Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.
стр. 8646
[باختيار] من حضرها، ولم ينتظر في التصرف من غاب عنها.
وقيل: هم [أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس، ولا يشترط اتفاق] أهل الحل والعقد في سائر البلاد والأصقاع، بل إذا وصل الخبر إلى اهل البلاد البعيدة فعليهم الموافقة والمتابعة، قال القاضي الحسين وهذا كما قلنا في الأجماع في الأحكام المجتهدات: ((لا تنعقد إلا باجتماع أهل الحل والعقد [عليه]، يعني: معظمهم إذا لم يتصور اجتماعهم، لتفاحش ما بينهم من التباعد، وهذا أصح عند البغوي والرافعي، وقال تفريعا عليه: إنه لا يتعين فيه عدد بل يعلق الحل والعقد بواحد مطاع كفت بيعته لانعقاد الإمامة، وهذا سنذكره عن الإمام.
ثم قد يفهم من هذا القول اختصاص أهل البلد الذي توفى فيه الإمام بذلك، وليس كذلك كما صرح الماوردي، لكن العرف اقتضاه، لسبق علمهم بموت الأول.
وقيل: هم أربعون، لأن عقد الإمامة أعظم ضررا من عقد الجمعة، وهذا العدد معتبر في الجمعة، ففي البيعة أولى.
قال الغمام: وهذا قول من لا يعد من احزاب الأصوليين.
وحكى القاضي الحسين [على] هذا القول وجهين في أن الذي ذكرناه اعتبار شرائط الإمام فيه، هل يعتبر وراء الأربعين أم يكون من جملة الأربعين- كالوجهين في الإمام في الجمعة، وحكاهما البغوي أيضا.
وقيل: هم خمسة: ولا تنعقد بما دونهم، لأمرين:
أحدهما: أن أبا بكر انعقدت إمامته بخمسة: عمر وأبي عبيدة بن الجراح وأسيد بن حصين وبشير بن سعد وسالم مولى أبي حذيفة.
والثاني: ان عمر جعل الشورى [في ستة]، لتعقد لأحدهم برضا الخمسة، قال
стр. 8647
الماوردي وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من اهل البصرة.
وقيل: هم أربعة لأنهم اكمل نصاب الشهادات.
وقيل: هم ثلاثة يتولاها أحدهم برضا الاثنين، ليكون حاكما وشاهدين، كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين، وهذا قول آخرين من علماء الكوفة.
قال بعضهم: وعلى هذا يدل كلام الشيخ، لأنه أقل ما ينطلق عليه اسم الجماعة، وفيه نظر، لأن أقل الجماعة اثنان، كما قاله الشيخ في باب صلاة الجماعة، ونطق به النبي -.نعم، كلامه بهذا الاعتبار يوافق قول من ادعى أن الإمامة تنعقد باثنين.
وقيل [: إنها] تنعقد بواحد، لأن العباس قال لعليّ: امدد يدك أبايعك، فيقول الناس: عم رسول الله - ربايع ابن عمه، فلا يختلف عليك اثنان. وهذا ما حكاه العمراني في ((الزوائد)) عن القاضي في كتاب الجنايات، وقد حكاه الماوردي مع قول من قال: إنها تنعقد بثلاثة كما تقدم، فحينئذ يرجع حاصل القولين إلى ان الإشهاد عند عقد الواحد هل هو شرط ام ال؟ [وقد حكي عن ((البيان)) حكاية وجهين في أن حضور شاهدين هذا العقد، هل هو شرط ام لا؟].
وقال الإمام إن الأئمة [كما] اختلفوا في عدد العاقد اضطربوا في اشتراط حضور الشهود، فرأى بعضهم: أن الإمامة تنعقد سرا بعقد من هو من أهل الحل والعقد، وزيف القاضي هذا المذهب، وتناهى مبالغا في الرد على معتقده، وسلك مسلك القطع فيما زعم، وقال: إن عمر لو استخلى بالبيعة لأبي بكر لما استقرت الإمامة، وأن على هذا قد اختلف الصائرون إليه، فاكتفى بعضهم بحضور شاهدين كعقد النكاح، وقال القاضي: لا يكتفى بهما بل يشترط حضور قوم يحصل بحضورهم الإشاعة والنشر والإذاعة.
وحكى العمراني عن القاضي انه قال: إذا اعتبرنا شاهدين، فعندي انه يشترط عدالتهما ظاهرا وباطنا، بخلاف النكاح، لأن في اعتبار العدالة الباطنة في النكاح
стр. 8648
مشقة لأنه يعقده آحاد الناس فلو كلفناهم ذلك شق عليهم.
وقد حكى الإمام قول من قال: غنها تنعقد بواحد -أيضا- وقال: إن القاضي أبا بكر ارتضاه، وهو المنقول عن شيخنا أبي الحسن، وإنه أقرب إلى المذاهب، ووجهه بأن الغجماع ليس شرطا في هذا العقد إجماعا، ثم لم يثبت توقيف في عدد مخصوص، وليس بعض الأعداد اولى من بعض، فزم المصير إلى الاكتفاء بالواحد، لأن العقود في الشرع يتولاها عاقد واحد، وكلام القاضي يشير إلى أن هذا مقطوع به، ولست اراه بالغا مبلغ القطع، فإن أبا بكر – ﵁ لما بايعه عمر – ﵁ – لو ثار ثائرون وأبدو اصفحة الخلاف، ولم يرضوا تلك البيعة – لما كنت أجد متعلقا في أن الإمامة كانت تستقل ببيعة واحد، وكذلك لو فرضت بيعة اثنين أو أربعة فصاعدا، وقدرت ثوران مخالفين لما وجدت متمسكا به اكتراث واحتفال في قاعدة الأمة، ولكن لما بايع عمر تبايعت الأيدي، واصطفت الأكف، واتسعت الطاعة، وانعقدت الجماعة، فالوجه عندي في ذلك: أن يعتبر في البيعة حصول مبلغ من الأتباع والأنصار والأشياع يحصل بهم شوكة ظاهرة وبيعة قاهرة، بحيث لو فرض ثوران خلاف لما غلب على الظن أن يصطلم اتباع الإمام، فإذ ذاك تثبت الإمامة وتستقر، ومما يدل على ذلك اتفاق العلماء قاطبة على أن رجلا من أهل الحل والعقد لو استخلى بمن يصلح للإمامة، وعقد له البيعة، لم تثبتالإمامة غلا ان يكون الواحد مطاعا في قومه كثير الأتباع [بحيث يفيد أتباعه ما ذكرناه.
قال: ولأجل هذا لم أر أن يكون العاقد للإمامة] مجتهدا، [ولكني أشترط] ان يكون المبايع ممن يفيد مبايعته مُنّة واقتهارا، ووجه امتناع انعقاد الإمامة بغير الطريقين المذكورين:
التمسك بالأصل في عدم وجود ما يصلح دليلا له، وقد اتبع
стр. 8649
الشيخ – فيما ذكرناه – صاحب ((الحاوي)) في الأحكام، فإنه هكذا حصر الانعقاد بالأمرين، وتبعهما في ذلك صاحب ((المرشد)) أيضا.
وقد قال غيرهم: إنه ينعقد بأمر آخر وهو القهر والشوكة، فإذا اجتمع في شخص شرائطها، وكانت له شوكة، ولم يكن ثمّ إمام، فقهر الناس وحملهم على طاعته – انعقدت له الإمامة كإمامة معاوية، وعلى ذلك جرى القاضي الحسين [والرافعي]، وأشار ابن يونس إلى خلاف فيه، حيث قال: انعقدت له الإمامة عل ىلصحيح من المذهب [، وللإمام تلويح إليه مع تفصيل فيه]. نعم، الخلاف المشهور [في] انعقادها له إذا كان فاسقا أو جاهلا، والظاهر: الانعقاد – أيضا – وإن كان عاصيا بما فعله، والفرق بين انعقاد الإمامة بهذا الطريق وبين انعقادها بأحد الطريقين السابقين: أنه لو تغلب متغلب على هذا الذي انعقدت إمامته بالتغلب، انعقدت إمامة الثاني، وانعزل الأول بلا خلاف، بخلاف من انعقدت إمامته بأحد الطريقين السابقين كما سنذكره.
وقد حكى الماوردي عن بعض فقهاء العراق والمتكلمين ثبوت الإمامة لمن تعينت عليه من غير عقد اقد، وتحمل الامة طاعته، لأن مقصود الاختيار تميز المُولّى وهذا متميز، وقد اختار الإمام هذا.
قال: ولا يجوز أن ينعقد لاثنين في وقت واحد، أي: في بلدين وإن تباعدتا وانتشر الإسلام حتى عم الأرض [شرقها وغربها]، كما قاله القاضي الحسين، وجهه: أن الأصل في الإمامة نبوة النبي ﷺ ، ولا يجوز التمسك بشريعة غير شريعته لمن بلغته الدعوة، فكذلك لا يجوز لأحد أن يطيع إمامين، ولأن في تعدد الأئمة اختلال أمور المسلمين، وافتراق الكلمة، لأنه قلما يتفق رأي شخصين، فلم يجز أكثر من إمام واحد، لتكون كلمة الإسلام مجتمعة. وتخالف جواز تولية قاضيين في بلد واحد على الشيوع على أحد الوجهين – كما سنذكره – فإن الإمام وراء القضاة، فإن فرض تنازع
стр. 8650
وتمانع بين واليين كان وراء المسلمين مرجوع إليه، وأما الإمامة فهي الغاية القصوى، وليس بعدها مرجوع إليه ومتبوع، فاستحال نصب إمامين نافذي الحكم عموما، وهذا جزم به القاضي الحسين.
وحكى الماوردي عن قوم [شذوا: أنهم يجوزون] ذلك في مثل هذه الحالة، وحكي عن أبي القاسم الصيرمي أنه حكى ذلك في الغنية عن الأستاذ أبي اسحاق، لانه في أحد الإقليمين ما يحتاج إلى نظر الإمام، ويفوت المقصود بسبب البعد، قال الرافعي [وغيره]: وينسب هذا إلى اختيار الإمام، وصرح به ابن يونس عنه، وقال , إنه خطأ، لأنه مسبوق بالإجماع على أنه لا يجوز.
وفي ((الإشراف)): أن الأستاذ أبا اسحاق جوز ذلك في حالة واحدة، كالقضاء والبنوة: ولم يخص ذلك بحالة التباعد.
والذي حكاه الإمام في ((الغياثي)) في حالة اتساع الخطة ووقوع قوم من الناس نبذة من الدنيا، بحيث لا ينتهي إليهم نظر الإمام، وتولج خط من بلاد الكفر بين خطة الإسلام – أن صائرين صاروا إلى نصب إمام في القطر الذي لا يبلغه اثر نظر الامام وعزى المهذب الى شيخنا ابي الحسن والاستاذ ابي اسحاق الاسفراييني وغيرهما واتبع هؤلاء مصلحة الخلق
ثم قال وانا اقول ان سبق عقد الامامة لصالح لها وكنا نراه عند العقد مستقلا بالنظر في جميع الاقطار ثم ظهر مايمنع من اثبات نظره – فلا وجه لترك الذين [لا] يبلغهم امر الامام مهملين ولكنهم ينصبون اميرا يرجعون اليه ولايكون دلك المنصوب اماما. ولو زالت الموانع واستمكن الامام من النظر [اليهم] اذعن الامير والرعاية للامام فان راى تقرير الامير فعل وان راى تغيره فرايه متبع. وان لم يتقدم امام وخلا الدهر عن امام في زمن فترة وانفصل شطر من الخطة عن شطر وعسر نصب امام واحد يشمل رايه البلاد والعباد فنصب في احد
стр. 8651
الشطرين في هذه الصورة أمير، وفي الأخرى أمير ولم يوقع العقد لواحد على العموم – فالحق المتبع في ذلك: أن واحدا منهما ليس إماما ولست أنكر تجويز نصبهما على حسب الحاجة ونفوذ أمرهما على موجب الشرع، ولكنه زمان خال عن أمام، ثم ان اتفق نصب إمام فحق على الأميرين أن يستسلما له، ليحكم عليهما بما يراه صلاحا.
قال: فإن عقد لاثنين فالإمام هو الأول، لما روى [أبو هريرة] أن النبي ﷺ : ((فوا بيعة الأول فالأول، وأعطو حقه فإن الله - تعالى – سائلهم مااسترعاهم)) وروى أبو سعيد الخدري، قال: قال ﷺ : ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما))، ال القاضي الحسين: وروي ((فأقيلوا)) بالياء.
والمعنى – كما قال الخطابي –:لاتطيعوه، ولا تقبلوا له قولا، فيكون كمن مات او قتل، [وقيل:] المعنى أنه [إن] أصر ولم يبايع الأول، فهو باغ فيقاتل، ولأن المعقود عليه لا يقبل غير عقد واحد، فصح الأول وبطل الثاني كمافي النكاح.
وحكى الماوردي عن طائفة أنهم قالوا: الإمام هو الذي عقدت له الإمامة في البلد الذي مات فيه من تقدمه، وعن آخرين: أنه يجب على كل واحد [منهما] أن يدفع الإمامة عن نفسه، ويسلمها لصاحبه، طلبا للسلامة، ليختار أهل الحل والعقد غيرهما وعن آخرين: أنه يقرع بينهما، والصحيح الذي عليه الفقهاء المحققون الأول.
قال: وإن عقد لهما معاً، أو لم يعلم السابق منهما- استؤنفت التولية، إذ لا مزية لأحدهما على الآخر، وهذا ما حكاه الإمام في ((الغياثي))، ووافقهما في حالة وقوعهما معاً غيرهما، وفي هذه الحالة يجوز العقد لاحدهما ولغيرهما وفي الحالة
стр. 8652
الأخرى – وافقهما – القاضي في كتاب الجبايا كما حكاه في ((الزوائد)).
وقال الماوردي: إنه يوقف الأمر إلى أن ينكشف الحال، ولا مدخل للقرعة فيه، لأن الإمامة عقد، والقرعة لا مدخل فيها في العقود، ولأن الإمامة لا يجوز الاشتراك فيها، والقرعة لا مدخل فيها في العقود، والقرعة لا مدخل لها فيما لا يصح الاشتراك فيه، كالمناكح، ولا يسمع فيها دعوى أحدهما على الآخر [أنه السابق]، فلا يكون ليمينه ولا لنكوله حكم، وكذا لو قطعا التنازع فيها وسلمها أحدهما إلى الآخر لم تستقر إمامته إلا ببينة تشهد بتقدمه، ولو أقر أحدهما بالتقدم [للآخر خرج منها المقر ولم تستقر للآخر. نعم، لو شهد له بالتقدم] مع شاهد آخر سمعت شهادته إن ذكر اشتباه الأمر عليه عند التنازع، ولم يسمع منه إن لم يذكر الاشتباه، لما في القولين من التكاذب.
ثم إذا طالت مدة الاشتباه، ولم يكن الانتظار – قال الماوردي: بطلت البيعتان وتستأنف بيعة لأحدهما.
وفي جواز العدول إلى غيرهما خلاف، ووجه المنع: أن البيعة قد صرفت الإمامة عن عداهما.
ولو امكن وقوع البيعتين معا، وتقدهما أحدهما، وأشكل – قال الرافعي: [فليكن] كما ذكرنا في الجمعتين والنكاحين.
وفي ((الزوائد)):أنا نحكم ببطلانهما.
ولو علم السابق ثم نسي، قال القاضي في كتاب الجبايا: فإن جوزنا انكشافه في مدة يوم أو يومين أو ئلاثة، جاز الانتظار، اقتداء بوصية عمر –﵁ في الشورى، وإن لم نرح ذلك استؤنفت.
قلت: وينبغي أن [مدة الانظار في المسألة] السابقة هكذا.
قال: وينبغي أن يكون الإمام ذكرا، لأن المرأة لا تلي الإمامة الخاصة بالرجال، فكيف الإمامة العامة التي تقتضي البروز وعدم التخدر الذي المرأة مأمورة بخلافه،
стр. 8653
وقد روى أبو بكرة – ﵁-عن رسول الله - أنه قال: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)).
قال الإمام: ومن جوز من العلماء تصدي المرأة للقضاء [فيما يجوز أن تكون شاهدة فيه احال انتصاب المراة للإمامة فإن القضاء] قد يثبت مختصا، والإمامة يستحيل في وضع الشرع ثبوتها على الاختصاص.
والخنثى المشكل –في هذا المقام- في معنى المرأة.
قال: حرا، لأن حجر الرق إذا نافى الولايات الخاصة، فلأن ينافي [الولايات العامو] أولى، ولأن العبد لا يُهاب ولا يكاد يتفرغ.
قال: بالغا عاقلا، لأن الصبي والمجنون إذا لم يصلحا للنظر في أمر انفسهما فكيف بك في أمر غيرهما، وهذا متفق عليه، ومجموع لفظ هذين الوصفين لفظ ((التكليف)).
قال: عدلاً، أي: ليس بفاسق، وقد يعبر عن هذا الوصف بالورع والتقوى والأمانة كما فعله الإمام، ووجهه أن الفاسق لا يوثق به في شهادة على فلس، فكيف يولى أمور المسلمين كافة؟!
قال الإمام في ((الغياثي)): والأب لافاسق مع فرط إشفاقه وحنوه على ولده، لا يعتمد في مال ولده، فكيف يؤتمن في الإمامة العظمى فاسق لا يتقي الله؟!
وقد جمع الماوردي ماذكرناه في قوله: أن يكون متصفا بالعدالة على شروطها الجامعة.
стр. 8654
قال: عالماً بالأحكام. أراد بهذا أن يكون مجتهدا لا مقلدا، لأن معظم أمور الدين تتعلق بالأئمة، فلو لم يكن الإمام مستقلا بعلم الشريعة لاحتاج إلى مراجعة العلماء في تفاصيل الوقائع، وذلك يخرجه عن رتبة الاستقلال، ويفوت من الأمور العظام والخطوب الجسام ما لا يتناهى ولا يخطر بالبال.
وقد يفهم من كلام القاضي الحسين: أن ذلك ليس بشرط، حيث قال: لو اجتمع عالم فاسق وعدل جاهل، فالعدل الجاهل أولى، لأنه يمكنه حفظ الإمامة.
ثم ما يعرض له من الحوادث التي يحتاج فيها إلى الاجتهاد يفوضها إلى مجتهد من العلماء يكفيه ذلك، ويستشير العلماء، فما وقع الاتفاق عليه يعمل [به ويمضي] الحكم فيها بنفسه، بوليس] كذلك، فإن هذا مفروض -كما ذكره الإمام عند فقد من يوجد من اهل الاجتهاج.
ثم في هذا الوصف ما يغني عن ذكر الإسلام وإن كان معتبرا، كما صرح به غيره.
وقال بعض الشارحين: إن الشيخ لم يذكره، لأن الاجتهاد في الأحكام الشرعية لا يتصور من كافر.
قال: كافيا لما يتولاه من أمور الرعية وأعباء الأمة، لتوقف المقصود منه على ذلك.
والأعباء- بفتح الهمزة والعين [المهملة، وبالمد-: الأحمال والأثقال، واحدها: عبء، كحمل وأحمال]، وزنا ومعنى.
وقد أدرج الشيخ في هذا الوصف أوصافا صرح بها غيره:
منها: أن يكون ذا رأي صحيح مفض إلى سياسة الرعية، وتدبير المصالح، إذ الغرض من الإمام جمع شتات الرأي، فإنه لا ينتظم مع تفرقه تدبير، ولا يستتب من إنالة الملك قليل ولا كثير.
стр. 8655
الرأي قبل شجاعة الشجعان .... ... .... ....
ومنها أن يكون شجاعا ليغزو بنفسه، ويعالج الجيوش، ويقوى على فتح الحصون، ويدفع الأعداء، فالجبانة تفضي إلى اصطلام الحوزة واستئصال البيضة.
ومنها: أن يكون سميعاً بصيراً ناطقاً، ليتأتى منه فصل الأمور ومباشرة ما يدرك بها.
قال المتولي: ولا يشترط سلامة سائر الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض.
وقد عدَ الماوردي سلامة الأعضاء من نقص يمنع ذلك شرطاً من جملة الشروط، وحكى خلافا في فقد شيء يحصل به قبح وشين، ولم يؤثر في عمل ولا نهضة: كجدع الأنف، وسمل إحدى العينين، وجزم في ((البحر)) [في كتاب الأقضية] بمنع ولاية الأعور، مع جزمه بصحة توليته القضاء.
قال الإمام: وقد يمكن رد هذه الصفات- يعني المذكورة من الأول إلى هنا- إلى شيء واحد وهو الاستقلال، فإنه يدخل تحته الكفاية والعلم والورع والتكليف والحرية، وكذا الذكورة، فإن المرأة مأمورة بأن تلزم خدرها، ومعظم أحكام الإمام تستدعي الظهور والبروز، فلا تستقل المرأة إذا.
قال: وأن يكون من قريش، لورود لورود النص فيه، وانعقاد الإجماع عليه.
قال الماوردي: ولا اعتبار بصيانة، فجوزها في جميع الناس، لأن أبا بكر احتج يوم السقيفة على الأنصار في دفعهم عن الخلافة، لما بايعوا سعدا بن عبادة عليها، يقول النبي ﷺ : "الأَئِمَّةُ مِن قُرَيشٍ"، فأقلعوا [عن التفرد بها، ورجعوا] عن المشاركة فيها حين قالوا: منا أمير [ومنكم أمير،] تسليماً لروايته، وتصديقاً لخبره،
стр. 8656
ورضوا بقوله: نحن الأمراء وأنتم الوزراء.
وقال ﷺ : "قدموا قريشاً ولا تقدموها".
وقد استدل الإمام لذلك مع الخبر- بأن الماضين ما زالوا لاهجين باختصاص هذا المنصب بقريشن ولم يتشوف أحد قط من غير قريش إلى الإمامة على تمادي الأيام وتطاول الأزمان، مع العلم بأن ذلك لو كان ممكناً لطلبه ذوو النجدة والبأس، ولما اشرأب لهذا المنصب المارقون في فسقطاط مصر اعتزوا أولاً إلى الشجرة النبوية على الافتراء، وبذلوا خزائن الأموال للكذابين النسابين، حتى ألحقوهم بصميم النسب. ثم قال: ولسنا نعقل احتياج الإمامة في وضعها إلى النسب، ولكن خص الله - تعالى - هذا المرتب العلي السني بأهل بيت النبي ﷺ وكان ذلك من فضل الله يؤتي من يشاء.
وقد نسب بعضهم إلى الإمام احتمالاً في عدم اعتبار كونهم من قريش، والذي وقفت عليه من كلامه ما ذكرته.
والقاضي الحسين، قال: الشرط في الإمامة أن يكون من قرابة رسول الله ﷺ ، ثم من كان أقرب إلى رسول الله ﷺ كثيرًا، كان أولى بالإمامة؛ فالهاشمي أولى، فإن لم يوجد أحد من بني هاشم صالحاً [لها] فمن قريش، وهذا يكاد يرد عليه الإجماع؛ فإن أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ لم يكونوا من بني هاشم وبني المطلب، وعليّ من بني هاشم، وقد قُدِّموا عليه.
ثم هل يراعى مع وجود الأوصاف المعتبرة الأكمل أو لا؟ [ولا] شك في أن الأكمل أولى، لكن لو بويع المفضول، فهل تنعقد إمامته؟ فيه خلاف حكاه الإمام في كتاب الأقضية:
الذي أورده الماوردي: أنه إن كان ذلك لعذر دعا إليه من كون الأفضل غائبًا أو مريضاً، أو كون المفضول أطوع في الناس وأقرب إلى القلوب- انعقدت، وإن بويع لغير عذر، فقد اختلف [في] الانعقاد.
стр. 8657
والذي عليه الأكثرون من الفقهاء والمتكلمين: الانعقاد؛ لأن زيادة الفضل مبالغة في الاختيار، وليست معتبرة في شروط الاستحقاق.
ولا خلاف في أنه لو لم تتفق الكلمة إلا عليه، في الجواز؛ لتنحسم مادة الفتنة، وكذا لو نشأ من هو أفضل من الإمام المنصوب [لم يعزل المنصوب] به.
ثم الأكمل عند الاستواء في الشرائط: الأسنُّ. ولو كان أحدهما أعلم والآخر أشجع، قال الماوردي: روعي ما يوجبه حكم الوقت: فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى كان الأشجع أحق، وإن كانت الحاجة إلى [فضل العلم] أدعى؛ لسكون الدهماء وظهور أهل البدع؛ كان الأعلم أحق.
قال: فإن اختل شرط من ذلك لم تصح توليته؛ لقيام الأدلة على اعتبارها، وهذا ما [اقتضاه كلام] الماوردي – أيضاً- وظاهره: أنه لا فرق [في ذلك] بين أن يكون المفقود النسب أو غيره.
وقد حكى القاضي الحسين وجهاً: أنها إذا عقدت لفاسق انعقدت؛ لأنهم لم فوضوا الأمر إليه وعقدوا له الإمامة رأوه أهلاً [لها]، ونظرًا للمسلمين فيها، فلم يُرَدّ اجتهادهم، وحكم بالانعقاد. وفيه – أيضاً-: أنا إذا عدمنا قرشيًّا بالصفات المذكورة، عدلنا إلى كنانة؛ لقوله ﵇: "إن الله- ﵎ اصطفى من العرب كنانة، ومن كنانة ريشاً، ومن قريش بني هاشم، فأنا [خِيَارٌ] من خِيارٍ إلى خيارٍ"، أو لفظ هذا معناه.
فإن لم يوجد واحد منهم فمن جرهم، وهم الذين ربوا إسماعيل – ﵇ بمكة، وتزوج منهم كما قاله غيره، وتعلم اللسان منهم [، وأولاده منهم].
وقال غيره: إنه إذا لم [يوجد كنان] فرجل من ولد إسماعيل، فإن لم يكن
стр. 8658
فمن جرهم، فإن لم يوجد فرجل من نسل إسحاق- ﵇ وهذا ما أورده المتولي.
[وفي] "التهذيب": أنه إذا لم يوجد [أحد] من ولد إسماعيل تولى رجل من العرب.
قال الرافعي: ولك أن تقول: قريش ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، وكما قالوا: إذا لم يوجد قريشي ولي كناني، فهلا قالوا: إذا لم يوجد كناني ولي مخزومي، وهكذا تترقى إلى أب بعد أب حتى تنتهي إلى إسماعيل، ﵇!
قلت: هذا [هو] الذي اقتضاه كلام القاضي، حيث قال: [أولاً: الشرط أن يكون قرابة رسول الله ﷺ [ثم] من كان أقرب] إلى رسول الله ﷺ كثيراً كان أولى بالإمامة، ولاشك أن أولاد خزيمة أقرب إليه كثيراً من أولاد إسماعيل وجرهم، وحينئذ فيكون ما ذكروه تمثيلاً ليقاس عليه لا ليقتصر الحكم عليه. لكن على كلام القاضي ما ذكرته أولاً.
وقد أطلق الإمام القول: بأنا إذا عدمنا قرشيّاً متصفاً بالصفات المذكورة، نصبنا من وجدناه عالماً كافياً ورعاً، وكان إماما ينفذ الأحكام على الخاص والعام. نعم، قد ذكرنا أن القرشي لو ولي، ثم حدث بعده من هو أفضل منه، وراعينا الأفضل- لا نخلعه لوجود الفاضل. ولو نصبنا ها هنا من ليس قرشيّاً للعدم، ثم نشأ في الزمان قرشي على الصفات المطلوبة: فإن عسر خلع من ليس بقرشي أقررناه، وإن لم يتعذر خلعه فالوجه عندي تسليم الأمر للقرشي؛ فإن هذا المنصب في حكم المستحق للمعتزين إلى شجرة النبوة، والذي قدمنا نصبه في [منزلة] المستناب عمن [يجمع بين] فضائل الأسباب وشرف الانتساب، فإذا تمكنا من رد الأمر إلى
стр. 8659
النصاب ابتدرناه بلا ارتياب.
وفي "الإشراف" للهروي أنه قيل: إن النسب شرط، وقيل: إنه من باب الترجيح، وهو الأصح، وفائدته: أنه إذا وجد القرشي والنبطي قدم على النبطي، وإن لم يوجد القرشي ولي النبطي، ومن قال: شرط، فلا يولي أحد.
قال: وإن زال شيء من ذلك بعد التولية بطلت ولايته؛ لفوات الحكمة المتعلقة بفوات ذلك الشرط، فعلى هذا: لو عاد إلى الصفة الأولى لم تعد ولايته إلا بتولية جديدة.
وقد حكى العمراني عن الجويني في بطلان ولايته بطرآن الفسق ثلاثة أوجه:
أحدها: ينعزل، وهو الصحيح، وتبعه ابن يونس في ذلك؛ لما ذكرناه، وقد نسب القاضي الحسين في باب قتال البغاة هذا المذهب إلى المعتزلة.
والثاني: لا ينعزل إلا بمباشرة العزل.
قال [الإمام] في أواخر باب الوصية: ولو قلت: إنه الظاهر؛ لكان مستقيماً، والسبب فيه: أن استمرار العصمة بعيد، والمصير إلى انخلاع الإمام بالفسق يجوز فقه الإمام بالإمامة والزعامة، وليس وراء الإمام ناظر؛ فالوجه: ألا يطلق القول بانعزاله؛ ولأجل ذلك جزم القاضي الحسين والرافعي في كتاب الأقضية بعدم انعزاله، وهو ما اقتضاه كلام الشيخ [وغيره] في باب قسم الصدقات، وعلى هذا فلا ينعزل ما لم يثبت عند الاستنابة، كما قاله الماوردي في باب الشهادة بالجناية.
وهذان الوجهان قد حكيناهما في باب ما يجب به القصاص من الجنايات عن ابن أبي هريرة.
والثالث: إن أمكن استنابته أو تقويم أوَدِهِ لم يخلع، وإن لم يمكن ذلك خلعناه.
والذي حكاه الإمام في "الغياثي" الوجهان الأولان، وأنه على الوجه الثاني يجب على أهل الحل والعقد خلعه، [ثم] قال: والذي يجب القطع به أن الفسق الصادر
стр. 8660
من الإمام لا يقطع نظره، ولا يجوز خلعه؛ لما في ذلك من المفاسد، ومن الممكن أن يتوب ويسترجع؛ وعلى هذا ينطبق قول المتولي: المذهب المشهور: أنه لا ينعزل بالفسق، ولا يكون موجباً لعزله؛ لأن ذلك مختلف في كونه موجباً للعزل، فإذا عزلناه به ثارت الفتنة.
ثم قال الإمام: وهذا كله في نوادر الفسوق، فأما إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة، ووضحت الخيانة- فلابد من استدراك هذا الأمر المتفاقم، فإن أمكن كف يده وتولية غيره بالصفات المعتبرة فالبدار البدار. وإن لم يمكن القبض على يده؛ لاستظهاره بالشوكة، إلا بإراقة دماء ومصادمة أحوال جمة الأهوال- فالوجه: أن يقاس ما [مدفوعون إليه مبتلون به بما يفرض] وقوعه في محاولة دفعه: فإن كان الواقع الناجز أكثر مما يتوقع، فيجب احتمال المتوقع، وإلا فلا يسوغ التشاغل بالدفع؛ بل يتعين الاستمرار على الأمر [الواقع] والابتهال إلى الله، .
والذي أورده الماوردي: أن الفسق إن كان بسبب إتباع شهواته فقد خرج بذلك عن الإمامة، ولا يعود إليها بالتوبة، وإن كان لأجل شبهة تعترض، فتأول بها خلاف الحق، فقد ذهب فريق إلى أن الحكم كذلك، وقال كثيرون [من] علماء البصرة: لا يخرج به منها، ويجوز أن تعقد له الإمامة ابتداء؛ كما لا يمنع ذلك من ولاية القضاء وجواز الشهادة.
وقال فيما إذا طرأ عليه خبل في عقله: إن كان عارضاً مرجو الزوال كالإغماء، فلا يخرج به عن الإمامة، وإن [كان] لازماً لا يرجى زواله كالجنون: فإن كان
стр. 8661
طبقاً دائماً بطلت الإمامة، وإن كان متخللاً: فإن كان زمان الإفاقة أقل فكذلك [الحكم]، وإن [كان] أكثر ففي منعه من استدامتها خلاف، مع أنه يمنع ابتداءها.
وهكذا الحكم فيما إذا طرأ عليه صمم أو خرس، في منعه الاستدامة خلاف، مع الجزم بمنعها ابتداء.
ورأى الإمام: أنه مانع للاستدامة أيضاً، ومنهم من قال: إن كان يحسن الكتابة لم يخرج بهما، وإن كان لا يحسنها خرج.
وكذا الخلاف فيما إذا طرأ فقد إحدى اليدين [أو الرجلين] في منع الاستدامة، وإن كان يمنع الدخول.
قال الإمام: والذي أراه: أن ما يمنع من فقد الأعضاء من الابتداء يمنع من الاستدامة، ولو طرأ عليه عشي العين- وهو ألا يبصر عند دخول الليل- فلا يمنع [من] الاستدامة؛ كما لا يمنع [من] الابتداء.
فرع: إذا أسر الإمام، وحُبس في المطامير، وبَعُدَ توقع خلاصه- قال الإمام: فلا نجد بُدّاً من نصب إمام نراه. وكذا لو سقطت طاعته، ورثَّتْ شوكته، ووهنت عدته، وذهبت منته، ونفرت منه القلوب من غير سبب فيه يقتضيه، ولم نجد لهذه الحالة مستدركاً- فالوجه: نصب إمام مطاع، وينزل هذا منزلة ما لو أسر الإمام وانقطع نظره عن الأنام وأهل الإسلام، ولم نصل إلى مظان الحاجات إثر رأي الإمام، ثم قال: ولابد في هذين الحالين من إنشاء الخلع.
والذي قاله الماوردي في حال الأسر: أنه يجب على كافة الأمة استنفاذه، فإن وقع الإياس منه: فإن كان في أسر المشركين خرج من الإمامة بالإياس من
стр. 8662
خلاصه، وإن كان مأسوراً مع بغاة المسلمين، فإن كانوا قد نصبُوا لأنفسهم إماماً، فالمأسور قد خرج من الإمامة؛ بالإياس من خلاصه، وعلى أهل العدل أن ينصبوا لأنفسهم إماماً، وإن لم ينصب أهل البغي لهم إماماً فالمأسور باق [على إمامته]، وعلى أهل [العدل أن يستنيبوا عنه ناظراً يخلفه إن [لم يقدر] على] الاستنابة، وإن قدر عليها كان أحق باختيار من يستنيبه منهم، فإن نخلع المأسور نفسه أو مات، لم يصر المستناب إماماً؛ لأنها نيابة عن موجود فزالت بفقده.
قال: والأفضل أن يكون شديداً من غير عنف، أي: غير بالغ في الشدة، ليناً من غير ضعف، أي: غير بالغ في اللين؛ لما روى إسحاق عن الزهري عن ابن عباس قال: قَالَ عُمَرُ- ﵁ لَمَّا ذُكِرَ أَمْرُ مَنْ يُعْهَدُ إِلَيْهِ، وَذكَرْتُ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُوْفٍ: نِعْمَ الرَّجُلُ ذَكَرْتَ، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ، إِنَّهُ وَاللهِ مَا يَصْلُحُ لِهَذَا الأَمْرِ يَابْنَ عَبَّاسٍ إِلَّا القَوِيُّ فِي غَيْرِ عُنْفٍ، اللَّيِّنُ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ، وَالمُمْسِكُ فِي غَيْرِ بُخْلٍ، وَالجَوَادُ فِي [غَيْرِ] إِسْرَافٍ.
والمعنى في ذلك: أنه إذا كان [فيه عنف] خافه الناس؛ فلا يتمكنون من رفع حوائجهم إليه، وإذا [كان] ضعيفاً مهيناً؛ انبسطت عليه الرعية ويجير بعضهم على بعض.
والعنف: بضم العين، على المشهور، وحكى القاضي عياض في "المشارق"، وصاحب "مطالع الأنوار": ضمها وفتحها وكسرها، ونقلاه عن الإمام أبي مروان بن سراج.
стр. 8663
قال: [ولا يحتجب] عن الرعية، [أي: لا يتخذ حاجباً؛] لما روى أبو داود عن أبي مريم الأزدي قال: دخلت على معاوية، فقال: ما [أنعمنا بك] أبا فلان- وهي كلمة تقولها العرب- فقلت: حديثاً سمعته أخبرك به: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ وَلَّاهُ اللهُ [شَيْئَاً] مِنْ أُمُوْرِ المُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ دُوْنَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ، احْتَجَبَ اللهُ عَنْهُ دُوْنَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ"، وأخرجه الترمذي.
وأصل الحجب: المنع.
قال: ولا يتخذ حاجباً ولا بواباً، أي: في وقت انتصابه لفصل الخصومات؛ لأنه لا يأمن أن يمنع من له ظلامة، [أو يرجح] بعض الناس على بعض؛ لرشاء يأخذها، [أو غيره.
ويروى] أنه استصعب الإذن على المغيرة بن شعبة في خلوة أرادها مع عمر- ﵁ فرشا حاجبه يرفأ حتى سهل [له] الإذن عليه، وكان يسأل الحاجب أن يجلسه في الدهليز إذا تعذر عليه الوصول؛ حتى يظن الناس أنه قد وصل؛ حتى يبدو له منزلة الاختصاص [بعمر- ﵁] فكان المغيرة أول من رشا، ويرفأ أول من ارتشى في الإسلام.
وقال في "المهذب" في باب ولاية القضاء: لا يكره للإمام أن يتخذ حاجباً؛ لأن يرفأ كان حاجب عمر، والحسن بن علي كان حاجب عثمان، وقنبر كان حاجب علي- ﵃ ولأن الإمام ينظر في جميع المصالح؛ فتدعوه الحاجة إلى
стр. 8664
أن يجعل لكل مصلحة وقتاً لا يدخل فيه كل أحد.
وفي "الحاوي" في الموضع المذكور: أنه يستحب للأئمة اتخاذ الحاجب؛ لأنه روي أنه اجتمع على باب عمر: أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو، وسلمان، وبلال، وصهيب، وجماعة من وجوه العرب، فأذن لسلمان وبلال وصهيب؛ فتمعر وجه أبي سفيان، فقال سهيل بن عمرو: يا أبا سفيان، إن هؤلاء قوم دعوا ودعيت فأجابوا وتأخرت، ولئن حسدتهم اليوم على باب عمر لأنت [غداً] أشد حسداً لهم على باب الجنة.
ولولا الحجاب لما تميز هؤلاء بالسابقة، ولا ترتب الناس بحسب فضائلهم وأقدارهم.
وتبع صاحب "المرشد" المصنف فيما قاله في باب ولاية القضاء، وقال في كتاب الإمامة ما ذكره الشيخ هنا.
وعلى [القول] الأول قال [الشيخ]: فإن اضطر إلى ذلك اتخذ أميناً سَلِساً، لا يكون جبَّاراً شرساً؛ للرفق بالرعية. وبقية أوصاف الحاجب تأتي في باب أدب القضاء.
والسلس- بفتح السين وكسر اللام-: السهل، وكل سهل سلس.
والجبار: المتكبر، والشرس: سيء الخلق.
أما نصب الحاجب في أوقات الخلوة ونحوها، فهذا مما لا نزاع في عدم كراهته في القاضي- كما سيأتي- فما ظنك بالإمام؟!
قال: ويستحب أن يشاور أهل العلم في الأحكام، أي: المختلف فيها، وأهل الرأي في النقض والإبرام؛ لقوله- تعالى- لنبيه ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، قال الحسن: إن كان لغنيّاً، [و] لكنه أراد أن يستن بذلك الحكام بعده، و [قد] قال ﷺ : "المُسْتَشِيرُ مُعَانٌ".
стр. 8665
وشاور ﵇ أصحابه في أسرى بدر، وشاور أهل المدينة يوم الخندق [في حفر الخندق] حتى اتفقوا عليه، وفي صلح الأحزاب على ثلث ثمار المدينة، فقالوا: إن كان الله- سبحانه- أمر بهذا فالسمع والطاعة، وإن كان غير ذلك فلا نطمعهم فينا؛ فإنهم في الجاهلية لم يكونوا ليصلوا إلى ثمره إلا بشراء أو قِرىً، فامتنعوا.
وشاور أبو بكر- ﵁ الصحابة في [أمر] الجدة أم الأم.
وشاورهم عمر- ﵁ في الجدة أم الأب، وفي دية الجنين، وفي التي أجهضت ما في بطنها.
وشاور عثمان في الأحكام.
وكان عليّ قليل المشاورة؛ فقيل: لأنه لم يبق في عصره عديل يشاوره، وقيل: لأنه قد كان شاهد استشارة قريبة فاكتفى بها.
ولم يختلف في أن رسول الله ﷺ كان يشاور في أمور الدنيا ومصالحها، وإنما اختلف [في] استشارته في الدين والأحكام:
فمن قال: إن رسول الله ﷺ لا يجتهد، بل [ما] يقوله عن وحي- قال: لم يشاور فيها.
ومن قال: كان له الاجتهاد، قال: إنه شاور فيها، واستدل لذلك بأنه شاور في علامة تكون لأوقات صلواتهم، وشاور أصحابه في حد الزاني والشارب، فقالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: "هن فواحش وفيهن عقوبات"، حتى أنزل الله فيهما ما أنزل.
قال: ويلزمه النظر في مصالح الرعية من أمر الصلاة [، أي:] المفروضة على الأعيان والكفايات، والمسنونة التي من الشعائر الظاهرة، وكذا تجميع الجماعات المفروضة في الجمع والمسنونة في غيرها، والإعلام بأوقاتها، ونحو ذلك.
стр. 8666
قال: والأئمة وأمر الصوم والأهلة، وأمر الحج والعمرة، وأمر القضاء والحسبة، وأمر الأجناد، أي: المرتبين في الحصون وغيرها، والإمرة [، أي:] على جباية الخراج والجهاد والحج والعمرة؛ كما فعله رسول الله ﷺ حين أمَّرَ أبا بكر على الحج بعد الفتح، وعلى البلاد ونحو ذلك؛ لأن الإمامة إنما وضعت لذلك.
قال: ولا يولي ذلك إلا ثقة مأموناً، عارفاً بما يتولاه، كافياً لما يتقلده من الأعمال؛ لقوله ﷺ : "مَنِ اسْتَرْعِي رَعِيَّةً فَلَمْ يُحِطْهَا بِنُصْحِهِ لَمْ يرحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ"، ولأن المقصود من التولية لا يحصل بدون [هذه الأوصاف].
قال: ولا يدع السؤال عن أخبارهم والبحث عن أحكامهم؛ خوفاً من حدوث ما لا يجوز منهم.
قال: وينظر في أموال الفيء والخراج والجزية، ويصرف ذلك للأهم فالأهم من المصالح: من سد الثغور، [أي:] وهي الحصون، بالعدد والرجال ونحوها، وأرزاق الأجناد، وسد البثوق، أي: وهي الثلم والفتح، واحدها: بثق- بفتح الباء وكسرها-[يقال]: بثق السيل موضع كذا، أي: خرقه، يبثقه بثقاً، وانبثق: انفجر، والبثوق: بموحدة، ثم مثلثة مضمومتين.
قال: وحفر الأنهار، وأرزاق القضاة والمؤذنين، وغير ذلك من المصالح، أي: كبناء المساجد والربط والقناطر، والصرف للمفتين والقسام والمتفقهين، وكل من يقوم بقاعدة من قواعد الدين يلهيه قيامه بها عما فيه سداده وقوامه، وكالصرف لمن تحمل حمالة، وأجرة السجان [والسجن] وكاتب القاضي وحاجبه ونائبه والأعوان له، وثمن القرطاس، وغير ذلك مما هو مذكور في موضعه.
стр. 8667
قال: وينظر في أموال الصدقات ومصارفها، كما سلف ذكره، ويتأمل أمر المرافق والمعادن ومن يقطعها. على ما ذكرناها في مواضعها.
وقد ذكرت في باب أحدها: إذا فضل من مال بيت المال شيء ماذا يصنع به؟ فليطلب منه.
وقد جعل الماوردي الأمور التي تلزم الإمام عشرة أشياء أكثرها مذكور في الكتاب، ولكنا نذكرها:
أحدها: حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن ظهر مبتدع، أو زاغ ذو شبهة عنه- أوضح له الحجة، وبين له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق.
والثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بين [المتنازعين؛ حتى تعم النصفة،] فلا يتعدى ظالم، ولا يضعف مظلوم.
والثالث: حماية البيضة، والذب عن الحريم؛ لينصرف الناس في المعاش، وينتشروا في الأسفار آمنين من تغرير بنفس أو مال.
والرابع: إقامة الحدود؛ لتصان محارم الله- تعالى- عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك.
والخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة.
والسادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة؛ ليقام بحق الله- تعالى- في إظهاره على الدين كله.
والسابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصّاً واجتهاداً من غير عسف.
والثامن: تقدير العطاء وما يستحق في بيت المال من غير سرف ولا تقصير، ودفعه في وقته لا تقديم فيه ولا تأخير.
[والتاسع]: استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء، فيما يفوضه إليهم في الأعمال، ويكله إليهم من الأموال.
والعاشر: أن يباشر بنفسه الأمور ويتصفح الأحوال؛ لتنهض بسياسته الأمة،
стр. 8668
وحراسته الملة، ولا يعتمد على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة؛ فقد يخون الأمين، ويغش الناصح، وهذا وإن كان مستحقّاً عليه بحكم الدين ومنصب الخلافة، فهو من حقوق السياسة لكل مسترعى.
قال: فإذا قام الإمام بما ذكرناه من حقوق الأمة، فقد أدى حق الله- سبحانه- فيما لهم وعليهم، ووجب له عليه حقان: الطاعة، والنصرة، ما لم يتغير حاله.
وقال الرافعي: إن ذلك [واجب]، سواء كان عادلاً أو جائراً؛ لما روي أنه ﵇ قال: "من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئاً من معاصي الله- تعالى- فليكره ما يأتي من معصية الله- تعالى- ولا ينزعن يده من طاعته".
ولا يجوز لأهل العقد والحل بعد عقد الإمامة حلها، إذا لم تخل عن شيء من صفات الأئمة باتفاق الأمة، كما قاله الإمام. نعم، لو أراد خلع نفسه فقد اضطربت مذاهب العلماء فيه: فمنعه بعضهم كما امتنع على العاقد [و] المسلمين، وهذا ما أورده صاحب "البيان" وغيره، وأجازه آخرون؛ لما صح تواتراً واستفاضة من [خلع] الحسن بن علي نفسه، ولم ينكره أحد، وفي "التتمة" حكاية المذهبين وجهين.
قال الإمام: والحق المتبع عندي: أن الإمام لو علم أنه لو خلع نفسه لاضطربت الأمور، وتزلزلت الثغور، وانجز إلى المسلمين ضرر لا قبل لهم به- فلا يجوز له ذلك، وإن علم أن خلعه نفسه [لا يضر بالمسلمين، بل يطفئ نائرة، ويحقن دماء المسلمين- فلا يمنع أن يخلع نفسه]، وهكذا كان خلع الحسن بن علي نفسه. ولو كان لا يؤثر خلعه نفسه في إلحاق ضرر ولا في تسكين نائرة، ولو خلع نفسه أقام آخر مقامه- فلست قاطعاً في ذلك جواباً، بل أرى القولين فيه متكافئين قريبي المأخذ، والأظهر عندي: أنه لو حاول استخلاء بنفسه واعتزالاً؛
стр. 8669
لطاعة الله- تعالى- لم يمنع.
وفي "تعليق" القاضي الحسين: [أنه] إذا خلع نفسه ينظر: فإن خلع إلى من لا يصلح للإمامة لم ينخلع عنها، وإن خلع إلى من هو أصلح منه أو مثله انخلع إليه، وإن خلع إلى من شك في حاله هل هو صالح للإمامة أم لا، حمل على أنه صالح لها؛ لأن الإمام لا يتصرف إلا على النظر للمسلمين، [فلما انخلع إليه رآه أهلاً لذلك].
وقال في "التهذيب": إذا خلع نفسه [ينظر. فإن كان لعذر من هرم أو على انعزل، ثم إن ولى غيره قبل أن يخلع نفسه] انعقدت الإمامة للثاني، وإن لم يول فالناس مجمعون على تولية غيره، وإن لم يظهر به عذر نظر: إن لم يول لا ينعزل، وكذلك إن ولى من هو دونه، وإن ولى من هو مثله أو فوقه ففي انعزاله وجهان. وقال: [إنا على] القول بانعزاله في هذه الصورة، إذا ولى من شككنا [فيه] أثبتنا ولايته.
فروع- تقدَّم الوعد بها-:
إذا عهد الإمام في الخلافة إلى غيره، قال الماوردي: فيتعين أن يكون المولى متصفاً بالشروط المذكورة من وقت العهد إليه، حتى لو كان صغيراً أو فاسقاً عند العهد، بالغاً عدلاً عند موت المولى- لم ينتصب إماماً بالعهد السابق.
قال الرافعي: وقد يتوقف في هذا.
وإذا عهد إلى غائب مجهول الحياة لم يصح عهده، وإن كان معلوم الحياة صح، فإن مات المستخلف وهو غائب بعد، استقدمه أهل الاختيار، فإن بعدت غيبته واستضر المسلمون بتأخير النظر في أمورهم- استناب أهل الاختيار نائباً عنه فيبايعونه بالنيابة دون الخلافة، وإذا قدُم الخليفة الغائب انعزل المستخلف، وكان نظره قبل قدومه [باقياً] ماضياً، وبعد قدومه مردوداً.
стр. 8670
وإذا خلع الخليفة نفسه كان كما لو مات؛ فتنتقل الخلافة إلى [من] ولي العهد.
قال الرافعي: ويجوز أن يفرق بين أن يقول: الخلافة بعد موتي لفلان، أو: بعد خلافتي.
ولو أراد ولي العهد أن ينقل ما إليه من ولاية العهد إلى غيره لم يجز؛ لأنه إنما يجوز له النظر وتثبت له الولاية بعد موت المولي.
وإنَّ وليّ العهد إذا استعفى لم يبطل عهده بالاستعفاء حتى يُعفى؛ للزومه من جهة المولِّي والمولَّى، ثم ينظر: فإن وجد غيره جاز استعفاؤه وإعفاؤه، وخرج من العهد باجتماعهما على الاستعفاء والإعفاء، وإن لم يوجد غيره لم يجز استعفاؤه ولا إعفاؤه، وكان العهد على لزومه في جهة المولِّي والمولَّى.
وإنه إذا عهد إلى اثنين أو أكثر على الترتيب، فقال: الخليفة بعد موتي فلان، وبعد موته فلان، [وبعد موته فلان]- جاز، وانتقلت الخلافة إليهم كما رتب؛ اقتداء برسول الله ﷺ [في] ترتيبه أمراء [جيش مؤتة]، وإنه لو مات الأول في حياة الخليفة فالخلافة بعده للثاني، ولو مات الأول والثاني في حياته؛ فالخليفة الثالث.
قال الرافعي: وقد يتوقف في هذا، ويقال: المفهوم من اللفظ جعل الثاني خليفة بعد خلافة الأول.
قلت: ويعضده ما حكاه الماوردي فيما إذا قال: وقفت على زيد، ثم من بعده على عمرو، ثم من بعده على خالد- أنه لا يصرف لخالد شيء إذا مات عمرو قبل زيد، كما ذكرناه في الوقف.
وإنه لو مات الخليفة والثلاثة أحياء، وانتهت الخلافة إلى الأول، فأراد أن يعهد بها إلى غير الآخرين- فمن الفقهاء من منع ذلك [؛حملاً] على مقتضى الترتيب، إلا أن يستنزل مستحقها عنها طوعاً.
стр. 8671
والظاهر من مذهب الشافعي وما عليه جمهور الفقهاء: جوازه؛ لأنه إذا انتهت الخلافة إليه صار أملك بها وبتفويضها إلى من يشاء، بخلاف ما إذا مات ولم يعهد [بها] إلى أحد ليس لأهل البيعة أن يبايعوا غير الثاني، ويقدم عهد الأول على اختيارهم. وهذا فيه نظر؛ لأنه قال بعد ذلك: لو قال الخليفة العاهد: قد عهدت إلى فلان، فإن مات بعد إفضاء الخلافة إليه فالخليفة بعده فلان- لم تصح خلافة الثاني، ولم ينعقد عهده بها؛ لأنه لم يعهد إليه في الحال، وإنما جعله ولي عهد بعد إفضاء الخلافة إلى الأول، وقد يموت قبل إفضائها إليه؛ فلا يكون عهد الثاني بها منبرماً؛ فلذلك بطل، وجاز للأول بعد إفضاء الخلافة إليه أن يعهد بها إلى غيره.
وإن مات [من غير] عهدٍ جاز لأهل الحل والعقد اختيار غيره، ويخالف هذا ما فعله رسول الله ﷺ في جيش مؤتة؛ لأنه كان رسول الله ﷺ [حيّاً] لم تنتقل أمورهم إلى غيره.
وإنه ليس لأهل الشورى أن يعينوا واحداً منهم في حياة الخليفة إلا أن يأذن لهم في ذلك، فإن خافوا انتشار الأمر بعده استأذنوه، فإن أذن فعلوا.
وإنه يجوز للخليفة أن ينص على من يختاره للخلافة بعده؛ كما يجوز له أن يعهد إلى غيره حتى لا يصح إلا اختيار من نص عليه؛ لأنه من حقوق خلافته.
***
стр. 8672
كتاب الأقضية
"الأقضية": جمع "قضاء"؛ كـ "عَطاء" و"أعطية"، و"قباء" و"أقبية".
والقضاء- بالمد-: الولاية المعروفة.
قال الأزهري: وهو في الأصل: إحكام الشيء والفراغ منه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤]، فيكون القضاء إمضاء الحكم على هذا.
وسُمِّي الحاكم حاكماً؛ لأنه يمضي الأحكام ويحكمها.
وقال الجوهري: إنه يقال: قضى، بمعنى: أنهى وفرغ. [ومنه- كما قال الرافعي- قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥]، أي: قتله وفرغ منه].
وسُمي قاضياً، أي: قاتلاً، وسمي القضاء على هذا [قضاء؛ لأن القاضي ينهي الأمر بالفصل، ويفرغ منه بالإمضاء.
ويقال]: قضى، بمعنى أوجب؛ ومنه قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فيجوز أن يكون سمي القاضي قاضياً؛ لإيجابه الحكم على من يجب عليه.
ويقال: بمعنى الإتمام؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، فالقاضي يتمم الأمر بحكمه.
ويقال: بمعنى "مات"، وبمعنى "أدى"، وبمعنى "قدر" و"صنع"؛ كقولهم: [قضى] الدرع؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢].
ويسمي القضاء حُكْماً؛ لما فيه من منع الظالم من الظلم، مأخوذاً من "الحكمة" التي توجب وضع الشيء في محله، أو من إحكام الشيء؛ ومنه: حكمة اللجام؛ لمنعها الدابة من ركوبها رأسها.
وقد قيل: إن الحكمة مأخوذة من هذا- أيضاً- لمنعها النفس من هواها، ويقال: حكمت وأحكمت السفيه، إذا أخذت على يده ومنعته.
стр. 8673
باب ولاية القضاء وأدب القاضي
قال: ولاية القضاء فرض؛ لقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]؛ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وفي أخرى ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] وفي أخرى ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧].
ولأن طباع البشر مجبولة على التظالم والتجاحد ومنع الحقوق وارتكاب متن العقوق، وقل من ينصف من نفسه، [والإمام لا يقدر على فصل كل الخصومات، وتحصيل كل [المطلوبات من القضايا] بنفسه]؛ فدعت الحاجة إلى إقامة من ينصف المظلومين من الظالمين؛ ولهذا قال ﷺ : "لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ وَزَعَةٍ".
قال: على الكفاية؛ لأن النبي ﷺ بَعَثَ عَلِيَّاً إِلَى اليَمَنِ قَاضِياً، وَاسْتَخْلَفَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيْدٍ عَلَى مَكَّةَ بَعْدَ الفَتْحِ وَالِياً وَقَاضِياً، وَقَلَّدَ مُعَاذاً قَضَاءَ بَعْضِ اليَمَنِ، وَقَلَّدَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ قَضَاءَ نَاجِيَةٍ، وَكَانَ يشبه بِجِبْرِيلَ، ﵇.
وكذلك الخلفاء الأربعة استخلفوا القضاة: فبعث أبو بكر أَنَساً إلى البحرين قاضياً، وبعث عمر أبا موسى الأشعري إلى البصرة قاضياً، وبعث عبد الله بن مسعود إلى الكوفة قاضياً، وعثمان قلد شريحاً القضاء، وعليَّ بعث عبد الله بن عباس إلى البصرة قاضياً وناظراً، فلو كان فرض عين لم يكف واحد.
стр. 8674
ولأن القضاء إما أمر بمعروف أو نهي عن منكر [أو هما،] وأيَّاماً كان فهو فرض على الكفاية، وقد ادعى الرافعي في ذلك الإجماع، ورأيت فيما وقفت عليه من "تعليق" القاضي أبي الطيب أنه يستحب للإمام أن ينصب القضاة في البلدان، ولم أره في غيره.
والمخاطب بهذا الفرض من تكاملت فيه شروط القضاء كما سنذكرها، ثم المعروف من فروض الكفاية [أنه] إذا قام به من فيه الكفاية سقط الفرض عن الذين خُوطبوا به على الكفاية، وأنهم إذا امتنعوا منه أثموا جميعاً، وهو مصرح به كذلك هنا. نعم، حكى في "المهذب" وغيره: أن الإمام هل له في هذه الحالة أن يجبر واحداً منهم على الدخول فيه؟ فيه وجهان، اختيار الرافعي وصاحب المرشد منهما: الإجبار، وصحح ابن أبي الدم المنع.
قال مجلي: وعلى هذا هل يتعين [عليه؟] فيه وجهان.
وحكى ابن الصباغ والبندنيجي أن الإمام لو عين شخصاً ابتداءاً للقضاء هل يتعين عليه؟ فيه وجهان من غير بناء على ما ذكره مجلي، مع أني لم أفهم معنى البناء.
وقد قال مجلي بعد حكاية الوجهين في التعيين: إن الغزالي قال هذا فيه إذا عينه من غير تخيير له، فإن كان قد خيره فلا معنى لإيجاب التقليد، وهو غير متعين، ولم يجزم الإمام بتعيينه، وما نسبه إلى الغزالي قد ذكره بعد حكايته عن العراقيين الوجهين.
قال: فإن لم يكن من يصلح إلا واحد تعين عليه، أي: القبول؛ لأن هذا شأن فروض الكفايات، ولا يدفع هذا التعين [عليه] خوفه على نفسه [الخيانة والميل، بل عليه القبول، وأن يجاهد نفسه]، ويلازم سمت التقوى، ويستحب أن يقول إذا دعي: سمعاً وطاعة.
قال: ويلزمه طلبه، أي: إن لم يعرض عليه؛ لأن به يخرج من واجبه.
стр. 8675
قال في "المهذب" وغيره: ولو احتاج في هذه الحالة في تحصيله إلى بذل مال وجب بذله، كما يلزمه في شراء الرقبة في الكفارة، والطعام في المجاعة.
وفي "الحاوي" ما يخالف ذلك؛ لأنه قال: يجب القبول، ولا يتعين عليه طلب القضاء؛ لأن فرض التقليد على المولِّي دون المولَّى.
قلت: ولعل هذا إذا علم به المولِّي، أما إذا لم يعلم فيجب عليه إعلامه، كما أطلقه البندنيجي وابن الصباغ وغيرهما، وقال الماوردي في آخر الفصل: إن بذل المال في هذه الحالة مستحب.
قال: فإن امتنع أجبر عليه، أي: على القبول مع عصيانه؛ لأن الناس مضطرون إلى علمه ونظره؛ فكان كصاحب الطعام إذا منعه من المضطر، وقد قدمت في باب أدب السلطان سؤالاً أورد مثله ها هنا الرافعي فليطلب جوابه من ثم، وهذا هو المشهور.
وفي "تعليق" القاضي [أبي الطيب] و"الرافعي" [حكاية] وجه: نه لا يجبر عند الامتناع؛ لما روى أنه ﷺ قال: "إنا لا نلزم على القضاء أحداً".
والأولون حملوا الحديث على حالة عدم التعين.
قال: فإن كان هناك غيره، أي: صالح لذلك كصلاحيته له، كره أن يتعرض له، أي: بالطلب؛ لما روى أبو داود عن بلال بن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ طَلَبَ القَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِلَ إِلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَمْ يَسْتَعِنْ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللهُ مَلَكاً يُسَدِّدُهُ"، وأخرجه الترمذي، وقال: إنه حسن غريب.
وروى مسلم والبخاري [وغيرهما] مختصراً ومطولاً عن عبد الرحمن بن
стр. 8676
سمرة، قال: قال رسول الله- ﷺ : "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيْتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ فِيْهَا إِلَى نَفْسِكَ، وَإِنْ أُعْطِيْتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا"، ولأن في القضاء من الخطر ما [لا] يحصر؛ قال ﵇: "مَنْ وَلِيَ القَضَاءَ فَقَدْ ذَبَحَ بِغَيْرِ سِكِّيْنٍ" خرجه أبو داود عن أبي هريرة، وقال الترمذي: إنه حسن غريب من هذا الوجه.
وقد قيل في معناه: إن من تصدر للقضاء فقد تعرض للذبح؛ لأنه يريد أن يحكم على الصديق والعدو والقريب والبعيد بحكم [واحد]؛ فليحذره.
وقيل: إنه بتوليته يصبر كالمذبوح؛ لأنه يحتاج إلى أن يميت شهوته ويكسر نفسه ويقهرها ويمنعها عن التبسط ومخالطة الناس.
وقوله: "بغير سكين"، قال الخطابي: يحتمل وجهين:
أحدهما: أن الذبح في ظاهر العرف وغالب العادة بالسكين، فعدل ﷺ عن
стр. 8677
ذلك؛ ليعلم أن المراد: ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه.
الثاني: أن الذبح الموحِي المريح للذبيحة إنما يكون بالسكين، فإذا كان بغير سكين كان خنقاً وتعذيباً؛ فضرب المثل؛ ليكون أبلغ في الحذر منه.
والأخبار المحذرة في هذا الباب كثيرة.
قال مجلي: قال بعض أصحابنا: وهذا إذا لم يستشعر من نفسه ميلاً. أما إذا استشعر فلا يجوز.
وقال في الوسيط: إن الأمر لا ينتهي إلى التحريم بمجرد الاستشعار.
قال: إلا أن يكون محتاجاً فلا يكره، أي: التعرض له؛ لطلب الكفاية، أو خاملاً، أي: غير مشهور بين الناس، فلا يكره؛ لنشر العلم.
وحكى ابن الصباغ عن بعض الأصحاب: أنه يستحب الطلب في هاتين الحالتين، وأنه يجوز بذل المال؛ لتحصيله، وقد وافق القاضي أبو الطيب هذا القائل في استحباب الطلب، وبه أجاب في "المهذب" و"التهذيب" في الحالة الثانية.
وحكى الزبيلي في "أدب القضاء" له عن بعض أصحابنا: أنه يستحب له طلب القضاء، ولم يقيده بحالة من الحالات، وحكاه مجلي- أيضاً- فيما إذا كان الرجل واثقاً بنفسه، وقال: إنه أقيس. ومثل الوثوق بالنفس بما إذا كان قد جربها بالولاية، وقد أبداه في "الوسيط" احتمالاً.
وعلى هذا الوجه ينطبق قول الأصحاب- كما حكاه مجلي وغيره-: إن تولي القضاء أهم من الجهاد؛ لأن الجهاد طلب الزيادة، والقضاء حفظ للحاصل وضبطه.
قال مجلي: وعنوا بذلك ما حصل من أحكام الشريعة؛ فإن ضبط أحكامها وحفظ نظامها من تطرق خلل ووقوع ذلك، أهم من ابتغاء سواه.
وهذا التعليل- كما قال [ابن] شداد في كتابه المترجم بـ "ملجأ الحكام عند التماس الأحكام"- يرشد إلى أن مرادهم الجهاد الذي أنشئ لاستزادة بلاد في خطة بلاد المسلمين، واستزادة أعداد من يقول بالإسلام، أما الجهاد الذي أنشئ لدفع
стр. 8678
العدو عن المسلمين بعد أن وطئ بلادهم فلا يكون القضاء أهم منه، بل ذلك أهم من القضاء، والمفسدة المتوقعة أعم، حتى لو فرض شخص تعين القضاء، وتعين لدفع الضرر عن الإسلام والمسلمين لكونه متبعاً مطاعاً- لكان اشتغاله بدفع العدو أولى بمقتضى هذه العلة.
وكذا قول الإمام وابن الصباغ وصاحب "الكافي" وغيرهم: إن القضاء من أعلى القربات، واستدلوا لذلك بما روي [أن] ابن مسعود قال: لأن أجلس فأقضي بين اثنين بحق واجب [أحب] إلي من عبادة سبعين سنة. واستأنسوا في ذلك بآيات وأخبار نذكر منها ما تيسر:
فمنها: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨]، قدم الله- تعالى- من يمتنع عن الإجابة إلى القضاء، ومدح من يجيب إليه [إذا دعي] بقوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية؛ فدل [ذلك] على علو قدره.
ومنها: ما روي أن النبي ﷺ قال: "لَيومٌ مِنْ إِمَامٍ عَادِلٍ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةٍ، وَحَدٌّ يُقَامُ فِي أَرْضِ اللهِ بِحَقِّهِ أَزْكَى مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ خَرِيفاً".
وقال ﵇: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ .. ".
стр. 8679
وقال ﷺ : "إِذَا جَلَسَ القَاضِي لِلحُكْمِ بَعَثَ اللهُ تَعَالَى [إِلَيْهِ] مَلَكَيْنِ يُسَدِّدَانِهِ: فَإِنْ عَدَلَ أَقَامَا، وَإِنْ جَارَ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ".
وروى أبو داود عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص [عن عمرو بن العاص] قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ وَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ"، فحدثت به أبا بكر بن حزم، فقال: هكذا حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة مطولاً ومختصراً.
قال القاضي أبو الطيب: وقوله ﷺ : "مَنْ جُعِلَ قَاضِياً، فَقَدْ ذُبحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ"،
стр. 8680
محمول على الخائن أو الجاهل؛ لما روى أبو داود عن أبي بردة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: "القُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: وَاحِدٌ فِي الجَنَّةِ، وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الحَقَّ فَجَارَ فِي الحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ"، وأخرجه الترمذي وابن ماجة.
وقال ابن الصباغ: الأحاديث المحذرة دالة على عظم قدره [وصعوبة أمره؛ حتى لا يقدم عليه من لا يجد من نفسه قوة في دينه] وبصيرة ثاقبة في علمه، وليجتهد في طلب الحق عادلاً عن الهوى والميل، وما جاء في حديث عبد الرحمن بن سمرة والذي قبله محمول على [من سأل] ذلك لمجرد الرياسة وطلباً للنيل، ومن استحبه فإنما يستحبه إذا قصد به القربة.
وقد بالغ الإمام في "الغياثي"، فقال: الذي أراه أن القيام بما هو من فروض الكفايات أحرى بإحراز الدرجات، وأعلى في فنون القربات من فرائض الأعيان المحتومات؛ فإن ما تعين على المتعبد المكلف لو تركه ولم يقابل أمر الشرع فيه بالارتسام اختص المأثم به، ولو أقامه فهو المثاب عليه، ولو فُرِضَ تعطيل فرض من فروض الكفايات لعم المأثم الكافة على اختلاف الرتب والدرجات، فالقائم به كافٍ نفسه وكافة المخاطبين الحرج والعقاب، وأمل أفضل الثواب، ولا يهون قدر
стр. 8681
من يحل محل المسلمين أجمعين في القيام بمهم من مهمات الدين.
وعكس هذا في التعالي ما حكى ابن كج عن بعض الأصحاب: أن القضاء مكروه؛ احتجاجاً بالأحاديث المحذرة، وعبر عنه الزبيلي بأن تركه أولى، أما إذا عرض عليه ذلك وقلنا بعدم تعينه عليه، فقد قال الغزالي: الأولى القبول.
ويمكن حمل ما حكيناه عن الأصحاب على هذه الحالة، وهو الأشبه، وقال البندنيجي وأبو الطيب في حالة عدم الحاجة والخمول: إنه لا يستحب له الدخول فيه، وفي حالتي [الحاجة أو الخمول: يستحب له الدخول.
وعبارة ابن الصباغ] وصاحب المرشد في حالة عدم الحاجة والخمول: الأولى عدم الدخول؛ ليتفرغ لتعليم العلم والفتوى، وعلى هذه الحالة يحمل امتناع ابن عمر- ﵄ عن القضاء حين دعاه عثمان، وفي حالة الحاجة أو الخمول الأولى الدخول، وحديث عبد الرحمن بن سمرة والذي ذكرناه قبله يدل لما حكاه الغزالي.
وسلك الماوردي في "الحاوي" طريقاً آخر فيما نحن فيه، فقال: للطلب خمسة أحوال: مستحب، ومحذور، ومباح، ومكروه، ومختلف فيه:
فالأول: إذا كانت الحقوق مضاعة بجور أو عجز، والأحكام فاسدة بجهل أو هوى، فيقصد بطلبه حفظ الحقوق وحراسة الأحكام؛ لأن المطلوب به أمر بمعروف ونهي عن منكر، وفي هذه الحالة يستحب له بذل المال؛ لتحصيله أيضاً.
والثاني: إذا قصد بطلبه انتقاماً من أعداء أو مكسباً بارتشاء؛ لأنه قصد به ما يأثم به، وبذل المال في هذه الحالة [لحصوله] محرم أيضاً.
والثالث: إذا قصد به استمداد رزقه من بيت المال، أو استدفاع الضرر به؛ لأن المقصود به مباح، والبذل في هذه الحالة إن كان بعد الولاية لم يحرم على الباذل، وإن كان قبله حرم عليه.
والرابع: إذا طلبه للمباهاة والاستعلاء به؛ لأن المقصود به مكروه؛ قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً﴾ [القصص: ٨٣]،
стр. 8682
وفي هذه الحالة بذل المال مكروه- أيضاً- والآخذ آثم في كل الأحوال.
وقد [حكى] عن ابن خيران [وابن القاص] وآخرين إطلاق القول بأن البذل محظور، وبأن قضاءه إذا ولي مردود، وحكى الماوردي عند الكلام في قبول الهدايا: أن الباذل إن كان مستغنياً عن الولاية حرم عليه البذل، وإن كان محتاجاً إليهالم يحرم.
والخامس: إذا طلبه رغبة في الولاية والنظر، فقد اختلف فيه أصحابنا والسلف قبلهم على ثلاثة مذاهب:
أحدها: يكره أن يكون له طالباً، ويكره أن يجيب إليه مطلوباً.
[والثاني: يستحب له أن يكون طالباً، وأن يجيب إليه مطلوباً].
[والثالث- قال: وهو أعدلها-: يكره أني كون طالباً، ويستحب أن يجيب إليه مطلوباً].
وإذا كان ثمن من هو أفضل منه، فالكلام في ذلك يبنى على صحة تولية القضاء للمفضول مع وجود الفاضل، [وفيه خلاف عند الأصوليين مرتب على الخلاف في انعقاد إمامة المفضول مع وجود الفاضل]، وأولى بالانعقاد، وهو الذي صححه الرافعي والغزالي، وحكاه الإمام عن الأكثرين، وقال: إنه المختار.
والفرق على هذا بين الإمامة، والقضاء: أن ما يحصل من نقض القاضي الإمام من وراء نظره فينجبر بنظر الإمام، وما فات من فضل الإمام لا جابر له.
وفرق الماوردي: بأن القضاء نيابة خاصة؛ فجاز أن يعمل فيها على اختيار المستنيب، والإمامة ولاية عامة؛ فلم يصح فيها تفريط أهل الاختيار؛ لافتياتهم على غيرهم، فإن قلنا بعدم الانعقاد كان طلبه حراماً، وكذلك القبول، ويحرم على الإمام التولية، وإن قلنا بالصحة: فإن امتنع الفاضل من القبول فهو كالمعدوم، وإن لم يمتنع فالقبول جائز إن ولي بغير مسألة، والأولى ألا يقبل.
стр. 8683
قال البغوي والغزالي: والطلب مكروه.
وعن القاضي الحسين: أن الطلب من الطالب حرام، ويكره للإمام أن يوليه القضاء، فإن ولاه انعقد، ويكره له التقليد إن أمكنه أن يتعلل.
قال الإمام: ودعواه تحريم الطلب [مع تصحيح نصب المفضول خطأ، وقد [قال:] يكره للإمام أن ينصبه، وحكم الطلب] يتلقى من حكم النصب، ولو كان الموجود في البلد دونه، فإن قلنا: لا تنعقد ولاية المفضول، فقد تعين، وحكمه سبق، وإن قلنا: تنعقد، كان الأولى له القبول؛ لتحصل بذلك المزية للمسلمين، وقيل: يجب إذا قلد من غير مسألة.
قال الرافعي: وهذا الخلاف قريب من الخلاف المذكور فيما إذا امتنع الكل، هل يجبر الإمام أحدهم؟ والأظهر هنا: عدم الوجوب؛ لأنه قد يقوم به غيره.
قلت: بل هو قريب من الخلاف الذي حكيته عن ابن الصباغ وغيره في أن الإمام إذا عين واحداً ابتداء للقضاء مع مساواته لغيره، هل يجب عليه عيناً؟ ويظهر أن يكون الأظهر ها هنا: الوجوب؛ لامتياز هذا بالفضل الذي [قيل: إنه] سبب التعيين.
وقد قال الماوردي: إذا تكاملت شروط القضاء في جماعة، وكان فيهم طالب للولاية وفيهم ممسك، فالأولى تقليد الممسك، فإن امتنع [لعذر لم يجبر، وإن امتنع] لغير عذر ففي جواز إجباره عليه وجهان، فإذا كان هذا لأجل فضل الامتناع فكيف بك [في] غيره؟!
والطلب جائز بل مستحب، قال الرافعي: [وحيث] استحببنا الطلب والتقليد أو أبحناهما، فذاك عند الوثوق وغلبة الظن بقوة النفس، وأما عند الاستشعار فينبغي أن يحذر؛ فإن أهم الغنائم حفظ السلامة.
وبالجملة: فالذي [كان] عليه الشافعي- ﵁ الامتناع من الدخول فيه، وكذا الصدر الأول من أصحابه، وكذا الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم؛
стр. 8684
[اقتفاء] لأثره، حكى القاضي أبو الطيب: أنه [روي أن] المأمون كتب إلى الشافعي يستدعيه؛ ليولِّيه القضاء في الشرق والغرب؛ فأبى، وجعا المزني في مرض موته، ونهاه عن توليه القضاء، وأظهر له كتاب المأمون، وقال: إني لم أظهره لأحد غيرك.
وحكي- أيضاً-: أن أبا القاسم الصيدلاني المقري حدثه، فقال: كنت أمشي [مع] أبي بباب الشام، فأراني دكاكين [مختمة]، فقال: أبصر هذا؛ حتى تحكي: هذا عقار أبي علي بن خيران، استدعاه ابن الفرات للقضاء؛ فهرب؛ فختم عقاره حتى يظهر.
وروي أن أبا علي بن خيران صاحب أبي العباس ابن سريج كان يعاتب ابن سريج على توليه القضاء، ويقول له: هذا الأمر لم يكن في أصحابنا، إنما كان في أصحاب أبي حنيفة، يعني: أبا يوسف وغيره، وأول من دعي بقاضي القضاة في الإسلام: أبو يوسف، حين ولاه المهدي، ثم أقره الرشيد.
وقد حكي: أن أبا حنيفة- ﵀ ممن امتنع من الدخول فيه، حكى القاضي أبو الطيب: أن المنصور استدعى سفيان الثوري وأبا حنيفة وشريكاً؛ فهرب سفيان من الطريق، فعرض على أبي حنيفة [القضاء] فامتنع، وقال: أنا لا أصلح له، وعرض على شريك فاعتذر بعلل، فأزاحها وقلده القضاء.
وروى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في "تاريخه الكبير" وغيره: أن المنصور طلب أبا حنيفة- ﵀ للقضاء، فأبى، فحلف المنصور ليفعلن، وحلف أبو حنيفة: إنه لا يفعل، فقال له الربيع: يحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت؟! فقال: أمير المؤمنين أقدر على كفارة يمينه منِّي، فحبسه المنصور أياماً، ثم أحضره، فقال [له] أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين أنا لا أصلح للقضاء، فإن كنت صادقاً فلا أصلح، وإن كنت كاذباً فلا أصلح؛ للكذب، فرده إلى الحبس، وضربه بالسياط،
стр. 8685
فلم يلِ، فأطلقه.
قال ابن أبي الدم: وهذه الرواية الصحيحة، وغلا فقد روي: أنه لما توعده إن لم يلِ، أجاب؛ فولاه قضاء الرصافة التي بناها المنصور لابنه المهدي، فقعد يومين لم يأته أحد، فلما كان اليوم الثالث حضره رجلان، فادعى أحدهما على الآخر [درهمين] أربعة دوانيق، فأنكره، فطلب يمينه، فقال له: قل: والله، فشرع في اليمين، فلما رأى إقدامه على اليمين دفع إليه ذلك [من ماله،] ثم مرض بعد يومين، ثم مات بعد ستة أيام، ﵀.
وروى الخطيب أبو بكر البغدادي: أن الشافعي- ﵁ ولي القضاء بنجران من بلاد اليمن يومين أو ثلاثة، ثم حمل إلى بغداد، والصحيح: أن أبا حنيفة والشافعي- ﵄ لم يلياه البتة.
فائدة- ضمنها تنبيه:
قال الرافعي: طرق الأصحاب متفقة في تعين الشخص للقضاء، وعدم تعينه [على النظر] إلى البلد والناحية لا غير.
قلت: وعليه ينطبق قول أبي الطيب: الذي يجب عليه أن يتولى القضاء رجل ذو علم وأمانة، وليس في البلد غيره؛ فإنه يجب عليه أن يتولى [قضاء] ذلك البلد.
وقول القاضي الحسين: فإن لم يكن في بلده من يصلح للقضاء، فلا يكره له طلب القضاء، بل يستحب، وإن قيل: يفترض عليه فرض عين، لم يبعد، وقول الإمام: وإن لم يكن في الناحية من يصلح غيره افترض عليه أن يتعرض.
[قال الرافعي]: وقضية ذلك ألا يجب على من يصلح للقضاء طلب القضاء ببلدة [أخرى لا صالح [له] فيها، ولا قبوله إذا ولي، وأنه يجوز أن
следующие страницы →