← Сира

Сира · id 14326

فقه السيرة النبوية لمنير الغضبان

منير الغضبان

Полный текст (742 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

حتى أصبح محط أنظار مجتمعه، وصار مضرب المثل فيهم، حتى ليلقبوه بالأمين. وتهفو قلوب الرجال والنساء إليه على السواء- رغم العجيج الفارغ للمتبذلين والفاسقين- يعطينا صورة حية عن قيمة الأخلاق في المجتمع، وعن احترام صاحب الخلق ولو في المجتمع المنحرف. وهذه المقدمات هي التي مكنت الرسول ﷺ من إيقاف حرب مدمرة في قومه من خلال التحكيم في وضع الحجر الأسود، فقد اغتبط الجميع أن كان الداخل الأمين، وأعلنوا رضاءهم بحكمه قبل أن يصدر حكمه لثقتهم بنزاهته، وتجرده وموضوعيته. كيف استطاع بعبقريته ﷺ أن يطرح بهذه البداهة والحكمة والحزم فكرة وضع الحجر في الثوب، ومساهمة الجميع في حمله وتشرفهم في وضعه في مكانه. لقد كان جزءا من قومه حين وقع الاعتداء عليهم، فدافع عنهم، ورمى بأسهم وأنبل لأعمامه في حرب الفجار. وكان جزءا من قومه يوم شارك في عقد حلف الفضول وأن يكونوا يدا واحدة على الظالم، وحمى قومه من حرب عنيفة قد تأكل الأخضر واليابس، وأحل الوئام مكان الخصام، وغدا قلب مجتمعه، وصاحب السيادة فيه. ولا بد أن يكون الداعية في مجتمعه إذن إيجابيا فاعلا، يفتقده الناس إذا غاب، ويصغون له ويطيعونه إذا حضر، لا أن يكون رقما من الأرقام على هامش الأحداث في بيئته ومجتمعه.

стр. 107

وحين يكون صاحب الكلمة الفصل فيهم عن حب وإعجاب واحترام، يكون قادرا على أن يوظف هذا الجاه كله لخدمة دعوته، ولنشر الإسلام في صفوف عشيرته وقومه، ويكون قد هيأ الأرض الخصبة للبذرة الصالحة التي يغرسها فتنمو وتترعرع، ثم تزهر وتثمر، وتعطي أحسن الجني، وأطيب الثمار. ٨ - ويستوقف المسلم قول أبي وهب بن عمرو بن مخزوم: (لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا، لا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس). فقد كان الجاهليون يدكرون في حسهم مفهوم الحلال والحرام، وحين يقدمون على أمثال هذه المعاملات- المذكورة آنفا- يعلمون أنهم يقدمون على إثم أو على شيء خبيث، ومن أجل ذلك وتشريفا للكعبة- زادها الله شرفا- حرصوا على أن لا يدخل في بنائها هذا المال الحرام، الذي هو ثمرة زنا أو ربا أو مظلمة لأحد من الناس، وهذا خبيث كله لأن غيره هو الكسب الطيب. وإن كان الجاهليون يدركون هذه المعاني من حيث الفطرة السوية التي تنفر من هذا الخبيث كله، والتي تعرف أنه ظلم وبغي، أو يدركونه من بقايا الحنيفية دين إبراهيم، وهي الفطرة الأولى ﴿ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ (١) فالنتيجة واحدة، والممارسات الخاطئة

стр. 108

لا تحول الخبيت طيبا، والحرام حلالا، وما يدعيه اليوم دعاة الجاهلية الحديثة في تبرير الزنا، وأنه عملية بيولوجية بحتة، لا علاقة لها بالآخرين، طالما أنها تمت برضا الطرفين، ويشرعون القوانين في تحليلها وما يدعونه في تبرير الربا وأنه حق مكتسب للمال ويشرعون القوانين لإحلاله .. ليس هذا الادعاء أو هذا التشريع قناعة قائمة في النفس، بمقدار ما هو تغطية وتبرير للظلم، يعرفون في أعماقهم حرمته ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ (١). ...

стр. 109

الفصل العاشر زواجه من خديجة (قال ابن إسحاق: (.. فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به، فأضعف أو قريبا، وحدثها ميسرة عن قول الراهب .. وعما كان يرى من إظلال الملكين له، وكانت خديجة امرأة حازمة شريفة لبيبة، مع ما أراد الله بها من كرامته. فلما أخبرها ميسرة بما أخبرها به، بعثت إلى رسول الله ﷺ فقالت له- فيما يزعمون-: يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك، وسطتك (١) في قومك، وأمانتك وحسن خلقك، وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة يومئذ أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهن شرفا، وأكثرهن مالا، كل قومها كان حريصا على ذالك منها لو يقدر عليه. فلما قالت ذلك لرسول الله ﷺ ذكر ذلك لأعمامه فخرج معه عمه حمزة (٢) بن عبد المطلب ﵁، حتى دخل على خويلد بن أسد،

стр. 110

فخطبها إليه فتزوجها) (١) .. (وعن نفيسة بنت منية قالت: كانت خديجة بنت خويلد امرأة حازمة، وهي يومئذ أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهن شرفا، وأكثرهن مالا، وكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة، كل قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك، قد طلبوها وذكروا لها الأموال فلم تقبل. فأرسلتني دسيسا (٢) إلى محمد ﷺ بعد أن رجع في عيرها من الشام، فقلت: يا محمد ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: ((ما بيدي ما أتزوج به)) قلت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاية ألا تجيب؟ قال: ((فمن؟)) قلت: خديجة. قال: ((وكيف لي بذلك؟)) قلت: بلى وأنا أفعل، فذهبت فأخبرتها، فأرسلت إليه أن ائت الساعة كذا كذا، فأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها، فحضرت، ودخل رسول الله ﷺ في عمومته فزوجه أحدهم) (٣). وعن ابن عباس فيما يحسب حماد أن رسول الله- ﷺ ذكر خديجة وكان أبوها يرغب عن أن يزوجه، فصنعت طعاما وشرابا فدعت أباها ونفرا من قريش فطعموا وشربوا حتى ثملوا، فقالت خديجة: إن محمد بن عبد الله يخطبني

стр. 111

فزوجني إياه فزوجها إياه فخلقته (١)، وألبسته حلة، وكذلك كانوا يفعلون بالآباء. فلما سري عنه سكره نظر فإذا هو مخلق وعليه حلة. فقال: ما شأني؟ ما هذا؟ قالت: زوجتني محمد بن عبد الله. فقال: أنا أزوج يتيم أبي طالب لا لعمري. قالت خديجة: ألا تستحي تريد أن تسفه نفسك عند قريش تخبر الناس أنك كنت سكران، فلم تزل به حتى رضي) (٢). (وعن عمار بن ياسر أنه كان إذا سمع يتحدث به الناس من تزوج رسول الله خديجة يقول: أنا أعلم الناس بتزويج رسول الله ﷺ إياها. كنت من إخوانه، فكنت له خدنا وإلفا في الجاهلية، وإني خرجت مع رسول الله ﷺ ذات يوم فمررنا على أخت خديجة، وهي جالسة على أدم لها، فنادتني، فانصرفت إليها، ووقف رسول الله ﷺ فقالت: أما لصاحبك في تزوج خديجة حاجة؟ فأخبرته، فقال: ((بلى لعمري))، فرجعت إليها فأخبرتها بما قال رسول الله ﷺ . فقالت: أغد علينا إذا أصبحت غدا، فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة، وألبسوا أبا خديجة حلة، وضربوا عليه قبة، فكلمت أخاها فكلم أباها، وأخبرته برسول الله ﷺ وبمكانه، وبأنه سأل أن يزوجه خديجة، فزوجه، فصنعوا من البقرة طعاما، فأكلنا منه، ونام أبوها ثم استيقظ، فقال: ما هذه الحلة، وهذه القبة، وهذا الطعام. قالت له ابنته التي كلمت عمارا هذه الحلة كساكها محمد بن عبد الله ختنك، وهذه بقرة أهداها لك فذبحناها حين زوجته خديجة، فأنكر أن يكون زوجه. وخرج

стр. 112

حتى جاء الحجر، وجاءت بنو هاشم حين جاؤوا. فقال: أين صاحبكم الذي تزعمون أني زوجته. فلما رأى رسول الله ﷺ ونظر إليه قال: إن كنت زوجته، وإلا فقد زوجته) (١). (وعن جابر بن سمرة أو رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: كان النبي ﷺ يرعى غنما، فاستعلى الغنم فكان في الإبل هو وشريك له فأكريا أخت خديجة، فلما قضوا السفر بقي لهم عليها شىء، فجعل شريكه يأتيها فيتقاضاها ويقول لمحمد: انطلق. فيقول: ((اذهب أنت فإني أستحي)). فقالت مرة وأتاهم، فأين محمد؟ قال: قد قلت له فزعم أنه يستحي. فقالت: ما رأيت رجلا أشد حياء ولا أعف ولا ولا .. فوقع في نفس أختها خديجة، فبعثت إليه فقالت: ائت أبي فاخطبني، قال: ((أبوك رجل كثير المال وهو لا يفعل)) قالت: انطلق فالقه فكلمه فأنا أكفيك، وائت عند سكره، ففعل فأتاه فزوجه، فلما أصبح جلس في المجلس فقيل له: أحسنت زوجت محمدا. فقال: أوقد فعلت؟ قالوا: نعم. فقام فدخل عليها فقال: إن الناس يقولون إني قد زوجت محمدا. قالت: بلا، فلا تسفهن رأيك فإن محمدا كذا فلم تزل به حتى رضي، ثم بعثت إلى محمد ﷺ بأوقيتين من فضة، أو ذهب وقالت: اشتر حلة واهدها لي، وكبشا وكذا وكذا ففعل) (٢).

стр. 113

قال ابن إسحاق: وكانت خديجة بنت خويلد قد ذكرت لورقة بن نوفل- وكان ابن عمها وكان نصرانيا قد تتبع الكتب، وعلم من علم الناس- ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب، وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه. فقال ورقة: لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا لنبي هذه الأمة. قد عرفت إنه كائن لهذه الأمة نبي هذا زمانه. فجعل ورقة يستبطئ الأمر، ويقول: حتى متى؟! وقال في ذلك: لججت وكنت في الذكرى لجوجا ... لهم طالما بعثالنشيجا ووصف من خديجة بعد وصف ... فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين على رجائي ... حديثك أن أرى منه خروجا بما خبرتنا من قول قس ... من الرهبان أكره أن يعوجا بأن محمدا سيسود يوما ... ويخصم من يكون له حجيجا) (١) ١ - (وكانت خديجة يومئذ أوسط قريش نسبا وأعظمهن شرفا، وأكثرهن مالا، كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليه). ولا غرو فهي التي كانت تسمى الطاهرة في قومها. وقد أعدها الله تعالى لنبيه. لتكون أكبر سند له في دعوته، ويكون مالها قربى في سبيل الله، ويكفيهما قول رسول الله ﷺ فيها: ((خير نسائها مريم بنت عمران،

стр. 114

وخير نسائها خديجة)) (١) وأشار وكيع إلى السماء والأرض وقوله: ((حسبك من نساء العالمين: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون)) (٢). وحاجة الداعية المجاهد في سبيل الله إلى المرأة العاقلة الشريفة التي تستوعبه وتعيش همومه أكثر من حاجته إلى الفتاة الصغيرة التي تحتاج لرعايته وعنايته وتربيته. ٢ - (يابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك في قومك، وأمانتك، وحسن خلقك، وصدق حديثك ...) فهي التي اختارت زوجها ﵂، وهيأت الأسباب والرسل لزواجها، وذللت الصعاب، والعوائق أمامها لإتمام هذا الزواج، وسخرت أختها وصديقتها نفيسة بنت منبه وأخاها لذلك، وهي الطاهرة المصونة العفيفة التي يحلم كل قرشي بها، ولم يمنعها فقر النبي ﷺ من زواجها، بل بعثت له بما يحتاجه لخطبتها. إنه درس لكل امرأة مسلمة داعية، أن تعرف من تختار ليكون زوجا لها، وعلى من توافق ليكون شريك حياتها ((إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض)) (٣).

стр. 115

ولا ينقص من شأنها أن تسعى لذلك، ولا يخرم مروءتها أن تهيىء السبل لذلك، وأن لا يكون المال أو المنصب أو الجاه أو الجمال فقط هي القيم التي تنطلق منها المرأة المسلمة. إنه الدين أولا، والخلق ثانيا. ولو كان ذا فقر مدقع أو غرم مفظع. ٣ - (أما بعد فإن محمدا مما لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح به شرفا ونبلا وعقلا وفضلا. وإن كان في المال قل، فإن المال ظل زائل، وعارية مسترجعة). فقد أدرك هذا المعنى أبو طالب على جاهليته، وكان لقيم الخلق والشرف والنبل وزن أكبر من المال الوفير والجاه العريض، وقيمه أبو طالب بأنه ظل زائل، وعارية مسترجعة. فهل يدرك إخواننا وأخواتنا هذه المعاني التي أدركها الجاهليون قبل الإسلام، وينطلقون في زواجهم من هذه الأحكام؟! ٤ - إن الجانب الديني في سعي خديجة الحثيث، ﵂ لتتزوج من رسول الله ﷺ لا يبدو واضحا إلا من خلال الفقرة الأخيرة. فهي تتابع الإرهاصات واحدة تلو الأخرى (١)، لقاء الراهب

стр. 116

نسطورا، قصة الملكين اللذين يظللانه كما روى لها ميسرة خادمها. حديث ورقة، وأمله أن تكون قد تزوجت بنبي هذه الأمة. كما رواه ابن إسحاق يؤكد هذا المعنى. وفي السيرة الحلبية. (كانت لنساء قريش عيد يجتمعن فيه في المسجد، فاجتمعن يوما فيه، فجاءهن يهودي وقال: أيا معشر نساء قريش، إنه يوشك أن يكون فيكن نبي قرب وجوده. فأيكن استطاعت أن تكون له فراشا فلتفعل. فحصبته النساء، وقبحنه، وأغلظن له. وأغضت خديجة على قوله، ووقع ذلك في نفسها، فلما أخبرها ميسرة بما رآه من الآيات وما رأته هي (أي وما قاله لها ورقة لما حدثته بما حدثها به ميسرة بما تقدم) قالت: إن كان ما قاله اليهودي حقا، ما ذاك إلا هذا) (١). ...

стр. 117

العهد المكي للدعوة

стр. 118

الفصل الحادي عشر الوحي (عن عائشة ﵂ قالت: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم. فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث به وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها. حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: ((ما أنا بقارئ)). قال ((فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ: قلت: ما أنا بقارئ)) قال: ((فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني)) فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم﴾. فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂، فقال: ((زملوني، زملوني)) فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة وأخبرها بالخبر: ((لقد خشيت على نفسي)) فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

стр. 119

فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرءا تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: يابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا (١)، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله: ((أومخرجي هم؟)) قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي) (٢). وقال ابن إسحاق: وحدثني وهب بن كيسان (٣) مولى آل الزبير قال: سمعت عبد الله بن الزبير (٤) وهو يقول لعبيد بن عمير (٥) بن قتادة الليثي: حدثنا يا عبيد، كيف كان ما ابتدىء به رسول الله ﷺ من النبوة حين جاءه جبريل ﵇؟ قال: فقال عبيد وأنا حاضر يحدث عبد الله بن الزبير، ومن عنده من الناس: كان رسول الله يجاور في حراء من كل سنة شهرا، وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية (والتحنث: التبرر) فكان رسول الله ﷺ يجاور ذلك

стр. 120

الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله ﷺ جواره، من شهره ذلك، كان أول ما يبدأ به- إذا انصرف من جواره- الكعبة، قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعا، أو ما شاء الله من ذلك ثم يرجع إلى بيته. حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله تعالى ما أراده من كرامته، من السنة التي بعثه الله تعالى فيها، وذلك الشهر: شهر رمضان. خرج رسول الله ﷺ إلى حراء كما كانت يخرج لجواره ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله تعالى فيها برسالته ورحم العباد بها، جاءه جبريل ﵇ بأمر الله تعالى. قال رسول الله ﷺ : ((فجاءني جريل وأنا نائم، بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ. قلت: ما أقرأ؟)) قال: ((فغتني به، حتى ظننت أنه الموت. ثم أرسلني فقال: اقرأ)) قال: ((قلت ما أقرأ؟)) قال: ((فغتني به حتى طنت أنه الموت، ثم أرسلني. فقال: اقرأ)) قال: ((قلت: ماذا اقرأ؟)) قال: ((ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي، فقال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم﴾ قال: ((فقرأتها، ثم انتهى، فانصرف عني، وهببت من نومي، فكأنما كتبت في قلبي كتابا)) قال: ((فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل)) قال: ((فرفعت رأسي إلى السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول: يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل)) قال: ((فوقفت أنظر إليه ما أتقدم ولا أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء)) قال: ((فلا أنظر في ناحية منها

стр. 121

إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرف عني، وانصرفت راجعا إلى أهلي، حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مضيفا إليها فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا لي، ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت: أبشر يابن عم واثبت فوالذي نفس خديجة بيده، إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة))، تم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهو ابن عمها، وكان ورقة قد تنصر، وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل، وأخبرته بما أخبرها به رسول الله ﷺ أنه رأى وسمع فقال ورقة بن نوفل: قدوس قدوس والذي نفس ورقة بيده، لئن كنت صدقتينني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته بقول ورقة بن نوفل، فلما قضى رسول الله ﷺ جواره وانصرف صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة، فقال يابن أخى أخبرني بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله ﷺ ، فقال له ورقة: والذي نفسى بيده، إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ولتكذبنه، ولتؤذينه، ولتخرجنه، ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا بعلمه، ثم أدنى رأسه منه، فقبل يافوخه، ثم

стр. 122

انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله) (١). ... ١ - المجتمع المكي يعج بالوثية، وبالطقوس الدينية التي لا تنتهي من النذور والقرابين لغير الله، ومن التمسح بالأحجار والأوثان، ورسول الله ﷺ لا يبغض شيئا كما يبغض هذه الأمور، وقد رأينا كيف أحرج مرة في حضور عيد لقومه عند صنم بوانة، ثم رفض وابتعد، فما حضر لهم عيدا قط، كيف قال لبحيرى الراهب عندما سأله: - يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه؟ - ((لا تسألني باللات والعزى شيئا، فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما)). إنه يحس ﵊ بالنفور التام من هذا المجتمع الوثني، ولم ير بدا من الخلوة بعيدا بعيدا عن هذه الأجواء الملوثة يتفكر

стр. 123

في خلق السموات والأرض. ووجد بغيته في غار حراء، ولم يحافظ على شيء من تلك الطقوس إلا على حبه للكعبة وطوافه بها كلما أمضى ليالي وعاد إليها يدفعه الحنين، ويحدوه التقديس العظيم لها حتى قبل أن يلقى أهله، ويدخل بيته. وكانت هذه المقدمات تهيئة له ﵊ ليتلقى الوحي، بحيث يتجه بكل كيانه ووجدانه إلى ربه ، بعيدا عن مشاغل الدنيا، وفتن العصر، موصول القلب بالله فاطر السموات والأرض محررا من كل قيود الدنيا وأوهاقها وتبعياتها، صافي الذهن والسريرة لتلقي الوحي الرباني من العلي الأعلى، وكانت زوجه ﵂ تهيىء له هذا الجو المتفرد، وتكفيه زاده وطعامه، وتحثه على التحنث بالغار. وفي شهر رمضان الذي اختاره ﵊ ليكون موعد تعبده، وفي حراء، حيث تبدو مكة والكعبة للناظر إليها دون عائق. نحن بحاجة لتصحيح كثير من مفاهيمنا، ولإعادة النظر فيها في جو شبيه بجو حراء، فيما شرعه الله لنا من اعتكاف، نراجع القناعات، ما كان به لوثة من زحام الأرض، وفلسفات أهلها، فنطرحه بعيدا عنا، وننقي الشوائب التي علقت بالقلوب والوجدان، فكرية أو عاطفية، ونصحح واقعنا كله على ضوء الكتاب والسنة .. إنها وقفات على الطريق، ولفتات إلى الوراء، نراجع الرصيد، ونفتش السلوك، ونمحص الرأي، ونهذب القلب، وننفي الضمير، لنتابع المسير بعد ذلك على الطريق، على بينة وهدى. ٢ - وما كان رسول الله ﷺ يطمح إلى الوحي، ولا يعرف شيئا عنه، ولم يكن

стр. 124

بذهنه انتظار جبريل. لقد كان الأمر جديدا كل الجدة عليه حتى ليمضي فزعا إلى خديجة ﵂، يخاف أن يصيبه مس من الشيطان، ويخشى على عقله مما رأى وسمع. ولعل أمر النبوة في حس خديجة ﵂ أكبر منه في حس النبي ﷺ ، فهي تأمل وتنتظر، وورقة من طرف آخر، يأمل ويتوق وينتظر: أتبكر أم أنت العشية رائح ... وفي الصدر من إضمارك الحزن قادح لفرقة قوم لا أحب فراقهم ... كأنك عنهم بعد يومين نازح وأخبار صدق خبرت عن محمد ... يخبرها عنه إذا غاب ناصح وظني به أن سوف يبعث صادقا ... كما أرسل العبدان هود وصالح وموسى وإبراهيم حتى يرى له ... بهاء ومنشور من الذكر واضح (١) لقد كان الوحي مفاجأة كاملة لرسول الله ﷺ . بينما كان عند أم المؤمنين خديجة تحقيقا لانتظار طال .. فخديجة وابن عمها ورقة كأنهم يرونه وأي العين أهلا لهذه النبوة. أما هو ﷺ فما كان يخطر له على بال أن يكون النبي المبعوث رحمة للعالمين. لقد سمع ورأى، وكان الحجر والشجر يسلم عليه كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. لكنه لم يكن يدري كيف تكون الرسالة، كيف يكون الوحي، فلم يقرأ في كتاب، ولم يجلس إلى راهب يحدثه عن هذا الأمر، ولم يسمع بشيء عن مفهوم الوحي والرسالة. يؤكد هذا المعنى كتاب الله تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك

стр. 125

روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور﴾ (١). ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون﴾ (٢). ﴿نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ (٣). ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين﴾ (٤) وحتى عندما جاءه الوحي مرة ثانية. قال ابن شهاب وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال وهو يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه:

стр. 126

(بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري، فاذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه فرجعت، فقلت زملوني زملوني، فأنزل الله تعالى ﴿يا أيها المدثر * قم فأنذر﴾ إلى قوله ﴿والرجز فاهجر﴾ فحمي الوحي وتتابع)) (١). وحكمة الله تعالى في ذلك أن لا يكون متطلعا لمثل هذا الأمر، فتسول له نفسه مثل هذه الأمور، فلم يكن يقرأ كتبا، ولا يجالس كهنة، ولا يختلف إلى راهب، ليكون جاهزا للتلقي من الله تعالى دون وساطة، ودون تدخل بشري مطلق، ويكون قلبه الشريف وعاء لوحي الله تعالى وحده، فلا تتدخل التصورات البشرية فيه، والتفسيرات الوضعية، ولا القصور الإنساني في ماهيته. ﴿الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد﴾ (٢) ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين﴾ (٣). ٣ - وهذه الآيات الكريمة التي أنزلها الله تعالى على قلب نبيه محمد ﷺ ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم﴾ (٤) لتكون أول ما

стр. 127

ينطبع في قلبه من وحي الله تعالى، ((فهببت من نومي كأنما كتبت في قلبي كتابا))، لتدل دلالة واضحة على عظمة ودور العلم في حياة البشرية، العلم من لدن الحكيم الخبير، والذي يعتمد على القراءة والكتابة بالقلم أسلوبا رئيسيا له. وهذا العلم كثيرا ما يدخل في متاهات التفسير البشيري القاصر، وإن المسلم ليعجب من هذه التفسيرات القاصرة، والقرآن الكريم ما ترك مجالا لها، وقد أوضح المقصود الأساسي منها، حتى لنجد كثرة التأثر بالعلم الغربي البشري في أيامنا المعاصرة، والانبهار الكبير بآثاره ونتائجه يدفع الكثيرين من الكتاب- عن حسن نية- إلى حصر العلم بهذا العلم البشري القاصر- على اتساع آفاقه وكبير آثاره- ويحرفون كل الأحاديث والآيات الواردة في العلم. لتكون نصا على هذا العلم البشري. نحن بحاجة إلى تصحيح هذه النظرة، وإلى العودة إلى القواعد الأولى في هذا الدين. فالعلم كما ورد في القرآن الكريم لا يعني وبهذا التعريف- العلم- إلا الوحي ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ..﴾ (١)، ﴿(.. ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير﴾ (٢)، ﴿وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما

стр. 128

جاءهم العلم بغيا بينهم ...﴾ (١)، ﴿وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ..﴾ (٢). لكن عندما يذكر غير الوحي تأتي كلمة العلم نكرة- علم- لأنها تمثل جانبا من الحقيقة، أما الحق الثابت في هذا الوجود هو الوحي فقط. ﴿قال إنما أوتيته على علم عندي ...﴾ (٣) ﴿قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ (٤)، ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير﴾ (٥). ويبقى العلم البشري الذي يصل إليه الإنسان بجهده وفكره وذكائه، وحتى ما يجتهد فيه مما يتلقاه من الشرع ويجتهد في فهمه - علم- قابل للصواب والخطأ. أما العلم الثابت اليقيني الحق في هذا الوجود هو كتاب الله تعالى، وسنة نبيه محمد ﷺ .. وكل علم دونه يعتبر حقا بمقدار ما يتوافق مع هذا العلم المطلق، مع وحي الله تعالى في كتابه ووحيه لرسوله الذي قال الله تعالى عنه ﴿وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى﴾ (٦). يقول السهيلي: (وقوله: ((ما أنا بقارئ))؛ أي إني أمي، فلا

стр. 129

أقرأ الكتب، قالها ثلاثا، فقيل له: ﴿اقرأ باسم ربك﴾، أي: إنك لا تقرؤه بحولك ولا بصفة نفسك، ولا بمعرفتك، ولكن اقرأ مفتتحا باسم ربك مستعينا، فهو يعلمك كما خلقك، وكما نزع عنك علق الدم، ومغمز الشيطان بعد ما خلقها فيك، كما خلقه في كل إنسان، والآيتان المتقدمتان لمحمد، والآخرتان لأمته، وهما قوله تعالى: ﴿الذي علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم﴾، لأنها كانت أمة أمية لا تكتب، فصاروا أهل كتاب، وأصحاب قلم، فتعلموا القرآن بالقلم، وتعلمه نبيهم تلقينا من جبريل نزله على قلبه بإذن الله ليكون من المرسلين) (١). ٤ - (ولا شك أن موقف خديجة ﵂ هو من أعظم المواقف التي شهدها تاريخ الأمة المسلمة، فكانت كما قال ابن هشام: (وآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدقت بما جاءه من الله، ووازرته على أمره، وكانت أول من آمن بالله ورسوله، وصدق بما جاء منه، فخفف الله بذلك عن نبيه ﷺ ، لا يسمع شيئا مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عليه، وتصدقه، وتهون عليه أمر الناس، رحمها الله تعالى) (٢). واستحقت على هذه المواقف العظيمة أن يقرئها ربها السلام، ويقرئها جبريل السلام، تحية من عند الله مباركة طيبة.

стр. 130

فعن أبي هريرة ﵁ قال: (أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك، فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب (١) لا صخب (٢) فيه ولا نصب (٣)) (٤). وقال ابن هشام: (حدثني من أثق به أن جبريل ﵇ أتى رسول الله ﷺ فقال: اقرىء خديجة السلام من ربها، فقال رسول الله ﷺ : (يا خديجة هذا جبريل يقرئك السلام من ربك) فقالت خديجة: الله السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام) (٥). وإذا كان رسول الله ﷺ قد خاف على نفسه عندما جاءه جبريل، لكن خديجة التي خبرت سيد ولد آدم، ما تطرق لها الشك، وقد عرفته خلقا ودينا وسموا. فقالت: كلا والله لا يخزيك الله أبدا وتحدثت عن فضائله العظمى التي لا تتناسب مع خذلان الله له (إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضعيف، وتعين على نوائب الحق) .. وعاشت مع رسول الله ﷺ سنوات المحنة العجاف، وكانت سلوانه وعونه، ومن أجل هذا مضى في التاريخ

стр. 131

الإسلامى عام وفاتها باسم عام الحزن، حين فقدها، وفقد عمه أبا طالب في العام نفسه. وبقيت حية في ذاكرته، لا ينساها أبدا، حتى لا ينسى كل ما يمت إليها بصلة، رغم أنه تزوج بعد وفاتها ﵂ بالكثير من نسائه، وتلك عائشة ﵂ تقول: (ما غرت على أحد من نساء النبي ﷺ ما غرت على خديجة، وربما قلت يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاه، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، وربما قلت له: كأن لم يكن في الدنيا امرأه إلا خديجة، فيقول: ((إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد))) (١). وتحدثنا عائشة ﵂ كذلك قالت: (استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله ﷺ ، فعرف استئذان خديجة فارتاح لذلك فقال: ((اللهم هالة بنت خويلد)) فغرت فقلت: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر، فأبدلك الله خيرا منها) (٢). وزاد أحمد في رواية قالت: (فتمعر وجهه تمعرا ما كنت أراه إلا عند نزول الوحي ..). وإسناده على شرط مسلم، وفي أخرى له: (قال: ((ما أبدلني الله خيرا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس،

стр. 132

وصدقت إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء)) (١). إنه درس للمرأة المسلمة الداعية، أن تكون دعوة الله ورسوله هي التي تملأ عليها كيانها، وحياتها، ووجودها، أمام أسوتها خديجة، وأن تجعل حياتها ومالها وجاهها في سبيل الله تحمل الراية بجوار زوجها الداعية، وتكون عونا له لا عبئا عليه، تخفف عنه آلامه وهمومه، لا تثبطه وتوهنه وتجره أن يثاقل إلى الأرض. ودرس للرجل المسلم الداعية، أن يعرف لزوجه فضلها ومحنتها في جواره، وصبرها على متاعبه، إن يتمثل عظمة الوفاء النبوي في وصل صديقات خديجة بعد وفاتها، وفي هشه وبشه لاستئذان هالة أخت خديجة. ٥ - ونقف أخيرا عند الجواب العظيم لورقة بن نوفل وهو يحدد خط سير الدعوة. (ولتكذبنه، ولتؤذينه، ولتقاتلنه. قال ((أومخرجي هم)) قال: نعم، ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، ولئن أدركني يومك، لأنصرنك نصرا مؤزرا). فبمقدار عظمة التكريم، والبشارة بأنه نبي هذه الأمة، بمقدار الثمن الباهظ الذي يدفعه ثمنا لذلك، فلن يقبل الناس أفواجا على هذا الدين منذ أول الطريق.

стр. 133

إن الأمين سيكذب، ولا يكتفى بتكذيبه، بل سيؤذى فوق ذلك، وهدأت نفس النبي (ص) للأذى لكنه فوجيء أن سيكون الإخراج له من أحب أرض الله إليه .. من مكة المكرمة .. وأكد له ورقة أنه خط ثابت لأصحاب الدعوات لا مناص منه .. فما جاء أحد بما جئت به إلا عودي .. ﴿وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكنكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد﴾ (١). فلا بد أن يوطن الداعية نفسه على الصبر على مشاق الطريق، وتحمل تبعاته، وأن يعلم أن هذا الدين، وإن كان يمثل الفطرة السوية للبشر، لكنه يتعارض مع أهوائهم ومصالحهم وطغيانهم، ولن يدع الطغاة للدعاة الطريق مفروشا بالرياحين، بل بملؤونه بالدماء والأشلاء والآلام، ومهمة الداعية أن يقتلع هذه الأشواك، ويواجه المحن مهما اكتظت والخطوب مهما ادلهمت، لأنه وضع نفسه على خطا النبيين، ولا بد أن يكوين على مستوى المسئولية: وإذا النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام

стр. 134

الفصل الثاني عشر مراحل الدعوة (قال ابن القيم: فصل في ترتيب الدعوة ولها مراتب: المرتبة الأولى: النبوة. الثانية: إنذار عشيرته الأقربين. الثالثة: إنذار قومه. الرابعة: إنذار قوم ما أتاهم من نذير من قبله وهم العرب قاطبة. الخامسة: إنذار جميع من بلغته دعوته من الجن والإنس إلى آخر الدهر. وأقام (ص) بعد ذلك ثلاث سنين يدعو إلى الله سبحانه مستخفيا، ثم نزل عليه: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾ فأعلن (ص) بالدعوة وجاهر قومه بالعداوة، واشتد الأذى عليه وعلى المسلمين حتى أذن لهم بالهجرتين) (١). وقال ابن إسحاق: (ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء حتى فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به، ثم إن الله أمر رسوله (ص) أن يصدع بما جاءه منه، وأن يبادي الناس بأمره، وأن يدعو

стр. 135

إليه، وكان بين ما أخفى رسول الله (ص) أمره واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين - فيما بلغني - من مبعثه، ثم قال الله تعالى له: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾ (٢). ﴿وقل إني أنا النذير المبين﴾ (٣)) (٤). وعن أبي هريرة ورضي الله عنه قال: (لما نزلت هذه الآية ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ دعا رسول الله (ص) قريشا، فاجتمعوا، فعم وخص فقال: ﴿يا بني كعب بن لؤي انقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب انقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس انقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة بنت محمد انقذي نفسك من النار. فإني لا أملك من الله شيئا، غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها)) (٥). وعن ابن عباس ﵄ قال: لما أنزل الله ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ أتى النبي (ص) الصفا فصعد عليه ثم نادى: ((يا صجاحاه)) فاجتمع الناس إليه؛ بين رجل يجيئ وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله (ص): ((يا بني عبد المطب، يا بني فهر، يا بني كعب: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أصدقموني؟)) قالوا: نعم،

стр. 136

قال: ((فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)) فقال أبو لهب - لعنه الله -: تبا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا؟! وأنزل الله : ﴿تبت يدا أبي لهب﴾) (١). وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (لما نزلت هذه الآية على رسول الله (ص): ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾ قال رسول الله (ص): ((عرفت أني إن بادرت بها قومي رأيت منهم ما أكره، فصمت، فجاءني جبريل ﵇ فقال: يا محمد إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك بالنار)) قال علي: فدعاني فقال: ((يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فعرفت أني إن بادرتهم بذلك رأيت منهم ما أكره، فصمت عن ذلك، ثم جاءني جبريل فقال: يا محمد إن لم تفعل ما أمرت به عذبك ربك، فاصنع لي يا علي شاة على صاع من طعام وأعد لنا عس (٢) لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب)) ففعلت فاجتمعوا له يومئذ وهم أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصون، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث. فقدمت إليهم تلك الجفنة. فأخذ رسول الله (ص) منها جذبة فشقها في أسنانه ثم رمى بها في نواحيها، وقال: ((كلوا بسم الله)) فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما يرى إلا آثار أصابعهم. والله إن كان الرجل ليأكل مثلها، ثم قال رسول الله (ص): ((اسقهم يا علي)) فجئت بذلك القعب فشربوا منه حتى نهلوا جميعا. وايم الله إن كان أحدهم ليشرب مثله. فلما أرد رسول الله (ص) أن يتكلم بدره أبو

стр. 137

لهب لعنه الله فقال: لهد (١) ما سحركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله .. فلما كان من الغد قال: ((عد لنا مثل الذي كنت قد صنعت لنا)) .. فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله .. و .. فلما كان من الغد قال رسول الله (ص): ((يا علي عد لنا بمثل الذي كنت صنعت لنا) .. ففعلت ثم قال رسول الله (ص): ((يا بني عبد المطب إني والله ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة) (٢). قال ابن كثير: (والمقصود أن رسول الله (ص) استمر يدعو إلى الله تعالى ليلا ونهار، وسرا وجهرا، لا يصرفه عن ذلك صارف، لا يرده عن ذلك راد، لا يصده عن ذلك صاد. يتبع الناس في أنديتهم، ومجامعهم، ومحافلهم، وفي المواسم، ومواقف الحج .. يدعو من لقيه من حر وعبد وضعيف وقوي وغني وفقير .. جميع الخلق في ذلك عنده شرع سواء) (٣). ... ١ - لقد ابتدأت الدعوة سرا، واستمرت ثلاث سنين، انضم إليها في هذه المرحلة ما يقرب من ستين ما بين رجل وامرأة، وكانت الدعوة تتم عن طريق الاصطفاء والتخير. وبذلك تكونت القاعدة الأساسية للدعوة، وتمت تربيتها في دار الأرقم، وفي شعاب مكة حيث يخرجون للصلاة. والوحي يتنزل عليه (ص) من دون أن يكون هناك مواجهة بينهم وبين

стр. 138

الكفار. اللهم إلا ما ذكر عن سعد ﵁، عندما طلع عليهم بعض الكفار وهم يصلون (فناكروهم، وعابو عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بلحى بعير فشجه. فكان أول دم هريق في الإسلام) (١). ٢ - وحين نراجع هذا الرصيد من المؤمتين في هذه المرحلة، نلاحظ أنهم العمود الفقري في الإسلام. وهم الذين حملوا عبء قيادة المجتمع الإسلامي فيما بعد .. وكم كانت عظمة التربية التي تلقوها تؤهلهم ليكونوا صناع التاريخ الإسلامي فيما بعد. وإن كان أغلبهم في هذه المرحلة في حوالي سن العشرين أو أقل. وكان قرابة ثلثهم من النساء. ٣ - وما أعلن القوم عن وجودهم إلا بعد الأمر بالصدع بالدعوة، حيث قام أبو بكر خطيبا بالمشركين في الكعبة، ولم تكن المحن، والتعذيب الذي يلقونه، والفتنة التي يتعرضون لها، لتصدهم عن سبيل الله، أو تفتنهم عن دينهم بل كانت تزيدهم صلابة في الحق، وثباتا على المبدأ، ولم يعرف تاريخ هذه العصبة المؤمنة، التي أصبحت مستعصية على الإبادة، من انحراف أو تزلزل أو ضعف أو وهن، إلا ما ذكر عن عبيد الله بن جحش (٢). ٤ - وكان الانتقال إلى مرحلة الجهر بالدعوة بعد أن أصبحت القاعدة الصلبة

стр. 139

مستعصية على الإبادة، ولها من القوة والصلابة والجذور في الأعماق ما يجعلها أقوى من الإفناء. ولو كان الصدام قد ابتدأ منذ اللحظات الأولى وفي المرحلة السرية لأوشك أن يقضي على كل قواعد الدعوة. ٥ - ومع ذلك فلم يكن الانتقال مفاجئا بأن تكون الدعوة إلى كل العرب، لقد كانت المرحلة الثانية .. هي دعوة الأقربين ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾. وكما أوردنا فيما ذكر من قبل على أن الدعوة كانت على مرحلتين: - الأولى: للأقربين الأدنين من بني هاشم وبني عبد المطلب. - الثانية: لقريش كلها، وهي التي تمثل معظم أهل مكة في ذلك الوقت. وقد وضحت الحكمة أكثر ما تكون في هذه المرحلة، فقد كان رصيد الدعوة مكونا من فريقين: - الفريق الأول: المؤمنين المخلصين ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾ وهم الرعيل الأول الذين تحدثنا عنهم، وكانوا مبثوبين في كل عشائر مكة. - الفريق الثاني: من الأقربين الأدنين وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب بشكل أخص، وبنو المطلب. وكان أبو طالب سيد هؤلاء جميعا. وعندما ادلهمت الخطوب جمعهم جميعا ليكونوا صفا وحدا لحماية الرسول (ص) - قائد الدعوة - مسلمهم ومشركهم على السواء، ولم يشذ عن ذلك إلا أبو لهب لعنه الله، الذي بادى رسول الله (ص)

стр. 140

بالعداوة وانضم لقريش في حربها للإسلام، وقد رأيناهم جميعا يوم تم قرار المقاطعة من قريش، حيث تناول أتباع محمد المؤمنين من جهة، وبني هاشم وبني المطلب حماة رسول الله (ص) من جهة ثانية، وكان الفريقان في شعب أبي طالب. ٧ - والذي نشأ عن تعميم الدعوة لقريش كلها، أن انضم إلى الدعوة روافد جديدة من بطون قريش التي بلغت اثنا عشر بطنا (١) رفعت رصيد الدعوة إلى قرابة الثلاثمائة (٢) بين رجل وامرأة، رغم الحرب التي خاضتها قريش بقياداتها الرسمية ضد رسول الله (ص) ودينه ودعوته. وبغض النظر عن أعداد العدو، فإن كل مسلم في هذه المرحلة من البناء يعدل العشرات من المشركين بل المئات. ٨ - ويوم توجه رسول الله إلى العرب الذين ما آتاهم من نذير يدعوهم إلى الإسلام، كان هذا الرصيد الكبير من قريش، والأفراد المبثوثين من القبائل العربية الأخرى، كان درعا واقيا للدعون، وقادرا على الموجهة مهما عظمت تكاليفها، وإن كانت المواجهة المسلحة لم تتم مع قريش، إلا بعد انضمام الرصيد الأكبر من الأنصار والذي واجه العرب قاطبة يوم غزوة الأحزاب.

стр. 141

٩ - هذا وإن كل دعوة للإسلام اليوم تنطلق بين أن تتبع خطا الدعوة الأولى في انتهاج المرحلية والتدرج في الأمر، سوف يكون الإخفاق حليفها ولا يعفيها صدق النية وسلامة الطوية من جسامة المسؤولية. ***

стр. 142

الفصل الثالث عشر من أسلوب المخالفين في مواجهة الدعوة أولا: التشويه: (أ) (عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا .. ولا تختلفوا فيه فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قول بعضكم بعضا. فقيل: يا أبا عبد شمس: فقل وأقم لنا رأيا نقول به. قال: بل أنتم فقولوا وأنا أسمع. فقالوا: نقول كاهن. فقال: ما هو بكاهن، رأيت الكهان، فما هو بزمزمة الكهان. فقالوا: نقول مجنون. فقال: ما هو بمجنون، ولقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولإ تخالجه ولا وسوسته. فقالوا: نقول شاعر. فقال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول هو ساحر. قال: ما هو بساحر، قد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده. قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لغدق، وإن فرعه

стр. 143

لجنى، فما أنتم بقائلين شيئا من هذا إلا عرف أنه باطل. وإن أقرب القول لأن تقولوا هذا ساحر، فتقولون هو ساحر يفرق بين المرء ودينه، وبين المرء وأبيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وعشيرته .. فتفرقوا عنه بذلك فجعلوا يجلسون للناس حتى قدموا الموسم، فلا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره) (١). (ب) قال ابن إسحاق: (وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله (ص)، وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم وأسبنديار. فكان إذا جلس رسول الله (ص) مجلسا فذكر فيه بالله، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله. خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلم إلي، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وأسبنديار ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا مني) (٢). (قال ابن هشام: وهو الذي قال فيما بلغني: سأنزل مثل ما أنزل الله) (٣). قال ابن إسحاق: (وكان ابن عباس ﵄ يقول فيما

стр. 144

بلغني: نزل فيه ثمان آيات من القرآن؛ قول الله : ﴿إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين﴾ وكل ما ذكر فيه من الأساطير من القرآن) (١). وعن ابن عباس قال: (قدم ضماد مكة، وهو رجل من أزدشنؤة، وكان يرقى (٢) من هذه الرياح (٣)، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون، فقال: أين هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدي؟ فلقيت محمدا فقلت: إني أرقي من هذه الرياح، وإن الله يشفي على يدي من شاء فهلم. فقال محمد: ((إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له)) ثلاث مرات. فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله (ص) ثلاث مرات. قال، فقال: لقد سممت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء فما سممت مثل كلماتك هؤلاء. ولقد بلغن قاموس البحر. قال، قال: هات يدك أبايعك على الإسلام. قال: فبايعه. فقال رسول الله (ص): ((وعلى قومك؟))، قال: وعلى قومي) (٤). هذا وما يلقاه الإسلام اليوم من حرب دعائية من خصومه، بحيث تسلط الأجهزة اليهوية والصليبية والشيوعية كل وسائلها الإعلامية المسموعة منها

стр. 145

والمرئية لتشويه الإسلام وتصويره دينا وثنيا أو إرهابيا أو متخلفا يمثل حضارة الجمل والصحراء لأكبر دليل على استمرار هذا الخط الدعائي ضد الإسلام. هذا من جهة، ومن جهة ثانية تصوير المسلمين بأنهم متخلفون لأنهم متمسكون بإسلامهم، وتحميل الإسلام كل التخلف الحضاري عند المسلمين، وتمثيل الصحوة الإسلامية المعاصرة بأنه يقودها الأصوليون والمتطرفوق الذين يريدون تدمير كل منتجات الحضارة البشرية المعاصرة، والعودة بالبشرية إلى القرون الوسطى وعهود الرق والتخلف. ثانيا: التهديد: (قال ابن عباس: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنفه. فبلغ ذلك رسول الله (ص) فقال: ((لو فعل لأخذته الملائكة عيانا))) (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: (مر أبو جهل بالنبي (ص) وهو يصلي، فقال: ألم أنهك أن تصلي يا محمد؟ لقد علمت ما بها أحد أكبر ناديا مني، فانتهره النبي (ص)، فقال جبريل: ﴿فليدع ناديه سندع الزبانية﴾ والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: (قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل
следующие страницы →