← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.

стр. 8576

وبنى المراوزة هذا الخلاف على أن القتل يقع قصاصا أو حدا، وأنا على الأول نوجب الدية للباقين، ولا نوجبها على القول الثاني. وكذا إذا مات قبل القتل، أو وقع القتل [دفعة واحدة؛ فإنه يقتل بواحد، وتجب الدية للباقين على القول الأول، ولا تجب] على القول الثاني. ثم قضية ما تقدم في الجنايات أن [ولي الأول] لو عفا عن القصاص يقتل للثاني، ولا ينافيه كونه محتوم القتل، فإن القصد قتله كيف كان، ويؤيد ذلك: أنا قدرنا من قبل أنه [لو] لم يقتل إلا واحدا، وعفا عنه ولي القتيل، وعليه شائبة القصاص – قتلناه لله تعالى؛ كمرتد استوجب القتل قصاصا فعفى عنه. ونحن نقول: لو قتل جماعة على الترتيب، وهو مرتد، فعفا ولي الأول – قتلناه عن الثاني. وفي "التهذيب" [في] مسألتنا: أن الأول لو عفا لم يسقط. آخر: هل يجب على قاطع الطريق بالقتل الكفارة؟ حكي الرافعي عن "الرقم" للعبادي: أنا إن قلنا: قتله يراعى فيه معنى القصاص، وجبت. قال: وإن أخذ المال وقتل، قتل وصلب، أي: على خشبة أو نحوها؛ لما ذكرناه من الآية، وقول ابن عباس وغيره. والصلب منحتم – أيضا – كما صرح به الأصحاب، ودل عليه كلام الشيخ من بعد؛ لأنه محض حق الله – تعالى – وجب بسبب أخذ المال في هذه الحالة؛ فكان كالقطع. وقيل: يصلب حيا، ويمنع [من] الطعام والشراب حتى يموت؛ لأن الصلب إذا كان حدا وجب أن يكون في الحياة؛ لأن الحدود لا تقام على ميت، ولأن ذلك أبلغ الانزجار، وهذا ينسب إلى رواية صاحب "التلخيص" وغيره. [وفي "الكافي" نسبته إلى قول أبي حامد، ولعله أراد أن أبا حامد رواه]، كما هو مذكور في الشامل.

стр. 8577

وفي "تعليق" القاضي الحسين و"النهاية": أن الشافعي – ﵁ – حكي هذا المذهب عن بعض السلف حكاية أشعرت بارتضائه؛ فصار صائرون من الأصحاب إلى أنه قول للشافعي، ﵁. وعلى هذا: [إلى] متى يستدام صلبه بعد موته؟ فيه الخلاف الآتي فيما إذا قتل ثم صلب، حكاه الإمام وكذا الرافعي، وقال: إنا إذا قلنا بالقول الذي رواه صاحب "التلخيص"، فإنه ينزل بعد الثلاث فيغسل ويصلى عليه بعد ذلك، وإن قلنا: لا ينزل، كما هو مذهب] أبي [علي بن أبي هريرة فلا يغسل ولا يصلى عليه [وهو ما حكاه القاضي الحسين في باب الجنائز عن أبي هريرة]. ولفظ الغزالي في كتاب الجنائز يفهم أن إذا قلنا: يقتل مصلوبا، [فلا يغسل ولا يصلى عليه على القولين؛ لأنه قال:] ومن رأى [أن يقتل مصلوبا] فقد قال: لا يصلى عليه. وأشعر ذلك بسؤال أورده الإمام حيث قال: وكان لا يمتنع أن يقتل مصلوبا، وينزل [فيغسل ويصلى] عليه، ثم يرد. ولكن لم يذهب إليه أحد، واستبعد هاهنا تصور غسله والصلاة [عليه] بعد تساقطه، وإنه لو قيل: تجمع عظامه ويصلى عليها؛ لكان على نهاية البعد، ومجلي قال: لا يبعد ذلك؛ لإمكانه مع [أن] القصد بالصلاة عليه الدعاء، وهذا يلحقه، وإن كان قد تهرأ بلي مع البلى، والله أعلم. قال: والأول أصح؛ لقوله ﷺ : "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة"؛ ولأن في ذلك مثله، وقد تقدم أن الآية نزلت ناسخة للمثلة، حتى روي عن عمران بن حصين أنه قال: ما قام رسول الله ﷺ بعد ذلك فينا خطيبا إلا ونهانا عن المثلة، وحثنا على الصدقة.

стр. 8578

والصلب وإن كان حدا فالقصد به ردع غيره؛ لأن المقتول [لا يردع، وإنما يردع به الأحياء]، والردع بالصلب موجود في الأحياء، وإن كان بعد القتل. وقد وافق الشيخ على تصحيح الأول العراقيون والمراوزة، وبعضهم جعله المذهب، ووراء ما ذكرناه أقوال، [ووجوه]: أحدها – حكاه القاضي أبو الطيب، وتبعه في "المهذب" عن رواية ابن القاض في "التلخيص" عن الشافعي – ﵁: أنه يصلب ثلاثا قبل القتل، ثم [قال]: قال أصحابنا: وهو مذهب أبي حنيفة ولا يعرف للشافعي، وإن أثبتناه. قال البغوي والرافعي: وينزل بعد الثلاث ويقتل. وفي "الوسيط" و"التهذيب" وغيرهما: أنه يصلب [حيا]، ويقصد مقتله بحديدة مذففة على وجه، وهو مذهب أبي حنيفة، ولم يقيد ذلك بمدة، وهذا هو الوجه الذي أشرت إليه. والثاني – حكاه الإمام الرافعي وغيرهما عن تخريج أبي الطيب بن سلمة -: أنه تقطع يده ورجله لأجل المال، ويقتله [لأجل القتل]، ويصلبه لجمعه بينهما. ووجه القاضي الحسين بأن كل واحد من القتل وأخذ المال لو انفرد لوجبت فيه العقوبة، فإذا اجتمعا كان [ذلك] زيادة جناية؛ فغلظ وزيد الصلب. وهذا التعليل يقتضي أن محل خلافه إذا كان [المال] المأخوذ نصابا؛ فيكون خلاف المذهب في ضم القطع إلى القتل والصلب [لا غير]. والثالث – حكاه الرافعي والإمام وغيرهما عن رواية صاحب "التقريب" –: أنه إن أخذ نصابا وقتل قطع وقتل ولم يصلب، وإن أخذ أقل منه قتل وصلب، ويكون الصلب [لأجل أخذ] المال، وهذا ما حكاه القاضي الحسين عن أبي الطيب بن سلمة، وهذا فيه مخالفة للمذهب في أمرين:

стр. 8579

أحدهما: في جعل القطع عوضا عن الصلب عند أخذ النصاب. [والثاني: إيجاب الصلب عند أخذ دون النصاب] مع القتل، وهو الذي اختاره الماوردي لنفسه كما حكيناه من قبل، وأن المذهب – كما حكاه الرافعي -: أن المال المأخوذ إذا كان دون النصاب لا يوجب الصلب، وهذا ما أفهمه كلام الماوردي ثم، وعلى رأي ابن خيران: يجب، والله أعلم. قال: ولا يصلب، [أي]: على القول الأول، أكثر من ثلاثة أيام. هذا الفصل يقتضي أمرين: أحدهما: جواز صلبه ثلاثة أيام، وهو الذي نص عليه الشافعي – ﵁ – لأن في ذلك إشهارا لحاله وتتميما للنكال، لكن ظاهر النص أنه لا فرق [في ذلك] بين أن يخشى تغيره فيها أو لا، وقد قال به بعض الأصحاب، وقال القاضي أبو الطيب: إنه سمع الماسرجسي يقول هذا. قاله الشافعي – ﵁ – إذا كان البلد باردا والزمان معتدلا، فأما إذا كان الحر شديدا فإنه يصلب إلى وقت إن ترك بعده تغير، ثم يحط فيغسل، ويكفن ويصلى عليه؛ لأن في إدامة الصلب تفويتا لأمر الغسل وغيره، وهذا ما أورده في "المهذب"، والقاضي الحسين في "تعليقه"، والماوردي، وصححه الرافعي. الثاني: ألا يزاد على الأيام الثلاثة، ووجه اعتبار ذلك: أن للثلاث اعتبارا في الشرع، وليس لما زاد عليها غاية إلا أن يسيل صديده، وذلك يسقط واجبات الغسل والتكفين والصلاة والدفن، وهذا لا يجوز؛ لأن الحدود كفارات لأهلها؛ كذا قاله أبو الطيب والمصنف، ومقتضاه: أنا لا نغسله ولا نكفنه ولا نصلي عليه قبل الصلب، بل نفعله بعد الحط، وقد صرح به الإمام هنا والقاضي الحسين والبغوي وصاحب "المرشد"، وحكاه البندنيجي عن النص، وجزم الغزالي والرافعي في كتاب الجنائز وهاهنا بأنا نغسله ونصلي عليه قبل الصلب، ثم نصلبه مكفنا. وقيل: يصلب حتى يسيل صديده؛ لأن الصليب – وهو الخشبة – إنما

стр. 8580

سمي صليبا؛ لسيلان صليب المصلوب عليها، وهو الودك؛ فيجب أن يترك إلى أن يحصل السيلان، ولأن الصلب شرع في حقه تغليظا عليه، كذلك هذا يكون تغليظا عليه، وهذا قول ابن أبي هريرة. وبعضهم زاد في الحكاية عنه أنه يترك حتى يتهرأ ويسيل صديده. وفي "تعليق" القاضي الحسين نسبة هذا الوجه على هذا النعت إلى صاحب "التخليص"، وحكاه الإمام كذلك، ولم يعزه لأحد. ثم حكي عن الصيدلاني أنه يترك حتى يتساقط، ثم قال: وفي القلب شيء منه؛ فإني لم أره لغيره. والذي ذكره بعض الأصحاب: أنه يترك حتى يسيل صليبه، والتساقط يقع بعد سيلان الصليب بمدة طويلة، ثم على هذا لا يبالي بإنتانه؛ إذ لا بد منه. انتهى. وفي "التهذيب" عن ابن أبي هريرة أنه يترك حتى يسيل صديده، إلا أن تتأذى به الأحياء. وقد حكي القاضي الحسين ذلك وجهين في المسألة من غير أن ينسبهما لأحد. ثم ما ذكرناه عن الأصحاب من قبل يقتضي أن ابن أبي هريرة لا يرى إيجاب غسله والصلاة عليه، وقد صرح به البغوي عنه، وحكاه الإمام في الجنائز ولم يعزه إليه، وحكي هاهنا عن الصيدلاني – تفريعا على أنه] يصلب حتى يسيل صديده: أنه [يقتل ويغسل ويصلى عليه، ثم يصلب، وأن الأصحاب اتفقوا على أن الغسل والصلاة لا يتركان، وهذا ذكره القاضي الحسين. وقد حكي الإمام في الجنائز وجها مطلقا: أن قاطع الطريق لا يغسل ولا يصلى عليه؛ استهانة له وتحقيرا لشأنه. قال: وليس بشيء؛ لفوات ما ذكرناه، مع تأذي الناس بريحه. وقد وافق الشيخ في هذا اللفظ القاضي أبو الطيب. وما ذكرناه من الصلب هو المشهور [من المذهب]، وفي "تعليق" القاضي الحسين: أنه قيل: معنى الصلب: أنه يطرح في الشمس حتى يسيل صليبه، لا أنه

стр. 8581

يصلب على الخشبة بحال، وأن هذا يحكى عن ابن أبي هريرة، وفي "الرافعي" أن الروياني حكي ذلك عن القاضي في "جمع الجوامع". تنبيه: الصديد: الدم المختلط بالقيح، كذا قاله ابن فارس. وقال الجوهري: [هو] ماء رقيق يخرج من الجرح مختلطا بدم قبل أن تغلظ المدة. والفعل منه – كما قال ابن فارس –: أصد الجرح. فرع: لو مات قاطع الطريق قبل القتل ففي "المهذب" حكاية وجهين في صلبه: أحدهما – وهو قول الشيخ [أبي حامد]-: أنه يسقط؛ لأن الصلب تابع للقتل وصفة له، وقط سقط. وقد حكي الماوردي وابن الصباغ هذا عن رواية الحارث بن سريج النقال عن الشافعي – ﵁] قال الماوردي: وكذا لو قيل: إنه يقتل ثم يصلب. والبندنيجي حكاه عن الشافعي – ﵁ –] وقال: إنه قال: حسابه على الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. والثاني: وهو – كما قال – قول شيخنا القاضي أبي الطيب: يصلب؛ لأنهما حقان؛ فإذا تعذر أحدهما لم يسقط الآخر. قال: وإن جنى قاطع الطريق جناية توجب القصاص فيما دون النفس، أي: كما إذا قطع اليدين أو الرجلين أو الأذنين أو الأنف] وفقأ العين [، ونحو ذلك ففيه قولان: أحدهما: يتحتم القصاص؛ قياسا على النفس، وهذا [ما] قاله في سائر كتبه عن الجديد. قال الماوردي: وعلى هذا هل يراعى فيه الكفاءة؟ فيه قولان كالقصاص في النفس.

стр. 8582

والثاني: لا يتحتم؛ لقوله تعالى: ﴿إنما جزؤا الذين يحاربون الله ورسوله﴾ [إلى قوله: ﴿أن يقتلوا﴾] [المائدة: ٣٣] فحتم القتل، ولا يخلو إما أن يكون – تعالى – نبه [به] على الجرح، أو قصد بذلك المخالفة بينهما، والأول لا يجوز؛ لأن القتل أغلظ، ولا ينبه بالأعلى على الأدنى، وإنما ينبه بالأدنى على الأعلى؛ كما في قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿مثقال ذرة خيرا يره﴾ [الزلزلة: ٧]؛ فتعين الثاني. ومن جهة المعنى: أنه نوع تغليظ لا يتبعض يجب في النفس؛ [فلم يجب فيما دون النفس] كالكفارة، وهذا هو المنصوص كما قال القاضي أبو الطيب، [وعنى به] أنه [المنصوص] في "المختصر"؛ كما قاله الماوردي، وهو الصحيح في "الكافي"، وعند الرافعي والنواوي. والفرق بين النفس والطرف – كما حكاه القاضي أبو الطيب عن رواية الماسرجسي عن ابن مهران صاحب أبي إسحاق المروزي –: أن قاطع الطريق يقصد بالقتل في أخذ المال؛ فغلظ عليه بالانحتام. وعلى هذا: لا بد في الاستيفاء من الكفاءة. وقد حكي الإمام عن بعضهم تخصيص الخلاف بما عدا اليدين والرجلين، وأنه قطع بالانحتام في اليدين والرجلين؛ لأنهما مما يستحقان في المحاربة. وفي "الإبانة" الجزم بعدم الانحتام في قلع العين وقطع الأذن، وحكاية القولين في اليدين والرجلين. وعند الاختصار يجتمع في المسألة ثلاثة أقوال [أو أوجه]؛ كما أوردها الإمام والغزالي في "الوجيز"، ولا خلاف في أن عقوبة سائر الجرائم الواقعة في الحرابة – غير ما ذكرناه – لا نتحتم؛ لأن القصد بالحرابة القتل وأخذ المال دون

стр. 8583

ما عداهما من سائر المعاصي؛] فغلظ منها [ما كان مقصودا بها، ولم يغلظ ما لم يكن مقصودا بها. فرع: لو كان الجرح مما يجري في بعضه القصاص كالهاشمة، وقلنا: ينحتم القصاص، استوفي منه في الموضحة، وتعين للمجني عليه خمس من الإبل في مقابلة الهشم، قاله الماوردي. قال: وإن وجب عليه الحد فلم يقطع، طلب أبدا إلى أن يقع، فيقام عليه [الحد]؛ لما ذكرناه من الآية، مع قول ابن عباس، ولأنه إذا طلب ليقام عليه الحد التحق ببلاد الكفر فانتفى من دار الإسلام. وحكى الإمام عن شيخه: أنه كان يقول من تغليظات حد المحاربين أن الأئمة اختلفوا في أن من استوجب حدا وهرب، هل يسقط الحد عنه؟ وهؤلاء استوجبوا الحدود وإن هربوا فلا يجوز أن يتركوا، بل يلحق الطلب بهم؛ فإن تركهم يجر شرا عظيما قد يتفاقم ويبلغ مبلغا يعجز الإمام عن استدراكه. قال: فإن تاب قبل أن يقدر عليه، سقط انحتام القتل والصلب وقطع الرجل؛ لقوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ الآية [المائدة: ٣٤]، ولا يحتاج في سقوط هذه الأشياء بالتوبة إلى إصلاح العمل، بخلاف حد السرقة والزنى ونحوهما، وإن قلنا: إنها تسقط بالتوبة، [فإنه لا] بد [فيها] من إصلاح العمل. قال الأصحاب من العراقيين كالماوردي وأبي الطيب وابن الصباغ: والفرق بينهما من المعنى – وإن [كان] الله تعالى قد فرق بينهما في الكتاب العزيز –: أن المحارب إذا تاب، فالظاهر أنه ما تاب تقية، بخلاف غيره. على أن الإمام قد نسب ما ذكرناه في غير الحرابة إلى اختيار القاضي الحسين، وحكي وجها آخر ونسبه إلى سائر الأصحاب، وأنهم مجمعون عليه:

стр. 8584

أن حكم غير الحرابة كحكم الحرابة. ثم إذا سقط انحتام القتل، هل يبقى معه الخيار في القتل؟ قال الأصحاب: إن كان القاتل لا يقتل بالمقتول في غير الحرابة، فلا يبقى – أيضا – صرح به أبو الطيب والبغوي، [وإن كان يقتل به بقي فيقتل به إذا رأى الولي، وهذا ما أورده العراقيون والبغوي]، وبعض المراوزة بنى ذلك على أنه يقتل في الحراية لمحض حق الله – تعالى – أو [يقتل بحق الله – تعالى – والآدمي]؟ فعلى الأول: لا شيء عليه، ويسقط أصل القتل، وعلى الثاني – وهو الأظهر –: يبقى الخيار للولي. وحكي الرافعي: أنه يحكي تخريج وجه في القصاص وحد القذف أنهما يسقطان بالتوبة؛ لأنهما يسقطان بالشبهة كحدود الله تعالى، وعن كتاب ابن كج: أن أبا الحسين نقله قولا عن القديم في حد القذف. وقيل: يسقط قطع اليد؛ لأنه من أحكام الحرابة، من حيث إنه لا يراعى فيه الاستخفاء في أخذ المال، وهذا قول ابن أبي هريرة وأبي علي الطبري كما قاله ابن الصباغ، وأكثر الأصحاب كما قاله في "الكافي"، وبه أجاب البغوي، وفي "الوجيز" وصححه في "الوسيط"، وكذلك الرافعي. وقيل: لا يسقط، أي: بنفس التوبة؛ لأن القطع ليس من أحكام المحاربة، بل هو من أحكام أخذ المال على وجه يتعذر الاحتراز منه؛ ولذلك اعتبرنا فيه أخذ النصاب والحرز كالسرقة، وهذا قول أبي إسحاق، واختاره الشيخ أبو حامد؛ كما قاله البندنيجي، وتبعه النواوي، وعلى هذا: هل يسقط إذا انضم إلى التوبة إصلاح

стр. 8585

العمل؟ فيه الخلاف الآتي في [حد] السرقة، ولو تاب بعد الظفر لم تنفعه التوبة عند العراقيين. وحكي القاضي الحسين، وتبعه الإمام والبغوي: أن في سقوط ما يختص بقطع الطريق وما لا يختص [به] قولين، وهذا الطريق محكي عن الفوراني والصيدلاني – أيضا – وقد يقال: لا مخالفة بين الطريقين؛ لأن القائل بسقوط حد الحرابة بالتوبة بعد الظفر، جعله كسقوط حد السرقة والزنى؛ فيعتبر فيه إصلاح العمل، بخلاف ما قبل الظفر كما تقدم، وإلى هذا أشار القاضي. لكن الماوردي وغيره جزموا القول بأن التوبة في حد السرقة والزنى ونحوهما بعد الظفر لا تسقط الحد [كما] في المحاربة، وأن محل الخلاف في إسقاطها الحد إذا كانت قبل الظفر كما سنذكره، وهذا [يمنع الجمع]، وسيكون لنا عودة لذلك، إن شاء الله تعالى. ثم إذا قلنا بما حكاه العراقيون، فلو ادعى المحارب بعد القدرة عليه أنه تاب قبل القدرة، قال الماوردي في "الأحكام السلطانية": إن لم تقترن بالدعوى أمارات تدل على التوبه؛ لم تقبل دعواه في سقوط حد قد وجب، وإن اقترن بها أمارات تد على التوبة، ففي القبول بغير بينة وجهان محتملان: أحدهما: تقبل؛ لكون ذلك شبهة [يسقط بها الحد. والثاني: لا تقبل إلا ببينة عادلة تشهد] بالتوبة قبل القدرة؛ لأنه حد قد وجب، والشبهة: ما اقترنت بالفعل، لا ما تأخرت عنه. وقد نجز شرح مسائل الباب، وقد ضمنه الأصحاب مسائل ذكر الشيخ بعضها في الباب الذي يليه، فلنقتد به [في ذلك] ونذكرها فيه، إن شاء الله تعالى.

стр. 8586

باب حد الخمر اسم "الخمر" [يقع] حقيقة عندنا على عصير العنب النيء إذا صار مسكرا؛ لحدوث الشدة المطربة فيه، ولا يشترط فيه أن يقذف بزبده، خلافا لأبي حنيفة ﵀ فإنه شرط في صدق التسمية أن يقذف بالزبد؛ كما قال الماوردي، وحينئذ: فإذا قذف بالزبد صار هذا الاسم حقيقة عليه بالاتفاق، وعلى ذلك جرى أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ. وادعى القاضي الحسين أن عصر الرطب النيء إذا اشتد وعلا وقذف بالزبد، فهو خمر حقيقة بالاتفاق؛ كعصير العنب النيء إذا صار كذلك، وعليه جرى البغوي وغيره، وعن الروياني أنه [أورده واستغربه]. ولم سمي [ذلك] خمرا؟ فيه تأويلان: أحدهما: لكونه يخمر في الإناء حتى يصير خمرا، أي: يغطى، ولو لم يغطى لم يصر خمرا، والتخمير التغطية، ومنه سمي خمار المرأة؛ لأنه يغطيها ويسترها. والثاني: لكونه يخامر العقل بالسكر، أي: يغطيه ويخفيه. وهل يقع هذا الاسم حقيقة على ما عدا ذلك من الأنبذة؟ فيه وجهان: اختيار المزني وأبي علي بن أبي هريرة كما قال الماوردي، وأكثر الأصحاب كما قاله أبو الطيب وابن الصباغ: نعم؛ لأن الاشتراك [في الصفة] يقتضي الاشتراك في الاسم، ولأن ابن عمر ﵁ قال: [خطب عمر ﵁ على منبر رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، ألا وإن الخمر] نزل تحريمها يوم نزل وهي من خمسة أشياء: من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والعسل، والخمر: ما خامر العقل". كذا أخرجه مسلم.

стр. 8587

وجه الدلالة [منه]: أنه قال: والخمر: ما خامر العقل. وهذا المعنى موجود في الأنبذة. والذي حكاه الرافعي عن الأكثرين: أنه لا يكون حقيقة، وقد كان المسلمون يشربون الخمر [في صدر] الإسلام، لكن استصحابا لحكمها في الجاهلية، أولشرع ورد في إباحتها؟ فيه وجهان لأصحابنا: أشبههما عند الماوردي: الأول. ووجه الثاني بقوله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾ [النحل: ٦٧]، أي: ما أسكر من الخمر والنبيذ؛ كما قال بن عباس ومجاهد وقتادة، وهذه الآية نزلت قبل تحريم الخمر، [ثم] ورد في تحريمها أربع آيات: فالأولى - وهي التي ادعى الحسن البصري أن التحريم وقع بها، وما بعدها مؤكد لها-: قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير﴾ [البقرة: ٢١٩]، أو ﴿كثير﴾ -: على اختلاف القراءتين، [﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾]، وما كبر إثمه أو كثر لا يكون مباحا، ولأنه غلب الإثم على المنفعة، فقال: وإثمهما أكبر من نفعهما، والحكم للمغلب. والثانية: في سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ [النساء: ٤٣]. والثالثة- وهي التي ادعى قتادة وأكثر العلماء أن التحريم وقع بها، [وهي] في سورة المائدة؛ [قوله تعالى]: ﴿إنما الخمر والميسر ...﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩١]، واستدلوا لذلك بما روى محمد بن إسحاق عن أبي ميسرة عن عمر – ﵁ أنه قال: "اللهم، بين لنا في الخمر بيانا شافيا؛ فنزلت الأولى وقرئت عليه، فقال: اللهم، بين لنا في الخمر بيانا شافيا؛ فنزلت الثانية [وقرئت عليه، فقال: اللهم، بين لنا في الخمر بيانا شافيا؛ فنزلت الثالثة]،

стр. 8588

فحين سمعها قال: انتهينا انتهينا. وقد خرج هذا عن عمر أبو داود، والنسائي، والترمذي، وقال: إنه مرسلا أصح. والرابعة في سورة الأعراف، وهي قوله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم﴾ [الأعراف: ٣٣]، وهو هاهنا: الخمر، في قول الأكثرين؛ لقول الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول قال الماوردي: قال بعض المتأخرين: وبهذه الآية استقر تحريمها؛ لما فيها من صريح التحريم، وهو في غيرها من طريق الاحتمال. وقد ورد في السنة ما يؤكد التحريم: روى أبو داود وابن ماجة عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه". [قال [القاضي] أبو الطيب]: [وقد] ورد في "الصحيح" عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من شرب الخمر في الدنيا ثم ام يتب منها، حرمها في الآخرة"، وذلك مقارب للفظ مسلم، كما سنذكره. وروى مسلم بإسناده عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن".

стр. 8589

قال القاضي: وفيما رويت عن ابن سريج: ينزع منه عند شربها الإيمان. وذكر الماوردي في تأويله أربعة أوجه [غير هذا. وقد استقر إجماع] الأمة على تحريم عصير العنب النيء إذا اشتد [وإن لم] يقذف بالزبد، وكذلك عصير الرطب، كما حكاه القاضي الحسين، وتبعه الإمام والبغوي. وما روي عن قدامة بن مظعون، وعمرو بن معد يكرب من إباحتها؛ لقوله تعالى: ﴿ليس على الذين ءامنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ [المائدة: ٩٣]، قال عمر: وقوله تعالى: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩١]؟! فسكت وسكتنا – قد ثبت رجوعهما عنه؛ لما أخبرهما الصحابة بتحريمها. قال أصحابنا: ويكفر من شرب عصير العنب النيء إذا اشتد وقذف بالزبد مستحلا له؛ لثبوت تحريمها [بالإجماع؛] فصار كمن صدق المجمعين على التحريم ثم جحده؛ فإنه يكون ردا للشرع. قال الرافعي: وهذا التعليل إن صح، فليجر مثله في سائر ما حصل الإجماع على افتراضه أو تحريمه [فنفاه]. وقال الإمام: إطلاق القول بتكفير مستحل الخمر لم يصدره الفقهاء عن ثبت وتحقيق، ونحن لا نكفر من خالف الإجماع، ولا نكفر من رد أهل الإجماع، وإنما نبدعه ونضلله، والسر اللطيف فيه: أنا نكفر من لا يصدق المجمعين في نسبتهم ما ذكروه إلى الشرع، ثم يرده. وعلى هذا ينطبق قول ابن الصباغ: أنا نكفره؛ لأنه كذب النبي ﷺ فإنه قد علم ضرورة من جهة النقل تحريم النبي ﷺ [إياها]. وقد ادعى القاضي الحسين كفر من شرب عصير الرطب النيء إذا اشتد وقذف بالزبد مستحلا له، وتبعه البغوي وصاحب "الكافي".

стр. 8590

ولا خلاف في عدم تكفير من شرب سائر الأنبذة مستحلا لها. قال: كل شراب أسكر كثيره حرم قليله وكثيره: أما تحريم الخمر فقد تقدم دليله. وأما ما عداه، فإن قلنا: إنه خمر حقيقة، فكذلك، وإن قلنا: إنه ليس بخمر، فوجه التحريم: ما رواه مسلم عن عمر كما ذكرناه من قبل، وما رواه النعمان ابن بشير: أن النبي ﷺ قال: "الخمر من خمسة ... "، وذكر ما ذكرناه عن عمر ورواية أبي داود تقرب من هذا. وروى الشافعي بسنده عن ابن عمر – ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كل مسكر حرام".

стр. 8591

وروى أبو داود عن عائشة – ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل مسكر حرام، وما أسكر منه [الفرق] فملء الكف منه حرام".

стр. 8592

وروي [عن] عمر بن الخطاب، وولده: عبد الله، [وجابر بن عبد الله] – ﵃ بأسانيد صحيحة، أن النبي ﷺ قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام"، وقد خرجه أبو داود، والنسائي، وكذا الترمذي، وقال: إنه حسن غريب. وخرج الإمام أحمد – ﵀ أن النبي ﷺ قال: ["كل مسكر خمر، وكل خمر حرام"، وكذلك خرجه من طريق [آخر رجاء بن] المرجي المروزي الحافظ. ورواية مسلم عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال]: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن مات وهو يشرب الخمر يدمنها لم يتب [منها]، لم يشربها في الآخرة". وقد روى الشافعي بسنده عن عائشة – ﵂ أنها قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام"، وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة.

стр. 8593

وفي رواية: "والبتع نبيذ العسل"، [وأهل اليمن] يشربونه، وهو بكسر الباء الموحدة، وتسكين التاء ثالثة الحروف، وفتحها – أيضا - وسمي هذا: بتعا، كما سمي نبيذ الشعير: الجعة، ونبيذ الحنطة والذرة: المزر، ونبيذ التمر: الفضيخ، ونبيذ التمر الذي [لم] تمسه النار: السكر. ولأن الله -تعالى- علل تحريم الخمر بما يحدث عنه [من] العداوة والبغضاء والصد عن [ذكر الله] وعن الصلاة، وهذا المعنى موجود في النبيذ [كوجوده في الخمر]؛ فوجب أن يساويه في التحريم؛ لاستوائهما في التعليل. [قال:] ومن شرب المسكر، وهو مسلم بالغ عاقل مختار، أي: عالم بأنه مسكر [وبتحريمه] وجب عليه الحد، [أي:] سواء سكر أو لم يسكر؛ لما روي الترمذي [بسنده] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :" إذا شربوا الخمر فاجلدوهم، ثم إن شربوا [فاجلدوهم، ثم إن شربوا فاجلدوهم، ثم إن شربوا] فاقتلوهم". وروى الشافعي بسنده عن قبيصة بن ذؤيب: أن النبي ﷺ قال:" من شرب

стр. 8594

الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلده، فإن عاد في الثالثة والرابعة فاقتلوه"، فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ورفع القتل، وكانت رخصة. قال الشافعي – ﵁: والحديث منسوخ؛ بهذا الحديث وغيره. وإنما قال: وغيره؛ لأن هذا الحديث مرسل، واختلف فيما أراد بغيره على وجهين: أحدهما: حديث عثمان بن عفان – ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث ... ". وقد أشار إليه في كتاب "الأم". والثاني: ما رواه محمد بن المنكدر ومحمد ابن اسحاق عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ قال: "من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاقتلوه"، فأتي برجل قد شرب الخمر فجلده، ثم أتي [به في] الثانية فجلده، ثم أتي [به في] الثالثة فجلده، ثم أتي به في الرابعة فجلده، ووضع القتل. لأن هذا [الحديث] مسند، والإجماع –كما قال القاضي الحسين والإمام- على أنه منسوخ. فقد دل [ما ذكرناه] على إيجاب الحد في الخمر، فإن قلنا: إنه حقيقة في كل مسكر، فذاك، وإلا فنقول: قد شرب شرابا محرما تدعو النفوس إلى شربه؛ كما دللنا عليه، فوجب عليه الحد قياسا على الخمر، وهما في الحد سواء، وإن كان الخمر أغلظ حكما؛ كما أن الحد في الخمر يستوي فيه من سكر منه و [من] لم يسكر، وإن كان السكر أغلظ إثما. تبيه: أدخل الشيخ بما ذكره فيمن يجب عليه الحد: من اعتقد من المسلمين إباحة النبيذ، وأخرج أهل الشرك، وقد تقدم ذكر خلاف في إقامة الحد على

стр. 8595

المسلم المعتقد الحل بشبهة – وهو الحنفي إذا لم يسكر به - وعلى الذمي في باب عقد الذمة، لكن الصحيح والمنصوص عليه: وجوبه على الحنفي، وعدم وجوبه على الذمي؛ كما ذكره الشيخ، وعلى مقابله: لو كان شاربه يعتقد تحريمه كالشافعي، ففي إيجاب الحد وجهان في طرق المراوزة، وقال الرافعي: إن الأظهر: المنع أيضا. واحترز [الشيخ] بلفظ "الاختيار" عن المضطر إلى شربها، وذلك يفرض في صورتين: إحداهما: المكره على تعاطي الشرب بنفسه؛ فإنه لا حد عليه على المشهور؛ كمن أوجر في فيه، وعن كتاب بن كج حكاية وجهين فيه. قلت: ويمكن بناؤهما على أن الإكراه هل يبيح شربه؟ وفيه وجهان حكاهما القاضي الحسين في كتاب الجنايات، وقال: إن الصحيح إباحته، وهو الذي جزم به غيره. وادعى الغزالي نفي خلافه هاهنا، وحكى في كتاب الجنايات وجهين في الوجوب، ومحل عدم الوجوب: إذا لم يخف على روحه وما حل محل الروح. الثانية: من اضطر إلى الشرب، والكلام في أنه يباح أو يحرم مستوفى في باب الأطعمة، فإن قلنا بإباحته [فلا حد إذن في الإباحة]، وإن منعناه، فقد قال الغزالي في "الوجيز": إنه لا حد عليه. وهو ما أورده في " الحاوي"؛ حيث قال: فإن اضطر [إلى شرب] مسكر؛ لشدة عطش، أو تداوي مرض لا يوجد في الطب من شربه بدل؛ فلا حد عليه، وإن كان شربه في هاتين الحالتين مختلفا فيه. وفي "النهاية" أن الأئمة المعتبرين أطلقوا أقوالهم في الطرق بأن التداوي بالخمر حرام، وأن المتداوي بها محدود وهذا ما حكاه في "الإبانة" ثم حكى عن القاضي أنه قال: إن شرب على قصد التداوي لم يحد. [وهذا يشير إلى تسويغ التداوي. وفي "الوسيط" أن القاضي قال: لا يحد الشارب إن قصد التداوي. فكأنه

стр. 8596

يجعل ذلك شبهة للإسقاط. وحكى الماوردي في "الأحكام": أنه إذا شرب ذلك للتداوي لا يحد،] بخلاف ما إذا شربه؛ للعطش. و [لو] لم يعلم الشارب بأن ما شربه مسكر فلا حد عليه، وكذا لو علم [بانه مسكر] ولم يعلم [تحريم الشرب]؛ لقرب عهده بالإسلام [ونحوه]، ولو علم التحريم وجهل وجوب الحد، حد. قال: فإن كان حرا جلد أربعين؛ لما روى مسلم عن حصين بن المنذر أبي ساسان، قال: شهدت عثمان بن عفان أتى بالوليد، فشهد عليه حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال عثمان: لم يتقيأ حتى شربها، فقال: [يا علي، قم فاجلده، فقال] علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها! فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الرحمن بن جعفر، قم فاجلده، [فجلده] وعلي يعد حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبي أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي. وعن أنس أن النبي ﷺ أتى برجل شرب الخمر، فجلده بجريدتين أربعين.

стр. 8597

وعنه – أيضا - أن النبي ﷺ كان يضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين. كذا رواهما مسلم أيضا. وقد اختار بن المنذر – وهو من أصحابنا - مذهب أبي حنيفة ومالك في قدر الحد، وهو ثمانون. قال: وإن كان عبدا جلد عشرين؛ لأنه حد يتبعض فكان العبد فيه على النصف من الحر كحد الزنى. وفي "تعليق" القاضي الحسين بعد حكاية ما ذكرناه: ومنهم من قال: هو أربعون كالحر. [وهو] غلط. قال: وإن رأى الإمام أن يبلغ بالحد في الحر ثمانين وفي العبد أربعين جاز؛ لما روى مسلم عن أنس أن النبي ﷺ جلد في الخمر بالنعال والجريد، ثم جلد أبو بكر أربعين، فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى، قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود، قال: فجلد عمر ثمانين. وروي أن عمر لما استشار الصحابة في الخمر قال علي بن أبي طالب: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفتري: ثمانون، فأخذ به عمر، ولم ينكر أحد. وهذا يعزى إلى رواية الموطأ. قد روى علي بن محمد بن الحسين عن أبيه أن النبي ﷺ جلد شارب الخمر ثمانين. وهذا نص، لكنه مرسل، والعمل على اتفاق الصحابة. والريف المذكور في الخبر، قيل: هو كل أرض فيها زرع ونخل، وقيل: هو [كل]

стр. 8598

ما قارب الماء من أرض العرب ومن غيرها، وقيل: الريف: أرض فيها زرع وخصب، وقيل: هو الخصب والسعة في المأكل والمشرب. وهو: بكسر الراء المهملة، وبعدها [ياء] –آخر الحروف- ساكنة، وفاء. وقد روى المراوزة وجها: أنه تمتنع عليه الزيادة على الأربعين؛ لما روي أن علي بن طالب – ﵁ رجع عن ذلك، وكان يضرب في خلافته أربعين. وفي "النهاية": أن القاضي قال: إنه الصحيح من المذهب، لكن الذي ذكره شيخي ومعظم الأئمة: الأول. وعلى هذا فالزيادة [إلى ما] فوق الأربعين وما دون الثمانين بالجواز أولى، لكن الزائد على الأربعين هل هو حد أو تعزير؟ فيه وجهان في "تعليق" القاضي الحسين وغيره: أحدهما –عن أبي اسحاق المروزي-: أنه حد، لكنه أضعف من الأربعين الأولى؛ لأنها ثابتة بالسنة، وهذه [ثابته] باجتهاد الصحابة ورأيهم، وهذا ما يقتضيه كلام الشيخ، حيث قال: يبلغ بالحد. وأظهرهما – وهو الذي أورده الأكثرون، ومنهم البندنيجي وابن الصباغ والقاضي أبو الطيب والبغوي -: أنه تعزير؛ لأنه لو كان حدا لما جاز تركه، ويجوز أن يترك ويقتصر على الأربعين. فإن قيل: لو كان تعزيرا لما جاز أن يبلغ [به] قدر الحد، وقد جاز. قيل في جوابه: الأربعون الزائدة على الحد ليست في مقابلة التعزير لأجل الشرب؛ لأن فيه حدا؛ فلا يجب فيه تعزير، وإنما هي في مقابلة الجنايات المتولدة منه؛ من هذيان وافتراء ونحوه، ويجوز أن يبلغ بتعزير جنايات مبلغ حد. قال الرافعي: وهذا ليس بشاف؛ فإن الجناية التي يعزر عليه لابد من

стр. 8599

تحققها وإن كان [و] لابد من التعزيز بالجناية المتوقعة فهي غير منحصرة؛ فلتجز الزيادة على الثمانين، وقد منعوها؛ فالوجه هو الأول، ويكون حد الشرب مخصوصا من بين سائر الحدود بأن يتحتم بعضه، ويتعلق بعضه باجتهاد الإمام. واعلم أن ما ذكرناه في شرب المسكر مطرود فيما إذا أكل المسكر من الشراب بخبز، أو ثرد فيه وأكل الثريد، وكذا لو طبخ به اللحم وأكل المرق؛ كما قال ابن الصباغ، وإن [أكل] اللحم فلا حد؛ لأن عين المسكر لم تبق فيه، بخلاف المرق؛ فإن عين السكر فيه، وكذا لو عجن به الدقيق وخبزه وأكل الخبز؛ فلا حد، وروى بن كج فيه وجها آخر. قال الرافعي: وفي معنى هذه الصورة: المعجون الذي فيه الخمر، والظاهر: أنه لا حد فيه؛ لاستهلاكه. وقد حكى الوجهين في هذه الصورة صاحب "البحر" قبل كتاب الشهادات بأوراق يسيرة، وقال: الصحيح: المنع؛ لأنه لا يلتذ به. وعلى هذا قال الإمام: من شرب كوز ماء وقعت فيه قطرات من الخمر، والماء غالب بصفاته –لم يحد؛ لاستهلاك الخمر فيه. ثم أحال الكلام فيه على باب الرضاع. ولو استعط بالخمر أو احتقن لم يحد، قاله ابن الصباغ؛ لأنه ليس بأكل ولا شرب. تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أنه متى شرب المسكر جلد، وقد قال الأصحاب [من العراقيين] وغيرهم: لا يقام عليه الحد في حال سكره. وسكتوا عما إذا فعل في حال السكر، هل يعتد به أم لا؟ وحكى القاضي الحسين فيه وجهين: أحدهما: لا يعتد به. والثاني: يعتد به. وأجراهما فيما إذا أفاق ثم جن، فحد في حال جنونه، ووجه المنع بأن المقصود منه الردع والزجر، وهو لا يرتدع بذلك، ووجه مقابله: أنه إن لم يرتدع ارتدع غيره.

стр. 8600

قال: فإن ضرب الحر أحدا وأربعين، أي [ضرب] بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، ففيه قولان: أحدهما: يضمن نصف ديته؛ لأنه لو ضرب بما ذكرناه أربعين، فمات- لم يضمنه، كما صرح به الفوراني؛ لأنه الحد الذي أقامه رسول الله ﷺ على الشارب؛ فكان كما لو ضرب في الزنى مائة فمات؛ فإنه لا ضمان، وإذا كان كذلك فقد مات من مضمون وغير مضمون؛ [لأن الزائد تعزير، والتعزير] مضمون كما تقدم، فوزع الغرم عليهما نصفين؛ كما لو جرح نفسه عشر جراحات، وجرحه آخر جراحة. والثاني: [يضمن] جزءا من أحد وأربعين جزءا من ديته؛ لأن الضرب يقع [على] ظاهر البدن، فهو قريب للتماثل؛ فقسط الضمان على عدده، بخلاف الجراحات؛ فإنه رب جراحة لها غور [لا يحصل] من جراحات، وهذا أصح عند النواوي وفي "المرشد". وعلى هذا: لو كان الزائد على الأربعين عشرة ضمن خمس الدية، ولو كان أربعين لم يضمن إلا نصف الدية، ولو كان خمسين ضمن على هذا خمس أتساع الدية، وعلى هذا فقس. أما إذا ضربه بالسياط، فإن قلنا بقول بن سريج وأبي اسحاق الآتي – كما ستعرفه - فالحكم كما تقدم، وإن قلنا بالمنصوص: فإن قلنا: إنه يضمن جميع الدية عند اقتصاره على الأربعين، فعند الزيادة عليها أولى. قال الرافعي في كتاب موجبات الضمان، وفي كتاب ابن كج: إن أبا حفص بن الوكيل وعبد الله بن محمد القزويني أثبتا [للشافعي – ﵀ قولا في وجوب] جميع الضمان في هذه الصورة.

стр. 8601

وإن قلنا: يضمن ثم نصف الدية، فكذلك ها هنا، كذا قاله القاضي الحسين. وإن قلنا ثم: يضمن بقدر ما زاد على [ألم] النعال، وأجرينا هذا اللفظ على ظاهره كما ستعرفه ثم – فيظهر أن يقال: يضمن ها هنا جزءا من أحد وأربعين جزءا من ديته، وما زاد على ألم النعال، ووراء ما ذكرناه في صورة الكتاب كلامان: أحدهما: قد يظن أنا إذا قلنا: إن الزائد على الأربعين إلى الثمانين من الحد، لا يضمن شيئا أصلا؛ كما قلنا في الأربعين، وليس كذلك؛ لأن قائله قال – كما حكاه القاضي الحسين -: إنه أضعف من الأربعين؛ لأنه ثبت بالاجتهاد؛ ولهذا المعنى: لو مات من الأربعين الأولى لم يضمن، ولو مات من الأربعين الثانية يجب الضمان. الثاني: قال الإمام: إذا قلنا بقول ابن سريج وأبي اسحاق: إنه لا يجوز الضرب بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، فلا شك على هذا أنه يثبت الضمان وإن حصل التلف من الأربعين. قلت: وإذا كان كذلك ففي حالة الزيادة أولى. فرع: إذا أمر الإمام الجلاد أن يضربه ثمانين، فضربه أحدا وثمانين؛ فمات- ففي المسألة أوجه: أحدها: يسقط نصف الدية، ويجب نصفها على الإمام والجلاد نصفين؛ نظرا إلى أنه مات من مضمون وغير مضمون، هكذا حكاه العراقيون. والمذكور في "تعليق" القاضي الحسين على هذا: أن النصف يقسم على أحد وأربعين جزءا؛ فيكون على الإمام أربعون، وعلى الجلاد جزء، وقد حكاه الإمام أيضا، وقال: إنه جمع بين التنصيف واعتبار عدد الجلدات، وفيه احتياط. فقد حصل وجهان. والثالث: يسقط أربعون جزءا من أحد وثمانين جزءا، ويجب أحد وأربعين جزءا من أحد وثمانين جزءا من الدية: على الجلاد [جزء] وعلى الإمام أربعون. والرابع: يسقط الثلت؛ فيجب على كل واحد من الإمام والجلاد الثلث. وما ذكرنا أنه يجب على الجلاد فهو على عاقلته، وما ذكرنا أنه يجب على

стр. 8602

الإمام فهو على عاقلته أو في بيت المال؟ فيه الخلاف السابق، فإذا قلنا: في بيت المال، ففي الكفارة وجهان: أحدهما: فيه أيضا. والثاني: في ماله. قال: ويضرب في حد الشرب بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، أي: دون السياط كما صرح به أبو الطيب وغيره، ووجهه ما روى الشافعي بسنده عن عبد الرحمن ابن أزهر، قال: أتى النبي ﷺ بشارب [خمر]، فقال: "اضربوه"؛ فضرب بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، وحثوا عليه التراب، ثم قال: "بكتوه"، أي وبخوه، فبكتوه، فقالو: أما خشيت الله، أما اتقيت الله، أما استحيت من رسول الله ﷺ ؟! ثم أرسله. فلما كان أبو بكر سأل: من حضر ذلك الضرب، فقومه أربعين، أي: عدله، كما قاله القاضي الحسين، فضرب أبو بكر في الخمر أربعين مدة حياته، ثم عمر ... وساق الحديث. قال الإمام: والسبب الذي سوغ لأبي بكر ذلك أنه لم ير بما أمر به رسول الله ﷺ ضبطا يشير إليه التحديد، وعلم أن ما كان كذلك؛ فللاجتهاد فيه مساغ. قال القاضي الحسين في باب صفة السوط: وعلى هذا لو ضرب بالسياط وقع الموقع. وقيل: يجوز بالسوط، [أي: ولا يجوز بغيره للمسلم الصحيح]؛ لإجماع الصحابة على جواز الضرب به، كذا قال القاضي الحسين في باب صفة السوط نقلا وتوجيها، ووجهه الإمام بأنا كفينا مؤنة التعديل، وقد بعد العهد وتناسخت العصور، ونحن لو ضربنا بالنعال [دائرون] بين أن نحط على القدر المستحق وبين أن نزيد؛ ولأنه – ﵇ أمر بالجلد، والمتبادر إلى الذهن فيه الضرب بالسوط؛ كما في حد الزنى والقذف، وهذا قول ابن سريج وأبي

стр. 8603

إسحاق؛ كما قاله في "المهذب"، وحكاه الإمام عن رواية العرافيين وأنهم زيفوه. قلت: وهو الذي يدل عليه ظاهر النص في "المختصر" في باب الأقضية؛ حيث قال: وإذا علم من رجل بإقرار أو تيقن أنه شهد عنده بزور، عزره، ولم يبلغ بالتعزير أربعين سوطا: فلو لم يكن الضرب [بالسياط لما قال ذلك، وعلى هذا فصفة السوط وكيفية الضرب] كما في حد الزنى، وقد تقدم. قال: والنصوص هو الأول، وهكذا قال القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ، وكأنهم –والله أعلم- أخذوه من قوله في "المختصر": وإن ضرب الإمام في خمر أو ما يسكر من الشراب بنعل أو طرف ثوب أو [رداء أو] ما أشبهه ضربا يحيط العلم أنه لم يجاوز أربعين، فمات من ذلك – فالحق قتله. قال الماوردي: ومثار الخلاف أن حد النبي ﷺ بالثياب والنعال كان لعذر أو شرع؟ وفيه وجهان: أحدهما – وهو قول ابن سريج وأبي اسحاق -: أنه كان [لعذر] في الشارب؛ لمرض، أو لأنه كان نضوا، كما حد مقعدا بإثكال النخل، فعلى هذا يكون حد الصحابة نصا في غير المعذور، ويكون محققا من وجه واحد وهو مقدار العدد. والثاني –وهو قول الجمهور-: أن حده كان شرعا حقق فيه حد الخمر كما حقق به في القدر؛ فعلى هذا يكون عدول الصحابة إلى السياط بالاجتهاد؛ كما في زيادة العدد، ويكون حد الخمر محققا من وجهين في الصفة والمقدار. قال الرافعي: ومنهم من رأى الضرب بالأيدي والنعال جائزا لا محالة. وذكر وجهين في أنه [هل] يتعين ذلك أم يجوز العدول إلى السياط؟ وهذا حكاه صاحب "البيان". انتهى. وادعى الإمام أن المذهب جواز الأمرين، وهو الذي صححه الرافعي في كتاب موجبات الضمان، والذي أورده القاضي الحسين في باب حد الخمر، وإن حكى الخلاف في غيره؛ كما ذكرناه من قبل. قال: فإن ضربه بالسوط، أي: أربعين، فملت، فقد قيل: يضمن بقدر ما

стр. 8604

زاد على ألم النعال؛ إذ هو القدر الزائد على قدر الحد. قال الرافعي: وهذا شيء لا يتأتى ضبطه، وقد حكاه الإمام عن العراقيين، وقال إنا على هذا نقدر بينهما بشيء بالتقريب والاجتهاد، ويلزم ذلك القدر، ثم قال: وهو في نهاية البعد. وقيل: يضمن جميع الدية؛ لما روى مسلم عن علي بن أبي طالب، قال: "ما كنت لأقيم على أحد حدا فيموت فيه، [فأجد منه] في نفسي إلا صاحب الخمر؛ فإنه إن مات وديته؛ لأن رسول الله ﷺ لم يسنه – وعنى [أنه] لم يسن الضرب [بالسياط]-وإنما هو رأي رأيناه بعد رسول الله ﷺ " كما جاء في رواية غيره: "وإنما هو رأي رأيناه من بعده". ولأنه عدل عن جنس إلى غيره؛ فأشبه ما لو ضربه بجارح فملت. وقد حكى الماوردي والقاضي أبو الطيب والبندنيجي [وجها بدل] الأول: أنه يضمن نصف الدية؛ لأنه مات من مضمون وغير مضمون، وحكاه الرافعي في كتاب موجبات الضمان عن حكاية ابن المرزبان وغيره، وهذا ما [أشار إليه] النواوي، وقال الإمام: إنه الذي ذهب إليه أهل التحقيق. وفي "الحاوي" في آخر الفصل: أنه الظاهر من مذهبه الذي أشار إليه في "الأم"، ولم يحك الماوردي

стр. 8605

الوجه الأول الذي حكاه الشيخ، وكذا غيره من العراقيين الذين ذكرناهم، فلعل مراد الشيخ ومن أطلق هذا اللفظ به – وجوب نصف الضمان؛ لأن ما زاد [على ألم النعال لا ينضبط، وهو عدوان قد اقترن بما ليس بعدوان؛ فيوزع الضمان] عليهما؛ كما قلنا فيما إذا وقع الضرب أو الختان في حر شديد ونحوه: إنه يجب نصف الضمان؛ لما ذكرناه. [وقد] حكى القاضي أبو الطيب في المسألة وجها آخر: أنه لا ضمان؛ لأنه سقط به الحد، فلا يتعلق به ضمان، وهذا ما اختاره في "المرشد". قلت: ويشتبه أن يكون مخرجا من نص الشافعي – ﵁[على] أنه إذا ضرب الضعيف بالسوط، وكان يجب أن يضربه بإثكال النخل – أنه لا ضمان عليه؛ كما حكاه أبو الطيب قبيل باب صفة السوط، لكن الذي حكاه البندنيجي عن النص: [الضمان] في مسألة الكتاب، ويمكن أن يفرق بأن الضرب ثم كان الأصل فيه السياط، فإذا فعل كان أقرب إلى نفي الضمان، بخلاف ما نحن فيه؛ فإن الأصل فيه الضرب بالنعال ونحوها، والله أعلم. قال ابن الصباغ: وأصل الخلاف في الضمان وعدمه: أنه إذا ضرب في شدة الحر [أو البرد]، هل يضمن أم لا؟ وهذه الوجوه [كلها] مفرعة على المنصوص. أما إذا قلنا بمقابله، فلا يضمن شيئا كما حكاه الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ، وكذا إذا قلنا بجواز الضرب [به و] بالسياط والنعال، على ظاهر المذهب في "الكافي"، والأصح في "التهذيب". قال القاضي الحسين: وقائله قال: حديث علي –كرم الله وجهه- أراد به الزيادة على الأربعين؛ فإنه شيء رواه بعده ﷺ وها هنا لم يزد على الأربعين؛ فلم يلزمه شيء، والحق قتله. قال الماوردي: وقد روي أن عمر لما أمر بجلد ابنه في الشراب، قال له ابنه:

стр. 8606

يا أبت، قتلتني! فقال: الحق قتلك، وهذا المحدود هو عبيد الله، حده لما [أن] شم منه رائحة الخمر، ثم اعترف بأنه شرب الطلا. تنبيه: ظاهر قول الشيخ: فقد قيل: يضمن بقدر ما زاد على ألم النعال – يقتضي أن المنصوص: أنه يضرب بالنعال ونحوها أربعين ضربة من غير زيادة عليها، وإليه يرشد – أيضا - ما قاله الماوردي بعد حكاية الوجه الذي نقله عن الجمهور في الفصل قبل هذا، كما حكيته عنه. وكلام الإمام الذي حكيناه عنه في توجيه تعين الضرب بالسوط يقتضي: أنا إذا ضربناه بالنعال ونحوها، نبلغ به ما يعادل ألمها ألم أربعين ضربة بالسوط، ويعضده أنه قال: إذا ضربه بالنعال وأطراف الثياب، فأفضى إلى الهلاك- فلا ضمان. هكذا قال الأصحاب، وهو مشروط بوقوع الضربات على حد يعدل بأربعين جلدة من غير مزيد، وعلى ذلك جرى البغوي؛ حيث قال: ولو ضرب الشارب بالنعال وأطراف الثياب والأيدي قدر أربعين جلدة يجوز. وكذلك الرافعي في كتاب موجبات الضمان؛ حيث قال: لو ضربه أربعين جلدة فمات، فأصح القولين: [أنه] لا ضمان؛ لأن الصحابة أجمعت على أن الشارب مضروب أربعين جلدة، وعدلت ما كان بهذا القدر، وكأن [هذا] – والله أعلم - أخذ من قول الشافعي – ﵁ في الخبر، فقومه بأربعين. فائدة: حد الشرب إنما يجب إذا أقر الشارب أنه شرب مسكرا، وقامت عليه بينة بذلك، ولا يفتقر في الشهادة أن يقول [الشاهد]: شرب وهو غير مكره، أو مع علمه بأن ما شربه مسكر؛ بل يكفي أن يشهد أنه رآه يشرب شرابا [شرب منه غيره] وسكر منه؛ لأن الظاهر علمه بالحال. نعم، إن [ادعى

стр. 8607

أنه] لم يعرف أنه مسكر لم يحد. وهذا بخلاف الشهادة على الزنى؛ حيث لا تسمع حتى يفسر الشاهد الزنى؛ لأن الزنى يعبر به عن الصريح وعن دواعيه؛ قال ﷺ : "العينان تزنيان"، بخلاف الشرب، واعتبر الماوردي في "الأحكام" أن يتعرض الشاهد للاختيار في الشرب. أما إذا وجد شخصا سكران، أو شم منه رائحة الخمر، أو تقيأ مسكرا – لم يجب عليه الحد؛ لاحتمال حصول ذلك من غير الخمر، وإن كان منه فيحتمل أنه لم يعرف [أن ذلك] خمر، أو عرف وهو مكره. وفي "الحاوي": أن ابن أبي هريرة قال: يحد بالسكر، إلا أن يدعي ما يسقط الحد، واستدل له [بأن عثمان قال:] "ما تقيأ إلا وقد شربها"؛ فأمر عليا بإقامة الحد عليه. ونسب الماوردي في الأحكام هذا إلى أبي عبد الله الزبيري. ولا يقيم [حد الشرب] على الأحرار غير الإمام [أو نائبه] على المشهور، وفيه ما ذكرناه في باب حد الزنى. ويقيمه على العبد مولاه، وهو المذهب، وفي "تعليق" القاضي الحسين عن بعضهم حكاية وجهين فيه، وحكى الرافعي وجه المنع عن رواية أبي خلف الطبري عن رواية القفال، والفرق بينه وبين حد الزنى: أن للسيد في بضع الأمة حقا، وكذلك في بضع العبد؛ ألا ترى أنه لا ينكح إلا بإذن سيده، فمكن من جلد المملوك؛ لجنايته على محل [حقه! والشرب] بخلافه. قال: ومن زنى دفعات، [أو سرق دفعات]، أو شرب المسكر دفعات ولم يحد – أجزأه عن كل جنس حد واحد؛ لأن سببها واحد فتداخلت؛ لحصول الحكمة. قال القاضي الحسين: ولا نقول في الزنى مثلا الحد يقابل الزنية الأولى، بل

стр. 8608

يقابل الزنيات كلها؛ لأنه يؤدي إلى إخلاء بعض الزنيات عن الموجب؛ كما لو وطيء في النكاح الفاسد مرارا؛ فإنه يجب [بحد] مهر واحد، ثم هو يقابل الوطئات. قال الإمام: وكان شيخي يقول: جملة الحد يقابل بكل زنية، وإذا انتفى عن فكر الفقيه التقسيط فلا مشاحة بعد ذلك في العبارات. وقد تردد العلماء على وجه آخر، فقال قائلون: تجب حدود على أعداد الزنيات، ثم تتداخل، وقال قائلون: الزنيات إذا لم يتخللها حد كالحركات في زنية واحدة، وهذا أقرب؛ فإن الوجوب، والسقوط يجر خبلا واضطرابا في الكلام. وفي "فروع" ابن الحداد: أن المرأة إذا ثبت عليها الزنى بلعان زوجين وهي بكر في الحالتين، وجب عليهما حدان. قال القفال: وعامة أصحابنا أنكروا ذلك، وقالو: هما حدان وجبا لله من جنس واحد؛ فتداخلا. أما إذا شرب فحد، ثم شرب [ثانيا] حد ثانيا، وهكذا في بقية الصور. ولو زنى وهو بكر فحد، [ثم زنى فحد وهو بكر] [،ثم زنى وهو بكر] –كفاه تغريب سنة عن الجميع. قال: وإن زنى وهو بكر، فلم يحد حتى زنى وهو محصن –جلد ورجم؛ لأن تغاير الواجب يدل على تغاير الحكمة؛ فأشبه ما لو زنى وشرب، قال الماوردي: ولا يغرب؛ لأن رجمه يغني عنه. وفي "الرافعي" حكاية وجه: أنه يغرب [بعد الجلد و] قبل الرجم. وما ذكره الشيخ هو ما صار إليه ابن الحداد، كما حكاه الرافعي في اللعان، وادعى الشيخ أبو علي أنه ظاهر المذهب، ورأيته في " [شرح] الفروع" للقفال،

стр. 8609

وقال: إنهم لم يختلفوا فيه، وكذا لم يورد القاضي الحسين هنا سواه، وكذلك البندنيجي، وقال: إن بهذا تأول أصحابنا ما روي عن علي –كرم الله وجهه- أنه جلد شراحة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة. قال [الشيخ]: ويحتمل أن يقتصر على رجمه؛ لأنهما من [جنسين اتفق موجبهما]؛ فدخل أخف الحكمين في أغلظهما؛ كما يدخل الوضوء في الجنابة. وقد حكى الماوردي الوجهين عن الأصحاب في باب حد الزنى، وكذلك الإمام في باب قاطع الطريق، وهما جاريان – كما قال الرافعي - هنا في ما إذا زنى المحصن، ثم نقض العهد، واسترق، فزنى ثانيا – في دخول الجلد في الرجم، وقد ادعى الإمام أن الثاني هو المذهب، وعليه جرى الغزالي فجعله في "الوسيط" الأظهر، وهو الموافق لما حكاه الماوردي في كتاب اللعان؛ حيث قال حكاية عن أبي اسحاق: وإذا جمع بين حدين على القاذف لزوجته [يرميها بزنى في حال الزوجية]، وبعد البينونة بزنى آخر؛ لاختلاف حكمهما – وجب إذا زنى وهو بكر، فلم يحد حتى زنى بعد إحصانه: أن يحد حدين؛ لاختلاف حكمهما وإن تجانسا؛ لأن الحد الأول: جلد، والثاني: رجم؛ فيجلد ويرجم. قال: وهذا غلط؛ لأن حد الزنى من حقوق الله – تعالى - فجاز أن يدخل أخفهما في أغلظهما عند التجانس، ولم يجز مثل ذلك في حقوق الآدميين. وعلى الأول قال الشيخ أبو علي – كما حكاه الرافعي في اللعان -: لو زنى العبد، ثم عتق، فزنى قبل الإحصان – فعليه خمسون؛ لزناه في الرق، ومائة؛ لزناه في الحرية؛ لاختلاف الحدين. والأصح: أنه يجلد مائة، [ويدخل الأقل في الأكثر، ويغرب. قال: وعلى هذا: لو زنى وهو حر بكر، فجلد خمسين، وترك لعذر [قام به]،

стр. 8610

فزنى مرة أخرى – فيجلد مائة،] وتدخل الخمسون الباقية فيها، وهذا قد صرح به الرافعي في باب حد قاطع الطريق أيضا، وقال – حكاية عن "التهذيب" -: إن الزنى الثاني لو كان بعد الإحصان، إنه يجلد خمسين ثم يرجم. ثم قال: ويشبه أن يكون [على] الخلاف المذكور في الحر فيما إذا زنى [وهو] بكر، ثم زنى وهو [محصن] ثيب. قال: وإن زنى – أي: وهو بكر- وسرق وشرب الخمر، وجب لكل واحد [منها] حد؛ لأن أسبابها مختلفة فلم تتداخل. قال: فيبدأ بحد الشرب، ثم يجلد [في الزنى]، ثم يقطع في السرقة؛ تقديما للأخف فالأخف؛ إذ هو أقرب إلى استيفاء الكل، وسواء تقدم ما قدمناه أو تأخر. وإتيان الشيخ بلفظة "ثم" المقتضية للترتيب والتراخي؛ ليعرفك أنه لا يحد للزنى عقيب جلده عن الشرب، ولا يقطع للسرقة عقيب جلده للزنى، [بل] لا يستوفي كل حد حتى يبرأ مما قبله، كما صرح به الأصحاب والشيخ من بعد. لكن حد السرقة [عقيب جلد الزنى] يقام قبل التغريب، أو يؤخر عنه؛ لأنه من تمام حد الزنى؟ لم أر للأصحاب تعرضا له، بل لفظ الشافعي – ﵁ يدل على عدم وجوبه؛ لأنه قال – كما نقله الماوردي -: إذا اجتمعت على رجل حدود وقتل بدئ بحد القذف، ثم حبسه، فإذا برأ حد للزنى، فإذا برأ قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى من خلاف. لكن لك أن تقول: في لفظ الشافعي – ﵁ ذكر القتل، وقد قلتم: إن التغريب يغني عنه الرجم، [فكذلك القتل يغني عنه]، ولفظ الإمام: إنه يجلد للشرب، ثم يتركه حتى يندمل، ثم يجلد للزنى ويتركه حتى يندمل،

стр. 8611

ثم يقطع. وهذا يدل على أنا لا نغربه قبل القطع؛ لإمكانه بعد القطع. أما إذا كان قد زنى وهو محصن فواجبه القتل؛ فيؤخر حده عن القطع إن لم يندرج القطع في القتل –كما ستعرفه- ولو كان مع هذه الحدود تعزير، قال الماوردي: يقدم على جميعها؛ لأمرين: أحدهما: أنه أخف. والثاني: [أنه] من حقوق الآدميين في الأغلب. قال: وإن كان معها حد قذف، فقد قيل: يبدأ به قبل [حد] الشرب؛ لأنه حق آدمي، وحقوق الآدميين مبنية على المضايقة؛ ألا ترى أن القاذف لا يفيده في إسقاطه الرجوع عن الإقرار به، بخلاف حقوق الله تعالى. وهذا ما نص عليه الشافعي – ﵁ في كتاب الجراح؛ حيث قال: يبدأ بحقوق الآدميين ثم بحقوق الله تعالى. واختاره أبو اسحاق المروزي وجماعة، وهو أصح عند القاضي أبي الطيب، وكذا الأئمة كما حكاه الرافعي. وقيل: يبدأ بحد الشرب، ثم بحد القذف؛ لأنه أخف فكانت البداية به أولى؛ لأنه أقرب إلى استيفاء الحدود؛ ولهذا المعنى بدأنا به على حد الزنى، وهذا قول ابن أبي هريرة، واختاره في "المرشد"، وصححه في "المهذب". والوجهان يجريان فيما لو اجتمع عليه حد زنى وهو بكر، وقطع الطرف قصاصا، كما قاله القاضي الحسين وغيره. ولو اجتمع قطع [في] السرقة وقطع قصاص في عضو آخر، فلا خلاف [في] أنه يقدم القطع في القصاص، وإن كانت الجناية متأخرة عن السرقة. قال: ولو اجتمع قتل قصاص وقتل في المحاربة قدم السابق منهما؛ لأنهما استويا في تعلق حق الآدمي؛ فرجح بالسبق كما في غير المحاربة. فعلى هذا: إن كان السابق قتل المحاربة، قتل فيها، وتعين حق الآخر في الدية، وإن كان السابق قتل القصاص، فإن استوفاه تعين حق الآخر في الدية على الأصح.

стр. 8612

قال الرافعي: وهل يصلب؟ فيه الخلاف المذكور فيما إذا مات المحارب قبل أن يقتل. وهذا ما أبداه العمراني في "الزوائد" تخريجا من عند نفسه، وجزم في "الحاوي" بعدم الصلب، وكذلك الطبري. وإن عفي عن القصاص، قتل للحرابة، وصلب، ولو كان بدل القتل في المحاربة قتل [للزنى]، فعن [كتاب] ابن كج [حكاية] وجهين: أحدهما: أنه يقتل رجما بإذن الوالي؛ ليتأدى الحقان. وأصحهما: أنه يسلم إلى الولي ليقتله قصاصا، وهو الذي ذكره القاضي الحسين في "تعليقه". ولو اجتمع عليه حد ردة ورجم، قال القاضي [الحسين]: يبدأ بقتل الردة؛ لأن فسادها أشد. وقال الماوردي: يرجم للزنى، ويدخل فيه قتل الردة [؛ لأن الرجم أزيد نكالا؛ فيدخل فيه الأقل. ولو اجتمع قتل الردة]، وقتل في قطع الطريق، ورجم –قال القاضي الحسين: فإن قلنا: قتل قاطع الطريق قصاص قدم، وإن قلنا: حد، فكذلك؛ لأنه يتعلق بحق الآدمي. قال: وإن اجتمع [عليه] حدان، فأقيم [عليه] أحدهما –لم يقم الآخر، [أي:] إذا كان غير قتل، حتى يبرأ من الأول؛ لأن المقصود هو الزجر لا القتل، فلو والينا بينهما؛ لأفضى ذلك إلى القتل. أما لو كان الثاني قتلا فلا يؤخر، قال الرافعي وغيره. قال: وإن اجتمع قطع السرقة وقطع المحاربة؛ قطعت يده اليمنى للسرقة والمحاربة؛ لاجتماع سببها، وهل تقطع الرجل معها، أي: قبل اندمالها؟ قيل: تقطع؛ لأن قطع اليد والرجل حد واحد؛ فجازت الموالاة بينهما. قال أبو

стр. 8613

الطيب وابن الصباغ: وهذا بناء على أن قطع اليد في المحاربة؛ لأجلها، كما حكيناه عن ابن أبي هريرة وأبي علي الطبري. وقيل: لا تقطع، أي: [حتى تندمل اليد؛ لاختلاف سببها؛ فإن اليد تقطع لأجل أخذ المال في غير الحرابة، والرجل تقطع لأجل المحاربة؛ فأشبه حد الزنى مع حد الشرب، وهذا بناء على أن قطع اليد عند أخذ المال في المحاربة يكون كقطع السرقة، كما حكيناه من قبل عن أبي اسحاق. فروع: إذا قطع يد إنسان في المحاربة، وأخذ المال – نظر: إن قطع يمينه، فإن قلنا: لا يتحتم، وعفا، أخذ الدية، وقطعنا يمين المحارب ورجله اليسرى حدا، وإن لم يعف، أو قلنا بالتحتم، قطعت يمينه بالقصاص، وتقطع رجله حدا؛ كما لو قطع الطريق ولا يمين له. وحكى الماوردي وجها – وقال: إنه الأصح -: أنه تقطع يده اليمنى قصاصا، وتقطع يده اليسرى ورجله اليمنى عن المحاربة؛ كما تقدم فيما إذا أخذ المال في المحاربة ويمينه مفقودة. ويظهر على الأول: ألا يوالي بين قطع اليد والرجل؛ لأن قطع اليمين يقع قصاصا، وقطع الرجل يقع حدا، ولو اجتمع قطع قصاص وقطع [حد في عضو] لم يوال بينهما. ولو قطع المحارب اليسار متقدما على أخذ المال في الحرابة أو متأخرا عنه، فإن قلنا: لا يتحتم، وعفى عنه، أخذ الولي الدية، وقطعت يده اليمنى والرجل [اليسرى]، وإن لم يعف، أو قلنا بالتحتم، قطعت اليسرى، وتأخر قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى إلى اندمال اليسار. وإنما قدمنا قطع اليسار؛ لأنه حق آدمي، كما ذكرنا، ولما ذكرناه من المعنى فارقت العقوبات الحقوق المالية؛ حيث ترددت الأقوال في أنه [هل] يقدم حق

стр. 8614

الله -تعالى- أو حق الآدمي، أو يستويان؛ لأنهما استويا في التأكد وعدم السقوط بالشبهات؟ ويعارض فيهما حاجة الآدمي والتأكد بالإضافة إلى الله – تعالى - ومصرفه للآدمي أيضا؛ فتردد القول فيها، هكذا ذكر الفرق الإمام وغيره. وفرق القاضي الحسين بأن القصد من القطع في السرقة وقطع الطريق: التنكيل والزجر، وقد حصل ذلك المعنى بقطعهما قصاصا؛ ألا ترى أنه لو سقط ذلك بأكله سقط [القطع]، ولو قطع الجلاد يساره سقط القطع في يمينه؟! والمقصود من الزكاة ونحوها إغناء المساكين وإيصالها إلى المستحق؛ ألا ترى أنها لا تسقط بتلف المال ولا تتداخل كحقوق الآدميين؟! ولو قطع يمين إنسان [في غير محاربة] [قطعا يستحق به أخذ يمينه قصاصا وأخذ المال في المحاربة]، فإن عفا مستحق القصاص قطعت يمينه ورجله اليسرى حدا، وإلا فيقدم القصاص، وقطع الرجل اليسرى يقع بعده، لكن في الحال [أو يمهل إلى] الاندمال؟ فيه وجهان: أصحهما في "الرافعي" –وهو المذكور في "الوجيز" -: الأول؛ لأن المولاة بين العقوبتين مستحقة لولا ذلك القصاص، وما يخاف من الموالاة لا يختلف بين أن يكون قطع اليمين عن الحد – أيضا - أو عن القصاص. والثاني: يمهل إلى الاندمال؛ لأن اليمين إذا لم تقطع حدا فالمستحق عن جهة الحد قطع الرجل؛ فأشبه ما إذا استحق طرفاه عن جهتين. وهذا ما أورده القاضي [الحسين]، وهو الذي يظهر مما ذكرناه عن القاضي أبي الطيب وابن الصباغ من بناء الخلاف المذكور في الكتاب في الموالاة بين قطع اليد والرجل، فيما إذا اجتمع عليه قطع السرقة وقطع [في] المحاربة –على أن قطع اليد تقع لأجل المحاربة [أو لا]؟ ولأجل ذلك قلت في أول هذه الفروع: إنه ينبغي ألا يوالي بين قطع اليد والرجل، وإذ قد جرى الخلاف في هذه الصورة فهو في تلك أولى.

стр. 8615

ولو قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى في غير المحاربة، وأخذ المال في المحاربة: فإن عفا مستحق القصاص عنه قطعناهما في المحاربة، وإلا قطعتا قصاصا، وسقط قطع المحاربة. ولو قطعهما في المحاربة وأخذ المال فيها، فإن قلنا بعدم التحتم فالأمر كما تقدم، وإن قلنا بالتحتم قطعناهما قصاصا، وسقط الحد كذلك، قاله الشيخ أبو حامد وابن الصباغ والقاضي الحسين، وسواء قطع العضوين قبل أخذ المال أو بعده. وقال في "الحاوي": إذا قلنا بعدم تحتم القطع فالأمر كذلك، وإن قلنا بتحتمه: فإن تقدم أخذ المال واقتص في العضوين [سقط الحد، وإن تقدم قطع العضوين] ثم أخذ المال فلا يسقط القصاص حد قطع الطريق، بل تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى؛ [لأن اليد اليمنى] والرجل اليسرى مستحقتان القطع بالقصاص حتما، وكأنه قطع الطريق وليس له يد يمنى ولا رجل يسرى. وتبعه [في] ذلك الشيخ في "المهذب". قال: وإن كان مع الحدود قتل في المحاربة، فقد قيل: يوالى بين الحدود [، أي]: ولا ينتظر في استيفاء كل حد برء ما استوفي قبله؛ لأن قتله متحتم فلا معنى للتفريق، وهذا ما ينسب إلى أبي اسحاق. وقيل: لا يوالى؛ لأنه لا يؤمن أن يموت قبل استيفاء ما بعده؛ فيبقى في ذمته يستوفى [منه] يوم القيامة، كذلك قال [القاضي] أبو الطيب. وبالقياس على ما لو كان مع الحدود قتل في غير المحاربة؛ فإنه لا يوالى. وهذا أصح في الطرق، والمختار في "المرشد"، على أنه قد حكى فيما علق عن الشيخ أبي بكر الطوسي حكاية وجه فيما إذا اجتمع مع الحدود قتل في غير الحرابة: أنا نقيمها بلا إمهال. لكن المذهب المشهور الأول، ومحل الإمهال فيما عدا الحد الأخير.
следующие страницы →