Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.
стр. 8611
ثم يقطع. وهذا يدل على أنا لا نغربه قبل القطع؛ لإمكانه بعد القطع.
أما إذا كان قد زنى وهو محصن فواجبه القتل؛ فيؤخر حده عن القطع إن لم يندرج القطع في القتل –كما ستعرفه- ولو كان مع هذه الحدود تعزير، قال الماوردي: يقدم على جميعها؛ لأمرين:
أحدهما: أنه أخف.
والثاني: [أنه] من حقوق الآدميين في الأغلب.
قال: وإن كان معها حد قذف، فقد قيل: يبدأ به قبل [حد] الشرب؛ لأنه حق آدمي، وحقوق الآدميين مبنية على المضايقة؛ ألا ترى أن القاذف لا يفيده في إسقاطه الرجوع عن الإقرار به، بخلاف حقوق الله تعالى.
وهذا ما نص عليه الشافعي – ﵁ في كتاب الجراح؛ حيث قال: يبدأ بحقوق الآدميين ثم بحقوق الله تعالى. واختاره أبو اسحاق المروزي وجماعة، وهو أصح عند القاضي أبي الطيب، وكذا الأئمة كما حكاه الرافعي.
وقيل: يبدأ بحد الشرب، ثم بحد القذف؛ لأنه أخف فكانت البداية به أولى؛ لأنه أقرب إلى استيفاء الحدود؛ ولهذا المعنى بدأنا به على حد الزنى، وهذا قول ابن أبي هريرة، واختاره في "المرشد"، وصححه في "المهذب".
والوجهان يجريان فيما لو اجتمع عليه حد زنى وهو بكر، وقطع الطرف قصاصا، كما قاله القاضي الحسين وغيره. ولو اجتمع قطع [في] السرقة وقطع قصاص في عضو آخر، فلا خلاف [في] أنه يقدم القطع في القصاص، وإن كانت الجناية متأخرة عن السرقة.
قال: ولو اجتمع قتل قصاص وقتل في المحاربة قدم السابق منهما؛ لأنهما استويا في تعلق حق الآدمي؛ فرجح بالسبق كما في غير المحاربة.
فعلى هذا: إن كان السابق قتل المحاربة، قتل فيها، وتعين حق الآخر في الدية، وإن كان السابق قتل القصاص، فإن استوفاه تعين حق الآخر في الدية على الأصح.
стр. 8612
قال الرافعي: وهل يصلب؟ فيه الخلاف المذكور فيما إذا مات المحارب قبل أن يقتل. وهذا ما أبداه العمراني في "الزوائد" تخريجا من عند نفسه، وجزم في "الحاوي" بعدم الصلب، وكذلك الطبري.
وإن عفي عن القصاص، قتل للحرابة، وصلب، ولو كان بدل القتل في المحاربة قتل [للزنى]، فعن [كتاب] ابن كج [حكاية] وجهين:
أحدهما: أنه يقتل رجما بإذن الوالي؛ ليتأدى الحقان.
وأصحهما: أنه يسلم إلى الولي ليقتله قصاصا، وهو الذي ذكره القاضي الحسين في "تعليقه".
ولو اجتمع عليه حد ردة ورجم، قال القاضي [الحسين]: يبدأ بقتل الردة؛ لأن فسادها أشد. وقال الماوردي: يرجم للزنى، ويدخل فيه قتل الردة [؛ لأن الرجم أزيد نكالا؛ فيدخل فيه الأقل.
ولو اجتمع قتل الردة]، وقتل في قطع الطريق، ورجم –قال القاضي الحسين: فإن قلنا: قتل قاطع الطريق قصاص قدم، وإن قلنا: حد، فكذلك؛ لأنه يتعلق بحق الآدمي.
قال: وإن اجتمع [عليه] حدان، فأقيم [عليه] أحدهما –لم يقم الآخر، [أي:] إذا كان غير قتل، حتى يبرأ من الأول؛ لأن المقصود هو الزجر لا القتل، فلو والينا بينهما؛ لأفضى ذلك إلى القتل. أما لو كان الثاني قتلا فلا يؤخر، قال الرافعي وغيره.
قال: وإن اجتمع قطع السرقة وقطع المحاربة؛ قطعت يده اليمنى للسرقة
والمحاربة؛ لاجتماع سببها، وهل تقطع الرجل معها، أي: قبل اندمالها؟ قيل:
تقطع؛ لأن قطع اليد والرجل حد واحد؛ فجازت الموالاة بينهما. قال أبو
стр. 8613
الطيب وابن الصباغ: وهذا بناء على أن قطع اليد في المحاربة؛ لأجلها، كما حكيناه عن ابن أبي هريرة وأبي علي الطبري.
وقيل: لا تقطع، أي: [حتى تندمل اليد؛ لاختلاف سببها؛ فإن اليد تقطع لأجل أخذ المال في غير الحرابة، والرجل تقطع لأجل المحاربة؛ فأشبه حد الزنى مع حد الشرب، وهذا بناء على أن قطع اليد عند أخذ المال في المحاربة يكون كقطع السرقة، كما حكيناه من قبل عن أبي اسحاق.
فروع:
إذا قطع يد إنسان في المحاربة، وأخذ المال – نظر: إن قطع يمينه، فإن قلنا: لا يتحتم، وعفا، أخذ الدية، وقطعنا يمين المحارب ورجله اليسرى حدا، وإن لم يعف، أو قلنا بالتحتم، قطعت يمينه بالقصاص، وتقطع رجله حدا؛ كما لو قطع الطريق ولا يمين له.
وحكى الماوردي وجها – وقال: إنه الأصح -: أنه تقطع يده اليمنى قصاصا، وتقطع يده اليسرى ورجله اليمنى عن المحاربة؛ كما تقدم فيما إذا أخذ المال في المحاربة ويمينه مفقودة.
ويظهر على الأول: ألا يوالي بين قطع اليد والرجل؛ لأن قطع اليمين يقع قصاصا، وقطع الرجل يقع حدا، ولو اجتمع قطع قصاص وقطع [حد في عضو] لم يوال بينهما.
ولو قطع المحارب اليسار متقدما على أخذ المال في الحرابة أو متأخرا عنه، فإن قلنا: لا يتحتم، وعفى عنه، أخذ الولي الدية، وقطعت يده اليمنى والرجل [اليسرى]، وإن لم يعف، أو قلنا بالتحتم، قطعت اليسرى، وتأخر قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى إلى اندمال اليسار.
وإنما قدمنا قطع اليسار؛ لأنه حق آدمي، كما ذكرنا، ولما ذكرناه من المعنى
فارقت العقوبات الحقوق المالية؛ حيث ترددت الأقوال في أنه [هل] يقدم حق
стр. 8614
الله -تعالى- أو حق الآدمي، أو يستويان؛ لأنهما استويا في التأكد وعدم السقوط بالشبهات؟ ويعارض فيهما حاجة الآدمي والتأكد بالإضافة إلى الله – تعالى - ومصرفه للآدمي أيضا؛ فتردد القول فيها، هكذا ذكر الفرق الإمام وغيره.
وفرق القاضي الحسين بأن القصد من القطع في السرقة وقطع الطريق: التنكيل والزجر، وقد حصل ذلك المعنى بقطعهما قصاصا؛ ألا ترى أنه لو سقط ذلك بأكله سقط [القطع]، ولو قطع الجلاد يساره سقط القطع في يمينه؟! والمقصود من الزكاة ونحوها إغناء المساكين وإيصالها إلى المستحق؛ ألا ترى أنها لا تسقط بتلف المال ولا تتداخل كحقوق الآدميين؟!
ولو قطع يمين إنسان [في غير محاربة] [قطعا يستحق به أخذ يمينه قصاصا وأخذ المال في المحاربة]، فإن عفا مستحق القصاص قطعت يمينه ورجله اليسرى حدا، وإلا فيقدم القصاص، وقطع الرجل اليسرى يقع بعده، لكن في الحال [أو يمهل إلى] الاندمال؟ فيه وجهان:
أصحهما في "الرافعي" –وهو المذكور في "الوجيز" -: الأول؛ لأن المولاة بين العقوبتين مستحقة لولا ذلك القصاص، وما يخاف من الموالاة لا يختلف بين أن يكون قطع اليمين عن الحد – أيضا - أو عن القصاص.
والثاني: يمهل إلى الاندمال؛ لأن اليمين إذا لم تقطع حدا فالمستحق عن جهة الحد قطع الرجل؛ فأشبه ما إذا استحق طرفاه عن جهتين. وهذا ما أورده القاضي [الحسين]، وهو الذي يظهر مما ذكرناه عن القاضي أبي الطيب وابن الصباغ من بناء الخلاف المذكور في الكتاب في الموالاة بين قطع اليد والرجل، فيما إذا اجتمع عليه قطع السرقة وقطع [في] المحاربة –على أن قطع اليد تقع لأجل المحاربة [أو لا]؟ ولأجل ذلك قلت في أول هذه الفروع: إنه ينبغي ألا يوالي بين قطع اليد والرجل، وإذ قد جرى الخلاف في هذه الصورة فهو في تلك أولى.
стр. 8615
ولو قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى في غير المحاربة، وأخذ المال في المحاربة: فإن عفا مستحق القصاص عنه قطعناهما في المحاربة، وإلا قطعتا قصاصا، وسقط قطع المحاربة.
ولو قطعهما في المحاربة وأخذ المال فيها، فإن قلنا بعدم التحتم فالأمر كما تقدم، وإن قلنا بالتحتم قطعناهما قصاصا، وسقط الحد كذلك، قاله الشيخ أبو حامد وابن الصباغ والقاضي الحسين، وسواء قطع العضوين قبل أخذ المال أو بعده.
وقال في "الحاوي": إذا قلنا بعدم تحتم القطع فالأمر كذلك، وإن قلنا بتحتمه: فإن تقدم أخذ المال واقتص في العضوين [سقط الحد، وإن تقدم قطع العضوين] ثم أخذ المال فلا يسقط القصاص حد قطع الطريق، بل تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى؛ [لأن اليد اليمنى] والرجل اليسرى مستحقتان القطع بالقصاص حتما، وكأنه قطع الطريق وليس له يد يمنى ولا رجل يسرى. وتبعه [في] ذلك الشيخ في "المهذب".
قال: وإن كان مع الحدود قتل في المحاربة، فقد قيل: يوالى بين الحدود [، أي]: ولا ينتظر في استيفاء كل حد برء ما استوفي قبله؛ لأن قتله متحتم فلا معنى للتفريق، وهذا ما ينسب إلى أبي اسحاق.
وقيل: لا يوالى؛ لأنه لا يؤمن أن يموت قبل استيفاء ما بعده؛ فيبقى في ذمته يستوفى [منه] يوم القيامة، كذلك قال [القاضي] أبو الطيب. وبالقياس على ما لو كان مع الحدود قتل في غير المحاربة؛ فإنه لا يوالى. وهذا أصح في الطرق، والمختار في "المرشد"، على أنه قد حكى فيما علق عن الشيخ أبي بكر الطوسي حكاية وجه فيما إذا اجتمع مع الحدود قتل في غير الحرابة: أنا نقيمها بلا إمهال.
لكن المذهب المشهور الأول، ومحل الإمهال فيما عدا الحد الأخير.
стр. 8616
فروع:
لو زنى المرتد في حال ردته أو شرب، فهل يكتفى بقتله أم يقام عليه الحد ثم يقتل؟ فيه وجهان عن رواية ابن كج، وأصحهما: الثاني، وقد حكيناهما في باب الردة، وحكاهما الماوردي في دخول حد السرقة في القتل بالردة -أيضا- وهما جاريان فيما لو سرق ثم قتل في المحاربة، في أن حد السرقة هل يندرج في القتل، أم يقطع ثم يقتل، كما حكاهما ابن الصباغ؟ ويظهر جريانهما فيما إذا سرق ثم زنى وهو محصن.
إذا اجتمعت عليه حقوق متمحضة للآدميين؛ بأن قذف شخصا، وقطع يد آخر، وقتل آخر –بدئ بحد القذف وإن كان متأخرا عن القطع والقتل، ثم يترك حتى يبرأ ظهره، خشية أن يموت قبل أن يستوفى منه قصاص النفس، ثم تقطع يده وإن كان القتل متقدما، ويقتل من غير إمهال؛ لأن في ذلك جمعا بين الحقوق، وإذا أمكن استيفاؤها فلا سبيل إلى تفويت بعضها.
وأبدى الإمام ترددا – أقامه الغزالي وجهين - فيما إذا رضي مستحق القتل بتعجيل القطع [قبل براءة ظهره من الجلد، في أن يبتدر] القطع بعد الجلد، ورأى الأظهر والأفقه: عدمه؛ لأنا لو أتبعنا الجلد القطع؛ فليس ما يعرض من موت بسبب توالي العقوبتين واقعا عن القصاص المستحق في النفس؛ فهو يفضي إلى موت غير معتد به، ولا سبيل إلى اهدار الروح. نعم، لو علمنا قطعا أنه لو جلد وقطع على التوالي لم تفض نفسه على الفور، وإن صار ألما به، فإذا قال صاحب النفس: عجلوا وأنا أقبل، فيجب القطع ها هنا بأن له ذلك، وما قدمناه فيه إذا كنا نجوز أن تفيض نفسه لتوالي العقوبتين.
قلت: وما ذكره من المعنى المفضي لمنع التوالي، موجود هنا؛ لأن مستحق القصاص في النفس لا يتعين حقه على الفور كما تقدم، [وقد صرح] به الإمام هنا؛ فقد يقول ذلك ثم يعن له ألا يستوفي القصاص على الفور؛ فيفضي إلى ذهاب نفسه هدرا [كما تقدم] أيضا.
стр. 8617
وقوله: أنا أستوفي، لا يحصر حقه في الفورية؛ لأنه وعد، والوعود لا تلزم عندنا أمرا، والله أعلم
وقد ذكرنا في باب العفو والقصاص تتمة ما ذكره الإمام هنا.
قال: ومن وجب عليه [حد] الزنى [والسرقة والشرب]، فتاب وأصلح، ومضى عليه سنة، أي: قبل الظفر [به] – سقط عنه الحد في أحد القولين.
أما في حد الزنى؛ فلقوله تعالى: ﴿فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾ [النساء: ١٦].
[وأما في السرقة؛ فلقوله تعالى: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم﴾] [المائدة: ٣٩].
وأما في حد الشرب؛ فلأنه إذا سقط حد الزنى والسرقة به، فلأن يسقط حد الشرب –وهو أخف في القدر والصفة- كان أولى. وقد روي أنه ﷺ قال: "التوبة تجب ما قبلها"، وقال: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له". ولأن كل حد من هذه الحدود خالص حق لله -تعالى- فسقط بالتوبة كحد قاطع الطريق. وهذا ما صححه في "المهذب"، وهو الأظهر في "الحاوي"، وقال البندنيجي: إنه المذهب. ويعضده ما حكاه القاضي أبو الطيب قبيل باب قتال أهل الردة عن الشافعي؛ حيث قال: [إن] الشافعي – ﵁ قال: ويجب
стр. 8618
لمن أصاب حدا أن يستتر بستر الله -تعالى- وأن يتقي الله ولا يعود؛ فإن الله –تعالى- يقبل التوبة عن عباده.
قال: ولا يسقط في الآخر؛ لأن العمومات الواردة فيها لم تفصل بين ما قبل التوبة وما بعدها، بخلاف قاطع الطريق، ولأنه حد لا يختص بالمحاربة؛ فلم يسقط بالتوبة كحد القذف، وهذا أصح عند النواوي.
والقائلون بالأول حملوا العمومات على حالة الإصرار.
وأما القياس على حد القذف، فلهم منع الحكم فيه -أيضا-[لأن الماوردي قد حكى عن بعض أصحابنا: أنه يسقط بالتوبة -أيضا-] وهو قول قديم للشافعي؛ كما حكيناه في باب حد قاطع الطريق، فعلى هذا اندفع القياس.
وعلى الصحيح، وهو أنه لا يسقط بها؛ كما جزم به الجمهور –فالفرق: أنه محض حق آدمي، وحقوق الآدميين مبنية على المضايقة والمشاحة، بخلاف حد الزنى ونحوه؛ فإنه محض حق الله تعالى، وحقوق الله تعالى مبنية على المساهلة والمسامحة.
أما إذا حصلت التوبة بعد الظفر، فالمذكور في "الشامل" و"الحاوي": أنها لا تؤثر، وعلى ذلك جرى غيرهما، كما ستعرفه. وكأنهم –والله أعلم- أخذوا ذلك من قول الشافعي –﵁ في "المختصر" في قطاع الطريق: ومن تاب منهم قبل أن يقدر عليه، سقط عنه الحد، ولا تسقط حقوق الآدميين، ويحتمل أن يسقط كل حد لله -تعالى- بالتوبة. وقال في كتاب الحدود: وبه أقول. ففي أحد القولين ألحقه بقاطع الطريق، وأشار في ضمن الاحتمال إلى أنه غير ملحق به، وقاطع الطريق لا يسقط حده بالتوبة بعد الظفر كما أفهمه لفظ الكتاب العزيز؛ فكذلك غيره من طريق [الأولى، ووجه] الأولوية: أن حد قاطع الطريق يسقط بمجرد إظهار التوبة، وغيره ليس كذلك.
وقد حكى القاضي الحسين في باب حد الزنى عن بعض الأصحاب هذه
الطريقة، وقال: إن من أصحابنا من عكس، فقال: إذا تاب عن حد الزنى قبل
стр. 8619
القدرة عليه سقط قولا واحدا، وإن تاب بعد القدرة فقولان، وإن منهم من قال على الإطلاق: قولان، وهو الصحيح؛ لأنه قبل المرافعة وبعدها مقدور عليه، وهذا الطريق هو الذي حكاه في باب حد قاطع الطريق، وأورده الرافعي مع الأول، واقتضاه إطلاق الإمام في باب حد الزنى؛ فإنه ذكر بعد حكاية [القولين فيه]، وتصحيح عدم السقوط –كما صار إليه الرافعي وحكاه عن الجديد - سؤالا، فقال: فإن قيل: أليس [قد] قال رسول الله ﷺ : "من أتى من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله". ولو كان الحد لا يسقط بالتوبة لكان فيما ذكره رسول الله ﷺ تحريض على كتمان الحق- قلنا: لا يمتنع أن تكون توبة المستتر الذي لا يبدي صفحته بمثابة توبة [قاطع الطريق قبل الظفر به، وفيما ذكرناه احتمال؛ فإن سبب قبول توبة] المحاربين عطفهم على الطاعة، وردهم بالاستمالة إليها، وهذا المعنى لا يتحقق فيما ذكرناه، والمسألة محتمله، وتمام الحديث يدل على أن الوبة بعد ظهور وجوب الحد لا تنجع؛ فإنه – ﵇ قال في تتمة الحديث: "فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه حد الله تعالى" وهذا نص في أن التوبة لا تنفع، ووجهه من جهة المعنى: خشية صيرورتها ذريعة إلى إبطال حكم الحد؛ إذ الغرض هو الردع والزجر، ولا يعجز مرتكب ما يوجب الحد عن إظهار التوبة، ثم الحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر. ووجه مقابله – على هذا التقدير -: أنه روي في بعض الروايات أنه ﷺ قال لماعز: "ارجع فاستغفر لله وتب إليه"،
стр. 8620
ويروى أنه قال: "هلا رددتموه [إلي] لعله يتوب".
قال الرافعي في آخر [الفصل]: [وقد] يرجع حاصل هذا الخلاف إلى أن إصلاح العمل، هل يشترط فيه التوبة من غير قاطع الطريق، أم لا؟ وفيه خلاف سنذكره، فإن قلنا: نعم، فلا بد من مضي زمان يظهر فيه الصدق والصلاح؛ فلا تكفي التوبة بعد الرفع.
ثم التوبة عبارة عن: الإقلاع عما فعله في الحال، والندم على الماضي، والعزم على عدم الفعل، واعتبر فيها بعضهم ألا يكون ذلك لأمر دنيوي.
والمراد بالإصلاح: إصلاح العمل، وإنما اعتبر؛ لظاهر [نص] الكتاب في
الآيتين، والحكمة فيه: أنه قد يظهر التوبة للتقية؛ فلا تعلم صحتها حتى يقترن بها
الإصلاح في زمان يوثق فيه بالتوبة، وهذا بخلاف التوبة من قاطع الطريق، وقد
стр. 8621
تقدم الفرق بينهما. وهذا هو المشهور، والذي جزم به العراقيون والقاضي الحسين.
وقد حكينا عن الإمام وجها في أن إصلاح العمل لا يعتبر ها هنا -أيضا- وأن الأصحاب مجمعون عليه؛ كإظهار الإسلام تحت ظلال السيوف، قال: ثم سبيل التفريع –على ما ذكره القاضي -: [أن] من أظهر التوبة امتحناه سرا وعلنا، فإن ظهر الصلاح في أعماله حكمنا بسقوط الحد، وإن بدا نقيد ذلك [فالتوبة لا تسقط] هذا الحد. وهذا كلام مضطرب؛ فإن هذا التائب إن حبس كان محالا، وإن خلي سبيله، فكيف يتبع وكيف يعرف صلاحه، وهل هو مرعي في قبيل ما تاب عنه أو في جميع الأحوال؟ ولا ضبط لهذا الكلام. وأنا أقول: ذكر التوبة [المجردة قبل الظفر يدل على سقوط الحد بها، وذكر التوبة] مع إصلاح العمل يدل على [أن] المغفرة باطنة، والحدود مقامة.
وقال الرافعي: يشبه أن يقال في التفريع على مذهب القاضي: إن التوبة إذا ظهرت امتنعنا عن إقامة الحد عليه، فإن ظهر الصلاح من بعد، أو لم يظهر ما يخالف التوبة فذاك، وإن ظهر ما يخالفها أقمنا الحد عليه، والله أعلم.
واعتبار السنة في إصلاح العمل بعد التوبة؛ لتمضي عليه الفصول الأربعة التي قد تتغير فيها الطباع، وسيأتي [في ذلك]-أيضا- خلاف في كتاب الشهادات، إن شاء الله تعالى.
فرع: حكى القاضي الحسين في باب حد الزنى أن ابن المرزبان قال: إذا قلنا [إن] التوبة تسقط حد الزنى، فقتله قاتل بعدها وهو محصن –فلا يختلف المذهب: أن عليه الدية، وهل عليه القود؟ فيه وجهان، وجه المنع: بشبهة الخلاف.
قلت: وهذا شبيه بالخلاف الذي مضى فيما إذا قتل من أقر به بعد أن رجع عنه.
стр. 8622
فروع نختم بها كتاب الحدود -:
لا يجوز للإمام العفو عن الحد، ولا تجوز الشفاعة فيه؛ قال رسول الله ﷺ : "لعن الله الشافع والمشفع"، قال الماوردي: وقد أتي معاوية بلصوص، فقطعهم حتى بقي واحد منهم، فقدم ليقطع، فقال:
يميني أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقى نكالا يشينها
يدي كانت الحسناء لو تم سبرها ... ولن تعدم الحسناء عابا يشينها
فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة ... إذا ما شمالي فارقتها يمينها
فقال معاوية: كيف أفعل بك وقد قطعت أصحابك؟! فقالت أم السارق: اجعلها في ذنوبك التي تتوب منها؛ فخلى سبيله، فكان أول حد ترك في الإسلام.
الاعتبار في الحدود بحالة الوجوب [لا بحالة الأداء، حتى لو وجب الرجم أو الحد في الزنى على حر ذمي، ثم نقد العهد والتحق بدار الحرب، فسبي واسترق – يقام عليه الرجم أو الجلد مائة؛ اعتبارا بحالة الوجوب].
والاعتبار في صفته بحالة الأداء، فإن وجب وهو نضو الخلق، فصح بدنه قبل الإقامة –استوفي بالسياط. ولو وجب وهو صحيح، فصار نضو الخلق قبل الاستيفاء- أقيم عليه بإثكال النخل.
قال القاضي الحسين: ولا بد للإمام في إقامة الحدود من النية، حتى لو ضربه لمصادرة أو لمعنى آخر وعليه حدود، لا يحسب عنها.
متعاطي الجرائم الموجبة للحدود إذا أقيمت عليه، لا تقام عليه في [الدار]
الآخرة مرة أخرى؛ لقوله ﷺ : "من أصاب حدا فعجل عقوبته في الدنيا فالله
стр. 8623
أعدل من أن يثني على عبده [العقوبة في [الدار] الآخرة، ومن أصاب حدا فستر الله عليه، أو عفي عنه فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه"].
كذا قال الجيلي، ثم قال: وكذلك الحكم في حقوق الآدميين إذا استوفيت، أو عفي عنها، والذي رواه البخاري عن عبادة بن الصامت، قال: بايعت رسول الله ﷺ في رهط، فقال: "أبايعكم على ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فأخذ به في الدنيا، فهو كفارة له وطهور، ومن ستره الله، فذلك إلى الله: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له".
وفي "تعليق" البندنيجي إثبات معنى هذا الحديث [حكما]؛ حيث قال: إذا مات قبل استيفاء الحدود سقط ما كان لله – و [كان] حسابه على الله: إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 8624
باب التعزير
"التعزير" معناه في اللغة: التأديب.
وفي الشرع: تأديب على ذنب ليس فيه حد ولا كفارة.
وخصصه بعضهم بالتأديب الذي يفعله الإمام، دون ما يفعله الزوج بزوجته، والمعلم بالصبي، وقال: هذا يسمى تأديبا.
وعلى ذلك [جرى] البندنيجي وابن الصباغ.
قال الرافعي: والأول أشهر الاصطلاحين.
وأصل "التعزير": من "العزر"، وهو: المنع والزجر، يقال: عزره، إذا دفعه، ومنه سمي النصر: [تعزيرا؛ لأنه يدفع العدو ويمنعه]، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وتعزروه وتوقروه﴾ [الفتح: ٩].
ثم التعزير يوافق الحد في [وجه وهو] كونهما شرعا؛ زجرا وتأديبا للصلاح، يختلفان بحسب الذنب، ويخالفه من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أن تعزير ذوي الهيئات أخف من تعزير غيرهم، وهم متفقون في الحد.
والثاني: تجوز الشفاعة في التعزير والعفو عنه، ولا [يجوز ذلك] في الحد.
والثالث: لو تلف من التعزير ضمن على الأصح؛ كما ذكرناه في باب ما تجب به الدية من الجنايات، ولو تلف من الحد كان هدرا، وقد صرح بما ذكرناه [الماوردي] في "الحاوي" و"الأحكام".
قال: ومن أتى معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ كالمباشرة المحرمة فيما دون
الفرج، أي: من الأجنبية كما بينه في "المهذب"، أو من صبي، وسرقة ما
دون النصاب، والقذف بغير الزنى، والجناية بما لا يوجب القصاص، والشهادة
стр. 8625
بالزور، وما [أشبه ذلك] من المعاصي – عزر.
بين الشيخ بهذه الأمثلة أن التعزير يجب في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة، سواء كانت من مقدمات ما فيه حد كالأمثلة الأول، أو لا [كشهادة الزور]، وأنه لا فرق بين أن يتمحض لله تعالى، أو يتعلق بالآدمي.
والأصل في إيجابه – قبل الإجماع؛ كما ادعاه القاضي أبو الطيب - من الكتاب، قوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن﴾ [النساء ٣٤]، فأباح للزوج الضرب عند النشوز والمخالفة؛ فكان فيه تنبيه على التعزير.
стр. 8626
ومن السنة: ما روي عنه ﷺ : في خبر سرقة الثمر: "فإذا أواه الجرين، وبلغ [قيمته ثمن] المجن ففيه القطع، وإن كان دون ذلك ففيه غرم مثله وجلدات نكال"، وغيره من الأخبار التي سنذكرها.
وقد عزر عمر – ﵁ من زور كاتبا.
وعن علي – ﵁ لما سئل عن قول الرجل: يا فاسق يا خبيث، فقال: هي فواحش فيهن تعزير، وليس فيهن حد.
وروي عن ابن عباس أنه لما خرج من البصرة استخلف أبا الأسود الدؤلي،
فأتي بلص نقب على قوم، فأخذوه في النقب، فقال: مسكين! أراد أن يسرق،
стр. 8627
فأعجلتموه، وضربه خمسة عشر سوطا.
قال: على حسب ما يراه السلطان، أي: في [الجنس والقدر] على ما سنبينه؛ لأنه غير مقدر ولا مضبوط، فوكل إلى رأيه يعمل فيه ما تقتضيه المصلحة، من الحبس أو الضرب جلدا أو صفعا]. فإن رأى الجمع بينهما فعل، كذا قاله القاضي أبو الطيب والرافعي وغيرهما.
قلت: وينبغي أن يكون الضرب في هذه الحالة ينقص عن أدنى الحدود نقصا إذا عدل معه الحبس بضربات لا يبلغ مجموع ذلك أدنى الحدود؛ كما سنصفه، وإلا فيلزم فيه زيادة على أدنى الحدود. وهذا مستمد مما حكيته عن الإمام في تفريق الجلد في حد الزنى.
وللسلطان [أن] يقنع بالتبكيت والتوبيخ باللسان إذا اقتضته المصلحة، وكذا له إشهار التعزير في الناس؛ لتكون زيادة في نكال التعزير، وهذا محثوث عليه في شاهد الزور؛ كما قاله الاصحاب في باب ما على القاضي في الخصوم، ويكون إشهاره على باب مسجده إن كان من أهل المسجد، وإن كان من أهل السوق ففي سوقه، وإن كان من قبيلة [أو قبيل] ففي قبيلته [أو قبيله].
والفرق بين القبيلة والقبيل: أن القبيلة: بنو الأب الواحد، والقبيل: الأخلاط المجتمعون من آباء شتى.
ويقول في النداء عليه: [هذا] شاهد زور فاعرفوه، قال الماوردي [ثم]: ولا يزاد في هذه الشهرة تسويد وجهه ولا حلق رأسه.
ولا فرق في ذلك عند بعض أصحابنا بين أن يكون من ذوي الصيانة أو [من] غيرهم؛ لأن الصيانة قد خرج منها بزوره.
стр. 8628
وعن [ابن] أبي هريرة: أن النداء على شاهد الزور مخصوص بغير أهل الصيانة، أما أهل الصيانة فيقتصر معهم على إشاعة الأمر.
[وله أن يجرد من ثياب المعزر ما عدا ما يستر عورته، وينادي] عليه بذنبه إذا تكرر منه ولم يقلع عنه؛ كما حكاه الماوردي هنا. قال: ويجوز أن تحلق رأسه، ولا يجوز أن تحلق لحيته، وفي جواز تسويد وجهه وجهان.
وقال في "الأحكام": إن الأكثرين جوزوه، [ومنع منه] الأقلون.
وقال القاضي أبو الطيب في كتاب الأقضية – وتبعه ابن الصباع -: إنه لا يحلق نصف رأسه، ولا يسخم وجهه، ولا يركبه، ولا يطوف به؛ لأنه مثلة، وقد نهى ﷺ عن المثلة.
قال الماوردي: ويجوز أن يصلب في التعزير حيا؛ فإن رسول الله ﷺ صلب رجلا [على جبل يقال له]: أبو ناب. ولا يمنع – إذا صلب- من طعام وشراب ومن وضوء وصلاة، ويصلي مومئا، ويعيد إذا أرسل، ولا يجاوز بصلبه ثلاثة أيام، وفيما دونها النظر إليه.
ومدة الحبس إذا رآه هل تتقدر؟ قال أبو عبد الله الزبيري من أصحابنا: نعم، تتقدر بشهر؛ للاستبراء والكشف، وبستة أشهر؛ للتأديب والتقويم. وغيره لم يقدرها.
стр. 8629
ويجوز للإمام النفي في التعزير؛ كما قاله الماوردي، وإن ظاهر مذهب الشافعي – ﵁ أن مدته مقدرة بما دون السنة ولو بيوم؛ كي لا يصير مساويا للتغريب، وكذا صرح به في "الإشراف" عن قول الشافعي، وقد أشار الإمام إلى تضعيف هذا القول في "الغياثي" وإن لم يحكه؛ فإن التغريب بعض الحد، فلو غرب في التعزير [مدة] سنة لم يكن قد بلغ به الحد.
ثم جنس ما يضرب به: الثوب، والنعل، والعصا، والسوط، على حسب ما يراه إلا في ضرب الزوج زوجته؛ فإنه يضرب بالثوب، والنعل، وأكثره العصا، ولا يجوز أن يكون بالسياط؛ لخروجه عن العرف، [ولنقصه عن أحكام الحدود]، كذا قاله الماوردي وغيره، ويظهر أن يكون مفرعا على القول بأنه يضرب في حد الشرب بالسوط، وإنه لا يبلغ بالتعزير حد الشرب –فيظهر أن يقال: لا يجوز الضرب في التعزير [بالسياط] أيضا، والله أعلم.
ثم حيث يجوز بالسوط فصفته في التعزير وكيفية الضرب [به] قد مضت من قبل في باب حد الزنى.
وعلى الإمام في إقامة التعزير –كما قال الأصحاب- مراعاة الترتيب والتدريج في ذلك [كما] يراعيه الدافع للصائل، ولا يرقى إلى درجة وهو [يرى] ما دونها كافيا مؤثرا، كذا صرح به الإمام.
وقد ذكرنا أن بعض التعزيرات يتعين لها بعض الأنواع المذكورة على خلاف فيها؛ كما في قاطع الطريق.
قال [الشيخ- ﵀]: ولا يبلغ به أدنى الحدود؛ لما روى
النعمان بن بشير أن النبي ﷺ قال: "من ضرب حدا في غير حد فهو من
стр. 8630
المعتدين"، ولأن هذه المعاصي دون المعاصي الموجبة للحد؛ فلا يبلغ بما يجب فيها ذلك، لكن ما المراد بالأدنى الذي لا يبلغه؟ اختلف فيه الأصحاب:
فمنهم من قال: لا يبلغ تعزير الحر أربعين، وتعزير العبد عشرين، وهذا ما أورده البندنيجي [والمصنف] وابن الصباغ.
ومنهم من قال: لا يبلغ تعزير الحر والعبد] أربعين؛ كما حكاه القاضي الحسين، وتبعه البغوي.
ومنهم من قال: لا يبلغه عشرة؛ لما روى مسلم عن أبي بردة الأنصاري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا تجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله"، وروى البخاري في كتاب الحاربين نحوه، وهذا قول ابن سريج؛ كما حكاه القاضي الحسين، وكذا الماوردي، ونسبه في موقع آخر إلى أبي علي بن أبي هريرة، [وغيره نسبه إلى ابن أبي هريرة] وأبي علي الطبري، ووافقهم صاحب "التقريب"، فقال: الخبر صحيح، ولو بلغ الشافعي –﵁ لقال به، وقد صح من أقوال الشافعي: "أن من يبلغه مذهب منه، ويصح فيه خبر على خلافه، فحق عليه أن يعتقد الخبر، [ويعتقد
стр. 8631
أنه مذهب الشافعي"؛ فإن كل ما أطلقه في المسائل مقيد باستثناء الخبر]، وكأنه لا يقول قولا في واقعة إلا وهو مصرح بأن الأمر كذلك إن لم يصح خبر على خلافة؛ كذا ساقه الإمام.
ومنهم من قال: لا يبلغ تعزير مقدمات الزنى، والوطء الحرام الذي لا يوجب [فيه] الحد حد الزنى، وله أن يزيده على حد القذف: فإن كان حرا مقصه عن المائة، وإن كان عبدا نقصه عن خمسين، ولا يبلغ تعزير القذف بما لبس بقذف حد القذف، وله أن يزيده على حد الشرب: فإن كان حرا نقصه عن ثمانين، وإن كان عبدا نقصه عن أربعين، ولا يبلغ تعزير مقدمات الشرب حد الشرب، ومنها: إدارة كأس الماء على الشراب؛ تشبها بشارب الخمر، فإن كان عبدا لم يبلغ عشرين، وإن كان حرا لم يبلغ به أربعين، كذا قاله القاضي الحسين والإمام في الكل.
قال الرافعي: وقرب هذا من قولنا: الجناية الواردة على عضو تعتبر بأرش ذلك العضو. وهذا ما قال به القفال، واختاره الروياني في "الحلية"، وصححه القاضي الحسين في "التعليق"، وجعله القاضي أبو الطيب أصلا لمسألة الحكومة، وذكر الإمام تفريعا عليه: أن مقدمات السرقة تعتبر بأغلب حدود الجلد، وهو [حد] الزنى؛ لأن القطع أبلغ من مائة جلدة.
وفي "تعليق" القاضي الحسين إطلاق القول على هذا الوجه: بأن الجريمة إذا لم يكن في جنسها حد مقدر كالغيبة والنميمة، لم يبلغ تعزيرها أربعين في طريق، وفي طريق: لا يبلغ به عشرين.
وحكى الماوردي في "الحاوي" عن أبي عبد الله الزبيري –من أصحابنا- أنه قال: تعزير كل ذنب مستنبط من حده المشروع فيه، [وأعلاه [فيمن تعرض لشرب الخمر: تسعة] وثلاثون؛ لأن حد الخمر أربعون]، وأعلاه فيمن تعرض [للقذف بغير الزنى]: خمسة وسبعون؛ لأن حد القذف ثمانون؛ كذا قاله في
стр. 8632
الحاوي، وقال في "الإحكام" بعد قوله حكاية عنه: " إن تعزير كل ذنب [مستنبط] من حده المشروع فيه"-: وأعلاه خمسة وسبعون؛ تقصيرا به عن حد القذف بخمسة أسواط، فإن كان الذنب في التعرض للزنى روعي ما كان منه، فإن أصابوه نال منها ما دون الفرج ضربا [معا] أعلى التعزير، وهو خمسة وسبعون سوطا، وإن وجدا في إزار لا حائل بينهما متباشرين غير متعاطيين للجماع ضربا ستين سوطا، وإن وجدا غير متباشرين ضربا خمسين سوطا، وإن وجدا في بيد متبذلين عريانين غير متباشرين ضربا أربعين سوطا، وإن وجا جالسين في بيت عليهما ثيابهما ضربا ثلاثين سوطا، وإن وجدا في طريق يكلمها وتكلمه ضربا عشرين سوطا، وإن وجد منهما الغشارة بغير كلام ضربا عشرة أسواط، وإن وجدوه يتبعها ولم [يقفوا على] غير ذلك فخفقات. وهكذا نقول في التعرض لسرقة مال يجب فيه القطع: فإذا سرق نصابا من غير حرز ضرب خمسة وسبعين، وإذا سرق من حرز أقل من نصاب ضرب ستين، وإذا سرق أقل من نصاب من غير حرز ضرب خمسين، وإذا جمع المال في الحرز واسترجع منه قبل اخراجه ضرب أربعين، وإذا نقب الحرز ودخل ولم يأخذ ضرب ثلاثين [سوطا]، وإذا نقب ولم يدخل ضرب عشرين، وإذا تعرض للنقب أو لفتح باب ولم يكمله ضرب عشرة، وإن وجد معه منقب أو كان مراصدا للمال فخفقات، ثم على هذه العبرة فيما سوى هذين.
قال الماوردي: وهذا الترتيب وإن كان مستحسنا في الظاهر فقد يجرد للاستحسان فيه عن دليل يتقد ربه.
والصحيح الأول، وهو الذي قال أبو الطيب هنا والماوردي: إنه مذهب الشافعي، ﵁.
والحديث فقد قال بعضهم: إنه منسوخ، واحتج بعمل الصحابة بخلافه من غير
إنكار، وعن عمر – ﵁ أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: ألا تبلغ
بنكال أكثر من عشرين سوطا، ويروى: ما بين الثلاثين إلى
стр. 8633
الأربعين، ويروى: عشر جلدات. ذكر جميع ذلك عنه أبو بكر ابن المنذر.
قال الماوردي: ولو صح فلا يلزم العمل به؛ لجواز أن يرد في ذنب بعينه؛ فلا يجب حمله على جميع الذنوب، ولا على عموم الناس.
وقال غيره: إنه محمول على الزيادة على الجلدات العشر إلى استيفاء الأربعين.
وقال الشيخ زكي الدين: إن ابن المنذر قال: في إسناد الحديث [مقال].
قال: فإن رأى ترك التعزير جاز؛ لما روى أبو داود عن عائشة - رضي الله
عنها - قالت: قال رسول الله ﷺ : "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود"،
стр. 8634
قال الأصحاب: وأدنى درجات الأمر الإباحة، لكن هذا [الحديث] يرويه عبد الملك بن زيد وعطاف بن خالد، وهما ضعيفان؛ فالحجة فيما ذكرناه: ما قاله الشافعي ﵁ أنه كان غير شيء يثبت له التعزير ﷺ فلم يعزر.
ومن ذلك ما روي أنه ﵇ كان يقسم الغنائم، فمر به واحد، فقال: هذه القسمة ليس يراد بها وجه الله. [ويروى] أنه قال: اعدل [يا محمد فلست تعدل، فقال [له]: "لقت خبت وخسرت إن لم أعدل] فمن يعدل"، ولم يعزره.
ومن ذلك ما روى عبد الله ابن الزبير أن رجلا خاصم الزبير عند رسول الله ﷺ في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال رسول الله ﷺ للزبير: "اسق، [ثم أرسل إلى جارك"؛ فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟! نتلون وجه رسول الله ﷺ وقال: " يا زبير اسق] أرضك، واحبس الماء حتى يرجع إلى الجدر"، فلو لم يجز ترك التعزير لعزره رسول الله ﷺ على ما قال.
[ومن ذلك ما] روى أبو هريرة أن النبي ﷺ كان في بعض الأسفار على بعير، فجاءه أعرابي وجبذ رداءه حتى أثرت جبذته في عنقه، وقال: احملني فإنك لا تحملني على بعيرك [ولا] على بعير أبيك؛ فثرنا إليه مالجبل من الحديد، وهممنا بقتله؛ فقال ﷺ : "عزمت على من سمع كلامي أن يثبت مكانه"، فوقفنا بعضنا على إثر بعض، وأيدينا على مقابض السيوف ننتظر أمر النبي ﷺ فدعا أسامة، وقال: "احمله على بعير الزاد"، ولم يعزره.
стр. 8635
ولأنه ضرب غير محدود؛ فلم يكن واجبا؛ كضرب الزوج زوجته، والوالد ولده، والمعلم صبيلنه.
ثم ظاهر إطلاق الشيخ يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون التعزير لمحض حق الله تعالى أو للآدمي فيه حق، والشيخ في هذا الإطلاق تبع الشيخ أبا حامد، وقال في "المهذب": إذا رأى [الإمام] ترك التعزير جاز إذا لم يتعلق به حق آدمي. فأفهم أنه إذا تعلق به حق آدمي لم يجز تركه، وقد صرح القاضي أبو الطيب والماوردي به، وحكاه الإمام وجها وكذا الرافعي، وقاسه على القصاص، وقال: إن قضية ما في "التهذيب" ترجيح مقابلة.
قال الإمام: والأول أغوص، وهو جواز الترك وإن كان فيه حق آدمي؛ لأن مقدار التعزير إلى الإمام، والتغليظ بالقول من التعزير، ونحن لا نعتقد تصور صورة لا يرى الإمام فيها توبيخا؛ فإن من أساء أدبه بالجهات التي ذكرناها لا يسكت عنه، ولا يلزم على مقابلة سوء أدبه؛ فيؤل هذا إلى أن الإمام لو أراد الاقتصار من التعزير على ترك سلام فهل له ذلك؟ وسئل الغزالي [عن] ذلك، فقال: لا يجوز له الإهمال مع الطلب، ولكن هل يجوز الاقتصار على التوبيخ باللسان دون الضرب؟ فيه وجهان.
وفي الإشراف: أن بعض المتأخرين من أصحابنا قال: التعزير في قذف زوجته الكتابية [والرقيقة] واجب، وما سواه ليس بواجب، وأن في وجوبه على البكر إذا ظهر فيها حمل [وجهان] والأصح: المنع.
стр. 8636
فرع: إذا كان التعزير متعلقا بحق الآدمي، فعفى عنه، فهل للإمام إقامته إذا رآه؟ فيه وجهان، وهما جاريان فيما لو وجب له قصاص أو حد قذف فعفى عنه، فهل للإمام التعزير أم لا؟ لكن بالترتيب، ويجيء عند الاختصار فيهما ثلاثة أوجه:
أحدها: [لا؛ لأن المستحق] قد أسقطه.
والثاني: نعم؛ لأنه لا يخلو ذلك عن حق الله -تعالى-[ولأنه يحتاج] إلى زجر غيره عن مثل تلك الجناية.
وأشبههما: الفرق بين أن يكون العفو عن الحد فلا يعزر، وبين أن يكون عن التعزير فيعزر؛ لأن الحد لازم مقدر لا يتعلق بنظر الإمام؛ فلا سبيل إلى العدول إلى غيره بعد سقوطه، والتعزير يتعلق أصله بنظر الإمام؛ فجاز ألا يؤثر فيه إسقاط غيره.
وسلك في "الحاوي" طريقا آخر، فقال: إذا عفا مستحق التعزير عنه، نظر: فإن كان [بعد الترافع] إلى الإمام لم يسقط حق الإمام عنه، وكان له أن ينفرد بتعزيره.
وإن كان العفو قبل الترافع، ففي سقوط حق الإمام عنه وجهان:
أحدهما – وهو قول الزبيري -: السقوط.
والأظهر: عدمه.
وبنى على ذلك فرعا، وهو أنه لو تشاتم والد مع ولده سقط حق التعزير الذي للابن على الأب، ولا يسقط التعزير الذي للأب على الابن، وللإمام تعزيرهما [معا].
فرع: إذا كان التعزير المشروع لا ينجع في كف الجاني عن المعصية، فقد قال الإمام: إن الزوجة إن كان لا يحصل تأديبها إلا بالضرب المبرح وعلم ذلك، فلا يجوز الضرب المبرح ولا غيره؛ فإنه عري عن الفائدة.
قال الرافعي: والذي أطلقه الإمام يقتضي أن يكون ذكر الزوج جاريا على
طريق المثال، وسائر المعزرين في معناه، ويجوز أن يبنى الأمر في حق
الإمام على أن أصل التعزير هل هو ولجب عليه؟ فإن أوجبناه التحق بالحد،
стр. 8637
وحينئذ فيشبه أن يقال: تضرب ضربا غير مبرح؛ إقامة لصورة الواجب، وإن [لم يفد] التأديب.
تنبيه: في قول الشيخ: على حسب ما يراه السلطان، ما يعرفك أن متوليه السلطان، كما صرح به الأصحاب، وهذا في حق الأحرار إن لم يسم ضرب الزوج زوجته، والمعلم الصبي، والوالد الولد: تعزيرا، وإن سميناه فنستثنيهم [من هذا الإطلاق]، وقد حكيت في باب عشرة النساء وجها حكاه الغزالي ثم: أن للزوج أم يستوفي التعزير المختص بحق الله -تعالى- وحقه في غير النشوز، ولم يحكه ها هنا.
وأما العبيد فالسادة يتولون التعزير المتعلق بحقهم، وهل يتولون التعزير المتعلق بمحض حق الله تعالى؟ فيه خلاف حكاه الغزالي وغيره، وقد سبق في باب حد الزنى، والصحيح: أنهم يتولونه أيضا.
فائدة – نختم بها هذا الباب؛ لتعلقها بحديث ذكرناه فيه؛ وهو قوله ﷺ : "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود"-:
قال الشافعي – ﵁: ذوو الهيئات الذين تقال عثراتهم هم الذين لا يعرفون بالشر، فتترك لأحدهم الزلة.
و [حكى الماوردي فيهم وجهين [آخرين]:
أحدهما: أنهم أصحاب الصغائر دون الكبائر].
والثاني: أنهم الذين إذا ألموا بالذنب ندموا عليه وتابوا منه.
قال: وفي عثراتهم ها هنا وجهان:
أحدهما: صغائر الذنوب التي لا توجب الحدود.
والثاني: أو للمعصية زل فيها مطيع.
والله أعلم بالصواب.
стр. 8638
كفاية النبيه
شرح التنبيه
الجزء الثامن عشر
المحتوى:
تتمة كتاب الحدود- كتاب الأقضية
стр. 8639
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب أدب السلطان
السلطان: يؤنث, ويذكر, لغتان مشهورتان ولم يذكر ابن السكيت سوى التأنيث، وقد ذكرنا ذلك في الفرائض.
وهو مشتق من السلاطة، وهي النجدة والقهر.
وقيل من السليط نوهو الزيت لأنه يستضاء به في دفع الظلم، وتخليص الحقوق. والمراد به هاهنا: الإمام الأعظم القائم بالخلافة النبوية في حراسة الدين وسياسة الدنيا.
وقد اختلف في جواز تسميته: خليفة الله:
فجوزه بعضهم لقيامه بحقوقه في خلقه، ولقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾] الأنعام:١٦٥ [.
وامتنع جمهور العلماء من جواز ذلك، ونسبوا قائله إلى التجوز، وقالوا: إنما يستخلف من يغيب، والله -تعالى- لا يغيب ولا يموت، وقد قيل لأبي بكر الصديق -﵁ يا خليفة الله، ولكني خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 8640
ولا شك في أن الإمامة رياسة تامة ورعاية عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا، كام عليه حرمنا متضمناً: حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الجنف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين، وهذه جمل يأتي تفصيلها.
قال: الإمامة فرض على الكفاية، لإجماع من أشرق عليه الشمس شارقة وغاربة، واتفاق مذاهب العلماء قاطبة.
وقد رأى أصحاب رسول الله ﷺ البدار إلى نصب الإمام، وتركوا بسببه التشاغل بتجهيز رسول الله- ﷺ ، مخافة أن يتغشاهم هاجمة، والمعنى فيه: أن هلو ترك الناس فوضى لا يجمعهم على الحق جامع، ولا يزعهم وازع، لا يردعهم عن اتباع خطوات الشيطان رادع، مع تعين الأذى وتفرق الأهواء- لهلك [الأنام]، وتوثب الطغاة والعوام، ونشبت الخصومات، واستحوذ على أهل الدين ذوو الغرامات.
وقد أشار الله – ﵎ إلى ذلك في الكتاب المبين بقوله- تعالى- وهو اصدق القائلين: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١].
وقد حكي عن عبد الرحمن بن كيسان وكذا الأصم: أن هلا يجب نصب إمام، ويجوز ترك الناس أخيافا، يلتطمون أسلافاً وأخلافاً. وهو مسبوق بالإجماع.
قال الإمام: وهذا الرجل – يعني: ابن كيسان- هجوم على [شق العصا]، ومقابلة الحقوق بالعقوق، ولا يسمى إلا عند الانسلال عن ربقة الإجماع.
لكن هل وجب ماذكرناه بالعقل [أو الشرع] فيه خلاف حكاه الماوردي، واستدل للأول بقول الأفوه الأودي وهو جاهلي:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا
стр. 8641
وقد نسب الإمام هذا إلى شرذمة من الروافض، والقاضي في كتاب الجنايات إلى طائفة المتكلمين.
والذي عليه جماهير الأمة: مقابله، وقد استدل له بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، ففرض علينا طاعة أولي الأمر فيناوهم الأئمة [المتأمِّرون علينا]، وقد روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "سبيلكم بعدي [ولاة]، فيليكم البَرّ بِبِرِّه، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق، فإن أحسنوا فلكم [ولهم]،وإن أساؤوا فلكم وعليهم.
فرع: إذا قام من فيه الكفاية بالإمامة سقط الفرض عن الباقين، وإن عرضت على [أكثرهم و] اكملهم فلم يقبلها لم يجبر [عليها]، لأنها عقد مراضاة واختيار لا يدخله الإكراه والإجبار، ويعدل عنه إلى من سواه من مستحقيها، كذا قاله الماوردي وغيره.
فإن امتنعوا ولم يقم بها أحد، قال الماوردي: خرج من الناس فريقان:
أحدهما: أهل الاختيار حت يختاروا إماما للأمة.
والثاني: أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم.
وليس على من عدا هذين الفرقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج ولا مأثم.
стр. 8642
قال: فإن لم يكن من يصلح إلا واحد تعين عليه أي: الدخول فيها لأن هذا شأن فروض الكفايات، ويلزمه طلبها، أي: عن لم تعرض عليه ليبرئ ذمته من فرضه.
قال: فإن امتنع أجبر عليها، لأنه عليه حق لا يقوم به غيره، فكان كالعبادة المتعينة.
قلت وقد يعرتض على هذا، فيقال، من شرط الإمام العدالة، وامتناعه فسق في هذه الحالة، فكيف يجبر؟ وجوابه: أن يقال: لعل الكلام مفروض فيما إذا كان الممتنع يرى عدم التعين، ورآه أهل الحل والعقد، او راى هو أيضا ذلك، لكن لا نسلم أن مجرد الامتناع من ذلك يفسق به، كما ذكرنا في ولاية النكاح، والله أعلم.
ووجه انعقادها بالطريق الأولى: أن أبا بكر – ﵁ قال في وصيته: أما بعد، فقد استخلفت عليكم عمر ابن الخطاب، فإن عدل وبرّ فذاك ظني به، وإن غيّر وبدّل فالخير أردت، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى. فأثبت الناس كلهم إمامته بعهده.
ثم كيفية ذلك – كما قال في ((التهذيب)):ان يجعله خليفة في حياته، ثم يخلفه بعد موته. وهذا اخذه من قول القاضي الحسين في ((تعليقه)). فإذا استخلف الإمام واحداً في مرضه، خلفه] بعد موته فيما كان يتولاه، لأنه لما خلفه [في حال العجز الأوهى، فلأن يخلفه في حالة العجز الأبدي أولى. وقالا: إنه لو أوصى له بالإمامة من بعده، ففيه وجهان؛ لأنه بالموت يخرج عن الولاية، فلا تصح منه لغيره تولية.
قال الرافعي: ولك أن تقول: هذا التوجيه يشكل بكل وصاية، ثم ما ذكره – يعني البغوي –منجعله خليفة في] حالة [حياته، إما أن يريد] به [استنابته، فلا يكون هذا عهدا إليه [بالإمامة، أو يريد جعله إماما في الحال، فهذا]:إما خلع
стр. 8643
النفس أو اجتماع إمامين في وقت واحد، وكل منهما لا يجوز، [او يريد] أنه يقول: جعلته خليفة [أو إماما] بعد موتي، فهذا هو معنى الوصية، ولا فرق بينهما.
قلت: وكلام القاضي الذي حكيته يدل على إرادة المعنى الأول، وما قاله الرافعي من [أن] هذا لا يكون ععهدا بالإمامة، يجوز أن يمنع، وعلى كل حال فلابد من قبول من عهد إليه، وفي وقت قبوله خلاف: فمنهم من قال: يدخل بموت المولّى، كما في الوصيةووجهه الإمام بأن المولّى صاحب العهد لا يملك أحاكم الرعية والإمامة، ولا يستقل بالإنابة والسياية، مادام المولي المعاهد حيا، فلا معنى للقبول في حال الحياة.
وصار صائرون إلى دخول وقته بعهد المولي [إلى موته]، وقال الماوردي: إنه الأصح، لتنتقل الإمامةعنه إلى المولى مستقرة بالقبول المتقدم.
قال الإمام: وعلى [الخلاف] المذكور يتخرج خلع المولى، فعلى الأول يجوز المعاهد عزله، وعلى الثاني يمتنع من غير سبب يقتضيه.
وقد جزم المتولي بالجواز مطلقاً، موجها [ذلك] بأن الخلافة لم تنتقل إليه، فلا يخشى منتبديله فساد ولا فتنة.
وجزم الماوردي بالمنع مطلقا [من غير سبب]، وهو ما رآه الإمام أظهر، وجعل الأمر شورى بعده بين اثنينفصاعدا إلى عدد محصور، كالاستخلاف، إلا [أن] المستخلف غير متعين، فيتشاورون ويتفقون على أحدهم، جعل عمر –﵁ الأمر شورى في ستة، فقال: هذا الأمر إلى علي وبإزائه الزبير، وإلى عثمان وبإزائه عبد الرحمن بن عوف، وإلى طلحة وبإزائه أبو عبيدة بن الجارح، فلما خلوا للشورى بعد موت عمر، قال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة، فقال الزبير: جعلت امري إلى [علة، وقال طلحة: جعلت أمري إلى عثمان، وقال أبو عبيدة: جعلت أمري إلى] عبد
стр. 8644
الرحمن، [فقال عبد الرحم]: أيكم يبرأ من هذا الأمر ويجعله إليه؟ فلم يجبه أحد، فقال: أتجعلوها إلي وأخرج [منها] نفسي، والله شهيد، فقالا: نعم، فقال: قد فعلت.
ثم بعد ذلك بايع عثمان، واتفقوا عليه. فلو امتنع أهل الشورى من الاختيار لم يجبروا عليه، [وكأنه] ماجعل الأمر إليهم، وهذا هو المشهور.
[و] في ((البحر)) في كتاب الوصية: أن بعض أصحابنا، قال: يعتبر [في] تولية الإمام إماما رضا أهل الحل والعقد، ورضاهم: أن يعلموا به فلا ينكروه، كما علمت الصحابة في استخلاف عمر، وإن على هذا لو استخلف من لم يعلم به أهل الحل والعقد لم تنعقد إمامته. وقد حكاه في الإشراف – أيضاً- وحكاه الماوردي ((في الأحكام)) عن بعض علماء أهل البصرة.
والإمام في ((الغياثي)) نسب الخلاف إلى رواية بعض المصنفين، ورجح الأول، وقال: إنه الذي يجب القطع به، وعلى هذا: فلا فرق [بين] أن يكون المولى ولد المولي، أو والده، أو أجنبيا كما اختاره [الإمام].
стр. 8645
وقيل: لا يجوز التفويض للوالد والولد كالتزكية والحكم لهما.
وقيل: يجوز للوالد دون الولد، لأن الميل إليه أشد. ولهذا الفصل فروع [نذكرها في] آخر الباب، إن شاء الله تعالى.
ووجه الانعقاد بالطريق [الثاني]، وهو إجماع جماعة على التولية، كما ذكرنا -: أن إمامة أبي بكر- ﵁ هكذا ثبتت.
ثم المراد بأهل الاجتهاد: المستجمعون لشرائط الفتوى، لأن من جملة صفات الإمام: أن يكون مجتهدا مفتيا، ولا يحيط المجتهد المفتي [بالأمثلة].
وعن القاضي أبي بكر بن الباقلاني في عُصب من المحققين: أنه لا يشترط ذلك، بل بكفي أن يكون ذا عقل وكيس وفضل، ويهدي إلى عظائم الأمور، وبصيرة متقدة بمن يصلح للإمامة، ولم يشترط استجماع الإمام له من الصفات، لأنه قد تمهد في قواعد الشعر [؟ الشرع] أنا نكتفي في كل مقام بما يليق به من العلم: فيكفي في المقوم العلم بالأشعار والدربة التامة مع الكيس في صفات المقومات، ويقع الاجتزاء في القسام بمعرفة الحساب والمساحة وكيفية تعديل السهام، ويراعى في الخارص ما يقتضيه حاله، وفي الحكمين المنعوتين إلى الزوجين: أن يكونا عالمين بحقوق النكاح، وتفطنهما لعادات التعاشر، وإحاطتهما بما يدق. وهذا ما أورده الماوردي، وإن كان بغير هذا اللفظ مع اعتبار العدالة، وقال الإمام: إنه أقرب إلى التحقيق، واختار لنفسه مسلكا سنذكره، والذي اورده القاضي الحسين: انا إن اكتفينا في هذا العقد بواحد - كما سنذكره- فلا بد وأن يكون صالحا للإمامة، وإن لم نكتف به فلابد وأن يكون في الجماعة واحد صالح لها.
وما المراد بالجماعة التي تنعقد بهم الإمامة؟ اختلف فيه:
فقيل: هم جمهور أهل الحل والعقد من كل بلد، ليكون الرضا به عاما.
فقال الماوردي: وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر ﵁ على الخلافة
стр. 8646
[باختيار] من حضرها، ولم ينتظر في التصرف من غاب عنها.
وقيل: هم [أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس، ولا يشترط اتفاق] أهل الحل والعقد في سائر البلاد والأصقاع، بل إذا وصل الخبر إلى اهل البلاد البعيدة فعليهم الموافقة والمتابعة، قال القاضي الحسين وهذا كما قلنا في الأجماع في الأحكام المجتهدات: ((لا تنعقد إلا باجتماع أهل الحل والعقد [عليه]، يعني: معظمهم إذا لم يتصور اجتماعهم، لتفاحش ما بينهم من التباعد، وهذا أصح عند البغوي والرافعي، وقال تفريعا عليه: إنه لا يتعين فيه عدد بل يعلق الحل والعقد بواحد مطاع كفت بيعته لانعقاد الإمامة، وهذا سنذكره عن الإمام.
ثم قد يفهم من هذا القول اختصاص أهل البلد الذي توفى فيه الإمام بذلك، وليس كذلك كما صرح الماوردي، لكن العرف اقتضاه، لسبق علمهم بموت الأول.
وقيل: هم أربعون، لأن عقد الإمامة أعظم ضررا من عقد الجمعة، وهذا العدد معتبر في الجمعة، ففي البيعة أولى.
قال الغمام: وهذا قول من لا يعد من احزاب الأصوليين.
وحكى القاضي الحسين [على] هذا القول وجهين في أن الذي ذكرناه اعتبار شرائط الإمام فيه، هل يعتبر وراء الأربعين أم يكون من جملة الأربعين- كالوجهين في الإمام في الجمعة، وحكاهما البغوي أيضا.
وقيل: هم خمسة: ولا تنعقد بما دونهم، لأمرين:
أحدهما: أن أبا بكر انعقدت إمامته بخمسة: عمر وأبي عبيدة بن الجراح وأسيد بن حصين وبشير بن سعد وسالم مولى أبي حذيفة.
والثاني: ان عمر جعل الشورى [في ستة]، لتعقد لأحدهم برضا الخمسة، قال
стр. 8647
الماوردي وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من اهل البصرة.
وقيل: هم أربعة لأنهم اكمل نصاب الشهادات.
وقيل: هم ثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين، ليكون حاكما وشاهدين، كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين، وهذا قول آخرين من علماء الكوفة.
قال بعضهم: وعلى هذا يدل كلام الشيخ، لأنه أقل ما ينطلق عليه اسم الجماعة، وفيه نظر، لأن أقل الجماعة اثنان، كما قاله الشيخ في باب صلاة الجماعة، ونطق به النبي -.نعم، كلامه بهذا الاعتبار يوافق قول من ادعى أن الإمامة تنعقد باثنين.
وقيل [: إنها] تنعقد بواحد، لأن العباس قال لعليّ: امدد يدك أبايعك، فيقول الناس: عم رسول الله - ربايع ابن عمه، فلا يختلف عليك اثنان. وهذا ما حكاه العمراني في ((الزوائد)) عن القاضي في كتاب الجنايات، وقد حكاه الماوردي مع قول من قال: إنها تنعقد بثلاثة كما تقدم، فحينئذ يرجع حاصل القولين إلى ان الإشهاد عند عقد الواحد هل هو شرط ام ال؟ [وقد حكي عن ((البيان)) حكاية وجهين في أن حضور شاهدين هذا العقد، هل هو شرط ام لا؟].
وقال الإمام إن الأئمة [كما] اختلفوا في عدد العاقد اضطربوا في اشتراط حضور الشهود، فرأى بعضهم: أن الإمامة تنعقد سرا بعقد من هو من أهل الحل والعقد، وزيف القاضي هذا المذهب، وتناهى مبالغا في الرد على معتقده، وسلك مسلك القطع فيما زعم، وقال: إن عمر لو استخلى بالبيعة لأبي بكر لما استقرت الإمامة، وأن على هذا قد اختلف الصائرون إليه، فاكتفى بعضهم بحضور شاهدين كعقد النكاح، وقال القاضي: لا يكتفى بهما بل يشترط حضور قوم يحصل بحضورهم الإشاعة والنشر والإذاعة.
وحكى العمراني عن القاضي انه قال: إذا اعتبرنا شاهدين، فعندي انه يشترط عدالتهما ظاهرا وباطنا، بخلاف النكاح، لأن في اعتبار العدالة الباطنة في النكاح
стр. 8648
مشقة لأنه يعقده آحاد الناس فلو كلفناهم ذلك شق عليهم.
وقد حكى الإمام قول من قال: غنها تنعقد بواحد -أيضا- وقال: إن القاضي أبا بكر ارتضاه، وهو المنقول عن شيخنا أبي الحسن، وإنه أقرب إلى المذاهب، ووجهه بأن الغجماع ليس شرطا في هذا العقد إجماعا، ثم لم يثبت توقيف في عدد مخصوص، وليس بعض الأعداد اولى من بعض، فزم المصير إلى الاكتفاء بالواحد، لأن العقود في الشرع يتولاها عاقد واحد، وكلام القاضي يشير إلى أن هذا مقطوع به، ولست اراه بالغا مبلغ القطع، فإن أبا بكر – ﵁ لما بايعه عمر – ﵁ – لو ثار ثائرون وأبدو اصفحة الخلاف، ولم يرضوا تلك البيعة – لما كنت أجد متعلقا في أن الإمامة كانت تستقل ببيعة واحد، وكذلك لو فرضت بيعة اثنين أو أربعة فصاعدا، وقدرت ثوران مخالفين لما وجدت متمسكا به اكتراث واحتفال في قاعدة الأمة، ولكن لما بايع عمر تبايعت الأيدي، واصطفت الأكف، واتسعت الطاعة، وانعقدت الجماعة، فالوجه عندي في ذلك: أن يعتبر في البيعة حصول مبلغ من الأتباع والأنصار والأشياع يحصل بهم شوكة ظاهرة وبيعة قاهرة، بحيث لو فرض ثوران خلاف لما غلب على الظن أن يصطلم اتباع الإمام، فإذ ذاك تثبت الإمامة وتستقر، ومما يدل على ذلك اتفاق العلماء قاطبة على أن رجلا من أهل الحل والعقد لو استخلى بمن يصلح للإمامة، وعقد له البيعة، لم تثبتالإمامة غلا ان يكون الواحد مطاعا في قومه كثير الأتباع [بحيث يفيد أتباعه ما ذكرناه.
قال: ولأجل هذا لم أر أن يكون العاقد للإمامة] مجتهدا، [ولكني أشترط] ان يكون المبايع ممن يفيد مبايعته مُنّة واقتهارا، ووجه امتناع انعقاد الإمامة بغير الطريقين المذكورين:
التمسك بالأصل في عدم وجود ما يصلح دليلا له، وقد اتبع
стр. 8649
الشيخ – فيما ذكرناه – صاحب ((الحاوي)) في الأحكام، فإنه هكذا حصر الانعقاد بالأمرين، وتبعهما في ذلك صاحب ((المرشد)) أيضا.
وقد قال غيرهم: إنه ينعقد بأمر آخر وهو القهر والشوكة، فإذا اجتمع في شخص شرائطها، وكانت له شوكة، ولم يكن ثمّ إمام، فقهر الناس وحملهم على طاعته – انعقدت له الإمامة كإمامة معاوية، وعلى ذلك جرى القاضي الحسين [والرافعي]، وأشار ابن يونس إلى خلاف فيه، حيث قال: انعقدت له الإمامة عل ىلصحيح من المذهب [، وللإمام تلويح إليه مع تفصيل فيه]. نعم، الخلاف المشهور [في] انعقادها له إذا كان فاسقا أو جاهلا، والظاهر: الانعقاد – أيضا – وإن كان عاصيا بما فعله، والفرق بين انعقاد الإمامة بهذا الطريق وبين انعقادها بأحد الطريقين السابقين: أنه لو تغلب متغلب على هذا الذي انعقدت إمامته بالتغلب، انعقدت إمامة الثاني، وانعزل الأول بلا خلاف، بخلاف من انعقدت إمامته بأحد الطريقين السابقين كما سنذكره.
وقد حكى الماوردي عن بعض فقهاء العراق والمتكلمين ثبوت الإمامة لمن تعينت عليه من غير عقد اقد، وتحمل الامة طاعته، لأن مقصود الاختيار تميز المُولّى وهذا متميز، وقد اختار الإمام هذا.
قال: ولا يجوز أن ينعقد لاثنين في وقت واحد، أي: في بلدين وإن تباعدتا وانتشر الإسلام حتى عم الأرض [شرقها وغربها]، كما قاله القاضي الحسين، وجهه: أن الأصل في الإمامة نبوة النبي ﷺ ، ولا يجوز التمسك بشريعة غير شريعته لمن بلغته الدعوة، فكذلك لا يجوز لأحد أن يطيع إمامين، ولأن في تعدد الأئمة اختلال أمور المسلمين، وافتراق الكلمة، لأنه قلما يتفق رأي شخصين، فلم يجز أكثر من إمام واحد، لتكون كلمة الإسلام مجتمعة. وتخالف جواز تولية قاضيين في بلد واحد على الشيوع على أحد الوجهين – كما سنذكره – فإن الإمام وراء القضاة، فإن فرض تنازع
стр. 8650
وتمانع بين واليين كان وراء المسلمين مرجوع إليه، وأما الإمامة فهي الغاية القصوى، وليس بعدها مرجوع إليه ومتبوع، فاستحال نصب إمامين نافذي الحكم عموما، وهذا جزم به القاضي الحسين.
وحكى الماوردي عن قوم [شذوا: أنهم يجوزون] ذلك في مثل هذه الحالة، وحكي عن أبي القاسم الصيرمي أنه حكى ذلك في الغنية عن الأستاذ أبي اسحاق، لانه في أحد الإقليمين ما يحتاج إلى نظر الإمام، ويفوت المقصود بسبب البعد، قال الرافعي [وغيره]: وينسب هذا إلى اختيار الإمام، وصرح به ابن يونس عنه، وقال , إنه خطأ، لأنه مسبوق بالإجماع على أنه لا يجوز.
وفي ((الإشراف)): أن الأستاذ أبا اسحاق جوز ذلك في حالة واحدة، كالقضاء والبنوة: ولم يخص ذلك بحالة التباعد.
والذي حكاه الإمام في ((الغياثي)) في حالة اتساع الخطة ووقوع قوم من الناس نبذة من الدنيا، بحيث لا ينتهي إليهم نظر الإمام، وتولج خط من بلاد الكفر بين خطة الإسلام – أن صائرين صاروا إلى نصب إمام في القطر الذي لا يبلغه اثر نظر الامام وعزى المهذب الى شيخنا ابي الحسن والاستاذ ابي اسحاق الاسفراييني وغيرهما واتبع هؤلاء مصلحة الخلق
ثم قال وانا اقول ان سبق عقد الامامة لصالح لها وكنا نراه عند العقد مستقلا بالنظر في جميع الاقطار ثم ظهر مايمنع من اثبات نظره – فلا وجه لترك الذين [لا] يبلغهم امر الامام مهملين ولكنهم ينصبون اميرا يرجعون اليه ولايكون دلك المنصوب اماما. ولو زالت الموانع واستمكن الامام من النظر [اليهم] اذعن الامير والرعاية للامام فان راى تقرير الامير فعل وان راى تغيره فرايه متبع. وان لم يتقدم امام وخلا الدهر عن امام في زمن فترة وانفصل شطر من الخطة عن شطر وعسر نصب امام واحد يشمل رايه البلاد والعباد فنصب في احد
следующие страницы →