع مرة وجب [لها] كذلك، والأولى أن يكون في يوم الجمعة، وإن كانوا يأكلونه في كل أسبوع مرتين وجب كذلك، والأولى أن يكون في يوم الجمعة، وفي يوم الثلاثاء أخرى.
وإن كانوا يتأدمون باللحم كان تأدمها اللحم.
قال الماوردي: وكذلك إن كانت عادتهم أن يتأدموا بالسمك كان أدمها السمك.
والمرجع في قدر ذلك إلى العرف- أيضاً- حتى لو كان الواحد منهم يتأدم بأكثر من رطل من لحم فقدره معتبر بعرفهم، صرح به الماوردي.
стр. 7312
وما قاله الشافعي من أنه يطعمها في كل أسبوع رطل لحم، فهو محمول عند الأكثرين على عادة أهل مصر؛ لعزة اللحم عندهم يومئذ.
وفي "الرافعي": أن الرطل محمول على المعسر، وعلى الموسر رطلان، وعلى المتوسط رطل ونصف.
وفي "التهذيب": أنه يجب في وقت [الرخص] على الموسر في كل يوم رطل، وعلى المتوسط في كل يومين أو ثلاثة، وعلى المعسر في كل أسبوع. وفي وقت الغلاء يجب في أيام مرة، على ما يراه الحاكم.
وقال قائلون: وحكاه الشيخ أبو محمد عن القفال-: إنه لا يزيد على [ما] ذكره الشافعي في جميع البلاد، ويجب عليه مع اللحم الملح والحطب وأجرة الطبخ إن لم تجر عادتها بالطبخ.
فرع: هل يجب لها في اليوم الذي يعطيها فيه اللحم أدم؟ أبدى الرافعي فيه تردداً لنفسه.
فرع آخر: إذا تبرمت بالجنس الواحد من الأدم، لا يلزم [الزوج] إبداله على الأظهر.
وعلى هذا لو أبدلته بجنس آخر فلا اعتراض له.
وكذا لو صرفت ما أخذته من الطعام في الأدم، وبالعكس.
ومن الأصحاب من جوز له المنع من إبدال الأشرف بالأخس، وله على هذا منعها من بدل أكل الأدم من طريق الأولى.
وفي "تعليق" البندنيجي: أنها لو أرادت أن تصرف ما أخذته فيما يهزل بدنها، ويذهب حسنها- كان له منعها على أحد الوجهين.
قال: ويجب لها ما تحتاج إليه من الدهن للرأس والسدر، أي: أو ما في معناه من الخطمي والطين والمشط؛ لأنها تحتاج إلى ذلك لإصلاح شعرها؛ فوجب عليه كنفقة بدنها.
ويلتحق بما ذكرناه الأشنان والصابون والقلي للثياب؛ صرح به في "التهذيب".
стр. 7313
والمراد بالمشط- على ما حكاه الماوردي- آلة المشط من الأفاويه والغسلة؛ إذا كان ذلك من عرف بلادهم.
والذي يظهر أن مراد الشيخ به: الآلة المعروفة، وفيه لغات: مشط، ومشط-[بضم الميم وإسكان الشين وضمها] – ومشط بكسر الميم، وممشط، ويقال له: مشقأ ومشقا، مهموز وغير مهموز، ومشقاء، ممدود.
ثم المرجع في جنس الدهن وغيره إلى العرف، حتى لو كانت ممن لا يعتادون الادهان إلا بما طيب بالورد والياسمين وجب.
و [المرجع] في قدره إلى كفاية مثلها ووقته في كل أسبوع مرة. قاله الماوردي.
وفي "ابن يونس" أنه قيل: إن ذلك [لا] يجب- وأبداه الإمام وغيره احتمالاً في الدهن- فيما إذا قال الزوج: هذا للتجمل والتزين، وأنا لا أريده.
ويجب لى الزوج أجرة الحمام إن كانت عادتها بدخوله.
قال الماوردي: وذلك في كل شهر مرة.
وأشار بعض أصحاب الإمام إلى خلاف في وجوب الحمام، وبالمنع أجاب البندنيجي، وألحقه بالطيب.
وكذلك أطلق القاضي الحسين جوابه بالمنع.
والذي أورده الغزالي: أنها لا تجب إلا إذا اشتد البرد.
ويجب عليه ثمن ماء الاغتسال، إن كان سببه جماعاً أو نفاساً، على أصح الوجهين؛ لأن الحاجة إليه جاءت من قبله، بخلاف ما إذا كان سببه جنابة؛ فإنه لا يجب إذ لا صنع منه؛ وكذا لو كان حيضاً على أصح الوجهين.
قال الرافعي: وينظر على هذا القياس في ماء الوضوء إلى أن السبب من جهته كاللمس، أو لا من جهته؟
واعلم أن تقييد الشيخ الدهن للرأس يفهم أنه لا يجب عليه الدهن للجسد؛ لأجل
стр. 7314
أنه لا يراد للزينة، بخلاف الرأس؛ فإنه من الزينة التي تدعو إلى الاستمتاع بها.
وفي "الحاوي": إلحاق الدهن للجسد بالدهن للرأس في الوجوب.
قال: ولا يجب عليه ثمن الطيب، أي: الذي يقصد للزينة؛ لأن ذلك يراد للتلذذ والاستمتاع، وذلك حق له.
نعم: يجب عليها استعماله إذا أحضره لها، وكذا الخضاب في اليدين والرجلين.
وكذا الكحل لا يجب على الزوج، صرح به الرافعي، وقرنه بالخضاب.
وفي "الحاوي": أن الكحل الذي يراد للزينة كالإثمد يجب على الزوج الإتيان به.
أما الطيب الذي يقصد لقطع [الزهوكة]- إذا لم تنقطع بالماء والتراب- فيجب؛ لأنه من جملة آلة التنظيف؛ فأشبه المشط.
وكذا يجب المرتك وما في معناه؛ لقطع الصنان إذا لم ينقطع بالماء والتراب، وحكى فيه بعض أصحاب الإمام وجهاً.
فرع: يجب على الزوج أن يحضر لها ما تنتفع به من آلة الطبخ والشرب والاستعمال كالإبريق والمدية، ولا يتعين في ذلك نوع، بل يجري فيه الخزف والخشب والحجر.
وأبدى الرافعي احتمالاً فيما إذا كانت شريفة: أن يجب له الظروف النحاسية، وهو مستمد من قول الغزالي: "وأما النحاس فطلبه ترفه، وقد يليق بالشريفة؛ فهو كالزيادة على لبس الكرباس".
قال: ولا أجرة الطبيب- أي: والفاصد- ولا شراء الأدوية؛ لأنا لزوج بمنزلة [المستأجر، والزوجة بمنزلة] الدار المستأجرة والدواء وما في معناه لحفظ البدن؛ فلا يجب على الزوج كما لا يجب على المستأجر عمارة الدار، بخلاف الدهن وما في معناه؛ فإن ذلك في معنى غسل الدار وكنسها، وذلك على المكتري؛ فلا جرم وجب على الزوج.
стр. 7315
[وفي "التتمة" في قسم الصدقات، عند الكلام في أنه هل يجوز أن يصرف لزوجة الغير من سهم الفقير شيء أم لا؟ إشارة إلى وجه في أن مداواتها تجب على الزوج]، ولعله [مفرع] على القول بأن نفقتها مقدرة بالكفاية؛ فإنها حينئذ تكون كالقريب، والله أعلم.
قال: ويجب من الكسوة ما جرت العادة به.
أما وجوب أصل الكسوة؛ فلقوله تعالى: ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ولما روى الترمذي عن أبي هريرة في حديث مطول: "أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ، أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ"، وقال: إنه حديث حسن صحيح.
ولأن الكسوة كالقوت في كون البدن لا يقوم إلا بها.
وأما كون الواجب ما جرت العادة به؛ فلقوله تعالى: ﴿وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] رد ذلك إلى العرف، ولأن الإجماع على أنه لا يكفي ما ينطلق عليه الاسم، كما حكاه الرافعي؛ فامتنع إلحاقها بالكسوة في الكفارة؛ فتعين العرف.
قال: فيجب لامرأة الموسر من مرتفع، أي: بكسر الفاء- ما يلبس نساء [أهل] البلد، أي: من قطن، أو غزل، أو خز، أو حرير؛ لأن الشرع أوجب التفاوت بين الموسر والمقتر، والكسوة مقدرة بالكفاية في حق امرأة الموسر والمقتر؛ فلم يمكن الزيادة عليها؛ فيرجع بالتفضيل إلى انوعها؛ إذ العرف يقتضيه، بخلاف النفقة؛ فإنها لما لم يكن القصد منها الكفاية جاز اعتبار التفاوت بين الموسر والمقتر بالزيادة.
وفيما عدا القطن وجه: أنه لا يجب، وهو محكي عن الشيخ أبي محمد؛ متمسكاً بظاهر ما روي عن الشافعي: أن الموسر يعطي من لين البصرة أو الكوفة أو واسط، والمعسر من غليظها، والمتوسط ما بينهما. وأراد: المتخذ من القطن؛ لأن هذا لباس أهل الدين، وما زاد عليه رعونة.
стр. 7316
والجمهور حملوه على أن ذلك كان عادة ذلك الوقت.
نعم، لو كانت العادة لبس الثياب الرقيقة- كالقصب الذي لا يصلح ساتراً- فلا يعطيها منه؛ لأنه لا يعطيها إلا ثوباً واحداً؛ فلا تصح الصلاة فيه، ولكن يعطيها من الصفيق الذي يقرب منه في الجودة، كالدبيقي والكتان المرتفع.
قال: ولامرأة المعسر دون ذلك، أي: من غليظ القطن والكتان، ويجب لامرأة المتوسط ما بينهما، كما قلنا في النفقة، وفيهما الوجه الجاري على ظاهر النص، هذا هو المشهور.
قال الرافعي: وفي كلام أبي الفرج وإبراهيم المرورذي: أنه ينظر في الكسوة إلى حال الزوجين جميعاً، فيجب عليه ما يلبس مثله مثلها في العادة.
وفي "الذخائر": أن بعض أصحابنا قال: يعتبر حال الموجة، وأن يكون بحيث إذا فرض لها ذلك، لا يجاوز حد مثلها، [وإلا اقتصر] بها على ما يجب لمثلها.
ثم قال: وينبغي أن يفصل؛ فيقال: إن قلنا: إن الكسوة تمليك، فيعتبر العرف في جنس الواجب كالنفقة. وإن قلنا: إنها إمتاع، فوجهان:
أحدهما: يعتبر بالزوجة.
والثاني: يعتبر بالزوج – كالوجهين في المسكن.
قال: وأقل ما يجب، أي: لامرأة الموسر وغيرها- قميص وسراويل ومقنعة ومداس للرجل، وإن كان في الشتاء- ضم إليه جبة- أي: محشوة بالقطن- وهذا أكثر الواجب؛ لأجل حصول الكفاية به، وذلك يختلف بطولها وقصرها، وهزالها وسمنها.
ويجب أن يكسوها في السنة مرتين: كسوة في الشتاء، وكسوة في الصيف إذا بليت عند انتهاء أمدها، وهو ستة أشهر الفصل، فإن بقيت بعده أو بليت قبله، فسيأتي الكلام فيه، إن شاء الله تعالى.
فإن قيل: لم اعتبرتم في الكسوة الكفاية، ولم تعتبروها في القوت؟
стр. 7317
قيل: لأن الكفاية في الكسوة متحققة بالمشاهدة؛ فاعتبرناها لضبطها، وكفاية القوت غير متحققة ولا مشاهدة؛ فلم نعتبرها للجهل بها، مع كونها وجدت بطريق المعاوضة المقتضية الصون عن الغرر بقدر الإمكان.
ويقوم مقام المداس المكعب والنعل، ومقام السراويل الإزار، ومقام الجبة الفرو إن كانت عادتهن بلبس ذلك.
وعن "المنهاج" للجويني: أن السراويل لا تلزم في الصيف، وإنما تلزم في الشتاء مع البرد.
وفي "الحاوي" خلافه، وإن كانت عادتهن ترك لباسه، بخلاف ما إذا كانت عادتهن ترك [لباس] شيء في أرجلهن كأهل القرى في البيوت؛ لأن في ترك السراويل هتك عورة، ويؤخذ بها في حق الله- تعالى- جميع النساء.
وقال أبو الفجر السرخسي: إذا لم تستغن بالثياب في البلاد الباردة عن الوقود؛ فيجب من الحطب والفحم بقدر الحاجة.
ولا فرق في وجوب ما ذكرناه على المذهب بين الحضرية والبدوية، كما صرح به البندنيجي.
وفي "الحاوي": أن الاعتبار في الكسوة والطعام بموضع مقامها حتى لو كانت الزوجة بدوية، وهو حضري، وأقام بها في البادية- وجب عرفهم، وإن أقام في الحاضرة فعرف الحاضرة. وكذلك لو كان بدوياً، وهي حضرية: فإن أقام بالبادية اعتبر عرف البادية، وإن أقام في الحضر اعبتر عرف الحاضرة، وإيراد القاضي الحسين قريب من ذلك.
تنبيه: المقنعة والمقنع- بكسر الميم- من "التقنيع".
قال الجوهري: والقناع أوسع من المقنعة.
المداس: بفتح الميم، وحكى كسرها.
قال: ويجب لامرأة الموسر ملحقة، أي: إن كان صيفاً، وكساء تتغطى به- أي:
стр. 7318
إن كان شتاء- ووسادة ومضربة محشوة بقطن لليل، وزلية أو لبد تجلس عليه بالنهار، أي: إذا كان شتاءً، ونطعاً إن صيفاً، وكانت عادتهم ذلك؛ لما ذكرناه.
وإيراد الغزالي ربما يفهم أنه يجب زلية غير اللبد تحت المضربة.
قال الرافعي: والمفهوم من كلام الجمهور: أن المفروش على الأرض من الزلية أو اللبد أو الحصير واحد ليلاً ونهاراً.
وفي المضربة وجه: أنها لا تجب، بل تنام على ما تفرشه نهاراً، حكاه العراقيون.
وفي "النهاية" حكاية عنهم: أن المضربة تجب في الليل، وهل تجب لها زلية تفرشها بالنهار؟ فعلى قولين.
أما لو كانت ممن عادتهن الغطاء باللحاف في الشتاء، وجب.
ولو كانوا لا يعتادون في الصيف لنومهم غطاء غير لباسهم، لم يلزمه شيء آخر، حكاه الماوردي وغيره.
قال: ولامرأة المعسر كساء أو قطيفة؛ بحسب العرف.
واعلم أن ظاهر كلام الشيخ يدل على أنه لا يجب لامرأة المعسر ما يجب لامرأة الموسر من آلة النوم وما تجلس عليه.
قال ابن يونس: وقد ذهب إليه بعض العراقيين، والجمهور على أن امرأة المعسر يجب لها النازل مما ذكرناه، ولامرأة المتوسط ما بينهما، وهو ما حكاه في "المهذب".
وفي "الحاوي": أن ذوي الإقتار وسكان القرى يكتفون في نومهم بالبسط المستعملة لجلوسهم؛ فلا يفرض لها فراش.
وفي "التتمة": أنه يجب لامرأة المعسر حصير في الصيف، ولبد في الشتاء.
تنبيه: الملحفة- بكسر الميم-: من الالتحاف.
الوسادة- بكسر الواو- والإسادة: [لغتان.
الزلية: بكسر الزاي، وتشديد اللام والياء، وجمعها: الزلالي.
اللبد: بكسر اللام، جمعه:] لبود.
стр. 7319
القطيفة- بفتح القاف-: دثار مخمل، وجمعه: قطائف وقطف؛ كصحائف وصحف. [و] في "الجيلي": أنه كساء كبير عريض أبيض.
قال: وإن أعطاها كسوة مدة، وبليت قبلها، أي: [لا لسخافتها، بل لزيادة] في الاستعمال، كما صرح به الماوردي وابن الصباغ وغيرهما- لم يلزمه إبدالها؛ كما لا يجب بدل طعام اليوم إذا نفد قبل انقضاء اليوم. [أما] إذا تلف لسخافته فيجب إبداله.
قال: وإن بقيت بعد المدة لزمه التجديد؛ كما لو بقي قوت يومها إلى غد؛ فإنها تستحق فيه قوتها، وهذا هو الأصح عند الجمهور، والمذهب في "تعليق" البندنيجي.
قال: وقيل: لا يلزمه، أي: حتى تبلى، بخلاف القوت.
والفرق: أن الكسوة معتبرة بالكفاية، وهي مكفية، والقوت معتبر بالشرع.
ولا فرق- على هذا القول- بين أن تكون قد لبستها في المدة أو لا، صرح به القاضي الحسين في "التعليق".
وقال الماوردي، وتابعه ابن الصباغ: إن الأصح عندي من إطلاق هذين الوجهين أن ينظر في الكسوة: فإن بقيت لجودتها لم تستحق بدلها؛ لأن الجودة زيادة، وإن بقيت لصيانتها عن اللبس، استحقت بدلها كما لو لم تلبسها.
وهذا كله فيما عدا الجبة، فأما الجبة: فإن كانت من القطن فتجدد في كل سنة، وإن كانت من الديباج ففي سنتين، والعرف في ذلك متبع.
وأما الدثار من اللحف والقطيفة والأكسية فهو أبقى من الكسوة، فيتبع فيه- أيضاً- العرف، هذا ما حكاه العراقيون.
وبنى المراوزة ذلك على أن الكسوة هل يجب تمليكها للزوجة كما يجب تمليك الطعام والإدام، أو لا يجب، وتكون إمتاعاً كما في المسكن والخادم؟ وفيه خلاف عندهم، والذي ذهب إليه ابن الحداد منهما، ويقال: إنه قضية نصه في "الإملاء"، واختيار القفال-: [الثاني].
стр. 7320
قال ابن الصباغ: وقد وافق ابن الحداد بعض أصحابنا، وإيراد الفوراني والمسعودي يقتضيه.
وأصحهما عند الأكثرين، وينسب إلى النص: الأول.
وفي "التهذيب" طرد هذا الخلاف في كل ما ينتفع به مع بقاء عينه كالفرش وظروف الطعام والشراب والمشط، وكلام الفوراني في المشط يوافقه.
وكلام القاضي في "التعليق" يقتضي إلحاق الفرش ونحوه مما يخرج عن كسوة البدن بالمسكن؛ فإنه قال: لا يجب إبداله ما لم يبل ويتخرف ولا يتهيأ الانتفاع به.
وألحق في "البسيط" الفرش والظروف بالمسكن.
رجعنا إلى المقصود: فإن قلنا بالأول، وبليت قبل المدة من غير تقصير- لم يجب التجديد، وفيه وجه ضعيف. وإن قلنا بالثاني وجب، وإن كان بتقصير منها، كما إذا كثر تردادها وتحاملها عليها؛ فهو كما لو أتلفتها، وإتلافها مبني على الخلاف- أيضاً-: إن قلنا بالأول لم يجب لها ولا عليها، وإلا فتجب عليها القيمة، وعليه الإبدال.
وأبدى الإمام احتمالاً في وجوب البداءة بأيهما.
ولو بقيت بعد المدة: إن قلنا بالأول وجب الإبدال، وإن قلنا بالثاني فلا.
ويتفرع على هذا المأخذ عندهم مسائل يأتي بعضها في الباب، منها: لو استأجر لها كسوة، أو استعارها، إن قلنا بالثاني جاز، وكانت العارية مضمونة على الزوج دونها، وإن قلنا بالأول فلا.
قال: ويجب تسليم النفقة إليها في أول النهار؛ لأن الواجب حب؛ فتحتاج إلى طحنه وخبزه، فلو لم يسلم لها في أول النهار لم تنله عند الحاجة؛ فيلحقها الضرر.
ومراده بأول النهار: طلوع الشمس، كما صرح به في "المهذب"، وهو ما حكاه الرافعي في كتاب الضمان، وقضية كلام الماوردي في باب الإعسار بالنفقة؛ حيث قال: "الوقت الذي تستحق فيه نفقة يومها هو أول أوقات التصرف فيه؛ لأنها إن طالبته مع طلوع فجره خرجت عن العرف، وإن أخرها إلى غروب شمسه أضر بها.
следующие страницы →