Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.
стр. 8856
البندنيجي: إنه يبعث بهما ثانياً، ويبعث مع كل واحد منهما غيره.
وقال الماوردي: إن قول الشافعي- ﵁: "أعادهما مع غيرهما" يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يعيد ثانياً للبحث؛ فربما ظهر لمن عدل جرح يوافق [فيه] صاحبه، ويسمع الحاكم من كل منهما رجوعه إلى ما بان له من خلاف الشهادة الأولى.
والاحتمال الثاني: أن يكون معنى قوله: "أعادهما"، يعني: عن الشهادة، إلى حيث شاء؛ لينظر ما شهد به الثالث.
قال: فإن عدله اثنان وجرحه اثنان قدم الجرح على التعديل؛ لأن شهادة الجرح [شهادة على] أمر باطن، وشهادة العدالة [شهادة] على أمر ظاهر، فكانت تلك أولى؛ لأنها علمت ما خفي على الأخرى؛ فصار هذا كما لو شهد اثنان بدين، وشهد آخران بقضائه- تقدم شهادة القضاء؛ أنها علمت ما خفي على الأخرى؛ ولأن الجارح مثبت والمعدل نافٍ، والإثبات أولى من النفي.
وهكذا الحكم فيما لو شهد اثنان بالجرح، وثلاثة فأكثر إلى مائة بالتعديل؛ كما قاله القاضي الحسين وغيره.
وألحق الإمام بهذه الصورة ما إذا تحقق عند القاضي الفسق بالتسامع، وشهد معدلون على العدالة كما حكيناه من قبل.
قال الأصحاب: ولا تقدم بينة التعديل على الجرح إلا في مسألة [واحدة]، وهي [إذا شهد] اثنان على جزحه في بلد، ثم انتقل إلى بلد أخرى، فشهد آخران منها بالتعديل؛ فإنه يقدم التعديل على الجرح. كذا أطلقوه، ويظهر أن محله إذا كان بين انتقاله من البلد الأول إلى الثاني مدة الاستبراء، وإلا فلا يقدم.
стр. 8857
وقد ذكر الطبري مسألة أخرى، وهي أن يقول اثنان: إنه زنى أو سرق، ويقول آخران: إنه تاب وحسنت حاله.
قال: ولا يقبل الجرح إلا مفسراً، أي: لا يقبل إلا بعد ذكر سبب الجرح؛ لأن أسبابه مختلف فيها، فقد يظن الشاهد ما ليس بجرح عند القاضي جرحاً، مع أن الاعتبار فيه بما يراه القاضي.
قال الشافعي- ﵁ في "الأم": شهدت رجلاً صالحاً شهد على رجل عند رجل بالجرح، فقال له: بم جرحته؟ فامتنع من تفسيره، وقال مثلي لا يخفى عليه الشهادة المجرحة، فألح عليه، وقال: لا أقبل حتى تبين السبب، فقال: رأيته يبول قائماً يترشش البول على ثيابه ورجليه ويصلي فيها، فقال: رأيته فعل ذلك؟ فقال: أراه سيفعل ذلك؛ فأسقط شهادته.
فإذا فسر الشاهد السبب نظر فيه القاضي: فإن كان عنده سبباً- أيضاً- حكم به وأسقط الشهادة، وإلا توقف كما قال الماوردي، وهذا بخلاف التعديل؛ حيث لا يشترط ذكر أسبابه على المشهور، قال ابن الصباغ: لأن أسبابه تكثر، ولا يمكن ضبطها. وقال القاضي أبو الطيب: لأن أكثر ما فيه أن يذكر ما يفعل من الطاعات وأداء الفرائض على حسب ما شاهده، وقد يفعل ذلك كله ويفسق بمعصية يأتي بها سرّاً، وليس كذلك سبب الجرح؛ فإنه يمكن الإحاطة به؛ فلهذا وجب كشفه.
قال الأصحاب: وكشفه أن يقول: رأيته يزني- كما قال الإمام- أو يسرق، أو يغصب، أو يلوط، ونحو ذلك، أو: أقر عندي بالزنا، أو السرقة، أو سمعته يقذف أو يكذب أو يمشي بالنميمة، أو يقول ما يعتقده من البدع المستنكرة؛ كما قاله الماوردي، ونحو ذلك. وهذا الذي أراده الشافعي- ﵁ بقوله: لا أسمع الجرح إلا بالمشاهدة أو السماع.
وقال البندنيجي وابن الصباغ: إن هذا القول من الشافعي عائد إلى أصحاب المسائل؛ لأنه يحتاج أن يعلم منه ما يفوضه الحاكم إليه من ذلك؛ ليشهد به عنده، وإنما يصير [به] عالماً بأن يعلم ذلك مشاهدة أو سماعاً. وألحقا- وكذا الماوردي- بما ذكرناه
стр. 8858
من قسم السماع، ما إذا سمع من عدد التواتر [أو الاستفاضة ذلك] عنه، وحصل له العلم، قالوا: ويطلق الشهادة في هذه الحالة كما يشهد بالموت والنسب والملك المطلق.
فأما السماع من الواحد والعشرة، فقد قال الشيخ أبو حامد: إنه لا يصير به عالماً بذلك، لكنه يشهد عند الحاكم بما سمع، ويكون شاهد فرع، والذي سمع منه شاهد الأصل؛ [فيكون حكمه حكم شاهد الفرع والأصل]، ولا يثبت عنده ما قال شاهد الأصل إلا باثنين.
قال ابن الصباغ: وهذا بخلاف ما ذكروه في الاستفاضة.
وهذا ما ذكره العراقيون، أعني: جملة ما ذكرته.
وفي "النهاية" أن من أصحابنا من لم يشترط هذه المبالغة في ذكر السبب، وعني بالمبالغة ما حكاه من قوله: رأيته يزني ونحو ذلك. قال: واكتفى بذكر ما بينه على ما يقع به الجرح لا محالة، وإنه خرجه بعض العراقيين على طريقة الإصطخري فإن مبناها على طرف من المسامحة.
قال الإمام: ووراء هذا سر، وهو أن المزكيين إذا جرحا بالنسبة إلى الزنى، ففي العلماء من جعلهما قاذفين إذا لم يساعدهما عليه شاهدان آخران، وبه قال بعض أصحابنا، ومنهم من يستثني مقام الجرح، ولا يجعل نسبته [إلى] الزنى في هذا المقام قذفاً، والسبب فيه الحاجة؛ فإن المزكي مراجع مستخبر، والقاذف من يبتدئ من غير مراجعة، فعلى الأول لا يكلفون التصريح بما يجب احتمال ما يأتون به إذا عرضوا؛ حتى [لا] يقضي عليهم عند التصريح بالإيجاب، وهذا تمهيد لعذر المراجع المستخبر، وعليه يحمل قوله ﷺ : "اذْكُرُوا الفَاسِقَ بِمَا فِيْهِ، يَحْذَرْهُ النَّاسُ".
стр. 8859
قلت: وما ذكره الإمام عن بعض الأصحاب [أنهم] غير قذفة، ينطبق عليه قول ابن الصباغ- حكاية عن الشيخ أبي حامد-: إن القاضي إذا سأل الشاهدين عن سبب الجرح، وكان زنى- لم يكن قذفاً، سواء كان بلفظ الشهادة أو بغير لفظها؛ لأنهما لم يقصدا إدخال المعرة عليه بالقذف، وإنما قصدا إثبات صفته عند الحاكم ليبني الحاكم حكمه عليه.
والماوردي قال بذلك فيما إذا كان الشاهدان من أصحاب المسائل، وقال فيما إذا كان من الجيران: إنهما قاذفان إذا لم تكمل الشهادة، والفرق: أن أصحاب المسائل ندبوا للإخبار بما سمعوه، بخلاف الجيران.
وكلام البندنيجي يقتضي أن ما حكي عن أبي حامد في أصحاب المسائل أيضاً [، ثم] فيما أبداه الإمام من عند نفسه في التوجيه- نظراً من حيث إنه يقتضي اختصاص الاكتفاء بالتعريض بالنسبة إلى الزنى، أما في غيره فلا، وقد أفهم كلامه أولاً الاكتفاء بالتعريض فيه، و [في] كل ما ينسبه إليه.
قال: وإن سأل المدعي أن يحبسه [حتى] تثبت عدالتهم حبس؛ لأن الظاهر عدالة الشهود، وإنما يتوقف الكشف عن جرحهما، ولأن المدعي قد فعل ما عليه من إحضار البينة، وبقي على الحاكم ما عليه من معرفة العدالة؛ [كذا] قاله الماوردي وابن الصباغ في كتاب اللعان، وهو مختار أبي إسحاق المروزي كما حكيناه عند الكلام في المحبسين، والذي صححه البغوي، وقال في "المهذب":
стр. 8860
إنه ظاهر المذهب، وبه جزم القاضي أبو الطيب قبيل كتاب الدعاوى؛ حيث قال: إنه يحبس قولاً واحداً.
وعلى هذا: فلا تتقيد مدة حبسه، والمرجع فيها إلى القاضي كما قاله في "البحر".
وفي "الرافعي" أن العراقيين والقاضي الروياني قالوا: إن الحبس قبل التعديل يبقى إلى ظهور الأمر للقاضي بالتزكية [أو الجرح]، ولا تتقدر له مدة. وكذا رأيته في "تعليق" البندنيجي قبيل باب القضاء على الغائب، ولم يحك الإمام سواه في آخر باب الشهادة على الوصية، ووراء ذلك وجوه [أُخر]:
أحدها- حكاه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما عند الكلام في المحبسين-: أنه لا يحبس، وهو رأي الإصطخري، وقد حكاه المصنف والبغوي ها هنا، ولم يحك القاضي الحسين في باب الشهادة على الوصية سواه، وأشار إليه الإمام [ثم]، ووجهه: أن الأصل براءة الذمة، والحق لا يوجبه إلا ظهور العدالة، ولم تظهر، مع أنه عقوبة في الحال.
وهذا ما رجحه القاضي الحسين قبيل كتاب الدعاوى، وقال: إن الأول لا يصح. بعد أن نسبه إلى قول العراقيين من أصحابنا، لكنه يطالب بكفيل، وحينئذ فيكون اختياره: أنه لا يحبس، ويطالب بكفيل، وقد حكاه البغوي وجهاً آخر هكذا، وقال: إن له ملازمته على طلب الكفيل. [قال]: وإذا بعث القاضي معهما رجلاً يستكفل، فالأجرة على المدعي.
الثالث: قال الإمام في كتاب اللعان: إني وجدت في بعض الطرق رمزاً إلى أن المدعى عليه لا يحبس في القذف والحد.
стр. 8861
الرابع: حكى البندنيجي وابن الصباغ والقاضي الحسين والإمام عن الإصطخري: أنه لا يحبس في المال، وإن قلنا: يحبس في القذف والقصاص؛ لأن المال يمكن استيفاؤه في غيبته، بخلاف القذف والقصاص.
قال ابن الصباغ: وما ذكره من الفرق ليس بصحيح؛ لأن المال قد يتعذر استيفاؤه في غيبته بأن يخفيه، ولا يظهر للحاكم.
وهذا حكم طلب الحبس، فلو طلب من القاضي أن يحجر عليه في المال في صورة كون المدعي به ديناً؛ مخافة أن يضيع ماله، أو يحتال فيعزيه لإنسان- فهل يجاب؟
حكى الإمام قبيل كتاب الدعاوى [فيه خلافاً] عن الأصحاب، والذي قاله الأكثرون: أنه لا يجاب؛ فإن ضرر الحجر عظيم، فلا سبيل إلى الإجابة إليه، [قال]: ولا يتجه عندنا إلا هذا، وقال القاضي-[يعني] الحسين-: إن كان يتوهم القاضي هذا في المشهود عليه بأن كان يعرفه محتالاً خصماً، فله أن يجيبه، وإلا فلا.
والذي رأيته في "تعليقه": أنه إن طلب الحجر وجب على الحاكم أن يحجر عليه، وإن لم يسأل ففي وجوبه عليه وجهان:
أحدهما: هو حق لله تعالى؛ كالتعديل على أصلنا، لا يفتقر إلى سؤال الخصم.
والثاني: لا يجب، بل [هو] حقه كالكفالة ببدن من عليه الحق.
ثم [قال:] إذا قلنا بالوجوب فلو أغفله القاضي فلم يحجر [عليه]، وتصرف المشهود عليه بالبيع أو بالإقرار، ثم خرج الشهود عدولاً- هل ينقض تصرفه أم لا؟ الظاهر: أنه ينقض، ويحتمل أن يقال: لا ينقض، ونظيره: مجرد السفه والتبذير هل يوجب الحجر أم لا؟
وقد حكى عن رواية أبي الحسين بن القطان: أن الدين المدعي به يستوفي، ويوقف.
стр. 8862
ولو كان المدعي عيناً، وطلب المدعي الحيلولة بينه وبينها، أجيب إلى ذلك إن كانت العين مما يخاف هلاكها والتفويت عليها، وتؤجر إذا أمكن إيجارها عند الطلب، وإن كانت عقاراً فوجهان حكاهما الإمام، وأشبههما في "الرافعي"، وبه جزم القاضي الحسين، وهو قضية إطلاق الأكثرين: أنه يجاب أيضاً.
وعن حكاية أبي الفرج عن الإصطخري: أنه لا تنزع [العين] أصلاً.
وفي "التهذيب" إجراء وجهين في الحيلولة وإن لم يطلبها المدعي، كما سنذكرهما في الحيلولة بين العبد المدعي العتق وبين سيده.
ولو كان المدعي عبداً ادعى على سيده أنه أعتقه، وسأل القاضي أن يحيل بينه وبين سيده- أجيب، ويتكسب وينفق عليه من كسبه، فإن فضل شيء حفظ وسلم إليه إن زكيت البينة، وإلا فيسلم للسيد إن جرحت [البينة]، فإن لم يكن [له] كسب، أنفق عليه من بيت المال، [ثم يرجع] على سيده إن بان جرح الشهود واستمرار الرق، وإن بان حرّاً فقيراً فلا رجوع.
وعن ابن كج حكاية وجهين في أن العبد هل يؤجر بدون طلبه أو طلب السيد، أم لابد من طلب أحدهما؟ قال الرافعي: والأول أقرب إلى ظاهر النص.
ولو لم يطلب العبد الحيلولة، فهل للقاضي فعلها؟ فيه وجهان في "التهذيب"، والذي حكاه القاضي الحسين والإمام: أن له ذلك إذا رآه، وأنه لو كان المدعي العتق أمة، وجب احتياطاً للبضع.
وكذا [فيما إذا] كان المدعي طلاقاً تتحتم الحيلولة.
ولو كان المدعي به زوجية امرأة منعناها من الانتشار على المشهور، وذكر بعض الأصحاب وجهاً: أنها لا تمنع، بخلاف العبد؛ فإن الأصل في المرأة الحرية وتخلية السبيل، قال الإمام: وهذا وجه ضعيف، وإذا قلنا [به]، فهل نأخذ
стр. 8863
[منها] كفيلاً؟ قال الصيدلاني: فيه وجهان ذكرهما صاحب "التقريب".
قال: فإن قال المدعي: لي بينة غائبة، فهو بالخيار إن شاء حلف المدعى عليه؛ لأن الغائبة كالمعدومة، وإن شاء صبر حتى تحضر البينة؛ لأن الحق في طلب اليمين له، فله تأخيره، وليس له أن يلازمه إلى حضور بينة؛ لقوله ﷺ : "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ، لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَلِكَ"، وهذا بخلاف ما لو كانت البينة في البلد؛ فإن له أن يلازمه إلى حضورها ما كان مجلس الحكم في يومه باقياً؛ فإذا انقضى المجلس لم يكن له ملازمته ما لم يشهد بوجود البينة قرينة، فإن شهدت أحواله بوجود البينة، جاز أن يلازمه إلى غاية أكثرها ثلاثة أيام، كذا حكاه الماوردي في باب: ما على القاضي في الخصوم.
وحكى في "البحر" في الفروع المذكورة بعد كتاب الأقضية أن ابن أبي أحمد قال: عندنا لا يلازمه إلا أن يكون في مقدار جلوس القاضي، فيلازم حتى تحضر البينة. وهذا ما حكى الغزالي أن القضاة اصطلحوا عليه.
قال: وإن أقام شاهداً واحداً، أي: عدلاً، وسأله أن يحبسه حتى يأتي بالثاني، أي، وقال: إنه في مكان قريب؛ كما قال الشافعي- ﵁ ففيه قولان:
أصحهما: أنه لا يحبس؛ لأن الحق لم يثبت بعد، وهذا ما نص عليه في اللعان، وقد وافق الشيخ في تصحيحه ابن الصباغ وصاحب "البحر" [والبغوي] والنواوي.
والثاني: يحبس؛ لأنه لما حبس مع كمال العدد ونقصان العدالة جاز أن يحبس مع كمال العدالة ونقصان العدد، وهذا ما ادعى الرافعي [أن] الروياني اختاره.
стр. 8864
فعلى هذا: لو كان الشاهد مجهول الحال، فهل يحبس؟ فيه وجهان في "البحر"، وكذا في "الحاوي" و"النهاية" قبيل كتاب الدعاوى. وإذا قلنا: يحبس في حال كونه عدلاً، جرى جميع ما ذكرناه عند إقامة الشاهدين المجهولين فيه، إلا ما سنذكره من تقييد مدة الحبس.
والقائلون بتصحيح الأول فرقوا بأن العدالة إذا ثبتت تبين بظهورها قيام الحجة مستنداً إلى وقت قيام الشهادة، ولا كذلك في الشاهد الواحد؛ فإن عند الإتيان بالثاني تتم.
وقد حكى القاضي الحسين [الخلاف في أصل المسألة وجهين، وقيل: إن كان في المال، حبس] قولاً واحداً؛ لأنه يمكنه أن يحلف مع شاهده ويستحق، فجرى مجرى حضور الشاهدين، وهذه طريقة أبي إسحاق، كما حكاه البغوي والمصنف ها هنا.
وقال الإمام والقاضي الحسين في كتاب اللعان: إن الخلاف في هذه الصورة مرتب على الخلاف في نظيرها من حد القذف والقصاص، وها هنا أولى بالحبس؛ لما ذكرناه. ثم قال الإمام: وقد يعارض ذلك بأن الحلف مع الشاهد إذا كان ممكناً فيجب أن يقال للمدعي: أنت متمكن من إثبات حقك باليمين، [فإن حلفت ثبت حقك] فافعل هذا أو خَلِّ حقك، وهذا كلام فيه فقه، وإذا عارض ما قدمناه في الترتيب أسقطه. انتهى.
стр. 8865
وقد حكى الرافعي هذا طريقة عن رواية أبي الفرج، لكن ابن الصباغ والبندنيجي قالا: إنه يحبس في المال قولاً واحداً على رأي الأصحاب، وعلى رأي الإصطخري: لا يحبس، ولا خلاف أنه لا يحبس عند إقامة الشهادة في حدود الله- تعالى- لطلب الاستزكاء؛ لأنها مبنية على المساهلة، أما إذا قال: إن الشاهد الثاني في مكان بعيد- وهو الذي يتعذر حضوره منه في ثلاثة أيام- فإنه لا يحبس قولاً واحداً؛ كذا صرح به القاضي أبو الطيب وصاحب "البحر" قبيل كتاب الدعاوى، وحكاه في "الشامل" عن أبي إسحاق.
ومن طريق الأولى: إذا ادعى أن شاهده قريب، فحبسناه ثلاثة أيام، ولم يحضره- أنه يخرج، وهو ما حكاه الرافعي عن العراقيين والروياني، وقد نقله ابن شداد عن "النهاية" و"الحاوي"، وهو فيهما في آخر باب الشهادة بالوصية، ورأيته في "تعليق" البندنيجي قبيل باب القضاء على الغائب.
فرع: الثمرة والغلة الحادثتان بعد شهادة الشاهد الأول لمن تكون؟ ينظر: إن أرَّخ الثاني شهادته بيوم شهادة الأول أو بما قبله، كانت للمدعي، وإلا فلا شيء له إلا من حين شهادة الثاني، كذا حكاه الرافعي، والقاضي الحسين نسبه في موضع قبيل [باب] مختصر الدعوى إلى نص الشافعي- ﵁ ثم قال: إذا أقام شاهداً واحداً في المال، فإن قلنا: يحجر عليه، فعلى هذا نوجب عليه أجر المثل من وقت إقامة الشاهد الأول، ويقع الملك له عقيب [إقامة الشاهد] الأول، ون قلنا: لا يحجر عليه، فعلى هذا ما حصل من النماء والزيادة بعد إقامة [الشاهد الأول] وقبل [إقامة الشاهد الثاني،] يكون ملكاً للمدعى عليه، وفيه قول آخر: أن الثمرة والنتاج الذي حصل بعد إقامة الشاهد الأول وقبل الثاني، تكون ملكاً للمدعي.
قال: وإذا علم الحاكم [- أي: بالمشاهدة-] وجوب الحق فهل له أن يحكم بعلمه، أي: على من تسوغ له الشهادة عليه، ولمن تسوغ شهادته له؟ فيه ثلاثة أقوال:
стр. 8866
أحدها: يحكم؛ لقوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]، وهو يعلم أن أحدهما محق في الخصومة؛ فلزمه الحكم بالحق، وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "لَا تَمْنَعُ أَحَدَكُمْ هَيْبَةُ النَّاسِ [أَنْ يَقُولَ] فِي حَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ".
لأنه يجوز له الحكم بشهادة الشاهدين، وذلك من طريق الظن؛ فبالعلم أولى، وهذا ما نص عليه في "الرسالة" حيث قال: وأقضي بعلمي وهو أقوى من شاهدين، أو شاهد وامرأتين، وهو أقوى من شاهد ويمين، وهو أقوى من النكول ورد اليمين.
وقال الربيع: كان الشافعي- ﵁ يرى القضاء بالعلم، وكان لا يبوح به لقضاة السوء، وقد اختاره المزني، وصححه الجمهور ومنهم الماوردي والروياني والفوراني، وبعضهم قطع به.
والثاني: لا يحكم؛ لقوله ﷺ : "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ، لَيْسَ لَكَ إِلَّا ذَاكَ".
وقد روي عن عمر- ﵁ "أَنَّهُ تَدَاعَى عِنْدَهُ رَجُلَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ شَاهِدِي، فَقَالَ: إِنْ شِئْتُمَا شَهِدْتُ وَلَمْ أَحْكُمْ، [وَإِنْ شِئْتُمَا حَكَمْتُ] وَلَمْ أَشْهَدْ".
ولأن علمه لو أقيم مقام الشاهدين لا يعقد النكاح بحضوره وحده.
وهذا ما قال الرافعي إن الروياني اختاره، وصححه في "الوجيز"؛ لفساد الزمان وتعرض الشبهات إليه.
وعلى هذا: لو شهد عنده شاهد بما علمه، فهل يقوم علمه مقام شاهد آخر؟ فيه
стр. 8867
وجهان، أصحهما في "الوسيط": المنع، قال الإمام: وهو القياس.
والقائلون بالقول الأول أجابوا عن الحديث بأنه ﷺ لم يكن يعلم في تلك الواقعة من المحق منهما.
وعن أثر عمر- ﵁ بأنه لم يثبت.
وعن النكاح: فالمغلب في حضور الشهود فيه التعبد، والتهمة موجودة فيما إذا قال: ثبت عندي وصح لدي، كذا من غير أن يبين سبب الثبوت، ومع ذلك لا يمنع نفوذ الحكم؛ فدل على عدم تأثيرها في الحكم.
وهذان القولان نص عليهما في "الأم"؛ كما قاله الماوردي.
والثالث: يحكم في غير حدود الله- تعالى- لما ذكرناه، ويدخل في ذلك الزكوات، كما قاله القاضي الحسين، ولا يحكم في حدوده، وهي: حد الزنى، والسرقة، والمحاربة، والشرب؛ لأنها تدرأ بالشبهات، ومندوب إلى الستر فيها، وقد روي أن أبا بكر- ﵁ قال: "لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً عَلَى حَدِّ لَمْ أَحِدَّهُ حَتَّى تَقُومَ البَيِّنَةُ عِنْدِي".
وهذه الطريقة هي التي ذهب إليها الأكثرون؛ كما قال في "الحاوي"، وأن القائل بطرد القولين في الجميع هو ابن سريج وابن أبي هريرة.
وقد رتب المراوزة الخلاف في المسألة، فحكوا في الحكم بالعلم في الأموال قولين، وفي حدود الله- تعالى- قولين مرتبين على [الأولين، وأولى بالمنع، وفي الحدود المتعلقة بالآدمي قولين مرتبين على] [القولين في حدود الله تعالى]، وأولى بالجواز.
أما [إذا علم بوجوب الحق بالخبر المتواتر، فإن قلنا: يقضي بما علمه بالمشاهدة فها هنا أولى، وإلا فوجهان محكيان في "النهاية" قبيل باب "كيف تفريق قسم الصدقات":
стр. 8868
أحدهما: لا كالمعلوم بالمشاهدة.
والثاني: يقضي؛ لأن المحذور [من] منع القضاء بالعلم تعرضه للتهمة، فإذا شاع الأمر زال هذا المعنى.
وأما] الحكم على من لا تقبل شهادته عليه، [أو الحكم] لمن ترد شهادته له- فممتنع قطعاً، وقد أشرنا إليه فيما تقدم.
قال القاضي الحسين وغيره: ولا خلاف أنا وإن قلنا: لا يقضي بعلمه، فلا يسوغ له القضاء بخلاف علمه، وذلك مثل أن يشهد شاهدان على زوجية، والقاضي يعلم أن بينهما محرمية أو طلاقاً ثلاثاً، أو يشهدا على موت إنسان في تاريخ ذكراه، وهو يعلم أنه كان حيّاً في ذلك الزمان، أو برِق عبد والقاضي يعلم أنه أعتقه.
وقد نسب بعضهم إلى الإصطخري أنه قال يتعين القضاء بالعلم في مواضع:
منها: أن يقر عنده أنه طلق امرأته ثلاثاً، ثم يدعي زوجيتها.
ومنها: أن يدعي أن فلاناً قتل مورثه وهو يعلم أنه قتله غيره.
ومنها: أن يدعي رجلأن المرأة التي في يده أمته، ويصدقه على ذلك، والقاضي يعلم أنها ابنته.
وفي "الحاوي": أنا إذا [لم نجوز] الحكم بالعلم، فأدى عند القاضي شاهدان بما يعلم خلافه، هل يجوز حكمه بشهادتهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن الشهادة هي المعتبرة في حكمه، دون علمه، [وهذا يوافقه الوجه الصائر إلى أنه لا يقضي في الجرح بعلمه].
والثاني- وهو أصحح-: لا يجوز؛ لأنه [متحقق لكذبهما].
تنبيه: ظاهر كلام الشيخ يقتضي أموراً:
أحدها: أن محل جواز الحكم في القضاء، بالعلم، لا بالظن، وعليه ينطبق قول
стр. 8869
الإمام هاهنا: إنا إذا [جوزنا له أن يقضي] بعلمه، فذلك فيما يستيقنه لا ما يظنه، وإن غلب على الظن فإن الظنون لها مآخذ لا تستند إلى غيرها. وقوله في كتاب التفليس: ومن لطيف الكلام في ذلك: أن كل ما تستند الشهادة فيه إلى اليقين فلو علمه القاضي بنفسه اختلف القول في جواز قضائه بعلمه، ولو انتهى القاضي فيما لا علم [فيه] له على منتهى يشهد فيه، كالأصول التي ذكرناها- فلا يحل له القضاء، وإن كان يحل له أن يشهد بما أحاط به وظهر عنده، فليتأمل الناظر في هذا؛ فإنه من أسرار القضاء.
والذي ذكره من الأصول هي الشهادة على أنه لا مال له أو لا وارث له، والشهادة بالتعديل، والشهادة على الأملاك، وقد سئل الغزالي ذلك في قوله: ولا خلاف أنه لا يقضي بظنه الذي لا يستند إلى بينة.
لكن في كلام غيرهما ما ينازع في ذلك، قال الماوردي في كتاب اللقيط: إذا رأى [الشاهد] رجلاً يتصرف في دار مدة طويلة من غير معارضة جاز أن يشهد له بالملك على قول، كما يجوز للحاكم أن يحكم به، والحكم أوكد من الشهادة، والثاني: لا يجوز ذلك للشهود وإن جاز للحاكم؛ لأن للحاكم أن يجتهد، وليس للشهود أن يجتهدوا، وليس هذا إلا بناءً على جواز القضاء بالعلم، [وهو غير حاصل في هذه الصورة.
وكذلك صاحب "التهذيب" والأئمة- كما قال الرافعي- مثَّلوا القضاء بالعلم] الذي هو محل الخلاف: بما إذا ادعى عليه مالاً، وقد رآه القاضي أقرضه ذلك، أو سمع المدعى عليه أقر بذلك، قال [الرافعي]: ومعلوم أن رؤية الإقراض وسماع الإقرار لا يفيد اليقين بثبوت الحكم به وقت القضاء؛ فدل ذلك على أن المراد من [القضاء] بالعلم: [ليس اليقين؛ بل الظن المؤكد].
стр. 8870
[قلت: ولا شك في أن ما قاله الماوردي مخالف لما قالاه، فأما ما ذكره البغوي وغيره فقد يجاب عنه أن يقال: ما أسند القضاء إليه هو الإقرار والإقرار الذي هو السبب، ولاشك في أنهما معلومان؛ فلذلك نفذنا قضاء القاضي إذا كان ذلك مستنده في القضاء التعرف والتسامع ونحوهما؛ فإنه لم يستند إلى معلوم].
[قلت: وسيأتي ما يعضد ذلك.
وفي "أدب القضاء" لابن أبي الدم: أن في موضع من "النهاية": أن القاضي قال: هل يقضي القاضي بعلمه؟ فيه خلاف، فإن منعناه فهل يقضي بما علمه من أخبار التواتر؟ فيه خلاف مرتب على ما إذا علمه بالمشاهدة، وأولى بالجواز ها هنا؛ لأنه لا تهمة تلحقه فيما إذا علمه بأخبار التواتر، بخلاف علمه بغيرها؛ فإنه متهم].
الثاني: أنه لا فرق في جريان الخلاف بين أن يكون ما حصل له من العلم قبل ولايته أو بعدها في محل ولايته أو غيره، وهو ما صرح به القاضي أبو الطيب والحسين وغيرهما من الفريقين، لكن هذا اللفظ يشمل ما إذا كان العلم قد حصل في مجلس الحكم أو غيره، وعليه ينطبق ما حكاه الماوردي عن لفظ الشافعي- ﵁ في أدب القضاء من الأم، حيث قال: لا يجوز فيه- أي القضاء بالعلم- إلا واحد من قولين:
أحدهما: أنه له أن يقضي [بكل ما] علم قبل الولاية وبعدها في مجلس الحكم [وغيره من حقوق الآدميين.
والثاني: لا يقضي بشيء من علمه في مجلس الحكم وغيره] إلا أن يشهد شاهدان على مثل ما علم؛ فيكون علمه وجهله سواء.
وفي "النهاية" و"الإبانة": أنا إذا قلنا: لا يقضي بعلمه، فأقر شخص على رءوس الأشهاد- حكم عليه قولاً واحداً؛ فإن الإقرار في محل الحكم حجة ظاهرة، وقال الغزالي: إنه أقوى الحجج. وهذا وجه حكاه الماوردي عن الأكثرين، ومنهم الكرابيسي وابن سريج، مع وجه آخر موافق لمذهب مالك: أنه لا يقضي إذا أقر عنده
стр. 8871
خصم إلا أن يشهد بإقراره شاهدان؛ كي لا يصير حاكماً بعلمه، وقد منعناه، وعلى هذا الوجه ينطبق ما حكيته عن البندنيجي وغيره عند قول الشيخ: والمستحب ألا يحكم إلا بمشهد من الشهود. وظاهر النص الذي حكيناه عن "الأم" يدل عليه أيضاً. نعم، الخلاف المشهور فيما إذا أقر عنده سرّاً، هل يحكم به وقد منعنا القضاء بالعلم؛ لأنه حجة، وجملة مجالس القضاء بمثابة مجلسه الذي يتصدى فيه [للقضاء]، هكذا وجه الإمام الجواز مع حكمه بتضعيفه، والتوجيه المذكور يعرفك أن المراد بالسر: ما إذا أقر من محل ولايته لا في مجلس الحكم، وقد أشار الماوردي إلى تلخيص محل الخلاف في الإقرار في مجلس الحكم في موضعين من "الحاوي":
أحدهما: في كتاب الأقضية حيث قال: إذا ادعى رجل على رجل حقّاً، فأجاب المدعى عليه بالإقرار قبل سؤال القاضي صار القاضي حاكماً فيه بعلمه، فإن منع من الحكم بالعلم لم يجز أن يحكم به عليه إلا أن يقر بعد سؤاله.
والثاني: في كتاب الإقرار حيث قال: لا يصح الإقرار إلا بأربعة شروط، الشرط الرابع [منها]: وهو المقر عنده، وهو من يصير الحق به محفوظاً، وهو أحد نفسين: إما حاكم ملزم، أو شاهد متحمل، فإن كان الإقرار عند حاكم، فمن شرطه: أن يكون بعد سماعه الدعوى عليه، فإن أقر قبل سماع الدعوى أو من غير دعوى، ففي صحة الإقرار لأصحابنا وجهان:
أحدهما: يصح، وحكاه ابن المنذر عن الشافعي، ﵁.
والثاني: لا يصح.
قال: ويشبه أن يكون اختلافهم في هذا مخرجاً من اختلاف قوليه: في أن الحاكم هل له أن يحكم بعلمه أم لا.
الثالث: أنه لا فرق فيما جرى الخلاف فيه بالقضاء بالعلم بين شيء وشيء، وقد قال العراقيون- كأبي الطيب والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم-: إنه يقضي في الجرح والتعديل بعلمه وجهاً واحداً، حتى قال الماوردي عند الكلام في البحث عن
стр. 8872
حال الشهود: إن هذا مما لم يختلف فيه مذهب الشافعي، ﵁.
وهذا الذي وعدنا من قبل أنه يدل على أن المراد بالعلم: الظن المؤكد؛ لأن العدالة لا تعلم يقيناً.
وبعض المراوزة لما نظر إلى ذلك، ونظر إلى أنه لا يحكم إلا بما علمه- منع القضاء بالتعديل، إلا بعد تزكية شاهدين، وهذا ما حكيته عن رأي الإمام في كتاب التفليس، والقاضي الحسين رأى تخريج الحكم بالعدالة على القضاء بالعلم، وفي "الذخائر" طرده في الحكم بالجرح أيضاً، وقد حكى الماوردي [هذا طريقة] في كتاب الشهادات عند الكلام في حرية الشاهد، حيث قال: وكان بعض أصحابه- يعني الشافعي، ﵁ يقول: هل يحكم بعلمه في الجرح والتعديل أم لا؟ فيه قولان.
واعلم أن الماوردي قال ها هنا: إنا إذا جوزنا القضاء بالعلم كان نفوذه معتبراً بشرطين:
[أحدهما:] أن يقول للمنكر: قد علمت أن له عليك ما ادعاه.
والثاني: أن يقول: وحكمت عليك بعلمي، فإن اقتصر على أحد الشرطين وأغفل الآخر [لم ينفذ حكمه] قال: وإن سكت المدعى عليه ولم يقر ولم ينكر، أي: ولا صمم به ولا خرس- قال له الحاكم: إن أجبت وإلا جعلتك ناكلاً؛ تنبيهاً له على الحكم.
قال: ويستحب أن يكرر [ذلك عليه] ثلاثاً، أي: ويعرفه أن حكم النكول استيفاء الحق بيمين المدعي؛ لاحتمال أن يكون قد لحقه دهش أو لا يعرف حكم النكول.
قال: فإن أجاب وإلا جعله ناكلاً، [أي] بأن يقول: قضيت عليك بالنكول، أو يقول للمدعي: احلف، وحينئذ إذا حلف قضى له، قال في "المهذب": لأنه لا يخلو
стр. 8873
إذا أجاب من أن يقر أو ينكر، فإن أقر فقد قضى عليه بما يجب على المقر، وإن أنكر فقد وصل إنكاره بالنكول فقضينا عليه بما يجب على المنكر إذا نكل عن اليمين، وقد تقدم فيما يتم به النكول عن اليمين [كلام] هو بعينه جار ها هنا فيما فهمته من كلامهم، وقد أشار إليه الماوردي- أيضاً- حيث قال: من امتنع عن الإقرار والإنكار قد يقول: لا أقر ولا أنكر، أو يسكت فلا يجيب؛ فيجري عليه حكم الناكل.
وقال الإمام في باب الامتناع من اليمين: إنه إذا سكت ولم يجب المدعي، قال له: أجب فليس بك بكم ولا صمم، فإن تمادى على سكوته جعل ذلك إنكاراً في حكم عرض اليمين، ثم يعرض اليمين، ويجعل التمادي على السكوت نكولاً عن اليمين إذا لم يظهر عنده سبب مسكت.
وهذا معنى قول الغزالي: أما السكوت فهو قريب من الإنكار.
أما الأصم أو الأخرس إذا كانت له إشارة مفهمة فهو كالناطق، وإن لم تكن قال في "الحاوي": فهو كالغائب؛ فيجري عليه حكم الغائب.
ولا يجوز القضاء بالنكول عندنا [من غير يمين المدعي] إلا في مسائل نذكرها- إن شاء الله تعالى- في باب اليمين في الدعاوى على خلاف فيها.
قال: وإن قال: لي حساب أريد أن أنظر فيه، لم يلزم المدعي إنظاره؛ لأن فيه تأخيراً لحقه، وهذا قد حكاه الإمام هنا وفي كتاب الإقرار، ولم يحك سواه، ومقتضى ما حكيناه عن "المهذب" وغيره من إمهاله في اليمين ثلاثة أيام بعد [إنكاره للحق]، أن يمهل ها هنا ذلك أيضاً. وذكر القاضي أبو سعد أنه يمهله إلى آخر المجلس إن شاء.
قال: فإن قال: برئت إليه مما يدعي أو قضيته، فقد أقر بالحق؛ لأن البراءة إليه والقضاء فرع ثبوت الحق؛ فكان دعوى ذلك إقراراً به.
قال: ولا يقبل قوله في البراءة والقضاء إلا ببينة؛ لأن إسقاط حق غيره [عنه]
стр. 8874
بقوله غير جائر، وما حكاه الشيخ من قوله: برئت إليه منه، هو ما أورده البندنيجي، وادعى في "الإشراف" أنه الذي ذكره عامة أصحابنا.
وفي "البحر" أنه إذا قال: برئت إليه من هذا المال، قال ابن أبي أحمد: مذهب الشافعي- ﵁ أنه يسأل عنه، فإن قال: قضيت، كان إقراراً، وحلف المدعي بالله ما اقتضاه، وإن قال: برئت إليه بأن حلفت له أو أقمت بينة على إقراره فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، ولم يجعل قوله: برئت إليه من هذا المال، [إقراراً بالمال].
وفي "الإشراف" أن صاحب "التلخيص"- وهو ابن أبي أحمد- قال: إن مذهب الشافعي- ﵁ أن هذا ليس بإقرار إلا أن ينويه، وهذا بخلاف قوله: أبرأني من هذا المال؛ فإنه إقرار به على الأصح؛ كما قدمت حكايته في كتاب الصلح من هذا الشرح، قال القاضي الطبري- كما حكاه في "البحر"-: ويمكن أن يفرق؛ فإن قوله: أبرأني يقتضي ثبوت المال قبل إبرائه؛ لأن ما يبرأ منه بإبرائه هو المال الثابت. وأما قوله: برئت إليه، أو: عندي براءة من هذا المال، يحتمل أن يكون قد حلف له على إنكاره أو غير ذلك؛ فرجع في تفسيره إليه.
وفي "الإشراف" ما يقتضي أن قوله: برئت إليه، مرادف لقوله: قضيته؛ فإنه قال: لو شهد شاهد أن رب الدين استوفى منه الدين، وشهد شاهد بأن الغريم برئ منه إليه- أي: برئ من الدين إلى من له الدين- أن المصنف قال: يجمع بين الشهادتين؛ لأنه أضاف [البراءة] إلى الغريم؛ وذلك عبارة عن فعل الإيفاء والإقباض؛ ألا ترى أنه لو قال رب الدين: برئ الغريم منه إليّ، كان إقراراً بالقبض؟! وحينئذ فيكون كلام الشيخ منطبقاً على هذا، لكن الظاهر من كلام الشيخ [أن] قوله برئت إليه مما يدعي، أو: قضيته، لفظان متباينان لا مترادفان، وهذا قريب، وما حكاه الشيخ في حالة قول المدعى عليه: قضيته، هو ما حكاه البندنيجي وابن الصباغ في أواخر باب
стр. 8875
الدعوى على كتاب أبي حنيفة عن الشافعي- ﵄ ثم قالا: وهذا [على أصح] القولين [فيما] إذا قال: لفلان عليّ ألف قضيتها، فهل يقبل قوله في القضاء أم لا؟ وهذا الذي قالاه يدفع الفرق [الذي يطلب] بينهما، والله أعلم.
قال: وإن قال: لي بينة قريبة بالقضاء والإبراء، أمهل ثلاثة أيام؛ لأن هذه مدة قريبة لا يعظم الضرر فيها، ومقيم البينة يحتاج إلى مثلها لاستيثاق الشهود والفحص عن غيبتهم وحضورهم واستحضار الغائب منهم.
وعن القاضي الحسين: أنه لا يمهل أكثر من يوم واحد؛ لأنه يشبه أن يكون متغيباً.
قال: وللمدعي ملازمته حتى يقيم البينة؛ لأن حقه ظهر، ومعنى الملازمة: ألا يفارقه، فإذا أراد الدخول إلى منزله دخل معه إن أذن له، وإن لم يأذن [له] منعه من الدخول، كذا رأيته منسوباً لحكاية الروياني في "الروضة"، وليس ببعيد.
فرع: من عليه دين في الظاهر لغائب ولم يطالب به، وله حجة على الإبراء، وأراد أن يقيمها- هل له ذلك؟
قال في "التتمة" في كتاب اللعان في ضمن فرع أوله: إذا ثبت عليه الحد ولم يطالبه به- ما يقتضي الجزم بالسماع.
والذي أورده الماوردي عند الكلام في كتاب قاض إلى قاض: عدم السماع، وطرده فيما إذا ادعى القبض، أو ادعى أنه اشترى شقصاً مشفوعاً، وأراد إقامة البينة على العفو] عن الشفعة، أو ادعى أنه اشترى شيئاً وأراد إقامة البينة على إقباض الثمن، أو ادعت امرأة أن زوجها طلقها وأنها ليست آمنة أن يتعرض لها، وأرادت إقامة البينة على ذلك، وكذا قال فيما لو ادعت ذلك والزوج حاضر ولم يخالطها، وحكى وجهين في السماع فيما إذا ادعت ذلك [وكان] الزوج غائباً، وأرادت الخروج إلى البلد الذي الزوج [فيه].
стр. 8876
وقال القاضي الحسين في "فتاويه": والحيلة فيما إذا أراد أن يقيم البينة على البراءة قبل الدعوى: أن ينصب مسخراً يدعي على من عليه الدين بأن لي على فلان كذا، أو أن له في ذمة هذا كذا، فَمُرْهُ يسلمه إليَّ، فيدعي من عليه الدين الإبراء منه ويقيم البينة عليه- فإن القاضي يسمعها، ويكتب له كتاباً إلى قاضي البلد الذي فيه رب الدين بسماع البينة، أو الحكم إن كان قد حكم.
قال: وإن لم [يكن له] بينة حلف المدعي؛ أي: عند طلب المدعى عليه يمينه إنه ما برئ [إليه] منه ولا قضاه، واستحق، أي: القبض؛ لأن ما ادعاه محتمل، واليمين تعتمد الاحتمال.
وهكذا الحكم فيما لو قامت عليه البينة بالدين، ولم يقض بها بعد، فادعى أنه برئ إليه منه، أو قضاه قبل إقامة البينة أو بعدها، وطلب يمينه عند الإنكار؛ لأن الحق في هذه الحالة يصير الحكم به بالإقرار لا بالبينة؛ لأنها تسقط بالإقرار قبل الحكم، وهذه الصيغة قد قررنا أنها تتضمن الإقرار، صرح به القاضي الحسين. نعم، لو كانت الدعوى بعد القضاء بالبينة نظر: فإن كانت دعوى القبض قال القاضي الحسين: فحق على القاضي ألا يصغي إلى قوله؛ لأن القضاء بشهادة الشهود ألزمه الحق، وإن كانت دعوى البراءة سمعت؛ لأنه ليس في ذلك تكذيب للشهود؛ لأنهم يشهدون على الظاهر.
قلت: وقياس هذه العلة أن تسمع دعوى القبض أيضاً.
ولو كان المدعى عليه قد أجاب المدعي بدعوى البراءة من المال، وقلنا بالصحيح: إنه يكون مقرّاً به، وكذبه المدعي، وطلب يمينه، قال الشافعي- ﵁: يحلف بالله: إن هذا الحق- ويسميه تسمية يصير بها معلوماً- لثابت عليه، ما اقتضاه ولا شيئاً منه، ولا اقتضاه [من] مقتض بأمره ولا بغير أمره فوصل إليه، ولا أحال به ولا بشيء منه، [ولا أبرأه منه ولا من شيء منه. وزاد في "الأم": ولا كان منه ما يبرأ به من دينه ولا من شيء منه]. وعنى به صدور جناية أو إتلاف بقدر
стр. 8877
دينه، قال في "المختصر" و"الأم": وإنه لثابت عليه إلى أن حلف هذه اليمين.
قال أبو إسحاق المروزي: هذا إذا ادعى البراءة مطلقاً، أي: مثل أن قال: برئت من حقه، فإن ادعى البراءة بجهة معلومة، أي: مثل أن ادعى أنه استوفى حلف: إنه ما استوفى فقط.
قال في "الشامل": وقال أصحابنا: يمكنه أن يجمع ذلك بأن يحلفه: إنه لم يبرأ من ذلك الحق بقول ولا فعل، ولو أحلفه: ما برئت ذمته من ذلك ولا من شيء منه، أو: ما برئت ذمته من ذلك الحق- كفاه، وما ذكره الشافعي- ﵁ تأكيد. وظاهر [هذا] اللفظ يقتضي الجزم بعدم ذكر الجهات عند دعوى البراءة بجهة معينة، وذكر خلاف في وجوبها عند إطلاق دعوى البراءة [، وقد قال البندنيجي والماوردي: إنه لا خلاف عند إطلاق دعوى البراءة] أنه لا يجب التعرض لقوله: وإن حقي لثابت عليه إلى أن حلف هذه اليمين. وحكاية الخلاف فيما عدا ذلك. قال الماوردي: والأكثرون على الاشتراط. وحكى عند تعيين جهة البراءة وجهين في أن يمينه تكون مقصورة على النوع الذي ادعاه، أو مشتملة على غيره من الأنواع، والأصح: الأول، وظاهر ما أطلقه الشافعي- ﵁: الثاني، وعلى هذا: هل تكون واجبة أو احتياطاً؟ فيه الوجهان المذكوران.
ثم ما ذكره الشيخ من توقف الاستحقاق على الحلف هو نظر المشهود فيما إذا ادعى أنه أبرأني من الحق: أنه لا يستحق القبض ما لم يحلف على نفي البراءة، وإلا فقد حكي عن القاضي الحسين في مسألة دعوى البراءة: أن الحق يستوفى أولاً، ثم يحلف إن شاء المدعى عليه، فإن هذه دعوى جديدة، وقال في "الوسيط": إنه بعيد. وهو على بعده يظهر جريانه في مسألتي الكتاب، وعلى الأول قال الرافعي: إن هذا يخالف ما إذا قال المدعى عليه لوكيل المدعي: قد أبرأني موكلك؛ حيث يستوفى منه الحق، ولا يؤخر إلى حضور الموكل وحلفه؛ لعظم الضرر في التأخير، وهنا التحليف متيَسّر في الحال.
стр. 8878
ولو كان المدعَى عيناً، فقال المدعى عليه للمدعي: قد بعتها مني أو وهبتها، فكذبه، وأراد المدعى عليه إقامة البينة على ذلك- فعلى طريقة القاضي: تنزع العين من يده وتسلم للمدعي، ثم يقال للمدعى عليه: أثبت ما ادعيته واستردها.
وعن الصيدلاني وغيره: أن بينة الشراء لو كانت حاضرة لم تُزَل يده، فإن استحقاق المدعي في الحال لا يتحقق. نعم، لو كانت غائبة فقال: لا تزيلوا يدي وأمهلوني ثلاثة أيام لأقيم البينة، قال الإمام: فلا يمهله بلا خلاف.
قال: وإن ادعى على ميت، [أي]: ولا وارث له معين، أو غائب، أي: عن البلد إلى مسافة القصر، ولا وكيل له حاضر أو وصي، أي: لا نائب له، كما قيده الإمام، أو مستتر في البلد وله بينة- سمعها الحاكم؛ للإجماع.
[قال]: وحكم بها:
أما في الميت والصبي فبالاتفاق منا ومن الخصم- وهو أبو حنيفة- وفي معناهما المجنون، وكذا الأخرس الذي لا تفهم إشارته؛ كما ذكره في "الإشراف".
وأما في الغائب والمستتر؛ فلقوله- تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]، وما شهدت به البينة على الغائب والمستتر حق؛ فوجب الحكم به.
ولأن هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان بن حرب أتت رسول الله ﷺ فقالت: "إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيْحٌ لَا يُعْطِيْنِي مَا يَكْفِيْنِي وَوَلَدِي، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ سِرّاً، فَهَلْ عَلَيّ فِي ذَلِكَ مِنْ حَرَجٍ؟ [فَقَالَ لَهَا]: خُذِيْ مَا يَكْفِيْكِ [وَوَلَدَكِ] بِالْمَعْرُوْفِ"، وهذا قضاء منه ﷺ على غائب؛ لأن أبا سفيان لم يحضر، ولم تكن فتوى؛ لأنه قال لها: "خذي"، ولو كان فتوى لقال [لها]: لا بأس عليك ونحوه. وقد قام علمه ﷺ بأنها زوجته مقام البينة.
стр. 8879
ولأن في الامتناع من القضاء على الغائب والمستتر إضاعة للحقوق التي ندب الحكام [إلى حفظها]؛ لأنه لا يعجز الممتنع من الوفاء عن الغيبة والتستر، والشرع يمنع من ذلك.
وأيضاً: فبالقياس على الميت، والصبي، والمجنون، والجامع: تعذر الجواب من المدعى عليه، وإلى هذا أشار الشيخ بجمعه بين الصور الأربع في الحكم.
[وألحق] القاضي الحسين بحال الغيبة التي يسمع فيها الدعوى: ما إذا أحضرا لخصم خصمه إلى المجلس، ثم هرب قبل أن يسمع الحاكم البينة عليه، أو بعدما سمعها، وقبل أن [يحكم؛ فإنه] يحكم عليه، وادعى [أن هذا] لا خلاف فيه.
قال: وحلف المدعي، أي: قبل الحكم إن كان هو المستحق؛ لأنه [هو] المنقول عن الأصحاب.
والاعتذار عن الشيخ: أن الواو لا تقتضي الترتيب على الصحيح.
قال: إنه لم يبرأ إليه [منه]، ولا من شيء منه؛ احتياطاً للمحكوم عليه لأجل عجزه عن الجواب؛ فإنه لو كان قادراً عليه فربما كان قد ادعى ما يبرئه، ودعواه مسموعة؛ لأنها لا تنافي ما شهدت به البينة. ووراء ما ذكره الشيخ أمور [أخر]:
أحدها: حكى الغزالي وجهاً: أن المتواري والمتعذر لا يجعل كالغائب في سماع الدعوى عليه؛ كما [أن] منع المهر [والثمن] لا يلحق بالإفلاس على وجه. وهذا معزي [إلى القاضي] الحسين، ورأيته في "تعليقه"، وسنذكر عند الكلام في الاستعداء [شيئاً يتعلق] به.
الثاني: إذا سمعنا البينة على المستتر، وجوزنا القضاء عليه- ففي "الحاوي" عند
стр. 8880
الكلام في الاستعداء: أنه لا يحلف المدعي؛ لأن الخصم قادر على الحضور. وهذا ما حكاه الرافعي عن "العدة".
الثالث: حكى صاحب "الإشراف"، وغيره: أن [أبا] حنيفة [قال]: "لا يقضي على الغائب وإن جوزنا سماع البينة لأجل نقلها إلى حاكم آخر، إلا إذا اتصل بحق حاضر"، وأن أبا سعيد قال: هذا قول الشافعي؛ لأنه علق القول في ذلك.
وفي "النهاية": أن صاحب "التقريب" حكى في مواضع من كتابه قولاً غريباً للشافعي- ﵁ في منع القضاء على الغائب، رواه حرملة عنه.
فإن كان هذا [القول] مطلقاً فقد حصل في القضاء على الغائب ثلاثة أقوال، وأصحها: ما في الكتاب، وعلى هذا: فهل اليمين التي تشرع في ذلك وما ذكر معه- كما سنصفها- واجبة حتى تكون ركناً في القضاء، أم مستحبة؟ المشهور: أنها واجبة في الصور كلها، وفي "الإشراف" حكاية رواية ثانية؛ ادعى في موضع آخر منه أنها قول غريب: أن اليمين لا تجب فيما ذكرناه، بل تستحب؛ لأن دعوى الإبراء أو الأداء إن كانت فهي دعوى جديدة لا تفوت.
والإمام حكى عن [رواية القاضي الوجهين عن الأصحاب في أن اليمين [التي] سنصفها عن] روايته ورواية القاضي الحسين من بعد- في حق الغائب- وقال: إن الثاني هو الأصح، وهو الذي قال القاضي الحسين في "تعليقه": إنه الأظهر، وإن الوجهين يقربان من أن التغليظ بالزمان والمكان هل يكون واجباً أو مستحبّاً؟ وفيه وجهان، ووجه التقريب: أن الزمان والمكان تأكيد لليمين، واليمين في مسألتنا تأكيد للبينة.
стр. 8881
وقال الرافعي في باب الدعاوى والبينات: إنه يمكن بناء الوجهين على الوجهين في أن دعوى المدعى عليه بعد الحكم عليه الإبراء من الدين أو قبضه [منه] أو هبته العين المدعى [عليه] بها قبل شهادة الشهود بذلك، هل تسمع [كما يسمع قبل] حكم الحاكم عليه؟ فإن قلنا: تسمع دعواه بعد الحكم، فالتحليف مستحب، وإن قلنا: لا تسمع- كما هو الأصح في "التهذيب" فواجب؛ كي لا يفوت بالحكم عليه الدعوى، وبالتحليف أن لا تجعل الغيبة عذراً مانعاً من الفوات.
قلت: ولو صح هذا البناء للزم إذا حكم الحاكم بعد الاستخلاف، وقدم الغائب، وبلغ الصبي- ألا يكون على حجته، وقد اتفقوا على أنه على حجته.
ثم قال الإمام: وقد قال الأئمة: إن من ادعى على صبي أو مجنون أو ميت، ولا نائب لهم، فإذا أقام البينة فلا بد من التحليف؛ كما ذكرنا في القضاء على الغائب، والذي أراه: أن التردد الذي ذكره القاضي في أن اليمين احتياط أم وجوب، لا يجري في هذه المسائل؛ فإنا نتوقع من المدعى عليه إذا انتهى إليه كتاب القاضي إلى موضعه أن يدعي بنفسه، وهذا لا يتحقق في الصبي والميت والمجنون، وحكم نفوذ القضاء إيصال الحق إلى مستحقه، وعلى هذا جرى في "الوسيط"، وحينئذ فيحصل في المسائل طريقان في إيجاب التحليف أو استحبابه:
إحداهما: حكاية الخلاف في الجميع، وهي المذكورة في "تعليق" القاضي الحسين، والأصح منه- وبه جزم الماوردي والبندنيجي وغيرهما-: الوجوب.
والثانية: حكاية الخلاف في حق الغائب، وفي معناه: المستتر، والقطع بالوجوب فيمن عداهما، والله أعلم.
واعلم أن فيما ذكره الشيخ من كيفية التحليف نظراً؛ لأنا قدمنا في معنى قوله: برئت إليه مما يدعي، وجهين:
أحدهما: أنه بمعنى: قضيته، وعلى هذا لا ينبغي أن يكتفي بذلك، لأنه لا يلزم من كونه ما قضاه أن يكون مستحقّاً له؛ لأن أسباب الإسقاط أعم من ذلك؛ فلا احتياط [إذن].
стр. 8882
والثاني: أنه يحتمل القضاء، ويحتمل التحليف على عدم الاستحقاق، ويحتمل إقامة البينة على إقرار المدعي كما حكيناه عن ابن القاص، وعلى هذا أيضاً لا يقع الاحتياط بالاقتصار عليه.
لكن قد حكى ابن أبي الدم عن "تعليق" القاضي أبي الطيب: أن الحي إذا ادعى البراءة مطلقاً، فيمكن حصر الألفاظ التي ذكرها الشافعي- ﵁ بقوله: والله ما برئ إليَّ من الحق، ولا من شيء منه بقول ولا فعل، وإذا كان هذا كافياً في حق الحي، فكذلك في حق الميت، والذي قاله البندنيجي: أنه يحلف في حق الغائب والهارب عن مجلس الحكم: إن حقه الذي شهد له الشاهدان به ثابت عليه إلى وقتنا هذا. وكأنه- والله أعلم- أراد بهذا التحليف على استمرار ثبوت الحق، لا لثبوت أصل الحق؛ لأن أصل الحق قد قامت به البينة، والتحليف مع قيام البينة على أصل الحق لا يسوغ عندنا؛ لأن فيه قدحاً [في البينة].
والذي قاله الماوردي عند الكلام في كتاب القاضي: أنه يحلف في حق الغائب والصبي والمجنون والميت: بالله ما قبض الحق ولا شيئاً منه، ولا أبرأه منه، ولا من شيء منه [، ولا برئ إليه منه ولا من شيء منه، وإن حقه لثابت عليه. وأقل ما يجزئه أن يحلفه: إن حقه هو الثابت عليه.
وأبلغ من ذلك ما حكاه [الإمام] والقاضي الحسين أنه يستظهر في تحليفه بالاحتياط التام، فيحلفه: ما أبرأه من حقه]، ولا من شيء منه، ولا أحد بأمره، [ولا اعتاض عنه ولا عن شيء منه، ولا أحد بأمره]، ولا أحال به ولا بشيء منه، ولا أحد بأمره، وإنه يلزمه تسليم المدعَى [به] إليَّ، وإن شهوده شهدوا له بالحق.
وقد حكى الغزالي التعرض [بتصديق الشهود وجهاً أشعر إيراده بضعفه، وهو فيه
стр. 8883
متبع الإمام؛ فإنه قال: والتعرض] لتصديق الشهود فيه بعد عندنا. نعم، قد يشترط ذلك على مذهب إذا كان يحلف مع الشاهد الواحد؛ [لأن الشاهد] الواحد ليس ببينة، والبينة في مسألتنا كاملة. وهذا من الإمام مشعر بجواز القضاء على الغائب ومن في معناه بالشاهد واليمين، وقد صرح به [البغوي] والرافعي وغيرهما، لكنهم قالوا: هل يكتفي بيمين واحدة أم لابد من يمينين: يمين لتكملة البينة، ويمين للحكم؟ فيه وجهان، أشبههما: الثاني، وهو الذي اختاره ابن أبي الدم [؛ لأن الثبوت قبل الحكم، والثبوت يتوقف على اليمين أولاً، وكلام الإمام يقتضي الميل إلى الأول فتأمله، وقد قال ابن أبي الدم]: إن الشيخ أبا علي قال: إنه الأصح [، وإن الغزالي أجاب به في "الفتاوي".
ثم قال الإمام: وقد يعرض في التفريع على الوجه الأصح]- يعني: في كون التحليف واجباً- الاكتفاء بتحليفه على أنه يستحق الحق الآن، من غير بسط في ذكر الجهات.
قلت: وهذا الاحتمال هو ما حكيناه عن البندنيجي والماوردي، وهو المذكور في "التهذيب"، وبه يحصل في إيجاب البسط على النحو السابق وعدمه خلاف، ويشبه أن تكون مادته مأخوذة من الخلاف الذي حكيته عن أبي إسحاق وغيره في المسألة السابقة عند دعوى الحي البراءة مطلقاً؛ لأنا نقدر أن الغائب ومن في معناه لو كان حاضراً فربما ادعى البراءة مطلقاً.
وعلى قول عدم إيجاب البسط سؤال أشار إليه ابن أبي الدم، وهو أن الحي إذا قامت عليه بينة بحق، فطلب يمين المدعي على الاستحقاق- لا يجاب إلى ذلك؛ فكذلك ينبغي أن يكون حكم من قام مقامه. وأشار إلى جواب عنه فيما إذا كان الشهود قد شهدوا على الإقرار بالحق: بأن الحي لو ادعى أن شهادتهم عليه حق، لكنه أقر- بناءً على الصك على العادة- على أنه يقبضه، فإن [في] تحليف المدعي
стр. 8884
خلافاً، والأصح: التحليف، فعلى هذا وجب على القاضي التعرض لذلك، والله أعلم.
أما إذا كان للميت وارث معين، فالتحليف موقوف على طلبه، صرح به المصنف والبغوي وغيرهما.
ولو كانت الغيبة [إلى] مسافة قريبة، ففي "التهذيب": أن الصحيح من المذهب: أنه لا يجوز القضاء عليه وسماع الدعوى من غير إحضاره، وعلى هذا ففي حد القرب وجهان:
أحدهما: ما دون مسافة القصر.
والثاني: مسافة العدوى.
ومن أصحابنا من قال: يجوز القضاء عليه وسماع الدعوى [عليه] من غير إحضاره، وهذا ما حكاه في "البيان" عن العراقيين، حيث قال: ولم يشترط العراقيون في الغيبة حدّاً، وإنما اشترطوا خروجه عن البلد لا غير. و [عليه ينطبق ما] سنذكره من إطلاق الماوردي عند الاستعداء.
ولو كان للغائب وكيل لم يحتج المدعي إلى ضم اليمين إلى البينة، وكان القضاء مجمعاً عليه.
وفي "الرافعي" أن لأبي العباس الروياني جوابين في هذه الحالة في أن اليمين هل تتوقف على طلب الوكيل أو لا تتوقف؟ وانهما جاريان في المترد إذا كان له وكيل.
لكن المشهور الأول، وقد بنى الأصحاب عليه: أن شخصاً لو قال لشخص: أنت وكيل فلان الغائب، ولي عليه كذا، فأدعي [عليك] وأقيم البينة في وجهك، فإن علم أنه وكيل وصدقه، وأراد ألا يخاصمه- فليعزل نفسه، وإن لم يعلم فينبغي أن يقول: لا أعلم أني وكيل، ولا يقول: لست بوكيل، فيكون مكذباً لبينة عساها تقوم [على الوكالة]، وهذا بناءً على أنه لو صدقه كان له المخاصمة، وقد حكيت في كتاب الوكالة [فيه] خلافاً؛ فليُطلبْ منه.
стр. 8885
وهل للمدعي إقامة البينة على وكالته عند الإنكار؛ ليحصل له ما ذكرناه من الفائدة؟ فيه وجهان، ظاهر كلام أبي عاصم العبادي: نعم، قال الرافعي: والأظهر المنع؛ لأن الوكالة حقه، فكيف تقام البينة عليها قبل دعواه؟!
ولو كان المدعي وكيلاً وموكله حاضراً فهو الحالف، ولو كان غائباً- أيضاً- ففي "الوسيط" وغيره: أنه يحكم من غير يمين؛ لأن الوكيل لا يمكن تحليفه، وإيقاف الحكم على حضور الموكل وحلفه فيه إضرار، وهذا قياس قول القفال في المسألة المشهورة، وهي أن مستحق الحق لو وكل وكيلاً، فأتى موضع الخصم الغائب، وأثبت الوكالة، فقال المدعى عليه: إن موكلك قد أبرأني أو استوفى؛ فلا يلزمني تسليم ما أقمت البينة عليه ما لم يحلف موكلك. فتوقف فيها فقهاء الفريقين بمرو، فاستدرك عليهم الشيخ القفال، وقال: يقضي على المدعى عليه بموجب البينة، ثم إن كانت له دعوى فتسمع في وجهها على الموكل؛ لأنا لو سلكنا هذا المسلك، لانقطعت الوسائل والذرائع إلى استيفاء الحقوق بطريق التوكيل.
قال الرافعي: وقد وجدت في "تعليق" الشيخ أبي حامد مثل هذا الجواب في باب الوكالة.
قلت: وهو كذلك في "تعليق" القاضي أبي الطيب و"الشامل".
نعم، لو قال المدعى عليه للوكيل: أنت تعلم أن موكلك أبرأني، فاحلف على ذلك- فعن الشيخ أبي حامد: أنه يحلف على نفي العلم، [ومن الأصحاب من يخالفه ولا يحلف الوكيل، قال الرافعي: ولك أن تقول: يقتضي ما ذكره الشيخ أن يحلف القاضي- وقيل: المدعى عليه على الغائب- على نفي العلم] بالإبراء وسائر الأسباب المسقطة نيابة عن المدعى عليه؛ كما ناب عنه في تحليف من يدعي لنفسه.
[ولو كان المدعى] له صغيراً على صغير، فهل يحكم به في الحال، أو يوقف إلى البلوغ والحلف؟ قال القاضي الحسين: يحتمل وجهين؛ بناءً على أن اليمين في حق البالغ واجبة أو مستحبة. وحكاهما الرافعي- أيضاً- وحكى تلوهما: أن قيّم
стр. 8886
الطفل لو ادعى ديناً للصبي، فقال المدعى عليه: إنه أتلف [عليَّ] من جنس ما يدعيه ما هو قضاء لدينه- لم يسمعه؛ بل [عليه] قضاء دينه الذي أثبته القيِّم، فإذا بلغ [الصبي] حلفه.
واعلم أن كيفية الدعوى على الغائب المتفق عليها بين الأصحاب أن يقول: لي على فلان الغائب كذا، ويذكر ما هو معتبر في الدعوى على الحاضر، ويقول: وهو منكر لحقي ولي بينة؛ فإنه إذا لم يكن له بينة لم تفد دعواه شيئاً، فلو قال: إنه مقر بحقي، لم تسمع؛ لأن البينة [لا تقام] على مقر. وإن سكت عن ذكر الإقرار والإنكار فهل تسمع؟ فيه وجهان:
ميل الإمام إلى السماع؛ لأنه إن كان يدعي [جحوده في الحال، فهو محال، وكيف يدعي] جحود من لا يعلم حياته؟! وإن كان يدعي جحوده لما كان حاضراً، وقد مضى، فالبينة في الحال لا ترتبط بجحود ماض.
وإيراد الغزالي يميل إلى ترجيح المنع، وهو ما ادعى الإمام ميل الأصحاب إليه؛ فإن الذي أرادوه بدعوى الجحود هو الجحود السابق، والبناء على إصراره [عليه]؛ فإنه الظاهر ما لم يثبت نقيضه.
ويقوم مقام [دعوى] الجحود بالاتفاق: ما إذا اشترى عيناً ووفر الثمن على البائع، ثم استحقت العين المبيعة وأخذت؛ فإن للمشتري أن يقيم البينة على الغائب بقبض الثمن، ولا حاجة إلى دعوى الجحود؛ فإن إقدامه على بيع ما لا يملكه كاف في معنى الجحود، قال الإمام: وهذا مما لا مراء فيه.
قال الرافعي: ورأيت فيما جمع من "فتاوي" القفال أن هذا كله فيما إذا أراد إقامة البينة على ما يدعيه؛ ليكتب القاضي به إلى حاكم بلد الغائب، فأما إذا كان للغائب مال، وأراد إقامة البينة على دينه ليوفيه القاضي- فإن القاضي يسمع بينته
стр. 8887
ويوفيه، سواء قال: هو مقر، أم جاحد، أو قال: لا أدري أهو مقر أم جاحد.
وهل للقاضي أن ينصب لسماع الدعوى على الغائب مسخراً [له] ينكر على الغائب؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، وهو المختار كما قال ابن أبي الدم؛ لتكون البينة على الإنكار.
وأصحهما في "التهذيب"، وعند الشيخ أبي عليّ- كما نقله ابن أبي الدم-: لا؛ لأن الغائب قد يكون مقرّاً، فيكون إنكار المسخر كذباً. قال الرافعي: وقضية هذا التوجيه أن يقال: لا يجوز نصب المسخر.
لكن الذي ذكره أبو الحسن العبادي، وصاحب "الإشراف" وغيرهما: أن القاضي مخير، إن شاء نصب [عنه] مسخراً، وإن شاء لم ينصب.
قال: فإذا قدم الغائب، أو بلغ الصبي فهو على حجته، أي: في القدح في البينة، أو [في] المعارضة ببينة يقيمها على الإبراء أو القضاء أو الحوالة أو نحو ذلك؛ لدفع الظلم عن نفسه.
قال الأصحاب: وإذا كان يجهل ذلك عرفه الحاكم به، وإن كان يعرفه فهو مخير إن شاء عرفه وإن شاء سكت.
ثم ظاهر كلام الشيخ يقتضي أن الغائب على حجته، وإن لم يشترط الحاكم ذلك في الحكم، وقد قال الماوردي: إنه يشترط القاضي في حكمه على الغائب أنه قد جعله على حق وحجة إن كانت له؛ لئلا يقتضي إطلاق حكمه عليه إبطال حجته وتصرفه، والمعتبر في بينة الجرح أن تشهد بجرح بينة المدعي حالة الحكم أو قبله؛ كما قاله البندنيجي وغيره، وإذا أقام ذلك نقض الحكم قولاً واحداً؛ كما صرح به الإمام، وإن كان في نقض الحكم لو كان المحكوم عليه حاضراً عند إقامة [البينة بالجرح قولان؛ لتقصيره، بخلاف الغائب والصبي، ولا يكفي في البينة أن] تطلق الشهادة بالجرح؛ لأنه [لا] يجوز أن يكون حادثاً بعد الحكم، والجرح بعد الحكم
стр. 8888
لا يؤثر على الأصح، وهذا بخلاف ما إذا حضر الغائب أو بلغ الصبي قبل الحكم وأقام البينة بالجرح؛ فإنها تسمع مطلقاً كما صرح به البندنيجي.
قال: وإن ادعى على ظاهر في البلد غائب عن المجلس، فقد قيل: تسمع البينة عليه ويحكم؛ لأنه غائب عن مجلس الحكم، فكان كالغائب عن البلد، فعلى هذا يحلفه كما سبق.
وقيل: لا تسمع؛ لأنه يمكن سؤاله من غير مشقة، فأشبه الحاضر بمجلس الحكم، وهذا هو الأصح في أكثر الكتب، وبه قطع بعضهم، وهو المذهب في "المهذب" و"الشامل" و ["تعليق"] البندنيجي، وعلله بأن على المدعى عليه في ذلك ضرراً؛ فإنه لا يمكنه جرح الشهود مطلقاً بعد حصول الحكم.
وفي "الوسيط" حكاية وجه ثالث [جعله المذهب]: أنه يجوز أن يسمع البينة، ولا يقضي إلا [في حضوره]، فلعله يجد مطعناً ودفعاً، بخلاف الغائب؛ فإن انتظاره يطول. وحكى وجهاً في سماع البينة والخصم في المجلس دون مراجعته؛ لأنه قادر على الدفع والكلام فليتكلم إن أراد. وهذا ما نسبه في "الإشراف" للمزني، وقد ذكرت عن الروياني في هذا الباب من قبل كلاماً يتعلق بما نحن فيه، فليطلب منه.
فرع: إذا ثبت على الغائب دَيْن وله مال حاضر، فعلى القاضي توفية الدَّين منه إذا طلبه المدعي، وإذا وفَّى هل يطالب المدعي بكفيل؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأن الحكم قد تم في الحال، والأصل عدم الدافع.
والثاني- ويحكى عن الكرابيسي-: نعم؛ لأن الغائب قد يكون له مدفع إذا حضر فيحتاط له، وهذا الوجه جارٍ فيما إذا حكم الحاضر على غائب بعين حاضرة.
قال: ومن استعدى الحاكم على خصم في البلد أحضره، أي: سواء عرف بينهما معاملة أم لا؛ لأن في الإعراض عن ذلك إبطالاً للحقوق، وقد يكون للحق
стр. 8889
توجه من غير معاملة بسبب إتلاف أو إرث ونحو ذلك.
وفي "تعليق" البندنيجي: أن أبا العباس- يعني ابن سريج، كما صرح [به] غيره- قال: إذا كان المستعدى عليه من أهل الصيانات والمروءات لم يحضره مجلس الحكم، ولكنه يستدعيه إلى بيته ليقضي بينه وبين خصمه.
وفي "الزوائد": أن في "العدة" أن المستعدى عليه إذا كان بالصفة المذكورة، ويتوهم أن المستعدي يقصد ابتذاله، وأذاهُ بذلك- لا يستحضره مجلس الحكم، لكن ينفذ إليه من يسمع الدعوى عليه، ويحلفه إن وجبت عليه اليمين؛ لأنه لما عليه من الصيانة والمروءة يجري مجرى المخدَّرة.
والمشهور: الأول، ثم الإحضار المذكور متوجه على الحاكم على وجه الوجوب، كما صرح به المصنف وصاحب "الكافي" وغيرهما، وإذا كان كذلك وجب على المطلوب إجابة الداعي أيضاً، لكن قال الإمام: إيجاب الحضور عليه لأجل [إجابة القاضي]، حتى لو لم يطلبه القاضي وطلبه الخصم، لا يجب [عليه] الحضور، بل الواجب إن كان [له] عليه حق وفاه.
وفي "المهذب" و"الحاوي": أنه إذا كان بين نفسين حكومة، فدعا أحدهما صاحبه لمجلس الحكم- وجبت عليه الإجابة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [النور: ٥١]، ثم رأيت في "الحاوي" في [أثناء] كتاب قاض إلى قاض أن المطلوب إن خرج إلى الطالب من حقه [لم يلزمه الحضور للقاضي]، وإلا لزمه إن كان على مسافة أقل من يوم وليلة، وإن كان على أكثر منها لم يلزمه الحضور إلا باستحضار.
وكيفية الإحضار: أن يختم القاضي للطالب في طين رطب بخاتمه المعد لذلك، وهو كما قال القاضي أبو الطيب: حديدة مكتوب على رأسها: أجب القاضي،
стр. 8890
فيحمل الطالب الطين إلى خصمه ويريه إياه إن كانت العادة جارية بذلك، أو يرسل معه عوناً ليحضره، وأجرة العون على المستعدي إن لم يكن له رزق من بيت المال، قاله في "الإشراف" وغيره.
قال الماوردي: وله أن يجمع بين إرسال العون وبعث الطين المختوم معه.
قال: فإن امتنع [من غير عذر]، أي: وقد وقف على ختم القاضي خاصة- كما قاله الماوردي- أشهد عليه، أي: الخصم، شاهدين أنه ممتنع، ثم يتقدم، أي: أمر القاضي بعد ثبوت امتناعه عنده بشهادة الشاهدين إلى صاحب الشرطة ليحضره؛ توصلا إلى تخليص الحق، وقد جاء في بعض ألفاظ الشافعي: أنه يستعين بصاحب الحرب، وفي بعضٍ: بوالي الأحداث، والألفاظ مترادفة، ولا يبالغ في طلب تزكية الشاهدين بالامتناع.
قال الشافعي- ﵁: ويسأل عن عدالتهما ويخفف [في] السؤال. كذا نقله ابن الصباغ عن رواية [ابن القاص].
أما إذا كان امتناعه بعد إرسال العون إليه، وأخبر العون القاضي بذلك قُبِل قوله من غير بينة، كذا قاله الماوردي، وهو الذي أورده في "الحلية".
وفي "تعليق" البندنيجي و"الكافي": [أنه] عند الاستعداء يبعث معه لختم من الطين، فإن [حضر، وإلا] بعث إليه بعض أعوانه، فإن [حضر، وإلا] بعث بشاهدين يشهدان على امتناعه، فإن حضر، وإلا استعان بالسلطان على إحضاره، والأجرة في هذه الحالة على المطلوب؛ لأنه مُتَعَدٍ بالامتناع عن الحضور، كأجرة الحد تجب على المحدود، وكذا أجرة الحبس على المحبوس، قاله في "الإشراف" و"الرافعي".
وعن "الجرجانيات" وجه: أنها على الطالب أيضاً.
ولو كان الامتناع بسبب مرض يسوغ شهادة الفرع على [شهادة] الأصل
стр. 8891
إذا كان [به] فهو معذور، فيبعث القاضي إليه من يحكم بينه وبين خصمه أو يوكل، وإذا توجهت [عليه] اليمين أنفذ [إليه] من يحلفه، ثم إذا حضر الممتنع بغير عذر نظر الحاكم في تعزيره: فإن شاء عفا عنه، وإن شاء عزره بالكلام أو تشويش العمامة، أو الحبس، أو الضرب على حسب اجتهاده.
فرع: لو بعث الحاكم إليه فاختفى، قال في "الكافي": فيبعث من ينادي على بابه ثلاثة أيام: إن لم يحضر فلان سمّر بابه وختم، ويخبر جيرانه بذلك، فإن لم يحضر سمر باب داره إذا عُرِفت وخُتِم عليه، فإن لم يحضر بعد التسمير والختم فالقاضي يوكل عنه وكيلاً، فيدعي عليه [المدعي].
وفي "الذخائر" [و"الشامل"]: أن [ابن] القاص حكى ذلك عن الشافعي- ﵁ لكنه قال: إنه يفعل ذلك بعد أن يبعث من ينادي على بابه بمحضر من شاهدي عدل: إنه لم يحضر مع خصمه فلان وكل عنه، [قال: وحسبه] أن يعذر إليه بذلك ثلاثاً، فإن لم يحضر أقام عنه وكيلاً.
ولو أخبر القاضي أنه في دار فلان أنفذ الخصيان والغلمان الذين لم يبلغوا الحلم والثقات من النساء، ويبعث معهم عدلين من الرجال، فإذا دخلوا في تلك الدار وقف الرجال في الصحن، وأخذ الخصيان في تفتيش الدار، والنساء في تفتيش النساء، قال مجلي: وينبغي أن يفعل التفتيش والهجوم عليه [أولاً] إن عرف له مكان.
وإذا تعذر إحضاره بعد هذا كله، قال في "الحاوي": فقد اختلف أصحابنا، هل يكون الامتناع من الحضور كالنكول؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا.
والثاني- وهو الأشبه-: أن يجعل كالنكول بعد النداء على بابه بمبلغ الدعوى وإعلامه بأنه يحكم عليه بالنكول، فعلى هذا: يسمع القاضي الدعوى [عليه] محررة، ثم يعيد النداء على بابه ثانية بأنه يحكم عليه بالنكول، فإذا امتنع من الحضور
стр. 8892
بعد النداء الثاني حكم بنكوله، ورد اليمين على المدعي، وحكم له [بالدعوى] إذا حلف.
قال: وإن استعدى على غائب عن البلد في موضع لا حاكم فيه، [أي]: وهو في حكم ولايته- كتب إلى رجل من أهل الستر والصلاحية للقضاء في ذلك ليتوسط بينهما؛ لأن ذلك أسهل عليهما.
قال: فإن لم يكن أحد، لم يحضره حتى يحقق المدعي دعواه؛ لجواز أن يكون ما يدعيه ليس بحق عنده: كشفعة الجوار، وثمن الكلب، فيُجَشِّمه الحضور بغير فائدة، وهذا بخلاف الحاضر حيث لا يستفسره عما يدعيه، وإن كان الأولى: الاستفسار؛ لأنه لا مشقة في الحضور من البلد.
قال في "الإشراف": ولا يستقصي في تحقيق الدعوى، بل يخفف.
قال: فإذا حقق الدعوى أحضره، أي سواء كان الموضع قريباً أو بعيداً؛ كما قاله القاضي أبو الطيب وصاحب الكافي وغيرهما؛ كي لا يتخذ المسافرة طريقاً إلى إبطال الحقوق، وله ألا يحضره ويبعث من يحكم بينهما؛ كما قاله أبو الطيب.
واعتبر الإمام وصاحب "العدة" في إحضاره من فوق مسافة العدوى فما فوقها، وإن زادت على مسافة القصر في هذه الحالة-: أن تقوم البينة عند القاضي بالمدعي وتثبت.
وقال الإمام فيما إذا كان في مسافة العدوى فما دونها: إن الإعداء لا يتوقف على قيام الحجة، وإن هذا متفق عليه، ذكره العراقيون وغيرهم.
стр. 8893
والمذكور في "الكافي" في مسافة القصر فما دونها: الاكتفاء بتحقيق الدعوى.
ووراء ما ذكرناه في مسألة الكتاب وجهان:
أحدهما: [أنه] لا يحضره من مسافة القصر، ويحضره مما دونها؛ لأنه لما كانت مسافة القصر شرطاً في انتقال ولاية الغائب في النكاح إلى الحاكم [دل] على اعتباره في إحضار الخصم.
والثاني- حكاه في "التهذيب" و"الإشراف"-: أنه يحضره من مسافة العدوى، ولا يحضره مما فوقها، قال الرافعي: وهو أظهر عند الإمام.
والذي أورده العراقيون: الأول، وقال الماوردي: إنه الذي ذهب إليه الأكثرون، والظاهر من مذهب الشافعي- ﵁ وقد يستدل له بأن عمر- ﵁ استدعى المغيرة [بن] شعبة في القصة المشهورة من البصرة إلى المدينة، وإذا كان هذا في حد الله- تعالى- ففي حق الآدمي أولى.
أما إذا كان في الموضع الذي فيه الغائب نائب للحاكم، لم يحضره، بل يسمع البينة، ويكتب إليه.
وعن حكاية أبي العباس الروياني وجه: أنه يلزم إجابته إذا طلبه الخصم، قال الرافعي: وهذا قضية إيراد صاحب "التهذيب" فيما إذا كان المطلوب على مسافة العدوى. وبه أجاب في "العدة"، وهذا الوجه يجري من طريق الأولى فيما إذا لم يكن في البلد حاكم، وكان فيها من يصلح أن يولى.
وعن "أمالي" أبي الفرج السرخسي: أن القاضي يتخير بين أن [يحضر المطلوب] وبين أن يسمع البينة فيكتب إلى نائبه.
ولو كان المستعدى عليه في غير محل ولاية القاضي لم يستحضره، قال في "الحاوي": وجاز له أن يسمع الدعوى والبينة عليه؛ ليكاتب به قاضي البلد الذي فيه المطلوب، وله في المكاتبة حالتان:
стр. 8894
إحداهما: أن يكاتبه بسماع البنية.
والثانية: أن يحكم بالبينة بعد سماعها.
وهذا منه دليل على أنه لا فرق في الحكم على الغائب عنده، بين أن يكون في مسافة القصر أو دونها؛ كما ذكرناه من قبل.
قال: وإن استعدي على امرأة غير بَرْزة لم تكلف الحضور، بل توكل؛ صرفاً للمشقة عنها؛ فإن ضرر إبطال التخدر أعظم من ضرر المرض، ولو كان الشخص مريضاً لم يكلف الحضور؛ فهذه أولى.
قال: فإن وجبت عليها اليمين أنفذ إليها من يحلفها؛ لقوله ﷺ : "واغْدُ يا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا". فبعث إليها ولم يكلفها الحضور؛ لأنها كانت غير برزة؛ كما نقله أصحابنا.
والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وجماعة استدلوا بهذا الخبر [على] أنها إذا كانت غير برزة يبعث إليها من يحكم بينهما، ولم يتعرضوا للتوكيل، ولاشك في جواز الأمرين عند الجمهور، لكن الذي حكاه القاضي الحسين عن النص ما أورده الشيخ، وقال: إن صاحب "التقريب" قال به.
وحكي عن القفال أنه قال: تحضر مجلس الحكم كالبرزة. وعلى هذا قال الرافعي: لو رام القاضي أن يبعث [إليها] من يحكم بينهما في دارها، فللخصم الامتناع من الدخول إليها وطلب إحضارها. وعلى قول الجمهور: إذا حضر الحاكم إلى دارها، ولم يكن بينها وبين الحاكم محرمية- جلست خلف ستر، فإن اعترف الخصم بأنها خصمته حكم بينهما، وإن أنكر ذلك: فإن شهد شاهدان بأنها خصمته حكم بينهما أيضاً، وإلا كلفها أن تخرج من وراء الستر متلفعة، كذا قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما.
أما البرزة، فقد قال القاضي أبو الطيب وصاحب "الكافي" وغيرهما: إن حكمها حكم الرجل في جميع ما ذكرناه.
وفي "الرافعي": أن الاستعداء لو كان على امرأة خارجة عن البلد، هل يحضرها
стр. 8895
وهي عورة؟ وهل يشترط أن يكون الطريق آمناً ومعها نسوة ثقات؟ وهل على القاضي أن يبعث إليها محرماً لها لتحضر معه؟ قال القاضي أبو العباس الروياني: كل ذلك على وجهين، الأصح: أنه يبعث إليها محرماً [لها] أو نسوة ثقات كما في الحج.
ثم من هي غير البرزة التي يسميها بعضهم: المخدرة، والماوردي: الخفرة؟
المشهور- وهو الذي يحكى عن النص-: أنها التي لا تخرج لحوائجها، [ولم يورد أبو الطيب وجماعة سواه.
وقال الماوردي: إنها التي لا تخرج لحوائجها]، وإن خرجت استخفت ولم تعرف، والبرزة: التي تخرج لحوائجها ومآربها غير مستخفية.
وحكى القاضي الحسين أن أصحابنا قالوا: غير البرزة هي التي لا تخرج لحوائجها، وإن كانت تخرج إلى العزايا والمآتم والزيارات، والبرزة: هي التي تخرج لحوائجها. ثم قال: وعندي أن غير البرزة هي التي لا تخرج لحوائجها ولا إلى الزيارات والعزايا إلا نادراً، فإن اعتادتها لم تكن مخدرة.
وفي "التهذيب": أن المخدرة التي لا تخرج إلى السوق لحوائجها، ولا إلى الولائم ولا إلى الحمام بالنهار.
وفي "الشامل" في باب موضع اليمين: أنها التي لا تخاطب الرجال، ولا تحضر المواسم والأعراس.
وقيل: هي التي لا تخرج أصلاً إلا لضرورة، وهذا ما اختاره الإمام.
قال ابن أبي الدم: والأولى في ذلك رده إلى عرف الناس وإتباع العادات.
فرع: لو اختلفا في التخدر ففي "فتاوى" القاضي الحسين: أن عليها إقامة البينة على ذلك، وأنها تمهل حتى تقيم البينة.
وفي "الحاوي" أنه ينظر: فإن كانت من قوم الأغلب من حال نسائهم التخدر فالقول قولها مع يمينها، وإن [كانت من قوم] الأغلب [على نسائهم] البروز
следующие страницы →