← Сира

Сира · id 14326

فقه السيرة النبوية لمنير الغضبان

منير الغضبان

Полный текст (742 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قلت: ولهذا قال النبي (ص) يوم أساري بدر: ((لو كان المطعم بن عدي حيا ثم سألني في هؤلاء النقباء وهبتهم له)) (١). ٣ - وحين يمس الجوار حرية الدعوة فتختلف الصورة، وتختلف إمكانية الاستفادة منه. ونجد النموذج المتجسد في ذلك من خلال جور ابن الدغنة سيد القارة (٢) لأبي بكر ﵁. فعن عائشة ﵂ قالت: (.... لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله (ص) طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرا قبل الحبشة، حتى إذا بلغ الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر، فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأنا أريد أن أسيح في الأرض، فأعبد ربي. قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج ولا يخرج، فإنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار فارجع، فاعبد ربك ببلادك، فارتحل ابن الدغنة، فرجع مع أبي بكر، فطاف في أشراف كفار قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج ولا يخرج أتخرجون رجلا يكسب

стр. 212

المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف .. ويعين على نوائب الحق؟ فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة، وآمنوا أبا بكر، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر، فليعبد ربه في بيته، فليصل، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا. قال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بالصلاة والقراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وبرز، فكان يصلي فيه، فيتقصف (١) عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظروق إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأجزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا له: إنا كنا أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في دار، وإنه جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره وأعلن الصلاة والقراءة، وقد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فأته، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك، فله أن يرد إليك ذمتك، فإنا كرهنا أن نخفرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة أبا بكر، فقال: قد علمت الذي عقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترد إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. قال أبو بكر: إني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله) (٢). ٤ - هذا، ولا يعني جواز الاستفادة من هذه المظاهر والقيم الجاهلية

стр. 213

حين لا تتعارض مع حرية الدعوة، أن على المسلم أن يفعلها، فقد يؤثر المسلم الداعية الصبر على الأذى في سبيل الله، ولا يدع في عنقه منا ومعروفا لمشرك، كما فعل عثمان بن مظعون ﵁. قال ابن إسحاق: (وكان ممن دخل معهم بجوار عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة .. ولما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب نول الله (ص) من البلاء، وهو يروح ويغدو في أمان الوليد بن المغيرة، قال: والله إن غدوي ورواحي في جوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى ما لا يصيبني، لنقص كبير في نفسي، فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك، وقد رددت إليك جوارك. قال: لم يابن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي، قال: لا ولكني أرضى بجوار الله ولا أريد أن أستجير بغيره. قال: فانطلق إلى المسجد فاردد علي جواي علانية كما أجرتك علانية. قال: فانطلقا، فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد بن المغيرة: هذا عثمان قد جاء يرد علي جواري، قال: صدق قد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكن قد أحبيت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره، ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة في مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. قال عثمان: صدقت. فقال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل. قال عثمان: كذبت نعيم الجنة لا يزول. قال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا،

стр. 214

فلا تجدن في نفسك من قوله، فرد عليه عثمان حتى شري (١) أمرهما. فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضرها (٢) والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان. فقال: أما والله يابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت في ذمة منيعة. قال يقول عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك، وأقدر يا أبا عبد شمس، فقال له الوليد: هلم يابن أخي إن شئت فعد إلى جوارك، فقال: لا) (٣). وهو الموقف نفسه الذي وقفه عمر ﵁ حين وفض جوار خاله. والملاحظ أن ظاهرة الجوار هذه تمس الأحرار فقط، أما العبيد والموالي فلا حق لهم بذلك، ومن أجل هذا، وجدنا التعذيب الذي كان ينزل على المستضعفين في مكة، ولا ينقذهم منه إلا عتقهم أو شراؤهم. ونشير كذلك إلى أن رسول الله (ص) لقي من الأذى ما لقيه أصحابه رغم منعة وجوار أبي طالب، فهم يعلمون أن منبع الخطر كله منه، وهو ليس كواحد من أصحابه. ونلاحظ أن الوفاء بالجوار، واحترامه كان قائما في حدود معقولة،

стр. 215

وإخفار الجوار يعني إعلان الحرب، وما أحوجنا إلى تسخير قيم الجاهلية وقوانينها، وأعرافها في عصرنا الحاضر لحماية الدعوة من الحرب وحماية الدعاة من الإبادة؟!! ***

стр. 216

الفصل السادس عشر وطن الداعية حيث مصلحة الدعوة رغم مظاهر الجوار التي شهدناها في الفصل السابق، لكن هذه المظاهر كانت تتركز على الحماية الشخصية للداعية دون أن يملك حريته كاملة في الدعوة لدينه، والعبادة في مجتمعه، وليس كل جنود الدعوة يملكون حتى هذه الحماية المحدودة. وحين يقوى ساعد الدعوة، كان الإرهاب يزداد، والأذى يشتد، ويبذل المشركون كل ما يملكون في حرب هذا الدين الجديد. وكان رسول الله (ص) يتفطر قلبه لما يصيب أصحابه من هذا، وهو غير قادر على منعه، وكان لا بد أن يبحث عن موطن آمن لأصحابه ودعوته، فكان التوجيه الأول منه (ص) إلى الحبشة. (فعن أم سلمة ﵂ قالت: لما ضاقت مكة وأوذي أصحاب رسول الله (ص) وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله (ص) لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله (ص) في منعة من قومه ومن عمه لا يصل إليه شيء مما يكره، ومما ينال أصحابه فقال لهم رسول الله (ص): ((إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده، حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم

стр. 217

فيه)) فخرجنا إليها إرسالا حتى اجتمعنا بها) (١). الهجرة إلى الحبشة: وكان أول من هاجر صهر رسول الله (ص) وابنته. فعن أنس بن مالك قال: خرج عثمان بن عفان ومعه امرأته رقية بنت نرسول الله (ص)، إلى أرض الحبشة فأبطأ على رسول الله (ص) خبرهما، فقدمت امرأة من قريش، فقالت: يا محمد قد رأيت ختنك ومعه امرأته، قال: ((على أي حال رأيتهما؟)) قالت: رأيته قد حمل امرأته على حمار من هذه الدبابة، وهو يسوقها، فقال رسول الله (ص): ((صحبهما الله، إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط عيه السلام))) (٢). قال ابن إسحاق: وكان أول من خرج من المسلمين من بني أمية بن عبد شمس عثمان بن عفان

стр. 218

معه امرأته رقية بنت رسول الله (ص). ومن بني عبد شمس: أبو حذيفة بن عتبة، معه امرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي. ومن بني أسد بن عبد العزى بن قصي، الزبير بن العوام بن خويلد. ومن بني عبد الدار بن قصي مصعب بن عمير. ومن بني زهرة بن كلاب عبد الرحمن بن عوف. ومن بني مخزوم أبو سلمة بن عبد الأسد، ومعه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة. ومن بني جمح عثمان بن مظعون. ومن بني عدي بن كعب عامر بن ربيعة حليف آل الخطاب، من عنز بن وائل، معه امرأته ليلى بنت أبي حثمة. ومن بني عامر بن لؤي أبو سبرة بن أبي رهم. ومن بني الحارث بن فهر سهيل بن بيضاء. فكان هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة: وكان عليهم عثمان بن مظعون فيما ذكر لي بعض أهل العلم) (١). والملاحظ في هذه الطليعة الأولى من المهاجرين أنها من أكرم البيوتات المكية وأعرقها. ولعل رسول الله (ص) أراد أن يرتاد المكان هناك، ويعرف إمكانية الإقامة لجنده في الحبشة، ومن أجل هذا كان بينهم خيرة أصحابه؛ فثلاثة من المبشرين بالجنة كانوا بين هؤلاء العشرة، وهم عثمان بن عفان، والزبير

стр. 219

بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف. وليس فيهم من الموالي أو العبيد أو المغمورين أحد. وعندما كانت الأخبار تفد بحسن المقام، وطيب الجوار، توافد المسلمون أرسالا حتى بلغوا ثلاثة وثمانين رجلا واثنتي عشرة أمرأة. ويمكن القول أن جل أصحاب رسول الله (ص) قد مضى إلى الحبشة، فعندما أسلم عمر ﵁ بعد الهجرة الأولى إلى الحبشة كان عدد المسلمين أربعين في رواية وفي الروية الأخرى سبعين. ولم تكن هجرة من هاجر إلى الحبشة مقصورة على الفرار من الفتنة فقط، بل صحبها محاولة إقامة قاعدة صلبة للدعوة هناك تحميهم. وحيث أن الحماية ليست متوفرة في مكة إلا لنفر محدود، ولم تعد مكة أرضا آمنة لها، فلا بد من البحث عن موقع آخر يمكن أن يكون عاصمة ثانية لها. يقول الشهيد سيد قطب ﵀: (ولقد سبق الاتجاه إلى يثرب، لتكون قاعدة للدعوة الجديدة ... سبقها الاتجاه إلى الحبشة حيث هاجر إليها كثير من المؤمنين الأوائل. والقول بأنهم هاجروا لمجرد النجاة بأنفسهم لا يستند إلى قرائن قوية. فلو كان الأمر كذلك، لهاجر إذن أقل الناس جاها وقوة ومنعة من المسلمين، غير أن الأمر كان على الضد من هذا، فالموالي المستضعفون الذين كان ينصب عليهم معظم الاضطهاد والتعذيب والفتنة لم يهاجروا، إنما هاجر رجال ذوو عصبيات، لهم من عصبيتهم - في بيئة قبلية - ما يعصمهم من الأذى، ويحميهم من الفتنة؛ وكان عدد القرشيين يؤلف غالبية المهاجرين، منهم جعفر بن أبي طالب، (وأبوه

стр. 220

وفتيان بني هاشم معه الذين كانوا يحمون النبي (ص)) ومنهم الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة المخزومي، وعثمان بن عفان الأموي ... وغيرهم. وهاجرت نساء كذلك من أوساط البيوت الكبيرة في قريش، وأبناؤها الكرام المكرمون، يهاجرون بعقيدتهم، فرارا من الجاهلية، تاركين وراءهم كل وشائج القربى، في بيئة قبلية تهزها هذه الهجرة على هذا النحو هزا عنيفا، وبخاصة حين يكون من بين المهاجرين مثل أم حبيبة، بنت أبي سفيان زعيم الجاهلية، وأكبر المتصدين لحرب العقيدة الجديدة وصاحبها .. ولكن مثل هذه الأسباب، لا ينفي احتمال أن تكون الهجرة إلى الحبشة أحد الاتجاهات المتكررة في البحث عن قاعدة حرة، أو آمنة على الأقل للدعوة الجديدة .. وبخاصة حين نضيف إلى هذا الاستنتاج ما ورد عن إسلام نجاشي الحبشة، ذلك الإسلام الذي لم يمنعه من إشهار إلا ثورة البطارقة عليه، كما ورد في روايات صحيحة) (١). ونستطيع أن نتأكد من هذه المعاني من خلال المقابلة العظيمة التي تمت بين جعفر والنجاشي بعد المحاولة الضخمة التي قامت بها قريش لتحطيم هذه القاعدة الآمنة الجديدة. قال ابن إسحاق: ثم خرج جعفر بن أبي طالب ﵁ وتابع المسلمون حتى

стр. 221

اجتمعوا بأرض الحبشة، فكانوا بها، منهم من خرج بأهله معه، ومنهم من خرج بنفسه لا أهل له معه. فكان جميع من لحق بأرض الحبشة، وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا وولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلا إن كان عمار ابن ياسر فيهم. وكان مما قيل من الشعر في الحبشة، أن عبد الله بن الحارث بن سهم، حين أمنوا بأرض الحبشة وحمدوا جوار النجاشي، وعبدوا الله لا يخافون على ذلك أحدا، وقد أحسن النجاشي جوارهم حين نزلوا به، قال: يا راكبا بلغن عني مغلغلة (١) ... من كان يرجو بلاغ الله والدين كل امرىء من عباد الله مضطهد ... ببطن مكة مقهور ومفتون أنا وجدنا بلاد الله واسعة ... تنجي من الذل والمخزاة والهون فلا تقيموا على ذل الحياة وخز ... ي في الممات وعيب غير مأمون إنا تبعنا رسول الله واطرحوا ... قول النبي وعالوا في الموازين فاجعل عذابك بالقوم الذين بغوا ... وعائذا بك أن يعلو فيطغوني) (٢) قريش تحاول إعادة المهاجرين إليها: وما كان لمكة أن تصبر على هذا الموقع الجديد الذي به محمد (ص)، حتى ولو كان في الحبشة.

стр. 222

قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام المخزومي، عن أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة زوج رسول الله (ص) قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا فيها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤدى، ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين، وأن يهدوا النجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعحب ما يأتيه الأدم (١)، فجمعوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا بطريقا من بطاريتقه إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص، وأمروهما بأمرهم وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه، ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم. قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي، ونحن بخير دار عند خير جار، فلم يبق بطريق إلا دفعا إليه هديته، قبل أن يكلما النجاشي .. ثم إنهما قدما هداياهما إلى النجاشي، فقبلها منهم، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى (٢) بهم عينا،

стр. 223

وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله ابن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي، قالت: فقال بطارقته حوله: صدقا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما. فليرداهم إلى بلادهم وقومهم. قالت: فغضب النجاشي، ثم قال: لاها الله، إذن لا أسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانو كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانو على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني. قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله (ص) فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعو ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا (ص) كائنا في ذلك ما هو كائن، فلما جاؤوا وقد دعا النجاشي أساقفته (١) فنشروا مصاحفهم حوله سألهم فقال لهم: ما هذا الذي فارقتم به قومكم، ولم تدخلو به في ديني، ولا في دين أحد من هذه الملل؟ فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب. فقال له: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي

стр. 224

الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قالت: فعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، ولم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا. فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك. قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه علي، قالت: فقرأ عليه صدر من ﴿كهيعص﴾ قالت: فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته (١)، وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال لهم: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما.

стр. 225

تخطيط ذكي جديد: قالت: فلما خرجا من عنده، قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا عنهم بما استأصل خضراءهم (١) فقال له عبد الله بن أبي ربيعة، وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا، قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد. قالت: ثم غدا عليه من الغد فقال له: أيها الملك: إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه. قالت: فأرسل إليهم ليسألهم عنه. قالت: ولم ينزل بنا مثلها قط، فاجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله ما قال الله، وجاءنا به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن. قالت: فلما دخلوا عليه، قال لهم: ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟ قالت: فقال جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبينا (ص)، يقول: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. قالت: فضرب النجاشي بيده في الأرض، فأخذ منها عودا ثم قال: والله ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود. قالت: فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال: فقال: وإن نخرتم والله اذهبوا فأنتم شبوم بأرضي .. والشبوم: الآمنون، من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم. ما أحب أن لي

стр. 226

دبرا (١) من ذهب، وأني آذيت رجلا منكم. ردوا عليهم هداياهم، فوالله ما أخذ الله الرشوة مني حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه. وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحين، مردودا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار. مؤامرة جديدة تتحطم: قالت: فوالله إنا لعلى ذلك، إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه، قالت: فوالله ما علمنا حزنا حزنا قط. كان أشد علينا من حزن حزنا عند ذلك. تخوفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه. قالت: وسار إليه النجاشي، وبينهما عرض النيل. قالت: فقال أصحاب رسول الله (ص): من رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزبير بن العوام: أنا. قالوا: فأنت. وكان من أحدث القوم سنا. فنفخوا له قربة فجعلها في صدره. ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم. قالت: فدعونا الله تعالى للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده. قالت: فوالله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن، إذ طلع الزبير وهو يسعى، فلمع (٢) بثوبه وهو يقول: ألا أبشروا فقد ظفر النجاشي، وأهلك الله

стр. 227

عدوه، ومكن له في بلاده. قالت: فوالله ما علمتنا فرحنا فرحة مثلها. قالت: ورجع النجاشي، وقد أهلك الله عدوه، ومكن له في بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله (ص) وهو بمكة) (١). ... ونقف عند هذا الحدث لنفقه بعض دروسه لأهميته: ١ - رسول الله هو الذي وجه الأنظار إلى الحبشة، وهو الذي اختار المكان الآمن لجماعته ولدعوته، كي يحميها من الإبادة. وهذا يقتضي من قيادة الدعوة الإسلامية في كل عصر أن تخطط بحكمة وعمق بالغين لحماية الدعوة والدعاة، وتبحث عن الأرض الآمنة، التي تكون عاصمة احتياطية للدعوة، ومركزا من مراكز انطلاقها فيما لو تعرض المركز الرئيسي للخطر، أو وقع احتمال اجتياحه. فجنود الدعوة هم الثروة الحقيقية، وهم الذين تنصب الجهود كلها لحفظهم وحمايهم، دون أن يتم أي تفريط بأرواحهم وأمنهم، وداعية واحد يعادل كل كفار الأرض بل يرجح عليهم. ٢ - واختيار النوعيات الجيدة لهذه المهمات، كذلك هو الذي يضمن نجاح مثل هذه المهمة - وهي مهمة شاقة ولا شك أن تفتح أرضا جديدة وتكسب موقعا جديدا - فقرة عين أصحاب محمد (ص) توجهوا لهذه

стр. 228

المهمة، وكانت على دفعتين، ومنذ أن تم التأكد من سلامة الموقع الجديد راح أكثر الصحب إليه. وقد أوكل الأمر لجعفر ﵁ بعد عثمان بن مظعون. ٣ - ووجود ابن عم رسول الله وصهر رسول الله، وابنة رسول الله (ص) ذو دلالة عميقة على أن الأخطار لا بد أن يتجشمها المقربون إلى القائد وأهله ورحمه. أما أن يكون خواص القائد في منأى عن الخطر، ويدفع إليه الأبعدون غير ذوي المكانة، فهو خط خارج على منهح سيد الدعاة صلوت الله عليه، لقد كان عثمان ورقية كما قال ﵊ عنهما: ((إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط ﵇). ٤ - ويجب أن لا يغيب عن الذهن طبيعة المعركة بين الإسلام والكفر وأنها عملية بقاء أو فناء. فلم ترض قريش بخروج أكثر أصحاب محمد عنها، رغم نأي الحبشة وبعدها، ولم تسكت، إنما راحت تلاحقهم إلى هناك، خشية امتدادهم وقوتهم، وتحاول أن تنزع هذا الموقع منهم في تخطيط محكم ذكي. فالهدايا إلى النجاشي، والهدايا إلى بطارقته، ووضع الخطة داخل مكة، كيف توزع الهدايا، وماذا يرافق التوزيع من الكلام، ونوعيات الرسل في ذلك، فعمرو من أصدقاء النجاشي، وهو قادر على تأدية الدور الفعال في هذه المهمة. وما أحوجنا إلى أن لا نستصغر عدونا، وأن لا ننام عن مخططاته، وأن نعطيه حجمه الحقيقي وندرس كل تحركاته، لنعرف كيف نواجه هذه التحركات.

стр. 229

٥ - وكان وعي القيادة النبوية، وقيادة المسلمين في الحبشة على مستوى الأحداث والمهمات التي انطلقوا من أجلها، وبعثوا لصنعها. فأبو طالب أسرع برسالته إلى النجاشي منذ اللحظة التي تحرك وفد قريش فيها إليه. ألا ليت شعري كيف في النأي (١) جعفر ... وعمرو وأعداء العدو الأقارب وهل نالت أفعال النجاشي جعفرا ... وأصحابه أو عاق ذلك شاغب (٢) تعلم - أبيت اللعن - أنك ماجد ... كريم فلا يشقى لديك المجانب (٣) تعلم بأن الله زادك بسطة ... وأسباب خير كلها بك لازب (٤) وأنك فيض ذو سجال عزيزة ... ينال الأعادي نفعها ولأقارب) (٥) والمسلمون على وعي بما يجري، ولعل الأخبار قد وصلت إليهم بتحرك الوفد، لكنهم غير قادرين على الدخول على الملك، أو الوصول إلى حاشيته فلا يملكون الهدايا التي يقدمون، ولا يملكون الصداقة التي تحرك خصومهم من خلالها. فقد يملك العدو من الوسائل ما يعجز عنه الصف المؤمن في

стр. 230

تحرك هذا العدو لحرب هذا الدين، لكن هذا لا يعذر الصف المؤمن أن يقف مكتوف الأيدي أمام إمكانات خصمه. ٦ - ورغم أن الخطة نفذت بحذافيرها كاملة، غير أنها باءت بالفشل، لأن شخصية النجاشي العظيمة - والتي تم اختيار جوارها - رفضت أن تسلم المسلمين قبل أن تسمع منهم. وبذلك أتاحت الفرصة أمام الدعاة إلى الله ليثبتوا وجودهم. ولعلها تكون فرصة فريدة إن أحسن الدعاة الاستفادة منها، فتحت أمامهم آفاقا جديدة للنصر - وإن ضيعوها كانوا لسوها أضيع - ومن أجل ذلك اجتمع الصحب حين جاءهم رسول النجاشي للحضور، وتدارسوا الموقف من جميع وجوهه، ةاستقر الرأي عندهم أن يعرضوا مبادىء الدين أمام النجاشي، كما علمهم ربهم ونبيهم، والله تعالى حسبهم، فما خرجوا إلا لأجل هذا الدين. وفي مثل هذه المواقف تنزلق الأقدام، وتزل القلوب، فكثيرا ما يتوهم الدعاة أنهم لو صارحوا بحقيقة مبادئهم لخسروا حياتهم ومركزهم، وتبدأ نقطة الانحراف صغيرة، ثم تنفرج الزاوية، فإذا بالدعاة إلى الله ينسون رسالتهم التي لاقوا ما لاقوا من أجلها، وتصبح القضية عندهم أمنهم وراحتهم، وحياتهم، لا حياة دعوتهم، وانتشار دينهم. وعصم الله تعالى صحب نبيه من هذه الزلة، ولا غرو، فهم صفوة الصحب الذين تربوا بين يدي رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. ٧ - ولا بد هنا من الوقوف مليا للتفريق بين نقطتين:

стр. 231

النقطة الأولى: الفكرة والمبدأ الذي يجب أن يعرض. النقطة الثانية: أسلوب عرض المبدأ والفكرة. وكثيرا ما يختلط الأمر لدى الدعاة إلى الله، فيطيحون بالأسلوب جانبا، ويقدمون ما يحفظون من نص، مهما كان أسلوب عرضه، فيخفقوا لعدم وجود الحكمة التي أمرهم الله تعالى بها ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (١)، فيعودوا بالإخفاق على الناس وباللوم منهم وسبابهم، دون أن يدركوا أنهم هم الذين نفروا الناس بأسلوبهم الفج، ولم يكونوا دعاة إلى الله ورسوله. ولعل الوقوف أمام الأسلوب الرائع الأخاذ الذي عرض به جعفر ﵁ دين الله تعالى، يبصر دعاة اليوم، بمنهج الدعوة، وطريقها. ٨ - وقبل المضي في الحديث عن الأسلوب يحسن الوقوف أمام شخصية جعفر ﵁، الذي تم اختياره من المسلمين ليكون خطيبا لله ورسوله بين يدي الملوك، بين يدي النجاشي، وليتمكن من مواجهة داهية العرب عمرو بن العاص، وبليغهم كذلك الذي كان عمر بن الخطاب ﵁ يضرب المثل بفصاحته حين يرى عييا يتكلم فيقول: سبحان الله خالق هذا، وخالق عمرو بن العاص واحد. (أ) فجعفر بن أبي طالب، ألصق الناس برسول الله (ص)،

стр. 232

فقد عاش معه في بيت واحد، فهو أخبر الناس بقائد الدعوة وسيد الأمة بين كل المهاجرين إلى الحبشة. (ب) وهذا الموقف بين يدي النجاشي يحتاج إلى فصاحة وبلاغة، وبنو هاشم قمة قريش نسبا وفضلا وجعفر في الذؤابة من بني هاشم. والله تعالى قد اختار هاشما من بني كنانة، واختار نبيه من بني هاشم، فهم أفصح الناس لسانا وأوسطهم نسبا. (ج) وجعفر ابن عم رسول الله (ص)، ولا شك حين يتكلم أمام النجاشي ابن عم المبعوث رحمة للعالمين وأقرب الناس إليه، يجعل النجاشي أكثر اطمئنانا وثقة بما يعرض عن ابن عمه. ولنسمع لجانب من هذه الرواية حول أهمية قرابة جعفر: قال عمير بن إسحاق: حدثني عمرو بن العاص قال: لما رأيت جعفرا وأصحابه آمنين بأرض الحبشة حسدته، قلت: لأستقيلن لهذا وأصحابه فأتيت النجاشي فقلت: ائذن لعمرو بن العاص فأذن لي، فدخلت فقلت: إن بأرضنا ابن عم لهذا (يعني جعفرا) يزعم أنه ليس للناس، إلا إله واحد، وإنا والله إن لم ترحنا منه وأصحابه لاقطعت إليك هذه النطفة ولا أحد من أصحابي أبدا. فقال: وأين هو؟ قلت: إنه يجيء مع رسولك. إنه لا يجيء معي. فأرسل معي رسولا، فوجدناه قاعدا بين أصحابه فدعاه فجاء، فلما أتيت الباب ناديت ائذن لعمرو بن العاص ونادى خلفي ائذن

стр. 233

لحزب الله . فسمع صوته. فأذن له قبلي فدخل ودخلت. وإذا النجاشي على السرير، قال: فذهبت حتى قعدت بين يديه وجعلته (أي جعفر) خلفي. وجعلت بين كل رجلين من أصحابه رجلا من أصحابي، فقال النجاشي: نجروا (أي تكلموا) قلت: إن بأرضك رجلا ابن عمه في أرضنا، ويزعم أنه ليس للناس إلا إله واحد، وإنك إن لم تقطعه وأصحابه لا أقطع إليك هذه النطفة أنا ولا أحد من أصحابي أبدا. قال جعفر: صدق ابن عمي، وأنا على دينه. فصاح صياحا وقال: أوه، حتى قلت: ما لابن الحبشية لا يتكلم. فقال: أناموس كناموس موسى؟ قال: ما تقولون في عيسى بن مريم. قال: أقول هو روح الله وكلمته، قال: فتناول شيئا من الأرض. فقال: ما أخطأ في أمره مثل هذا. فوالله لولا ملكي لاتبعتكم. وقال لي: ما كنت أبالي أنك لا تأتيني أنت ولا أحد من أصحابك أبدا. (وقال لجعفر): أنت آمن في أرضي، من ضربك قتلته، ومن سبك غرمته، وقال لآذنه: متى استأذنك هذا فائذن له إلا أن أكون عند أهل، فإن أتى فأذن له) (١).

стр. 234

(د) ويكفينا عن هذه الأمور جميعا أهم جانبين في جعفر بن أبي طالب، شهد له بهما رسول الله (ص) وهما: خلق جعفر القابس من مشكاة النبوة، وجمال خلقه المنحدر من أصلاب النبوة. فعن عبد الله بن أسلم مولى رسول الله (ص) أن رسول الله (ص) قال لجعفر: ((أشبهت خلقي وخلقي)) (١). فالخطيب بين يدي النجاشي عنده سمة النبي (ص) في هيئته، وسمته في خلقه، وكفى بذلك خرا، فطاقات النجاح المهمة إذن متوفرة لديه. ٩ - اختار جعفر ﵁ للإجابة التي وجدها فرصة سانحة بين يدي النجاشي الأسلوب الأمثل في العرض من خلال الخطوات التالية: (أ) وصف ما كان عليه أهل الجاهلية، وركز على الصفات الذميمة التي لا تنتزع إلا بنبوة. (ب) عرض شخصية الرسول (ص) في هذا المجتمع الآسن المليىء بالرذائل. وكيف كان بعيدا عن هذه النقائص كلها، ومعروفا بنسبه وصدقه وأمانته وعفافه. فهو المؤهل للرسالة. (ج) تحدث عن المبادىء العامة للدعوة أو عرض أخلاقيات هذا الدين التي تلتقي مع كل أخلاقيات دعوات الأنبياء، نبذ عبادة الأوثان، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن

стр. 235

الجوار، والكف عن المحارم والدماء، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكون النجاشي وبطارقته موغلون في النصرانية فهم يدركون أن هذه رسالات الأنبياء التي بعثوا بها من لدن موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام. (د) فضح ما فعلته قريش بهم لأنهم رفضوا عبادة الحجارة وآمنوا بما نزل على محمد وتخلقوا بخلقه. (ش) أحسن الثناء على الملك بما هو أهله أنه لا يظلم عنده أحد، وأنه يقيم العدل في قومه. (و) وأوضح أنهم اختاروه كهفا من دون الناس فرارا من ظلم هؤلاء الذين يطالبون بهم. وبهذه الخطوات البينة الواضحة، دحر بلاغة عمرو فصاحته، واستأثر بلب النجاشي وعقله، وكذلك استأثر بلب وعقل البطارقة والقسيسين الحاضرين. (ز) وعندما طلب الملك النجاشي شيئا مما نزل على محمد، جاء صدر سور مريم في غاية الإحكام والروعة، والتأثير، حتى بكى النجاشي وأساقفته وبلوا لحاهم ومصاحفهم من الدموع. إن عبقرية جعفر ﵁ في حسن اختيار الموضوع، والزمن المناسب، والقلب المتفتح، والشحنة العاطفية، أدت إلى أن يربح الملك إلى جانبه ليكون جنديا من جنود الدعوة. ١٠ - ولا أرى بأسا من عرض رواية ثالثة كذلك تعطينا إضاءات أكثر حول الداعية العظيم جعفر ﵁. لتكون نبراسا بين يدينا نتأسى بها ونحن على طريق الدعوة.

стр. 236

(فعن عروة بن الزبير ﵁ قال: (... فبعثت قريش في آثارعم عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي، وعمرو بن العاص السهمي، وأمروهما أن يسرعا السير حتى يسبقاهم إلى النجاشي. ففعلا، فقدما على النجاشي فدخلا عليه، فقالا له: إن هذا الرجل الذي بين أظهرنا، وأفسد فينا، تناولك ليفسد عليك دينك، وملكك، وأهل سلطانك، ونحن لك ناصحون .. وأنت لنا عيبة صدق، تأتي إلى عشيرتنا بالمعروف، ويأمن تاجرنا عندك، فبعثنا قومنا إليك لننذرك فساد ملكك، وهؤلاء نفر من أصحاب الرجل الذي خرج فينا، ونخبرك بما نعرف من خلافهم الحق، أنهم لا يشهدون أن عيسى بن مريم إلها ولا يسجدون لك إذا دخلوا عليك، فادفعهم إلينا فلنكفيكهم. فلما قدم جعفر وأصحابه وهم على ذلك من الحديث، وعمر وعمارة عند النجاشي وجعفر وأصحابه على ذلك الحال، قال: فلما رأوا أن الرجلين قد سبقا ودخلا، صاح جعفر على الباب: يستأذن حزب الله. فسمعها النجاشي، فأذن لهم، فدخلوا عليه، فلما دخلوا وعمرو وعمارة عند النجاشي، قال: أيكم صاح عند الباب؟ فقال جعفر: أنا هو. فأمره، فعاد لها، فلما دخلوا وسلموا تسليم أهل الإيمان، ولم يسجدوا له، فقال عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد: ألم نبين لك خبر القوم؟ فلما سمع النجاشي ذلك أقبل عليهم فقال:

стр. 237

أخبروني أيها الرهط ما جاء بكم؟ وما شأنكم؟ ولستم بتجار، ولا سؤال؟ وما نبيكم هذا الذي خرج؟ وأخبروني ما لكم، لم لا تحيوني كما يحييني من أتاني من أهل بلادكم؟ وأخبروني ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟ فقام جعفر بن أبي طالب وكان خطيب القوم، فقال: إنما كلامي ثلاث كلمات، إن صدقت فصدقني، وإن كذبت فكذبني، فأمر أحدا من الرجلين فليتكلم ولينصت الآخر، قال عمرو: أنا أتكلم. قال النجاشي أنت يا جعفر فتكلم قبله. فقال جعفر: إنما كلامي من ثلاث كلمات، سل هذا الرجل، أعبيد نحن أبقنا من أربابنا؟ فارددنا إلى أربابنا؟ فقال النجاشي: أعبيد هم يا عمرو؟ قال عمرو: بل أحرار كرام. قال جعفر: سل هذا الرجل هل أهرقنا دما بغير حقه؟ فادفعنا إلى أهل الدم. فقال. هل أهرقوا دما بغير حقه؟ فقال: ولا قطرة واحدة من دم. ثم قال جعفر: سل هذا الرجل أخذنا أموال الناس بالباطل؟ فعندنا قضاء. فقال النجاشي: يا عمرو إن كانت على هؤلاء قنطار من ذهب فهو علي. قال عمرو: ولا قيراط. فقال النجاشي: ما تطلبونهم به؟ قال عمرو: فكنا نحن على دين واحد، وأمر واحد فتركوه،

стр. 238

ولزمناه. فقال النجاشي: ما هذا الذي كنتم عليه فتركتموه، وتبعهتم غيره؟ فقال جعفر: أما الذي كنا عليه فدين الشيطان وأمر الشيطان، نكفر بالله ونعبد الحجارة، فأما الذي نحن عليه فدين الله ، نخبرك: أن الله بعث إلينا رسولا كما بعث إلى الذين من قبلنا، فأتانا بالصدق والبر ونهانا عن عبادة الأوثان، فصدقناه، وآمنا به واتبعناه. فلما فعلنا ذلك عادانا قومنا، وأرادوا قتل النبي الصادق، وردنا في عبادة الأوثان، ففررنا إليك بديننا ودمائنا، ولو أقرنا قومنا لاستقررنا، فذلك خبرنا. وأما شأن التحية، فقد حييناك بتحية رسول الله (ص) والذي يحيي به بعضنا بعضا، أخبرنا رسول الله (ص) أن تحية أهل الجنة السلام، فحييناك بالسلام. وأما السجود، فمعاذ الله أن نسجد إلا لله، وأن نعدلك به. وأما في شأن عيسى بن مريم، فإن الله أنزل في كتابه على نبينا أنه رسول قد خلت من قبله الرسل، ولدته الصديقة العذراء البتول الحصان، وهو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وهذا شأن عيسى بن مريم. فلما سمع النجاشي قول جعفر، أخذ بيده عودا ثم قال لمن حوله: صدق هؤلاء النفر، وصدق نبيهم، والله ما يزيد عيسى بن مريم على ما يقول هذا الرجل، ولا وزن هذا العود. فقال لهم النجاشي:

стр. 239

امكثوا فإنكم سيوم - آمنون - قد منعكم الله. وأمر لهم بما يصلحهم، فقال النجاشي: أيكم أدرس للكتاب الذي نزل على نبيكم؟ قالوا: جعفر، فقرأ عليهم جعفر سورة مريم، فلما سمعها عرف أنه الحق، وقال: صدقتم، وصدق نبيكم (ص)، أنتم والله صديقون، امكثوا على اسم الله وبركته آمنين ممنوعين، وألقى عليكم المحبة من النجاشي) (١). ... (أ) لقد كان عمرو بن العاص ﵁ وهو يمثل في تلك المرحلة عداوة الله ورسوله - على مستوى نادر من الذكاء والعبقرية، وكان في عرضه لأمر جعفر قد شحن كل ما لديه من حجة، وألقى بها بين يدي النجاشي من خلال النقاط التالية: (ب) تحدث عن بلبلة جو مكة، وفساد ذات بينها من خلال دعوة محمد (ص)، وهو وافد مكة وممثلها بين يدي النجاشي، فكلامه مصدق لا يعتريه الشك، وهو عند النجاشي موضع ثقته. (ج) طرق على أخطر وتر يخافه الحاكم وهو خطر زوال السلطة، وأتباع محمد الذين جاؤوا إلى الحبشة سيزلزلون الأض تحت قدمي النجاشي، كما أفسدوا جو مكة، ولولا حب قريش للنجاشي وصداقتها معه، ما تعنوا هذا العناء لنصحه (وأنت لنا عبية صدق، تأتي إلى عشيرتنا بالمعروف

стр. 240

ويأ من تاجرنا عندك) فلا أقل من رد المعروف بمثله. لا أقل من أن نفي حسن الجوار والعلاقة بين مكة والحبشة من تحذيره من هذه الفتنة المخيفة. (د) وأخطر ما في أمرهم، هو خروجهم على عقيدة النجاشي، وكفرهم بها (فهم لا يشهدون أن عيسى بن مريم إلها، فليسوا على دين قومهم، وليسوا على دينك، وهم مبتدعة دعاة فتنة). (هـ) ودليل اسصغارهم لشأن الملك، واستخفافهم به، أن كل الناس يسجدون للملك لكنهم لا يفعلون ذلك، فكيف يتم إيواؤهم عندك. وهو عودة إلى إثار الرعب في نفسه من عدم احترام الدعاة له، حين يستخفون بملكه ولا يسجدون له. وما فعله عمرو في هذا الموقف يمثل في كل جيل دقة التخطيط في حرب الإسلام ودعاته، وتغذية الحاكمين بهذا السم الزعاف الذي ينفثونه على الدعاة ليقتلوهم به، هو أن الدعوة الإسلامية ورجالاتها خطر على النظام الحاكم، وخارجة عليه، وسوف تبتلع النظام والحاكم، ما لم يبادر إلى وأدها في مهدها. وتحت هذه الراية أبيد - الذين يأمرون بالقسط من الناس - في كل مكان في الأرض، وعادات الحاكم ويقاليده عرف ودين، ومخالفتها أخطر من مخالفة الدين نفسه. يساق للسجن إن سب المليك وإن ... سب الإله فكل الناس أحرار (و) لم يكن حزب الله غافلا عن المؤمرة، وكان يراقب تحركات العدو، ومن

стр. 241

أجل ذلك أسرع فاسلم زمام المبادرة، ووصل جعفر ووفده، ولم ينتظر حتى تأتي الظروف المواتية لأنها قد لا تأتي، وقد تقع الكارثة، ما لم تتم المبادرة الواعية، ومن أجل ذلك، كان على الباب يستأذن. وبم يستأذن؟ حزب الله يستأذن عليك. فقد لامس بحكمة ولباقة واعية، الجانب الديني في نفس النجاشي، وأراد مباشرة أن يكسر الطوق الذي أحكمه عمرو، في أن قريشا والنجاشي تحت راية واحدة. لقد حطم تلك الراية، ونفذ إلى أعماق النجاشي ليؤكد له أن جعفر ومن معه هم والنجاشي تحت راية واحدة، راية التوحيد، والوحي من الله، والكتاب المنزل من عنده، بينما تخرج قريش خارج هذه الحظيرة، وهم يعبدون الأوثان والأصنام ويقدسونها من دون الله. (ز) ومن أجلها لم يتمالك النجاشي نفسه من الإذن بلا وعي، فهل يتأخر عن الإذن لحزب الله؟! ولانسجامه مع هذا النداء الذي لامس أوتار قلبه، طلب ثانية إعادة الاستئذان من الرجل الذي صرخ (حزب الله يستأذن عليك). (ح) والمعركة على ضراوتها بين عمرو وجعفر، فاهتبل عمرو فرصة عدم سجود جعفر ووفده للملك، وقال مباشرة: ألم نبين لك خبر القوم؟ فقد صدق الواقع قولهم، حين لم يسجدوا للملك، وإذن فكل ما قالوه صحيح، بعد ثبوت جزء من قولهم، وصحته .. وصار

стр. 242

النجاشي في وضع محير، وإن كان لا يزال ألصق بقلبه لعمرو وعمارة. فكانت الأسئلة، وكأنها تحديد الاتهامات المطروحة، بأسلوب لبق من النجاشي: ما شأنكم؟ وما نبيكم الذي خرج؟ وأخبروني لم لا تحيوني كما يحييني من جاءني من أهل بلادكم؟ وأخبروني ماذا تقولون في عيسى بن مريم .. (ط) وبدلا من أن يستسلم جعفر لهذا الهجوم، ويأخذ في الدفاع كان واعيا لكل ما يجري حوله، واستلم ثانية زمام المبادر، ونقل الاتهام إلى عمرو وقومه في كلمات موضحة محددة: إن مطالبة قريش بهم باطلة بشهادة سفير قريش نفسه. ثلاث كلمات دون أن يضيع الوقت في غيرها .. أعبيد هم؟ هل أهرقوا دما بغير حقه؟ هل أخذوا أموال الناس بالباطل؟ وكان الجواب كله لصالح حزب الله، فما كان الجاهليون ليكذبوا في ذلك الوقت: (بل أحرار كرام .. ولا قطرة واحدة من دم .. ولا قيراط). وذلك ليأمن ابتداء من سلامة الأرض التي يقف عليها، قبل الخوض في أمر الدين، فذلك له حديث آخر يأتي في موضعه. (ي) وحين يعرف النجاشي أن القوم أحرار كرام، لم يزهقوا نفسا، ولم يأكلوا

стр. 243

مالا بشهادة أعدائهم أنفسهم، فسيكون سماعه بعدها لعرضهم يختلف عما لو لم تتضح الصورة الآنفة الذكر. لقد هدم جعفر بناء ضخما أقامه عمرو، حين أكد نظافة حزب الله من كل لوثة بإقرار سفير قريش، وأوجد الجو المناسب للحديث عن العقيدة. فليس هدف جعفر فقط أن يحقق الأمان لحزب الله، ولو كان كذلك لانتهى الأمر عند هذا الحد .. الهدف هو النجاشي نفسه، قلبه وعقله وعاطفته، أن يدعى إلى الله على بصيرة، وبغاية الحكمة والدقة .. دون أدنى ذرة من التفريط في دين الله، فربح النجاشي على حساب العقيدة هو خسارة لها في حقيقة الأمر، وليكن .. فسلامة الأسلوب وحسنه لا يعني التحريف في العقيدة ليرضى النجاشي، ويأمن القوم. ونحدد الكلام أكثر، فليس الهدف النجاشي نفسه أن يحمي المؤمنين وينصرهم، بل الهدف أن ينضم النجاشي للدعوة الجديدة .. فما كان الأسلوب إذن انحرافا. (ك) نعم .. هم لا يؤلهون عيسى بن مريم، لكنهم كذلك لا يخوضون في عرض مريم ﵍ كما يخوض الأفاكون، بل عيسى بن مريم كلمته وروحه ألقاها إلى مريم البتول العذراء الطاهرة. وليس عند النجاشي زيادة عما قاله جعفر، ولا مقدار هذا العود. (ل) نعم .. وهم لا يسجدون للنجاشي، فهم معاذ الله أن يعدلونه بالله، ولا

стр. 244

ينبغي السجود إلا لله. (م) وانتهى الأمر بأن أعلن النجاشي صدق القوم، لكن يود أن يطمئن قلبه، فإذا كان هذا شأن الرسالة، فلا بد من سماع كلام مباشر لوحي الله تعالى. فروح الوحي الرباني يتضح لكل ذي عينين مبصر. وتلا جعفر صدر سورة مريم .. فكان برد اليقين الذي نزل على قلب النجاشي .. فهؤلاء صديقون، وحواريون كحواي عيسى، وهو المؤمن الصادق الذي يتمنى أن يكون في خدمة رسول الله الذي يأتيه الناموس كناموس موسى، وهو يتقرب إلى الله بحمايتهم، ويؤكد بعدها لعمرو أنه لا يضيره تجارة قريش، ولا مال قريش ولا جاهها، ولو قطعت علاقتها معه، فهو حامي حمى حزب الله . إن هذا العرض الحي، لأكبر نجاح حققته الدعوة في ذلك الوقت أن تضم إليها ملكا حاكما، لم يتم عرضا وبسهولة، لقد تم بحركة ووعي، وعبقرية في التخطيط والتنفيذ، وحول الكارثة المتوقعة الوشيكة إلى أكبر غنم ظفر به المؤمنون آنذاك حتى ذلك الحين. ومن أجل هذا عندما تعرض النجاشي للخطر، قلق المسلمون، وعرفوا أن اسقرارهم مرتبط بمصيره، وبعثوا الزبير فتى القوم، ليشهد نتائج الثورة على النجاشي، فهم يسابقون الأحداث ويعيشونها .. فلم يشهدو غما حضرهم كالغم في ثورة القوم على النجاشي، ولم يشهدوا فرحة نزلت بهم كفرحهم بفوز النجاشي على خصومه .. هذا وتشير بعض الروايات إلى جانب دقيق في هذا الموضوع، هو أن

стр. 245

النجاشي قد أخفى إيمانه يوم ثارت الأحباش ضده، ليبقي مكز الحبشة آمنا للمسلمين (١). كما تشير كذلك إلى أنه أعد سفينتين للمسلمين في تصور أسوأ الاحتمالات، فيما لو فاز خصومه عليه، فلا تهمه نفسه، لكن تهمه سلامة الدعاة فيهاجروا بها عند الخطر، وينجوا بأنفسهم من الطغيان (٢). ثانيا: عرض رسول الله (ص) نفسه على ثقيف قال ابن إسحاق فحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: لما انتهى رسول الله (ص) إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف هم

стр. 246

يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، هم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو، وحبيب بن عمرو. وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح. فجلس إليهم رسول الله (ص)، فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم: هو يمرط (١) ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول: لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك، فقام رسول الله (ص) من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم - فيما ذكر لي -: ((إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني)) وكره رسول الله أن يبلغ قومه عنه، فيذئرهم (٢) ذلك عليه. فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس، ولجؤوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله (ص) - فيما ذكر لي - المرأة التي من بني جمح، فقال لها: ((ماذا لقينا من أحمائك))) (٣).

стр. 247

وعن عبد الله بن جعفر قال: لما توفي أبو طالب خرج النبي (ص) إلى الطائف ماشيا على قدميه يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه فأتى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بوجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا قوة إلا بك)) (١). قال ابن إسحاق (بسنده السابق): فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة، وما لقي، تحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهم نصرانيا يقال له عداس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له: يأكل منه، ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله (ص) ثم قال له: كل. فلما وضع رسول الله (ص) فيه يده قال: ((بسم الله)) ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله (ص): ((ومن أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟)) قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى، فقال رسول الله (ص):

стр. 248

((من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟)) فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله (ص): ((ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبي)) فأكب عداس على رسول الله (ص) يقبل رأسه ويديه وقدميه. قال: يقول ابنا رييعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك يا عداس! ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي؟ قالا له: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه) (١). وزاد التيمي: (أن عداسا حين سمعه يذكر يونس بن متى قال: والله لقد خرجت منها (يعني نينوى) وما فيها عشرة يعرفون ما متى، فمن أين عرفت أنت متى، وأنت أمي وفي أمة أمية ..) (٢). وعن عروة بن الزبير قال: (... واجتمعوا يستهزئون برسول الله (ص). وقعدوا له صفين على طريقه فأخذوا بأيديهم الحجارة، فجعل لا يرفع رجله ولا يضعها إلا رضخوها بالحجار، وهم في ذلك يستهزئون ويسخرون، فلما خلص من صفيهم وقدماه تسيلان الدماء، عمد إلى حائط كرومهم فأتى ظل حبلة من الكرم (٣) فجلس

стр. 249

في أصلها مكروبا موجعا تسيل قدماه الدماء ..) (١). وقد روى الإمام أحمد عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن خالد بن أبي جبل العدواني: (أنه أبصر رسول الله (ص) في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس - أو عصى - حين أتاهم يبتغي عندهم النصر، فسمعته يقول: ﴿والسماء والطارق﴾ حتى ختمها. قال: فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإسلام. قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه) (٢). وعن عروة بن الزبير ﵁ (أن عائشة ﵂ زوج النبي (ص) حدثته أنها قالث للنبي (ص): هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: ((لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقة إذ عرضت نفسي على عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت، وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب (٣)، فرفعت رأسي، فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد. فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (٤)؟)

стр. 250

فقال النبي (ص): ((بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا)) (١). قال ابن إسحق (بسنده السابق): ثم إن رسول الله (ص) انصرف من الطائف راجعا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان بنخلة (٢). قام من جوف الليل يصلي، فمر عليه النفر من الجن الذين ذكرهم الله ﵎. وهم - فيما ذكر لي - سبعة نفر من جن أهل نصيبين، فاستمعو له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا، وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله خبرهم عليه (ص) قال الله : ﴿وإذا صرفها إليك نفرا من الجن ..﴾ إلى قوله تعالى: ﴿... ويجركم من عذاب أليم﴾ (٣). ... ١ - مع وفاة أبي طالب أخذت المحنة أبعادا جديدة، ومضت قريش دون قيد في صب الأذى على النبي (ص). وكما قال ﵊: ((ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب)) (٤). كان لا بد من البحث عن موقع جديد تنطلق منه الدعوة، بعد
следующие страницы →