← Фикх шафии

Фикх шафии · id 14325

كفاية النبيه في شرح التنبيه

ابن الرفعة

Полный текст (9 685 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

والخلاف في الدخان مفرع على ذلك، فإن قلنا: إن الرماد يطهر؛ فكذلك الدخان، وإلا فوجهان. قال القاضي الحسين: فإن قلنا بنجاسته، فإن أصاب ثوباً رطباً نجَّسه، وإن كان الثوب يابساً، فوجهان. قال: ومثل ذلك ما إذا دخل الإسطبل، وراثت الدواب، وخرج منه دخان، أو دخل المستحَمَّ، وبال، وتغوَّط، وخرج منه دخان في الحال، فأصاب ثوبه- فإن كان رطباً ينجس، وإن كان يابساً ففيه وجهان. وأصل هذا ما حكيناه عن الحليمي في كتاب الطهارة: أن الإنسان إذا خرج منه ريح، وكانت ثيابه رطبة، تنجست، وإن كانت يابسة فلا. والآجر المعجون بالماء النجس، قضية ما حكيناه عن القاضي: أن يطهر ظاهره وباطنه على وجه، وقد أشار إليه الإمام حيث قال: إن قلنا: إن الشمس تطهِّر، فالنار أقوى أثراً وأبلغ؛ فينبغي أن تطهر الآجر. وعلى وجه يطهر ظاهره فقط، وهو ما حكاه في "الوسيط" تفريعاً على القديم، وإن كان قد قال عند حكاية القديم: إنه لا تفريع عليه. وأجاب بعضهم عن ذلك بأن اللَّبِنَ في معنى قطعة من الأرض؛ فيكون مِن صُوَر المسألة، لا فرعاً لها. وطريق تطهير باطنه: أن يدق حتى يصير تراباً، ثم نفيض عليه الماء؛ قال الروياني: وقال بعض أصحابنا: إذا صب الماء عليه، وكاثره حتى خلص الماء إلى الوجه الآخر وتقطر بالرشح، طهر كما يطهر بالأرض. قال: وهذا أصح. نعم: لو كان عجن بالسرجين، فلا يطهر باطنه ولا ظاهره على الجديد، وعلى القديم يطهر ظاهره فقط؛ لأن النار تأكل السرجين الظاهر؛ فيطهر محله، وهو ما حكاه في "الإبانة" عن تخريج الخضري. وإذا قلنا بالجديد، فإذا صب عليه الماء بعد ذلك، فهل يطهر ظاهره حتى تجوز الصلاة عليه، ولا تجوز مع حمله إلا على رأي ابن أبي هريرة- كما أسلفناه- أو لا يطهر باطنه ولا ظاهره؟ فيه وجهان في "الإبانة": المنسوب منهما إلى القفال: الأول، وهو ما أورده ابن الصباغ وغيره. ونسب إلى الشيخ أبي حامد الثاني، موجهاً له بأن النجاسة صارت جامدة، وقد

стр. 912

صار اللَّبِنُ حجراً لا ينشِّف الماء، وهذا ما حكاه الروياني في تلخيصه عن "الأم". والإمام حكى خلاف القفال والشيخ أبي حامد فيما إذا كان الآجر معجوناً بالماء النجس، وقلنا: لا تطهره النار، وغسل ظاهره بالماء، فالباطن لا يطهر، وفي الظاهر الوجهان. ثم قال: والأمر في ذلك مفصل عندي: فإن كانت نجاسة الآجر بسبب أنه عجن ببول أو ماء نجس، فالوجه القطع بأنه يطهر ظاهره؛ فإن النار قد نشفت الماء قطعاً، ولكنا في التفريع على الجديد لا نحكم بطهارته تعبداً حتى يتفق استعمال الماء على ظاهره، ولا يبقى بعد ذلك قذر، فأما إن كان سبب نجاسة الآجر خلط ترابه بالزبل أو الرماد النجس فلا يطهر ظاهره بصب الماء عليه؛ فإن تلك الأعيان مُسْتَحْجِرة، لا يزيلها الماء من ظاهر الآجر، ولا وجه لخلاف ذلك. وإن كان القفال يقول في الآجر الذي سبب نجاسته الزبل والرماد النجس: إنه يطهر- فلا وجه لقوله، وإن كانا يفصِّلان، فلا خلاف بينهما إذن. قلت: فقول الإمام فيما إذا كان مختلطاً بالرماد ظاهر، وأما إذا كان مختلطاً بالزبل، فهو يذهب بمبادئ النار كما حكيناه من قبل؛ فتبقى نجاسة الآجر حكمية؛ فيصير كما لو كانت نجاسته بالماء النجس أو البول. نعم: إن كانت النار قد قلبت الزبل رماداً، ولم تزله عن المحل فالأمران واحد، ولعل هذا مراد الإمام، والله أعلم. قال: وإن صلى في مقبرة منبوشة، أي: بحيث صار أسفلها أعلاها، وذلك يكون في المقابر القديمة التي تكرر الدفن فيها- لم تصح صلاته؛ لقوله ﷺ : "الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجدٌ إِلا المَقْبَرَةَ والحمَّامَ" رواه الترمذي.

стр. 913

ولأنها اختلطت بأجزاء الموتى إن قلنا: إنها نجسة، وبما في أجوافهم؛ فتنجست؛ فلم تصح الصلاة عليها، وهذا فيما لم يجعل بينه وبين المقبرة شيئاً ظاهراً، فإن جعله، صحت، لكن مع الكراهة، كما سنذكره في المسألة التي تليها. قال: وإن كانت غير منبوشة، أي: بأن كانت مقبرة جديدة، كرهت، وأجزأته صلاته: أما إجزاؤها؛ فلأن المحل الذي صلى عليه طاهر، وقد صلى النبي ﷺ على مسكينة وقد ماتت ليلاً. وأما كراهتها؛ فلقوله ﷺ في مرضه الذي مات فيه كلما أفاق من غَشْيته: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبيائِهِم مَسَاجِدَ"، قالت عائشة: وإنما كان يقصد به تحذيراً من اتخاذ قبره مسجداً. ويروى أن النبي ﷺ قال: "اجْعَلُوا شَيْئاً مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكم وَلَا تَتخذُوهَا

стр. 914

مَقَابِرَ"؛ فدل على أن المقابل لا يصلَّى فيها. ولأي معنى كرهت؟ كلام العراقيين مشير إلى أن الكراهية لأجل ما تحت مصلاه من النجاسة؛ فإنه تكره الصلاة على شيءٌ طاهر تحته نجاسة لا يلقاها شيء من ثيابه ولا بدنه، وقد حكاه الروياني عن الشافعي- ﵁ ولفظه: قال الشافعي: وتكره الصلاة في المقبرة؛ لأنها مدفن النجاسات. والذي دل عليه كلام القاضي الحسين: لحرمة الموتى؛ ولهذا قال: إنه لو بسط ثوباً طاهراً على المزبلة والمجزرة، وصلى عليه، أجزأته صلاته، ولم تكره، والأولون يخالفون في ذلك، وهو ما حكاه الرافعي. ولا فرق في الكراهة بين أن يصلي على القبر أو بجانبه أو إليه، ومنه يؤخذ: أنه تكره الصلاة بجانب النجاسة أو خلفها. قال: وإن شك في نبشها، أو شك في أنها من المقابر القديمة أو المستجدة- صحت صلاته؛ لأن الأصل عدم النبش، وهذا ما نص عليه في "الإملاء"؛ حيث قال: إن صلى فيها لم أَرَ عليه الإعادة. وقد اختاره ابن أبي هريرة، وصاحب "المرشد"، وهو الأظهر في "الرافعي". وقيل: لا تصح؛ لعموم الخبر، ولأن الظاهر والغالب من المقابر النبش، وهذا ما نص عليه في "الأم"، واختاره أبو إسحاق. قال البندنيجي في كتاب التيمم: والقولان جاريان في جواز التيمم بترابها. قال القاضي الحسين وغيره: والقولان كالقولين في وحل الطريق إذا أصاب الماشي منه شيئاً زائداً على القدر الذي يعفى عنه من الطين الذي تحققت نجاسته: هل تصح صلاته أم لا؟ لأن الأصل طهارته، والغالب نجاسته، والقدر الذي لا يعفى عنه [من الطين المتحقق النجاسة- كما حكاه الإمام عن شيخه في باب الآنية- ما ينسب من أصابه إلى سقطة أو نكبة أو قلة تحفُّظٍ عن الطين، وما دون ذلك مما يلحق

стр. 915

ثياب الطارقين هو القدر الذي يعفى عنه]. وما ذكره في الحقيقة يرجع إلى أن ما يشق الاحتراز عنه لا يعفى عنه مع تحقق النجاسة، ومع الشك فيه القولان في الصحة، لا في العفو. وما ذكره الشيخ من محل القولين هو الذي ذكره الجمهور، وقال القفال: إنه إن شك في النبش، فالأصل الطهارة، وإن كان الغالب النبش ولم يتيقن، فقولان. قال الروياني في "تلخيصه": وهو حسن، لكنه خلاف النص. والمقبرة: بضم الباء وفتحها وكسرها، والجمع: مقابر، والقبر: المدفن، وجمعه: قبور. قال: وإن جبر عظمه بعظم نجس، أي: بعظم كلب أو خنزير أو غيرهما- إذا قلنا: إنه نجس، وكذا ما خرج منه أيضاً إذا قلنا: إنه نجس- كما قاله الماوردي- وخاف التلف من نزعه، أي: خاف تلف النفس أو العضو- كما قاله البندنيجي والماوردي، وأبداه الإمام احتمالاً لنفسه- فصلى فيه، أجزأته صلاته، أي: وإن كان متعدياً بوضعه، مثل: أن كان لا يخاف التلف لو لم يجبره، أو يخاف التلف لكنه قادر على دفعه بجبره بعظم طاهر. ووجهه: أن خوف التلف يسقط حكم النجاسة، بدليل حل أكل الميتة عند خوف التلف، وإذا سقط حكم النجاسة، صحت الصلاة؛ كما في حال المسايفة. نعم: في هذه الحالة هل يجوز أن يكون لغيره؟ فيه وجهان. وظاهر كلام الشيخ: أنه لا يلزمه قلعه؛ إذ لو لزمه، لم تصح معه صلاته؛ كما لو حمل نجاسة؛ وهذا حكاه القاضي أبو الطيب والبندنيجي والرافعي عن المذهب، وهو الصحيح بالاتفاق. وحكوا وجهاً آخر: أنه يجب عليه نزعه؛ لأنه يقتل بترك الصلاة الواحدة عامداً؛ فجاز أن يؤمر بصحتها وإن خشي التلف؛ لأن الجاني بفعل المعاصي مؤاخذ بها وإن تلف؛ كالقاتل والزاني. وعلى هذا: إذا لم يقلعه، وصلى فيه، وجب عليه الإعادة، وقد ادعى الغزالي أن هذا القول ظاهر نص الشافعي، أي: في "المختصر" و"الأم"؛ كما قاله غيره.

стр. 916

قال: ولعله محمول على ما إذا كان متعدياً بأن وجد عظماً طاهراً، واستعمل النجس. والغزالي في هذا الاحتمال متبع الإمام، والأمر عند الأصحاب كذلك، وادعاء الغزالي مع ذلك غلط؛ فإنه لا خلاف أنه لو لم يجد في الابتداء عظماً طاهراً، وخاف التلف إن لم يَصِلْه بعظم نجس- جاز أن يصلي به؛ فوجب إذا خاف التلف من قلعه أن يقر على حاله؛ لحراسة نفسه، وليس كذلك فعل الزاني وقاتل النفس؛ لأنهما لا يحلَّان في ضرورة ولا في غيرها. على أن الفرق بينهما: أن حد الزنى والقصاص ردع له إن عاش، وزجر لغيره إن مات، وقلع ما وصله من نجاسة لأجل صلاته يتلفه، وبتلفه تسقط عنه الصلاة؛ فكان تركه حيّاً يؤدي الصلاة حسب إمكانه أولى. وفي "التتمة": أنه في الابتداء لو لم يجد إلا عظماً نجساً، أو كان لا ينجبر الكسر إلا به، فهل يجوز استعماله؟ يبنى على أنه لو فعل هل يقلع أم لا؟ إن قلنا: يقلع، فلا يجبره به، وإلا جبره به، وهذا جرياً منه على ظاهر النص، والمشهور خلافه. ثم الخلاف جارٍ- كما قال البندنيجي- سواء كان العظم قد استتر باللحم أم لم يستتر؛ لأن العلة خوف التلف، وهي موجودة في الحالين. والغزالي قال ما ذكره فيما إذا كان العظم ظاهراً، [وأما إذا كان مستتراً] [فإنه يبعد] إيجاب النزع، وهذا ما أبداه الإمام، وقال: لولا أن المذهب نقل، لكان القياس، بل القواعد الكلية تقتضي أن أقول: لا ينزع عند الخوف وجهاً واحداً، ولا عند الاكتساء بالجلد وحصول الستر، أي: وإن لم يكن ثم خوف. وجزم في "الوجيز" بأنه [لا ينزع] إذا خاف التلف عند النزع بعد أن استتر باللحم، وخص الخلاف بما إذا لم يستتر. أما إذا لم يخف تلف النفس والعضو من نزعه، لكن خشي طول الضنى أو حصول شَيْن فيه، فمفهوم كلام الشيخ: أنه لا تصح صلاته، ومقتضاه وجوب قلعه، والقياس

стр. 917

أن يجري فيه ما في نظير المسألة من التيمم إذا قلنا: إن خوف تلف النفس أو العضو يمنع وجوب القلع، وقد أبداه القاضي الحسين احتمالاً، وجزم به المتولي، لكن في "زوائد" العمراني في باب حد الخمر أن الشافعي نص على أنه: لو جبر عظمه بعظم خنزير أو ميتة أو كلب، والتحم الجرح، وثبت اللحم والجلد- على أنه عليه شق الجلد، وإتلاف اللحم، واستخراج العظم؛ لاستحقاق إزالة النجاسة، وأنه لو لم يفعل أجبره الحاكم وإن جر ذلك شدة ألم، وإبطاء برء. وإذا كان هذا نصه في هذه الحالة، فالإجبار على القلع ولا شيءٌ من ذلك من طريق الأولى، وبه صرح الأصحاب، وحينئذ لو دخل عليه وقت الصلاة قبل نزعه، وصلى، قال البندنيجي وغيره: فعليه إعادة كل صلاة صلاها وهو حامل له. وخالف هذا ما لو شرب خمراً أو أكل ميتة أو شيئاً نجساً؛ فإنه لا يجب عليه أن يتقيأ على المذهب في "تعليق" القاضي أبي الطيب؛ لاتصال النجاسة بالمحل النجس، ولا كذلك ها هنا. وعلى قول بعض الأصحاب: أنه يجب عليه أن يتقيأ؛ استدلالاً بأن عمر- ﵁ شرب لبناً، فقيل له: إنه من إبل الصدقة؛ فتقيأه. فالمخالفة ثابتة أيضاً؛ لأنه لو صلى ولم يتقيأ صحت صلاته. وقد ادعى في "التتمة": أن إيجاب تقيؤ الخمر ونحوه نص عليه الشافعي في صلاة الخوف، وكذا حكاه ابن الصباغ في باب الصلاة بالنجاسة، وقال: إنه الأصح. ثم إذا قلنا: يجب القلع، فلم يتفق حتى مات الشخص، فهل يقلع؟ فيه وجهان في "تعليق" أبي الطيب: أحدهما- قاله أبو إسحاق-: أن وليه بالخيار: إن شاء قلعه، وإن شاء تركه، إلا أن المستحب قلعه؛ كي لا يلقى الله وعليه نجاسة. والثاني: لا ينزعه؛ لأن التكليف قد سقط عنه؛ وهذا ما حكاه الماوردي والمتولي؛ عملاً بقول الشافعي: فإن مات صار ميتاً كله والله حسيبه- أي: محاسبه- إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. وقال أبو سعيد الإصطخري: إنه يجب قلعه، بحيث لا يلقى الله- حاملاً نجاسة. [كذا حكاه البندنيجي].

стр. 918

وفي "تلخيص" الروياني نسبة هذا القول إلى أبي إسحاق، قال البندنيجي: وليس بشيء. وقال الإمام: إنه يبعد كل البعد إذا كان العظم قد اكتسى بالجلد واللحم؛ فإنه قد انقطعت عنه وظائف الصلاة والماء يجري على بشرة طاهرة، ومصيره إلى الله. وظهور النجاسات والكم فيما إذا [داوى] جرحه بدواء نجس، أو خاطه بخيط نجس، أو وشم جلده بشيء نجس- كما قاله الماوردي في النجاسات- كما لو جبر عظمه بعظم نجس فيما ذكرناه، وخالف ما لو غصب خيطاً فخاط به جرحه، وخاف التلف من نزعه؛ فإنه لا ينزع بلا خلاف؛ لأنه يمكنه جبر حق مالكه بقيمته، وحق الله- تعالى- ها هنا من الطهارة لا جابر له؛ ولذلك وجب نزعه على وجه أو قول. فرع- يقرب مما نحن فيه-: إذا وصلت المرأة شعرها بشعر نجس على قولنا بنجاسة الشعور، وجب عليها نزعه أمة كانت أو حرة، خلية من زوج أو متزوجة. نعم: لو كان الشعر شعر حيوان طاهر غير الآدمي، فهل يجوز لها ذلك؟ ينظر: فإن كانت ذات زوج، وفعلت ذلك لأجله، أو كانت أمة وفعلت ذلك لأجل الزينة لسيدها- جاز. وإن لم تكن ذات زوج، ووصلت ذلك لتخطب، أو كانت أمة ففعلت ذلك ليرغب في شرائها: فعبارة القاضي أبي الطيب وغيره من العراقيين: أن ذلك لا يجوز. وقال البندنيجي: إنه مكروه؛ لأن فيه تغريراً، وهذا ما حكاه الرافعي عن الشيخ أبي حامد وطائفة؛ فإنهم قالوا: لا يحرم. وعبارة الإمام في هذه الحالة: أن ذلك حرام، واستدل له بقوله- ﵇: "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا"، وقوله- ﵇: "المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ" رواه مسلم.

стр. 919

ومعنى ذلك: أن عادة أهل الحجاز أن يتخذ المرء لنفسه ثوبَيْ جمال، فإذا أراد الرجل أن يخوِّف غريمه يلبس ثوبي جمال، ويحضر معه مجلس الحكم؛ ليوهم الغريم أنه يشهد عليه؛ فيقر سريعاً. وقال هو وغيره من المراوزة فيما إذا كان لها زوج: إنه لا يجوز لها فعل ذلك بغير إذنه، وهل يجوز بإذنه؟ فيه وجهان: أصحهما: الجواز. ووجه المنع: عموم قوله ﷺ في رواية أبي سعيد الخدري: "لَعَنَ اللهُ الوَاصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ، والوَاشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ، والوَاشِرَةَ والمُسْتَوْشِرَةَ، والنَّامِصَةَ والمُتَنَمِّصَةَ، وَالعَاضِهَةَ والمُسْتَعْضِهَةَ"، والواصلة: هي التي تصل الشعر، والمستوصلة: المستدعية ذلك. وقيل: إن الواصلة التي تصل بين الرجال والنساء. والتفسير الأول أشهر، وهو يقتضي المنع مطلقاً بالإذن ودونه. وطرد القاضي الحسين والصيدلاني التفصيل والخلاف في تحمير وجهها، وتسويد شعرها، وتطريف أصابعها بالحناء مع السواد، أما مع الحناء وحده فهو جائز. وقال الإمام: إنه يبعد إجراء الخلاف في تحمير الوجه مع إذن الزوج؛ إذ لم يرد خبر فيه حتى يجري على عمومه، ولا ينظر إلى معناه كما قلنا في الواصلة ونحوها، واحمرار الوجه قد يصدر عن غضب أو فرح ونحو ذلك. قال: ولست أرى تسوية الأصداغ وتصفيف الطُّرَرِ محرماً، وتجعيد الشعر قريب من تحمير الوجه. قلت: وفيما قاله نظر؛ لأن- ﵇ جعل النامصة والمتنمصة شريكة

стр. 920

الواصلة والمستوصلة في اللعن، والنامصة- كما قال الماوردي-: هي التي تأخذ الشعور من حول الحاجبين وأعالي الجبهة، والمتنمصة: المستفعلة لذلك، وإذا شاركتها بسبب ذلك في اللعنة، دل على أنه محرم. وأخذ الشعر من حول الأصداغ وكذا تجعيده في معنى أخذه من أعالي الجبهة وحول الحاجبين؛ لأن كلاًّ منها يُفْعَل زينةً، ومنه أخذ الصيدلاني وغيره إلحاق تحمير الوجه بالوصل. وقال الغزالي: ولا خلاف في جواز تجعيد الشعر وتصفيف الطرر، وفي تحمير الوجه تردُّدٌ للصيدلاني، كذا هو في بعض النسخ، وفي بعض: تردد، ولم يذكر فيها الصيدلاني، [وهو الحق؛ لأن التردد نشأ من قول الصيدلاني] والإمام؛ فالصيدلاني كما ذكرنا قائل بأنه على التفصيل والخلاف، والإمام قاطع بالجواز كيف فرض الأمر. وأما وصل شعرها بشعر آدمي: إن قلنا بنجاسته، فلا يجوز، وإن قلنا بطهارته، فلا يجوز أيضاً. قال القاضي الحسين: لأن من كرامة الآدمي ألا يستعمل جزء منه، بل يدفن ويوارى. وحكى الإمام عن الأئمة أنهم وجهوه بأنه دائر بين أن يكون شعر امرأة أو رجل، فإن كان شعر امرأة، فلا يجوز لزوج الواصلة النظر إليه، وكذا سيدها إن كانت أمة، وإن كان شعر رجل، فلا يجوز لها النظر إليه. قال: وللنظر فيه مجال؛ فإن الأئمة اختلفوا في النظر إلى جزء منفصل من امرأة أجنبية، ويرد عليه لو وصلته بشعر محارمها ومحارم الزوج. قلت: وهذا فيه نظر؛ [لأنها إنما] تصله ليحصل للزوج الاستمتاع [به، و] ذلك لا يجوز بشعر المحارم أيضاً. ويجوز لها أن تصل شعرها بالوبر، وبما يخالف لونه لون شعرها. قال الروياني في "تلخيصه": ثم حيث قلنا: إن [وصل الشعر] حرام، فلا يمنع من صحة الصلاة إذا قلنا بطهارته.

стр. 921

وقد تضمن الخبر لعن الواشمة والمستوشمة والواشرة والمستوشرة والعاضهة والمستعضهة. والواشرة: هي التي تبرد الأسنان بحديدة؛ لتحدها وتزينها، والمستوشرة: المستدعية ذلك. والعاضهة: هي التي تقع في الناس. والواشمة: هي التي تنقض بدنها وتَشِمُه بما كانت العرب تفعله من الخضرة في غرز الإبرة؛ فيبقى لونه على الأبد. والكل حرام. قال العجلي: قال القاضي في "التعليق": ويزال الوشم بالعلاج، وإن لم يمكن إلا بالجرح، فلا يجرح، ولا إثم عليه بعد التوبة. وفيما قاله نظر من حيث إنه إنما يدوم إذا وضع والدم جار؛ فقد ينجس؛ فيشبه أن يكون كما لو حشا الجرح بدم أو دواء نجس، وهو يمنع من صحة الصلاة، ويجب إزالته إذا لم يخف من ذلك. والوشم بالحناء والخضاب، قال الماوردي: إنه مباح، ليس مما يتناوله النهي. وهو مخالف لما حكيناه عن القاضي الحسين في بعض الأحوال، وهذا كله في حق النساء. أما الرجال فيباح لهم خضاب الشعور بالحناء والكَتَم، وهو بالسواد محظور إلا أن يكون في جهاد العدو، قال الماوردي: لخبر ورد فيه. ولا يجوز أن يخضب يديه بالحناء إلا لحاجة. قال: وإن صلى وفي ثوبه دم البراغيث، أو اليسير من سائر الدماء أو سلسل البول أو دم الاستحاضة- جازت صلاته؛ لأن ذلك يتعذر الاحتراز منه، فجعل عفواً؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله- ﵇: "بُعِثْتُ بِالحنيفيَّةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ". وقد أفهم كلام الشيخ أموراً: أحدها: أن البدن ليس كالثوب في العفو عما ذكره، وهذا وإن أمكن توجيهه بما

стр. 922

سنذكره عن القاضي في الفرق بين دم البراغيث وغيره، لكن المنقول أن البدن في ذاك كالثوب إذا صادفه ذلك ابتداء، أما لو صادف الثوب، ثم اتصل سببه إلى البدن كما إذا حصل ذاك في الثوب [واتصل ذلك ببدنه]، أو لبس الثوب الذي فيه ذلك وبدنه رطب، أو حصل ذلك ببدنه، فعرق فتعدَّى من ذلك الوضع إلى غيره- ففي العفو عنه وجهان، المذكور منهما في "تعليق" القاضي الحسين: المنع، قال: بخلاف ما لو كثر دم البراغيث حيث يعفى عنه على وجه، والفرق: أنه علم هذا بإصابة ثوبه وبدنه، ثم طرأ العرق عليه، بخلاف دم البراغيث؛ فإنه لا يقع له العلم بوقوع دم البراغيث في الأصل. والخلاف جارٍ فيما لو عرق، فتعدى ما بقي على المحل بعد الاستنجاء بالحجر من الأثر إلى موضع آخر. قال الرافعي: لكن [الأظهر] هنا: الصحة. الثاني: أن دم البق والقمل والبعوض والزنابير ونحو ذلك مما ليس له نفس سائلة، لا يلتحق بدم البراغيث، وهو ملحق به بلا شك، وكذا ونِيمُ الذباب وبول الخفاش.

стр. 923

الثالث: أنه لا يلحق بدم الاستحاضة دم القروح السيالة التي يدوم مثلها ونزف الدماء، وفي ذلك خلاف حكاه الرافعي عن رواية الإمام وغيره في أنه: هل يلحق بدم البراغيث البثرات فيعفى عن القليل منه، وفي الكثير وجهان، أو يلحق بدم الاستحاضة [فلا يعفى] عنه مع القلة والكثرة وجهاً واحداً؟ والذي حكاه الإمام عن شيخه: الثاني، [وهو ما أورده في "الوسيط"، ولفظ "النهاية" سنذكره، وهو دال على خلاف ما فهمه الرافعي عنه كما سنبينه. وإذا جرينا على إلحاقه بدم الاستحاضة]، فالجواب عن الكل: أن الشيخ نبَّه بما ذكره على ما لم يذكره؛ لأنه في معناه. تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أموراً: أحدها: أنه لا فرق في دم البراغيث بين قليله وكثيره في زمن جرت العادة بحصوله فيه ومكان ذلك، أو لا خلاف في أنه إذا كان قليلاً في الزمان الذي جرت العادة أن يكون فيه والمكان، في صحة الصلاة معه مع الحكم بنجاسته؛ لما ذكرناه من التعليل. ومنهم من جعل علة العفو القلة، وأثر التعليلين يظهر عند الكثرة. نعم: لو حصل القليل في ثوبه أو بدنه [بفعله]، كما إذا قتل برغوثاً أو قملة ونحو ذلك عمداً- ففي العفو عنه وجهان مشبَّهان في "التتمة" و"الرافعي" في كتاب الصيام بما إذا فتح فاه قصداً، فدخله غبار الطريق، ومأخذهما: أن النظر إلى أن ذلك

стр. 924

القدر معفو عنه في الجملة أو إلى أن ذلك لا تعم به البلوى. ومثلهما جارٍ فيما لو صلى على ثوب فيه دم براغيث، [أو لبس ثوباً فيه دم براغيث. أما إذا كان ما أصاب ثوبه الذي هو عليه أو بدنه من دم البراغيث] ونحوه كثيراً، ففي العفو عنه وجهان: أحدهما- وهو المحكي في "تعليق" [القاضي] أبي الطيب عن ابن سريج وأبي إسحاق-: العفو- أيضاً- وإن تفاحش؛ كما اقتضاه كلام الشيخ؛ إلحاقاً لنادره بغالبه؛ كما قلنا في المسافر: يجوز له القصر والفطر وإن لم يلحقه مشقة فيه. قال الرافعي: وهو الأصح عند العراقيين وغيرهم. قال البندنيجي والروياني في "تلخيصه": إنه المذهب. والثاني- وهو الأصح في التهذيب، [وظاهر المذهب] في "النهاية"، والمجزوم به في "الحاوي" [و"الوجيز"]-: المنع؛ لأن ذلك لا يشق الاحتراز عنه، وهذا ما نسبه البندنيجي والروياني إلى الإصطخري. فإن قلنا بالأول فلا يختلف الحال بالزمان والمكان كما اقتضاه كلام الشيخ. وإن قلنا بالثاني، فهل يختلف بهما؟ فيه وجهان: أحدهما- وهو الذي ذهب إليه المحققون-: أن الأمر يختلف؛ فإن التفاوت بهما

стр. 925

غالب بين؛ فمن الوفاء برعاية تعذر الاحتراز النظر إلى تفاوت الأسباب. والثاني: لا يعتبر أقل ما يتوقع في أنقى الأمكنة والأزمنة ولا أكثرها، ولكن يعتبر وسطاً بين الطرفين. قال الإمام: وهذا ليس بشيء، فإن ضبط هذا الوسط أعسر من التزام يتبع الأحوال. ولو كان الدم الذي حصل بثوبه أو بدنه بفعله كثيراً، لم يعف عنه وجهاً واحداً؛ قاله في "التتمة". والفرق بين القليل والكثير يأتي. الأمر الثاني: أنه لا فرق في اليسير من الدم بين أن يكون منه أو من غيره، وعليه يدل قوله: من سائر الدماء. وهو ما حكاه البندنيجي عن نصه في القديم و"الأم"، وحكاه الماوردي وجهاً مع وجهين آخرين: أحدهما: [أنه] لا يعفى عن اليسير من سائر الدماء؛ كما لا يعفى عن اليسير من العذرة ونحوها، وقد حكاه البندنيجي والقاضي أبو الطيب عن نصه في "الإملاء". والثاني: أنه يعفى عن اليسير من دم نفسه دون اليسير من دم غيره، وبعضهم ينسب هذا إلى نصه في القديم و"الأم". ثم قضية الوجه الأول الذي هو ظاهر كلام الشيخ: العفو عن دم الكلب والخنزير، وبعض المتأخرين استثناه، وقال: إنه نص على استثنائه الأئمة؛ لما خُصَّا به من التغليظ في النجاسة. وسلك القاضي الحسين [في "تعليقه"] طريقاً آخر، فقال: دم البثرات ونحوه إذا كان من بدن المصلي عفي عنه؛ لأنه يشق الاحتراز عنه، وهو قليل في نفسه، فلو كثر فهل يعفى عنه؟ فيه وجهان ينبنيان على أن علة العفو في المسألة قبلها تعذر الاحتراز أو القلة؟

стр. 926

فإن قلنا بالأول، عفي عنه أيضاً؛ إذ الاحتراز عما يتعذر عن القليل يتعذر عن الكثير. وإن قلنا بالثاني فلا يعفى عنه. والخلاف جار فيما لو أصابه القليل من دم البثرات بتعاطيه؛ بأن فجرها كما حكاه المتولي وأبداه الإمام احتمالاً لنفسه، واستشهد على العفو عنه بما روي أن ابن عمر حَكَّ بثرة من وجهه، فخرج منها شيءٌ، فدلكه بين إصبعيه، وصلى. ولو كان الخارج كثيراً لم يعف عنه وجهاً واحداً، كما قلنا في قتل البرغوث، بل قياس ما تقدم في ذلك عن القاضي الحسين يقتضي قطعه فيما إذا كان الخارج من البثرة قليلاً بفعله: أنه لا يعفى عنه، وأثر ابن عمر قد قال الإمام: لا يبعد أن يقال: لعله جرت يده بذلك في غفلةٍ، وقد تطوف اليد على البدن في النوم وأوقات الغفلات. قلت: ولعل الخارج منها ما لا رائحة له، والمذهب أنه طاهر، كما سنذكره. قال القاضي الحسين: ولو أصابه شيءٌ من دم غيره: [فإن كان قدر ما لا يعفى عنه إذا كان من دم نفسه، فمن دم غيره] أولى، وإن كان مما يعفى عنه من دم نفسه، فهل يعفى عنه من دم غيره؟ فيه وجهان، وهذا يقتضي أني كون فيما إذا أصابه من دم غيره شيءٌ كثير: أنه يعفى عنه على وجه؛ [لأنه] يعفى عنه من دم نفسه على وجه لا يعرفه العراقيون، وكلام الإمام وغيره مصرح بأنه لا يعفى عن الكثير من دم غيره، وهل يعفى عن اليسير منه؟ فيه وجهان: أصحهما عند الغزالي: المنع، وقال الإمام: إنه الذي يجب القطع به. والأظهر عند البغوي [والعراقيين- كما قال الرافعي]-: العفو كما [يعفى] عن ذلك من دم نفسه، وهو مما لا خلاف فيه عندهم، ولم يَحْكِ الرافعي غيره. نعم: قال الشيخ أبو محمد: لطخات الدماميل والقرح التي لا تدوم غالباً ملحقة بدم الأجنبي. قال الإمام: وهو ظاهر حسن؛ من جهة أن البثرات إذا كانت تكثر- وقد لا يخلو

стр. 927

معظم الناس في معظم الأحوال عنها- فلا يكاد ذلك يتحقق في الدمامير والجراحات. وفي المسألة على الجملة احتمال؛ فإن الفصل بين البثرات وبين الدمامير الصغار عسير لا يدركه إلا ذو الدراية. وذكر صاحب "التقريب" تردداً في الدماميل وما خرج من دم الفصد، ومال إلى إلحاقه بدم البراغيث، وصححه، على خلاف ما كان يراه الشيخ أبو محمد. وظاهر هذا: أن التردد في الدماميل التي لا يدوم مثلها غالباً؛ لأن دم الفصد مما لا يدوم غالباً، وقد سَوَّاه به. وهذا حكم الدماء، والقيح والصديد في معناه؛ لأنهما يكثران، ويحصل بهما الابتلاء، والبدن لا يخلو منهما؛ فلذلك لم يحتج الشيخ إلى التصريح بذكرهما. وأيضاً: فإنهما دم استحال وتعفَّن في البدن، وهذا ما نص عليه في عامة كتبه [إلا "الأم"؛ فإنه] قال فيه: إن القيح والصديد أخف حالاً من الدم، ولكنه يمنع إذا بلغ لُمْعةً، حكاه البندنيجي والروياني، وقال: إن أبا حامد [قال:] وهذا لا يحكى. والمذهب الأول. وأطلق في "الحاوي" القول بالعفو عن المِدَّة وماء القروح [والبثرات، وقال غيره في ماء القروح] وهو ما يعرق منه وينزل عنه-: إن كانت له رائحة، فهو كالقيح، وإن لم تكن له رائحة، فقد نص في "الإملاء" على ما يدل على أنه طاهر كالعرق، وأجراه في "الأم" مجرى القيح والصديد. قال البندنيجي: فحصل في ماء القروح قولان: المذكور منهما في "تعليق" [القاضي] أبي الطيب: الطهارة، وهو المذهب في "تلخيص" الروياني، وعلى هذا فلا يقال: إنه إذا صلى معه بأنه يعفى عنه؛ إذ العفو إنما

стр. 928

يكون عن النجس. نعم: إذا قلنا: إنه نجس، فهو كالقيح. الثالث: أن سلس البول ودم الاستحاضة معطوف على "اليسير من سائر الدماء"، لأنه أقرب مذكور؛ فهو يفهم عدم العفو عما كثر من ذلك. كما يفهم قوله: "أو اليسير من سائر الدماء"، أنه لا يعفى عن الكثير منها، وليس الأمر كما أفهمه كلامه في سلس البول ودم الاستحاضة؛ بل العفو شامل للقليل منه والكثير، وحينئذ يتعين أن يكون معطوفاً على قوله: دم البراغيث؛ فإنه- على رأيه- لا يفرق فيه بين القليل والكثير، ويدل عليه من كلامه ذكر دم الاستحاضة؛ فإنه لو كان المعفو عنه منه قدر ما يعفى عنه من سائر الدماء، لم يكن لإفراده بالذكر معنى. قال بعضهم: وكان الأحسن بالشيخ أن يقول: أو دم الاستحاضة أو سلس البول؛ [لأن دم الاستحاضة هو الأصل في العفو، وسلس البول] ملحق به. وقد بقي الكلام في الفرق بين القليل المعفو عنه مما ذكرناه، والكثير الذي لا يعفى عنه، ونصوص الشافعي مختلفة فيه ما حكاه الروياني وغيره: فقال في القديم: القليل من دم البراغيث وما في معناه، قدر الكف؛ حكاه الإمام وغيره. وقال في موضع آخر منه- كما حكاه أبو الطيب والبندنيجي وغيرهما-: القليل دون الكف، والكثير قدر الكف.

стр. 929

وحكى الإمام أنه قال في القديم أيضاً: إن القليل قدر الدينار. وهو مشكل لا نعرف له مستنداً، وهو في حكم المرجوع عنه. وحكى البندنيجي والروياني في "تلخيصه": أنه قال في "الأم": القليل هو اليسير كدم البراغيث؛ لأن الناس لا يتعافونه ويتجاوزونه، وأما اللمعة- وهو ما دون الدينار والدرهم- فلا يُعفَى عنه قالا: وهذا هو المذهب. قلت: ويشهد له قوله- ﵇: "تُعَادُ الصَّلاةُ فِي قَدْرِ الدِّرْهَمِ [مَن الدَّمِ] " أخرجه الدارقطني. وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب أنه قال في "الأم": وحد اليسير ما يتعافاه الناس. وهو الصحيح، وحكى الإمام أن الأئمة استنبطوا وجوهاً من مسالكه في الجديد، فقال قائلون: إن كان موضع التلطيخ بحيث يلوح ويلمع للناظرين من غير احتياج إلى تأمل، فهذا في حد الكثير، قال: والمسلك للفقيه في ذلك أن المقدار الذي يجري التلطيخ به، ويتعذر التصوُّن منه هو القليل المعفو عنه؛ فيأخذ القليل مما يأخذ منه أصل الفعل، وهو تعذر الاحتراز. فلو ارتاب المصلي، فلم يدر أن اللطخ [الذي] به في حد ما يعفى عنه أو في

стр. 930

حد الكثير- قال: فهذا فيه احتمال [عندي]؛ من جهة أن القليل معفو عنه، وقد أشكل أن ما فيه الكلام هل تعدى الحد لا؟ والأصل العفو. ويجوز أن يقال: الكثير منه معفو عنه، وقد أشكل أن ما فيه الكلام هل هو منحط عن حد الكثير أم لا؟ والأصل إيجاب إزالة النجاسة. ويمكن أن يقرب هذا من صلاة المرء وهو ناسٍ لنجاسته، ثم يعتضد الكلام بظهور العفو في النجاسات. قال: ثم الذي أقطع به: أن للناس عادةً في غسل الثياب في كل حين؛ فلابد من اعتبارها؛ فإن من لا يغسل ثوبه الذي يصلي فيه عما يصيبه من لطخ سنة مثلاً، تتفاحش مواقع النجاسات من هذه الجهة عليه، وهذا لاشك في وجوب اعتباره. قال: ومما أتردد فيه [أن] الثوب السابغ إذا تبدلت النجاسة عليه، فلتفريقها أثر في العفو فيما أحسب، ولاجتماعها؛ فإن من توالت منه أفعال كثيرة تبطل صلاته، وإن فرقها وخلل بينها بسكتة لم تبطل، والاحتمال [في هذا] ظاهر. وفي "التتمة" ما يوهم أن الكلام في أن المعفو عنه كذا، أو كذا حال التفرق بحيث إذا جمع بلغ ذلك؛ فإنه لما حكى أن العفو عنه قدر الكف، قال: فإذا كان على ثوبه متفرقاً في مواضع ما لو جمع لم يزد على قدر الكف جعل عفواً. قال- ﵀: وإن كان على ثوبه أو بدنه نجاسة لا يدركها الطَّرْف من غير الدماء، فقد قيل: يصح؛ لأنها نجاسة يشق الاحتراز منها، فعفا [الشارع] عنها كغبار السرجين، وهذا ما حكاه القاضي الحسين عن القديم، وقال النواوي: إنه الأصح. وقال الإمام: إن الأصحاب استدلوا له بأن السلف كانوا لا يحترزون من عود الذباب الواقع على النجاسة وقت قضاء الحاجة إلى [ثيابهم]. وقيل: لا يصح، [قال القاضي حسين: كما لا تصح] صلاته إذا أصاب ذلك

стр. 931

بدنه، [قال:] وهو الأظهر، وما نقل عن الأولين فلا دلالة فيه؛ لأن أرجل الذباب تجف في الهواء بين ارتفاعها على النجاسة ووقوعها على الثوب، [وأيد ذلك أنه لا يظهر لذلك أثر على الثوب] وإن كثر، والقليل إذا توالى وكثر [ظهر] أثره على الثوب. وقيل: فيه قولان، ووجههما ما ذكرناه، وقد تقدم مثل هذه الطرق فيما إذا أصاب ذلك ماء قليلاً. وإذا جمعت بينها حصل في المسألتين طرق: أحدها: أنه يعفى عن ذلك فيهما، وهو المختار في "المرشد". والثاني: لا يعفى عنه فيهما، [وهو ما قال البندنيجي هنا: إنه المذهب. والثالث: في العفو عنه فيهما] قولان. والرابع: يعفى عنه في الثوب دون الماء؛ [لأن] الثوب أحسن حالاً من الماء؛ فإنه يعفى عن دم البراغيث ونحوه فيه، ولا كذلك الماء. والخامس: يعفى عنه في الماء دون الثوب؛ لأن الماء قوة الدفع للنجاسات. وهذه الخمسة حكاها البندنيجي هكذا في كتاب الطهارة. قال: وإن كان على قرحة دم يخاف من غسله، أي: ما ذكرنا أنه يبيح التيمم، وهو أزيد مما يعفى عنه- صلى فيه؛ لمجموع قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله- ﵇: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَاتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ". قال: وأعاد، أي: إذا غسله وجوباً؛ لأن ذلك عذر نادر لا يدوم غالباً، وإذا أعاد فما الفرض منهما؟ فيه الأوجه السالفة. وقال في القديم: لا يعيد؛ لأنها نجاسة عذر في تركها، فلم تجب عليه الإعادة بسببها، كدم الاستحاضة.

стр. 932

قال: وتكره الصلاة في الحمام. قال الإمام: لأنه صح أنه- ﵇ نهى عن الصلاة في سبعة مواطن: المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، وبطن الوادي، والحمام، وظهر الكعبة، وأعطان الإبل. وقد أخرج هذا الخبر بمعناه الترمذي، لكن في بعض رجاله مقال. واختلف الأصحاب في على النهي: فقيل: إنها النجاسة؛ فإن الحمام محل النجاسات، وقد نص على هذا في "الأم" كما قال البندنيجي والروياني. فعلى هذا: لو صلى في المَسْلَخ لا يكره، وقضيته أن يقال: لو غسل موضعاً منها، وصلى فيه لا يكره أيضاً. وقيل: إنها كون الحمام مأوى الشياطين ومحل كشف العورات. فعلى هذا يكره في المسلخ. وفي "الحاوي": أن الأصحاب اختلفوا في معنى النهي عن الصلاة في الحمام والمجزرة: فمنهم من قال: خوف النجاسة؛ فعلى هذا تكون الصلاة فيهما كالصلاة في المقبرة: إن تيقن النجاسة لم تصح، وإن تيقن الطهارة صحت صلاته مع الكراهة، وإن شك فعلى وجهين. ومنهم من قال: العلة في الحمام أنه مأوى الشياطين، وفي المجزرة: خوف نفور الذبائح.

стр. 933

فعلى هذا تكره مع تحقق الطهارة ومع الجهل بها، وتكره في المسلخ؛ قاله الروياني. وإذا عرفت ذلك عرفت أن كلام الشيخ على إطلاقه عند تحقق الطهارة. قال: وقارعة الطريق؛ للخبر، والمعنى فيه: أذى المارة والمجتازين، وتأذِّي المصلي بهم، وقلة خشوعه بسبب اجتيازهم. وقيل: بل المعنى: أن الغالب عليها النجاسة. فعلى الأول: لا تكره في طريق في البرية، وعلى الثاني تكره مطلقاً. وتكره في طريق البلد مع الحائل بكل حال، وبدون الحائل في صحتها مع الكراهة أو البطلان القولان المذكوران في تعارض الأصل والغالب. قال: وأعطان الإبل؛ للخبر، وقد روى أبو داود أنه- ﵇ قال: "لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الإِبِلِ؛ فإنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ". وأعطان الإبل: مباركها عند الماء، واحدها: عَطَن، والذي نص عليه الشافعي: أن العطن هو الموضع الذي تحول إليه الإبل إذا شربت؛ لِيَرِدَ غيرها. قال [القاضي] أبو الطيب: وقد قيل: إنه الحوض الذي تشرب منه، ويكون على بئر يستقي منها الماء، وتشرب من الحوض. قال: ولا يكره في مُرَاح الغنم؛ لما روى مسلم عن جابر بن سمرة أن رجلاً سأل النبي ﷺ : "أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أنصلي في مبارك الإبل؟

стр. 934

قال: لا". وروى عبد الله بن المغفل أنه- ﵇ قال: "إِذَا أَدْرَكْتُمُ الصَّلاةَ فِي مُراَح ِالغَنَم فصَلُّوا؛ فإِنَّها سَكِينَةٌ وَبَرَكَةٌ، وَإِذَا أَدْرَكْتُمُ الصَّلاةَ فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ فَاخْرُجُوا ثُمَّ صلُّوا؛ فإِنَّها جِنٌّ مِنْ جنٍّ خُلِقَتْ، أَلا ترونَها كَيْفَ تَشْمَخُ بِآنَافِهَا إِذَا نَفَرَتْ؟! وهذا الخبر فيه إشارة إلى الفرق بين المكانين؛ فإن أعطان الإبل محل الشياطين، والصلاة في ذلك مكروهة، قال- ﵇: "اخْرجُوا مِنْ هَذَا الوَادِي؛ فإِنَّ فِيهِ شَيْطَاناً" ومراح الغنم فيه البركة، روي أنه- ﵇ قال: "إِنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ". وأيضاً: فإن الصلاة في الأعطان تعرى عن الخشوع؛ لما يخاف المصلِّي على نفسه من نفورها، وإلى ذلك وقعت الإشارة بقوله- ﵇: "أَلا ترَوْنَهَا كَيْفَ تَشْمَخُ

стр. 935

بآنافِهَا"، ولا كذلك في مراحل الغنم، وإليه الإشارة بقوله- ﵇: "فَإِنَّهَا سَكِينَةٌ". قال الشافعي في "الأم": ومراح الغنم: هو الذي تأوي إليه الغنم بالليلن وهو ما طابت تربته، واستعلت أرضه، واستدار من مهب الشمال موضعه. قال الأصحاب: وفي هذا إشارة إلى أنها ليست بوسخة، وإلى الفرق بينه وبين أعطان الإبل؛ فإنها يراد بها الموضع الوسخ والمكان الخرب؛ لأنها عليه أصلح، والأصلح للغنم الموضع الخالي عن ذلك. ثم اعلم أن محل الكلام في أعطان الإبل ومراح الغنم إذا كانا خاليين عن البول، أما لو كان بهما ذلك، فلا تصح الصلاة فيهما مع عدم الحائل الطاهر، ومعه تصح مع الكراهة كما تقدم. قال: ولا تحل الصلاة في أرض مغصوبة، ولا ثوب مغصوب؛ لأجل حق الغير، وقد قال- ﵇: "لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ".

стр. 936

قال: ولا ثوب حرير، أي: إذا كان المصلي رجلاً- كما ستعرفه في باب ما يكره لبسه- وما أكثره إِبْرَيْسَم في معناه. قال بعضهم: وإنما ذكر الشيخ ذلك في هذا الباب؛ لأنه شبيه بالثوب والحل النجس في الستر واللبث والتحريم، وإن خالفهما في عدم الإعادة كما ستعرفه. قال: فإن صلى فيه لم يُعِدْ؛ لأن المنع لا يختص بالصلاة. نعم: هل يقال: إنها صحيحة فيسقط الفرض بها، أو سقط عندها لا بها؟ هذا ما اختلف فيه الناس في الأرض المغصوبة، والذي ذهب إليه الأكثرون: الصحة. قال القاضي الحسين: ومن أصحابنا من قال: لا تصح. وهو مذهب المعتزلة، وكلام الشيخ يميل إليه، وهو ما اختاره الإمام فخر الدين.

стр. 937

ثم ظاهر كلام الشيخ المنع من الصلاة في الثوب الحرير، سواء وجد غيره أو لا، وهو وجه في المسألة مبني على ما إذا لم يجد إلا ثوباً نجساً لا يصلِّي فيه؛ حكاه القاضي الحسين. وقال ابن الصباغ: [والذي] عندي أنه يصلي فيه؛ لأن العذر يبيع [كالحِكَّة]، وبه جزم في "التتمة"، وهذا نظير ما سلف: أنه إذا لم يجد إلا إناء من ذهب أو فضة، جاز له استعماله. والفرق بينه وبين الثوب النجس: أن الصلاة تصح فيه بلا خلاف مع القدرة على غيره، ولا كذلك الثوب النجس. ولا خلاف في أنه لا تحرم عليه الصلاة في الثوب ذي الأعلام والصور. نعم: تكره فيه وإليه وعليه؛ إذا كان يلهيه؛ لما روي عن عائشة قالت: كان لي ثوب فيه صور، فكنت أبسطه، وكان- ﵇ يصلي عليه، فقال: "أَخْرِجِيهِ عَنِّي. فجعلت منه وسادتين". قال: وإن اشتبه عليه ثوب طاهر وثوب نجس، صلى في الطاهر على الأغلب عنده، أي: بالاجتهاد؛ لأن طهارة الثوب شرط في الصلاة، فجاز الاجتهاد فيها عند الاشتباه كالقبلة. وظاهر كلام الشيخ: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون قادراً على غيرهما أو معه ثوب طاهر غيرهما، وهو المذهب، لكن الأفضل أن يصلي في الطاهر بيقين. وقيل: لا يجوز له الاجتهاد مع وجود ثوب طاهر بيقين، وقد تقدم مثله في الأواني، وهو جارٍ فيما إذا كان معه ما يقدر على غسل أحد الثوبين المشتبهين به. قال في "التتمة": لكن بالترتيب؛ لأنه ثَمَّ لا يلحقه ضرر إذا منعناه من الاجتهاد،

стр. 938

وهنا يلحقه ضرر بتفويت الماء عليه، وربما يحتاج إليه لأمر آخر؛ فلا يلزمه ذلك. نعم: لو اجتهد، فأدى اجتهاده إلى نجاسة أحدهما وطهارة الآخر، فغسل النجس بزعمه، فهل يصلي في الآخر؟ فيه الوجهان. وقد منع المزني من الاجتهاد في الثوبين مطلقاً، موجهاً ذلك بأنه قادر على الوصول إلى أداء فرض بيقين بأن يصلي في كل ثوب صلاة، ولا يجوز أن يؤديه بالاجتهاد كمن نسي صلاة من الخمس [لا يعرف عينها، يصلي الخمس]، قال: وخالف هذا الإناءين حيث جاز له الاجتهاد فيهما؛ لأنه لو أمر أن يتطهر بكل واحد منهما، لكان حاملاً للنجاسة بيقين. وهذا من المزني تخريج على مذهب الشافعي، وإلا فمذهبه فيمن نسي صلاة من الخمس: أنه يصلي صلاة واحدة أربع ركعات ينوي بها الفائتة، ومذهبه في الأواني: أنه يريقها، ويتيمم. وقد رد الأصحاب عليه قوله، وقالوا: لو فعل ما ذكره، كانت الصلاتان باطلتين؛ لأنه يدخل في كل منهما بثوب لا يتحقق طهارته، ولا هو ظان لها؛ فهو متردد في الشرط، والشك في الشرط شك في المشروط؛ فلا يصح منه؛ للإخلاص المأمور به في العبادة، ويلزمه عليه ألا يجتهد في جهة القبلة، وأن يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات. وهذا الإلزام يمكنه أن يخرج عنه بأن يقول: الأصل في كل ثوب الطهارة، فإذا صلى فيه تمسك بأصل سابق فأثار له ظناً بالصحة، ولا كذلك القبلة؛ فإنه ليس الأصل في كل جهة أنها القبلة. نعم: الفرق بين ما نحن فيه وبين ما تمسك به: أنه إذا صلى خمساً، فهو دائر بين صلاة فريضة أو نافلة بنية الفريضة، والكل قربة صحيحة، وهو في الثوبين دائر بين صلاة صحيحة أو باطلة. ولأن المشقة تلحقه في الثياب؛ فإنا لو كلفناه ذلك، للزم أن نكلفه إذا اشتبه عليه

стр. 939

ثوب نجس بعشر ثياب طاهرة فأكثر: أن يصلي في كل ثوب صلاة، ولا كذلك فيما إذا نسي صلاة من الخمس؛ فإنه لا يزيد عليها. والحكم عندنا فيما لو اشتبه عليه ثوب طاهر بثياب نجسة أو بالعكس، كما لو اشتبه الثوب بالثوب، ولا يجب عليه عندنا إعادة الاجتهاد لصلاة أخرى. قال الماوردي: والفرق بينه وبين القبلة: أنها في موضعها لا تنتقل في أحوالها؛ فيكون مهبُّ الشمال في وقت قبلةً له، ومهب الجنوب في وقت قبلة له، وقد يكون ضدُّهما في وقت قبلةً له، ومهب الجنوب في وقت قبلة له، وقد يكون ضدُّهما في وقت قبلةً له؛ لتغير أحوال وتنقّل أماكنه؛ فلأجل ذلك وجب تكرار الاجتهاد؛ لتكرُّر الصلوات، والثوب الطاهر محكوم له بالطهارة في كل زمان؛ ولأجل ذلك لم يلزمه إعادة الاجتهاد. وقال القاضي الحسين والمتولي: يجب عليه أن يعيد الاجتهاد ثانياً، وهو الذي صححه الرافعي والنواوي، فإن أدى اجتهاد إلى ما [أدى] إليه الأول فذاك، وإن أداه إلى طهارة الثاني، قال القاضي الحسين: فحكه حكم ما لو وجد ثوباً نجساً فقط، وفي وجوب استعماله وجهان: فإن قلنا: يجب، استعمل أي الثوبين شاء، وأعاد الصلاة. وإن قلنا: لا يجب، فلا يصلي في واحد منهما، بل يصلي عارياً، [وقد] بينا حكم العاري. وقال في "التتمة" فيما إذا أدى اجتهاده الثاني إلى طهارة الثاني، ونجاسة الأول: كان عليه- على الصحيح من المذهب- أن ينزع الأول ويلبس الثاني، وتصح

стр. 940

الصلاتان كما في القبلة، وهو ما ذكره في "الروضة". قال المتولي: وخالف هذا ما إذا اجتهد في الأواني، وتغير اجتهاده؛ حيث لا نأمره بموجب الثاني؛ لأنا لو أمرنا به، احتجنا أن نأمره بغسل ما وصل إليه الماء في الكرة الأولى من جوارحه وثيابه، وتلك أفعال تلزمه بسبب استعمال الماء الأول لا بسبب الصلاة، وها هنا لبس الثوب الآخر يلزمه بسبب الفرض المتوجه عليه لا بسبب اللبس الأول؛ فصار نظير مسألة القبلة. قلت: وأيضاً: فإنه في الأواني يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد، ولا كذلك في الثياب. وقال الماوردي فيما إذا أعاد الاجتهاد، فبان له نجاسة ما صلى فيه وطهارة ما تركه: إن علم ذلك قطعاً أعاد صلاته، وإن كان عن اجتهاد فلا يعيد ما صلى بالأول، ولا يسعه أن يصلي في الأول، ومذهب الشافعي: أنه يصلي عرياناً، وعليه الإعادة. وقال ابن سريج: يصلي في الثاني ولا يعيد. على نسق ما قاله في الإناءين. وفي "الوسيط" في باب استقبال القبلة: أن القولين في الإعادة عند تيقن الخطأ في القبلة جاريان في الثياب والأواني، وذلك صريح بإجراء الخلاف في الحالة التي جزم بها الماوردي بالإعادة. فروع: أحدها: إذا تلف أحد الثوبين قبل الاجتهاد، فهل له أن يجتهد في الثاني؟ فيه وجهان، أصحهما: لا، وهو اختيار ابن سريج. [الثاني:] إذا غلب على ظنه نجاسة أحدهما فغسله، قال العراقيون: فله أن يصلي في كل واحد منهما منفرداً. وقال القاضي الحسين: في جواز صلاته فيما لم يغسله الوجهان في صلاته بالاجتهاد مع إمكان صلاته في ثوب طاهر بيقين. فإن قلنا: يجوز، فهل يجوز أن يصلي فيهما جميعاً؟ فيه وجهان، أصحهما في "الحاوي": نعم.

стр. 941

والخلاف جارٍ فيما لو كانت النجاسة في أحد كميه واشتبه عليه، وقلنا: يجوز الاجتهاد فيهما، فاجتهد، فأدى اجتهاده إلى نجاسة أحدهما، فغسله- فهل يصلي في الثوب أم لا؟ حكاه القاضي الحسين وغيره، واختار الشيخ أبو محمد فيهما المنع، واختار الصيدلاني الجواز، قال الإمام: وهو الظاهر عندي. [الثالث:] إذا اجتهد، ولم يغلب على ظنه طهارة واحد منهما، فإن أمكنه تطهير أحدهما، لزمه. وفي "التتمة" وجه آخر: أنه لا يلزمه؛ لأنه لا يتحقق نجاسة ما يغسله، وتكليفه غسل ما لا يتحقق نجاسته إضرار به. وإن لم يمكن غسل واحد منهما، صلى عرياناً، وأعاد؛ لأنه صلى ومع ثوب طاهر بيقين؛ قاله ابن الصباغ. وحكى المتولي معه وجهاً آخر: أنه يصلي في أيهما شاء، ويعيد. وقال الماوردي: إن مذهب المزني: أنه يصلي في أحدهما، ويعيد في الآخر- قد ساعده عليه بعض الأصحاب في هذا الموضع، ولو فعل ذلك أجزأه على مذهب الشافعي- أيضاً- وإن كان لا يوجبه عليه، وفيه نظر؛ لما أسلفناه عن غيره. قال: وإن خفي عليه موضع النجاسة في الثوب غسله كله؛ لأن أثر غلبة الظن الحاصل من الاجتهاد إنما هو في دفع المانع العارض للسبب الأصلي المقتضي للطهارة، وإذا زال المانع عمل السبب الأصلين والثوب الواحد زال عنه اليقين بتحقق النجاسة، ولم يبق فيه أصل يرجع إليه بعد الاجتهاد، وطهارة موضع منه لا تفيد غلبة الظن والطهارة فيما عداه. نعم: إذا كانت النجاسة في أحد كميه، واشتبه عليه، فهل يتحرى فيهما؟ فيه وجهان، المختار في "المرشد" منهما: الجواز. قال الماوردي: وعلى الوجهين يتخرج ما إذا أخبره شخص بوقوع النجاسة في أحدهما، هل يجوز له قبول خبره؟ إن قلنا: لا يجوز الاجتهاد، فلا يجوز، وإلا فيجوز. والوجهان في الأصل جاريان- كما قال القاضي الحسين- فيما لو أصاب أحد

стр. 942

طرفي العمامة نجاسة، وخفي عليه، فلا خلاف في أنهما إذا فصلا، جاز الاجتهاد فيهما، بخلاف ما لو شقَّ الثوب النجس نصفين؛ فإنه لا يجوز [له] الاجتهاد؛ لاحتمال وقوع النجاسة في محل القطع. وقال ابن سريج: إذا خفي عليه موضع النجاسة [من الثوب] فغسل بعضه كفاه. والمذهب: الأول. وقد أفهم قول الشيخ: "وإن خفي عليه موضع النجاسة"، أنه لو عرف موضع النجاسة غسلها فقط، وهو كذلك، اللهم إلا أن يكون الثوب قبل وقوع النجاسة- أيضاً- مغسولاً؛ فإن المتولي حكى وجهين: أحدهما: يغسل موضع وقوعها فقط. والثاني: يغسله كله. وأفهم قوله: غسل كله، أنه لو غسل نصفه مرة، ثم نصفه الآخر مرة أخرى: أنه لا يجزئه، وهو المحكي عن صاحب "التلخيص"، وفي "النهاية" و"الإبانة" و"تعليق" القاضي الحسين والبندنيجي؛ لأن ورود النجاسة مُتَيَقَّن، والغسل على هذه الصفة لا يفيد زوال النجاسة بيقين؛ فإنه لا يمنع تقدير النجاسة على منتصف الثوب، ولو فرض الأمر كذلك لكان الغسل المفروض فاسداً. وقال صاحب "الإفصاح": إن ذلك يجوز وإن كان الثوب متضمِّخاً بالنجاسة؛ كما قاله القاضي الحسين، ويقال: إنه الأصح في "التهذيب". وقال الإمام: إنه مزيف، متروك عليه، غير معدود من المذهب، والوجه: القطع بالأول. قال القاضي الحسين: وهو اختيار القفال، والأصح. ومن الأصحاب من قال: يتصور غسله في دفعتين بأن يصب [الماء] على أعلى الثوب إلى النصف، ثم [يصبه] على النصف الباقي؛ لأن البلة لا تترادُّ إلى الأعلى؛

стр. 943

فلا تنتشر إليها؛ لأن طبع كلِّ مائِع الانحدارُ. قال: وهذا غير صحيح. [والبندنيجي قال: إن خلافه ليس بشيء]. فرع: لو لم يجد ما يغسل به الثوب، ولا شيء معه غيره، صلى عرياناً، ولا إعادة عليه؛ نص عليه في "المختصر" وعامة كتبه؛ كما قال البندنيجي، ولم يَحْكِ الماوردي غيره. وقال في "مختصر" البويطي مثل هذا، ثم قال: وقد قيل: يصلي فيه [ويعيد. قال جمهور العراقيين: وهذا ليس قولاً في المسألة، ولكنه] حكاه عن غيره. والخراسانيون والقاضي أبو الطيب والروياني في "تلخيصه" أخذوا بظاهره، وجعلوه قولاً ثانياً في المسألة. ومنهم من حكى الخلاف في المسألة وجهين مع وجه ثالث: أنه يتخير بين أن يصلي فيه أو عرياناً. ثم إذا قلنا بمذهب العراقيين، فاضطر إلى لبسه- لحرٍّ أو برد- صلى فيه، وأعاد على الجديد، وعلى القديم: لا يعيد؛ كما لو صلى وعلى قَرْحَةِ دم يخاف من غسله. والخلاف في الإعادة جارٍ- على ما حكاه المتولي- فيما إذا قلنا: إنه [لا] يجب عليه أن يصلي فيه عند فقد الخوف. [والقاضي الحسين قال: إن قلنا: يلزمه لبسه، صلى فيه، وأعاد، إلا على رأي المزني في أن من ترك ركناً أو شرطاً؛ للعجز- لا إعادة عليه. وإن قلنا: لا يصلي فيه، فهل يصلي قائماً أو قاعداً؟ فيه قولان، أظهرهما: الأول، وعلى هذا: لا إعادة عليه. وعلى الثاني: هل يضع الجبهة على الأرض أو يدنيها من الأرض؟ فيه وجهان.

стр. 944

وعلى الوجهين يلزمه الإعادة في ظاهر المذهب]. ولو كانت المسألة بحالها، لكن عرف موضع النجاسة من الثوب، فهل يجب قطع موضعها، قال القاضي الحسين والمتولي: إن كان أرش النقص يزيد على أجرة مثله، لم يلزمه، وإلا لزمه. وقال الشاشي: هذا تعسف؛ فإن الزمان الذي يصلي فيه لا أجرة لمثله حتى يقابل بها الأرض، بل الوجه أن يقابل الأرش بقيمة الثوب؛ فإنه يلزمه ابتياعه بثمن المثل. قلت: وهذا لا وجه له؛ لأنه إذا ابتاع الثوب، صلى فيه، وبقيت ماليَّته، وبالقطع تزول المالية. وقد نَجَزَ شرحُ مسائل الباب، ولنختمه بفروع تتعلق به: أحدها: إذا خفي عليه موضع النجاسة من أرض: فإن كانت واسعة: كالصحراء، صلى في أي موضع شاء منها بغير اجتهاد. وإن كانت ضيقة، أو كانت النجاسة في بيت- لم يجز أن يصلي فيه حتى يغسله على أصح الوجهين؛ لأنه كالثوب الواحد. ومقابله: أن يصلي فيه حيث شاء من غير اجتهادٍ؛ كالصحراء؛ كذا قاله أبو الطيب، وكلام البندنيجي يشير إليه. قال بعضهم: وهذه المسألة شبيهة بما إذا اختلطت أخته بنسوة: فإن كثرن جاز أن ينكح من شاء منهن، وإلا فلا يجوز. والرافعي قال: إنه هل يجوز أن يجتهد فيه، ويصلي فيما يغلب على ظنه طهارته، أو هو كالثوب إذا وقعت فيه نجاسة لم يعرف موضعها؟ فيه الوجهان، وقال: إنهما جاريان في البساط إذا وقعت فيه نجاسة. والذي حكاه القاضي الحسين والمتولي فيه: أنه يتحرى في البساط عند كل صلاة إلى أن يبقى من البساط قدر محل النجاسة.

стр. 945

وألحق في "التتمة" البيت به. ولا خلاف في أن النجاسة لو كانت في أحد البيتين، اجتهد فيهما. الفرع الثاني: إذا أصاب ثوبَهُ أو بدنَهُ نجاسةٌ، واشتبه عليه محلها، وأصاب بيده المبلولة بعض بدنه أو ثوبه- لم ينجس؛ لأن الأصل الطهارة. الفرع الثالث: وقد جرت العادة بأن يستعان بالثيران في دَوْس الغلة، وكثيراً ما تبول وتروث، فإذا اتخذ خبزاً من غير غسل الحنطة فهو طاهر، ولا يجب غسل الفم [من تناوله؛ لعدم تحقق النجاسة، والاحتياط غسل الفم]، قاله القاضي الحسين، والله أعلم.

стр. 946

كفاية النبيه شرح التنبيه الجزء الثالث المحتوى تتمة كتاب الصلاة

стр. 947

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب استقبال القبلة سميت [القبلة] قبلة؛ لأن المصلي يقابلها وتقابله، وهي الكعبة، روى البخاري عن ابن عباس أن النبي ﷺ ركع [في] قُبُل البيت [ركعتين]، وقال:"هذه القبلة"،

стр. 948

وسميت-: كعبة؛ لارتفاعها عن الأرض، ومنه كعبة الرجل.

стр. 949

وقيل: سميت بذلك؛ لاستدارتها وعلوها، وقد بنيت خمس مرات، آخرها بناية الحجاج، وسنوضح ذلك في" [باب] صفة الحج" إن شاء الله تعالى. وهي المسجد الحرام، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧]، وقد كان النبي ﷺ لما فرضت الصلاة بمكة يستقبل بيت المقدس؛ كما قاله المتولي وغيره. وقال الإمام: إنه كان يستقبل الصخرة من بيت المقدس؛ فإنها قبلة الأنبياء قبله، وهذا مروي عن الزهري، ولم يوجد له إسناد صحيح، ومشهور: أن إبراهيم-﵇-كانت قبلته الكعبة، وكذا إسماعيل-﵇-يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥]. واختلف العلماء [وكذلك أصحابنا] في أنه-﵇[كان] يستقبل ذلك برأيه واجتهاده أو عن أمر من ربه على قولين: ووجه الأول-قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. ووجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْه﴾ [البقرة: ١٤٣]. نعم، هل [كان] ذلك بقرآن أو بغير قرآن؟ أفهم كلام الأصحاب خلافاً فيه، واستدل أبو الطيب على [أنه] كان واجباً بالقرآن بقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ الآية [يونس: ٨٧] وكان – ﵇-مدة مقامه بمكة يجعل الكعبة بينه وبينها، فيقف بين الركنين اليمانيين، ويستقبل الكعبة وبيت المقدس معاً؛ فيجمع في الاستقبال بين قبلة إبراهيم ﵇-وغيره من الأنبياء ﵈ فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه ذلك إلا باستدبار الكعبة؛ [لأن المدينة عن يسار الكعبة، فشق ذلك عليه، واختلف في سببه: فقيل: لأنه كان يحب أن يصلي إلى قبلة أبيه إبراهيم ﵇ وهو ما رواه

стр. 950

ابن جرير الطبري بإسناده عن ابن عباس. وقيل: لأن اليهود-لعنهم الله-قالوا: يخالفنا محمد، ويتبع قبلتنا، وهذا قول مجاهد. وبعضهم يقول: لأن اليهود-لعنهم الله-قالوا: يخالفنا محمد، ويتبع قبلتنا، وهذا قول مجاهد. وبعضهم يقول: لأن اليهود عيرته، وقالوا: هو على ديننا، ويصلي إلى قبلتنا. والأول أقوم، ثم الثاني إن صح فهو مثول بمعنى: أنه على ديننا في القبلة. ولما شق ذلك على النبي ﷺ سأل جبريل أن يسأل ربه أن يجعل قبلته الكعبة؛ فعرج جبريل لذلك؛ فكان النبي ﷺ يقلب وجهه في السماء؛ فأنزل [الله] عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية [البقرة:١٤٤] قال بعضهم: وكان بمسجد بني سلمة، وقد صلى بأصحابه ركعتين من الظهر، فتحول في الصلاة، واستقبل الميزاب فسمي ذلك [المسجد] بمسجد القبلتين. وقد جاء في البخاري ما يدل على أن ذلك [كان] قبل العصر؛ فإنه قال في حديث البراء: "وصلى، ثم خرج بعد ما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله ﷺ وأنه نحو الكعبة". [لكن] روى مسلم عن البراء من طريق، [و] عن عبد الله بن عمر: بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، [وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة]. وهكذا رواه مالك، والشافعي، والترمذي، وقال:
следующие страницы →