ولا بد أن تكون في حس الدعاة إلى الله إن أرادوا أن يكونوا مستخلفين في الأرض، وأن يعملوا لتمكين هذا الدين فها .. هذه المعاني واضحة بجلاء وبصيرة دون لجلجة، ولا غموض.
وهذا هو طريق الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس.
أما الدعوة بلا تكاليف، والتبليغ بلا ثمن، فهو أمر آخر غير قضية الحكم بما أنزل الله، وتحكيم شريعة الله في الوجود.
٦ - فما لنا إن من وفينا بذلك، قال: ((الجنة)) قالوا: ابسط يدك نبايعك.
يقابل هذا المعنى تماما: وإن نحن فعلنا ذلك فهل يكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: ((الأمر بيد الله يؤتيه من يشاء)) هذا هو الخط الإسلامي الأصيل، فلا ثمن لهذه التضحيات إلا الجنة، والتمكين هو للدين لا للأشخاص، وذاك هو الخط الجاهلي، الذي يطلب الثمن، نصرا سريعا، ووزرا، ووظيفة، وموقعا، وحكما.
٧ - ومع عظمة سيد الدعاة رسول الله (ص) في حس جنوده، وهم يفدونه بأرواحهم وآبائهم وأمهاتهم لم يمنعهم ذلك من أن يشترطوا لأنفسهم حين تحدث أبو الهيثم ﵁ عن قطع العهود مع اليهود، وربطها بمحمد (ص)، فهل هو خاذلهم بعدها وتاركهم ليهود؟
وكان التزام القائد الأعظم (ص) أمام جنوده بالوفاء ((بل الدم الدم، والهدم بالهدم، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم)).
فأي قائد في هذا الوجود بعد رسول الله (ص) أكبر من هذا الالتزام؟!
стр. 317
٨ - وليست قضية النقباء الاثني عشر، إلا تحديدا للمسؤولية، كل واحد من عشيرته وقومه، مقابل كفالة رسول الله (ص) عن المهاجرين، وبذلك تشكلت القيادة التي تحمل التبعية الكاملة للحرب.
ثانيا: التخطيط لها وأهميتها في تاريخ الدعوة:
١ - (عن عائشة زوج النبي (ص) قالت:
لم أعقل أبوي قط إلا وهم يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله (ص) طرفي النهار بكرة وعشية .. وتجهز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله (ص): ((على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي)) فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: ((نعم)) فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله (ص) ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر - وهو الخبط - أربعة أشهر.
قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة:
فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله (ص) متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فدى له أبي وأمي، والله ما جاء به هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول الله (ص)، واستأذن فأذن له، فدخل فقال النبي (ص) لأبي بكر: ((أخرج من عندك)) فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: ((فإني قد أذن لي في الخروج)) قال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله؟ قال رسول الله (ص): (نعم)) قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى
стр. 318
راحلتي هاتين، قال رسول الله (ص): ((بالثمن)) قالت عائشة:
فجهزنا أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة من جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها، فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين.
قالت: ثم لحق رسول الله (ص) وأبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر، وهو غلام شاب ثقف (١) لقن (٢)، فيدلج (٣) من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش، بمكة كبائت، فلا يسمع أمر يكتادان (٤) به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة (٥) من غنم، فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل (٦)، وهو لبن منحتهما ورضيفهما حتى ينعق بهما عامر بن فهيرة بغلس يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله (ص) وأبو بكر رجلا من بني الديل - وهو من بني عبد بن عدي هاديا خريتا قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش فأمناه، فدفعا إليه
стр. 319
راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، فانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم طريق السواحل (١).
٢ - قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله (ص) لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله (ص) وأبا بكر ثياب بياض، ويسمع المسلمون في المدينة مخزج رسول الله (ص) من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانطلقوا أيضا بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه. فبصر برسول الله (ص) وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون .. فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله (ص) بظهرة الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله (ص) صامتا، فطفق من جاء من الأنصار يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله (ص)، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس عند ذلك رسول الله (ص)، فلبث في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله (ص) ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول (ص) بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين،
стр. 320
وكان مربدا للتمر، لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله (ص) حين بركت راحلته: ((هذا إن شاء الله المنزل)) ثم دعا رسول الله الغلامين، فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله (ص) أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدا، وطفق رسول الله (ص) ينقل
معهم اللبن في بنيانه، ويقول وهو ينقل اللبن:
هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر
ويقول:
اللهم إن الأجر أجر الآخرة ... فارجم الأنصار والمهاجرة
فتمثل بيت رجل من المسلمين لم يسم لي، قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله (ص) تمثل ببيت شعر تام غير هذه البيت (١).
٣ - (وعن أنس بن مالك ﵁ أن أبا بكر الصديق حدثهم قال: نظرت إلى أقدام المشركين فوق رؤوسنا ونحن في الغار، فقلت:
يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه أبصرنا فقال: ((يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما)) (٢).
٤ - سمعت البراء بن عازب يقول: جاء أبو بكر إلى أبي في منزله، فاشترى
стр. 321
منه رحلا فقال لعازب: ابعث ابنك يحمله معي، قال: فحملته معه، وخرج أبي ينتقد ثمنه، فقال له أبي يا أبا بكر حدثنا كيف صنعتما حين سريت مع رسول الله (ص)؟ قال:
نعم أسرينا ليلتنا من الغد حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس فنزلنا عنده وسويت للنبي (ص) مكانا بيدي فنام عليه وبسطت عليه فروة وقلت: نم يا رسول الله وأنا أنفض من حولك، فنام، وخرجت أنفض (١) ما حوله، فإذا أنا براع يقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها مثل الذي أردنا. فقلت: لمن أنت يا غلام؟ قال: لرجل من أهل المدينة أو مكة، قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قلت: أفتحلب؟ قال:
نعم، فأخذ شاة فقلت: انفض الضرع من التراب والشعر والقذى، قال: فرأيت البراء يضرب إحدى يديه على الأخرى ينفض، فحلب في قعب (٢) كثبة (٣) من لبن، ومعي إداوة حملتها للنبي (ص) يرتوي فيها، يشرب ويتوضأ، فأتيت النبي (ص)، فكرهت أن أوقظه، فوافقته حين استيقظ، فصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله، فقلت:
اشرب يا رسول الله، قال: فشرب حتى رضيت ثم قال: ((ألم يأن الرجل؟)) قلت: بلى. قال: فارتحلنا بعدما زالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك. فقلت: أتينا يا رسول الله (ص) فقال: ((لا تحزن إن الله
стр. 322
معنا)) فدعا عليه النبي (ص)، فارتطمت به فرسه إلى بطنها، أرى في جلد (١) من الأرض - شك زهير - فقال: إني أراكما قد دعوتما علي، فادعوا لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا له النبي (ص) فنجا فجعل لا يلقى أحدا إلا قال: كفيتكم ما هنا، فلا يلقى أحدا إلا رده، قال: ووفى لنا) (٢).
٥ - (وعن أسماء ﵂ قالت: صنعت سفرة للنبي (ص) وأبي بكر حين أرادا المدينة، فقلت لأبي: ما أجد شيئا أربطه إلا نطاقي، قال:
فشقيه، ففعلت، فسميت ذات النطاقين) (٣).
٦ - (وعن أنس بن مالك ﵁ قال: أقبل نبي الله (ص) إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف ونبي الله (ص) شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال: فيحسب الحاسب إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير ..) (٤).
٧ - (وعن أنس بن مالك ﵁ قال: لما قدم رسول الله (ص) المدينة نزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، فأقام
стр. 323
فيهم أربعة عشر ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، قال: فجاؤوا متقلدي سيوفهم، قال: وكأني أنظر إلى رسول الله (ص) على رحلته وأبو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب) (١).
٨ - (وعن سهل بن سعد قال: ما عدو من مبعث النبي (ص)، ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة) (٢).
٩ - قال معمر: قال قتادة: دخلوا في دار الندوة يأتمرون بالنبي (ص)، فقالوا: لا يدخل معكم أحد ليس منكم، فدخل معهم الشيطان في صورة شيخ من أهل نجد، فقال بعضهم ليس عليكم من هذا عين، هذا رجل من أهل نجد، قال: فتشاوروا، فقال رجل منهم: أرى أن تركبوه بعيرا ثم تخرجوه، فقال الشيطان: بئس ما رأى هذا، هو هذا قد كان يفسد ما بينكم وهو بين أظهركم، فكيف إذا أخرجتموه فأفسد الناس، ثم حملهم عليكم يقاتلونكم، فقالوا: نعم ما رأى هذا الشيخ، فقال قائل آخر: فإني أرى أن تجعلوه في بيت وتطينوا عليه بابه، وتدعوه فيه حتى يموت، فقال الشيطان. بئس ما رأى هذا، أفترى قومه يتركونه فيه أبدا، لا بد أن يغضبوا له، فيخرجوه، فقال أبو جهل: أرى أن تخرجوا من كل قبيلة رجلا، ثم يأخذوا أسيافهم، فيضربونه ضربة واحدة، فلا يدري من قتله، فتدونه، فقال الشيطان: نعم ما رأى هذا.
стр. 324
فأطلع الله نبيه (ص) على ذلك، فخرج هو وأبو بكر إلى غار في الجبل، يقال له ثور ونام علي على فراش النبي (ص)، وباتوا يحرسونه يحسبون أنه النبي (ص) فلما أصبحوا، قام علي لصلاة الصبح، بادروا إليه فإذا هم بعلي فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري فاقتصوا أثره، حتى بلغوا الغار ثم رجعوا، فمكث فيه هو وأبو بكر ثلاث ليال (١).
١٠ - (وعن قيس بن النعمان قال: لما انطلق رسول الله (ص) وأبو بكر مستخفيان نزلا بأبي معبد فقال: والله ما لنا شاة، وإن شاءنا لحوامل فما بقي لنا لبن، فقال رسول الله (ص): أحسبه: ((فما تلك الشاة)) فأتي بها. فدعا رسول الله (ص) بالبركة عليها ثم حلب عسا (٢) فسقاه، ثم شربوا، فقال: أنت الذي تزعم أنك صابىء. قال: ((إنهم يقولون))، قال: أشهد أن ما جئت به حق، ثم قال: أتبعك؟ قال:
((لا، حتى تسمع أنا قد ظهرنا)) فاتبعه بعد) (٣).
١١ - (وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما خرج رسول الله (ص) وخرج أبو بكر معه احتمل أبو بكر معه ماله كله خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه. قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: إني والله لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه.
стр. 325
قلت: كلا يا أبت، قد ترك لنا خيرا كثيرا، قالت: فأخذت أحجارا فجعلتها في كوة (١) في البيت كان أبي يجعل فيها ماله، ثم جعلت عليها ثوبا، ثم أخذت يده، فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس إن كان ترك لكم هذا لقد أحس وفي هذا لكم بلاغ. قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك) (٢).
١٢ - (قال ابن إسحاق: ولم يعلم فيما بلغني بخروج رسول الله (ص) أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق، وآل أبي بكر، أما علي فإن رسول الله (ص) - فيما بلغني - أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلف بعده بمكة، حتى يؤدي عن رسول الله (ص) الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول الله ليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من صدقه وأمانته (ص) (٣).
١٣ - (قال ابن إسحاق: فحدثت عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: لما خرج رسول الله (ص) وأبو بكر ﵁، أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: لا أدري، والله أين أبي؟ قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشا خبيثا، فلطم خدي لطمة طرح منها
стр. 326
قرطي) (١).
١٤ - قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله (ص) في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر، وجعلت قريش حين فقدوه مائة ناقة، لمن يرده عليهم، وكان عبد الله بن أبي بكر في قريش نهاره معهم، يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول الله (ص) وأبي بكر، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر، وكان عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر ﵁ يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبي بكر، فاحتلبا وذبحا، فإذا عبد الله بن أبي بكر غدا من عندهما إلى مكة اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يقفى عليه، حتى إذا مضت الثلاث، وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيرهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر ﵄ بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصاما، فلما ارتحلا ذهجت لتعلق السفرة فإذا ليس لها عصام، فتحل نطاقها فتجعله عصاما، ثم علقتها به) (٢).
...
لقد كان الجهد البشري في التخطيط للهجرة في القمة، ويكفي أن نلحظ الفقرات التالية:
١ - تهيئة الركب: منذ أن فاتح أبو بكر ﵁ رسول الله (ص) بالرغبة في الهجرة، كانت الإشارة النبوية ((.. على رسلك فإني أرجو أن يؤذن
стр. 327
لي)) فحبس أبو بكر نفسه على صحبة الرسول ﵊، وإن لم يفاتح صراحة بذلك، لكن الرغبة النبوية الكريمة بتأخير هجرة أبي بكر تعني ذلك.
٢ - شراء البعيرين وعلفهما: ومن تمام الخطة تهيئة وسائل الهجرة وأهمها البعيران للكوب، وقد بقيا منذ أن أشار الرسول (ص) برجائه ربه، أن يأذن له حتى تمت الهجرة، أربعة أشهر (وعلف راحلتين كانتا عنده، ورق السمر أربعة أشهر) وفي ذلك الغاية في الاستعداد والتهيؤ لهذه الهجرة النبوية الكريمة.
٣ - جاء في نحر الظهيرة: فاختيار الوقت غير المطروق الذي يأوي فيه الناس إلى بيوتهم هربا من حر الظهيرة، هو اختيار بتخطيط محكم، حيث لا يرى أحد رسول الله (ص) ساعة انطلاقه للهجرة، ويحافظ على الكتمان التام فيه.
٤ - مجيئه مقنعا: وجاء ﵊ في نحر الظهيرة مقنعا قد أخفى وجهه، بحيث لو أن بعض الناس رأى ذلك الرجل فلا يمكن أن يعرف وقد تقنع بثوبه.
٥ - الأمر بإخراج الناس من البيت: محافظة على الكتمان كذلك وليحرص أبو بكر ﵁ على أن لا يسمع أحد بما يريد.
٦ - تهيئة الزاد: فمجرد أن عرف الصديق الهجرة والصحبة كان كل شيء معدا في وقته المناسب، فالرحلتان على أتم الجاهزية، كانت أسماء ﵂ على مستوى القضية. فهيأت الزاد المناسب، لأن الرحلة ستتم
стр. 328
في التو واللحظة ولن تتأخر، وعندما لم تجد ما تربط به الطعام بادرت بذكائها وشقت نطاقها قسمين كان أحدهما وكاء للطعام.
٧ - الخروج من خوخة أبي بكر: فلم يكن الخروج من الباب العادي الذي يخرج منه آل أبي بكر لاحتمالات المراقبة من العدو، إنما كان من مخرج احتياطي.
٨ - كتمان الأمر: وحصر أمر الهجرة تحديدا بآل أبي بكر لمشاركتهم في الإعداد للهجرة، وهم عائشة وأسماء، وأم رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وبعلي بن أبي طالب، حتى لا يتسرب الأمر، وكل واحد من هؤلاء له دور ما في عملية الهجرة.
٩ - الخروج إلى الغار: ولم تكن الهجرة مباشرة، إنما كان القرار النبوي العظيم ابتداء بالذهاب إلى غار ثور للإقامة به، وقد حدد ﵊ ثلاثة أيام للاختباء فيه، حتى يهدأ الطلب من مكة، وتكف عن الملاحقة لقناعتها أنها عاجزة عن اللحاق به.
١٠ - عبد الله يتلقط الأخبار: وكان دوره واضحا محددا هو أن يمضي سحابه يجه يستمع لأخبار قريش وقرارتها، والخطط المناسبة للحيلولة دون الهجرة، وإبلاغها للقيادة النبوية حيث يتصرف ﵊ بما يحبط هذه الخطط، ويدمر هذا الكيد، وكان اختيار عبد الله لهذه المهمة عن قصد فكما وصفته عائشة ﵁ أنه شاب لقن فطن.
стр. 329
١١ - عامر بن فهيرة يعفو على الأثر: وقدوم عبد الله بن أبي بكر ﵁ إلى الغار، قد هيىء عامر ﵁ والغنم لإعفاء أثره بعد عودته من الغار بحيث لا يستطيع العدو أن يتابع الأثر، ويصل إلى موقع الصاحبين فيه.
١٢ - ابن فهيرة وغنمه للزاد كذ لك: كما تقول رواية ابن إسحاق (فاحتلبا وذبحا) حتى تبقى الأمور بمنتهى السرية، ويمكن للواحد أن يحمل أكثر من مهمة في هذه العملية حفاظا على التكتم التام فيها، وخوفا من دخول عناصر جديدة، قد تفسد خطة العملية.
١٣ - رسول الله (ص) لا يبيت على فراشه: ولعل هذا الأمر كان ليلة اتجاه النبي (ص) للغار، حيث قد أحكم القوم أمرهم وقرروا قتل النبي (ص) بقرار قرشي شامل تحمل كل قريش مسؤوليته.
١٤ - مبيت علي ﵁ في الفراش: ومن إحكام الخطة ودقتها وذكائها كذلك إيهام قريش أن النبي (ص) راقد في فراشه، فلم يترك الفراش خاليا، حتى لا تبعث مكة رسلها في طلب النبي (ص)، ويكون قد مضى حيث يريد وهم آمنون مطمئنون ينتظرون انبلاج الصباح لينقضوا على رسول الله بالسيوف.
١٥ - اختيار الدليل المناسب: فلا بد من خبير في الطريق، ولو كان هذا الخبير غير مسلم، إن كان موطن الثقة وأهلا للمسؤولية، واختيار أبي بكر بضي الله عنه لابن أريقط، لم يكن ليتم لولا الثقة التامة به، وباستعداده لتنفيط المخطط كاملا دون حرج.
стр. 330
إن ابن أريقط كان قادرا على تسليم رسول الله (ص) وأبي بكر للمشركين، حيث كان الموعد المقرر له معهما ومع راحلتيهما، وإحباط مخطط الهجرة كله. لكنه كان موطن الثقة، مثل عنصر العباس بن عبد المطلب ﵁ وحضوره أخطر بيعة في التاريخ النبوي.
١٦ - اختيار طريق الساحل: وهذا من عظمة التخطيط النبوي كذلك حيث أن النبي (ص) لم يمض من الطريق المعتاد، الذي تمضي منه القوافل الذاهبة والغادية من الشام وإليها، إنما اختار طريقا آخر، قد يكون أقصر من الطريق العادي، ومن أجل هذا احتاج الركب إلى الدليل الخبير في مجاهل الطرق ومساربها.
١٧ - الهادي على الطريق: وتحسبا لأي طارىء، وعندما كان الصاحبان يلتقيان مع أحد على الطريق، وأبو بكر معروف لكثرة تردده على الطرق للتجارة، كان يسأل عمن معه فيجيب: هذا الرجل يهديني السبيل.
وصدق ﵁ فهو عنى فضل النبي (ص) في هدايته سبل الرشاد ويحسب الرجل العادي أن محمدا (ص) هو خبير الطريق ودليله.
فلا يقع الكذب، وتقع التورية، ويتم الكتمان التام على الأمر حرصا على إنجاحه.
١٨ - حيلة أسماء في المال: حيث كات تخشى من جدها أبي قحافة الذي لم يكن قد أسلم، فهيأت الحجارة في الكوة وأخذت بيد جدها الضرير، وألقت بثوب على الحجارة، وتحسس أبو قحافة على الحجارة فحسبها دنانير ودراهم، فاطمأن باله، وسكت على الأمر، طالما أن أهل أبي
стр. 331
بكر في أمان (ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك).
...
لقد كان التخطيط البشري إذن على أعلى مستوى يملكه البشر في هذا المجال، ومع ذلك، فقد وقعت الحادثتان المشهورتان، كان يمكن أن يكون بهما إحباط الخطة، وإنهاء الجماعة المسلمة في الأرض، كما كان أبو بكر ﵁ يتحسب (فجعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، حتى فطن رسول الله (ص) فقال: ((يا أبا بكر ما لك تمشي ساعة خلفي وساعة بين يدي؟)) فقال: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك، وأذكر الرصد فأمشي بين يديك، فقال: ((يا أبا بكر لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني؟)) قال: نعم) (١) (إن قتلت فإنما أنا رجل واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة) (٢).
وكانت الحادثة الأولى: وصول المشركين للغار، كما ذكرنا في الصحيح (لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: ((يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟))).
لقد كان رسول الله (ص) في حالة من الأمن والطمأنينة، لم يصل إليها بشر في الأرض، وهو يرى نفسه بين يدي عدوه، لا يحول بينهما إلا التفاتة واحدة. وعمدما تجمع قوى الأرض على حرب محمد (ص)، فالله تعالى ناصره، وهو في الغار وبين يدي العدو.
стр. 332
﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾ (١).
لقد كان دخول الغار ذروة نصر الله تعالى في حماية عبده من عدوه، حين تطبق مكة كلها على قتله، وتصل إلى قاب قوسين منه، وأدنى من ذلك، فيصرف الله البصر عن النظر حتى إلى ما تحت القدمين، ويصد الجحفل الجرار المتلمظ للقتل، بأضعف جنود الله في الأرض .. بالعنكبوت.
فعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك ..﴾ (٢) قال:
(تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فاثبتوه بالوثائق - يريدون النبي (ص) - وقال بعضهم: بل اقلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه (ص) على ذلك فبات علي على فراش النبي (ص) تلك الليلة، وخرج النبي حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي (ص)، فلما أصبحوا ثاروا عليه، فلما رأوا عليا رد الله عليهم مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ فقال: لا أدري، فاقتفو أثره. فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالو: لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسيج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال) (٣).
стр. 333
وصدق الشاعر إذ يقول:
نسج داود ما حمى صاحب الغا ... ر وكان الفخار للعنكبوت
وكانت الحادثة الثانية، يوم أدركهم سراقة بن مالك، فساخت قوائم فرسه في الأرض حتى أيقن بالهلاك هو وفرسه، فطلب منهم الأمان لنفسه، وكان هو النصر الثاني لرسول الله (ص) بعد أن كان العدو الألد.
(فكان أول النهار جاهدا على نبي الله (ص)، وكان آخر النهار مسلحة (١) له) (٢).
...
وما أحوجنا إلى وقفة مستأنية أمام هذه الصور:
إن كثيرا من الدعاة في عصرنا الحاضر - على صدق نياتهم وسلامة قلوبهم - حين يرون المحن تترى عليهم والتمكين يفوتهم، يعيدون الأسباب دوما لأقدار الله، في قوة أعدائهم، وإلى سنة الله في الدعوات والتمحيص فيها، وهم يتحدثون عن جانب من الحقيقة، ويغفلون عن جانب مهم آخر.
إنهم لا يراجعون مسيرهم أبدا، وكأنما هم لا يخطئون، ولا يقفون وقفة مراجعة لأعمالهم، وكأنما هم لا يقصرون، والمسؤولية دائما على غيرهم، ولو ذكروا بالخطأ الذي وقعوا به، أو التقصير الذي قاد للمحنة، لالتمسوا المعاذير، وتمسكوا بالتبريرات الواهية ليدفعوا عنهم هذا الخطأ والتقصير.
وإذا حوصروا بنقص الإعداد والتخطيط، أو ووجهوا بالتسرع قبل الأوان، للجؤوا إلى باب التوكل على الله، وأنه لا ضرورة لهذا الإعداد، أو لا
стр. 334
حرج في هذا التسرع.
إننا يوم نقف هذا الموقف، وتتمثل بنا الهزيمة تلو الهزيمة، ونعيد الأسباب دائما لقوة أعدائنا وتكالبهم علينا، وأن الهزيمة التي تنزل بنا لم تقع لنقص في التخطيط، أو نقص في الإعداد، أو تسرع في الخطا.
نكون نحن الخارجين على منهح الله تعالى، ويكون توكلنا على الله تعالى الذي ينصر حزبه ويعز جنده ليس هو التوكل الصحيح الذي أمرنا الله تعالى به، ودعانا إليه.
فإمام المتوكلين على الله تعالى، وأتقاهم لله، وأخشاهم له، كان توكله على الله بعد أن أعد كل الأسباب التي يملكها في عالم البشر، ومن أجل الهجرة رأينا الإعداد يمتد شهورا، حتى أذن الله تعالى بذلك وهاجر.
وحين أدى ما يملكه في عالم الأسباب، ووقعت المحنة في شيء خارج عن طاقته وقدرته، كانت ثقته بالله لا تحد، وتدخلت المعجزة الربانية مرتين، فحمته بأضعف خلق الله من الجبارين والطغاة في المرة الأولى، وكان نصر الله تعالى في الغار، بجنود لم نرها، وأضعف جند الله قادر على تحطيم مخططات أعداء الله.
وتحول الفارس الفاتك بعد أن رأى هلاكه أمامه إلى صديق في المرة الثانية، يصد كل محالات الوصول إلى رسول الله (ص)، ومن حيث كان الخطر الأكبر، صار الأمن الأكبر.
(ولما رجع سراقة جعل لا يلقى أحدا من الطلب إلا رده، وقال:
стр. 335
كفيتم هذا الوجه، فلما ظهر أن رسول الله (ص) قد وصل إلى المدينة جعل سراقة يقص على الناس ما رأى وشاهد) (١).
أهمية الهجرة في تاريخ الدعوة:
وهكذا لم تكن الهجرة في الحس الإسلامي مجرد نجاة من عدو، أو هروب من محنة، لقد كانت الهجرة فاتحة تاريخ جديد، وكانت بالنسبة للمسلمين في الأرض، ابتداء وجودهم وتاريخهم، فصار التاريخ الهجري، المبتدىء في هجرة الرسول (ص) هو سمة هذه الأمة، على مدار القرون، وبه ومن خلاله تعرف.
يقول ابن كثير ﵀:
(اتفق الصحابة ﵃ في سنة ستة عشر - وقبل سبع عشرة، أو ثماني عشرة - في الدولة العمرية على جعل ابتداء التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة، وذلك أن أمير المؤمنين عمر ﵁ رفع إليه صك - أي حجة - لرجل على آخر، وفيه أنه يحل عليه في شعبان، فقال عمر: أي شعبان؟ أشعبان هذه السنة التي نحن فيها، أو السنة الماضية، أو الآتية؟ ثم جمع الصحابة، فاستشارهم في وضع تاريخ يتعرفون به حلول الديون وغير ذلك.
فقال قائل: أرخوا كتاريخ الفرس، فكره ذلك، وكان الفرس يؤرخون بملوكهم واحدا بعد واحد.
стр. 336
وقال قائل: أرخوا بتاريخ الروم، وكانوا يؤرخون بملك اسكندر المقدوني، فكره ذلك.
وقال آخرون: أرخوا بمولد الرسول (ص).
وقال آخرون: بل بمبعثه.
وقال آخرون: بل بهجرته.
وقال آخرون: بل بوفاته .. فمال عمر ﵁ إلى التاريخ بالهجرة لظهوره واشتهاره واتفقوا على ذلك) (١).
وكما ذكرنا عن البخاري ﵀ عن سهل بن سعد (ما عدوا من مبعث النبي (ص) ولا من وفاته ما عدوا إلا من مقدمه المدينة).
ويقول السهيلي ﵀ بصدد حديثه عن قول الله ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم ..﴾ (٢).
(وفي قوله سبحانه ﴿من أول يوم﴾ وقد علم أنه ليس أول الأيام كلها، ولا إضافة إلى شيء في اللفظ.
الظاهر فيه من الفقه صحة ما اتفق عليه الصحابة مع عمر ﵃ حيث شاورهم في التاريخ، فاتفق رأيهم أن يكون التاريخ من عام الهجرة، لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام، والذي أمر فيه النبي (ص) وأسس المساجد، وعبد الله آمنا كما يجب، فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل، وفهمنا الآن
стр. 337
بفعلهم أن قوله سحانه ﴿من أول يوم﴾ أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي يؤرخ به الآن.
فإن كان أصحاب رسول الله (ص) أخذو هذا من الآية، فهو الظن بأفهامهم، فهم أعلم الناس بكتاب الله وتأويله، وأفهمهم بما في القرآن من إشارت وإفصاح، وإن كان ذلك منهم عن رأي واجتهاد، فقد علم ذلك منهم قبل أن يكونوا، وأشار إلى صحته قبل أن يفعل. إذ لا يعقل قول القائل فعلته أول يوم إلا بإضافة إلى عام أو شهر معلوم أو تاريخ معلوم. وليس هاهنا إضافة في المعنى إلا إلى هذا التاريخ المعلوم لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينة لفظ أو قرينة حال، فتدبره ففيه معتبر لمن ذكر، وعلم لمن رأى بعين فؤاده واستبصر والحمد لله) (١).
ثالثا: دور الشباب والمرأة في الهجرة:
وحين نراجع الرصيد الضخم من أحداث الهجرة، نلاحظ أن الذين نفذوا مخطط الهجرة، والعناصر التي اعتمدها ﵊ للتنفيذ من غرر الشباب والنساء، ونلحظ ذلك فيما يلي:
١ - فالذي تحمل ابتداء مسؤولية المواجهة والدعوة في المدينة والذي أنزل مصعب بن عمير عنده، والذي عرض حياته للخطر والموت، هو أسعد
стр. 338
ابن زرارة ﵁ أبو أمامة.
وهو نفسه الذي كان من رجال العقبة الأولى والثانية والثالثة، وهو الذي اختاره بنو النجار نقيبا لهم، وهو الذي وقف يوضح لقومه خطورة البيعة، حتى يشدد العهد ويوثقه.
(وأخذ بيده أسعد بن زرارة .. فقال: رويدا يا أهل يثرب فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف إما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خبيئة فتبينوا ذلك فهو أعذر لكم، قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا).
نقرأ هذا عن أسعد ونقرأ أنه كان أصغر القوم سنا (وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغرهم، وفي رواية البيهقي عن جابر: وهو أصغر السبعين إلا أنا).
٢ - (وذاك جابر بن عبد الله ﵁ يقول: كنا مع رسول الله (ص) ليلة العقبة قال جابر: وأخرجني خالاي وأنا لا أستطيع أن أرمي بحجر) (١).
وقد قتل أبوه في أحد ولا يناهز السابعة عشر، فقد بايع رسول الله، وقبل بيعته، وهو في أول فتوته.
стр. 339
٣ - ولا ننسى أبدا في تاريخ الدعوة، وتاريخ التضحيات، أن من الذين حضروا بيعة العقبة الثانية امرأتان هما أم عمارة، وأم منيع.
وقد وفتا بالبيعة وشهدتا المشاهد مع رسول الله (ص) ويكفي لأم عمارة شهادة رسول الله (ص): ((ما التفت يمينا ولا شمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني)) (١).
٤ - وحتى المجموعة المبايعة، كان الشباب فيها قرابة النصف:
(قال عروة بن الزبير وموسى بن عقبة: كانو سبعين رجلا وامرأة واحدة، وقال: منهم أربعون من ذوي أسنانهم، وثلاثون من شبابهم) (٢).
٥ - والذين اختارهم الرسول (ص) لتنفيذ مخطط الهجرة كذلك، جميعهم من الشباب وليس فيهم إلا كهل واحد هو أو بكر ﵁، وإن كان قد قدم أولاده الثلاثة: ليشاركوا في هذا الشرف العظيم.
٦ - فعبد الله بن أبي بكر كما وصفته عائشة ﵄: (وهو غلام شاب ثقف لقن).
وهو الذي حمل مسؤولية نقل الأخبار لرسول الله (ص) كل يوم بعد أن يختلط بقريش طيلة النهار، ويعود بها ليلا بعيدا عن أعين الرقباء، وفي قلب الخطر المحدق.
стр. 340
٧ - وتلك أسماء ﵂، وهي أصغر من عبد الله بن أبي بكر، ولا تزال في ميعة الصبا، ولم تنجب من الزبير بعد، تشارك في الأحداث بكل ما أوتيت من نباهة وذكاء، فتضع نطاقها وكاء للطعام والشراب، وتسارع في حل مشكلة المال المحمول مع أبيها فتخترع قصة الحجارة حتى تسكن الشيخ وتهدىء من روعه. وهي تعلم أن أباها قد حمل المال كله وتركهم لله ورسوله. ويصفعها الخبيث أبو جهل على وجهها فيطير قرطها من أذنها، وهي مصرة على قولها: والله لا أدري أين ذهب أبي.
٨ - وذاك علي بن أبي طالب ﵁ وهو ابن العشرين ونيف، ينام في فراش رسول الله (ص)، ويعلم أن السيوف قد تنتاشه وتحتوشه في كل لحظة، ويقدم نفسه فداء لرسول الله (ص)، ويبقى في موطن الخطر ثلاثة أيام متوليات يوزع الأمانات لأهلها، ويمضي مهاجرا وحيدا إلى الله ورسوله وقد دميت قدماه من أهوال الطريق.
٩ - وذاك عامر بن فهيرة، الذي كان يحمل مسؤولية رعي الغنم، وإعفاء أثر عبد الله بن أبي بكر، ثم يمضي في ركاب المصطفى وركاب أبي بكر يخدمهما في الطريق، كان في عرامة الشباب وفتوته.
١٠ - وحتى عندما وصل رسول الله (ص) إلى المدينة كان الملأ من بني النجار وشبابهم يحفون برسول الله (ص) بالسلاح، ولا يمر بقوم إلا ويقولون: يا رسول الله هلم إلينا، إلى العدد والعدة والمنعة.
١١ - ولا شيء أروع من مشاركة فتاة الثامنة في أحداث الهجرة، وهي عائشة
стр. 341
رضوان الله عليها، فقد قال النبي (ص) لأبي بكر: ((أخرج من عندك﴾ فقال أبو بكر: (هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله). ورضي رسول الله (ص) أن يتحدث بموضوع الهجرة أمامها وهي زوجه، وهي في هذا السن، ونقلت لنا الأحداث ووعتها وكأنها جزء منها، ولم يتسرب خبر واحد عن طريقها، وهي الصبية التي لا تزال تلعب مع رفيقاتها، وتكون واحدة من المجموعة التي تعد على أصابع اليد، وتعرف بموضوع الهجرة النبوية.
ولا ننسى دور أم معبد ﵂، وقد احتفت برسول الله (ص) واستضافته، ثم وصفه لزوجها في أروع بيان وأبهى وصف.
١٢ - وحتى الزبير ﵁ وهو في عرامة الشباب قيض الله تعالى له أن يشارك في عملية الهجرة، فيكسو رسول الله (ص) وصاحبه أبا بكر الثياب البيض، يقدمان بها إلى المدينة.
١٣ - ولا ننسى بعد ذلك أبدا الهجرات الفردية التي قام بها شباب الصحابة وكهولهم يقطعون الفيافي والقفار بلا راحلة، أو بلا زاد، ونفسهم تتوق لرؤيا مهاجر رسول الله (ص)، وأن يعبدوا الله بلا فتنة ولا خوف ولا إرهاب.
لقد كان ﵊ يمثل القائد الفذ في الوجود، الذي يختار أقدر العناصر على تأدية الدور المطلولب منها فيفجر طاقاتها، ويعطيها من الدور ما يتناسب مع إمكاناتها، سواء كانت الطاقات أطفالا (جابر وعائشة) أو رجالا وفتيات (أسماء وعبد الله) أو نساء (أم عمار وأم منيع)، فيؤدي كل
стр. 342
واحد دوره في المخطط الكبير الذي يقف وحده على كل تفاصيله مع وزيره أبي بكر ﵁، ويرضى ﵊ لعملية الهجرة ثاني اثنين فقط .. أبو بكر الصديق .. وهو مع كهولته، تتصاغر الشباب والرجال أمام همته، فهو الذي يحرس الطريق من الأمام والخلف، وهو الذي يرتاد المنزل ويهيىء المقيل، وهو الذي يصرف الطلب بقوله: هاد يدلني الطريق، وهو الذي يهيىء الزاد، ولا يقدمه لرسول الله (ص) حتى يستيقظ، وهو الذي يظلل رسول الله (ص) حين تلفحه الشمس، وهو كما قال عمر ﵁ (والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبي بكر خير آل عمر) وهو يعني ليلة الغار، ويكفي أنها نزلت في كتاب الله : ﴿... ثاني اثنين إذ هما في الغار ..﴾ وهو الذي يبكي وقد رأى الطلب، ويقول: أما والله ما على نفسي أبكي، ولكن أبكي عليك.
...
وإن أي دعوة إلى الله تعالى تقوم، لا بد أن يكون عمادها ودمها عنصر الشباب الحي المضحي، الذي يرتاد المخاطر ويقتحم الصعاب، ويستسهل المشاق، ويتلذذ بالجهاد، لا يعرف الخوف أو الخور أو الوهن سبيلا إليه، ولا يقل دور الفتاة المسلمة عن دور الفتى المسلم، فقد رأيناها شريكة في البيعة، شريكة في الهجرة، شريكة في الجهاد، شريكة في الإعداد، شريكة في الائتمان على السر.
ولكن هذا كله، إنما يتم ضمن المخطط الواعي الذي يضع اللبنة في مكانها الأصيل، ويضع الحدود والمعايير للاستفادة من كل طاقة، ومن كل إمكانية في عملية التنفيذ العملي لإقامة شريعة الله في الأرض.
стр. 343
والشباب المسلم والمرآة المسلمة، إنما تتمثل فيهم خصائص الجيل الأول حين يكونون على المستوى المطلوب في الطاعة والانضباط، والانقياد لأمر أولي أمرهم دون أن يجمح بهم الغرور، ويتنطعوا لغير مواقعهم، فيفسدوا جهدهم وجهادهم، وينقضوا البناء بدل أن يساهموا فيه كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
...
وبودع العهد المكي بهذا المنظر المثير الذي ينقله لنا الطفل العظيم أنس بن مالك، وذلك حين حل رسول الله (ص) في ربوع المدينة. قال:
(إني لأسعى في الغلمان يقولون: جاء محمد، فأسعى ولا أرى شيئا، ثم يقولون جاء محمد، فأسعى ولا أرى شيئا .. حتى جاء رسول الله (ص) وصاحبه أبو بكر، فكمنا في بعض خراب المدينة، ثم بعثا رجلا من أهل البادية يؤذن بهما الأنصار، فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار حتى انتهوا إليهما، فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين. فأقبل رسول الله (ص) وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة حتى أن العواتق لفوق البيوت يتراءينه، يقلن: أيهم هو؟ أيهم هو؟ فما رأينا منظرا شبيها به.
قال أنس: فلقد رأيته يوم دخل علينا، ويوم مضى، ويوم قبض، فلم أر يومين أشبه بهما) (١).
وفي رواية الإمام أحمد: فما رأيت يوما قط أنور ولا أحسن من يوم دخل رسول الله (ص) وأبو بكر المدينة (٢).
стр. 344
وقال البيهقي، عن ابن عائشة يقول:
لما قدم رسول الله (ص) المدينة جعل النساء والصبيان يقلن:
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع (١)
وقال البيهقي عن أنس: قدم رسول الله (ص) المدينة، فلما دخلنا جاء الأنصار برجالها ونسائها فقالو إلينا يا رسول الله، فقال: ((دعوا الناقة فهي مأمورة)) فبركت على باب أبي أيوب، فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف وهن يقلن:
نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار
فخرج إليهم رسول الله (ص) فقال: ((أتحبونني؟)) فقالوا: أي والله يا رسول الله. فقال: ((وأنا والله أحبكم)) (٢).
...
стр. 345
العهد المدني للدعوة
стр. 346
الفصل التاسع عشر
تنظيم المجتمع النبوي
أولا: بناء المسجد:
(عن أنس قال: قدم النبي (ص) المدينة، فنزل أعلى المدينة في حي يقال لهم: بنو عمرو بن عوف، فأقام النبي (ص) أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى بني النجار، فجاؤوا متقلدي السيوف، كأني أنظر إلى النبي (ص) على راحلته وأو بكر ردفه، وملأ بني النجار حوله، حتى ألقى بفناء أبي أيوب.
وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مرابض الغنم، وإنه أمر ببناء المسجد. فأرسل إلى ملأ بني النجار فقال: ((يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا؟)) قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا من الله. قال أنس: فكان فيه ما أقول لكم قبور المشركين. وفيه خرب وفيه نخل، فأمر النبي (ص) بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطعت. فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضاديته الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر، وهم يرتجزون، والنبي (ص) معهم وهو يقول:
اللهم لا خير إلا خير الآخرة ... فاغفر الأنصار والمهاجرة) (١)
стр. 347
لقد كانت الخطوة الأولى في المدينة، بعد وصول الرسول (ص) واستقراره، وفي اليوم الأول الذي نزل فيه هو بناء المسجد النبوي. وهو عنوان هذه الأمة، وهو الذي يمثل رمز انتصاراتها. لقد أمضى في مكة ثلاثة عشر عاما يعبدون الله على خوف ووجل. ويضطهدون إن أعلنوا شعائرهم، ويؤذون إن صلوا وجهروا بصلاتهم، وكان أول ركن تقوم دولة الإسلام عليه، ومن أجله هو الصلاة ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوههم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون﴾ (١).
﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتاو الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ (٢).
فكان قيام المسجد النبوي وإعلان التوحيد في المدينة، هو إعلان قيام دولة الإسلام، ورسول الله (ص) يعقد هذا الأمر في دور بني النجار، وبعيون الملأ منهم، وفي ظلال سيوفهم. فالدولة الآن دولة الإسلام وهم حماتها، واختيار رسول الله بني النجار، هو اختيار عميق، يحمل معنى عميقا كذلك، فبنو النجار أخوال رسول الله (ص)، وهو في جوارهم، والمسجد في أرضهم، ولن يروم حماهم أحد .. وحيث يمكن أن يقع صراع في أي قبيلة بين مؤيد ومعارض. ففي بني النجار، فلا .. لأنهم أهل رسول الله (ص)، وكما كان بنو هاشم وبنو المطلب في مكة، فبنو النجار في المدينة، ونقيبهم
стр. 348
أسعد بن زرارة، صاحب العقبات الثلاث، والشاب الذي يتوقد قوة وحيوية، الذي خاض غمار المواجهة في المدينة حتى أرسى دعائم الإسلام فيها. وشهد رسول الله (ص) لبني النجار بالخيرية فقال: ((إن خير دور الأنصار دار بني النجار. ثم عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث، ثم بني ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير﴾ (١). وبلغ من إكرام الرسول (ص) لهم أن كان نقيبهم بعد وفاه نقيبهم أسعد بن زراره. فقد ذكر ابن إسحاق عن عاصم عن عمر بن قتادة أن بني النجار سألوا رسول الله (ص) أن يقيم لهم نقيبا بعد أسعد بن زرارة، فقال: ((أنتم أخوالي وأنا بما فيكم وأنا نقيبكم)) وكره أن يخص بها بعضهم دون بعض، فكان من فضل بني النجار الذي يعتدون به على قومهم أن كان رسول الله (ص) نقيبهم) (٢).
وسبيقى المسجد بالنسبة للمسلمين رمز انتصاراتهم، لا على أنه دار عبادة فحسب، بل هو دار حياة المسلم، وحين نرى المساجد الضخمة اليوم تملأ الآفاق في كل أصقاع الأرض، ونرى زينتها وزحرفها وتفوقها كثيرا في البناء، لكننا لا نجد في داخلها تلك الحيوية التي تمثل انطلاقة الإسلام، فالمسجد يحكم البيت، ويحكم الشارع، ويحكم الحاكم، ويحكم الحياة .. لكنه تحول في واقعنا إلى بيت للصلاة فقط، وفي بعض البلدان هو بيت الخوف والرعب، فالشاب الذي يدخله معرض للفتنة والابتلاء والموت، نذكر هذه المساجد أمام القلعة الأولى للإسلام في المدينة، والتي تحركت منها الكتائب التي حكمت ثلثي الأرض آنذاك .. هذه القلعة نستمع إلى وصف دقيق لها:
стр. 349
(وأسسوا المسجد، فجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخرة مائة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك فهو مربع .. وجعلوا الأساس قريبا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجار، ثم بنوه باللبن .. وجعل له ثلاثة أبواب .. وجعل طول الجدار بسطة، وعمده الجذوع، وسقفة جريدا، فقيل له: ألا تسقفه؟ فقال: ((عريش كعريش موسى خشيبات وثمام، الشأن أعجل من ذلك))) (١).
ثانيا: المؤاخاة:
١ - (عن عاصم قال: قلت لأنس بن مالك: أبلغك أن النبي (ص) قال: ((لا حلف في الإسلام)) فقال: قد حالف النبي (ص) بين قريش والأنصار في داري) (٢).
٢ - (وآخى رسول الله (ص) بين أصحابه من المهاجرس والأنصار، فقال فيما بلغنا - ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يقل - ((تآخوإ في الله أخوين أخوين)) ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب، فقال: ((هذا أخي)) فكان رسول الله (ص) سيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين، الذي ليس خطير ولا نظير في العباد. وعلي بن أبي طالب ﵁ أخوين، وكان حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله
стр. 350
(ص) وعم رسول الله (ص)، وزيد بن حارثة مولى رسول الله (ص) أخوين. وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين حضره القتال إن حدث به حادث المولت، وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين، ومعاذ بن جبل أخوين.
وقال ابن هشام: وكان جعفر بن أبي طالب يومئذ غائبا بأرض الحبشة.
قال ابن إسحاق: وكان أبو بكر الصديق وخارجة بن زهير أخوين، وعمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين، وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ أخوين، وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخوين، والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود حليف بني زهرة أخوين، وعثمان بن عفان وأوس بن ثابت أخوين، وطلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك أخوين، وسعيد بن زيد وأبي بن كعب أخوين، ومصعب بن عمير وأبو أيوب الأنصاري أخوين، وأبو حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر أخوين، وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أخوين، وأبو ذر والمنذر بن عمرو أخوين، وحاطب بن بلتعة وعويم بن ساعدة أخوين، وسلمان الفارسي وأبو الدرداء أخوين، وبلال مولى أبي بكر وأبو رويحة الخثعمي أخوين ..) (١).
٣ - (وقال عبد ارحمن بن عوف آخى النبي (ص) بيني وبين سعد بن الربيع لما قدمنا المدينة) (٢).
стр. 351
٤ - (وعن أنس ﵁ قال: قدم عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي (ص) بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك دلني على السوق فربح شيئا من أقط (١) وسمن، فرآه النبي (ص) بعد أيام وعليه وضر (٢) من صفرة. فنال النبي (ص): ((مهيم (٣) يا عبد الرحمن)) قال: يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار. قال: ((فما سقت فيها)) فقال: وزن نواة من ذهب. فقال النبي (ص): ((أولم ولو بشاة)) (٤).
وفي رواية الإمام أحمد: (... فقال له سعد: أي أخي، أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان فانظر أيها أعجب إليك حتى أطلقها. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق. فدلوه. فذهب فاشترى وباع فربح فجاء بشيء من أقط وسمن ثم ما لبث ما شاء أن يلبث فجاء وعليه ودك (٥) زعفران، فقال رسول الله (ص): ((مهيم؟)) فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة. قال: ((ما أصدقتها)) قال: وزن نواة من ذهب.
стр. 352
قال: ((أولم ولو بشاة)) قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني ولو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب ذهبا وفضة) (١).
٥ - (وعن أنس قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا في كثير، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله.
قال: ((لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم)).
٦ - (وعن أبي هريرة قال: قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: ((لا)) قالو: أفتكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة؟
قالوا: سمعنا وأطعنا) (٢).
(وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رسول الله (ص) للأنصار: ((إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم)) فقالو: أمولنا بيننا قطائع، فقال رسول الله (ص): ((أو غير ذلك؟)) قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ((هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر)) قالو: نعم) (٣).
٧ - (وعن موسى بن ضمرة بن سعيد عن أبيه قال: لما قدم رسول الله (ص)
стр. 353
المدينة آخى بين المهاجرين بعضهم لبعض، وآخى بين المهاجرين والأنصار. آخى بينهم على الحق والمواساة، ويتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام، وكانوا تسعين رجلا؛ خمسة وأربعون من المهاجرين، وخمسة وأربعون من الأنصار. ويقال كانوا مائة: خمسون من المهاجرين وخمسون من الأنصار، وكان ذلك قبل بدر. فلما كانت وقعة بدر وأنزل الله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾ فنسخت الآية ما كان قبلها، وانقطعت المؤاخاة في الميراث. ورجع كل إنسان إلى نسبه وورثه ذوو رحمه) (١).
٨ - (قوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ..﴾ عن ابن عباس أن رسول الله (ص) آخى بين أصحابه فجعلوا يتوارثون بذلك حتى نزلت: ﴿... وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ فتوارثو بالنسب) (٢).
...
١ - لم يشهد تاريخ البشرية مثل المواخاة بين المهاجرين والأنصار في العهد الأول، فلم يتم الأمر من خلال القمع والإرهاب، ولا من خلال الاستيلاء على السلطة، والتأميم للأموال المنقولة وغير المنقولة - كما يعبر عن ذلك المعاصرون اليوم - لقد كان تشريع المؤاخاة الذي تم بإشراف الرسول (ص)، وبأقصى ما يملك المتآخون من رغبة واندفاع للتنفيذ. هي النموذج الحي للحكم على مستوى الدعاة في الأرض اليوم ومدى قدرتهم
стр. 354
على أن تتمثل فيهم هذه الروح الأخوية.
٢ - لقد أشرف رسول الله (ص) على هذه المؤاخاة بنفسه، وقال: ((تآخوا في الله أخوين أخوين)) ولم يكن الأمر وعظا عاما، وكلاما جميلا تبح الأصوات فيه، ولا ينتج عنه إلا الصدقة النادرة والمرتبطة بالمن والأذى. إنما كانت خطوة عملية حية، قام رسول الله (ص) بتنفيذها وتحديد التآخي المباشر بين كل أخ مهاجر وأخ أنصاري.
ولا بد أن يتعلم الدعاة من هذا الدرس ضرورة المعايشة العملية لقراراتهم، والسهر المباشر عليها، دون أن يكلوا تنفيذها حسب التسلسل، وينتهي الأمر بموت القرار في مهده.
٣ - كان العرض القادم عند الأنصار، أن يتقاسموا الثروة بينهم وبين إخوانهم المهاجرين وهم الذين طلبوا ذلك، وقد ترك المهاجرون الأولون ﵃ أموالهم، وديارهم في سبيل الله، وجاؤوا بدينهم إلى المدينة ليشهدوا ميلاد دولة الإسلام، فاندفع إخوانهم الأنصار يعرضون عليهم أموالهم وأراضيهم ليكونوا فيها سواء.
وارتفع بعضهم فوق المستوى، فهو يعرض خير أرضه، وخير أهله، ويدع الاختيار لأخيه عبد الرحمن بن عوف، وشهد لهم القرآن بذلك: ﴿والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنسفهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ (١).
وهل يحتاجون إلى ثناء من الناس بعد هذه الشهادة من خالقهم
стр. 355
رب السموات والأرض.
إن الإسلام قد فرض الزكاة على المسلم بنسبة تتناسب مع نفسية البشر عامة، واستعدادها للإتفاق، وكانت الزكاة تتراوح بين ربع العشر والعشر، وكلما كان الجهد البشري أكثر كلما انخفضت النسبة، وهي التي لا يقبل المسلم بأقل منها. بينما نجد الآن هذه النماذج الرائعة التي تقبل وتعرض أن تقدم خمسين بالمائة من ممتلكاتها عن طيب خاطر لإخوتنها، وليست صوره فردية نادرة، إنما هي سمة عامة في هذا المجتمع الإسلامي الوليد، الذي لن يتكرر بعد في التاريخ.
٤ - ويعرض رسول الله (ص) حلا يحفظ هذا المال بيد الأنصار، وهو قوله ﵊: ((تكفونهم المؤونة، وتقاسمونهم الثمرة)) وكانت رغبة رسول الله (ص) أن لا يغمس المهاجرون الآن في الزراعة والعمل، بل يبقوا على أهبة الاستعداد للمواجهة والجهاد والغزو. فهم الرصيد الذي يتحرك بهم لعملياته العسكرية خارج المدينة (١)، ويريدهم أن يتفرغوا لذلك، وقال إخوانهم الأنصار: سمعنا وأطعنا. وقرت عين إخوانهم المهاجرين بهم حتى يقولوا لرسول (ص): (لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله).
ورضي الأنصاري أن يعمل، وتكون ثمرة عمله موزعة بينه وبين أخيه المهاجر.
٥ - ولكن المهاجرين قبلوا هذا الأمر، وفي رحلة مؤقتة، ريثما يتعرفون على سوق المدينة ومداخل ومسارب التجارة فيها، والعمل التجاري بطبيعته