Полный текст (9 685 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.
стр. 8891
إذا كان [به] فهو معذور، فيبعث القاضي إليه من يحكم بينه وبين خصمه أو يوكل، وإذا توجهت [عليه] اليمين أنفذ [إليه] من يحلفه، ثم إذا حضر الممتنع بغير عذر نظر الحاكم في تعزيره: فإن شاء عفا عنه، وإن شاء عزره بالكلام أو تشويش العمامة، أو الحبس، أو الضرب على حسب اجتهاده.
فرع: لو بعث الحاكم إليه فاختفى، قال في "الكافي": فيبعث من ينادي على بابه ثلاثة أيام: إن لم يحضر فلان سمّر بابه وختم، ويخبر جيرانه بذلك، فإن لم يحضر سمر باب داره إذا عُرِفت وخُتِم عليه، فإن لم يحضر بعد التسمير والختم فالقاضي يوكل عنه وكيلاً، فيدعي عليه [المدعي].
وفي "الذخائر" [و"الشامل"]: أن [ابن] القاص حكى ذلك عن الشافعي- ﵁ لكنه قال: إنه يفعل ذلك بعد أن يبعث من ينادي على بابه بمحضر من شاهدي عدل: إنه لم يحضر مع خصمه فلان وكل عنه، [قال: وحسبه] أن يعذر إليه بذلك ثلاثاً، فإن لم يحضر أقام عنه وكيلاً.
ولو أخبر القاضي أنه في دار فلان أنفذ الخصيان والغلمان الذين لم يبلغوا الحلم والثقات من النساء، ويبعث معهم عدلين من الرجال، فإذا دخلوا في تلك الدار وقف الرجال في الصحن، وأخذ الخصيان في تفتيش الدار، والنساء في تفتيش النساء، قال مجلي: وينبغي أن يفعل التفتيش والهجوم عليه [أولاً] إن عرف له مكان.
وإذا تعذر إحضاره بعد هذا كله، قال في "الحاوي": فقد اختلف أصحابنا، هل يكون الامتناع من الحضور كالنكول؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا.
والثاني- وهو الأشبه-: أن يجعل كالنكول بعد النداء على بابه بمبلغ الدعوى وإعلامه بأنه يحكم عليه بالنكول، فعلى هذا: يسمع القاضي الدعوى [عليه] محررة، ثم يعيد النداء على بابه ثانية بأنه يحكم عليه بالنكول، فإذا امتنع من الحضور
стр. 8892
بعد النداء الثاني حكم بنكوله، ورد اليمين على المدعي، وحكم له [بالدعوى] إذا حلف.
قال: وإن استعدى على غائب عن البلد في موضع لا حاكم فيه، [أي]: وهو في حكم ولايته- كتب إلى رجل من أهل الستر والصلاحية للقضاء في ذلك ليتوسط بينهما؛ لأن ذلك أسهل عليهما.
قال: فإن لم يكن أحد، لم يحضره حتى يحقق المدعي دعواه؛ لجواز أن يكون ما يدعيه ليس بحق عنده: كشفعة الجوار، وثمن الكلب، فيُجَشِّمه الحضور بغير فائدة، وهذا بخلاف الحاضر حيث لا يستفسره عما يدعيه، وإن كان الأولى: الاستفسار؛ لأنه لا مشقة في الحضور من البلد.
قال في "الإشراف": ولا يستقصي في تحقيق الدعوى، بل يخفف.
قال: فإذا حقق الدعوى أحضره، أي سواء كان الموضع قريباً أو بعيداً؛ كما قاله القاضي أبو الطيب وصاحب الكافي وغيرهما؛ كي لا يتخذ المسافرة طريقاً إلى إبطال الحقوق، وله ألا يحضره ويبعث من يحكم بينهما؛ كما قاله أبو الطيب.
واعتبر الإمام وصاحب "العدة" في إحضاره من فوق مسافة العدوى فما فوقها، وإن زادت على مسافة القصر في هذه الحالة-: أن تقوم البينة عند القاضي بالمدعي وتثبت.
وقال الإمام فيما إذا كان في مسافة العدوى فما دونها: إن الإعداء لا يتوقف على قيام الحجة، وإن هذا متفق عليه، ذكره العراقيون وغيرهم.
стр. 8893
والمذكور في "الكافي" في مسافة القصر فما دونها: الاكتفاء بتحقيق الدعوى.
ووراء ما ذكرناه في مسألة الكتاب وجهان:
أحدهما: [أنه] لا يحضره من مسافة القصر، ويحضره مما دونها؛ لأنه لما كانت مسافة القصر شرطاً في انتقال ولاية الغائب في النكاح إلى الحاكم [دل] على اعتباره في إحضار الخصم.
والثاني- حكاه في "التهذيب" و"الإشراف"-: أنه يحضره من مسافة العدوى، ولا يحضره مما فوقها، قال الرافعي: وهو أظهر عند الإمام.
والذي أورده العراقيون: الأول، وقال الماوردي: إنه الذي ذهب إليه الأكثرون، والظاهر من مذهب الشافعي- ﵁ وقد يستدل له بأن عمر- ﵁ استدعى المغيرة [بن] شعبة في القصة المشهورة من البصرة إلى المدينة، وإذا كان هذا في حد الله- تعالى- ففي حق الآدمي أولى.
أما إذا كان في الموضع الذي فيه الغائب نائب للحاكم، لم يحضره، بل يسمع البينة، ويكتب إليه.
وعن حكاية أبي العباس الروياني وجه: أنه يلزم إجابته إذا طلبه الخصم، قال الرافعي: وهذا قضية إيراد صاحب "التهذيب" فيما إذا كان المطلوب على مسافة العدوى. وبه أجاب في "العدة"، وهذا الوجه يجري من طريق الأولى فيما إذا لم يكن في البلد حاكم، وكان فيها من يصلح أن يولى.
وعن "أمالي" أبي الفرج السرخسي: أن القاضي يتخير بين أن [يحضر المطلوب] وبين أن يسمع البينة فيكتب إلى نائبه.
ولو كان المستعدى عليه في غير محل ولاية القاضي لم يستحضره، قال في "الحاوي": وجاز له أن يسمع الدعوى والبينة عليه؛ ليكاتب به قاضي البلد الذي فيه المطلوب، وله في المكاتبة حالتان:
стр. 8894
إحداهما: أن يكاتبه بسماع البنية.
والثانية: أن يحكم بالبينة بعد سماعها.
وهذا منه دليل على أنه لا فرق في الحكم على الغائب عنده، بين أن يكون في مسافة القصر أو دونها؛ كما ذكرناه من قبل.
قال: وإن استعدي على امرأة غير بَرْزة لم تكلف الحضور، بل توكل؛ صرفاً للمشقة عنها؛ فإن ضرر إبطال التخدر أعظم من ضرر المرض، ولو كان الشخص مريضاً لم يكلف الحضور؛ فهذه أولى.
قال: فإن وجبت عليها اليمين أنفذ إليها من يحلفها؛ لقوله ﷺ : "واغْدُ يا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا". فبعث إليها ولم يكلفها الحضور؛ لأنها كانت غير برزة؛ كما نقله أصحابنا.
والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وجماعة استدلوا بهذا الخبر [على] أنها إذا كانت غير برزة يبعث إليها من يحكم بينهما، ولم يتعرضوا للتوكيل، ولاشك في جواز الأمرين عند الجمهور، لكن الذي حكاه القاضي الحسين عن النص ما أورده الشيخ، وقال: إن صاحب "التقريب" قال به.
وحكي عن القفال أنه قال: تحضر مجلس الحكم كالبرزة. وعلى هذا قال الرافعي: لو رام القاضي أن يبعث [إليها] من يحكم بينهما في دارها، فللخصم الامتناع من الدخول إليها وطلب إحضارها. وعلى قول الجمهور: إذا حضر الحاكم إلى دارها، ولم يكن بينها وبين الحاكم محرمية- جلست خلف ستر، فإن اعترف الخصم بأنها خصمته حكم بينهما، وإن أنكر ذلك: فإن شهد شاهدان بأنها خصمته حكم بينهما أيضاً، وإلا كلفها أن تخرج من وراء الستر متلفعة، كذا قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهما.
أما البرزة، فقد قال القاضي أبو الطيب وصاحب "الكافي" وغيرهما: إن حكمها حكم الرجل في جميع ما ذكرناه.
وفي "الرافعي": أن الاستعداء لو كان على امرأة خارجة عن البلد، هل يحضرها
стр. 8895
وهي عورة؟ وهل يشترط أن يكون الطريق آمناً ومعها نسوة ثقات؟ وهل على القاضي أن يبعث إليها محرماً لها لتحضر معه؟ قال القاضي أبو العباس الروياني: كل ذلك على وجهين، الأصح: أنه يبعث إليها محرماً [لها] أو نسوة ثقات كما في الحج.
ثم من هي غير البرزة التي يسميها بعضهم: المخدرة، والماوردي: الخفرة؟
المشهور- وهو الذي يحكى عن النص-: أنها التي لا تخرج لحوائجها، [ولم يورد أبو الطيب وجماعة سواه.
وقال الماوردي: إنها التي لا تخرج لحوائجها]، وإن خرجت استخفت ولم تعرف، والبرزة: التي تخرج لحوائجها ومآربها غير مستخفية.
وحكى القاضي الحسين أن أصحابنا قالوا: غير البرزة هي التي لا تخرج لحوائجها، وإن كانت تخرج إلى العزايا والمآتم والزيارات، والبرزة: هي التي تخرج لحوائجها. ثم قال: وعندي أن غير البرزة هي التي لا تخرج لحوائجها ولا إلى الزيارات والعزايا إلا نادراً، فإن اعتادتها لم تكن مخدرة.
وفي "التهذيب": أن المخدرة التي لا تخرج إلى السوق لحوائجها، ولا إلى الولائم ولا إلى الحمام بالنهار.
وفي "الشامل" في باب موضع اليمين: أنها التي لا تخاطب الرجال، ولا تحضر المواسم والأعراس.
وقيل: هي التي لا تخرج أصلاً إلا لضرورة، وهذا ما اختاره الإمام.
قال ابن أبي الدم: والأولى في ذلك رده إلى عرف الناس وإتباع العادات.
فرع: لو اختلفا في التخدر ففي "فتاوى" القاضي الحسين: أن عليها إقامة البينة على ذلك، وأنها تمهل حتى تقيم البينة.
وفي "الحاوي" أنه ينظر: فإن كانت من قوم الأغلب من حال نسائهم التخدر فالقول قولها مع يمينها، وإن [كانت من قوم] الأغلب [على نسائهم] البروز
стр. 8896
فالقول قول الخصم مع يمينه.
آخر: إذا كانت المرأة برزة، ثم لازمت التخدر- فبماذا يحصل لها [حكمه]؟ قال القاضي الحسين في "فتاويه": حكمها حكم الفاسق يتوب؛ فلابد أن تمضي عليها سنة في قولٍ وستة أشهر في قول.
تنبيه: إطلاق الشيخ القول بأنه إذا وجب عليها اليمين أنفذ إليها من يحلفها يقتضي أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون المدعي به يوجب التغليظ في اليمين أو لا، وهو وجه حكاه الشيخ أبو علي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ، وجزم به الماوردي؛ لأجل صيانتها، واختاره ابن أبي الدم، واستدل له بأن الأصحاب صرحوا بأنه تسمع الشهادة على شهادتها مع حضورها من غير مرض، وألحقوا تخديرها بالمرض والسفر في ذلك.
ومقابل هذا الوجه: أن التخدير لا يسقط التغليظ بالمكان الشريف إلا إذا كانت حائضاً، فتحلف على باب المسجد، وهو الذي صححه الشيخ أبو علي، وحكى الإمام عن العراقيين القطع به في باب موضع اليمين، وهو الذي أورده الغزالي في باب الدعاوى والبينات، وقد حكى ذلك الرافعي عن الشيخ أبي حامد وأتباعه، ورأيته في "تعليق" البندنيجي. والله أعلم.
قال: وإذا حكم على غائب، أي: بشهادة شاهدين، أو بإقراره، أو بنكوله ويمين المدعي، والمحكوم به حق في ذمته أو قصاص في بدنه إذا جوزنا القضاء على الغائب به كما هو الصحيح، أو عقار في يده.
قال: فسأله المدعي أن يكتب إلى قاضي البلد الذي فيه الخصم بما حكم به لينفذه، كتب إليه؛ للإجماع كما حكاه ابن الصباغ وابن يونس، والمعنى فيه: أن بالناس حاجة إلى ذلك؛ لأن بينة الشخص تكون في بلد وخصمه في آخر كما هو صورة الكتاب، ولا يمكنه حمل البينة إلى بلد الخصم ولا حمل الخصم إلى بلد البينة، فإذا أخر ذلك سقط الحق؛ فدعت الحاجة إلى شهادة البينة في بلدها ومكاتبة قاضي بلد الخصم بذلك.
стр. 8897
وهذه الكتابة- كما قال ابن أبي الدم- واجبة [على وجه].
ولا فرق في جواز الكتابة في هذه الحالة بين أن يكون بين البلدين مسافة القصر أو دونها، حتى لو كان البلدان متجاورين جاز ذلك أيضاً، بل لو كان لكل جانب من البلد حاكم والخصم في أحد الجانبين كتب إلى [حاكم قاضي الجانب الآخر بذلك]؛ لأن ما حكم به لزم [وليس] بعده إلا الاستيفاء؛ فوجب على كل أحد تنفيذه.
وهذا بخلاف ما لو ثبت عنده ولم يحكم؛ حيث فصلنا بين قرب المسافة وبعدها كما سيأتي؛ لأن المسافة إذا لم تبعد لم يتعذر إحضار الشهود عند القاضي الآخر.
قال الرافعي: وقد وجدت في نسختين من "أمالي" أبي الفرج السرخسي عكس هذا، وهو أن كتاب السماع يقبل مع قرب المسافة وبعدها، وكتاب الحكم لا يقبل إلا إذا بعدت المسافة. وهو غلط من ناسخ أو ناقل، وليس وجهاً آخر.
وكذا لا فرق بين أن يكتب قاضي مصر إلى قاضي قرية أو بالعكس، أو قاضي الأصل إلى الفرع أو بالعكس؛ لأن الحاجة إلى الجميع واحدة.
ثم صورة الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم، حضر- أطال الله بقاء القاضي- فلان، ويرفع في نسب المكتوب إليه، في يوم كذا من شهر كذا، من سنة كذا، مجلس حكمي، في مدينة كذا التي وليتها من قبل فلان، ويذكر من ولاه من إمام أو قاضٍ، ويرفع في نسبه: فلان [بن] فلان الفلاني، ويرفع في نسبه إلى أن يتميز عن غيره، ويكتب حِلاه وصنعته وما يشتهر به إن كان القاضي يعرفه بالنسب، وإن لم يعرفه كتب: حضر من ذكر أنه فلان [بن] فلان الفلاني- وذكر الحلية ها هنا واجب، قال القاضي أبو الطيب: لأنه ليس يعرف عينه فالمعوَّل على ذكر الحلية، وادعى بكذا، ويذكر كيفية الدعوى محررة، على فلان [بن] فلان [الفلاني]، ويرفع في نسبه، بعد ثبوت غيبته عندي؛ الغيبة الشرعية المسوغة لسماع البينة عليه والحكم بها، وشهد له بذلك في مجلس حكمي فلان وفلان، ويرفع في نسبهما بعد
стр. 8898
سؤال الخصم ذلك. وقالا: إنهما عارفان بالمشهود عليه بعينه واسمه [ونسبه]- كذا ذكره الماوردي- وقد عرفت عدالتهما وحلفته على الحق، ويصف اليمين، وحكمت له على المدعى عليه بعد السؤال، وأبقيت المدعي على حقه وحجته إن كانت [له]، وسألني المدعي أن أكتب بذلك إليك؛ لأن خصمه بحضرتك، فأجبته؛ ليحمل خصمه على الحق إذا ورد عليك كتابي صحيح الختم والمورد بما يثبت عندي وحكمت به، وعنونت باطنه بخطي وظاهره بختمي، وهو كذا، ووقعت في صدره، وهو كذا، وعلمت على الأوصال، وهي كذا سطر ويصفها، ويكتب أسماء شهود الكتاب وتاريخه.
ولو كان قد حكم عليه بإقراره قال الماوردي: ذكر في كتابه أنه أقر عندي بكذا طوعاً في صحة منه وجواز أمر، فلو لم يذكر ذلك [فهل] يقوم حكمه [مقام ذكره الطواعية والصحة وجواز الأمر؟ فيه وجهان.
ولو كان الحكم] عليه بنكوله ويمين الطالب ذكره القاضي مشروحاً في كتابه، كما قال الماوردي، لكن ذكر السبب الذي اقتضى الحكم من هذه الأشياء الثلاثة- أعني: البينة والإقرار والنكول مع اليمين- هل يجب؟ فيه وجهان في "الحاوي":
فإن قلنا بعدم الوجوب كفاه أن يقول في الكتاب: ثبت عندي بما تثبت بمثله الحقوق وحكمت به. وهذا ما جزم به الإمام حيث قال: لا يلزمه أن يفصل البينة القائمة في الخصومة، وإنه ليس عليه أن يرفع أسماءهم ويتشوف إلى أعلامهم؛ بل يكفيه أن يقول: قضيت لفلان بحجة شرعية تقتضي القضاء.
وعلى هذا: لو سأل المحكوم عليه القاضي الكاتب عن السبب الذي حكم عليه به، قال الماوردي في فصل آخر: ينظر: فإن كان قد حكم عليه بالإقرار [لم يلزمه] أن يذكره له؛ لأنه لا يقدر على دفعه بالبينة، وإن كان قد حكم [عليه] [بنكوله ويمين الطالب لزمه أن يذكره؛ لأنه يقدر على دفعه بالبينة، وإن كان قد حكم عليه بالبينة]: فإن كان الحكم بحق في الذمة لم يلزمه ذكرها؛ لأنه لا يقدر على دفعها
стр. 8899
بمثلها، وإن [كان] الحكم بعين قائمة لزمه أن يذكرها؛ لأنه يقدر على مقابلتها [بمثلها]؛ فتترجح بينته باليد.
وإن قلنا بالوجوب، وكان [السبب البينة] فهو بالخيار بين أن يسمي الشهود أو لا يسميهم ويقتصر على وصفهم بالعدالة فلو لم يصفهم بها فهل يكون ذكره لهم تعديلاً؟ فيه وجهان في "الحاوي"، والمذكور في "العدة": أنه تعديل.
أما إذا كان قد حكم عليه بالشاهد واليمين ففي جواز المكاتبة به وجهان في "الحاوي":
أحدهما: لا يجوز؛ لأن المخالف [فيه] من العراقيين يرى نقض الحكم به فلم يكن له تعرض حكمه للنقض.
قال الماوردي: والأولى من الخلاف أن يعتبر رأي القاضي المكاتب [به] فإن كان يرى القضاء بالشاهد واليمين [كتب إليه به، وإلا فلا.
قال: ولو أراد القاضي في حكمه بالشاهد واليمين] ألا يذكره في كتابه، ويطلق الحكم بالبينة أبو بثبوت الحق عنده- جاز؛ لأنه يحكم باجتهاد نفسه، ولا يحكم باجتهاد غيره، ولو كان المحكوم به على الغائب [عقاراً] في غير البلد التي هو فيها فلا يكتب إلى قاضي البلد الذي فيه [الخصم، [ويجوز أن يكتب] إلى قاضي البلد الذي فيه] العقار وصرح به الماوردي.
ولو كان المدعى به عيناً منقولة ففي جواز الحكم بها مع الغيبة خلاف سنذكره- إن شاء الله تعالى- في الدعاوى.
قال: وإن ثبت عنده، أي: بدون علمه ولم يحكم به، فسأله المدعي أن يكتب إلى قاضي البلد الذي فيه الخصم بما ثبت عنده؛ ليحكم عليه- نظرت: فإن كان
стр. 8900
بينهما مسافة [لا تقصر فيها الصلاة لم يكتب، وإن كان بينهما مسافة] تقصر فيها الصلاة كتب؛ لأن القاضي الكاتب كشاهد الأصل، وشهود الكتاب كشهود الفرع؛ فاعتبر في القبول مسافة القصر، كما اعتبرت في الشهادة على الشهادة.
وقيل: يقوم ما فوق مسافة العدوى مقام مسافة القصر في ذلك، وكذا في الشهادة على الشهادة، ولا يكفي فيهما مسافة العدوى فما دونها؛ كما صرح به القاضي الحسين وغيره، وسنذكر [عند] الكلام في الشهادة على الشهادة شيئاً آخر لا يستغني عنه من يتكلم في هذه المسألة.
ثم ما ذكره الأصحاب هنا يقتضي أن الكلام في البعد والقرب بالقاضي الكاتب دون الشهود الذين شهدوا عنده، وقد جزم الإمام في أوائل الباب بأن القاضي في الجانب الشرقي من بلد لو كتب إلى قاضي الجانب الغربي: بأني [قد] سمعت بينة فلان [على فلان]، ووصفها على شرطها، فاقض بها، وكان الذين شهدوا عند الكاتب قد غابوا أو ماتوا- ساغ للمكتوب إليه القضاء بذلك، بخلاف ما لو كان الذين شهدوا بعد حضوراً في البلد؛ [فإنه] لا يقضي بالكتاب؛ لأن استحضار الشهود سهل؛ فهم الأصل، وقول القاضي في حكم شهادة الفرع على الأصل فيستحضرهم القاضي الثاني ويستعيد الشهادة بشرطها.
والقاضي الحسين أطلق القول في هذه الصورة بعدم القبول عملاً بما قرره أولاً، وهو قضية لفظ الشافعي- ﵁ في "الأم"؛ كما نقله في "البحر" حيث قال: وإذا كان فيه قاضيان كبغداد، فكتب أحدهما إلى الآخر بما ثبت عنده من البينة- لم ينبغ له أن يقبلها حتى تعاد عليه، وإنما يقبل البينة في البلد الثانية التي لا يكلف أهلها إتيانه.
وقد طرد الإمام ما ذكره من التفصيل فيما لو وقف كل قاض في طرف محل ولايته، وقال أحدهما للآخر: إني سمعت [شهادة فلان وفلان] على فلان، وحلفته
стр. 8901
على موجب الشرع؛ فاقض بالبينة في جانبك، فقال: إن كان شهود الأصل قد غابوا أو ماتوا قضى المقول له بذلك، وإلا فلا.
ثم قال: فإن قيل إذا كان التنادي والإعلام في طرف الولايتين ممكناً كما صورنا، فإذا كتب أحدهما وشهد على كتابه شاهدان، وكان قادراً على أن يشافه القاضي ويناديه- فهلا كان ذلك ممنوعاً؛ لأن كتابة القاضي وشهادة الشهود على شهادته بمثابة الفرع للقاضي، وقوله في نفسه أصل، فكيف يقع القضاء بالفرع مع التمكن من الوصول إلى الأصل؟
قلنا: الذي دل عليه كلام الأصحاب الأول؛ لأن في تكليف المشافهة عضّاً من منصب القضاء؛ ولهذا تسمع شهادة الفرع عند مرض شاهد الأصل، ولا نكلفه أن يأتي مسكنه.
وقريب من إيراده في المكاتبة- والصورة كما ذكرنا- ما حكاه الماوردي قبيل باب القسمة: أنه لا يقبل كتاب قاضي أحد الجانبين إلى قاضي الجانب الآخر في ثبوت الشهادة، ويقبل في ثبوت الإقرار إن رجع المقر؛ ولا يقبل إن لم يرجع؛ لأن ما أمكن الحكم فيه بالأصل لم يجز أن يحكم فيه بالفرع؛ كالشهادة على الشهادة يحكم فيها بشهود الفرع مع تعذر شهود الأصل، ولا يحكم فيها مع إمكانهم.
وقد يفهم أن هذا الكلام مغاير لكلام الإمام، وهو هو إذا تأملته؛ لأن الإمام قد حكى بعد ذلك في حالة وجود شهود الأصل في البلد خلافاً في جواز المشافهة بنقل الشهادة من قاضي أحد جانبي البلد إلى الآخر، مبنيّاً على أصل، وهو: أن سماع البينة من القاضي حكم منه بقيام البينة، أم سبيله سبيل نقل شهادة الفرع شهادة الأصل؛ فيكون القاضي فرعاً إذاً؟
فعلى الأول- وهو الذي نقله عن الأكثرين كما سنذكره، ورآه أظهر، وتبعه الغزالي فيه- لا يستعيد الشهادة الثاني، [بل يقضي، ويكون القاضيان على
стр. 8902
هذا يتعاونان على القضية الواحدة.
وعلى الثاني- وهو الذي عليه عامة الأصحاب كما قال الرافعي، وأنه منصوص عليه في "عيون المسائل": يستعيدها، لكن للشافعي- ﵁ نصٌّ سنذكره في أوائل باب الدعاوى والبينات عند الكلام في الدعوى بالعين التي لا يمكن تعيينها، يدل على الوجه الأول، وحينئذ فيكون في المسألة قولان.
قلت: ويمكن بناء الخلاف الذي حكاه الإمام على أصل آخر، وهو أن شاهد الفرع، هل يسمع [مع] حضور شاهد الأصل؟ وفيه خلاف يأتي، فإن قلنا: لا يسمع- وهو الصحيح- فلا يسمع هنا، وإلا سمع.
وهذا الخلاف [كله] إذا عدل القاضي الناقل البينة، فلو لم يعدلهم، قال الإمام: فهذا [يكاد أن] يكون نقلاً محضاً، وبه يتأيد وجه من ادعى أنه نقل وليس بحكم، وقد اتفق الأصحاب على أنه إن عدل الشهود وحكم بعد التهم، فهو سائغ، لكن هل للمكتوب إليه البحث وإعادة التعديل أم لا؟
لفظ "الوجيز" بشعر الأول؛ لأنه قال: جاز [له] أن يعتمده إن رأى ذلك.
قال الرافعي: والقياس الثاني، أما إذا جعلناه حكماً فظاهر، وأما إذا جعلناه نقلاً؛ فلأن شاهد الفرع إذا عدل شاهد الأصل وهو بصفة المزكيين، كفى على ظاهر المذهب. نعم، لو قامت بينة بالجرح قدمت بلا خلاف، وكذا للمدعى عليه طلب الاستمهال ثلاثة أيام؛ لإقامة بينة الجرح، ولا يحتاج في هذا القسم إلى تحليف المدعي.
ولو فوض الكاتب النظر في العدالة والجرح إلى المكتوب إليه فهو سائغ أيضاً.
قال الإمام: لكن النقل من غير تعديل قريب من التعطيل، ولكنا مع ذلك نجوز تفويض التعديل إلى المكتوب إليه على شرط الإبلاغ في الإعلام، والإعلام الذي ذكرناه يكون مؤكداً بالاسم والرفع [في النسب] وغيرهما من الأسباب إذا لم
стр. 8903
يحصل الإعلام إلا بذلك، أما إذا حصل بالاسم المحض- كما إذا كان الشاهد مذكوراً في البلاد بعيد الصِّيت كفى ذلك.
والماوردي قال: إن للشهود في هذه الحالة ثلاثة أحوال:
إحداها: أن يكونوا من أهل البلد الذي يصل الكتاب إليه، وهم على العود إليه؛ فلا يسمع شهادتهم، وإن سمعها لم يكتب بها، وقال للطالب: اذهب مع شهودك إلى قاضي بلدهم ليشهدوا عنده بما شهدوا به عندي؛ فإن كتب القضاة مختصة بما لا يمكن ثبوته بغيرها، وثبوت هذا بالشهادة ممكن؛ فلم تجز فيه المكاتبة كالشهادة على الشهادة.
والثانية: أن يكون الشهود من البلد الذي يكتب إليه، [ولا يريدون العود إليه] والبينة بتعديلهم فيه؛ فيجوز أن يكتب القاضي بشهادتهم عنده؛ ليكشف عن عدالتهم، فإذا صحت عنده حكم بشهادتهم.
والثالثة: أن يكون الشهود من غير البلد الذي يكتب إليه؛ فيجوز بعد سماع شهادتهم [أن يكتب] إلى قاضي بلدهم، ويسأله عن عدالتهم، فإن عرفها كتب بها إلى القاضي الأول ليتولى الحكم بشهادتهم.
أما إذا كان الحق [قد ثبت عنده] لكونه علمه وكتب به إلى غيره؛ ليقضي ذلك الغير بموجب علمه على المدعى عليه- ففي "العدة" و"البحر": أنه لا يجوز القضاء به، وإن قلنا: يجوز القضاء بالعلم؛ لأنه في هذه الحالة شاهد، وبالكتابة لا تحصل الشهادة كاملة ولا غيرها.
وعن "أمالي" السرخسي: أنه يجوز، ويقضي المكتوب إليه إذا جوزنا القضاء بالعلم؛ لأن إخباره عن علمه إخبار عن قيام الحجة، فليكن كإخباره عن قيام البينة.
واعلم أن ها هنا أمرين لابد من ذكرهما:
أحدهما: قال القاضي الحسين في "تعليقه": إن كتاب القاضي إلى القاضي بسماع البينة دون الحكم ليس مسطوراً للشافعي، وإنما خرجها الأصحاب. فقياس قوله: ألا يجوز هذا عندي؛ لأن القاضي إذا سمع البينة فهو كشاهد فرع؛ فلا تثبت بقوله شهادة
стр. 8904
شاهدين؛ إذ الشهادة على الشهادة لا تثبت بواحد، قال الإمام في "النهاية": وهذا ليس مذهباً له ولا وجهاً مخرجاً، وإنما هو إبداء إشكال وإيضاح وجه في الاحتمال. والذي أجمع عليه الأصحاب: ما قدمناه، ويؤيده أن القاضي بعد ذكر ما حكيناه عنه قال: ولعل أصحابنا إنما جوزوا هذا؛ لأنهم جعلوا سماع القاضي شهادة الشهود نوع حكم منه. ثم قال: فعلى هذا إذا سمع شهادة شاهد واحد، وكتب إلى [ذلك] القاضي بسماع شهادة الثاني- يجب أن يجوز، وإذا استخلف من يسمع البينة على شيء يكون بالخيار بين أن يستعيد تلك البينة [إذا حكم بنفسه، وبين أن يأخذ بقول خليفته ويقتصر على سماعه البينة] ويحكم.
والرافعي قال فيما لو قال الحاكم لخليفته: اسمع دعوى فلان وبينته، ولا تحكم بها حتى تعرفني، ففعل، هل للحاكم أن يحكم به؟ القياس أنها كإنهاء أحد القاضيين في البلد إلى الآخر لإمكان إحضار الشهود. وهذا منه موافق لما ذكره القاضي، لكن قال: الأشبه ها هنا أن له الحكم؛ لأن تجويز الاستخلاف شرع للاستعانة بالخليفة، وذلك يقتضي الاعتداء بسماعه، بخلاف سماع القاضي المستقل، وبهذا أجاب أبو العباس الروياني في "الجرجانيات" على تلوم فيه.
الثاني: كيفية الكتاب في صورة مسألة الكتاب، بعد ذكر المدعي والمدعى عليه، والقاضي المكتوب إليه، وتحرير الدعوى ونحو ذلك؛ كما ذكرنا في الفصل قبله- أن يكتب: وقد شهد عندي بذلك فلان وفلان بكذا، وقد ثبت عندي، ولا يقول: حكمت به.
وقال الشيخ أبو حامد: لا يقول ثبت عندي أيضاً. بناءً على مذهبه في أن الثبوت حكم؛ كما حكاه عنه الماوردي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم، واختاره ابن [أبي] عصرون، وقد يقال: إن كلام الإمام منطبق عليه حيث قال: إن الأصحاب قالوا: سماع البينة من القاضي حكم [منه] بقيام البينة.
والحكم على مذهبنا ليس افتتاح أمر وإنشاء شأن، وإنما [هو] إظهار ما تقرر
стр. 8905
ممن هو مطاع متبع، فإذا حكم لزيد على عمرو، فمعناه: ظهر له وجوب حق لأحدهما على الثاني، والشرع ألزم إتباعه، كذلك إذا ظهرت البينة فأظهرها، كان ذلك حكماً منه، لكن الذي عليه أكثر الأصحاب أن الثبوت ليس بحكم، وهو أصح عند الماوردي وغيره؛ لأن الحكم هو الإلزام، وليس في الثبوت إلزام، وهو في ثبوت الحق كالإقرار، وادعى في "البحر" أن الشافعي- ﵁ نص عليه في "الأم" حيث قال: كتابه كتابان:
أحدهما: كتاب تثبت يستأنف المكتوب إليه به الحكم.
والثاني: كتاب حكم [منه].
ثم ما ذكرناه من تسمية الشهود في هذه الصورة واجب، صرح به القاضي الحسين والغزالي والإمام، وقال الرافعي: القياس التجويز؛ كما أنه إذا حكم استغنى عن تسمية الشهود، وأن هذا هو المفهوم من إيراد صاحب "التهذيب" وغيره، وأنه يجوز أن يقدر فيه خلاف؛ بناءً على أن كتاب القاضي إلى القاضي بسماع البينة نقل للشهادة أو حكم بقيام [البينة]؟ إن قلنا: حكم، فلا حاجة إلى التسمية، وإن قلنا: نقل، فلابد من التسمية؛ كما أنه لابد أن يسمى شاهد الفرع شاهد الأصل. [وهذا البناء فيه نظر؛ لأن من قال: إنه ليس بحكم، قال: تسمية الشهود في هذه الصورة لابد منها، وذلك دليل على أنه ليس بحكم؛ إذ لو كان حكماً لما احتيج إلى ذلك، وإذا كان هذا دليله لم يحسن بعده ما ذكر من البناء.] نعم، حكى [الروياني] في "البحر" أن بعض أصحابنا بخراسان قالوا: يجوز أن يكتب: [ثبت] عندي بشهادة العدول، ولا يسميهم، فإن لم تثبت عدالتهم سماهم. وهو ضعيف.
فرع: إذا قال القاضي: صح مورد هذا الكتاب عليّ، وقبلته قبول مثله، وألزمت العمل بموجبه- قال أبو سعد الهروي: سُئِلت عنه في الدار النظامية بأصبهان، هل هو حكم أم لا؟ فقلت: يرجع إلى الحاكم، فإن قال: أردت الحكم، فهو حكم، وإن تعذر
стр. 8906
الرجوع إليه فالاعتماد على عرف الحكام، فإن اعتقدوه حكماً فهو حكم، ثم استقر رأيي، لما وليت قضاء همذان على أنه ليس بحكم؛ لاحتمال أن المراد تصحيح الكتاب وإثبات الحجة.
قال: وإذا كتب الكتاب أحضر شاهدين، أي: عدلين ممن يخرج إلى ذلك البلد، ويقرأ [عليهما الكتاب]، أو يقرأ عليه وهو يسمع؛ كي لا يحرف منه شيء، [ولا فرق] في الحالة الأخيرة بين أن يكون القارئ غير الشاهدين أو هما. نعم، إن كان القارئ غيرهما، فقد قال الشافعي- ﵁: وأحب للشاهدين أن ينظر في الكتاب عند قراءته؛ كي لا يغير منه شيء أو يسقط. وهذا على وجه الاستحباب؛ كما صرح به [في] "المهذب" وغيره؛ لأنهما يؤديان ما سمعاه.
قال: ثم يقول لهما: اشهدا علي أني كتبت إلى فلان بن فلان بما سمعتما في هذا الكتاب؛ لأن بذلك يصح التحمل عنه، وليس بعده غاية تفعل، لكن قوله: اشهدا عَلَيَّ، مذكور على وجه التأكيد، حتى لو قال لهما بعد القراءة: هذا كتابي إلى فلان، ولم يسترعهما، ولا قال [لهما]: اشهدا علي بما فيه، كفى، كذا جزم به القاضي أبو الطيب، وتبعه ابن الصباغ وغيره.
وحكى الماوردي وجهاً: أنه لا يكفي؛ بناءً على منع الشهادة على المقر من غير استرعاء المقر المشهود، وهذا ما اقتضى كلام صاحب "الإشراف" عند الكلام في صفة الشهادة أنه المذهب.
وعن ابن كج رواية وجه: أنه يكفي مجرد القراءة عليهما.
قال الأصحاب: وإذا تم التحمل وضعا خطهما فيه قبل غيبوبته عنهما، ويختماه بختمهما، وكذلك القاضي يختمه بختمه، لكن ختم [الشهود يكون في الباطن، وختم] القاضي يكون في الظاهر، ويذكر في الباطن صفته كما تقدم، وهذا أيضاً على وجه التأكيد والاحتياط؛ لأن المعتبر عندنا ما يذكره الشاهدان، حتى لو
стр. 8907
حضر الكتاب وهو مفتوح بعد ختمه، أو قد انمحى- عمل بما يذكرانه، ولم يضر ذلك، بل لو ذكر الشاهدان شيئاً وفتح الكتاب، فوجد [ما فيه] مخالفاً لما ذكراه- عمل بقولهما؛ كما صرح به القاضي الحسين والإمام عن الأصحاب.
ولو غاب الكتاب عنهما قبل إثبات خطهما فيه فقضية ما ذكرناه: أنه لا يضر ذلك.
وفي "الحاوي": أنه لا يصح هذا التحمل؛ لأنه يحتمل أن يبدل في الغيبة بغيره.
ثم ما ذكرناه من الختم محله- كما قال الماوردي- إذا لم يكتب للكتاب نسخة، ورأى القاضي أن يقره مع الطالب، فلو رأى أن يقره مع الشاهدين فالأولى ألا يختمه؛ ليتدارساه [ويحفظا ما فيه] حتى يشهدا به إن ضاع أو انمحى. ولو كتب للكتاب نسختين؛ لتكونا مع الشاهدين- كان أولى، وقد أشار إلى ذلك الشافعي- ﵁ بقوله: وينبغي أن يأمرهم بنسخ كتابه في أيديهم، ويوقعوا فيه شهادتهم.
قال في "البحر"- حكاية عن الأصحاب-: والأولى أن تكون كتابة النسختين قبل [أن يقرأ القاضي الكتاب] عليهما؛ لتكون نسخة كل واحد معه حالة القراءة يقابل بها.
وابن الصباغ والبندنيجي قالا: ينظر في الكتاب: فإن كان ما فيه قليلاً يحفظانه اعتمد على حفظهما، وإن كان كثيراً كتب كل واحد منهما نسخة، وقابل بها؛ لتكون معه يتذكر بها ما يشهد به.
قال: فإذا وصلا، أي: غير مرتابين بما في الكتاب، إلى محل ولاية المكتوب إليه قرأا الكتاب على المكتوب إليه، وقالا: نشهد أن هذا الكتاب قرأه علينا فلان بن فلان، وسمعناه وأشهدنا أنه كتب إليك بما فيه؛ لأنه الذي يحملانه، وبه يحصل المطلوب.
стр. 8908
وفي "التهذيب" و"الرقم": أن القاضي إنما يفض الختم بعد شهادة الشهود وتعديلهم.
والذي ذكره أبو سعد الهروي: أن القاضي يفتح الكتاب أولاً، ثم يشهد الشهود. وهذا لا شك أنه خلاف في الأولى؛ لما عرفت أن [في] مذهبنا عدم اعتبار الختم من أصله.
ولا يكفي في ذلك لفظ الخبر، كما قال الماوردي، وهو منطبق على قول القاضي أبي الطيب وابن الصباغ وغيرهما: إنه لا يكفي اقتصارهما على قولهما: إن هذا كتاب فلان؛ لأنه يجوز أن يكون كتابه ولكنه لم يشهدهما عليه.
وأوجب القاضي أبو الطيب أن يقولا: أشهدنا في مجلس حكمه؛ لأن قول القاضي لا يصح إلا في مجلس حكمه.
قال في "المرشد": وفي هذا نظر. ولمي بينه.
ولو تشككا في شيء مما في الكتاب لم يصح أداؤهما، ولو ورد الكتاب عليه وهو في غير محل ولايته لم يقبله، ولا يفضه ولا يسمع الشهادة؛ لما تقدم.
وقد اعتبر الماوردي في صحة الأداء أن يصل الكتاب إلى القاضي بمشهدهما، إما من أيديهما أو من يد الطالب بحضرتهما، فلو لم يشهدا حضوره لم يصح الأداء. واعتبر في "الإشراف" في قبول الشهادة أن يقول [الشاهد]: أشهد أني أعرف فلان القاضي بعينه ونسبه، وأنه قاض في موضع كذا جائز القضاء.
قال: ولو قالا: نشهد أنه كتب إليك بهذا ولم يقرأا، أي: وكان القاضي الكاتب قد قرأه عليهما- لم يجز، أي: قبوله وإن كان مختوماً؛ لأنه ربما زور الكتاب عليهما وكذا ختمه، ولأن المقصود ما فيه، وهو مجهول عند القاضي قبل القراءة، والشهادة بما يجهله القاضي غير مسموعة، وما ذكره الشيخ هو ما نص عليه الشافعي- ﵁ كما نقله في "البحر"، ومثله يجري فيما لو أدرج [القاضي] الكاتب الكتاب قبل القراءة، وقال لهما: اشهدا علي أن مضمون هذا
стр. 8909
الكتاب قضائي، فيكون التحمل فاسداً، وهو ما جازم [به] القاضي أبو الطيب وغيره، وطردوه فيما لو كتب كتاب وصيته، ولم يقرأه.
والبندنيجي جعل مسألة الوصية أصلاً لمسألة القاضي، وحكى الماوردي في مسألة كتاب القاضي وجهاً في صحة التحمل؛ لأنها شهادة بكتاب معين، ونسبه الإمام إلى الإصطخري وقال: إنه متروك عليه غير معدود من المذهب. ثم أيده بعد ذلك، وقال: إن الوجه جوازه. وقد روي عن الإصطخري والماوردي والمصنف زيادة على ذلك، وأنه قال: لو لم يشهد الكاتب أحداً بل كان المكتوب إليه يعرف خط الكاتب وختمه، واتصلت بمثله كتبه جاز قبوله؛ لأن كتب رسول الله ﷺ كانت مقبولة، ويعمل بها من غير شهادة، وهذا ليس بشيء؛ لما ذكرناه، وادعى الإمام أنه غلط لا شك فيه؛ فإن الكتاب لا تعويل عليه، والخط لا اعتبار به.
قال الماوردي: وكتب رسول الله ﷺ كانت الرسل الحاملة لها تشهد بها مع أنها تجري مجرى الأخبار التي يخفى حكمها؛ لعموم إلزامها، والشهادة محمولة على الاحتياط تغليظاً؛ ولهذا لا تثبت الشهادة بالخط إذا كتب بها الشهود، وإذا تمت الشهادة عند [المكتوب] إليه، احتاج في إنفاذ حكم الكتاب إلى ثبوت عدالة شاهدي الكتاب عنده، ولا يكفي تعديل الكاتب لهما في كتابه؛ لأن في ذلك قبول شهادة الإنسان بعدالته، وقد نسب إلى القفال الشاشي الاكتفاء به، وغلطه الإمام فيه، وقال: إنه معدود من هفوات هذا الإمام.
قلت: وقد يشبَّه هذا الخلاف بخلاف قد حكي عن رواية الروياني في "الروضة" فيما لو شهد على الكتاب الشاهدان اللذان ثبت بهما الحق عند الكاتب، لكن الذي جزم به في "الإشراف" في هذه الصورة: القبول؛ لأن القبول فعل الحاكم والشهادة عليه، ولأنهما لو شهدا عند القاضي الثاني بما شهدا [به] عند الأول جاز. وذكر عقيب هذا الكلام [أن] الأستاذ أبا طاهر قال: وعلى هذا أدركت القضاة من غير
стр. 8910
نكير من العلماء، وعليه تفقهت وفقهت الناس.
قلت: وقد يفهم من هذا أن هذا الكلام عائد إلى هذا الفرع، كما فهمه الرافعي وغيره، والذي وقع لي أنه عائد إلى ما ذكره قبله، وهو أن شاهد الأصل إذا زكاه شاهد الفرع جاز، وأن أحد الشاهدين إذا زكى الآخر جاز، ويؤيد ذلك أنه قال بعد قوله: "وفقهت الناس": ولولا جواز هذا لما جازت شهادة أب وابن لأجنبي، وإحدى الشهادتين تكمل الثانية، وهذا التعليل لا يمكن عوده إلى الفرع الذي ذكرناه، فتأمله! والله أعلم.
وفي "أدب القضاء" لابن أبي الدم: أن الشاهدين إن قالا للحاكم الثاني: أشهدنا الحاكم على نفسه بثبوت الحق عنده، وأنه حكم به، ولم يذكرا أنه ثبت عنده بشهادتهما في لفظ أدائهما، وكان الحاكم الكاتب قد ذكر في الكتاب اسميهما- ففي سماع شهادتهما وتنفيذ حكم الكتاب [بقولهما] خلاف عند الأصحاب، والأصح: أنها تسمع وتنفذ. وإن قالا: أشهدنا الحاكم الكاتب أنه ثبت الحق عنده بشهادتهما وحكم بها، ثم أشهدنا على نفسه بذلك- قالوا: فهل ينفذه المكتوب إليه؟ فيه خلاف مطلق. وقال أبو علي الثقفي: تسمع وتنفذ قولاً واحداً، وعلى هذا تفقهت وفقهت الناس فيما وراء النهر. حكى هذا عنه الشيخ أبو علي في "شرحه الكبير".
فرع: لو أراد الشاهدان أن يمسكا الكتاب ويشهدا بمضمونه، قال في "الحاوي": إن كان قد انمحى ما فيه أو معظمه لم يلزمهما إيصاله، وإن بقي ما فيه أو معظمه حرم إمساكه، ولم يمنع من صحة الشهادة.
تنبيه: في قول الشيخ: أحضر شاهدين، ما يعرفك أنه أراد رجلين؛ لأن شهادة رجل وامرأتين- وإن صدق عليهما اسم شاهدين- لا يحصل بهما نصاب الشهادة فيا لمال، فكيف بك ها هنا؟! بل لو شهد على الكتاب رجل وامرأتان وهو متضمن ما يثبت بشهادة النسوة، لم يثبت.
стр. 8911
وعن ابن كج رواية وجه في ثبوته برجل وامرأتين إذا تعلقت الحكومة بمال، وذكر أنه لو كان كتاب القاضي في رؤية هلال رمضان كفى شهادة واحد، فأجرى الكتاب مجرى المكتوب به، وأنه لو كتب في الزنى وجوزناه في العقوبات، [فهل يثبت] بشهادة رجلين، أم لابد من أربعة؟ فيه وجهان كالقولين في الإقرار بالزنى.
قال: وإن مات القاضي الكاتب [أو عُزل]، أو مات المكتوب إليه [أو عزل وولي غيره- حمل الكتاب إليه] وعمل به.
أما في الأولى؛ فلأن الكتاب إن تضمَّن الحكم كان العمل به متفقاً عليه، كما حكاه القاضي أبو الطيب، وإن لم يتضمن سوى الثبوت؛ فلأن الحاكم الكاتب أصل لشاهدي الكتاب، وهما باقيان، وفرع لمن شهد عنده، وتغير حال الأصل الذي هو فرع لغيره، لا يمنع من ثبوت الحكم بشهادة فرعه، دليله: ما لو أشهد شاهدا الفرع على شهادتهما فرعين ثم ماتا؛ فإنه يحكم بشهادة الفرعين لكونهما أصلاً.
وفي "البحر": أن بعض أصحابنا بخراسان قال: إن الكتاب يخرج بموت الكاتب عن أن يكون بينة. وهو غلط.
وأما في الثانية؛ فلأن الاعتماد على ما [يؤديه الشاهدان] لا على الكتاب؛ ألا ترى أنه لو انمحى أو ضاع جاز للمكتوب إليه أن يسمع الشهادة ويحكم بها، وإذا كان المعول عليهما [فهما حاضران].
قال الإمام: وما وقع من التخصيص فهو إقامة رسوم غير ضائرة ولا قادحة، والدليل عليه أن التخصيص إنما يتخيل من تولية أو استنابة، وليس لهذا القاضي أن يولي أحداً في غير محل ولايته، ولا أن يستنيب بحكم الولاية، وهذا مذهب البغداديين من أصحابنا، ولم يورد القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ
стр. 8912
والقاضي الحسين والإمام سواه.
وفي "الحاوي" حكاية وجه آخر قال به البصريون من أصحابنا: أنه لا يجوز له قبول كتاب غيره؛ كالشهادة عند المعزول لا يحكم بها المولى بعده، وعلى هذا: فالأحوط أن يكون كتاب القاضي الأول إلى من يبلغه من قضاة المسلمين؛ فإنه إذا كان كذلك حكم به من وصل إليه.
[وعلى الأول] قال القاضي أبو الطيب: الذي يقتضيه المذهب: أنهما إذا شهدا عند قاض آخر، والمكتوب إليه حي، وهو على عمله- أنه يجوز ويحكم به، وكذا إذا ولي المكتوب إليه موضعاً آخر، فحمل الكتاب إليه فيه، وعلى ذلك ينطبق قول القاضي الحسين، الذي حكى الإمام بعضه: [إنه لو] آثر شهود الكتاب المنجز من حاكم مَرْوَرُّوذ إلى حاكم نيسابور، المقام بسرخس، أو الانعطاف إلى مروروذ، أو قالوا: لا نصحبك إلا بجُعْلٍ؛ لجواز ذلك لهما؛ لما يلحقهم في قطع تلك المسافة من المشقة العظيمة- فالمدعي بالخيار بين أن يشهد على شهادتهم جماعة يصحبونه في الطريق إلى نيسابور، ويشهدون له في مجلس قاضيها، [وليس لهم أن يقولوا: لا تشهد على شهادتنا إلا بجعل- وبين أن يثبت ذلك في مجلس قاضي سرخس]، وينجز منه كتاباً إلى قاضي نيسابور. قال: وكذا لو استقبله الخصم في الطريق، له أن يثبت ذلك في مجلس كل قاض أمكنه. وفي "التهذيب": أنهم لو أرادوا المقام في موضع ليس فيه قاض ولا شهود، ليس لهم ذلك، بل عليهم المضي إلى موضع فيه قاض] وشهود، وأنهم لو طلبوا الأجرة في هذه [الحالة] فليس لهم إلا نفقتهم، وكذا دوابهم، بخلاف ما لو طلبوا أكثر من ذلك عند ابتداء الخروج من بلد القاضي الكاتب؛ حيث لا يكلفون الخروج والقناعة؛ لأن هناك يمكن إشهاد غيرهم، وها هنا حامل الكتاب مضطر إليهم.
стр. 8913
فرع: لو مات القاضي الكاتب، أو عزل وولى غيره، فرفع إليه كتاب الذي قبله- فهل يعمل به؟
قال في "الحاوي" و"البحر": إن تضمن كتابه سماع البينة دون الحكم بقبولها، فلا يجوز للثاني أن يحكم [بقبولها بسماع الأول حتى يستأنف الشهادة، وإن تضمن السماع والحكم] بقبولها وإلزام الحق الذي تضمنها، عمل به الثاني ونفذه، وإن تضمن السماع والحكم بقبولها دون الحكم بإلزام [ما تضمنه: فإن كان من شهد عنده حيّاً موجوداً، لم يكن للثاني أن يبني على حكم الأول بالقبول حتى] يستأنف سماع الشهادة والحكم؛ لأن القدرة على شهود الأصل تمنع من الحكم بشهادة شهود الفرع، وإن كان ميتاً أو غير موجود كان للثاني أن يبني على حكم الأول؛ فيحكم بالإلزام [على حكم] الأول بالقبول؛ لأن تعذر القدرة على شهود الأصل يبيع الحكم بشهادة الفرع.
قلت: وينبغي أن يتخرج على هذا ما لو ثبت عند القاضي حق ولم يحكم به، فعزل ثم ولي، هل يسوغ له الحكم به أم لا؟ وما قاله الإمام وغيره من أنه إذا أقيمت بينة في مجلس القاضي، فغاب قبل القضاء بها، وخرج عن محل ولايته، ثم عاد فهل يبني القضاء على البينة السابقة أو يستعيدها؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا.
والثاني: يستعيدها؛ كما لو عزل وولي ثانياً؛ فإنه لا خلاف أنه يستعيدها، فلعله محمول على حالة وجود الشهود كما ترشد إليه قوة الكلام، أو محمول على حالة سماع البينة [دون الحكم] بقبولها، وإليه يرشد التصوير.
على أن الإمام قال: في المسألة احتمال- وقد حكاه في "التهذيب" وجهاً في كتاب القسامة-: أنه إذا ولي المعزول ثانياً لا يستأنف البينة.
стр. 8914
فإن قلت: ما ذكره الماوردي يظهر أنه متفرع على ما هو محكي عن عامة الأصحاب من أن سماع البينة من القاضي سبيله سبيل نقل شاهد الفرع شهادة شاهد الأصل، [أما] إذا قلنا: سبيله سبيل الحكم بقيام البينة- كما رآه الإمام الأظهر- فيظهر أن يقال ها هنا: إن للثاني أن يحكم، وإن كان من شهد عند الميت أو المعزول حاضراً؛ كما ينقل هو بنفسه ذلك إليه.
قلت: كلام الإمام الذي حكيته من قبل يأباه، بل مصرح بنفيه، لكن النص الذي وعدت به ثم لا يأباه، بل مصرح به.
واعلم أن ما ذكرناه من عمل المكتوب إليه بالكتاب عند موت الكاتب أو عزله منوط بما إذا لم يكن المكتوب إليه نائباً عن الكاتب، أما إذا كان نائباً عنه، فعمله به ينبني على أنه ينعزل بموته وعزله أم لا؟ وفيه طرق:
إحداها: إن كان الاستخلاف بغير الإذن وجوزناه انعزل، وإن كان بالإذن فوجهان، كذا حكاهما القاضي الحسين في باب ما على القاضي في الخصوم.
الثانية: ينعزل خلفاؤه إن كان خاص العمل كقاضي قرية أو صقع قد استخلف فيه من ينوب [عنه] في القضاء، وإن كان عام الولاية في جميع الأمصار كقاضي القضاة، ففي انعزال القضاة بموته وجهان:
أحدهما: لا ينعزلون؛ لعموم نظره كالإمام.
والثاني: ينعزلون بموته لخصوص نظره بالقضاء فكان كقاضي إقليم، وهذا ما أورده الماوردي.
الثالثة: وهي التي أوردها القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ- إطلاق وجهين فيه:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق وأبوي علي ابن أبي هريرة والطبري؛ كما نقله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والجمهور، كما قاله الرافعي، وجعله البندنيجي المذهب، واختاره في المرشد أنه ينعزل كالوكيل.
والثاني:- وهو ما صححه القاضي الحسين عند الكلام فيما نحن فيه، وقال في "البحر": إن القفال اختاره-: أنه لا ينعزل؛ لأنه نصبه لحكم المسلمين، لا في ملكه؛
стр. 8915
فهو معه كالإمام الأعظم مع القضاة والأمراء، فإنهم لا ينعزلون بموته ولا عزله.
والقائلون بالأول افترقوا:
فمنهم من سوى بين الإمام والقاضي، وقال: من ولاه الإمام ينعزل بموته وعزله أيضاً؛ كما حكاه الإمام والمارودي قبله، وعلى هذا فلا فرق.
والجمهور سلموا الحكم بعدم انعزال من ولاه الإمام بموته أو عزله، وادعى القاضي [أبو الطيب] أنه لا خلاف فيه، وكذلك صاحب "التلخيص" كما نقله في "البحر"، ومنعوا كون القاضي يعقد للمسلمين، بخلاف الإمام، واستدلوا لذلك بأن الإمام ليس له أن يعزل القاضي إذا لم تتغير حاله، ولو عزله لم ينعزل، وليس كذلك نائب القاضي؛ فإن له عزله، وفرقوا بأن القضاة لو انعزلوا بموت الإمام [أو عزله]، لأدى إلى الضرر العظيم الواصل إلى كافة الأمة، بخلاف خليفة القاضي؛ كذا قاله [القاضي] أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ.
وإذا جمعت بين الطرق واختصرت قلت: في عزل من ولاه القاضي بعزله أو موته أوجه:
ثالثها: إن استخلف بالإذن لم ينعزل. وإلا انعزل، ولم يورد الغزالي سواها.
ورابعها: إن كان المولى قاضي القضاة لم ينعزل بموته، وعزله من ولاه، وإلا انعزل.
وفي "الرافعي" عوضاً عن الوجه الثالث الذي ذكرناه، فإنه إن استخلف بغير الإذن انعزل، وإن كان بالإذن: فإن قال: استخلف عني، لم ينعزل، وإن قال: عن نفسك، أو أطلق فينعزل؛ لظهور غرض المعاونة، وبطلان المعاونة ببطلان ولايته. وجعل هذا الوجه أظهر الوجوه، وبه يجيء في المسألة خمسة أوجه.
وهذا كله فيمن استخلف للحكم، أما من استخلف في سماع شهادة أو أمر خاص فينعزل جزماً، وأما المستخلف على الأيتام والوقوف فقد ألحقه في "الوسيط" بالمستخلف في الحكم، والذي جزم به صاحب "الحاوي" وتبعه صاحب "البحر":
стр. 8916
أنهم لا ينعزلون، وهو ما قال الرافعي: إنه المشهور؛ كي لا تختل أبواب المصالح، وصار سبيلهم سبيل القوام المنصوبين من جهة الواقفين.
ولو كان الإمام قد نصب بنفسه نائباً عن القاضي في الحكم، فعن أبي الفرج السرخسي: أنه لا ينعزل بموت القاضي وانعزاله؛ لأنه مأذون من جهة الإمام.
قال الرافعي: ويجوز أن يقال: إذا كان الإذن مقيداً بالنيابة ولم يبق الأصل، لم يبق النائب.
قلت: قد حكيت عن الماوردي في أوائل باب ولاية القاضي أن الإمام إذا استناب شخصاً، وصرح في التولية له بأنه نائب عن القاضي المولى من جهته قبل ذلك- هل لذلك القاضي عزله أم لا؟ فيه وجهان: فإن قلنا: ليس له عزله، فكذلك ها هنا لا ينعزل بموته وعزله، وإن قلنا: له عزله، يشبه أن يخرج على الخلاف، والله أعلم.
وقد تعلق بما نحن فيه كلام تقدم الوعد به، وهو أن القاضي هل يسوغ عزله مع سلامة الحال، ونحن الآن نخوض فيه، فنقول: إن كان القاضي خليفة لقاض آخر، فقد حكينا ها هنا عن الأصحاب أن لأصله عزله.
وفي "الشامل": أنه يجيء على قول من قال: إن خليفة القاضي لا ينعزل بموته، أنه ليس له أن يعزله مع سلامة الحال، وهذا قد قاله القاضي أبو الطيب، لكن [ليس] بصيغة الاحتمال والتخريج، بل كما يحكي غيره عن المذهب.
وإن كان القاضي قد ولاه الإمام فقد حكينا ها هنا عن الأصحاب أنهم قالوا: ليس للإمام عزله مع سلامة الحال. وقد حكاه الماوردي هنا عن الجمهور؛ بناءً على الفرق [بين القاضي] والإمام.
وقضية ما حكيناه عن بعض الأصحاب من التسوية بين من ولاه الإمام والقاضي في الانعزال بالموت والعزل: أن له عزله مع سلامة الحال، وهو الذي جزم به الماوردي في أوائل كتاب الأقضية، وجعل تولية القضاء من العقود الجائزة.
وقد حكى الوجهين صاحب "الإبانة" والعدة في غير هذا الموضع، وبناهما
стр. 8917
القاضي أبو الطيب عند الكلام في الاستخلاف على أنه هل يجوز استخلاف القاضي فيما يقدر على مباشرته بنفسه أم لا؟
فإن قلنا: يجوز- كما قاله الإصطخري؛ لأنه صار بالولاية كالإمام- فالإمام لا يجوز له عزل القاضي [مع سلامة الحال.
وإن قلنا: يمتنع الاستخلاف كما في الوكيل، فللإمام عزل القاضي].
لكن قضية هذا البناء: أن يكون الصحيح جواز العزل؛ لأن الصحيح منع الاستخلاف عند القدرة كما تقدم، والذي حكاه جمهور الأصحاب من العراقيين: منع العزل مع سلامة الحال، وقد أشار إلى ذلك ابن الصباغ عند الكلام في الاستخلاف أيضاً.
وحكى الإمام عن [القاضي] أنه قال: له عزله إذا رابه منه أمر، ويكفي فيه غلبة الظن بذلك، ولو لم يظن غير الخير فإن لم يكن ثَمّ من يصلح للقضاء لم ينعزل، وإن كان ثَمّ من هو أصلح منه انعزل، وإن كان مثله فوجهان. ثم قال: وإطلاق الكلام على هذا الترتيب غفلة عما يراد في هذا الباب، فنقول أولاً: حق على الإمام ألا يصدر شيئاً من أمور المسلمين إلا عن رأي ثاقب وبحث ونظر في الصلاح، وهذا مطرد في العزل والتولية، فإن عزل شخصاً وولى دونه؛ لمصلحة- وهو إن رأى أن الأصلح [أولى لشغل أولى] مما هو فيه- فهذا ينفذ ويجب القطع به، ولا يجوز تقدير خلاف فيه، وإن فرض منه عزل مطلق، فلا اعتراض عليه إذا كان يتطرق إليه إمكان النظر، ولا يجوز أن يكون فيه خلاف. وإن رددنا الكلام إليه في نفسه وقلنا: لو لم يصدر عزله عن نظر، فهل ينفذ ذلك؟ فهذا تردد فيه بعض الناس المنتمين إلى الأصول، والذي أقطع به أنه ينفذ، ولكن يتعرض صاحب الأمر بترك الأصلح لخطر المأثم، ولو لم يقل بهذا لرددنا حكم من ولاه ثانياً، وهذا يجر خبلاً عظيماً، ولست ألتزم الخوض فيه.
والذي رأيته في "تعليق" القاضي: [أنه] إن عزله بمن هو أصلح منه انعزل، وإن
стр. 8918
عزله بمن هو دونه لم ينعزل على المذهب.
وقال في "الوسيط"- على الأظهر-: وإن عزله بمثله فوجهان.
وبين عبارة الإمام وهذه فرق فتأمله.
وقد وافق الماوردي الإمام في بعض ما أبداه من التفصيل في أواخر كتاب الأقضية، حيث قال: إذا عزل الإمام المولى عن اجتهاد أدى إليه، إما لظهور ضعفه وإما لوجود من هو أكفأ منه- جاز، وإن عزله مع الاستقامة نفذ وإن كان غير جائز؛ لأن عزله حكم من أحكام الإمام، وأحكام الإمام إذا لم تخالف نصاً ولا إجماعاً لا ترد.
وحكى ابن أبي الدم أن الشيخ أبا علي قال في "شرحه الكبير": إذا ولى الإمام قاضياً لم يتعين عليه، فعزله بمثله أو بمن هو أصلح منه- قال القفال: لا ينعزل؛ لأنه صار قاضياً من جهة الله تعالى. وقال بعض شيوخنا: ينعزل، وعلى هذا لو أخبر الإمام أن قاضي بلد كذا قد مات، فولى غيره، ثم بان كونه حيّاً- لم ينعزل الأول عند القفال، وعلى الوجه الثاني ينعزل، وتكون الولاية للثاني، وهو ما أورده الرافعي من غير بناء.
وهذا حكم عزله، أما عزله نفسه فقد قال في "الحاوي": إنه لا يكون قوله: عزلت نفسي، [عزلاً]؛ لأن العزل يكون من المولي، وهو لا يجوز أن يولي نفسه؛ فلم يجز أن يعزلها. نعم، إن كان معذوراً جاز اعتزاله، وإن كان بغير عذر مع من الاعتزال، وإن لم يجبر عليه؛ لأن ولاية القضاء من العقود الجائزة؛ ولذلك نفذ فيه عزل الإمام، وإن خالف الأولى، لكن لا يجوز أن يعتزل إلا بعد إعلام الإمام واستعفائه؛ لأنه موكول إلى عمل تحرم إضاعته، وعلى الإمام أن يعفيه من النظر إذا وجد غيره؛ حتى لا يخلو العمل من ناظر، فإن أعفاه قبل ارتياد غيره جاز إن كان لا يتعذر، ولم يجز إن تعذر، ويتم عزله باستعفائه وإعفائه، ولا يتم بأحدهما، فإن نظر بين استعفائه وإعفائه صح نظره.
وصاحب "التهذيب" و"الكافي" قالا: إذا عزل نفسه [هل] ينعزل؟ حكمه
стр. 8919
حكم الإمام إذا عزله.
وجزم في "النهاية" و"الحاوي" في أوائل كتاب الأقضية بانعزاله، وكذا الرافعي وقاسه على الوكيل، والقاضي الحسين قال بذلك عند عدم تعينه، وقال: إنه إذا كان متعيناً عليه ففيه نظر؛ لأن الحسن بن علي- ﵄ خلع نفسه بعد أن ولي بثمانية أشهر، والتمسوا من عثمان- ﵁ أن يخلع نفسه فلم ير ذلك.
والذي حكاه ابن أبي الدم: لا ينعزل عند تعينه، وفي انعزاله إذا لم يتعين وجهان، أصحهما: الانعزال، وعلى هذا: لو أنكر القاضي كونه قاضياً، قال في "البحر": قال جدي: صار معزولاً كالوكيل، وفيه وجه ضعيف: أنه لا يصير معزولاً.
فرع: إذا عزل القاضي حيث يجوز العزل، فهل ينعزل قبل بلوغ الخبر [إليه]؟ فيه طريقان:
أحدهما: حكاية قولين فيه كالوكيل، وبهذا قال صاحب "التلخيص" وابن كج.
والثاني- وهو الأصح، وبه قطع أبو زيد-: القطع بعدم الانعزال ما لم يبلغ الخبر؛ لعظم الضرر في رد أقضيته بعد العزل، وقبل بلوغ الخبر.
قال في "الحاوي": وفرق الأصحاب بين الوكيل والقاضي بوجهين:
أحدهما: أن القاضي ناظر في حق غير المولي، والوكيل ناظر في حق المولي.
والثاني: أن موت الإمام لا يوجب عزل القاضي، وموت الموكل يوجب عزل الوكيل.
فقوي القاضي بهذين الوجهين على الوكيل؛ فصح لأجلهما أحكام القاضي، ولم تصح عقود الوكيل.
ثم هذا الخلاف المذكور فيما إذا عزله لفظاً، أو كتب إليه: إني عزلتك، أو: أنت معزول، فأمّا إذا كتب إليه: إذا أتاك كتابي فأنت معزول، فلا ينعزل قبل أن يأتيه، وإن
стр. 8920
كتب: إذا قرأت كتابي فأنت معزول، فلا ينعزل قبل القراءة، ثم إن قرأه بنفسه انعزل، وإن قرئ عليه فوجهان:
أحدهما: لا ينعزل؛ لصورة اللفظ.
وأصحهما: الانعزال؛ لأن غرض الإمام إعلامه بصورة الحال لا قراءته بنفسه، وفي مثله في الطلاق، الأظهر: أنه لا يقع؛ لأن الطلاق قد يعلق على قراءتها خاصة فيتبع اللفظ.
قال: وإن فسق الكاتب، أي: قبل عمل المكتوب إليه بما في الكتاب، فإن كان فيما [ثبت عنده] ولم يحكم بطل كتابه؛ لأن الكاتب كشاهد الأصل، وفسق شهود الأصل قبل الحكم بشهادة الفرع يمنع الحكمب شهادتهم.
قال: وإن كان [فيما] حكم به لم يبطل؛ لأن الحكم لا يبطل بالفسق الحادث، وهذا ما حكاه الماوردي والبندنيجي والقاضي أبو الطيب والبغوي وغيرهم، وقدي طلب الفرق بينه وبين ما لو فسق الشاهد في الواقعة بعد الحكم بشهادته؛ فإن في نقض الحكم طريقين:
أحدهما: القطع بعدم النقض، وهو نظير ما قالوه ها هنا.
والثاني: حكاية قولين فيه، وعلى هذا يطلب الفرق.
لكن في "الرافعي": أن القاضي ابن كج أطلق القول بأنه لا يقبل كتابه إذا حدث الفسق من غير فرق بين كتاب وكتاب، وأنه فرق بينه وبين الموت: بأن ظهور الفسق يشعر بالحنث وقيام الفسق قبل يوم الحكم، قال: وهذا قضية إيراد الشيخ أبي حامد وابن الصباغ؛ وعلى هذا لا فرق.
أما إذا فسق الكاتب بعد عمل المكتوب إليه بالكتاب لم ينقض، وغن لم يتضمن الكتاب سوى الثبوت، صرح به الماوردي والبندنيجي وابن الصباغ وغيرهم.
قال صاحب "الحاوي" وتبعه في "البحر": والجنون الطارئ كالفسق.
وفي "الرافعي": أن الشهود على القاضي كشهود الفرع [، وشهادة الفرع] بعد
стр. 8921
موت الأصل مقبولة، والعزل والجنون والعمى والخرس كالموت.
تنبيه: كلام الشيخ في هذا الفصل [يعرفك] أن القاضي ينعزل بالفسق؛ كما صرح به القاضي الحسين، وأشار في "الوجيز" إلى خلاف فيه حيث قال: إن طرآن الفسق يوجب الانعزال على الأظهر. ومقابل الأظهر أنه لا ينعزل إلا بالعزل، كما نسبه الإمام إلى بعض الأصوليين من أصحابنا، والرافعي قال: إن طرآن الفسق يمنع من نفوذ الحكم على اصح الوجهين؛ كما يمنع طرآن الجنون والإغماء والخرس والخروج عن أهلية الضبط والاجتهاد بغلبة أو نسيان.
لكن منع الحكم في الصور المذكورة [هل هو] لانعزاله حتى لو زال ما [قد] حدث فلابد من تجديد التولية، أو لكون ما حدث مانعاً لا غير حتى إذا زال استمرت التولية؟ فيه وجهان، أصحهما: الأول، ومقابله في ["الإشراف"]: الفاسق إذا تاب، ادعى في "الإشراف" أنه منصوص عليه؛ قياساً على الأب يتوب بعد الفسق، وقال الرافعي: إنه منسوب إلى تخريج صاحب "التلخيص" من قول الشافعي- ﵁ في أهل البغي: إنهم لا يقاتلون حتى يناظروا، ويسألوا عماذا ينقمون؟ فقد يسألون عزل عامل يذكرون جوره. فلو كان العامل ينعزل بالجور لقال: يدعون انعزاله بالجور، ولم يقل: يسألون عزله. قال الرافعي: إلا أنه لم يطرد جوابه في صورة الردة، وسلم أنه إذا تاب بعد الردة احتاج إلى عقد جديد، وقال الشيخ أبو زيد: القياس التسوية.
وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسي: القطع بأن الإغماء مانع؛ فإذا زال عادت الولاية، بخلاف الجنون.
وفي "الحاوي": أنه إذا حدث الفسق في القاضي، فإن استدامه مصرّاً عليه انعزل به، ولو عجل الإقلاع عنه: فإنك ان من غير ندم وتوبة انعزل به، وإن كان إقلاعه عن ندم وتوبة نظر: فإن كان فسقه قد ظهر قبل التوبة انعزل به، وإن لم يظهر حتى
стр. 8922
تاب منه لم ينعزل به؛ لانتفاء العصمة عنه؛ فإن هفوات ذوي الهيئات مقالة، قل أن يسلم منها إلا من عصم، وإذا انعزل بالفسق، فحكم في حال العزل: فإن كان إلزاماً بإقرار صح، وإن كان حكماً بشهادة بطل، وعليه أن يمتنع من الحكم، ويهي حاله إلى الإمام أو إلى من ولاه؛ ليقلد غيره، ولا يغتر به الناس إن لم يعرفوه، ويقف أحكامهم إن عرفوه، وهو في إنهاء حاله بين أمرين: إما أن يظهر الاستعفاء ويكتم حاله؛ ليكون أستر [له]، وهو أولاهما، وإما أن يخبر بسبب انعزاله وإن كره له هتك ستره.
قال: وإذا وصل الكتاب، أي: الموصوف بما ذكرناه، وحضر الخصم، وقال، أي: بعد الدعوى عليه وإنكاره الحق وإقامة البينة بما في الكتاب: لست فلان بن فلان، أي: المذكور في الكتاب، وليس معروفاً بذلك- فالقول قوله مع يمينه؛ لأنه أخبر بنفسه، والأصل أن لا مطالبة عليه، فلو نكل عن اليمين حلف المدعي، وتوجه الحكم عليه، ولو امتنع من الحلف على نفي الاسم، وأراد الحلف على نفي الاستحقاق- فالمحكي عن الصيدلاني: أنه تقبل منه اليمين على هذا الوجه، ويندفع القضاء؛ استشهاداً بأن من ادعى عليه جهة في الاستحقاق كالقرض مثلاً، فلم يتعرض في جوابه لها، واقتصر على قوله: لا يلزمني تسليم شيء إليه- أنه تقبل منه اليمين، كذلك ها هنا.
قال الإمام: وهذا عندي خطأ؛ فإنه إنما امتنع من اليمين على نفي الاسم والنسب؛ لثبوتهما، ولو ثبتا فالحجة قائمة عليه، والقضاء [مبرم]، وليس كالدعوى المختصة بنفي الإقراض؛ فإن الدعوى ليست حجة، فأثبت الشرع للمدعى عليه مسلكاً في الخصومة يوافق الحق عنده، والمسألة محتملة مع ما ذكرناه.
ولأجل ما ذكره الإمام جزم في "الوجيز" بأنه لا يحلف كذلك، وقال ابن يونس:
стр. 8923
إنه الصحيح. وقد اعترض على الصيدلاني بأن وزان ما نحن فيه في مسألة [دعوى] القرض- إن سلم أن بينهما مشابهة- أن يجيب المدعى عليه بأنه [ما] اقترض، ثم يروم أن يحلف على أنه لا يستحق عليه شيئاً، وفي هذه الصورة الصحيح: أنه لا يجاب كما سيأتي، والله أعلم.
أما إذا كان معروفاً بهذا الاسم فيحكم عليه [به]، ولا يقبل ما ادعاه. قاله الماوردي.
قال: فإن أقام المدعي بينة أنه فلان بن فلان، أي: الذي رفع نسبه في الكتاب، أو قال المدعى [عليه]: أنا فلان بن فلان، إلا أني غير المحكوم عليه- لم يقبل قوله؛ لأن الظاهر أنه المشهود عليه؛ فإن الأصل عدم مشاركة غيره له في ذلك.
قال: حتى يقيم بينة أن له من يشاركه في جميع ما وصف به في الكتاب، أي: إن لم يكن المشار إليه يعرف به كما ذكره الماوردي؛ لأن الحكم- حينئذ- يصير محتملاً له ولغيره، وقال ابن الصباغ: إنه إذا ادعى أن له من يشاركه في ذلك سأل القاضي عنه وكشف، فإن لم يظهر ذلك حكم عليه؛ لأن الظاهر أنه المحكوم عليه، فإن ظهر فالقاضي يحضر ذلك الشخص ويسأله، فإن اعترف بأنه المحكوم عليه ألزمه الحق.
قلت: وفي هذا نظر من جهة أن كتاب القاضي لو تضمن أنه حكم على فلان بن فلان، ولم يرفع في نسبه، ولا وصفه بما يتميز به عن [غيره- كان] الحكم باطلاً، حتى لو أقر رجل بأنه فلان بن فلان المعني بالكتاب، لم يلزمه شيء بالقضاء المبهم في نفسه؛ كما حكاه الغزالي، وقضية ذلك: أن يكون الحكم باطلاً- أيضاً- فيما إذا اعترف المشارك في الاسم بأنه المسمى في الكتاب والمعني به؛ لأجل
стр. 8924
الإبهام. لكن قد يمنع ابن الصباغ الحكم الذي ذكرناه، ويسوي بين المسألتين فيقول: إذا تضمن الكتاب أنه حكم على فلان بن فلان ولم يرفع في نسبه ولا ميزه بصنعةٍ، فقال [شخص]: إنه المعني بالكتاب- يلزمه الحق؛ كما حكاه الرافعي عن "أدب القاضي" [لابن القاص و"إيضاح" أبي علي]، والله أعلم.
وإن أنكر، قال البندنيجي وغيره: يقال للمحكوم له: ألك بينة تفرق بين الرجلين؟ فإن أتى بالبينة حكم له، وإن لم يأت بها كتب المكتوب إليه إلى الكاتب كتاباً، وعرفه ما وقع من الإشكال ليحضر شهوده، فيذكر لأحدهما صفة يتميز بها عن صاحبه: فإن وجد الحاكم مزية كتب بها وحكم عليه، وإن لم يجد مزية وقف الأمر حتى ينكشف.
هذا إذا كان حيّاً، وأما إن كان من هو بهذه الصفة ميتاً، قال الماوردي والبندنيجي: فإن لم يكن قد عاصر الحي فلا أثر لهذه المشاركة، وإن كان قد عاصره- قال البندنيجي: ويمكن أن يكون عامله-: فإن كان قد مات بعد الحكم فهو كما لو كان حيّاً، وإن كان [موته قبل الحكم] فوجهان، اختار في "المرشد" منهما: أن الإشكال واقع، ووجه إلزام الحي: أن مطلق الأحكام يتوجه في الظاهر إلى الأحياء دون الأموات.
فرع: لو أقر بأنه المحكوم عليه، لكن طلب يمين المدعي على عدم القبض أو البراءة- لم يجب إلى ذلك؛ لأن الكاتب قد حلفه، صرح بذلك أبو الطيب والبندنيجي والماوردي وغيرهم.
وفي "التهذيب" في مسألة دعوى الإبراء: أنه يحلفه على أنه لم يبرئه.
قال الرافعي: فحصل في المسألة وجهان.
ولو طلب يمين الخصم على عدالة من شهد عليه لم يلزمه اليمين، وكذا لو سأل إحلافه على أن لا عداوة بينه وبينهم. نعم، لو سأله أن يحلف على أن لا ولادة بينه وبينهم ولا شركة، وجب إحلافه على ذلك؛ لاختصاصه بالمحكوم له دون الحاكم؛ كذا حكاه الماوردي، ونسبه الرافعي إلى "العدة".
стр. 8925
قال: وإن حكم عليه، أي: ألزمه الخروج [من] الحق، فخرج منه، فقال: اكتب [إلي كتاباً] بأنك حكمت عليّ، أي: وبأني وفيت [ما حكمت عليَّ به]؛ حتى لا يدعي ذلك مرة [أخرى]- فقد قيل: يلزمه؛ لاحتمال ما ذكره، ولأنه لو طلب الإشهاد على الخصم بالقبض لأجل ذلك وجب قولاً واحداً؛ لأنه حق ثبت عليه ببينة؛ فكذلك يجب على القاضي. وهذا قول الإصطخري، وصححه الجيلي.
وقيل: لا يلزمه؛ لأن الحاكم إنما يكتب بما ثبت عنده أو حكم به بعد دعوى محررة، ولم يَجْرِ واحد منهما عنده. وهذا ما اختاره في "المرشد" والنواوي.
قال: إلا [أن يدعي] ذلك مرة أخرى؛ لأنه إذا ادعى ذلك مرة أخرى توجهت دعوى الدافع بالإقباض والقاضي يعلمه، [فساغت الكتابة] به، وهذه الزيادة لم أرها لغير الشيخ، وإن كان الفقه يقتضيها نظراً لما ذكرناه.
ولا خلاف أن الدافع لو طلب الكتاب الذي وصل بوجوب الحق عليه بعد وفاء الحق- لا يسلم إليه؛ لأن الورقة قد تكون ملك الخصم، وإن لم تكن فله غرض في إمساكه لتذكار الشهود؛ فربما احتاج إلى شهادتهم.
قال القاضي أبو الطيب وغيره: وكذا لو باع واحد [شيئاً] فلا يلزمه تسليم كتاب الأصل ولا تمزيقه؛ لأنه ملكه وحجة عند الدرك، ولم يدخل في البيع.
قال: وإن ثبت عند الحاكم حق، أي: على حاضر أو غيره، فسأله صاحب الحق أن يكتب له محضراً بما جرى- كتبه ووقع فيه، أي كتب علامته على رأسه،
стр. 8926
مثل: الحمد لله رب العالمين، وهو بتشديد القاف، ودفعه إليه، لأن في ذلك توثقة لحقه، فشرع كالإشهاد على نفسه، لكن هذه الكتابة واجبة أم مستحبة؟ أطلق بعضهم فيها وجهين، وملخص ما ذكره في "الحاوي": أنه ينظر في ذلك: فإن كان في دين يستوفي عاجلاً لم يلزمه، وإن كان في دين مؤجل أو [في] ملك متأبد:
فإن كان في صورة يجب على الحاكم الإشهاد عليه فيها جزماً، كما إذا ثبت الحق عنده بإقرار الخصم، وقلنا: [له أن] يقضي بعلمه أولاً كما قاله البندنيجي، أو يثبت بنكول الخصم وحلف المدعي ففيه وجهان:
أحدهما: أن ذلك واجب كالإشهاد، وهذا أصح في "تعليق" القاضي الحسين، والمختار في "المرشد".
والثاني: أنه لا يجب؛ لأن الشهادة بينة تغني عنه، والمرجع عندنا إلى ما يذكره الشاهد، قال الغزالي: وعلى هذا فيستحب للقاضي استحباباً مؤكداً.
وإن كان في صورة قد اختلف في وجوب الإشهاد فيها، وهي إذا ثبت الحق بشهادة عدلين، فإن قلنا: لا يجب الإشهاد؛ لأن البينة بالحق موجودة- فكتب المحضر أولى، وإن قلنا: تجب؛ لأن في إشهاده على نفسه مع البينة الموجودة تعديلاً لبينته وإثباتاً لحقه- ففي إيجاب كتب المحضر الوجهان.
وعن ابن جرير الطبري- وهو [] كما قاله الرافعي في أوائل كتاب الزكاة-: أنه لا يكتب المحضر إذا لم يعرف الخصمين، حتى لا يصير محضره الذي ثبت له حجة على ما يكون باسمهما ونسبهما.
стр. 8927
قال القاضي أبو الطيب وصاحب "البحر": [وهذا غلط]؛ لأنهما إذا لم يكونا معروفين بعينهما، فإنه يذكر حليتهما، ولا يجوز [له] ترك ذلك، والمعول عليه الحلية؛ فصار بمنزلة معرفة العين.
ونسب الإمام ما حكيناه عن ابن جرير إلى ابن خيران، وأنه ليس بشيء، والقاضي الحسين نسبه إلى الإصطخري وأنه [قال]: إذا أقر المجهول عنده لا يقبل إقراره؛ لأني [لو] قبلت ذلك لا آمن أن يكون واطأه المدعي؛ حتى يقر له، ويستعير اسم إنسان، فيسمي به نفسه، فإذا مات ادعى على ورثته، ولا ينفع القاضي كتب الحلى؛ لأن المستعار اسمه قد مات، وهو يدعي على ورثته. ثم قال: وهذا غلط؛ لأنه يؤدي إلى تعطيل الأحكام؛ فإنه لا يعرف جميع الخصوم.
قال: ويكتب نسخته ويودعها [في] قمطره، أي: مختومة، ويكتب على ظهرها: خصومة فلان بن فلان، وتاريخها، [ووجه ذلك]: الاحتياط؛ فإن فيها تذكاراً بالحال، و [إليها] مرجعاً عند الحاجة، ولا شك في أن ذلك غير واجب، ثم القرطاس في كل الأحوال يكون من بيت المال؛ كما تقدم ذكره.
قال: فإن لم يكن للحاكم قرطاس من بيت المال كان ذلك على صاحب الحق؛ لأنه يكتبه لحقه، وأشار القاضي الحسين إلى أنا إذا قلنا بوجوب الكتابة، ولم يكن للحاكم قرطاس من بيت المال، ولا أحضره الطالب: أنه يجب من مال القاضي على وجه، ثم قال: والصحيح: أنه لا يجب على القاضي شيء من ماله. وهذا ما جزم به [غيره].
ثم صورة المحضر: "بسم الله الرحمن الرحيم، حضر القاضي فلان بن فلان،
стр. 8928
ويرفع في نسبه؛ حتى يتميز، قاضي بلد كذا من قبل الإمام فلان، ويرفع في نسبه، أو من قبل القاضي فلان، ويرفع في نسبه، المولى من قبل الإمام فلان، وهو بمجلس حكمه ومحل ولايته من بلد كذا، فلان بن فلان الفلاني، ويرفع في نسبه بما يميزه عن غيره، ويكتب حليته استحباباً إن كان معروف النسب عند القاضي، وإلا كتب- كما قال ابن الصباغ وشيخه أبو الطيب والبندنيجي والإمام وغيرهم-: من ذكر أنه فلان بن فلان الفلاني- وكتب الحلية هاهنا واجب؛ كما قاله أبو الطيب- وادعى على فلان بن فلان الفلاني، ويرفع في نسبه، ويذكر حليته استحباباً إن كان معروف النسب، وإلا فيذكرها وجوباً؛ لأن المعول عليها.
ثم يذكر المدعى به وصفة الدعوى محررة، [ثم] إن كان المدعي عليه قد أقر بالحق كتب إقراره [، و] به. قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ.
وليس يحتاج أن يذكر أنه أقر له في مجلس حكمه؛ لأن الإقرار يصح فيه وفي غيره، وهذا قد نسبه الماوردي إلى الشيخ أبي حامد، وأنه قال: إن ثبت ببينة ذكر ذلك. وهو في "تعليق" البندنيجي.
قال الماوردي: وفرق بأن سماع [البينة] حكم، وليس في الإقرار حكم. وهذا الفرق ليس له وجه؛ لأن الدعوى لا يسمعها القاضي إلا في مجلس حكمه؛ ولأنه يتعلق بالإقرار إلزام، والإلزام حكم.
ثم يذكر التاريخ ويوقع على رأسه بكتب العلامة؛ كما تقدم.
وإن كان المدعى [عليه] قد أنكر، وقامت [عليه] بينة كاملة بالحق، وكانت عادلة- كتب إنكاره، وأنه شهد عليه بالمدعى [به] شاهدان عدلان، ثبت بهما الحق، وأن ذلك في مجلس الحكم؛ لأن الشهادة لا تسمع في غيره، وحكم تسميتها وعدمها قد تقدم الكلام فيه.
وفي "الحاوي" و"البحر" في باب ما على القاضي في الخصوم: أن في تسمية
стр. 8929
الشهود الذين حكم بشهادتهم في المحضر والسجل وجهين:
أحدهما- قاله الإصطخري-: أن ترك تسميتهم أولى.
والثاني- قاله ابن سريج-: أن تسميتهم أولى وأحوط للمشهود عليه؛ فلعله يقدر على جرحهم.
قال الماوردي: مع أن كل واحد من الأمرين جائز.
وإن أقام المدعي شاهداً [واحداً] وحلف معه، ذكر ذلك، وأن الشهادة واليمين وقعا في مجلس الحكم.
ويختمه بالتاريخ، ويكتب القاضي في آخره: شهدا عندي، أو: شهد عندي بذلك.
ويوقع على رأسه بالعلامة، وهذا إذا لم يكن له صك، فإن كان له صك وفيه خطوط الشهود قال القاضي أبو الطيب: فيكتب علامة توقيعه في صدره، ويكتب تحت خط الشاهدين اللذين شهدا عنده: شهدا عندي بذلك. ويقتصر عليه. قال: وكذلك في فصل الإقرار.
وفي "تعليق" البندنيجي: أنه يكتب تحت خط كل واحد: شهد عندي بذلك في مجلس حكمي وقضائي.
وإن كان المدعى عليه قد أنكر، ولم يكن للمدعي بينة، وطلب يمينه، فنكل عنها، وحلف المدعي بطلبه- كتب ذلك: وأنه جرى في مجلس الحكم، وختمه بالتاريخ، ووقع على رأسه بالعلامة.
قال: فإن أراد، أي: المدعي- أن يسجل له، كتب له سجلاً، وحكى فيه المحضر، وأشهد على نفسه بالإنفاذ- أي بالحكم- بما ثبت في المحضر بعد الحكم به، حتى لا يكون كاذباً في إشهاده، وألفاظه: حكمت له بكذا، وألزمته الحق، وأنفذت الحكم به؛ كما قاله ابن الصباغ.
قال: وسلمه إليه، وكتب نسخته، وتركها في قمطره، وتوجيه ذلك قد تقدم.
وهذا السجل يبدأ فيه بكتابة الشهادة، كما ابتدأ في المحضر بالحضور؛ فيكون أول
стр. 8930
السجل: هذا ما أشهد عليه القاضي فلان-[على ما] قدمناه- في محضر نسخته كذا، ويكتب نسخة المحضر، فإذا فرغ منه قال: فحكم به وأنفذه وأمضاه بعد أن سأله ذلك، واستيفاء الشرائط المعتبرة في ذلك، وأشهد على نفسه. ولو كان السجل على ظهر كتاب أحضره، وكتب: أشهد عليه في مجلس حكمه أنه ثبت عنده مضمون الكتاب باطنه، وهو كذا، ثم بعد فراغه يكتب: وأنه حكم به. وللناس في ذلك عرف مختلف، والمرجع في كل قطر إلى عرف أهله، على أن المحاضر والسجلات كتب، هي بما ذكرناه أحق من هذا الكتاب.
فرع: قال في "الحاوي" في باب ما على القاضي في الخصوم: إذا تحاكم الخصمان، ولم يسألا القاضي الكتبة، كان القاضي مندوباً إلى إثبات محاكمتهما في ديوانه، مشروحة بما انفصلت عليه من إلزام أو إسقاط؛ احتياطاً للمتحاكمين، ووجوب ذلك معتبر بالحكم: فإن كان مما استوفى وقبض لم يجب عليه إثباته، وإن كان إثباته مستظهراً، وإن كان مما لم يقبض ولم يستوف: فإن كانت الحالة مشهورة ولا ينسى مثلها، لم يجب إثباتها، وإن جاز أن ينسى مثلها وجب عليه إثباتها؛ ليتذكر بخطه ما حكم [به] وألزم؛ [لأنه كفيل بحفظ الحقوق على أهلها، فألزم] بذلك ما يئول إلى حفظها، والله أعلم.
قال: وما يجتمع من المحاضر [والسجلات] في كل شهر، أو في كل أسبوع، أو في كل يوم- على قدر قلته وكثرته- يضم بعضها إلى بعض، أي: فيصير قمطراً، ويختم عليه ويكتب عليه: محاضر وقت كذا، من شهر كذا، من سنة كذا؛ ليسهل عليه كشف ما يريده عند الحاجة إليه.
قال الأصحاب: وإذا اجتمعت محاضر سنة ضمها، وكتب عليها: محاضر سنة كذا.
ولو لم يفعل القاضي ذلك بنفسه، لكنه وكله إلى ثقة- جاز، والأولى: أن يكون
следующие страницы →