شعبه واجتمعو إليه. وخرج من بني هاشم أبو لهب إلى قريش فظاهرهم) (١).
١ - أسلوب المقاطعة الذي مر آنفا من أغرب الأساليب وأخطرها في مواجهة الدعوة، وهو يتكافأ مع مدى القوة التي وصلت إليها الدعوة في محاولة من المحاولات اليائسة للإجهاز عليها وإفنائها، وإن كان أسلوب الاغتيال ينال شخص قائد الدعوة وعصبها الرئيسي، فأسلوب المقاطعة يتناول كل فرد فيها، بل يتناول كل فرد يناصرها أو يذوذ عنها أو يتعاطف معها.
٢ - وما يفعله الطغاة اليوم في مواجهة الدعاة إلى الله من حرمانهم من أبسط حقوق حياتهم؛ حق العمل لكسب القوت، يطردونهم من وظائفهم ليموتوا جوعا، ويستلبون بيوتهم وممتلكاتهم، والحكم بالسجن والقتل على كل من تتحرك له دوافع الإنسانية في أن يجمع مالا لإطعام عائلاتهم المنكوبة، واعتباره مجرما مثلهم، بل يحرمونهم حتى من حق الهجرة أو الفرار فيحتجزون وثائقهم وجوازات سفرهم، ويوزعون صورهم وأسماءهم على كل مكان أو مركز من مراكز مغادرة بلدهم، ليفنوهم عن آخرهم .. كل هذه الأمور في الحقيقة صور من صور المقاطعة لإبادة الدعاة إلى الله واستئصالهم عن بكرة أبيهم.
٣ - ولا يشتفي الطغاة بذلك حيث يمتد سلطانهم فيعملون لدى حلفائهم لإخراجهم من دولهم، أو تسليمهم لهم، ويصادرون أفكارهم وكتبهم في
стр. 177
كل مكان، والدعاة محصورون في كل أرض، وتحت كل سماء، لا يجرؤ أحد أن يمد لهم يد العون حتى لا يلقى مصيرهم نفسه ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾ (١).
٤ - أما ظاهرة أبي طالب، وبني هاشم، وبني المطلب فهي ظاهرة فريدة كذلك، فقد ربط أبو طالب مصيره بمصير ابن أخيه محمد (ص)، بل واستفاد من كونه عميد بني هاشم أن ضم بني هاشم وبني المطلب إليه في حلف واحد على الحياة والموت تأييدا لرسول الله (ص) مسلمهم ومشركهم على السواء، وأرسل القصائد الضخمة التي تهز كيان المجتمع القرشي هزا في الموقف الصلب الذي يقفه:
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما نقاتل دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل.
٥ - وانتصر بعد ذلك في غزو أعماق المجتمع القرشي حيث تحرك لنقض الصحيفة من ذكرنا من قبل؛ أولئك الخمسة الذين يمتون بصلة قرابة أو رحم لبني هاشم وبني المطلب.
وكان فرعون الأمة زعيم المقاطعة أبو جهل في صراع عنيف مع أبي طالب وحلفائه، يخشى أن تنهار المقاطعة، ويلاحق كل من يتعامل معهم، فلما لقي (حكيم بن حزام بن خويلد ومعه غلام يحمل قمحا يريد به عمته خديجة وهي عند رسول الله (ص) في الشعب، فتعلق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم؟ والله لا تذهب أنت وطعامك
стр. 178
حتى أفضحك بمكة، فجاءه أبو البختري بن هاشم بن الحارث بن أسد فقال: ما لك وله؟ فقال: يحمل الطعام إلى بني هاشم، فقال له أبو البختري: طعام كان لعمته عنده بعثت به إليه أتمنعه أن يأتيها بطعامها؟ خل سبيل الرجل؛ فأبى أبو جهل ذلك حتى نال أحدهما من صاحبه، فأخذ أبو البختري لحي بعير فضربه وشجه، ووطئه وطئا شديدا، وحمزة بن عبد المطلب قريب يرى ذلك وهم يكرهون أن يبلغ ذلك رسول الله (ص) وأصحابه فيشمتوا بهم) (١).
ونحن إذن أمام ظاهرة هؤلاي الخمسة الذين انبثقوا من المجتمع الجاهلي، صحيح أنهم لم يكونوا على مستوى بني هاشم وبني عبد المطلب، لكنهم استطاعوا أن يرفعوا هذه الظلامة وهذا الحيف عن المسلمين وأنصارهم وحلفائهم وخططوا له ونجحوا به.
والذي نود الإشارة إليه أن كثيرا من النفوس والتي تبدو في ظاهر الأمر من أعمدة الحكم الجاهلي، قد تملك في أعماقها رفضا لهذا الظلم والبغي، وتستغل الفرصة السانحة لمواجهته، وواجب الدعوة إلى الله أن ترصد هذه النوعيات، وتنفذ إلى أعماقها، وتشرح لهم قضيتها، وتفضح الحقد الذي يحرك خصومها، فقد تستطيع من خلالها أن تغير وضعا كاملا، أو تهيئ لانقلاب في الأوضاع والأشخاص يجعل الدعاة إلى الله والدعوة من أمن وحرية وقوة. تعجز من خلال المواجهة المباشرة عن تحقيقه.
стр. 179
٦ - ولا يفوتنا من طرف آخر، أن نتحدث عن أبي لهب كظاهرة تتكرر في خط سير الدعوة، ويقف في الطرف النقيض من أبي طالب. وكان المأمول به أن يكون سند الدعوة الأول، فلا بد أن تحذر الدعوة أمثال هذا النماذج، فقد تجد من أقرب حلفائها من يقلب لها ظهر المجن، ويبالغ في إيذاء الدعاة، وحربهم أكثر بكثير مما تلقاه من خصومها الألداء الأشداء.
***
стр. 180
الفصل الرابع عشر
سنة الله تعالى في الابتلاء
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذي صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ (١).
إنها سنة الله تعالى في الدعوات والدعاة، أن يقع الابتلاء على المؤمنين، وأن لا يترك الأمر للادعاء فقط، فهذا يتساوى به الجميع، إنما يتم الاختبار من خلال المحنة، فيكشف الدعي من الصادق. تماما كما يتم اختبار المعدن النفيس بالنار، وكلما ازداد صهره انكشفت جودته أو خساسته.
فليت الفتنة إذن منفصلة عن الهدف، وأن تقع على العباد الربانيين أحب جنود الله تعالى إليه بلا سبب فغير معقول ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما﴾ (٢). فما هي الحكمة إذن من الابتلاء؟
стр. 181
١ - تزكية الفرد:
فالجيل الأول الذي تربى من خلال المحنة، هو جيل فريد، أقدم على اختيار طريق الإسلام ويعرف تكاليف هذا الطريق، يستوي في هذا الأمر الحر الكريم في قومه، والعبد والمرأة والصبي.
(أ) (فذاك أبو بكر سيد عشيرته، لقيه سفيه من سفهاء قريش، وهو عامد إلى الكعبة، فحثا على رأسه ترابا، فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة أو العاص بن وائل فقال أبو بكر: ألا ترى إلى ما يصنع هذا السفيه؟
قال: أنت فعلت هذا بنفسك. قال وهو يقول: أي رب ما أحلمك!
أي ربي ما أحلمك! أي رب ما أحلمك!) (١).
(ب) وذاك راعي الغنم عبد الله بن مسعود
قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه قال:
كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله (ص) بمكة عبد الله بن مسعود ﵁ قال: اجتمع يوما أصحاب رسول الله (ص) فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟
فقال عبد الله بن مسعود: أنا؛ قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعوه من القوم إن أرادوه، قال: دعوني فإن الله
стр. 182
سيمنعني. قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، حتى قام عند المقام ثم قرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ رافعا بها صوته ﴿الرحمن علم القرآن﴾ ثم استقبلها يقرؤها. قال: فتأملوه فجعلوا يقولون ماذا قال ابن أم عبد؟ ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا إليه، فجعلوا يضربونه في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك، فقال: ما كان أعداء الله أهون علي منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا؟ قالوا: لا، حسبك، قد أسمعتهم ما يكرهون) (١).
وذاك فتى مكة جمالا ومالا مصعب بن عمير ﵁ (جـ) (فعن إبراهيم بن محمد العبدري عن أبيه قال: كان مصعب بن عمير فتى مكة شبابا وجمالا وسبيبا، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه مليئة كثيره المال، تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وأرقه. وكان أعطر أهل مكة، يلبس الحضرمي من النعال. فكان رسول الله (ص) يذكره ويقول: ((ما رأيت بمكة أحدا أحسن لمة ولا أرق حلة، ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير)). فبلغه أن رسول الله (ص) يدعو إلى الإسلام في دار أرقم بن أبي الأرقم، فدخل عليه فأسلم وصدق به، وخرج.
فكتم إسلامه خوفا من أمه وقومه، فكان يختلف إلى رسول الله (ص) سرا. فبصر به عثمان بن طلحة يصلي، فأخبر أمه وقومه، فأخذوه
стр. 183
فحبسوه، فلم يزل محبوسا حتى خرج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى، ثم رجع مع المسلمين حين رجعوا، فرجع متغير الحال قد حرج (يعني غلظ) فكفت أمه عنه من العذل) (١).
وعن عمر بن عبد العزيز قال: أقبل مصعب بن عمير ذات يوم، والنبي (ص) جالس في أصحابه، عليه قطعة نمرة (٢) قد وصلها بإهاب (٣)، قد ردنه (٤) ثم وصله إليها. فلما رآه أصحاب رسول الله (ص) نكسوا رؤوسهم رحمة له، ليس عندهم ما يغيرون عنه، فسلم فرد عليه النبي (ص)، وأحسن عليه الثناء وقال: ((الحمد لله ليقلب الدنيا بأهلها، لقد رأيت هذا (يعني مصعبا) وما بمكة فتى من قريش أنعم عند أبويه نعيما منه، ثم أخرجه من ذلك الرغبة في الخير، في حب الله ورسوله)) (٥).
(د) وتلك فاطمة بنت الخطاب ﵂ وقد دخل عمر عليها فقال: (ما هذه الهيمنة التي سمعت؟ قالت له: ما سمعت شيئا؛ قال: بلى والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه، وبطش بختنة سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها، فضربها، فشجها؛ فلما فعل قالت له أخته وختنه: نعم قد أسلمنا
стр. 184
وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك ..) (١)
٢ - نفي الخبث عن الدعوة:
وذلك لأن الذين يداهنون وينافقون يسقطون وتسقط دعوتهم معهم، ولا يلقون عند الناس إلا الاستخفاف، حتى عند خصومهم الذين يحاربونهم ليفتنوهم عن دينهم فحين يفتنون ويسيرون في ركاب الطغاة، يصبحون في حس هؤلاء الطغاة عبيدا أذلاء، لا يمكن أبدا أن يتأثروا بهم. أو يسمعوا إليهم، بينما يكبر فى عين الناس أولئك المجاهدون الذين يضحون بأرواحهم وحياتهم وأموالهم في سبيل دعوتهم، ويرتفعون هم ودعوتهم في قلوب الناس: الأصدقاء والخصوم، ويبحث الناس عن سر هذه الدعوة التي جعلت هؤلاء الناس يضحون بحياتهم في سبيلها.
(فعن المغيرة بن شعبة قال: أول يوم عرفت رسول الله (ص) أني أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة، إذ لقينا رسول الله (ص) فقال رسول الله (ص) لأبي جهل: ((يا أبا الحكم! هلم إلى الله وإلى رسوله، أدعوك إلى الله)) فقال أبو جهل: يا محمد هل أنت منته عن سب آلهتنا؟ هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت؟ فنحن نشهد أن قد بلغت، فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك، فانصرف رسول الله (ص)، وأقبل علي فقال: والله إني لأعلم أن ما يقوله حق، ولكن يمنعني شيء، إن بني قصي قالوا فينا الحجابة، فقلنا: نعم، ثم قالوا فينا السقاية، فقلنا نعم، ثم قالوا: فينا
стр. 185
الندوة، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا اللواء، فقلنا: نعم. ثم أطعموا فأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب قالوا: منا نبي والله لا أفعل) (١).
وعن أبي سفيان بن حرب ﵁ قال فيما رواه عن قيصر:
(... وسألتك أشرف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل، وسألتك: أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب ..
فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين ..
فقلت لأحابي حين أخرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه يخافه ملوك بني الأصفر، فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام (٢).
٣ - الدعاية لها:
فصبر المؤمنين على الابتلاء دعوة صامتة لهذا الدين وهي التي تدخل الناس في دين الله، ولو وهنوا أو استكانوا لما استجاب لهم أحد. لقد كان
стр. 186
الفرد الواحد يأتي إلى النبي (ص) فيسلم، ثم يأتيه أمر النبي (ص) أن يمضي إلى قومه، يدعوهم، ويصبر على تكذيهم وأذاهم، ويتابع طريقه حتى يعود بقومه إلى رسول الله (ص).
(فعن عبد الواحد بن أبي عون الدوسي قال:
كان الطفيل بن عمرو الدوسي رجلا شريفا شاعرا مليئا كثير الضيافة.
فقدم مكة ورسول الله (ص) بها، فمشى إليه رجال من قريش فقالوا: يا طفيل إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وفرق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجته، إنا نخشى عليك وعلى قومك مثل ما دخل علينا منه فلا تكلمه ولا تسمع منه.
قال الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا لا أكلمه، فغدوت إلى المسجد، وقد حشوت أذني كرسفا (يعني قطنا) فرقا (١) من أن يبلغني شيء من قوله .. فغدوت يوما إلى المسجد فإذا رسول الله (ص) قائم يصلي عند الكعبة فقمت قريبا منه فسمعت كلاما حسنا فقلت في نفسي: واثكل أمي، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحاء تركته .. فمكثت حتى انصرف إلى بيته ثم اتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت معه فقلت: يا محمد إن قومك قالوا لي كذا وكذا
стр. 187
- للذي قالوا لي - فوالله ماتركوني يخوفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك. ثم إن الله أبى إلا أن يسمعنيه فسمعت قولا حسنا فاعرض علي أمرك. فعرض عليه رسول الله (ص) الإسلام وتلا عليه القرآن. فقال: لا والله ما سمعت قولا قط أحسن من هذا ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، فقلت: يا نبي الله: إني امرؤ مطاع في قومي وأنا راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام فادع الله أن يكون عونا عليهم فيما أدعوهم إليه ....
ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطاؤوا علي، ثم جئت رسول الله (ص) بمكة فقلت: يا رسول الله قد غلبتني دوس فادع الله عليهم. فقال: ((اللهم اهد دوسا وائت بها)) فقال لي رسول الله (ص): ((اخرج إلى قومك فادعهم وارفق بهم)) فخرجت إليهم. فلم أزل بأرض دوس أدعوها حتى هاجر رسول الله (ص)، ومضى بدر وأحد والخندق. ثم قدمت على رسول الله (ص) بمن أسلم من قومي، ورسول الله (ص) بخيبر حتى نزلت المدينة بسبعين بيتا أو ثمانين بيتا من دوس، ثم لحقنا رسول الله (ص) بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين ..) (١).
وعن ابن عباس ﵁ يذكر إسلام أبي نذر قال:
(.... حتى دخل على النبي (ص) ودخل معه، فسمع من قومه وأسلم مكانه. فقال له النبي (ص): ((ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري)) فقال: والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين ظهرانيهم. فخرج حتى أتى
стр. 188
المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. ثم قام فضربوه حتى أضجعوه، فأتى العباس فأكب عليه، فقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار؟ وأن طريق تجارتكم إلى الشام؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد بمثلها فضربوه وثاروا إليها فأكب العباس عليه ..) (١). وعن أبي ذر ﵁ قال:
(... ثم أتيت رسول الله (ص) فقال: ((إنه قد وجهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب. فهل أنت مبلغ عني قومك؟ عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم ... فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارا. فأسلم نصفهم، وكان يؤمهم إيمان بن رحضة الغفاري، وكان سيدهم، وقال نصفهم: إذا قدم رسول الله (ص) المدينة أسلمنا، فقدم رسول الله (ص) المدينة، فأسلم نصفهم الباقي، وجاءت أسلم فقالوا: يا رسول الله: إخوتنا نسلم على الذي أسلموا عليه، فأسلموا. فقال رسول الله (ص): ((غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله))) (٢).
٤ - جذب بعض العناصر القوية إليها:
وأمام ثبات المؤمنين وتضحياتهم، تتوق النفوس القوية إلى هذه العقيدة، ومن خلال الصلابة الإيمانية، تكبر عند هذه الشخصيات الدعاة والدعوة، فيسارعون إلى الإسلام دون تردد.
стр. 189
وأعظم الشخصيات التي اعتز بها الإسلام عبرت إلى الإسلام من خلال هذا الطريق:
(فعن محمد بن كعب القرظي قال:
كان إسلام حمزة ﵁ حمية، وكان يخرج من الحرم فيصطاد، فإذا رجع مر بمجلس قريش وكانوا يجلسون عند الصفا والمروة، فيمر بهم، فيقول: رميت كذا وكذا، وصنعت كذا وكذا، ثم ينطلق إلى منزله، فأقبل من رميه ذات يوم فلقيته امرأة فقالت: يا أبا عمار ماذا لقي ابن أخيك من أبي جهل: شتمه وتناوله وفعل وفعل، فقال: هل رآه أحد؟ قالت: أي والله لقد رآه ناس فأقبل حتى انتهى إلى ذلك المجلس عند الصفا والمروة. فإذا هم جلوس وأبو جهل فيهم فاتكأ على قومه وقال رميت كذا وكذا، وفعلت كذا وكذا، ثم جمع يديه بالقوس فضرب بها بين أذني أبي جهل فدق سنتها ثم قال: خذها بالقوس، وأخرى بالسيف. أشهد أنه رسول الله (ص) وأنه جاء بالحق من عند الله. قالو: يا أبا عمار إنه سب آلهتنا وإن كنت أنت وأنت أفضل منه، ما أقررناك وذاك وبا كنت يا أبا عمار فاحشا) (١). وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق:
(وقامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل منه، وقالوا: ما نراك يا حمزة إلا قد صبوت، قال حمزة: ومن يمنعني. وقد استبان
стр. 190
لي منه ما أشهد أنه رسول الله وأن الذي يقول حق؟ فالله لا أنزع فامنعوني إن كنتم صادقين. فقال أبو جهل: دعوا أبا عمار، فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله (ص) قد عز وامتنع. فكفوا عما كانوا ينالون منه.
قال ابن إسحاق: ثم رجع حمزة إلى بيته فأتاه الشيطان فقال له: أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابىء، وتركت دين آبائك، للموت خير لك مما صنعت. فأقبل حمزة على نفسه وقال: ما صنعت؟ اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا، فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان، حتى أصبح فغدا على رسول الله (ص) فقال: يابن أخي! إني وقعت في أمر ولا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلي على ما لا أدري ما هو أرشد أم غي شديد. فحدثني حديثا فقد اشتهيت يابن أخي أن تحدثني، فأقبل رسول الله (ص) فذكره ووعظه، وخوفه وبشره، فألقى الله في قلبه الإيمان بما قال رسول الله (ص)، فقال: أشهد أنك الصادق شهادة الصدق فأظهر يا بن أخي دينك فوالله ما أحب أن لي ما أظلته السماء، وأني على ديني الأول. فكان حمزة ممن أعز الله به الدين.
وهكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير به) (١).
عن ثوبان قال: قال رسول الله (ص): ((اللهم أعز الإسلام بعمر بن
стр. 191
الخطاب)) وقد ضرب أخته أول الليل وهي تقرأ: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ حتى ظن أنه قتلها ثم قام من السحر فسمع صوتها تقرأ ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ فقال: والله ما هذا بشعر ولا همهمته. فذهب حتى أتى رسول الله (ص) فوجد بلالا على الباب، فدفع الباب فقال بلال: من هذا؟ قال: عمر بن الخطاب. فقال: حتى أستأذن لك على رسول الله (ص). فقال بلال: يا رسول الله عمر في الباب. فقال رسول الله (ص): ((إن يرد الله بعمر خير يدخله في الدين)) فقال لبلال: ((افتح)) وأخذ رسول الله (ص) بضبعيه وهزه وقال: ((ما الذي تريد، وما الذي جئت به؟)) فقال له عمر: اعرض علي الذي تدعو إليه. فقال: ((تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله)) فأسلم عمر مكانه. فقال: ((اخرج)) (١).
وعن أسلم مولى عمر قال: قال عمر بن الخطاب: أتحبون أن أعلمكم أول إسلامي؟ قلنا: نعم. قال: كنت أشد الناس على رسول الله (ص)، فبينا أنا في يوم شديد الحر في بعض طرق مكة إذ رآني رجل من قريش. فقال: أين تذهب يابن الخطاب؟ قلت: أريد هذا الرجل. قال: ابن الخطاب قد دخل هذا الأمر في منزلك وأنت تقول هذا؟ قلت: وما ذاك؟ فقال: إن أختك قد ذهبت إليه. قال: فرجعت مغضبا حتى قرعت عليها الباب - وكان رسول الله (ص) إذا أسلم بعض من لا شيء له ضم الرجل والرجلين إلى ارجل ينفق عليه - وكان ضم رجلين من أصحابه إلى زوج
стр. 192
أختي، فقرعت الباب فقيل لي: من هذا؟ قلت: عمر بن الخطاب وقد كانوا يقرأون كتابا في أيديهم. فلما سمعوا صوتي قاموا حتى اختبأوا في مكان وتركوا الكتاب. فلما فتحت لي أختي الباب قلت: أيا عدوة نفسها صبوت؟! وأرفع شيئا فأضرب به على رأسها، فبكت المرأة، وقالت: يابن الخطاب اصنع ما كنت صانعا فقد أسلمت.
فذهبت وجلست على السرير، فإذا بصحيفة وسط الباب. قلت: ما هذه الصحيفة هاهنا؟ فقالت لي: دعها عنك يابن الخطاب فإنك لا تغتسل من الجنابة ولا تتطهر، وهذا لا يمسه إلا المطهرون. فما زلت بها حتى أعطتنها. فإذا فيها ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فلما قرأت الرحمن الرحيم تذكرت من أين اشتق. ثم رجعت إلى نفسي فقرأت ﴿سبح لله ما في السموات وما في الأرض .. وهو العزيز الحكيم﴾ حتى بلغ: ﴿آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه﴾ قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فخرج القوم متبادرين، فكبروا واستبشروا بذلك ثم قالو لي:
أبشر يابن الخطاب فإن رسول الله (ص) دعا يوم الاثنين فقال: ((اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك عمر بن الخطاب وأبي جهل بن هشام)) وإنا لنرجو أن تكون دعوة رسول الله (ص) لك. فقلت: دلوني على رسول الله (ص) أين هو؟
فلما عرفوا الصدق دلوني عليه في المنزل الذي هو فيه فجئت فقرعت الباب، فقالوا: من هذا؟ قلت: عمر بن الخطاب، وقد علمو شدتي على رسول الله (ص) ولم يعلموا إسلامي، فما اجترأ أحد منهم أن يفتح لي، حتى قال لهم رسول الله (ص): ((افتحوا له، فإن يرد الله به خيرا يهده)).
قال: ففتح لي الباب، فأخذ رجلان بعضدي حتى دنوت من رسول
стр. 193
الله (ص) فقال لهم ((أرسلوه)) فأرسلوني، فجلست بين يديه، فأخذ بمجامع قميصي ثم قال: ((أسلم يابن الخطاب اللهم اهده)) فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: فكبر المسلمون تكبيرة سمعت في طرق مكة، وقد كانوا سبعين قبل ذلك. وكان الرجل إذا أسلم فعلموا به الناس يضربونه ويضربهم. قال: فجئت إلى رجل فقرعت عليه الباب. فقال: من هذا؟ قلت: عمر بن الخطاب. فخرج إلي. قلت له: أعلمت أني قد صبوت. قال: أوقد فعلت؟ قلت: نعم. قال: لا تفعل ودخل البيت وأجاف (١) الباب دوني. فقلت: ما هذا بشيء، فإذا أنا لا أضرب ولا يقال لي شيء. فقال الرجل: أتحب أن يعلم إسلامك؟ قلت: نعم. قال: إذا جلس الناس في الحجر فائت فلانا. فقل له فيما بينك وبينه: أشعرت أني صبوت؟ فإنه قلما يكتم الشيء.
فجئت إليه وقد اجتمع الناس في الحجر، فقلت له فيما بيني وبينه:
أشعرت أني قد صبوت. قال: فقال: أفعلت؟ قلت: نعم. فنادى بأعلى صوته: ألا إن عمر قد صبا. قال: فثار إلي أولئك الناس، فما زالوا يضربونني وأضربهم، حتى أتى خالي، فقيل له: إن عمر قد صبا. فقام على الحجر فنادى بأعل صوته: ألا إني قد أجرت ابن أختي، فلا يمسه أحد. قال: فانكشفوا عني. فكنت لا أشاء أن أرى أحدا من المسلمين يضرب إلا رأيته. فقلت: ما هذا بشيء إن الناس يضربون ولا أضرب. ولا يقال لي شيء. فلما جلس الناس في الحجر جئت إلى خالي، فقلت: اسمع جوارك عليك رد. فقال: لا تفعل فأبيت، فما زلت أضرب حتى أظهر الله الإسلام) (٢).
стр. 194
وعن عمر أنه أتى النبي (ص) فقال: يا رسول الله إني لا أدع مجلسا جلسته في الكفر إلا أعلنت فيه الإسلام. فأتى المسجد وفيه بطون قريش متحلقة. فجعل يعلن الإسلام. ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فثار المشركون فجعلوا يضربونه ويضربهم. فلما تكاثروا عليه خلصه رجل، فقلت لعمر من الرجل الذي خلصك من المشركين؟ قال: العاص بن وائل (١).
وجوب الصبر على الابتلاء
إذا كان الابتلاء لا بد قائما بالنسبة للمؤمن، فالصبر عليه وعلى مشاقه واجب، ومن فقد الصبر فافتتن في دينه أو ارتد على عقبه فقد وقع في سخط الله .
﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين وليعلمن الله الذين أمنوا وليعلمن المنافقين﴾ (٢).
(وأكمل الخلق عند الله من كمل مراتب الجهاد كلها، والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله تفاوتهم في مراتب الجهاد، ولهذا كان أكمل الخلق، وأكرمهم عند الله خاتم أنبيائه ورسله، فإنه كمل مراتب الجهاد، وجاهد في
стр. 195
الله حق جهاده، وشرع في الجهاد من حين بعث إلى أن توفاه الله ، فإنه لما نزل عليه: ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر ..﴾ (١) شمر عن ساق الدعوة وقام في ذات الله أتم قيام، ودعا إلى الله ليلا ونهارا، وسرا وجهارا. فلما نزل عليه: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ (٢) فصدع بأمر الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، فدعا إلى الله الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، والأحمر والأسود، والجن والإنس، ولما صدع بأمر الله، وصرح لقومه بالدعوة، وناداهم بسب آلهتهم، وعيب دينهم، اشتد أذاهم له، ولمن استجاب له من أصحابه، ونالوهم بأنوع الأذى، وهذه سنة الله في خلقه كما قال تعالى: ﴿ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك﴾ (٣) وقال: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن﴾ (٤) وقال: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ (٥)، فعزى الله تعالى نبيه بذلك وأن له أسوة بمن سبقه من المرسلين، وعزى أتباعه بقوله: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾ (٦) .. فمن آمن بالرسل وأطاعهم عاداه أعداؤهم وآذوه، فابتلى بما يؤلمه، وإن لم يؤمن بهم ولم يطعهم، عوقب في
стр. 196
الدنيا والآخرة، فحصل له ما يؤلمه. وكان هذا المؤلم أعظم وأدوم من ألم اتباعهم، فلا بد من حصول الألم لكل نفس آمنت، أو رغبت عن الإيمان. لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والمعرض عن الإيمان يحصل له اللذة ابتداء، ثم يصير في الألم الدائم، وسئل الشافعي ﵀: أيما أفضل للرجل: أن يمكن أو يتلى؟ فقال: لا يمكن حتى يبتلى، والله تعالى ابتلى أولي العزم من الرسل، فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة. وإنما تفاوت أهل الآلام في العقول، فأعقلهم من باع ألما مستمرا عظيما بألم متقطع يسير، وأشقاهم من باع الألم المنقطع اليسير، بالألم العظيم المستمر) (١).
...
стр. 197
الفصل الخامس عشر
الاستفادة من قيم الجاهلية
كما سبق وذكرنا من قبل، فليس الهدف هو التعذيب والألم نفسه، إنما الهدف هو تمحيص الصف المؤمن، وتميز الصادق من المنافق، وتميز الخبيث من الطيب.
﴿ما كان الله ليذر المؤمدن على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيت من الطيب وما كان الله يطلعكم على الغيب ..﴾ (١).
﴿ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون﴾ (٢).
فإذا هيئت للدعوة ظروف، ترفع الأذى عن المسلمين، وتكشف المحنة دون مساومات أو تنازلات من الدعوة فللدعاة الاستفادة من هذه الظروف.
ولعل ظاهرة الجوار تبدو مثلا صارخا في هذا المجال، ولننظر كيف تعامل المسلمون مع هذه الظاهرة.
стр. 198
١ - لقد كان القدوة والأسوة رسول الله (ص) هو الذي استفاد من هذه الظاهرة ابتداء حين أجاره عمه أبو طالب.
(أ) (فلما بادى رسول الله (ص) قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله، لم يبعد منه قومه، ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعدوانه إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام، وهم قليل مستخفون، وحدب على رسول الله عمه أبو طالب، ومنعه وقام دونه. ومضى رسول الله (ص) على أمر الله، مظهرا لأمره لا يرده عنه شيء، فلما رأت قريش أن رسول الله (ص) لا يعتبهم من شيء (١) أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب .. فقالوا:
يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فكفيكه. فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا، وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه) (٢).
لقد حاول أبو طالب أن يتحاشى الاصطدام مع قريش، لعل ابن أخيه محمدا يغير شيئا من منهجه ويكف عن عيب الآلهة، وابن أخيه في
стр. 199
نفسه أكبر من العتب.
• وكانت هذه المحاولة الأولى.
(ب) (... ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى، فقالوا: يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين - أو كما قالوا له - ثم انصرفوا عنه. فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله (ص) ولا خذلانه ... فبعث إلى رسول الله (ص) فقال له:
يابن أخي، إن قومك قد جاؤوني، فقالوا لي كذا وكذا - للذي كانوا قالوا له - فابق علي وعل نفسك، ولا تحملي من الأمر ما لا أطيق. قال: فظن رسول الله (ص) أنه قد بدا لعمه فيه بداء (١) أنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه. فقال رسول الله: ((يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته)) ثم استعبر رسول الله فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فقال: اقبل يابن أخي، فأقبل عليه رسول الله (ص) فقال: اذهب يابن أخي، فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا) (٢).
стр. 200
(وعن عقيل بن أبي طالب قال: جاءت قريش إلى أبي طالب، فقالوا: إن ابن أخيك قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا، فقال: يا عقيل انطلق فائتني بمحمد، فانطلقت إليه فاستخرجته من كنس - يقول بيت صغير - فجاء به في الظهيرة في شدة الحر، فلما أتاهم قال: إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم: فانته عن أذاهم. فحلق رسول الله ببصره إلى السماء، فقال: ((ترون هذه الشمس؟)) قالوا: نعم. قال: ((فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منه شعلة)) فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط فارجعوا) (١).
وفشلت المحاولة الثانية في أن تزحزح محمدا (ص) قيد شعرة عن دعوته ودينه فإذا كان الجوار ولابد، فعلى أن يمضي رسول الله (ص) في أمره كما أمره الله، ولو أعطي النيرين الشمس والقمر، وعلى الرواية الأخرى: أخذ شعلة من الشمس، أسهل من ترك كلمة حق يصدع يها في سبيل الله.
ثم كانت المحاولة الثالثة:
(ج) (ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله (ص) وإسلامه وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم، مشوا إليه بعمار بن الوليد ابن المغيرة، فقالوا له - فيما بلغني - يا أبا طالب هذا عمار بن
стр. 201
الوليد أنهد فتى في قريش وأجمله فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولدا فهو لك، واسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنفتله، فإنما هو رجل برجل. فقال: والله لبئس ما تسومونني! أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه! هذا والله لا يكون أبدا. قال: فقال المطعم بن عدي: والله يا أبا طالب، لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا، فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني، ومظاهرة القوم علي، فاصنع ما بدا لك - أو كما قال - فحقب الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضهم بعضا) (١).
إن اجتماع قريش كلها على مبادلة عمارة بن الوليد بمحمد بن عبد الله في محاولة يائسة، لتتمكن من قتل محمد والتخلص منه، هو من أغرب ما روى تاريخ السيرة، واعتبر المطعم بن عدي أن القوم أنصفوا أبا طالب في هذا العرض، بينما وقف أبو طالب كالطود في وجه هذا العرض. أو أن يبادل محمدا بأحد في هذه الأرض. وانتهى من ذهن أبي طالب أن يناقش ابن أخيه محمدا بكلمة واحدة إنه على قول ما أحب، ولو كان عيب الآلهة، وسب الدين، وتضليل الآباء، إنها إجارة مفتوحة لا تقبل ذرة من التعديل أو التغيير.
ولاحظ أبو طالب أن قريشا كلها وقفت ضده بما في ذلك فرعا
стр. 202
بني عبد مناف، بنو نوفل وعميدهم المطعم بن عدي، وبنو عبد شمس، وسادتهم عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وتمزق كلمة بني عبد مناف، وانقسامهم تجعل العبء أضخم، وتجعل أبا طالب وإخوانه من بني هاشم وحدهم في الساحة. أرى أخوينا من أبينا وأمنا ... إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا ... هما نبذانا مثل ما ينبذ الجمر وأمام ضراوة الحرب، فقد عمد أبو طالب إلى بني هاشم وبني المطلب، فرعي بني عبد مناف ليكونوا يدا واحدة وراء محمد (ص).
إنها أعراف جاهلية بحتة، تقوم على أساس القبلية والحسب والنسب، وتسخر كلها لخدمة دين الله ودعوته ورسوله.
(وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب، فدعاهم إلى ما هو عليه، من منع رسول الله (ص) والقيام دونه فاجتمعا إليه وقاموا معه، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه، إلا ما كان من أبي لهب، عدو الله الملعون.
فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره من جهدهم معه، وحدبهم عليه، جعل يمدحهم، ويذكر قديمهم، ويذكر فضل رسول الله (ص) فيهم، ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم، وليحدبوا معه على أمره، فقال: إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر ... فعبد مناف سرها وصميمها
وإن حصلت أشراف عبد منافها ... ففي هاشم أشرافها وقديمها
стр. 203
وإن فخرت يوما فإن محمدا ... هو المصطفى من سرها وكريمها
تداعت قريش غثها وثمينها ... علينا فلم تظفر وطاشت حلومها
وكنا قديما لا نقر ظلامة ... إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها) (١)
لقد حرص أبو طالب على الإشادة ببني عبد مناف ليشارك بنو المطلب بهذا الفضل مع بني هاشم، وليفسح المجال مفتوحا أمام أخويهم بني عبد شمس بن عبد مناف، وبني نوفل بن عبد مناف لينضما لحلف أبي طالب، لحماية عميد بني عبد مناف محمد بن عبد الله (هو المصطفى من سرها وكريمها)، واستطاع بهذا الموقف أن يهيىء حرية الدعوة إلى الله للرسول (ص) في كل أرض وفي كل ناد، وفي كل موسم.
وحين حاول أبو جهل أن يخفر جوار أبي طالب - كما رأينا من قبل - تصدى له حمزة، فشجه بقوسه وقال له: تشتم محمدا وأنا على دينه، فرد علي ذلك إن استطعت.
إنها ظاهرة فذة أن تقوم الجاهلية بحماية من يسب آلهتها، ويعيب دينها، ويسفه أحلامها، وباسم هذه القيم يقدمون المهح والأرواح، ويخوضون المعارك والحروب، ولا يمس محمد بسوء.
(د) (فلما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه، قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرمة مكة، وبمكانه منها، وتودد فيها أشراف قومه، وهو
стр. 204
على ذلك يخبرهم وغيرعم في ذلك من شعره، أنه غير مسلم رسول الله (ص)، ولا تاركه لشيء أبدا حتى يهلك دونه. فقال:
ولما رأيت القوم لا ود فيهم ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل
وقد صارحونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدو المزايل
وقد حالفوا قوما علينا أظنة ... يعضون غيظا خلفنا بالأنامل
صبرت لهم نفسي بسمراء (١) سمحة ... وأبيض (٢) عضب من تراث المقاول
وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي ... وأمسكت من أثوابه بالوصائل) (٣)
ونراه يتعوذ بالبيت وبكل المقدسات فيه، ويقسم فيه كذلك، أنه لن يسلم محمدا ولو سالت الدماء أنهارا، واحتدم سير المعارك:
كذبتم وبيت الله نبزي (٤) محمدا ... ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه (٥) حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا ولحلائل (٦)
وينهض قوم في الحديد إليكم ... نهوض الروايا (٧) تحت ذات الصلاصل (٨)
ولا ينسى أن يقرع زعماء بني عبد مناف بأسمائهم لخذلانهم إياه، فلعتبة بن ربيعه يقول:
стр. 205
فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح (١) ... حسود كذوب مبغض ذي دغاول (٢)
ولأبي سفيان بن حرب يقول:
ومر أبو سفيان عني معرضا ... كما مر قيل (٣) من عظام المقاول
يفر إلى نجد وبرد مياهه ... ويزعم أني لست عنكم بغافل
وللمطعم بن عدي سيد بني نوفل يقول:
أمطعم لم أخذلك في يوم نجدة ... ولا معظم عند الأمور الجلائل
أمطعم إن القوم ساموك خطة ... فإني متى أوكل فلست بوائل (٤)
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجلا غير آجل) (٥)
(هـ) وكانت أعنف المعارك حين كتبت الصحيفة:
(قال ابن إسحاق: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله (ص) قد نزلوا بلدا أصابوا منه أمنا وقرارا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله (ص) وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل اجتمعوا وائتمروا بينهم أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني
стр. 206
المطلب، على أن لا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم .. فلما فعلت ذلك قريش انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب بن عبد المطلب، فدخلوا معه في شعبه، واجتمعوا إليه) (١).
وقال عروة بن الزبير:
(.... وعمد المشركون من قريش، فأجمعوا مكرهم وأمرهم على أن يقتلوا رسول الله علانية، فلما رأى ذلك أبو طالب، جمع بني عبد المطلب، فأجمع لهم أمرهم على أن يدخلوا رسول الله (ص) شعبهم، ويمنعوه ممن أراد ... فلما عرفت قريش أن القوم قد اجتمعوا ومنعوا الرسول، واجتمعوا على ذلك كافرهم ومسلمهم، اجتمع المشركون من قريش، فأجمعوا أمرهم على أن لا يجالسوهم، ولا يخالطوهم، ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله (ص) للقتل .. فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم فيهن البلاء والجهد، وقطعوا عليهم الأسواق ..) (٢).
وأكد أبو طالب أنه وبنو هاشم وبنو المطلب، على العهد، فداء لرسول الله (ص) مهما نزل بهم من جهد وبلاء: ألا أبلغا عني على ذات بيننا ... لؤيأ وخصا من لؤي بني كعب
стр. 207
فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا ... لعزاء (١) منعض (٢) الزمان ولا كرب
ولم تبن (٣) منا ومنكم سوالف (٤) ... وأيد أترت (٥) بالقساسية (٦) الشهب
أليس أبونا هاشم شد أزره ... وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب
ولسنا نمل الحرب حتى تملنا ... لا نشتكي ما قد ينوب من النكب
(و) وكانت الحلقة الأخيرة يوم حضرت أبو طالب الوفاة:
قال ابن إسحاق: ولما اشتكى أبو طالب، وبلغ قريشا ثقله، قالت قريش بعضها لبعض إن حمزه وعمر قد أسلما، وبد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب، فليأخذ لنا على ابن أخيه، وليعطه منا، والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا.
فقال أبو طالب: يابن أخي هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك، فقال رسول الله (ص): ((نعم كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم)) فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات، قال: ((تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعدون من دونه)) قال: فصفقوا بأيديهم ثم قالوا: أتريد يا
стр. 208
محمد أن تجعل الآلهة إلها واحدا إن أمرك لعجب. ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا ومضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرقوا. فقال أبو طالب لرسول الله (ص): ما رأيتك سألتهم شططا، فلما قال أبو طالب طمع رسول الله في إسلامه، فجعل يقول له: ((أي عم، فأنت فقلها، أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة)) قال: فلما رأى حرص رسول الله (ص) عليه، قال: يابن أخي، والله لولا مخافة السبة عليك، وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها) (١).
وحكي عن هشام بن السائب أو ابنه أنه قال: لما حضرت أبو طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش فأوصاهم فقال: ..... فأوصيكم بمحمد خيرا، فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به .. وايم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل البر في الأطراف قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت .. قد محضته العرب ودادها، وأصغت له فؤادها، وأعطته قيادها، دونكم يا معشر قريش ابن أبيكم كونوا له ولاة، ولحزبه حماة ...) (٢).
قال ابن إسحاق:
стр. 209
(ثم إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على رسول الله (ص) المصائب بهلك خديجة وكانت له وزير صدق على الإسلام يشكو إليها، وبهلك عمه أبي طالب وكان له عضدا وحرزا في أمره، ومنعة وناصرا على قومه، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين، فلما هلك أبو طالب، نالت قريش من رسول الله (ص) من الأذى، ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، فنثر على رأسه ترابا.
قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، قال: لما نثر ذلك السفيه على رأس رسول الله (ص) ذلك التراب، دخل رسول الله (ص) بيته والتراب على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل التراب عن رأسه وتبكي، ورسول الله (ص) يقول لها: ((لا تبكي يا بنية، فإن الله مانع أباك)) قال: ويقول بين ذلك: ((ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب)) (١).
٢ - ويأتي دور المطعم بن عدي بعد دور أبي طالب، وقد رأينا كيف كان المطعم خارجا على بني عبد مناف ومع قريش، لكنه لم يجد مفرا من إجارة محمد (ص) وقد طلب منه ذلك، وعرض نفسه للموت من أجله.
قال ابن كثير: (وقد ذكر الأموي في مغازيه: أن رسول الله (ص) بعث أريقط إلى الأخنس (٢) بن شريق، فطلب منه أن يجيره بمكة، فقال: إن
стр. 210
حليف قريش لا يجير على صميمها. ثم بعثه إلى سهيل بن عمرو (١) ليجيره. فقال: إن بني عامر بن لؤي لا تجير بني كعب بن لؤي. فبعثه إلى المطعم بن عدي ليجيره. فقال: نعم! قل له فليأت .. فذهب إليه رسول الله (ص)، فبات عنده تلك الليلة، فلما أصبح خرج معه هو وبنوه ستة، أو سبعة، متقلدي السيوف جميعا، فدخلو المسجد وقال لرسول الله (ص): طف. واحتبوا بحبائل سيوفهم في المطاف، فأقبل أبو سفيان إلى مطعم فقال: أمجير أم تابع؟ قال: بل مجير. قال: إذا لا تخفر. فجلس معه حتى قضى رسول الله (ص) طوافه، فلما انصرف انصرفوا معه، وذهب أبو سفيان إلى مجلسه. قال: فمكث أياما، ثم أذن في الهجرة، فلما هاجر رسول الله (ص) إلى المدينة توفي المطعم بن عدي من بعده بيسير، فقال حسان بن ثابت: والله لأرثينه، فقال فيما قال:
فلو كان مجد خلد اليوم واحدا ... من الناس نحى مجده اليوم مطعما
أجرت رسول الله منهم فأصبحوا ... عبادك ما لبى محل وأحرما
فلو سئلت عنه معد بأسرها ... وقحطان أو باقي بقية جرهما
لقالوا هو الموفي بخفرة جاره ... وذمته يوما إذا ما تجشما
وما تطلع الشمس المنيرة فوقهم ... على مثله فيهم أعز وأكرما
إباء إذا يأبى وألين شيمة ... وأنوم عن جار إذا الليل أظلما
стр. 211
قلت: ولهذا قال النبي (ص) يوم أساري بدر: ((لو كان المطعم بن عدي حيا ثم سألني في هؤلاء النقباء وهبتهم له)) (١).
٣ - وحين يمس الجوار حرية الدعوة فتختلف الصورة، وتختلف إمكانية الاستفادة منه. ونجد النموذج المتجسد في ذلك من خلال جور ابن الدغنة سيد القارة (٢) لأبي بكر ﵁.
فعن عائشة ﵂ قالت:
(.... لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله (ص) طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرا قبل الحبشة، حتى إذا بلغ الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر، فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأنا أريد أن أسيح في الأرض، فأعبد ربي. قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج ولا يخرج، فإنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار فارجع، فاعبد ربك ببلادك، فارتحل ابن الدغنة، فرجع مع أبي بكر، فطاف في أشراف كفار قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج ولا يخرج أتخرجون رجلا يكسب
стр. 212
المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف .. ويعين على نوائب الحق؟ فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة، وآمنوا أبا بكر، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر، فليعبد ربه في بيته، فليصل، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا. قال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بالصلاة والقراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وبرز، فكان يصلي فيه، فيتقصف (١) عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظروق إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأجزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا له: إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في دار، وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة، وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فأته، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك، فله أن يرد إليك ذمتك، فإنا كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.
قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة أبا بكر، فقال: قد علمت الذي عقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. قال أبو بكر: إني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله) (٢).
٤ - هذا، ولا يعني جواز الاستفادة من هذه المظاهر والقيم الجاهلية
стр. 213
حين لا تتعارض مع حرية الدعوة، أن على المسلم أن يفعلها، فقد يؤثر المسلم الداعية الصبر على الأذى في سبيل الله، ولا يدع في عنقه منا ومعروفا لمشرك، كما فعل عثمان بن مظعون ﵁.
قال ابن إسحاق:
(وكان ممن دخل معهم بجوار عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة .. ولما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب نول الله (ص) من البلاء، وهو يروح ويغدو في أمان الوليد بن المغيرة، قال: والله إن غدوي ورواحي في جوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى ما لا يصيبني، لنقص كبير في نفسي، فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك، وقد رددت إليك جوارك. قال: لم يابن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي، قال: لا ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد فاردد علي جواي علانية كما أجرتك علانية. قال: فانطلقا، فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد بن المغيرة: هذا عثمان قد جاء يرد علي جواري، قال: صدق قد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكن قد أحبيت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره، ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة في مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. قال عثمان: صدقت. فقال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل. قال عثمان: كذبت نعيم الجنة لا يزول. قال لبيد:
يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا،
стр. 214
فلا تجدن في نفسك من قوله، فرد عليه عثمان حتى شري (١) أمرهما. فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضرها (٢) والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان. فقال: أما والله يابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت في ذمة منيعة. قال يقول عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك، وأقدر يا أبا عبد شمس، فقال له الوليد: هلم يابن أخي إن شئت فعد إلى جوارك، فقال: لا) (٣).
وهو الموقف نفسه الذي وقفه عمر ﵁ حين وفض جوار خاله.
والملاحظ أن ظاهرة الجوار هذه تمس الأحرار فقط، أما العبيد والموالي فلا حق لهم بذلك، ومن أجل هذا، وجدنا التعذيب الذي كان ينزل على المستضعفين في مكة، ولا ينقذهم منه إلا عتقهم أو شراؤهم.
ونشير كذلك إلى أن رسول الله (ص) لقي من الأذى ما لقيه أصحابه رغم منعة وجوار أبي طالب، فهم يعلمون أن منبع الخطر كله منه، وهو ليس كواحد من أصحابه.
ونلاحظ أن الوفاء بالجوار، واحترامه كان قائما في حدود معقولة،
стр. 215
وإخفار الجوار يعني إعلان الحرب، وما أحوجنا إلى تسخير قيم الجاهلية وقوانينها، وأعرافها في عصرنا الحاضر لحماية الدعوة من الحرب وحماية الدعاة من الإبادة؟!!
***