٩ - هذا وإن كل دعوة للإسلام اليوم تنطلق بين أن تتبع خطا الدعوة الأولى في انتهاج المرحلية والتدرج في الأمر، سوف يكون الإخفاق حليفها ولا يعفيها صدق النية وسلامة الطوية من جسامة المسؤولية.
***
стр. 142
الفصل الثالث عشر
من أسلوب المخالفين في مواجهة الدعوة
أولا: التشويه:
(أ) (عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم، فقال: إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا .. ولا تختلفوا فيه فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قول بعضكم بعضا. فقيل: يا أبا عبد شمس: فقل وأقم لنا رأيا نقول به. قال: بل أنتم فقولوا وأنا أسمع. فقالوا: نقول كاهن. فقال: ما هو بكاهن، رأيت الكهان، فما هو بزمزمة الكهان. فقالوا: نقول مجنون. فقال: ما هو بمجنون، ولقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بخنقه ولإ تخالجه ولا وسوسته. فقالوا: نقول شاعر. فقال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول هو ساحر. قال: ما هو بساحر، قد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده. قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لغدق، وإن فرعه
стр. 143
لجنى، فما أنتم بقائلين شيئا من هذا إلا عرف أنه باطل. وإن أقرب القول لأن تقولوا هذا ساحر، فتقولون هو ساحر يفرق بين المرء ودينه، وبين المرء وأبيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وعشيرته .. فتفرقوا عنه بذلك فجعلوا يجلسون للناس حتى قدموا الموسم، فلا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره) (١).
(ب) قال ابن إسحاق: (وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش، وممن كان يؤذي رسول الله (ص)، وينصب له العداوة، وكان قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم وأسبنديار.
فكان إذا جلس رسول الله (ص) مجلسا فذكر فيه بالله، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله. خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال:
أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلم إلي، فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وأسبنديار ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا مني) (٢).
(قال ابن هشام: وهو الذي قال فيما بلغني: سأنزل مثل ما أنزل الله) (٣).
قال ابن إسحاق: (وكان ابن عباس ﵄ يقول فيما
стр. 144
بلغني: نزل فيه ثمان آيات من القرآن؛ قول الله : ﴿إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين﴾ وكل ما ذكر فيه من الأساطير من القرآن) (١).
وعن ابن عباس قال: (قدم ضماد مكة، وهو رجل من أزدشنؤة، وكان يرقى (٢) من هذه الرياح (٣)، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدا مجنون، فقال: أين هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدي؟ فلقيت محمدا فقلت: إني أرقي من هذه الرياح، وإن الله يشفي على يدي من شاء فهلم. فقال محمد: ((إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له)) ثلاث مرات. فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله (ص) ثلاث مرات.
قال، فقال: لقد سممت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء فما سممت مثل كلماتك هؤلاء. ولقد بلغن قاموس البحر. قال، قال: هات يدك أبايعك على الإسلام. قال: فبايعه. فقال رسول الله (ص): ((وعلى قومك؟))، قال: وعلى قومي) (٤).
هذا وما يلقاه الإسلام اليوم من حرب دعائية من خصومه، بحيث تسلط الأجهزة اليهوية والصليبية والشيوعية كل وسائلها الإعلامية المسموعة منها
стр. 145
والمرئية لتشويه الإسلام وتصويره دينا وثنيا أو إرهابيا أو متخلفا يمثل حضارة الجمل والصحراء لأكبر دليل على استمرار هذا الخط الدعائي ضد الإسلام.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية تصوير المسلمين بأنهم متخلفون لأنهم متمسكون بإسلامهم، وتحميل الإسلام كل التخلف الحضاري عند المسلمين، وتمثيل الصحوة الإسلامية المعاصرة بأنه يقودها الأصوليون والمتطرفوق الذين يريدون تدمير كل منتجات الحضارة البشرية المعاصرة، والعودة بالبشرية إلى القرون الوسطى وعهود الرق والتخلف.
ثانيا: التهديد:
(قال ابن عباس: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنفه. فبلغ ذلك رسول الله (ص) فقال: ((لو فعل لأخذته الملائكة عيانا))) (١).
وعن ابن عباس ﵄ قال: (مر أبو جهل بالنبي (ص) وهو يصلي، فقال: ألم أنهك أن تصلي يا محمد؟ لقد علمت ما بها أحد أكبر ناديا مني، فانتهره النبي (ص)، فقال جبريل: ﴿فليدع ناديه سندع الزبانية﴾ والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية العذاب) (٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل
стр. 146
ذلك لأطأن على عنقه، أو لأعفرن وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله (ص) وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته. قال: فما فجئهم إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه. قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لختدقا من نار وهولا وأجنحة. فقال رسول الله (ص): ((لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا)) قال: فأنزل الله لا ندري في حديث أبي هريرة أم شيء بلغه - ﴿كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ..﴾ إلى آخر السورة) (١).
وقال محمد بن إسحاق: (أبو جهل الفاسق الذي يغري بهم في رجال من قريش، إذ سمع بالرجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وأخزاه، وقال: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهن حلمك، ولنقيلن رأيك، ولنضعن شرفك، وإن كان تاجرا قال: والله لنكسدة تجارتك، ولنهلكن مالك، وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به) (٢).
وقال يونس بن بكير: حدثني محمد بن إسحاق .. عن ابن عباس في قصة طويلة جرت بين مشركي مكة وبين رسول الله (ص).
(فلما قام رسول الله قال أبو جهل بن هشام: يا معشر قريش! إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وسب آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم (٣).
стр. 147
أسلوب التهديد يمثل الحرب النفسية التي تنصب على الداعية، بحيث تخور عزيمته وتضعف نفسه، ويستسلم للطواغيت، ويتراجع ويفتن عن دينه. ومن أنواع التهديد: التلويح بالعذاب والسجن لمن يعلن كلمة الحق، أو يسلك مسلك الدعاة في عبادتهم أو لباسهم، أو عفتهم عن الحرام، فتطلق الإشاعات وتبث بين الناس أن من يفعل ذلك فهو منضم لهؤلا الدعاة، ولا نجاة إلا بالتبرؤ منهم، ومخالفتهم عقيدة وسلوكا، والداعية الحق لا يرهبه التهديد ولا يثنيه الوعيد. بل يمضي قدما على طريق الحق منطلقا من قول الله : ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ..﴾ (١).
وقد رأينا تهديد أبي جهل رسول الله (ص) ينهاه عن صلاته ويتوعد بوطأ عنقه إذا سجد، فكيف أخزى الله أبا جهل بما هدد.
ومن أهم أنواع التهديد كذلك: التهديد بقطع الرزق، والإخراج من الوظيفة، وتحطيم السمعة، والنيل من الجاه، والمركز الاجتماعي المرموق .. وهذه التهديدات لن تثني المسلم الحق عن دينه، وكيف تثنيه وهو يعلم أن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين﴾ (٢).
وأنه: (لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)) (٣).
стр. 148
وشاهدنا هذا النموذج من فرعون هذه الأمة أبي جهل يوم يقول للشريف: (لنسفهن حلمك، ولنقيلن رأيك، ولنضعن شرفك) ويقول للتاجر: (لنكدسن تجاربك، ولنهلكن مالك).
ومن أهم أنواع التهديد كذلك: التهديد بقطع الأعناق بعد الأرزاق، والترويع بالقتل لو استمر المسلم على دينه ودعوته.
ولن تنال هذه التهديدات من عزيمة المسلم الذي يعرف من أولويات دينه أن الذي يحيي ويميت هو الله رب العالمين. وأن الأجل لا يتقدم لحظة أو يتأخر ﴿.. فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ (١) وهذا كله بيد الله سبحانه.
﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعلمون وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحذكم الموت توفته رسلنا ولا يفرطون﴾ (٢).
ثالثا: التعذيب:
١ - عن ابن مسعود قال: (بينما رسول الله (ص) يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس وقد نحرت جزور (٣) بالأمس، فقال أبو
стр. 149
جهل: أيكم يقوم إلى سلا (١) جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه فلما سجد النبي (ص) وضعه بين كتفيه. قال: فاستضحكوا (٢) وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر، لو كان لي منعة (٣) طرحته عن ظهر رسول الله (ص)، والنبي (ص) ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت وهي جويربة فطرحته عنه ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي (ص) صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا، دعا ثلاثا، وإذا سأل سأل ثلاثا. ثم قال: ((اللهم عليك بقريش)) - ثلاث مرات - فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته ثم قال: ((اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والويد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط ..)) وذكر السابع فلم أحفظه، فوالذي بعث محمدا بالحق لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب (٤) قليب بدر) (٥).
٢ - (وعن عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله (ص)، قال: بينا رسول الله
стр. 150
(ص) يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله (ص) ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقا شديدا. فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه، ودفع عن رسول الله وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم) (١).
٣ - وعن ابن مسعود قال: (كان أول من أظهر الإسلام سبعة رسول الله (ص)، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد، فأما رسول الله (ص) فمنعه الله بعمه، وأبو بكر منعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم دروع الحديد، وصهروهم في الشمس فما منهم من أحد إلا وقد أتاهم على ما أرادو، إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه فأخذوه، فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد، أحد) (٢).
٤ - (وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: ألا أحدثكما عنه - يعني عمار - أقبلت مع رسول الله (ص) آخذا بيدي نتمشى بالبطحاء حتى أتى على أبيه وأمه وعليه يعذبوه فقال أبو عمار: يا رسول الله الدهر هكذا فقال له النبي (ص): ((اصبر)) ثم قال: ((اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت)) (٣).
стр. 151
٥ - وقال الإمام أحمد عن مجاهد: (أول شهيد كان في أول الإسلام استشهد أم عمار سمية طعنها أبو جهل بحربة في قلبها، وهذا مرسل) (١).
٦ - (قال ابن إسحاق: وحدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله (ص) من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله! إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه، حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة،
حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، حتى إن الجعل ليمر بهم فيقولون له: أهذا الجعل إلهك من دون الله؟ فيقول:
نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهد) (٢). ٧ - قال ابن إسحاق: (ثم أعتق معه (أي بلال) قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب بلال سابعهم عامر بن فهيرة .. وأم عبيس، وزنيرة، وأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى؛ فقالت: كذبوا وبيت الله ما تضر اللات والعزى وما تنفعان فرد الله بصرها، وأعتق النهدية وبنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدا، فقال أبو بكر ﵁: حل (٣) يا أم فلان؟ فقالت:
стр. 152
حل. أنت أفسدتهما فأعتقهما؛ قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا، قال: قد أخذتهما وهما حرتان. أرجعا إليها طحينها، قالتا:
أونفرغ يا أبا بكر ثم نرده إليها؟ قال: وذلك إن شئتما.
ومر بجارية بني مؤمل حي من بن عدي بن كعب، وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك وهو يضربها حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا عن ملالة، فتقول: كذلك فعل الله بك، فابتاعها أبو بكر، فأعتقها) (١).
٨ - (قال عبد الله بن محمد: فحدثني أبي محمد بن عمران عن القاسم بن محمد عن عائشة، قالت: لما اجتمع أصحاب النبي (ص) - وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا - ألح أبو بكر على رسول الله (ص) في الظهور.
فقال: ((يا أبا بكر إنا قليل)) فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله (ص)، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته.
وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول الله (ص) جالس. فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله (ص)، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فصربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا، ووطىء أبو بكر وضرب ضربا شديدا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه في نعلين مخصوفتين، ويحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وجاء بنو تيم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي
стр. 153
بكر، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر، فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله (ص)؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه: أم الخير: انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله (ص)؟ فقالت: والله ما لي علم بصاحبك، فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل، فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد ابن عبد الله. فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك، قالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت: والله إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم، قال: فما فعل رسول الله (ص)؟ قالت: هذه أمك تسمع، قال: فلا شيء عليك منها. قالت: سالم صالح. قال: أين هو؟ قالت: في دار ابن الأرقم. قال: فإن لك علي أن لا أذوق طعاما ولا أشرب شربا أو آتي رسول الله (ص). فأمهلتا حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجتا به يتكىء عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله (ص)، قال: فأكب عليه رسول الله (ص) فقبله، وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله (ص) رقة شديدة، فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس إلا ما نال هذا الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك فادعها إلى الله، وادع الله
стр. 154
لها عسى أن يستنقذها بك من النار. فدعا لها رسول الله (ص)، ودعاها إلى الله فأسلمت. وأقاموا مع رسول الله (ص) في الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون رجلا) (١).
٩ - وعن خباب ﵁ قال: (لقد رأيتني يوما وقد أوقدو لي نارا ووضعوها على ظهري فما أطفأها إلا ودك (٢) ظهري) (٣). وخباب ﵁ هو الذي يحدثنا عن رسول الله (ص) فيقول: (أتيت النبي (ص) وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة ولقد لقينا من المشركين شدة فقلت: ألا تدعو لنا فقعد وهو محمر وجهه، فقال: ((لقد كان من قلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخشى إلا الله - زاد بيان - والذئب على غنمه))) (٤).
...
١ - إذا كان التعذيب ولاعتداء الآثم، قد نال شخص رسول الله (ص)، فلم يعد هناك أحد لكرامته هو أكبر من الابتلاء والمحنة، وليست الأسوة
стр. 155
الحسنة للدعاة برسول الله (ص) في جانب واحد دون جانب. ليست في إقبال الناس وتكريمهم لهم فقط. أما عند المحنة فيبحثون عن مبرر شرعي للهروب منها.
إن الأسوة الحسنة في الصبر على الضراء وفي البأساء، وحين البأس، كما هي في الشكر على السراء كذلك، ومن حكمة الله تعالى أن جاء الحديث في القرآن عن الصبر على الحق والاستشهاد في سبيل الله بعد ذكر جانب الأسوة ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾ (١).
وتلك سنة الله تعالى في الدعوات؛ (فعن مسعد بن أبي وقاص ﵁ قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال:
(الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في ديه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي حسب دينه. فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة)) (٢).
٢ - وأن يتمكن السفهاء من سيد الخلق، وتضاحكو، ويلقو سلا البعير عليه، أو يحاولوا خنقه ﵊ هو في حس المؤمن
стр. 156
أعظم من كل بلاء في الدنيا، وهو أكرم مخلوق على الله تعالى وهذا يهون على المؤمن كل ما يمكن أن يصيبه من محاولات الانقاص من قيمته.
وهو المحترم في قومه، والمفدى في أهله. إن الجاب المعنوي في هذا الموضوع أكبر من الجانب المادي، ولابد أن يوطن الداعية نفسه للجانبين معا. وتروي بعض كتب السيرة (أن عقبة بن أبي معيط وطئ على رقبته الشريفة، وهو ساجد حتى كادت عيناه يتبرزان) (١)، والله تعالى قادر على حماية نبيه، وعلى إهلاك عدوه، ولكنها الأسوة المستمرة إلى قيام الساعة بحيث لا يهن المؤمن ولا يحزن مهما نزل به من ضر أو هون وقد أصاب نبيه ذلك.
٣ - والعاقبة للمتقين، فهؤلاء الذين حاربوا الدعوة والدعاة في مكة، وأنزلوا بالمؤمنين صنوف العذاب، قد تحطموا أمام صبر المؤمنين وثباتهم، وسقطوا صرعى جميعا في بدر، وأشدهم أذية لرسول الله (ص) عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، شاءت إرادة الله تعالى أن يكونا أسيرين في بدر، ويقتلا من دون الأسرى جميعا. وشفى الله تعالى صدر نبيه والمؤمنين، وأذهب غيظ قلوبهم بقتلهما بأمر الرسول ﵊.
٤ - والعذاب الجسدي من الجر في الهاجرة على بطحاء مكة، ووضع
стр. 157
الصخرة العظيمة، والتعذيب بالنار لخباب وعمار، والسجن لأبي بكر وطلحة حيث سميا بالقرينين .. كل هذه الأمور نماذج مما يمكن أن يلقاه المسلم من التعذيب في سبيل دينه.
ولا شك أن تطور وسائل التعذيب لدى أعداء الإسلام أصبح حافلا بما تذهل العقول من شدته، من الصعق بالكهرباء، وإقلاع الأظافر، والحيلولة دون النوم أياما متتاليات، وتسليط الكلاب المسعورة على الأجساد الطاهرة، وثلم العرض للعفيفات الحرائر .. كل هذه الأمور، التي استحدثها الأعداء في الأرض هدفها أن تئد هذه الدعوة وهذا الدين .. ولكن الله غالب على أمره، ولكن أكبر الناس لا يعلمون .. فقد انهار الطغاة أمام صبر الدعاة، ولقي أعداء الإسلام وزبانيتهم من الجلادين والأقزام أسوأ المصير، وما أعطى المسلم عطاء أعظم من الصبر.
٥ - ولا يغيب عن الذهن عظمة الوزير الأول أبي بكر ﵁، يوم وقف أول خطيب لله ورسوله في الأرض، وكاد أن يقدم روحه ثمنا لهذه الخطبة .. ووضع جاهه وماله ونفسه فداء رسول الله (ص)، كما فعل يوم رأى المشركين وقد أقبلوا على رسول الله (ص)، يريدون قتله، فراح يضاربهم حتى تحول التعذبب والأذى له، لا يغيب عن الذهن كيف يفدي الدعاة قياداتهم الرائدة المجاهدة في سبيل الله بأرواحهم وأنفسهم وحياتهم.
٦ - كما لا يغيب عن الذهن كذلك ذلك الوعي العظيم من أم جميل بنت
стр. 158
الخطاب، وهي تحافظ على سرية الدعوة الإسلامية، فتنكر أن تعرف رسول الله (ص) وأبا بكر، ثم تتدارك الموضوع في الذهاب إليه، ولا تتكلم أمام أم أبي بكر، حتى يأذن لها أبو بكر، بل تذكره بوجودها حفاظا على سرية الدعوة، وثقة أبي بكر بأمه - قبل أن تسلم -وذهابها لدار الأرقم. وهي على شركها تعطي ضوءا على إمكانية الثقة ببعض النوعيات التي تتعاطف مع الدعوة رغم أنها لا تؤمن بمبادئها، لكنها تحترم رجالها وتكن لها الحب والود والفداء.
رابعا: الترغيب:
قال ابن كثير: (وقال الإمام عبد بن حميد في مسده .. عن جابر بن عبد الله قال: (اجتمع قريش يوما، فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه، ولينظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله (ص). فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله (ص). قال: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم، فتكلم حتى نسمع قولك. إنا بالله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك؛ فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم: أن في قريش ساحرا، وأن في قريش كاهنا، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى، أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى.
стр. 159
أيها الرجل: إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك من أموالنا، حتى تكون أغنى قريش رجلا، وإن كان إنما بك - الباه - فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا. فقال رسول الله (ص): ((فرغت؟)) قال: نعم! فقال رسول الله (ص): ﴿بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون ...﴾ إلى أن بلغ ﴿فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾ فقال عتبة: حسبك! ما عندك غير هذا؟ قال: ((لا)) فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه إلا كلمته، قالوا: فهل أجابك؟ فقال: نعم. ثم قال: لا والذي نصبها بنية (١) ما فهمت شيئا مما قال، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويحك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال؟ قال: لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة).
وقد رواه البيهقي وغيره عن الحاكم عن الأصم عن عباس الدوري عن يحيى بن معين .. وفيه كلام: وزاد (وإن كنت إنما بك الرياسة، عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسا ما بقيت) (٢).
وفي رواية ابن إسحاق: (فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط. والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة .. يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه. فولله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم. فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب
стр. 160
فملكه ملككم وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به؛ قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي فاصنعوا ما بدا لكم) (١).
وتقدم هذا العرض كذلك من ملأ قريش كلهم: حيث قالوا:
(... فإن كنت جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا من الجن تراه قد غلب عليك بذلنا أمولنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.
فقال رسول الله (ص): ((ما بي ما تقولون، ما جئتكم أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشير ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيننا وبينكم ..)) (٢).
...
عندما رأت قريش أن محمدا (ص) قد امتنع بعمه أبي طالب وبعشيرته، ابتدأت هذه المساومات والعروض المغرية عليه والتي تحددت بثلاثة أنواع وهي:
١ - المال: (جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا) وكم سقط من الدعاة على الطريق تحت بريق المال، في الإغراء به أو الخوف من
стр. 161
ذهابه، وكم عرضت الآلاف المؤلفة من الأموال، على الدعاة ليكفوا عن دعوتهم، والذين ثبتوا أمام إغراء المال هم المؤتسون برسول الله (ص). أما الذين ذلوا لبريق المال فقد انحرفوا عن الطريق.
فليكن الداعية على حذر، فتلبيس إبليس لا ينتهي، وهو يزين للداعية اللين مع الطوغيت الذين يحكمون بغير شريعة الله، حتى لا يخسر لقمة الخبز، أو الوظيفة التي يتكسب منها، أو المصدر الذي يدر عليه الربح، إنه المنحر الأول.
٢ - الجاه: وأي جاه يعرض لرسول الله (ص) أكبر من أن يملكوه عليهم فلا يقطعون أمرا دونه، وتعقد له الألوية ويتوج ملكا عليهم.
وتعدد الصور على طريق الدعاة وتبرز في أثواب زاهية، أخطر ما فيها تلك العروض القائلة إنه من خلال المنصب والوظيفة، أو من خلال الرياسة أو الوزارة سوف يحكم بالإسلام، أو يدفع الغائلة عن دعاته، وبالمركز المرموق، يستطيع الدعوة إلى الله .. إنها الأساليب الرخيصة التي تتكرر على مدار التاريخ، فإذا الداعية إلى الله بعد وظيفته عبد وظيفته يخشى عليها من الفوت، وإذا المستوزر الرخيص عبد وزارته، يقر بكل ما فيها من فساد وانحراف بحجة إيقافه بعضا من الفساد فيها .. ولا يدري أنه قد أفسد الجيل كله يوم نام على الإثم، ورضي بالحكم بغير شريعة الله حتى لا تنتزع منه الوزارة فيسقط هملا على الطريق، وقد فقد دنياه ودينه .. وسقط عند إخوانه وأعدائه.
ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر .. وإغواء
стр. 162
الشيطان في هذا المجال أضخم منه بكثير في مجال التهديد والتعذيب، فهناك الأمر واضح أما التلبيس هنا والخديعة فهي أكبر وأمكر وأفجر.
والداعية الحق هو الذي لا ينسى أبدا الهدف الذي عاش له، ومات له .. ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت ..﴾ (١).
٣ - النساء: ((ما تركت فتنة على أمتي أضر على الرجال من النساء)) (٢) وسواء أكن الدور في تثبيط الهمة من الزوج والولد أن ينصرف المسلم عن دعوته رغبة في راحته وإرضاء لصبوته، أو كانت في تسليط بعض الفاجرات عليه ليسقطنه في أحابيلهن أم في تهيئة أجواء البغي والإثم والمجون ليرتادوها خطوة بعد خطوة، أيا كانت هذه الأساليب فإنها تنتهي إلى منبع واحد.
فها هي قريش تعرض على رسول الله (ص) نسائها، يختار عشرا منها، أجملهن وأحسنهن يكن زوجات له .. إن كان عاجزا عن الزواج من أكثر من واحدة.
إن خطر المرأة حين لا تستقيم على منهج الله أشد من خطر السيف المصلت على الرقاب .. وعلى ضعفها فهي تستمد قوتها من إغرائها، وكما يقول ﵊: ((ما رأيت من ناقصات عقل
стр. 163
ولا دين أغلب لذي لب منكن)) (١)، فعلى نقص تفكيرها تملك القدرة على سلب ذي العقل الحصيف عقله، وتجره في حبائلها حتى تورده موارد التهلكة، ابتداء من صرفه عن الدعوة خوفا عليه وعليها وعلى رزقه وقوته، وانتهاء بجره إلى السقوط في مستنقع الرذيلة حتى يستجيب لشهوته ونزوته، ولا يغيب عن ذهننا أبدا قول يوسف ﵊:
﴿قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاسجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم﴾ (٢).
والموقف الذي يجب أن يكون عليه الدعاة أمام هذه الإغراءات جميعا هو موقف سيد الدعاة، يوم قال له عمه أبو طالب: (يابن أخي، إن قومك قد جاؤوني، فقالوا لي كذا وكذا، فابق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله (ص) أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسلمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال: ((يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ..)) (٣).
стр. 164
خامسا: التعجيز:
قال ابن إسحاق: ثم إن الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء، وقريش تحبس من قدرت على حبسه، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين، ثم إن أشرف قريش من كل قبيلة، كما حدثني بعض أهل العلم (١) عن سعيد بن جبير عن عكرمة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس ﵄ قال:
اجتمع عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث أخو بني عبد الدار، وأبو البختري بن هشام ولأسود بن المطلب بن أسد وزيعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهمبان وأمية بن خلف، أو من اجتمع منهم (٢)، اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثو إليه:
إن أشرف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فأتهم؛ فجاءهم رسول الله (ص) سريعا، وهو يظن أنه قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم حتى جلس إليهم فقالو له:
(يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله لا نعلم رجلا من
стр. 165
العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة، فما بقي من أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك - أو كما قالوا - فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا (١) ... إلخ.
وقالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلادا، ولا أقل ماء، ولا أشد عيشا منا، فسل ربك الذي بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عنا تقول أهو حق أم باطل، فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك، وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول. فقال لهم صلوات الله وسلامه عليه: ((ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوا فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي، أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله بيني وبينكم)) قالوا: فإذا لم تفعل هذا لنا فخذ لنفسك: سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق كما نقوم، وتلتمس المعاش كما نلتمسه حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم.
стр. 166
فقال لهم رسول الله (ص): ((ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا - أو كما قال -فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه أصبر حتى يحكم الله بيني وبينكم)).
قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل ..
فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل، قال: فقال رسول الله (ص): ((ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل)). قالوا: يا محمد، أفما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا، إذ لم نقبل منك ما جئتنا به! إنه قد بلغنا أنك إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد. وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا. فلما قالوا ذلك لرسول الله (ص) قام عنهم. وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة وهو ابن عمته - فهو لعاتكة بنت عبد المطلب - فقال له: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا منزلتك عند الله كما تقول، ويصدقوك ويتبعوك، فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل. فوالله لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما، ثم ترقى فيها وأنا أنظر إليك حتى تأتيها، ثم تأتي معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وايم الله لو فعلت هذا ما ظننت أني أصدقك، ثم انصرف عن رسول الله (ص). وانصرف رسول الله (ص) حزينا
стр. 167
آسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه) (١).
وقال الإمام أحمد حدثنا ... عن ابن عباس قال: (سأل أهل مكة رسول الله (ص) أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا؛ فإن كفروا هلكوا كما أهلكت من قبلهم الأمم، قال: ((لا. بل أستأني بهم))، فأنزل الله تعالى: ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا﴾ (٢)) (٣).
وقال أحمد حدثنا ... عن ابن عباس قال: (قالت قريش للنبي (ص):
ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك، قال: ((أوتفعلوه؟)) قالوا: نعم، قال: فدعا فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا، فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين .. وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة. قال: ((بل افتح لهم أبواب التوبة))) (٤).
стр. 168
(قال ابن كثير: وهذان إسنادان جيدان، وقد جاء مرسلا عن جماعة من التابعين منهم سعيد بن جبير وقتادة وابن جرير، وغير واحد) (١).
...
وغني عن البيان أن هذا الأسلوب لا ينقطع مع الدعاة إلى الله. فهم يطلبون منهم الخوارق والمعجزات حتى يؤمنوا معهم، وحكمة الله تعالى أن يكون الإيمان بهذا الدين عن غير هذا الطريق، أن يكون بهذا القرآن المعجز، وبما يدعو إليه هذا القرآن، عن طريق الحوار والإقناع الذي يملكه المسلمون في شتى أعصارهم وأمصارهم، لأنه خاتمة الأديان. ولأنه لكل جيل، ولكل زمان، ولكل مكان .. ومعجزة هذا الدين تتحقق يوم يحكم في هذه الأرض بأناس قد تربوا عليه، وعاشوا له وماتوا في سبيله، يومها يتم التحول العجيب في دنيا الناس (فيخرجون من جور الأديان إلى عدل الإسلام، من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة) كما قال ربعي بن عامر ﵁.
سادسا: الاغتيال:
١ - (فلما أصبح أبو جهل، أخذ حجرا كما وصف، ثم جلس لرسول الله (ص) ينتظره، وغدا رسول الله (ص) كما كان يغدو .. فقام رسول ١لله (ص) يصلي، وقد غدت قريش، فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد رسول الله (ص) احتمل أبو جهل الحجر، ثم
стр. 169
أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه، رجع منهزما منتقعا لونه مرعوبا قد يبست يداه عل حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال قريش، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم؟ .. قال: قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل لا والله ما رأيت مثل هامته .. ولا مثل قصرته (١) ولا أنيابه لفحل قط، فهم بي أن يأكلني.
قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله (ص) قال: (ذلك جبريل ﵇، لو دنا لأخذه) (٢).
٢ - (... فخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله (ص) ورهطا من أصحابه قد ذكروا له أنهم قد اجتمعوا في مبيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء ومع رسول الله (ص) عمه حمزة بن عبد المطلب .. في رجال من المسلمين ﵃ ممن أقام مع رسول الله (ص)، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد الله فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدا هذا الصابىء، الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها، فأقتله؛ فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا؟! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم ..) (٣).
стр. 170
٣ - (عن عروة بن الزبير قال: لما أقبل عمرو بن العاص من الحبشة من عند النجاشي إلى مكة قد أهلك الله صاحبه ومنعه حاجته، اشتد المشركون على المسلمين كأشد ما كانوا حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتد عليهم البلاء، وعمد المشركون من قريش فأجمعوا مكرهم وأمرهم على أن يقتلوا رسول الله (ص) علانية .. فلما رأى ذلك أبو طالب، جمع بني عبد المطلب، فأجمع لهم أمرهم، على أن يدخلوا رسول الله (ص) شعبهم، ويمنعوه ممن أردوه، فاجتمعو على ذلك كافرهم ومسلمهم منهم من فعله حمية ومنهم من فعلة إيمانا ويقينا ..) (١).
قال موسى بن عقبة عن الزهري: ثم إن المشركين اشتدوا على المسلمين كأشد ما كانوا حتى بلغ المسلمين الجهد، واشتد عليهم البلاء، وجمعت قريش في مكرها أن يقتلو رسول الله (ص) علانية، فلما رأى أبو طالب عمل القوم، جمع بني عبد المطلب، وأمرهم أن يدخلوا رسول الله (ص) شعبهم، وأمرهم أن يمنعوه ممن أرادوا قتله، فاجتمع على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعله حمية، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا) (٢).
٤ - فقال أبو جهل بن هشام إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد، فقالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسبطا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم
стр. 171
إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فرضوا منا بالعقل، فعقلناه لهم، قال يقول الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل. هذا الرأي ولا رأي غيره، فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له ..) (١).
...
لقد كان رسول الله (ص) هو الهدف الأول عند مشركي قريش، والمحاولات الفردية التي قام بها جبارا قريش أبو جهل بن هشام وعمر بن الخطاب، وما كان ليجرؤ عليها غيرهما وهما اللذان دعا رسول الله (ص) أن يعز الإسلام بأحدهما، ((اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب)) (٢).
أو المحاولات الجماعية التي تمت بعد إسلام عمر واعتزاز المسلمين بأرض الحبشة، والتي تمت ليلة الهجرة، لتؤكد أن قضية اغتياله ﵊، قد أجمع عليها أهل مكة جميعا، ما عدا رهط النبي (ص) الأدنين بني هاشم وبني المطلب.
وهذا الدرس لا بد أن يعيه الدعاة، في أن قيادة الدعوة هي الهدف الأصلي التي يجتمع عليها المخططون، ويدرك الدعاة كذلك أن الأمر لا يتم إلا غيلة، وليس مواجهة، ويعرف خصوم الإسلام كذلك مدى خسارة الدعوة حين تفقد قائدها، وهو خط سار عليه أعداء الإسلام منذ فجر التاريخ. فقد
стр. 172
قال فرعون للملأ حوله: ﴿وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد﴾ (١).
والمحاولات التي تمت في أحد لقتل النبي (ص) كادت أن تعصف بالمسلمين فأنزل الله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾ (٢).
وكثيرا من المعارك تحسم بالقضاء على قائدها ﴿فهزموعم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ..﴾ (٣).
وكان مقتل قائد جيش المسلمين في بواتية (٤) نقطة تحول كبرى في التاريخ، حيث أوقفت المد الإسلامي في أوروبا بعد ذلك.
ومن أجل هذا فلا بد أن يأخذ المسلمون حذرهم في هذا الأمر، ويحافظوا على حياة قائدهم حماية وذودا ودفاعا، ففي حياته حياة الدعوة. وقد يؤدي مقتله أحيانا إلى ضربة قد تقضي على وجود الحركة ولو إلى حين.
стр. 173
سابعا: المقاطعة:
(... فلما عرفت قريش أن القوم قد اجتمعوا ومنعوا الرسول، واجتمعوا على ذلك كافرهم ومسلمهم، اجتمع المشركون من قريش، فأجمعوا أمرهم على أن لا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله (ص) للقتل، وكتبوا بمكرهم صحيفة وعهودا ومواثيق أن لا يقبلوا من بني هاشم صلحا، ولا تأخذهم بهم رأفة ولا هوادة حتى يسلموا رسول الله (ص) للقتل، فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم فيهن البلاء والجهد، وقطعوا عليهم الأسواق، فلا يتركون طعاما يدنو من مكة، ولا بيعا إلا بادروا إليه ليقتلهم الجوع، يريدون أن يتناوبوا بذلك سفك دم رسول الله (ص).
وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله (ص) فأتى فراشه حتى يراه من أراد به مكرا أو غائلة، فإذا نوم الناس أخذ أحد بنيه أو أخواته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله (ص)، وأمر رسوله أن يأتي بعض فرشهم فيرقد عليها.
فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف ورجال من قصي ورجال ممن سواهم، وذكروا الذي وقعوا فيه من القطيعة، فأجمعوا أمرهم في ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه، والبراءة منه .. فبعث الله على صحيفتهم التي فيها المكر برسول الله (ص) الأرضة فلحست كل شيء كان فيها، وكانت معلقة في سقف الكعبة، وكان فيها عهد الله وميثاقه، فلم تترك فيها شيئا إلا لحسته، وبقي فيها ما كان من شرك أو ظلم أو بغي، فأطلع الله
стр. 174
تعالى رسوله على الذي صنع بالصحيفة، فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبني، فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطلب حتى أتى المسجد وهو حافل من قريش، فلما رأوهم أتوا بجماعة أنكروا ذلك، فظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء وأتوهم ليعطوهم رسول الله (ص). فتكلم أبو طالب فقال:
قد حدثت بينكم أمور لم تذكرها لكم، فأتوا بصحيفتكم التي فيها مواثيقكم، فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها.
قال أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمرا فيه نصف بيني وبينكم، هذه الصحيفة التي في أيديكم إن ابن أخي قد أخبرني، ولم يكذبني أن الله بعث عليها دابة، فلم تترك فيها اسما لله إلا لحسته، وترك فيها غدرهم وتظاهركم علينا بالظلم. فإن كان الحديث كما يقول فأفيقوا فوالله لا نسلمه حتى نموت عن آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلا دفعنا إليكم صاحبنا، فقتلتم أو استحييتم، قالوا: لقد رضينا بالذي تقول. وفتحت الصحيفة، فوجدوا الصادق المصدوق قد أخبر خبرها قبل أن تفتح. فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب: قالوا: ما كان إلا سحرا من صاحبكم فارتكسوا وعادوا لشر ما كانوا عليه من كفره. والشدة على رسول الله (ص) وأصحابه ورهطه والقيام على ما تعاقدو عليه. فقال أولئك النفر من بني عبد المطلب:
إن الأولى بالكذب والسحر غيرنا، فكيف ترون، فإنا نعلم أن الذي أجمعتم عليه من قطيعتنا أقرب للخبث والسحر، ولولا الذي أجمعتم فيه من السحر لم تفسد الصحيفة وهي في أيديكم، فما كان لله من اسم هو فيها طمسه، أفنحن السحرة أم أنتم، فندم المشركون من قريش عند ذلك.
стр. 175
وقال رجال: منهم أبو البحتري وهو العاص بن هشام بن الحارث بن عبد العزى بن قصي، ومنهم المطعم بن عدي، وهشام بن عمرو أخو بني عامر بن لؤي، وكانت الصحيفة عنده، وزهبر بن أمية، وزمعة بن الأسود في رجال من قريش ولدتهم نساء من بني هاشم كانوا قد ندمو على الذي صنعوا فقالو: نحن برآء من هذه الصحيفة. قال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل) (١).
(... وأنشأ أبو طالب يقول الشعر في شأن صحيفتهم، ويمتدح النفر الذين تبرؤوا منها وقضوا ما كان فيها من عهد ويمتدح النجاشي) (٢).
وقال ابن هشام عن زياد وعن محمد بن إسحاق: (فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله (ص) قد نزلوا بلدا أصابوا منه أمنا وقرارا. وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم. فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله (ص) وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا إليهم وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا ولا يبتاعوا منهم. فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك. ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم .. فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب. فدخلوا معه في
стр. 176
شعبه واجتمعو إليه. وخرج من بني هاشم أبو لهب إلى قريش فظاهرهم) (١).
١ - أسلوب المقاطعة الذي مر آنفا من أغرب الأساليب وأخطرها في مواجهة الدعوة، وهو يتكافأ مع مدى القوة التي وصلت إليها الدعوة في محاولة من المحاولات اليائسة للإجهاز عليها وإفنائها، وإن كان أسلوب الاغتيال ينال شخص قائد الدعوة وعصبها الرئيسي، فأسلوب المقاطعة يتناول كل فرد فيها، بل يتناول كل فرد يناصرها أو يذوذ عنها أو يتعاطف معها.
٢ - وما يفعله الطغاة اليوم في مواجهة الدعاة إلى الله من حرمانهم من أبسط حقوق حياتهم؛ حق العمل لكسب القوت، يطردونهم من وظائفهم ليموتوا جوعا، ويستلبون بيوتهم وممتلكاتهم، والحكم بالسجن والقتل على كل من تتحرك له دوافع الإنسانية في أن يجمع مالا لإطعام عائلاتهم المنكوبة، واعتباره مجرما مثلهم، بل يحرمونهم حتى من حق الهجرة أو الفرار فيحتجزون وثائقهم وجوازات سفرهم، ويوزعون صورهم وأسماءهم على كل مكان أو مركز من مراكز مغادرة بلدهم، ليفنوهم عن آخرهم .. كل هذه الأمور في الحقيقة صور من صور المقاطعة لإبادة الدعاة إلى الله واستئصالهم عن بكرة أبيهم.
٣ - ولا يشتفي الطغاة بذلك حيث يمتد سلطانهم فيعملون لدى حلفائهم لإخراجهم من دولهم، أو تسليمهم لهم، ويصادرون أفكارهم وكتبهم في
стр. 177
كل مكان، والدعاة محصورون في كل أرض، وتحت كل سماء، لا يجرؤ أحد أن يمد لهم يد العون حتى لا يلقى مصيرهم نفسه ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾ (١).
٤ - أما ظاهرة أبي طالب، وبني هاشم، وبني المطلب فهي ظاهرة فريدة كذلك، فقد ربط أبو طالب مصيره بمصير ابن أخيه محمد (ص)، بل واستفاد من كونه عميد بني هاشم أن ضم بني هاشم وبني المطلب إليه في حلف واحد على الحياة والموت تأييدا لرسول الله (ص) مسلمهم ومشركهم على السواء، وأرسل القصائد الضخمة التي تهز كيان المجتمع القرشي هزا في الموقف الصلب الذي يقفه:
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما نقاتل دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل.
٥ - وانتصر بعد ذلك في غزو أعماق المجتمع القرشي حيث تحرك لنقض الصحيفة من ذكرنا من قبل؛ أولئك الخمسة الذين يمتون بصلة قرابة أو رحم لبني هاشم وبني المطلب.
وكان فرعون الأمة زعيم المقاطعة أبو جهل في صراع عنيف مع أبي طالب وحلفائه، يخشى أن تنهار المقاطعة، ويلاحق كل من يتعامل معهم، فلما لقي (حكيم بن حزام بن خويلد ومعه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة وهي عند رسول الله (ص) في الشعب، فتعلق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تذهب أنت وطعامك
стр. 178
حتى أفضحك بمكة، فجاءه أبو البختري بن هاشم بن الحارث بن أسد فقال: ما لك وله؟ فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال له أبو البختري: طعام كان لعمته عنده بعثت به إليه أتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خل سبيل الرجل؛ فأبى أبو جهل ذلك حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البختري لحي بعير فضربه وشجه، ووطئه وطئا شديدا، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله (ص) وأصحابه فيشمتوا بهم) (١).
ونحن إذن أمام ظاهرة هؤلاي الخمسة الذين انبثقوا من المجتمع الجاهلي، صحيح أنهم لم يكونوا على مستوى بني هاشم وبني عبد المطلب، لكنهم استطاعوا أن يرفعوا هذه الظلامة وهذا الحيف عن المسلمين وأنصارهم وحلفائهم وخططوا له ونجحوا به.
والذي نود الإشارة إليه أن كثيرا من النفوس والتي تبدو في ظاهر الأمر من أعمدة الحكم الجاهلي، قد تملك في أعماقها رفضا لهذا الظلم والبغي، وتستغل الفرصة السانحة لمواجهته، وواجب الدعوة إلى الله أن ترصد هذه النوعيات، وتنفذ إلى أعماقها، وتشرح لهم قضيتها، وتفضح الحقد الذي يحرك خصومها، فقد تستطيع من خلالها أن تغير وضعا كاملا، أو تهيئ لانقلاب في الأوضاع والأشخاص يجعل الدعاة إلى الله والدعوة من أمن وحرية وقوة. تعجز من خلال المواجهة المباشرة عن تحقيقه.
стр. 179
٦ - ولا يفوتنا من طرف آخر، أن نتحدث عن أبي لهب كظاهرة تتكرر في خط سير الدعوة، ويقف في الطرف النقيض من أبي طالب. وكان المأمول به أن يكون سند الدعوة الأول، فلا بد أن تحذر الدعوة أمثال هذا النماذج، فقد تجد من أقرب حلفائها من يقلب لها ظهر المجن، ويبالغ في إيذاء الدعاة، وحربهم أكثر بكثير مما تلقاه من خصومها الألداء الأشداء.
***
стр. 180
الفصل الرابع عشر
سنة الله تعالى في الابتلاء
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذي صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ (١).
إنها سنة الله تعالى في الدعوات والدعاة، أن يقع الابتلاء على المؤمنين، وأن لا يترك الأمر للادعاء فقط، فهذا يتساوى به الجميع، إنما يتم الاختبار من خلال المحنة، فيكشف الدعي من الصادق. تماما كما يتم اختبار المعدن النفيس بالنار، وكلما ازداد صهره انكشفت جودته أو خساسته.
فليت الفتنة إذن منفصلة عن الهدف، وأن تقع على العباد الربانيين أحب جنود الله تعالى إليه بلا سبب فغير معقول ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما﴾ (٢). فما هي الحكمة إذن من الابتلاء؟