← Сира

Сира · id 14326

فقه السيرة النبوية لمنير الغضبان

منير الغضبان

Полный текст (742 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

(لما كذبني قريش قمت من الحجر، فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه)) (١). (قال الحسن (٢) في حديثه: فمضى رسول الله (ص) ومضى جبريل ﵇ معه، حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء فأمهم رسول الله (ص) فصلى بهم، ثم أتي بإناءين في أحدهما خمر وفي الآخر لبن. قال: فأخذ رسول الله (ص) إناء اللبن، فشرب منه، وترك إناء الخمر. قال: فقال جبريل: هديت للفطرة، وهديت أمتك يا محمد، وحرمت عليكم الخمر، ثم انصرف رسول الله (ص) إلى مكة. فلما أصبح غدا على قريش فأخبرهم الخبر، فقال أكثر الناس: هذا والله الأمر البين، والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرا مقبلة. أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة، ويرجع إلى مكة؟! قال: فارتد كثير ممن كان أسلم. وذهب الناس إلى أبي بكر، فقالوا له: هل لك يا أبا بكر في صاحبك، يزعم أنه جاء هذه الليلة بيت المقدس، وصلى فيه، ورجع إلى مكة. فقال أبو بكر: والله لئن كان قال لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك؟!. فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه. فهذا أبعد مما تعجبون منه. ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله (ص) فقال: يا نبي الله، أحذثت هؤلاء القوم أنك أتيت المقدس هذه الليلة؟ قال: ((نعم)) قال: يا نبي الله، فصفه لي فإني قد جئته. قال

стр. 282

الحسن: فقال رسول الله (ص): (فرفع لي حتى نظرت إليه) فجعل رسول الله (ص) يصفه لأبي بكر، ويقول أبو بكر: صدقت أشهد أنك رسول الله كلما وصف له منه شيئا، قال: صدقت أشهد أنك رسول الله .. حتى انتهى. قال رسول الله (ص) لأبي بكر: ((وأنت يا أبا بكر الصديق)) فيومئذ سماه الصديق. قال الحسن: وأنزل الله تعالى فيمن ارتد عن إسلامه لذلك: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا﴾ (١)) (٢). (قال محمد بن إسحاق: وكان - فيما بلغني - عن أم هانىء بنت أبي طاب ﵂ واسمها هند في مسرى رسول الله (ص)، أنها كانت تقول: ما أسرى برسول الله (ص) إلا وهو في بيتي، نائم عندي تلك الليلة في بيتي، فصلى العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر، أهبنا رسول الله (ص) فلما صلى الصبح، وصلينا معه، قال: ((يا أم هانىء لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي. ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه، ثم قد صليت صلاة الغداة معكم، الآن كما ترين)) ثم قام ليخرج فأخذت بطرف ردائه، فتكشف عن بطنه كأنه قبطية سطوية (٣)، فقلت له: يا نبي الله، لا تحدث بهذا الناس فيكذبوك

стр. 283

ويؤذوك. قال: ((والله لأحدثهموه)) قالت: فقلت لجاية لي حبشية: ويحك اتبعي رسول الله (ص) حتى تسمعي ما يقول للناس، وما يقولون له. فلما خرج رسول الله (ص) إلى الناس أخبرهم، فعجبوا وقالوا: ما آية ذلك يا محمد؟ فإنا لم نسمع بمثل هذا قط. قال: ((آية ذلك أني مررت بعير بني فلان بوادي كذا وكذا، فأنفرهم حس الدابة، فند (١) لهم بعيرهم فدللتهم عليه، وأنا موجه إلى الشام، ثم أقبلت حتى إذا كنت بضجنان مررت بعير بني فلان، فوجدت القوم نياما، ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشيء فكشفت غطاءه، وشربت ما فيه، ثم غطيت عليه كما كان. وآية ذلك أن عيرهم الآن تصوب من البيضاء، ثنية التنعيم يقدمها جمل أورق، عليه غرارتان إحداهما سوداء، والأخرى برقاء)) قالت: فابتدر القوم الثنية، فلم يلقهم أول من الجمل كما وصف لهم، وسألوهم عن الإناء، فأخبروهم أنهم وضعوه مملوءا ماء ثم غطوه، وأنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوه، ولم يجدوا فيه ماء. وسألوا الآخرين وهم بمكة، فقالوا: صدق والله، لقد أنفرنا في الودي الذي ذكره، وند لنا بعير، فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه حتى أخذناه) (٢). (وفي رواية يونس: أنه وعد قريشا بقدوم العير التي أرشدهم إلى البعير، وشرب إنائهم وأنهم سيقدمون ويخبرون بذلك. فقالوا: يا محمد متى يقدمون؟ فقال: ((يوم الأربعاء)) فلما كان ذلك اليوم ولم يقدموا، حتى قربت الشمس أن تغرب، فدعا الله فحبس الشمس حتى قدموا كما وصف.

стр. 284

قال: ولم يحبس الشمس إلا له ذلك اليوم وليوشع بن نون) (١). يقول ابن كثير: (وقد عاين في تلك الليلة من الآيات والأمور التي لو رآها (٢) - أو بعضها - غيره لأصبح مندهشا أو طائش العقل، ولكنه (ص) أصبح واجما - أي ساكنا - يخشى إن بدأ فأخبر قومه بما رأى أن يبادروا إلى تكذيبه، فتلطف بإخباجم أولا بأنه جاء بيت المقدس في تلك الليلة، وذلك أن أبا جهل - لعنه الله - رأى رسول الله (ص) في المسجد الحرام وهو جالس واجم، فقال له: هل من خبر؟ فقال: ((نعم)) فقال: ما هو؟ قال: ((إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس)) قال: إلى بيت المقدس؟! قال: ((نعم)) فأراد أبو جهل جمع قريش ليسمعوا منه ذلك، وأراد رسول الله جمعهم ليخبرهم بذلك ويبلغهم فقال أبو جهل: هيا معشر قريش، وقد اجتمعوا من أنديتهم، فقال: أخبر قومك بما

стр. 285

أخبرتني به، فقص عليهم رسول الله (ص) خبر ما رأى، وأنه جاء بيت المقدس هذه الليلة وصلى فيه، فمن بين مصدق وبين مصفر، تكذيبا له، واستبعادا لخبره. وطار الخبر بمكة، وجاء الناس إلى أبي بكر ﵁، فأخبروه أن محمدا يقول كذا وكذا، فقال: إنكم تكذبون عليه، فقالوا: والله إنه ليقوله. فقال: إن كان قاله فلقد صدق. ثم جاء إلى رسول الله (ص) وحوله مشركو مكة، فسأله ذلك فأخبره، فاستعلمه عن صفات بيت المقدس، ليسمع المشركون ويعلموا صدقه فيما أخبرهم به) (١). ... ١ - من دلالات الإسراء برسول الله (ص) هو أن رسالة الله واحدة إلى خلقه وهي الإسلام ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ وبه جاء الأنبياء من لدن آدم ونوح إلى محمد ﵊، فهو يصلي إماما بالأنبياء، ويؤم بيت المقدس، الذي أقيم للناس ليعبدوا الله تعالى فيه بعد بيت الله الحرام. وهو القبلة الأولى للمسلمين، وأهميته بالنسبة للمسلمين وثيقة مثل أهمية بيت الله الحرام، ولو تحولت القبلة عنه، فمحمد (ص) خاتم النبيين وإمامهم. فعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: ((أنا أولى الناس بابن مريم، الأنبياء أولاد علات، وليس بيني وبين ابن مريم نبي)) قال: كان أبو هريرة يقول: قال رسول الله (ص): ((مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه، ترك منه موضع لبنة،

стр. 286

فطاف بها النظار يتعجبون من حسن بنائه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون سواها، فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة، ختم بي البنيان، وختم بي الرسل)) (١). وقال رسول الله (ص): ((أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة)) قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: ((الأنبياء إخوة من علات، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وليس بيننا نبي)) (٢). ٢ - وشرب رسول الله (ص) اللبن حين خير بينه وبين الخمر، وبشارة جبريل ﵊: هديت للفطرة. تؤكد أن هذا الإسلام دين الفطرة البشرية الذي ينسجم معها فالذي خلق الفطرة البشرية خلق لها هذا الدين الذي يلبي نوازعها واحتياجاتها ويحقق طموحاتها، ويكبح جموحها ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ (٣). وحين نرى الناس يجنحون عن هذا الدين، فلا شك أن فطرتهم قد فسدت. ومهمة الداعية أن يعالج فساد هذه الفطرة بما حوت من ركام،

стр. 287

يزيل تلك الأقفال عن القلوب، يعالج تلك القشرة القاسية الجاسية، ليصل إلى القلب قبل الران عليه، فينشرح صدرا بالإسلام، يرفع رأسا به. ٣ - وحرص رسول الله (ص) على إخبار قومه بما من الله تعالى عليه بهذا الإكرام رغم توقع التكذيب درس واضح كذلك أن علينا أن نمضي في سبيل الله، لا نعبأ بمن يحارب أو يستعد للمحاربة، لأننا ماضون على خطا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: ﴿يا أيها النبي بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾ (١). لقد اهتبلها أبو جهل فرصة لكيد النبي (ص)، حتى يكذبه الناس، فما عبأ ﵊ بما يلاقي رغم إشفاق أم هانىء عليه أن لا يحدث به الناس حتى لا يكذبوه. لا بد أن تجلى حقائق هذا الدين للناس جميعا، وإخفاء الحقائق حرصا على إرضاء نزوات الناس انحراف عن منهح الله، وكتمان لما أمر الله تعالى بتبليغه، لكن اختيار الوقت والطريقة الأنسب للتبليغ موضوع آخر. فلم يبلغ رسول الله (ص) بما رأى في المعراج من آيات ربه إلا بعد لأي، وبدأ بإبلاغهم ما يعرفون، وما يقدر على إثباته لهم، حيث

стр. 288

رفع الله تعالى له بيت المقدس ليصفه للناس رأي عين. وجاء بدلائل من الوقائع الحسية لتصديق خبره. لقد كان رسول الله (ص) في غنى عن الشرب، وفي غنى عن الدلالة على البعير الذي ند وهو ماض في أعظم رحلة تكريم له، ولكنها الوقائع الحسية لدفع حجتهم، وإثبات صحة الخبر. وما يفعله الدعاة اليوم، بالاستشهاد بحقائق العلم التي جاءت مصداقا لما جاء به الله تعالى ورسوله، وتحقيقا لقول الله : ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ..﴾ (١) هو منطلق سليم وطيب. لكن الفرق كبير بين إثبات حقائق الدين من خلال الإيمان المطلق بحقائق العلم، وكأنما الدين مفتقر لذلك حتى يصح، وبين اليقين بأن الله تعالى الذي أنزل الدين هو الذي علم الناس ما يجهلون، وفقههم في دينه من خلال تجلية آياته في الأنفس وفي الآفاق. ٤ - ﴿وما جعبا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ..﴾ فالرسول (ص) مقدم على مرحلة جديدة، مرحلة الهجرة، والانطلاق لبناء الدولة ويريد الله تعالى للبنات الأولى في البناء أن تكون سليمة قوية متراصة متماسكة. وجعل الله تعالى هذا الاختبار والتمحيص، ليخلص الصف من الضعاف المترددين والذين في قلوبهم مرض، ويثبت المؤمنين الأقوياء والخلص.

стр. 289

فارتد كثير من المسلمين. بينما وقف في الصف المقابل، الصديق أبو بكر ﵁ كالطود الشامخ في كلمته الخالدة التي حددت منهج الإيمان: (إن كان قالها فقد صدق). و (فولله إنه ليخبرني الخبر يأتيه من السماء ساعة من ليل أو نهار فأصدق). وفاز أبو بكر ﵁ بلقب الصديق - يومها - فهو صديق هذه الأمة، وهو الذي علمنا كيف يكون التعامل مع ما يأتي من الله ورسوله، فلا مجال للرأي بعد ثبوت نقله، ولا جدال في مورد النص. حديث المعراج عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة ﵄ أن نبي الله (ص) حدثهم عن ليلة أسري به قال: ((بينما أنا في الحطيم - وربما قال في الحجر - مضطجعا، إذ أتاني آت فقد)) قال: وسعته يقول فشق ((ما بين هذه إلى هذه)) فقلت للجارود وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته. وسمعته يقول من قصه إلى شعرته ((فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا، فغسل قلبي ثم حشي، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض)) فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم يضع خطوه عند أقصى طرفه

стр. 290

(فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت فإذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه. فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى السماء الثانية فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما. فسلمت فردا السلام ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه. فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى السماء الرابعة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت إلى إدريس، فقال: هذا إدريس فسلم عليه. فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى السماء الخامسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت فإذا هارون؛ فقال: هذا هارون. فسلم عليه. فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى السماء السادسة

стр. 291

فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت فإذا موسى، فقال: هذا موسى فسلم عليه. فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحباء بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر من يدخلها من أمتي، ثم صعد بي حتى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قال: مرحبا به، فنعم المجيء جاء. فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام. قال: مرحبا بالإبن الصالح، والنبي الصالح. ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة. قال هذه سدرة المنتهي، وإذا أربعة أنهار، نهران باطنان ونهران ظاهران. فقلت: ما هذان يا جبريل. قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رفع لي البيت المعمور، ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن، وإناء من عسل. فأخذت اللبن فقال: هي الفطرة أنت عليها وأمتك، ثم فرضت علي الصلوات خمسين صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بما أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة، والله لقد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فرجعت: فوضع عني عشرا. فرجعت إلى موسى، فقال لي مثله، فرجعت، فوضع عني عشرا، فرجت إلى موسى، فقال لي مثله، فرجعت: فأمر بعشر صلوات كل

стр. 292

يوم. فرجعت، فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى، فقال: بما أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم. قال: فلما جاوزت نادى سمناد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي))) (١). (قال ابن شهاب: فأخبر ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال النبي (ص): ((فعرض الله على أمتي خمسين صلاة .. ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألون لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة، فإذا بها حبائل اللؤلؤ وإذا ترابها المسك)) (٢). (وعن عبد الله قال: لما أسري برسول الله (ص)، انتهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها قال: إذ يغشى السدرة ما يغشى قال: فراش من ذهب قال: فأعطي رسول الله (ص) ثلاثا: أعطي الصلوت الخمس، وأعطي خواتم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات) (٣).

стр. 293

(وعن الشيباني قال: سألت زرا عن قوله ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ قال: أخبرنا عبد الله أنه محمد رأى جبريل له ستمائة جناح) (١). (وعن أنس قال: قال رسول الله (ص) ((لما أسري بي إلى السماء رأيت موسى ﵊ يصلي في قبره)) (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن رسول الله (ص) قال: ((لما دخلت السماء الدنيا، رأيت بها رجلا جالسا تعرض عليه أرواح بني آدم فيقول لبعضها إذا عرضت عليه خيرا، ويسر به، ويقول: روح طيبة خرجت من جسد طيب، ويقول لبعضها إذا عرضت عليه: روح خبيثة خرجت من جسد خبيث. قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك آدم، تعرض عليه أرواح ذريته .. ثم رأيت رجالا لهم مشافر كمشافر الإبل في أيديهم قطع من نار كالأفهار يقذفونها في أفواههم، فتخرج من أدبارهم. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة أموال اليتامى ظلما. ثم رأيت رجالا لهم بطون لم أر مثلها قط بسبيل آل فرعون يمرون عليهم كالإبل المهيومة حين يعرضون على النار، يطؤوهم لا يقدرون على أن يتحولوا من مكانهم ذلك))، قال: ((قلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء هم آكلة الربا.

стр. 294

ثم رأيت رجالا بين أيديهم لحم ثمين طيب إلى جنبه لحم غث منتن يأكلون من الغث المنتن ويتركون السمين الطيب) قال: ((قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يتركون ما أحل الله لهم من النساء، ويذهبون إلى ما حرم الله عليهم منهن. ثم رأيت نساء معلقات بثديهن، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم)) (١). ... ١ - لقد كان افتتاح الإسراء والمعراج بشق صدره ﵊، وبملئه بالإيمان، وغسل القلب كذلك، وهو أمر من معجزاته (ص)، تقتضيه تلك الرحلة إلى الحضرة الإلهية، والاطلاع على عوالم من عوالم الغيب. لن يستطيعها بشر، ولن يطيقها مخلوق. ومن أجل هذا هيىء قلبه ﵊، لمثل هذا المعراج، وهذا الأمر يعفينا من كثير من الخواطر حول إمكانية رؤية رسول الله لربه، والأمر كله أكبر من قياسه على العقل البشري. والطاقة البشرية الضعيفة، ومن من خلق الله تعالى أعد هذا الإعداد لمثل هذه المواجهات غير رسول الله (ص)؟ منذ طفولته وهو ابن الرابعة حين شق صدره لأول مرة، وانتزع منه العلقة السوداء، حظ الشيطان منه، وعند بعثته ليكون مهيأ لتلقي كلام رب العالمين، حيث شق صدرع وملىء قلبه بالإيمان، وهذه المرة الثالثة التي أعد للقاء مع الأنبياء والملائكة، والمثول بين يدي رب العالمين.

стр. 295

٢ - ثم كان افتتاح السموات العلا، واحدة إثر الأخرى بعد الاستئذان من جبريل ﵊، وإعلامهم بمصاحبة النبي (ص) له، ثم لقاؤه مع النبي المقرر اللقاء معه في هذه السماء، هو إشعار النبي (ص) أن حدوده ليست مكة وقريش وثقيف .. إنه نبي هذا الوجود كله، الذي يستبشر بقدومه ملائكة السماء وحفظتها، وينتظرون بعثته، ويتهيؤون لاستقباله، والأنبياء هم مستبشرون به، وعارفون لفضله، ومقروق بنبوته وفضله، إنه هو العبد الذي يسير بصحبة جبريل ﵊ إلى أماكن لم تخطر على خلد بشر، يرى ﵊ هذه الآفاق وهذا الملكوت وحدوده قبل هذه الرحلة بصرى في الشام والطائف في الحجاز. ٣ - وإذا كان جبريل ﵊ هو الذي يجوب بمحمد (ص) آفاق السموات والأرض، ويقدمه للملائكة والنبيين، فلجبريل نفسه حدود لا يتجاوزها، فعند سدرة المنتهى رأى رسول الله (ص) جبريل للمرة الثالثة كذلك على صورته التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح، فلئن رآه قبل في حراء وفي الأبطح. وهو الفرد العادي إنه يراه الآن، حيث يقف جبريل ويتقدم النبي (ص)، إلى المثول بين يدي الرب الأعلى، يتلقى منه مباشر دون واسطة، ودون رسول .. يسمع من ربه، ويحفل به الله تعالى، فيريه من الآيات ما لا يستطيع أحد وصفه، وتتجلى أنوار الحضرة الإلهية عليه، فأنى التفت وأنى سار يرى النور. ٤ - وفي هذا اللقاء المنفرد، شاء رب العزة من كل أحكام هذه الشريعة، أن يتلقى رسوله أمر الصلوات الخمس هناك، وكأنما الهدف من هذا اللقاء هو هذا

стр. 296

التلقي، وكيف كانت خمسين صلاة ابتداء. فما أعظم هذه الصلوت في حس المسلم، حين يذكر شرفها وعظمتها أين تم تلقيها .. وواجب المسلم أن يقتدي برسول الله (ص)، فيعطي هذه الصلاة حقها، لأنها في حسه هي الصلة اليومية المفروضة بين الله تعالى وعباده. (وأما فرض الصلاة عليه هنالك، ففيه التنبيه على فضلها، حيث لم تفرض إلا في الحضرة المقدسة، ولذلك كانت الطهارة من شأنها، ومن شرائط أدائها، والتنبيه على أنها مناجاة الرب، وأن الرب تعالى مقبل بوجهه على المصلي يناجيه يقول: حمدني عبدي، أثنى علي عبدي .. إلى آخر السورة، وهذا مشاكل لفرضها عليه في السماء السابعة حيث سمع كلام الرب وناجاه ولم يعرج به حتى طهر ظاهره وباطنه بماء زمزم كما يتطهر المصلي للصلاة، وأخرج عن الدنيا بجسمه كما يخرج المصلي عن الدنيا بقلبه، ويحرم عليه كل شيء إلا مناجاة ربه، وتوجهه إلى قبلته في ذلك الحين، وهو بيت المقدس، ورفع إلى السماء، كما يرفع المصلي يديه إلى جهة السماء إشارة إلى القبلة العليا فهي البيت المعمور، وإلى جهة عرش من يناجيه ويصلي له سبحانه) (١). وكأنما الصلاة للمؤمن معراج مصغر يتجه المؤمن بقلبه إلى الله

стр. 297

تعالى ويمثل بين يديه، ذكرا وتسبيحا واستغفارا وثناء على الله جل وعلا، كما كرم سيد الخلق بأن كان معراجه ومثوله بين يدي ربه بجسده الشريف وقلبه. وإذا كان فرض الصلوات هناك، فلا بد أن يكون حس المؤمن متجها إلى هناك، إلى حيث فرضت يوم فرضت، بلا وساطة، ولا حاجب ولا حجاب. ومن أجل هذا كان ترك الصلاة من الكبائر التي تقود إلى الكفر. ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) (١). وما كان السلف يرون أمرا تركه كفر غير الصلاة، قال عبد الله ابن شفيق: كان أصحاب محمد (ص) لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة (٢). ٥ - وما هيأه الله تعالى لنبيه (ص) من أن يكون موسى ﵊ على طريق عودته، ويتذاكر معه فيما فرض عليه ربه، فيلح موسى على محمد (ص) العودة إلى ربه ومناجاته، وطلب التخفيف عن أمته، وكيف كان يمضي ثم يعود، فيسقط الله تعالى عنه عشرا، وكيف وقف عند الخمس بعد ذلك، ويستحي من ربه العودة، فيسمع نداء ربه: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي.

стр. 298

(.. وكذلك قال في آخر الحديث: ((هي خمس، وهي خمسون، والحسنة بعشر أمثالها))، فتأول رسول الله (ص)، على أنها خمسون بالفعل، فلم يزل يراجع ربه حتى بين له أنها خمسون في الثواب لا بالعمل، فإن قيل: فما معنى نقصها عشرا بعد عشر، قلنا: ليس كل الخلق يحضر قلبه في الصلاة من أولها إلى آخرها، وقد جاء في الحديث أنه يكتب له منها ما حضر قلبه منها، وأن العبد يصلي الصلاة فيكتب له نصفها وربعها حتى انتهى إلى عشرها، ووقف، فهي خمس في حق من كتب له غشرها، وعشر في حق من كتب له أكثر من ذلك، وخمسون في حق من كملت صلاته وأداها بما يلزمه من تمام خشوعها، وكمال سجودها وركوعها) (١). وحيث بقيت الصلاة خمسا من حيث الأداء، فلم يعد من عذر لمسلم بترك واحدة منها، وفوات صلاة واحدة من غير نسيان، ذنب لا يعادله ذنب، لأنها تخل عن مناجاة الرب جل وعلا، والوقوف والمثول بين يديه. وحري بالمسلم، وقد سمع ما أكرم الله تعالى به نبيه حين أحضره إليه وعرض عليه ﵊، وما كان من تلك المراجعة المستمرة من أجل التخفيف عنه حتى عدت خمسا في العمل وخمسين في الثواب، حري بالمسلم وقد سمع هذا كله أن يحافظ على هذه الصلوات الخمس ويتطهر بها يوميا من ذنوبه.

стр. 299

((أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟)) قالوا: لا قال: ((فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا)) (١). هذا من حيث الأجر لمن أداها بحقها، أما من حيث الوزر لمن تخلى عنها أو فرط في حقها، فهو مطرود من الحضرة الإلهية، ومبعوث مع المجرمين العتاة الكفرة. فيكفينا أن نرى صلاة النبي (ص) في الأنبياء في بيت المقدس، لتؤكد أن الصلاة جزء من دين الله تعالى الذي أنزل على كل نبي من أنبيائه، وليست خاصة بالمسلمين وحدهم. وقد شهدنا كيف كان موسى ﵊ يشفق على أمة محمد (ص)، من أجل الصلوات الخمسين فيلح على أخيه محمد ﵊ أن يطلب التخفيف من ربه، بعد أن بلا بني إسرائيل وشهد تقصيرهم، وإن كانت كيفيتها تختلف من رسالة إلى أخرى، لكنها كلها تتجه إلى الله تعالى. فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه. فعن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي (ص) أنه ذكر الصلاة يوما فقال: ((من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها، لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان

стр. 300

يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف)) (١). ٦ - ورؤية رسول الله (ص) ليلة الإسراء والمعراج للزناة وأكلة الربا، وأكلة مال اليتامى هو دليل على خطر هذه الكبائر، وأنها تقود إلى النار، عصاة المؤمنين الذين يرتكبونها، فالتهاون فيها، والتفريط فيها يجعل المرء يخوض في نار جهنم خوضا ولا يدري، وقد توعد الله تعالى بالنار من يرتكب مثل هذه الجرائم: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ (٢). ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة، ويخلد فيه مهانا، إلا من تاب ..﴾ (٣). ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقو النار التي أعدت للكافرين﴾ (٤).

стр. 301

الفصل الثامن عشر الهجرة إلى المدينة أولا: أسبابها: (عن عطاء بن رباح قال: زرت عائشة مع عبيد الله بن عمرو الليثي فسألناها عن الهجرة فقالت: لا هجرة اليوم. كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله (ص) مخافة أن يفتن عليه. أما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، واليوم يعبد ربه حيث شاء) (١). (قال ابن إسحاق (٢): قال كعب بن مالك: ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله (ص) العقبة، من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج .. فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله (ص) نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب أم عمارة، إحدى نساء بني مازن

стр. 302

ابن النجار، وأسماء ابنة عمرو بن عدي إحدى نساء بني سلمة وهي أم منيع. فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله (ص) حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج .. إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وأنه قد أبى إلا الانحياز لكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة في بلده. قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. قال: فتكلم رسول الله (ص)، فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام ثم قال: ((أبايعكم على أن تمنعوني بما تمنعون به نساءكم وأبناءكم)) قال: فأخذ البراء بن معرور بيده وقال: نعم، والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا (١). فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحلقة (٢)، ورثناها كابرا عن كابر (٣). قال: فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله (ص) أبو الهيثم بن التيهان

стр. 303

فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا (١)، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك ويدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله (ص) ثم قال: ((بل الدم الدم والهدم الهدم (٢)، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم)). قال كعب: وقد كان قال رسول الله (ص): ((أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا، ليكونوا على قومهم بما فيهم))، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس) (٣). (قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قادة (٤): (أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله (ص) قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري، أخو بني سالم بن عوف: يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالو: نعم. قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه، فمن الآن فدعوه، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال، وقتل

стр. 304

الأشراف، فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف؟ فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ قال: ((الجنة)) قالو: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه. وأما عاصم بن عمر بن قتادة فقال: والله ما قال ذلك العباس إلا ليشد العقد لرسول الله (ص) في أعناقهم، وأما عبد الله بن أبي بكر فقال: ما قال ذلك العباس إلا ليؤخر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن أبي بن سلول، فيكون أقوى لأمر القوم، فالله أعلم أي ذلك كان) (١). وقل الإمام أحمد عن جابر قال: مكث رسول الله (ص) بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم، بعكاظ ومجنة في المواسم بمنى يقول: ((من يؤويني، من ينصرني؟ حتى أبلغ رسالة ربي، وله الجنة)) فلا يجد أحدا يؤويه، ولا ينصره .. حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر فيأتيه قومه، وذوو رحمه فيقولون له: احذر غلام قريش لا يفتنك، ويمضي بين رحالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فآويناه وصدقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم تبق من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام، ثم ائتمروا جميعا فقلنا: حتى متى نترك رسول الله (ص) يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟ فرحل إليه منا سبعون رجلا، حتى قدموا عليه الموسم، فوإعدناه العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: ((تبايعوني على السمع

стр. 305

والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني، إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة)) فقمنا إليه فبايعناه. وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو من أصغرهم - وفي رواية البيهقي: وهو أصغر السبعين إلا أنا - فقال: رويدا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل، إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مناوأة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله، قالوا: أمط (١) عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة، ولا نسلبها (٢) أبدا، قال: فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة) (٣). ... ١ - كما سبق وقلنا من قبل أن الدعوة في مكة وصلت إلى الطريق المسدود، وأن الحبشة على بعدها عن الأرض العربية لا تصلح قاعدة رئيسية للدعوة بمقدار ما تصلح قاعدة احتياطية، ومن الصعب أن تكون قاعدة انطلاق. وكانت المحاولات التي قام بها النبي (ص) مع القبائل العربية المجاورة والنائية ولكن دون جدوى، فقد أعد الله تعالى الخير لأهل يثرب،

стр. 306

ولم يكن ﵊ يعرف ذلك كما ورد عنه ﵊: ((رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب)) (١). وسبق هذه العقبة لقاءان لرسول الله (ص) مع نفر من يثرب كانوا ستة في العام الأول واثني عشر في العام الثاني، حيث بايعوا بيعة العقبة الأولى (٢). والذي دفعهم إلى الاستجابة لرسول الله (ص) ما كانوا يسمعونه من اليهود عن النبي، (فقال بعضهم لبعض: (تعلموا بالله أنه للنبي الذي توعدكم به يهود فلا تسبقنكم إليه) فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، وتعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك) (٣). والملاحظ أن دعوة النبي (ص) للأنصار، كانت دعوة عرضية، ولم تكن مقصودة، كما رأينا في سعيه لوفود القبائل العربية الضخمة من قبل، وكان وفد يثرب صغيرا مكونا من ستة أشخاص وليس قادرا على أن يتحمل مسؤولية الحماية والنصرة، فلقيهم رسول الله (ص) ودعاهم، وهو

стр. 307

لا يعرف ابتداء لأي قبيلة ينتسبون. (قال لهم: ((من أنتم؟)) قالوا: نفر من الخزرج. قال: ((أمن موالي اليهود؟)) قالو: نعم. قال: ((أفلا تجلسون أكلمكم؟)) قالو: بل. فجلسو معه، فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن ..) (١). فنصر الله تعالى يأتي للداعية من حيث لا يحتسب، والتخطيط البشري واجب، لكن الله تعالى هو الذي يختار لدعوته ودينه ما يحب، والشر الذي كان في يثرب وحرب بعاث فيهم، كانت شرا في ظاهرها، لكن كان من ورائها خير الدهر، أن دفعت أهل يثرب لمبايعة النبي (ص)، عسى أن تجتمع كلمتهم عليه، بعد أن عجزوا عن وحدة كلمتهم في الحروب التي كانت تأكلهم، وإرعاب يهود لهم بالنبي المبعوث الذي يقتلونهم به قتل عاد وإرم. كان في ظاهره بلاء عليهم، لكن كان وراءه خيري الدنيا والآخرة بأن تسارعوا للانضمام إليه قبل أن تسبقهم يهود إليه. إنها التقادير الربانية يوم يأذن الله تعالى بالفرج من عنده أو التمكين والنصر أن يأتي من قلب المحنة، ويأتي النور من كبد الظلمة، والله تعالى هو المؤيد والناصر، والبشر عاجزون أمام موعود الله. ولقد سدت السبل أمام سيد الخلق (ص)، بين عدو يتجهمه، وقريب يملك أمره، وكلما كان قاب قوسين أو أدنى من الحماية والنصر، يحال بينه وبين ذلك، بعدو جديد، أو افتراء جديد، أو

стр. 308

حرب عنيفة من أبي لهب وغيره، وحيث لم يكن يتوقع نصرا ولا قوة لا حماية، لا هجرة جاءه نصر الله وعونه وتمكينه. والداعية بحاجة دائما إلى أن يستحضر هذا المعنى، وهو يدعو إلى الله، والدعاة في الأرض بحاجة إلى أن يفقهوا هذا الأمر، وهم تتطلع نفوسهم إلى التمكين والنصر من أفق معين، إلى أن نصر الله تعالى قد يأتيهم من أفق آخر، من حيث لا يحلمون لا يتطلعون ولا يحتسبون. ولا أدل على ذلك من أن رسول الله (ص) لم يطلب منهم الحماية والنصرة، في الوقت الذي أمضى السنوات يرتاد المواسم كما روى الإمام أحمد عن جابر ﵁ وهو يسأل: ((من يؤويني؟ من ينصرني؟)) فلا يجد أحدا يؤويه). وهنا لم يسألهم عن شيء من ذلك، إنما عرض عليهم الإسلام، وقرأ عليهم القرآن فقبلوه. ٢ - وبدت بارقة أمل بين يدي رسول الله (ص)، انتظر عليها حتى العام القادم حيث قدم النفر الاثنا عشر، وبايعوه البيعة الأولى على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض الحرب (على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة ....) (١).

стр. 309

فالعام الثاني إذن لم تطرح فيه قضية الحماية والنصرة، فليس في الأفق ما يدل على ذلك واثنا عشر رجلا لا يحمون دعوة ولا داعية، في بلد تعج باليهود، وتضطرب بالصراع والخصومات، واكتفى رسول الله (ص) بإسلامهم وبيعتهم على الإسلام بيعة النساء، دون أية مسؤولية. إنه مهما كانت المهام أمام الدعاة إلى الله، فلا يجوز أن ينسوا أنهم دعاة إلى الله، وأن انضمام أي فرد إلى هذا الدين هو كنز عظيم وربح كبير ((لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم)) (١). ومن أجل ذلك، فلا يجوز أن يتحول الداعية إلى رجل سياسة فقط، أو رجل حرب يسعى ليحكم، وانتهى الأمر، فمهمته في الدعوة مرافقة له طيلة حياته، وهذا ما قبله رسول الله (ص) من رجال العقبة الأولى. لكن أصبح لرسول (ص) موطىء قدم في المدينة، بهؤلاء الأفراد الذين انضموا لهذا الدين، ولا بد له من أن يستفيد من هذه الظروف الجديدة، وهذا الموقع الجديد، ولن يكتفي بدراسة الأمر من قبلهم ولن يغامر بنفسه إلى هناك. وكما كانت مسؤولية جعفر ﵁ في الحبشة، كان مسؤولية مصعب بن عمير في المدينة (فلما انصرف القوم بعث رسول الله (ص)

стр. 310

معهم مصعب بن عمير .. وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فكان يسمى المقرىء بالمدينة). ٣ - والتطور السريع الذي تم في المدينة دفع رسول الله (ص) أن يغير خطته، فبعد أن كان طلب الحماية والنصرة هو الهدف الرئيسي، عند القبائل سواء أأسلموا أم لم يسلموا إذا بالمدينة تصبح قلعة ضخمة من قلاع الإسلام، ولم يتم هذا الأمر مع ذلك بسهولة، ولتشهد تطور الأمر فيها كيف تم. فعن عروة بن الزبير ﵁ قال: (... ثم بعثوا إلى رسول الله (ص) أن ابعث إلينا رجلا من قبلك يدعو الناس بكتاب الله فإنه أدنى أن يتبع. فبعث إليهم رسول الله (ص) مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار، فنزل في بني غنم على أسعد بن زرارة، فجعل يدعو الناس ويفشو الإسلام ويكثر أهله، وهم في ذلك مستخفون بدعائهم. ثم إن أسعد بن زرارة أقبل هو ومصعب بن عمير حتى أتيا بئر مرى أو قريبا منها، فجلسوا هنالك، وبعثوا إلى رهط من أهل الأرض، فأتوهم مستخفين، فبينما مصعب بن عمير يحدثهم ويقص عليهم القرآن أخبر بهم سعد بن معاذ، فأتاهم فيه ومعه الرمح حتى وقف عليه فقال: علام يأتينا في دونا بهذا الوحيد الطريد الطريح الغريب يسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم لا أراكما بعد هذا بشيء من جوارنا، فرجعوا، ثم إنهم عادوا الثانية ببئر مرى أو قريبا منها، فأخبر بهم سعد بن معاذ الثانية، فواعدهم بوعيد دون الوعيد الأول، فلما رأى أسعد منه لينا قال: يابن خالة اسمع من قوله، فإن سمعت منه منكرا فاردده يا هذا منه، وإن

стр. 311

سمعت منه خيرا فأجب الله، فقال: ماذا يقول: فقرأ عليهم مصعب ابن عمير: ﴿حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون﴾ فقال سعد: وما أسمع إلا ما أعرف، فرجع وقد هداه الله تعالى، ولم يظهر أمر الإسلام، حتى رجع. فرجع إلى قومه فدعا بني عبد الأشهل إلى الإسلام وأظهر إسلامه، وقال فيه: من شك فيه من صغير أو كبير أو ذكر أو أنثى فليأتينا بأهدى منه نأخذ به، فوالله لقد جاء أمر لتحزن فيه الرقاب. فأسلمت بنو عبد الأشهل عند إسلام سعد ودعائه إلا من لا يذكر. فكانت أول دور من دور الأنصار أسلمت بأسرها، ثم إن بني النجار أخرجوا مصعب بن عمير، واشتدوا على أسعد بن زرارة، فانتقل مصعب بن عمير إلى سعد بن معاذ، فلم يزل يدعو، ويهدي على يديه حتى قل دار من دور من الأنصار إلا أسلم فيها ناس لا محالة، وأسلم أشرافهم، وأسلم عمرو بن الجموح وكسرت أصنامهم، فكان المسلمون أعز أهلها، وصلح أمرهم، ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله (ص) وكان يسمى المقرى) (١). ولئن كون إسلام عمر ﵁ قوة للمسلمين، وكذلك إسلام النجاشي، لكن إسلام سعد بن معاذ أدخل قبيلته كلها في الإسلام إلى جانب القوة للمسلمين في كل مكان، وأدى إسلام الكثير من الأشراف في المدينة إلى أن يصبح الإسلام كما قال عروة ﵁

стр. 312

(فكان المسلمون أعز أهلها). وعودة مصعب بن عمير ﵁، وقد خبر المكان والرجال إلى رسول الله (ص) قبل انتهاء العام، والموعد المقرر في أيام التشريق، حيث جاء وفد ضخم من أهل يثرب قرابة الثلاثمائة بينهم ما ينوف عن السبعين من المسلمين يؤكد انطلاقة جديدة للدعوة، وهؤلاء السبعون ونيف إنما يمثلون التجمع الإسلامي الضخم في المدينة، يصلحون للحماية والنصرة، خاصة وهم يحملون مبادىء الدين الجديد. ورغم أن القوم مسلمون، وجنود ينفذون أوامر الله تعالى ورسوله، لكن هذا لم يمنع من الحوار الدقيق حول المهمة المطلوبة، ومدى قدرتهم على تنفيذها. ٤ - ومن قدر الله أن يكون المفاوض الأول العباس بن عبد المطلب عم رسول الله (ص) وهو على دين قومه (١) ومن أجل ذلك لن يكون الحديث إلا سياسيا بحتا، يتناول موضوع الحماية والنصرة، لا موضوع المبدأ والعقيدة. وأكد الناطق الرسمي باسم الرسول (ص) شرطه الأول، هو القدر على الحماية والمنعة، وأرادالمسلمون أن يسمعوا من قائدهم رسول الله (ص): (فخذ لنفسك ولربك ما أحببت).

стр. 313

كانت البداية في تلاوة القرآن، والدعوة إلى الله، والترغيب في الإسلام. أما موضوع البيعة، فكان محددا: ((تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم)). وفي الرواية الثانية: كان هناك شروط خمسة للبيعة هي: (أ) ((تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل)). (ب) ((والنفقة في العسر واليسر)). (ج) ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)). (د) ((تقولون في الله لا تخافون لومة لائم)). (هـ) ((أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم)). وكان الجواب بالإيجاب: (نعم والذي بعثك بالحق نبيا، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن أبناء الحروب، وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر). ولأول مرة يجد رسول الله (ص) من يبدي استعداده للحماية والنصر، دون قيد أو شرط. إن قضية الجهاد في سبيل الله، والاستعداد التام لحماية الدعوة، لا بد أن تتم من خلال العهد والبيعة والميثاق، ولا يكفي فيها الكلام العائم. وقد علمنا رسول الله (ص) ذلك، حين تمت تلك البيعة بينه

стр. 314

وبين جنوده الذين دخلوا في الإسلام، ولم يكن الدخول في الإسلام، والسمع والطاعة في المنشط والمكره، ومع رسول الله (ص) يكفي ضمانا لطلب المواجهة مع العدو، والدفاع عن الإسلام ورسول الإسلام. بل لا بد من النص الصريح في ذلك. ويخطىء الدعاة إلى الله في عصرنا الحاضر حين يظنون أن قضية الجهاد، ومواجهة الطاغوت والدفاع عن الدعوة والدين تأتي من خلال الكلام العائم، والالتزام بالدعوة. لقد وجدنا الفرق شاسعا بين بيعة العقبة الأولى والثانية، فالأولى لا تتجاوز التمسك بمبادىء الإسلام، وعدم المعصية، ولكن هذه هي بيعة النساء فيما بعد. أما العقبة الثانية ففيها تكاليف أضخم، ومشاق أشد. السمع والطاعة في النشاط والكسل، وهي أكبر من أن لا نعصيه في معروف. والنفقة في العسر واليسر، فتكاليف بذل المال في العسر واليسر شيء، وأن لا يسرق المسلم شيء آخر. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتكاليفه وما ينشأ عنه من خطر ومواجهة ومحن شيء وأن يمتنع المسلم عن الزنا والبهتان شيء آخر. وأن يقول الحق لا يخاف في الله لومة لائم، ولو كلفه قول الحق روحه وحياته وجسده، شيء وأن لا يقتل الرجل ولده شيء آخر. وأن يمنع رسوله (ص) ويحميه، وينصره كما لو تعرض في نفسه وزوجه وعرضه للموت أو الاعتداء شيء، وأن يمتنع عن الزنا شيء آخر.

стр. 315

إن البون شاسع جدا بين البيعتين، وكلاهما قد تم بين الأنصار وبين رسول الله ﵊. ومن أجل ذلك حين كان الأمر بهذه الخطورة، لم يكن حرجا أن يفتتح الحديث العباس بن عبد المطلب - وهو على دين قومه -ويوضح خطور البيعة ونتائجها. إن وضوح الهدف أمام الدعاة إلى الله ووضوح تكاليفه هو الذي يصل بهم إليه، وإن مشاق الطريق لا بد أن تكون محسوبة في أي تخطيط للتمكين في الأرض من الدعاة ولمجاهدين. ٥ - وزيادة في التوثيق وتبصرة في نتائح هذا الأمر وخطورته، رأينا موقف العباس بن عبادة بن نضلة في الرواية الأولى، والبراء بن معرور في الرواية الثانية، وذلك حتى لا تكون العواطف هي التي تحكم الأمر. إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس. وعلى نهكة الأموال وقتل الأشرف. إخراجه مناوأة العرب كافة. وقتل الخيار، وعض السيوف. نقاط محددة لا بد أن تكون واضحة في البيعة، وهذه النتائج كلها متوقعة، ومن أجل هذا ذكر بها السيدان العظيمان. وقبل السبعون البيعة على مناوأة العرب كافة، وحرب الأحمر والأسود من الناس ونهكة الأموال، وقتل الأشرف، وعض السيوف.

стр. 316

ولا بد أن تكون في حس الدعاة إلى الله إن أرادوا أن يكونوا مستخلفين في الأرض، وأن يعملوا لتمكين هذا الدين فها .. هذه المعاني واضحة بجلاء وبصيرة دون لجلجة، ولا غموض. وهذا هو طريق الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس. أما الدعوة بلا تكاليف، والتبليغ بلا ثمن، فهو أمر آخر غير قضية الحكم بما أنزل الله، وتحكيم شريعة الله في الوجود. ٦ - فما لنا إن من وفينا بذلك، قال: ((الجنة)) قالوا: ابسط يدك نبايعك. يقابل هذا المعنى تماما: وإن نحن فعلنا ذلك فهل يكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: ((الأمر بيد الله يؤتيه من يشاء)) هذا هو الخط الإسلامي الأصيل، فلا ثمن لهذه التضحيات إلا الجنة، والتمكين هو للدين لا للأشخاص، وذاك هو الخط الجاهلي، الذي يطلب الثمن، نصرا سريعا، ووزرا، ووظيفة، وموقعا، وحكما. ٧ - ومع عظمة سيد الدعاة رسول الله (ص) في حس جنوده، وهم يفدونه بأرواحهم وآبائهم وأمهاتهم لم يمنعهم ذلك من أن يشترطوا لأنفسهم حين تحدث أبو الهيثم ﵁ عن قطع العهود مع اليهود، وربطها بمحمد (ص)، فهل هو خاذلهم بعدها وتاركهم ليهود؟ وكان التزام القائد الأعظم (ص) أمام جنوده بالوفاء ((بل الدم الدم، والهدم بالهدم، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم)). فأي قائد في هذا الوجود بعد رسول الله (ص) أكبر من هذا الالتزام؟!

стр. 317

٨ - وليست قضية النقباء الاثني عشر، إلا تحديدا للمسؤولية، كل واحد من عشيرته وقومه، مقابل كفالة رسول الله (ص) عن المهاجرين، وبذلك تشكلت القيادة التي تحمل التبعية الكاملة للحرب. ثانيا: التخطيط لها وأهميتها في تاريخ الدعوة: ١ - (عن عائشة زوج النبي (ص) قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهم يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله (ص) طرفي النهار بكرة وعشية .. وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله (ص): ((على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي)) فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: ((نعم)) فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله (ص) ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر - وهو الخبط - أربعة أشهر. قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله (ص) متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فدى له أبي وأمي، والله ما جاء به هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول الله (ص)، واستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي (ص) لأبي بكر: ((أخرج من عندك)) فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: ((فإني قد أذن لي في الخروج)) قال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله؟ قال رسول الله (ص): (نعم)) قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى

стр. 318

راحلتي هاتين، قال رسول الله (ص): ((بالثمن)) قالت عائشة: فجهزنا أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة من جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين. قالت: ثم لحق رسول الله (ص) وأبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب ثقف (١) لقن (٢)، فيدلج (٣) من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش، بمكة كبائت، فلا يسمع أمر يكتادان (٤) به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة (٥) من غنم، فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل (٦)، وهو لبن منحتهما ورضيفهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله (ص) وأبو بكر رجلا من بني الديل - وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه، فدفعا إليه

стр. 319

راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، فانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل (١). ٢ - قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله (ص) لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله (ص) وأبا بكر ثياب بياض، ويسمع المسلمون في المدينة مخزج رسول الله (ص) من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانطلقوا أيضا بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه. فبصر برسول الله (ص) وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون .. فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله (ص) بظهرة الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله (ص) صامتا، فطفق من جاء من الأنصار يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله (ص)، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس عند ذلك رسول الله (ص)، فلبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله (ص) ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول (ص) بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين،

стр. 320

وكان مربدا للتمر، لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله (ص) حين بركت راحلته: ((هذا إن شاء الله المنزل)) ثم دعا رسول الله الغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله (ص) أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا، وطفق رسول الله (ص) ينقل معهم اللبن في بنيانه، ويقول وهو ينقل اللبن: هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر ويقول: اللهم إن الأجر أجر الآخرة ... فارجم الأنصار والمهاجرة فتمثل بيت رجل من المسلمين لم يسم لي، قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله (ص) تمثل ببيت شعر تام غير هذه البيت (١). ٣ - (وعن أنس بن مالك ﵁ أن أبا بكر الصديق حدثهم قال: نظرت إلى أقدام المشركين فوق رؤوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه أبصرنا فقال: ((يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما)) (٢). ٤ - سمعت البراء بن عازب يقول: جاء أبو بكر إلى أبي في منزله، فاشترى
следующие страницы →