يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، هم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو، وحبيب بن عمرو. وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح. فجلس إليهم رسول الله (ص)، فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم: هو يمرط (١) ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك. وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟
وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول: لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك، فقام رسول الله (ص) من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم - فيما ذكر لي -: ((إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني)) وكره رسول الله أن يبلغ قومه عنه، فيذئرهم (٢) ذلك عليه.
فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس، ولجؤوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله (ص) - فيما ذكر لي - المرأة التي من بني جمح، فقال لها: ((ماذا لقينا من أحمائك))) (٣).
стр. 247
وعن عبد الله بن جعفر قال:
لما توفي أبو طالب خرج النبي (ص) إلى الطائف ماشيا على قدميه يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه فأتى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بوجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا قوة إلا بك)) (١). قال ابن إسحاق (بسنده السابق):
فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة، وما لقي، تحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهم نصرانيا يقال له عداس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له: يأكل منه، ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله (ص) ثم قال له: كل. فلما وضع رسول الله (ص) فيه يده قال: ((بسم الله)) ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله (ص): ((ومن أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟)) قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى، فقال رسول الله (ص):
стр. 248
((من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟)) فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله (ص): ((ذاك أخي، كان نبيا وأنا نبي)) فأكب عداس على رسول الله (ص) يقبل رأسه ويديه وقدميه.
قال: يقول ابنا رييعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك يا عداس! ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي؟ قالا له: ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه) (١). وزاد التيمي:
(أن عداسا حين سمعه يذكر يونس بن متى قال: والله لقد خرجت منها (يعني نينوى) وما فيها عشرة يعرفون ما متى، فمن أين عرفت أنت متى، وأنت أمي وفي أمة أمية ..) (٢). وعن عروة بن الزبير قال:
(... واجتمعوا يستهزئون برسول الله (ص). وقعدوا له صفين على طريقه فأخذوا بأيديهم الحجارة، فجعل لا يرفع رجله ولا يضعها إلا رضخوها بالحجار، وهم في ذلك يستهزئون ويسخرون، فلما خلص من صفيهم وقدماه تسيلان الدماء، عمد إلى حائط كرومهم فأتى ظل حبلة من الكرم (٣) فجلس
стр. 249
في أصلها مكروبا موجعا تسيل قدماه الدماء ..) (١).
وقد روى الإمام أحمد عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن خالد بن أبي جبل العدواني: (أنه أبصر رسول الله (ص) في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس - أو عصى - حين أتاهم يبتغي عندهم النصر، فسمعته يقول: ﴿والسماء والطارق﴾ حتى ختمها. قال: فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإسلام. قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقا لاتبعناه) (٢).
وعن عروة بن الزبير ﵁ (أن عائشة ﵂ زوج النبي (ص) حدثته أنها قالث للنبي (ص): هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: ((لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقة إذ عرضت نفسي على عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت، وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب (٣)، فرفعت رأسي، فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي، ثم قال: يا محمد. فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (٤)؟)
стр. 250
فقال النبي (ص): ((بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا)) (١).
قال ابن إسحق (بسنده السابق):
ثم إن رسول الله (ص) انصرف من الطائف راجعا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان بنخلة (٢). قام من جوف الليل يصلي، فمر عليه النفر من الجن الذين ذكرهم الله ﵎. وهم - فيما ذكر لي - سبعة نفر من جن أهل نصيبين، فاستمعو له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا، وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله خبرهم عليه (ص) قال الله : ﴿وإذا صرفها إليك نفرا من الجن ..﴾ إلى قوله تعالى: ﴿... ويجركم من عذاب أليم﴾ (٣).
...
١ - مع وفاة أبي طالب أخذت المحنة أبعادا جديدة، ومضت قريش دون قيد في صب الأذى على النبي (ص). وكما قال ﵊: ((ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب)) (٤).
كان لا بد من البحث عن موقع جديد تنطلق منه الدعوة، بعد
стр. 251
أن وصلت في مكة إلى الطريق المسدود، ولا شك أن أنسب مكان لذلك هو الطائف، موطن ثقيف، فثقيف من حيث المنعة والعدة والعدد تضارع قريشا، ومن حيث الموقع كذلك، فاتجه رسول الله (ص) إلى رؤساء ثقيف يعرض عليهم الإسلام والنصر، وكان الرد العنيف والتجهم الشديد، والأذى الرهيب هو حصيلة هذا الاتجاه، وكما ذكر ﵊ حين سألته عائشة: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ ((لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على عبد ياليل)).
فنستطيع القول إذن، وعلى تقدير الرسول ﵊، أن المحنة قد بلغت ذروتها في الطائف، وإن أشد ما لاقاه ﵊، كان من ثقيف، وكما تقول الروايات المتعددة:
(... فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس، وألجؤوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ..).
(.. واجتمعوا يستهزؤون برسول الله (ص)، وقعدوا له صفين على طريقه فأخذوا بأيديهم الحجارة، فجعل لا يرفع رجله ولا يضعها إلا رضخوها بالحجارة، وهم في ذلك يستهزئون، ويسخرون، فلما خلص من صفيهم وقدماه تسيلان الدماء، عمد إلى حائط كرومهم، فأتى ظل حبلة من الكرم مكروبا موجعا تسيل قدماه الدماء ..).
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وربك يرعاك ويحوطك، ولتصنع
стр. 252
على عين الله، وقد اصطنعك الله لنفسه، وأصابك ما أصابك، والله تعالى يسمع ويرى، وهو الذي شاء أن تبلغ المحنة ذروتها لحكمة بالغة، وقدر نافذ.
٢ - فماذا كان موقف إمام الأنبياء وسيد الدعاة من المحنة؟
كان هذا الدعاء الخالص المتبتل إلى الله سبحانه من ذلك القلب الموصول بالله ((اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي .. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ اللهم إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا قوة إلا بك)) (١).
فهو دعاء المستعيذ بالله، المستجير به، وكل ما كان يخشاه ﵊ أن تكون هذه المحنة غضبا من الله جل شأنه، وإلا فلا يضيره في الله شيء وكل شيء في جنب الله قليل.
هذه هي نفسية سيد الخلق، واضحة جلية، مع المحنة، وقد بلغت ذروتها، ووصلت قمتها، وهذا هو توجهه ﵊.
وهو أبلغ درس لنا نحن الدعاة، حين نلقى شيئا مما لقيه عليه
стр. 253
الصلاة والسلام، فلابد من إعادة الحساب، ومراجعة الرصيد .. هل هي عقوبة على معصية؟ هل هي غضب رباني لمخالفات وانحرافات؟ ومن نحن أمام رسول الله رب العالمين، حتى نرى أنفسا أرفع من ذلك، ونعيد المحنة فقط إلى خطأ الآخرين وانحرافاتهم.
لا بد أن نطامن كثرا من غلوائنا ونتقاصر أمام هذه الجمل الخالدة: اللهم إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا قوة إلا بك)).
٣ - وبقي هذا الأمر مثار القلق للنبي (ص)! هل هذا الامتحان عضبا من الله جل شأنه، فماذا كان الجواب الرباني.
كان ابتداء أن انتقل ﵊ ممن يرضخه بالحجارة ويسيل منها الدماء إلى من يواسيه فيقبل هذه الأرجل الطاهرة التي تسيل منها الدماء، ومن يمسح جراحه بضمه ومن يثلح صدرو بإيمانه.
انتقل ﵊ في اللحظة الواحدة ممن يقول: أنا أمرط ثياب الكعبة .. إن كان الله قد أرسلك .. إلى من يقول: والله ما على ظهر الأرض خير من هذا.
وأي مواساة أعظم من هذه المواساة .. فلئن آذاه قومه، فهذا وافد العراق، وافد نينوى، الذي جاب الأرض، يكب على يديه ورجليه ويقبلهما، ويشهد له بالرسالة.
стр. 254
إنها الاستجابة الربانية بالتو واللحظة .. أن يسوق من شمال العراق، من نينوى من يؤمن بالله ورسوله حين كان الصد من أقرب الناس إليه.
وهو أول دليل يجبر الخاطر الكسير للرسول ﵊، أنه ليس في غضب الله وفي سخطه، إنه في رضوانه، وفي حبه، فإذا كان الصد قد وقع، فهذا الإيمان قد وقع كذلك.
٤ - ثم ماذا كانت المكافأة الربانية على هذا الصبر العظيم من حبيب رب العالمين؟ من حائط عتبة وشيبة إلى قرن الثعالب، والسحابة، إلى صديقه الحميم جبريل رسول رب العالمين إليه، ها قد حضر ليطمئنه أنه ليس في غضب الله، وليس في سخطه، لقد جاء في أوانه.
فماذا قال للحبيب المصطفى (ص)؟ أقرأه السلام من ربه، ومعه ضيف جديد هو ملك الجبال: ((إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك).
رب إني مظلوم فانتصر.
وليس نوح ولا هود ولا لوط ولا شعيب، أكرم على الله تعالى من محمد ﵊.
(وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم.
فهذه الجبال بإمرة النبي (ص)، وكل هؤلاء المكذبين ذرات صغيرة في بطون هذه الجبال.
وكان الإكرام أعظم، والحفاوة أكبر، أن يكون الأمر مباشرة من
стр. 255
رسول رب العالمين لملك الجبال، ملك الجبال حضر، ليتلقى الأمر من محمد (ص)، ليشهد ثأره بنفسه، ويقر عينه بأن يكون الأمر مباشرة منه ﵊: ((فناداني ملك الجبال، فسلم علي ثم قال: يا محمد: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشين فعلت)).
لقد جأر إخوانه الأنبياء قبله بالدعاء إلى ربهم أن يفتح بينهم وبين قومهم بالحق، وانتصر ربهم لهم.
﴿فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ (١).
هل آن الأوان لأن ينتهي تاريخ الدعوة. فيطبق الأخشبان على قريش وثقيف، كما جرى مع من أخذته الصيحة، ومن خسفت به الأرض، ومن غرق. ثم ماذا بعد ذلك؟
إن المعجزة الأعظم من إطباق الأخشبين، أن يقف ﵊ وحده من دون الخلق كافة، وفوق الأنبياء جميعا، لا يقبل العرض، ولما تزل الدماء تنزف من رجليه، ولا يصدر الأمر لملك الجبال، ولا تزال كلمات بني ياليل يرن صداها في أعماقه الجريحة:
(أما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟!).
(والله لا أكلمك أبدا .. لئن كنت رسولا من الله كما تقول:
стр. 256
لأنت أعظم من أن أكلمك. ولئن كنت تكذب على الله، فما ينبغي لي أن أكلمك) ..
أن يقف ليقول: ((بل أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئا)) ..
أي خلق هذا؟ وأي سمو هذا؟ إنه على استعداد أن يستمر في المحنة تدمي رجليه ووجهه ويصد عن القريب والبعيد من العدو الذي ملك أمره فلم يدخل مكة إلا بجوار، ومن البعيد الذي يتجهمه .. إلى متى؟! حتى يفنى هذا الجيل، وينشأ الجيل الآخر من أصلابهم، يقول: لا إله إلا الله ..
أيها الدعاة إلى الله في هذا الوجود .. هل سمعتم عن داعية إلى الله أعظم من هذا الداعية .. وبيده الآن الأمر .. بالله تعالى بعث له ملك الجبال ليكون بإمرته، ويقصم عدوه، وينتصر عليه، ويفنى ويباد ويدمر.
ولكن الدعو إلى الله، وأن ينال محمد ﵊ ثمرة دعوته وجهاده مع هؤلاء المعاندين المستكبرين وأن يتجرع أشد الغصص حتى يصل إلى هذه الثمرة، وأشهى على قلبه من نشوة النصر على عدوه.
إن نشوة النصر بالجيل الذي يخرج من أصلابهم ويحمل لواء الدعوة إلى الله أعظم بكثير من أن يرى مصرع القوم بين يديه. يا له من قمة شامخة إلى السماء قدماها على الأرض، ولا يرتقي
стр. 257
لها مخلوق في هذا الوجود.
وأنتم أيها الدعاة إلى الله، هل لكم أن تفقهوا عظمة هذا الدرس حين تملك الدعوة على المسلم كل قلبه ومشاعره وحياته .. ويكون انتصار الدعوة هو الهدف الأول والأخير؟!
٥ - وأنك لعلى خلق عظيم .. وبعد هذا الإكرام، وبعد هذا السمو .. ماذا كان الإكرام الرباني؟!
كان أن انتقلت دعوته إلى الثقلين، هذه الدعوة التي رفضها أولاد ياليل في هذه البقعة النائية من الأرض، المنسية من التاريخ، والتي حفل الأولاد والسفهاء فيها بتعذيب سيد الدعاة وإيذائه ورضخه بالحجارة .. أن انتقلت إلى عالم آخر .. عالم الجن.
﴿فاسفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب﴾ (١).
هؤلاء الجن يتلقون دعوة النبي (ص)، دون أن يدري، فيأخذوها ويمضوا بها إلى قومهم، إلى عالم الجن، عالم لا يعرفه رسول الله (ص)، وجد الدعاة، ووجد الصحابة، ووجد الحواريين في عالم الجن يبلغون دعوة رسول الله (ص) إلى قومهم.
﴿يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم﴾ (٢).
стр. 258
لقد غدا اسم محمد (ص) تهفو به قلوب الجن، وليس قلوب الإنس فقط .. ليس قلب أبي بكر وعمر وعبد الرحمن وسعد، وطلحة والزبير، العشرة المبشرون .. هناك التسعة الحواريون من عالم الجن، حملوا اللواء والراية، ووطنوا أنفسهم دعاة إلى الله .. ﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ..﴾ (١).
...
وبعد .. فما أحوج الدعاة إلى الله ليقفوا وقفات التأمل هذه عند هذه الحادثة الفذة الخالدة، يتعلمون منها:
- الصبر على الأذى، والتحمل لأعباء الدعوة وتكاليفها.
- ومراجعة الطريق، وتصحيح المسار، أن يكون به خلل يغضب الله ورسوله، فيحول دون التوفيق، ويؤدي إلى استمرار المحنة ..
- وأن يبقى الهدف الأول والأسمى هو انتصار دعوتهم ودينهم، وليس انتصار أنفسهم، هو هداية عدوهم، واحتلال قلوبهم بعظمة هذا الدين، وليس الثأر لذاتهم وشخصيتهم.
وأن يوطنوا أنفسهم على طول الطريق، وبعد الغاية، والنظر للدعوة من خلال الأجيال، لا من خلال اللحظات العنيفة القائمة، (عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله).
стр. 259
ولعله لا يكون دورهم إلا تسليم الراية لمن بعدهم يتابع المسير، ولعل النصر من نصيب جيل جديد، هم حداته ومقدمته.
ثالثا: عرض نفسه على القبائل
قال موسى بن عقبة عن الزهري:
(فكان رسول الله (ص) في تلك السنين، يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤوه ويمنعوه ويقول: ((لا أكره أحدا منكم على شيء، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذلك، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد أن تحوزوني فيما يراد لي من القتل، حتى أبلغ رسالة ربي، وحتى يقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء)) فلم يقبله أحد منهم، وما يأتي أحدا من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعلم به .. أترون أن رجلا يصلحنا، وقد أفسد قومه ولفظوه؟! وكن ذلك مما ذخره الله للأنصار وأكرمهم به) (١).
وعن عروة بن الزبير ﵁ قال:
(لما أفسد الله صحيفة مكرهم خرج النبي (ص) وأصحابه فعاشوا وخالطوا الناس ورسول اللهء (ص) في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم ويكلم كل شريف، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤوه أو
стр. 260
يمنعوه، ويقول: ((لا أكره منكم أحدا على شيء، من رضي الذي أدعو إليه قلبه، ومن كرهه لم أكرهه، إنما أريد أن تحوزوني مما يراد بي من القتل، فتحوزوني حتى أبلغ رسالات ربي، ويقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء)) فلم يقبله أحد منهم، ولا أتى على أحد من تلك القبائل إلا قالوا: قوم الرجل أعلم به، أفترى رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه، وذلك لما أذخر الله للأنصار من البركة) (١).
...
إنها صورة واضحة بينة تؤنكد بحث رسول الله (ص) عن مكان آمن في أرض العرب يحميه حتى يؤدي رسالة ربه سواء أآمن هذا المجير به أم لم يؤمن، ولم تعد مكة دار أمان لرسول الله (ص)، فلا بد من البحث عن موقع جديد، والحبشة تصلح موقعا احتياطيا لا رئيسيا لبعدها عن مركز الانطلاق، وتجمع العرب، ومن الصعب أن تنتشر الدعو ابتداة خارج البيئة العربية.
ومن نماذج هذا العرض ما روه جابر بن عبد الله ضي الله عنهما قال:
كان رسول الله (ص) يعرض نفسه على الناس بالموقف، فيقول هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي ، فأتاه رجل من همذان فقال: ((ممن أنت؟)) فقال الرجل: من همذان.
فقال: ((هل عند قومك من منعة؟)) قال: نعم. ثم قال: إن الرجل خشي أن يخفره قومه، فأتى رسول الله (ص) فقال: آتيهم أخبرهم، ثم آتيك
стр. 261
من قابل، قال: ((نعم)) وجاء وفد الأنصار في رجب) (١).
(وعن ربيعة بن عباد قال: إني لمع أبي شاب أنظر إلى رسول الله (ص) يتبع القبائل، ووراءه رجل أحمر وضيء ذو جمة، يقف رسول الله على القبيلة، يقول: ((يا بني فلان إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تصدقوني وتمنعوني، حتى أنفذ عن الله ما بعثني به)) فإذا فرغ من مقالته، قال الآخر من خلفه:
يا بني فلان إن هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه، فقلت لأبي: من هذا، فقال: عمه أبو لهب) (٢).
(وعن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل، قال: لما قدم أبو اليسر أنس بن رافع مكة، ومعه فتية من بني عبد الأشهل، فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج سمع بهم رسول الله (ص)، فأتاهم، فجلس إليهم، فقال لهم: ((هل لكم إلى خير مما جم إيه؟)) قالوا: وما ذاك. قال: ((أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وأنزل علي كتابا)) ثم ذكر الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا: أي قومي هذا والله خير مما جئتم إليه.
стр. 262
قال: فأخذ أبو اليسر، أنس بن رافع حفنة من البطحاء، فضرب بها وجه إياس، وقام رسول الله (ص) عنهم، وانصرفوا إلى المدينة فكات وقعة بعاث بين الأوس والخزرج ..) (١).
...
كانت المقاومة عنيفة من قريش، ولم تفز بشيء فوزها بأبي لهب - لعنه الله - الذي كان يمضي مع رسول الله (ص) إلى كل مكان يكذبه ويؤذيه، فكانت هذه أضخم دعاية ضد النبي (ص) حين يرون عمه يرد عليه قوله، ويسفه رأيه، ومن أجل هذا رأينا رسول الله (ص) يستعمل الوسيلة نفسها، فيأتي إلى عمه العباس ليرافقه في دعوته.
فقد روى الحافظ أبو نعيم عن العباس قال:
قال لي رسول الله (ص): ((لا أرى لي عندك ولا عند أخيك منعة:
فهل أنت مخرجي إلى السوق غدا، حتى نقر في منازل قبائل الناس؟)) وكانت مجمع العرب. قال: فقلت: هذه كندة ولفها، وهي أفضل من يحج البيت من اليمن، وهذه منازل بكر بن وائل، وهذه منازل بني عامر بن صعصعة، فاختر لنفسك.
قال: فبدأ بكندة فأتاهم، فقال: ((ممن القوم؟)) قالوا: من أهل اليمن، قال: ((من أي اليمن؟)) قالوا: من كندة، قال: ((من أي كندة؟)) قالوا: من بني عمرو بن معاوية. قال: ((فهل لكم إلى خير؟))
стр. 263
قالوا: وما هو؟ قال: ((تشهدون أن لا إله إلا الله، وتقيمون الصلاة، وتؤمنون بما جاء من عند الله)).
قال عبد الله بن الأجلح: وحدثني أبي عن أشياء في قومه أن كندة قالت له: إن ظفرت تجعل لنا الملك من بعدك؟ فقال رسول الله (ص): ((إن الملك لله يجعله حيث يشاء)) قالوا: لا حاجة لنا فيما جئتنا به. وقال الكلبي فقالوا: أجئتنا لتصدنا عن آلهتنا، وننابذ العرب؟ الحق بقومك فلا حاجة لنا بك. فانصرف من عندهم.
فأتى بكر بن وائل، فقال: ((ممن القوم؟)) قالوا: من بكر بن وائل. فقال: ((من أي بكر بن وائل؟)) قالوا: من بني قيس بن ثعلبة. قال: ((كيف العدد؟) قالوا: كثير مثل الثرى. قال: ((فكيف المنعة؟)) قالوا: لا منعة، جاورنا فارس فنحن لا نمتنع منهم ولا نجير عليهم. قال: ((فتجعلون لله عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم، وتستنكحوا نساءهم، وتستعبدوا أبناءهم، أن تسبحوا لله ثلاثا وثلاثين، وتحمدوه ثلاثا وثلاثين، وتكبروه أربعا وثلاثين؟) قالوا: ومن أنت؟ قال: ((أنا رسول الله)) ثم انطلق. فلما ولى عنهم - قال الكلبي: وكان عمه أبو لهب يتبعه فيقول للناس لا تقبلوا قوله -مر أبو لهب فقالوا: هل تعرف هذا الرجل؟ قال: نعم، هذا في الذروة منا. فعن أي شأنه تسألون؟ فأخبروه بما دعاهم إليه، وقالوا: زعم أنه رسول الله، قال: ألا لا ترفعوا برأسه قولا، فإنه مجنون يهذي من أم رأسه، قالوا: وقد رأينا ذلك حين ذكر من أمر فارس ما ذكر.
قال الكلبي: فأخبرني عبد الرحمن المعايري عن أشياخ من قومه، قال: أتانا رسول الله (ص) عكاظ، فقال: ((ممن القوم؟)) قلنا: من بني عامر بن
стр. 264
صعصعة. قال: ((من أي عامر بن صعصعة؟)) قالوا: بنو كعب بن ربيعة. قال ((كيف المنعة؟)) قلنا: لا يرام ما قبلنا، ولا يصطلى بناربا. قال: فقال لهم: ((إني رسول الله وآتيكم لتمنعوني حتى أبلغ رسالة ربي، ولا أكره أحدا منكم على شيء)) قالوا: ومن أي قريش أنت؟ قال: ((من بني عبد المطلب)) قالوا: فأين أنت من عبد مناف؟ قال: ((هم أول من كذبني وطردني)) قالوا: ولكنا لا نطردك، ولا نؤمن بك، وسنمنعك حتى تبلغ رسالة ربك. قال: فنزل إليهم والقوم يتسوقون، إذ أتاهم بحيرة بن فراس القشيوي، فقال: من هذا الرجل أراه عندكم أنكره؟ قالوا: محمد بن عبد الله القرشي، قال: فما لكم وله؟ قالوا: زعم أنه رسول الله (ص) فطلب إلينا أن نمنعه حتى يبلغ رسالة ربه، قال: ماذا رددتم عليه؟ قالوا: بالترحيب والسعة، نخرجك إلى بلادنا، ونمنعك مما نمنع منه أنفسنا، قال بحيرة: ما أعلم أحدا من أهل هذه السوق يرجع بشيء أشد من شيء ترجعون به بدءا، ثم لتنابذوا الناس، وترميكم العرب عن قوس واحدة، قومه أعلم به، لو آنسوا منه خيرا لكانوا أسعد الناس به. أتعمدون إلى زعيق (١) قد طرده قومه وكذبوه، فتؤونه وتنصرونه؟! فبئس الرأي رأيتم. ثم أقبل على رسول الله (ص) فقال: قم فالحق بقومك فوالله لولا أنك عند قومي لضربت عنقك. فقام نول الله (ص) إلى ناقته فركبها فغمز الخبيث بحيرة شاكلتها (٢)، فقمصت برسول الله (ص) فألقته.
وعند بني عامر يومئذ ضباعة ابنة عامر بن قرط، كانت من النسوة
стр. 265
اللاتي أسلمن مع وسول الله () بمكة، جاءت زائرة إلى بني عمها، فقالت: يا آل عامر - ولا عامر لي - أيصنع هذا برسول الله بين أظهكم، لا يمنعه أحد منكم؟ فقام ثلاثة من بني عمها إلى بحيرة، واثنين أعاناه. فأخذ كل رجل منهم رجلا فجلد به الأرض ثم جلس على صدره، ثم علوا وجوههم لطما. فقال رسول الله (ص): ((اللهم بارك على هؤلاء، والعن هؤلاء)) قال: فأسلم الثلاثة الذين نصروه، وقتلوا شهداء وهم غطيف وغطفان ابنا سهل، وحزن بن عبد الله بن سلمة ﵃، وقد روي هذا الحديث بتمامه الحافظ سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه عن أبيه به) (١) اه ..
...
١ - لقد كان جواب كندة متناسقا مع طبيعتهم، فهم ملوك العرب في اليمن، ومن أجل ذلك كان جل تفكيرهم ينصب على هذا الملك، واشترطوا على رسول الله (ص) ليمنعوه أن يكون لهم الأمر والملك من بعده. وقصاري ما يفكرون به هو استقرار هذا الأمر بيدهم إن نصروا رسول الله (ص) على عدوه فانتصر. غير أن الجواب النبوي المنطلق من مبادىء هذا الدين: ((الأمر لله يضعه حيث يشاء)).
فليس الأمر صراعا على الحكم أو تسابقا على السلطة، إن الأمر انتشار هذه الدعوة وتبليغها، وسوف تكون العاقبة للمتقين، فالحماية المشروطة بشرط مغاير لمبادىء هذا الدين، حماية مرفوضة.
ويقظة الدعاة إلى الله في هذا الأمر، وفقههم لهذه القضية هو
стр. 266
الذي يعصهمهم من الانزلاق في منحدرات السياسة، التي تضع الحكم غاية، والعقيدة والدين وسيلة من وسائله.
٢ - وحين لا يحقق الداعية هدفه في تأمين الحماية من سلطة جاهلية، لا ينسى نفسه أنه داعية قبل كل شيء، وأن عليه أن ينقل روح هذا الدين التي تؤكد أنه غالب وحاكم مهما تكاثفت المحن، وادلهمت الخطوب، وأن الباطل زاهق لا محالة. ﴿قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد﴾ (١).
وثقة الداعية بالنصر لدين الله - لا لشخصه - سمة أساسية من سمات الدين نفسه لا تنفك عن أن تكون جزءا من منهج الداعية وهو يدعو إلى الله. ولهذا رأينا رسول الله (ص) ولم يصل إلى المنعة التي يريد، أراد أن يعلم هؤلاء القوم الذين ترهبهم سلاطين الأرض من فارس، أنه ستكون لهم الدولة عليهم إن آمنو بالله ورسوله.
وكان هذا الأمر عندما طرح عليهم، وهم في ظل فارس ضربا من الجنون، وبه استشهدو على جنون رسول الله (ص) حين قال لهم:
((فتجعلون لله عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم، وتستنكحوا نساءهم، وتستعبدوا أبناءهم، أن تسبحو لله ثلاثا وثلاثين ...).
فلم يكن العربي في ذلك الوقت يطمح في أكثر من أن يحظى برضاء كسرى أو قيصر، وأن يكون عميلا مخلصا له، ولم تتحرر هذه
стр. 267
النفوس إلا بالإسلام، وبرسول الإسلام الذي زرع في النفوس هذه الثقة العظيمة التي غيرت واقع الأرض كله.
والذين يباهون بذي قار، ولمجد العربي فيه، يجب عليهم أن يعرفوا أن الفضل في النصر فيها لهذا اللقاء المذكور، والذي يرد تفصيلات عنه بعد في رواية أخرى.
قال: (فلم يلبث رسول الله (ص) إلا يسيرا حتى خرج إلى أصحابه فقال لهم: ((احمدوا الله كثيرا، فقد ظفرت اليوم أبناء ربيعة بأهل فارس، قتلوا ملوكهم، واستباحوا عسكرهم وبي نصروا)) (١).
وقد ورد هذا من طريق أخرى، وفيه أنهم لما تحاربوا هم وفارس والتقوا معهم بقراقر - مكان قريب من الفرات - جعلوا شعارهم اسم محمد (ص). فنصروا على فارس بذلك، وقد دخلوا بعد ذلك في الإسلام) (٢).
فهذه الأمة قد ابتعثها الله تعالى من القرآن، وأخرجت إخراجا من أثر هذا الكتاب المنزل على محمد بن عبد الله (ص).
ولم يمر على هذا الوعد الذي وعد به رسول الله (ص) بالنصر عشرون عاما حتى كانت بنات كسرى سبايا في المدينة، ثم كان أن نكحهم الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن أبي بكر،
стр. 268
فأنجبن سادة أهل الأرض علما وفقها وفضلا - آنذاك - علي بن الحسين زين العابدين، وسالم بن عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد بن أبي بكر.
٣ - (((إني رسول الله وآتيكم لتمنعوني حتى أبلغ رسالة ربي، ولا أكرهكم على شيء) قالوا: ولكننا لا نطردك، ولا نؤمن بك، وسنمنعك حتى تبلغ رسالة ربك).
فنحن أمام خط أصيل من خطوط الدعوة، ومرحلة من المراحل تمر فيها، بل تسعى إلى الوصول إليها. وهو أن توجد السلطة المحايدة التي تضمن حرية الدعوة، وحرية التبليغ، والحماية لها من الإبادة والقتل.
ولا شك أن النظام الذي ينطلق في مفاهيمه ومبادئه وأعرافه من حرية الناس في ما يدعون ويعتقدون، ويضمن لهم هذه الحرية، وهو خير قطعا من النظام الذي يقتل الناس على معتقداتهم، ويخنق حرية التعبير عندهم وحرية الرأي.
وقد تجد الدعوة الإسلامية نفسها في مرحلة من المراحل، تسعى وتساهم للوصول إلى هذا النظام، وهو مرحلة سابقة لحكم الإسلام، بل يمكن القول: أن حكم الإسلام غالبا يتم عن هذا الطريق، طريق القوة المحايدة، سواء أآمنت بالإسلام أم لم تؤمن - والتي تخلي بين الناس وبين ما يعتقدون، وعندئذ ستكون الغلبة للإسلام - لا بقوة السيف وإرهاب السلطة، إنما بقناعات الناس وتدينهم لهذا الدين، وعندئذ إذا
стр. 269
خالط الإسلام بشاشة القلوب، فلن يرضى أهله بديلا من حكمه فيهم.
ومن أجل هذا يحسن أن يفقه الدعاة هذا الجانب، فلا تكون الانطلاقة من الحدة والتعميم المتعسف أن كل الأنظمة التي لا تحكم بالإسلام سواء. ويجب حربها جميعا، وإزاحتها، لأنها أنظمة كافرة جاهلية.
لا بد من الوعي لدروس السيرة النبوية وفقهها، أن الحكم على النظام والسلطة - بغض النظر عن الحكم الذي ينطلق منه - إنما يكون من خلال موقف هذا النظام من الدعوة والدعاة، وإمكانية التعايش معه أو مساندته قائمة بمقدار ما يتيح الحرية لهذه الدعوة أن تنتشر وتبلغ، وضرورة المواجهة معه قائمة حين يفرض الحرب المدمرة على دعاة الإسلام لإبادتهم واستئصالهم.
٤ - وتبقى هذه النماذج المذكورة نبراسا أمام الدعاة في الصبر على مشاق الدعوة، وتحمل تبعاتها، فلا يهن الدعاة لصد يواجههم، ولا يستكينوا لمقاومة تود تحطيمهم وتحطم دعوتهم، وأن يوطنوا هذه النفوس على مثل هذه الاحتمالات من المواجهة، والمحاربة، والتشويه، فليس أحد أكرم على الله تعالى من رسوله وقد لاقى ما لاقى. حتى ليهدد بضرب عنقه، ويرمى عن ناقته، وتعبأ المجالس بالدعاية ضده بجنونه وسحره، فهذا هو قدر الدعاة، وهذا هو طريق النصر ﴿إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل
شي قدرا﴾ (١).
стр. 270
بنو شيبان:
(وأغرب من ذلك وأطول ما رواه أبو نعيم والحاكم والبيهقي - والسياق لأبي نعيم - رحهم الله من حديث أبان بن عبد الله البجلي (١) عن أبان بن تغلب (٢) عن عكرمة (٣) عن ابن عباس، حدثني علي بن أبي طالب قال:
ثم انتهينا إلى مجلس عليه السكينة والوقار، وإذا مشايخ لهم أقدار وهيئات، فتقدم أبو بكر فسلم. قال علي: وكن أبو بكر مقدما في كل خير، فقال لهم أبو بكر: ممن القوم؟ قالو: من بني شيبان بن ثعلبة، فالتفت إلى رسول الله (ص) فقال: بأبي أنت وأمي، ليس بعد هؤلاء من عز في قومهم، وهؤلاء غرر في قومهم، وكان في القوم: مفروق بن عمرو، وهانىء ابن قبيصة، والمثنى بن الحارثة، والنعمان بن شريك، وكان أقرب القوم إلى أبي بكر مفروق بن عمرو وكان مفروق بن عمرو قد غلب عليهم بيانا ولسانا، وكانت له غديربان تسقطان على صدره، فكان أدنى القو مجلسا من أبي بكر، فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال له: إنا لنزيد على ألف، ولن تغلب ألف (٤) عن قلة. فقال له: فكيف المنعة فيكم؟ فقال: علينا الجد ولكل قوم جد. فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال
стр. 271
مفروق: إنا أشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله، يديلنا (١) مرة ويديل علينا، لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: إن كان بلغكم أنه رسول الله فها هو ذا، فقال مفروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، ثم التفت إلى رسول الله فجلس، وقام أبو بكر يظله بثوبه، فقال (ص): ((أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسول الله، وأن تؤووني وتنصروني، حتى أؤدي إلى الله الذي أمرني به، فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد)) قال له: وإلى ما تدعو أيضا يا أخا قريش؟
فتلا رسول الله (ص) ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ (٢).
فقال له مفروق: دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك.
وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانىء بن قبيصة، فقال: وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا، وصاحب ديننا، فقال له هانىء: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وصدقت قولك، وإني أرى أننا إن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك، لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر، لم نتفكر في أمرك وننظر في
стр. 272
عاقبة ما تدعو إليه، زلة في الرأي، وطيشة في العقل، وقلة نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلة مع العجلة، وإن من ورائنا قوما نكره أن نعقد عليهم عقدا، ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر.
وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى: قد سمعت قولك، واستحسنت مقالتك يا أخا قريش، وأعجبني ما تكلمت به، والجواب هو جواب هانىء بن قبيصة. وتركنا ديننا، واتباعنا إياك لمجلس جلسته إلينا، وإنا إنما نزلنا بين صرين (١) أحدهما اليمامة والآخر السماوة. فقال له رسول الله (ص): ((وما هذان الصريان؟)) فقال له: أما أحدهما فطفوف البر وأرض العرب، وأما الآخر فأرض فارس وأنهار كسرى، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا، ولا نؤوي محدثا ولعل هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك، فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وأما ما كان مما يلي بلاد فارس، فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول. فإن أردت أن ننصرك ونمنعك مما يلي العرب فعلنا. فقال له رسول الله (ص): ((ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق. إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه)).
ثم قال رسول الله (ص): ((أرأيم إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله بلادهم، ويفرشكم بناتهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟)) فقال له النعمان بن شريك: اللهم وإن ذلك لك يا أخا قريش. فقلا رسول الله (ص): ﴿إنا
стр. 273
أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾ (١) ثم نهض رسول الله (ص) قابضا على يدي أبي بكر، قال علي: ثم التفت إلينا رسول الله (ص) فقال: ((أية أخلاق للعرب كانت في الجاهلية - ما أشرفها -بها يتحاجزون في الحياة الدنيا)) قال: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايعوا النبي (ص).
.... فلم يلبث رسول الله (ص) إلا يسيرا حتى خرج إلى أصحابه فقال لهم: ((احمدوا الله كثيرا، فقد ظفرت أبناء ربيعة بأهل فارس، قتلوا ملوكهم، واستباحوا عسكرهم، وبي نصروا) قال: وكانت الوقعة بقراقر إلى جنب ذي قار، وفيها يقول الأعشى ... هذا حديث غريب جدا كتبناه لما فيه من دلائل النبوة، ومحاسن الأخلاق، ومكارم الشيم، وفصاحة العرب، وقد ورد هذا من طريق أخرى، وفيه: أنهم لما تحاربوا هم وفارس والتقوا معهم بقراقر (٢) - مكان قريب من الفرات - جعلوا شعارهم اسم محمد (ص)، فنصروا على فارس بذلك. وقد دخلوا بعد ذلك في الإسلام) (٣).
(وذكر غير ابن إسحاق ما لم يذكر ابن إسحاق مما رأيت املاء بعضه في هذا الكتاب تتمة لفائدته، ذكر قاسم بن ثابت والخطابي عرضه نفسه على بني ذهل بن ثعلبة، ثم على بني شيبان بن ثعلبة، فذكر الخطابي وقاسم جميعا ما كان من كلام أبي بكر مع دغفل بن حنظلة الذهلي، زاد قاسم تكملة
стр. 274
الحديث، فرأينا أن تذكر زيادة قاسم، فإنها مما تليق بهذا الكتاب قال: (ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار ...) (١).
وذكر الراوية الآنفة الذكر.
(وروي في حديث مسند إلى طارق قال: رأيت رسول الله مرتين: رأيته بسوق ذي المجاز يعرض نفسه على القبائل يقول: ((يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا)) وخلفه رجل له غديرتان يرجمه بالحجارة حتى أدمى كعبيه، يقول: يا أيها الناس لا تسمعوا منه فإنه كذاب فسألت عنه فقيل: هو غلام عبد المطلب. قلت: ومن الرجل يرجمه؟ فقيل لي: هو عمه عبد العزى أبو لهب، وذكر الحديث بطوبه، خرجه الدارقطني، ووقع أيضا في السيرة من رواية يونس) (٢).
(وقد استقصى الإمام محمد بن عمر الواقدي، فقص خبر القبائل واحدة واحدة، فذكر عرضه ﵇ نفسه على بني عامر، وغسان، وبني فزارة، وبني مرة، وبني حنيفة، وبني سليم، وبني عبس، وبني نضر بن هوازن، وبني ثعلبة بن عكاية، وكندة، وكلب، وبني الحارث بن كعب، وبني عذرة، وقيس بن الحطيم، وغيرهم .. وسياق أخبارها مطولة، وقد ذكرنا من ذلك طرفا صالحا، ولله الحمد والمنة) (٣).
стр. 275
١ - لقاء رسول الله (ص) لم يدخلهم في الإسلام ولكنه غزاهم في أعماقهم، وعندما التقوا مع الفرس تشجعوا لذلك اللقاء، كما سمعوا الوعد من الصادق المصدوق (ص) ((أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله بلادهم ..)) ومن أجل هذا جعلوا شعارهم: محمد (ص).
وبه انتصروا، وكانت هذه المقدمة للنصر الحقيقي للإسلام وشريعته.
وما تحرك المثنى بن حارثة الشيباني ﵁ ابتداء، ومن ذاته بعد أن دخل بالإسلام، وجرأته على فارس، ثم إقرار الصديق له، ومده بخالد بن الوليد، إلا ثمرة ذلك اللقاء.
ونخلص من هذه السمة إلى أن الداعية قد لا يلقى أثر دعوته مباشرة، وقد لا يحصل التجاوب المطلوب منذ اللحظات الأولى - كما يبدو لأول وهلة - ولكن حسن عرضه لدعوته لا بد أن يضع بصمة واضحة أو نقطة بارزة في نفس المدعو، تعمل بعدها في نفسه، وتدفع في قلبه لتقوده إلى حظيرة الإيمان.
فلا يزهدن الداعية بأي فرصة، مهما بدت احتمالات القبول ضعيفة، فهي إن لم تغز القلوب، فلا بد أن تفتح مغاليقها، وتكسر أقفالها تهيئة لهذا القبول.
٢ - (إن هذا الأمر مما تكرهه الملوك) فلا شك أن النظرة الفاحصة للمثنى ﵁ تدل على عمق فهمه لهذا الدين، لأنه جاء ليزيل الطغيان من هذه الأرض، ويزيح البغي والطاغوت فيها، ولا شيء يغيظ الملوك
стр. 276
المتجبرين مثل وعي جماهيرهم بحقيقة هذا الدين، ورفضهم الانصياع لهم بعد سماع دعوة التوحيد التي تقول: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.
والحاكم الذي لا يريد أن يفيء إلى ما أنزل الله لن يجد خطرا عليه أعظم من هذا الخطر، لأنه يدعو كما قال ربعي ﵁ (لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله ..).
ومن أجل هذا يواجه الطغاة هذا الدين ويحاربونه حفاظا على سلطانهم، وخوفا من أن تنثل عروشهم، وتميد الأرض من تحتهم.
٣ - ((إنه لا يقوم بدين الله إلا من أحاطه من جميع جوانبه) سمة أخرى من سمات هذا الدين .. فإن يخضع المسلم في آن لأحد لله وللطاغوت، فهذا ما لا يكون أبدا. وعرف رسول الله (ص) أن هذه المنعة المبتورة الناقصة، المنعة من العرب دون العجم لا تعني. لأن الفرس لا ترضى بهذا الدين بجوارها، ولذلك فلا يتعهد بنو شيبان بحماية رسول الله (ص) منهم، وقد يسلمونه حين يرون أنهم غير ملزمين بحمايته، بينما رأينا الأنصار - كما سيظهر فيما بعد - يقول قائلهم: (تحاربون به الأحمر والأسود من الناس) قد أحاطوا بهذا الأمر من جميع جوانبه.
لا بد من الرأي الواضح المحدد في أي موقف يقفه الحلفاء من الدعوة. وأن نتأكد من صدق الموقف، والاستعداد الحقيقي لتحمل تبعاته، لا أن ترمي بثقلها في مكان، ثم تكون بعد ذلك لقمة سائغة للعدو فيه.
стр. 277
٤ - وعرض رسول الله (ص) لمبادىء العقيدة الأساسية بحيث استأثر بقلب مفروق فقال: (دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك).
ليدل دلالة واضحة على عظمة هذا الداعية وهذه الدعوة، بحيث تكون قادرة على اجتذاب القلوب إليها، والسيوف لحمايتها، يوم يزول الغبش والتشويه، والعوائق من طريقها .. والداعية العظيم هو الذي يقتفي أثر سيد الدعاة محمد (ص) في فن الدعوة وأصولها.
٥ - ولا يترك رسول الله (ص) القوم، إلا أصدقاء لهذه الدعوة وهذا الدين ولم يعلنوا استجابتهم له، حين لا يجد حرجا من الثناء عليهم - على كفرهم - بقوله: ((ما أسأتم الرد حين أفصحتم بالصدق)) وفي غيابهم قال ﵊: ((أية أخلاق للعرب كانت في الجاهلية ما أشرفها بها يتحاجزون في الحياة الدنيا)).
ودعاة اليوم نناديهم أن يتعلموا هذه الأصول في فقه التخاطب مع الرجال والجماعات، والأصدقاء والأعداء، لا أن يكون همهم السب والشتم للجاهلية، بكل ما فيها، لينفروا منها الناس كافة ولا يبقوا لهم صديقا يتعاطف معهم، ليكونوا كما قال الله تعالى لهم: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ (١).
٦ - ونود أخيرا أن يبقى في ذهن الدعاة، ظاهرة أبي طالب، وظاهرة أبي
стр. 278
لهب، وكلا الرجلين في النار .. ولكن شتان بين من كان يجمع كل قومه وولده لحماية رسول الله (ص) من القتل، بل يضع أولاده في فراش رسول الله (ص)، فيما لو تعرض لغيلة، ويضحي بهم، ولا يرضى لمحمد (ص) إلا أن يكون بجواره، وبحماية سيفه.
وبين من يلاحق رسول الله (ص) إلى كل موقف، كل ناد للقوم، ليكذبه، ويرد رأيه، ويرجمه بالحجارة، ويتابع كل مجلس يجلسه، ليقذفه بالكذب والجنون.
فهل يدرك الدعاة هذه الظواهر، وهم يتحركون في سبيل الله، فيصبرون على مرها، ويجنون شهدها، دون تشنج أو انزلاق أو استسلام؟
***
стр. 279
الفصل السابع عشر
الإسراء والمعراج ودلالتهما
بعد عشر سنوات من الدعوة، ابتدأت بتلقي الوحي في حراء، ومضت تشق طريقها في قلب الفتيان من قريش، وفي عالم الجن على يد وفد جن نصيبين، وتتجاوب أصداؤها في قبائل العرب كلها من خلال لقاءات رسول الله. مع وفود العرب في أسواقهم ومواسمهم، وتصل ينابيعها إلى جذور النجاشي في الحبشة فتثمر إسلامه وحمايته.
وفي الصورة المقابلة حيث كانت قريش تبث دعايتها وسمومها في كل مكان ضد الدعوة الجديدة، وتؤلب العرب ضد رسول الله (ص)، وتقذفه بالكهانة والسحر والجنون، وتمد يدها إلى كل القبائل العربية لتكون بجوارها في حرب محمد (ص)، وترسل وفودها إلى الحبشة لملاحقة هذه الدعوة، ولا تدع فرصة للانقضاض على الدعوة ورجالاتها إلا واهتبلتها إيذاء وتشريدا، وقتلا وملاحقة، وتبدو الساحة للوهلة الأولى أنها ملك قريش، وأنها المنتصرة في هذه الجولة، فقد سدت الطريق في مكة، وفي ثقيف، وفي قبائل العرب، وأحكمت الحصار من كل جانب ضد الدعوة، ورجالاتها، وأصبح محمد (ص) على وشك القضاء عليه، بعد هلاك عمه أبي طالب أكبر حماته.
стр. 280
ورسول الله (ص) ماض في طريقه، صابر لأمر ربه، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا حرب محارب، ولا كيد مستهزىء.
آن الأوان لأن يقر الله تعالى عين نبيه، فيعرج به من دون الخلائق جميعا إليه، ويكرمه على صبره وجهاده، ويلتقي به مباشرة دون رسول ولا حجاب، ويطلعه على عوالم الغيب دون الخلق كافة، ويجمعه مع إخوانه من الرسل في صعيد واحد فيكون الإمام والقدوة لهم وهو خاتمهم وآخرهم، ويحدثنا ﵊ عن هذه الرحلة الخالدة فيقول:
حديث الإسراء
(عن أنس بن مالك أن رسول الله (ص) قال:
((أتيت بالبراق)) (وهو أبيض طويل فوق الحمار دون البغل يضع حافره عفد منتهى طرفه) قال: ((فركبته حتى أتيت بيت المقدس)) قال: (فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء)) قال: ((ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن. فقال جبريل (ص): اخترت الفطرة ..)) (١).
(وهن جابر بن عبد الله ﵄ أنه سمع رسول الله (ص) يقول:
стр. 281
(لما كذبني قريش قمت من الحجر، فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه)) (١).
(قال الحسن (٢) في حديثه: فمضى رسول الله (ص) ومضى جبريل ﵇ معه، حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء فأمهم رسول الله (ص) فصلى بهم، ثم أتي بإناءين في أحدهما خمر وفي الآخر لبن. قال: فأخذ رسول الله (ص) إناء اللبن، فشرب منه، وترك إناء الخمر. قال: فقال جبريل: هديت للفطرة، وهديت أمتك يا محمد، وحرمت عليكم الخمر، ثم انصرف رسول الله (ص) إلى مكة. فلما أصبح غدا على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثر الناس: هذا والله الأمر البين، والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرا مقبلة. أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة، ويرجع إلى مكة؟! قال: فارتد كثير ممن كان أسلم. وذهب الناس إلى أبي بكر، فقالوا له: هل لك يا أبا بكر في صاحبك، يزعم أنه جاء هذه الليلة بيت المقدس، وصلى فيه، ورجع إلى مكة. فقال أبو بكر: والله لئن كان قال لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك؟!. فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه. فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله (ص) فقال: يا نبي الله، أحذثت هؤلاء القوم أنك أتيت المقدس هذه الليلة؟ قال: ((نعم)) قال: يا نبي الله، فصفه لي فإني قد جئته. قال
стр. 282
الحسن: فقال رسول الله (ص): (فرفع لي حتى نظرت إليه) فجعل رسول الله (ص) يصفه لأبي بكر، ويقول أبو بكر: صدقت أشهد أنك رسول الله كلما وصف له منه شيئا، قال: صدقت أشهد أنك رسول الله .. حتى انتهى. قال رسول الله (ص) لأبي بكر: ((وأنت يا أبا بكر الصديق)) فيومئذ سماه الصديق.
قال الحسن: وأنزل الله تعالى فيمن ارتد عن إسلامه لذلك: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا﴾ (١)) (٢).
(قال محمد بن إسحاق: وكان - فيما بلغني - عن أم هانىء بنت أبي طاب ﵂ واسمها هند في مسرى رسول الله (ص)، أنها كانت تقول: ما أسرى برسول الله (ص) إلا وهو في بيتي، نائم عندي تلك الليلة في بيتي، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر، أهبنا رسول الله (ص) فلما صلى الصبح، وصلينا معه، قال: ((يا أم هانىء لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي.
ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم قد صليت صلاة الغداة معكم، الآن كما ترين)) ثم قام ليخرج فأخذت بطرف ردائه، فتكشف عن بطنه كأنه قبطية سطوية (٣)، فقلت له: يا نبي الله، لا تحدث بهذا الناس فيكذبوك
стр. 283
ويؤذوك. قال: ((والله لأحدثهموه)) قالت: فقلت لجاية لي حبشية: ويحك اتبعي رسول الله (ص) حتى تسمعي ما يقول للناس، وما يقولون له. فلما خرج رسول الله (ص) إلى الناس أخبرهم، فعجبوا وقالوا: ما آية ذلك يا محمد؟ فإنا لم نسمع بمثل هذا قط. قال: ((آية ذلك أني مررت بعير بني فلان بوادي كذا وكذا، فأنفرهم حس الدابة، فند (١) لهم بعيرهم فدللتهم عليه، وأنا موجه إلى الشام، ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان مررت بعير بني فلان، فوجدت القوم نياما، ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشيء فكشفت غطاءه، وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان. وآية ذلك أن عيرهم الآن تصوب من البيضاء، ثنية التنعيم يقدمها جمل أورق، عليه غرارتان إحداهما سوداء، والأخرى برقاء)) قالت: فابتدر القوم الثنية، فلم يلقهم أول من الجمل كما وصف لهم، وسألوهم عن الإناء، فأخبروهم أنهم وضعوه مملوءا ماء ثم غطوه، وأنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوه، ولم يجدوا فيه ماء. وسألوا الآخرين وهم بمكة، فقالوا: صدق والله، لقد أنفرنا في الودي الذي ذكره، وند لنا بعير، فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه حتى أخذناه) (٢).
(وفي رواية يونس: أنه وعد قريشا بقدوم العير التي أرشدهم إلى البعير، وشرب إنائهم وأنهم سيقدمون ويخبرون بذلك. فقالوا: يا محمد متى يقدمون؟ فقال: ((يوم الأربعاء)) فلما كان ذلك اليوم ولم يقدموا، حتى قربت الشمس أن تغرب، فدعا الله فحبس الشمس حتى قدموا كما وصف.
стр. 284
قال: ولم يحبس الشمس إلا له ذلك اليوم وليوشع بن نون) (١). يقول ابن كثير:
(وقد عاين في تلك الليلة من الآيات والأمور التي لو رآها (٢) - أو بعضها - غيره لأصبح مندهشا أو طائش العقل، ولكنه (ص) أصبح واجما - أي ساكنا - يخشى إن بدأ فأخبر قومه بما رأى أن يبادروا إلى تكذيبه، فتلطف بإخباجم أولا بأنه جاء بيت المقدس في تلك الليلة، وذلك أن أبا جهل - لعنه الله - رأى رسول الله (ص) في المسجد الحرام وهو جالس واجم، فقال له: هل من خبر؟ فقال: ((نعم)) فقال: ما هو؟ قال: ((إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس)) قال: إلى بيت المقدس؟! قال: ((نعم)) فأراد أبو جهل جمع قريش ليسمعوا منه ذلك، وأراد رسول الله جمعهم ليخبرهم بذلك ويبلغهم فقال أبو جهل:
هيا معشر قريش، وقد اجتمعوا من أنديتهم، فقال: أخبر قومك بما
стр. 285
أخبرتني به، فقص عليهم رسول الله (ص) خبر ما رأى، وأنه جاء بيت المقدس هذه الليلة وصلى فيه، فمن بين مصدق وبين مصفر، تكذيبا له، واستبعادا لخبره. وطار الخبر بمكة، وجاء الناس إلى أبي بكر ﵁، فأخبروه أن محمدا يقول كذا وكذا، فقال: إنكم تكذبون عليه، فقالوا: والله إنه ليقوله. فقال: إن كان قاله فلقد صدق. ثم جاء إلى رسول الله (ص) وحوله مشركو مكة، فسأله ذلك فأخبره، فاستعلمه عن صفات بيت المقدس، ليسمع المشركون ويعلموا صدقه فيما أخبرهم به) (١).
...
١ - من دلالات الإسراء برسول الله (ص) هو أن رسالة الله واحدة إلى خلقه وهي الإسلام ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ وبه جاء الأنبياء من لدن آدم ونوح إلى محمد ﵊، فهو يصلي إماما بالأنبياء، ويؤم بيت المقدس، الذي أقيم للناس ليعبدوا الله تعالى فيه بعد بيت الله الحرام. وهو القبلة الأولى للمسلمين، وأهميته بالنسبة للمسلمين وثيقة مثل أهمية بيت الله الحرام، ولو تحولت القبلة عنه، فمحمد (ص) خاتم النبيين وإمامهم.
فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: ((أنا أولى الناس بابن مريم، الأنبياء أولاد علات، وليس بيني وبين ابن مريم نبي)) قال: كان أبو هريرة يقول: قال رسول الله (ص): ((مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه، ترك منه موضع لبنة،