← Сира

Сира · id 14326

فقه السيرة النبوية لمنير الغضبان

منير الغضبان

Полный текст (742 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

٤ - (وعن أنس ﵁ قال: قدم عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي (ص) بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك دلني على السوق فربح شيئا من أقط (١) وسمن، فرآه النبي (ص) بعد أيام وعليه وضر (٢) من صفرة. فنال النبي (ص): ((مهيم (٣) يا عبد الرحمن)) قال: يا رسول الله تزوجت امرأة من الأنصار. قال: ((فما سقت فيها)) فقال: وزن نواة من ذهب. فقال النبي (ص): ((أولم ولو بشاة)) (٤). وفي رواية الإمام أحمد: (... فقال له سعد: أي أخي، أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان فانظر أيها أعجب إليك حتى أطلقها. فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق. فدلوه. فذهب فاشترى وباع فربح فجاء بشيء من أقط وسمن ثم ما لبث ما شاء أن يلبث فجاء وعليه ودك (٥) زعفران، فقال رسول الله (ص): ((مهيم؟)) فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة. قال: ((ما أصدقتها)) قال: وزن نواة من ذهب.

стр. 352

قال: ((أولم ولو بشاة)) قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني ولو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب ذهبا وفضة) (١). ٥ - (وعن أنس قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا في كثير، لقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله. قال: ((لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم)). ٦ - (وعن أبي هريرة قال: قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: ((لا)) قالو: أفتكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا) (٢). (وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رسول الله (ص) للأنصار: ((إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم)) فقالو: أمولنا بيننا قطائع، فقال رسول الله (ص): ((أو غير ذلك؟)) قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ((هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر)) قالو: نعم) (٣). ٧ - (وعن موسى بن ضمرة بن سعيد عن أبيه قال: لما قدم رسول الله (ص)

стр. 353

المدينة آخى بين المهاجرين بعضهم لبعض، وآخى بين المهاجرين والأنصار. آخى بينهم على الحق والمواساة، ويتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام، وكانوا تسعين رجلا؛ خمسة وأربعون من المهاجرين، وخمسة وأربعون من الأنصار. ويقال كانوا مائة: خمسون من المهاجرين وخمسون من الأنصار، وكان ذلك قبل بدر. فلما كانت وقعة بدر وأنزل الله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾ فنسخت الآية ما كان قبلها، وانقطعت المؤاخاة في الميراث. ورجع كل إنسان إلى نسبه وورثه ذوو رحمه) (١). ٨ - (قوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ..﴾ عن ابن عباس أن رسول الله (ص) آخى بين أصحابه فجعلوا يتوارثون بذلك حتى نزلت: ﴿... وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ فتوارثو بالنسب) (٢). ... ١ - لم يشهد تاريخ البشرية مثل المواخاة بين المهاجرين والأنصار في العهد الأول، فلم يتم الأمر من خلال القمع والإرهاب، ولا من خلال الاستيلاء على السلطة، والتأميم للأموال المنقولة وغير المنقولة - كما يعبر عن ذلك المعاصرون اليوم - لقد كان تشريع المؤاخاة الذي تم بإشراف الرسول (ص)، وبأقصى ما يملك المتآخون من رغبة واندفاع للتنفيذ. هي النموذج الحي للحكم على مستوى الدعاة في الأرض اليوم ومدى قدرتهم

стр. 354

على أن تتمثل فيهم هذه الروح الأخوية. ٢ - لقد أشرف رسول الله (ص) على هذه المؤاخاة بنفسه، وقال: ((تآخوا في الله أخوين أخوين)) ولم يكن الأمر وعظا عاما، وكلاما جميلا تبح الأصوات فيه، ولا ينتج عنه إلا الصدقة النادرة والمرتبطة بالمن والأذى. إنما كانت خطوة عملية حية، قام رسول الله (ص) بتنفيذها وتحديد التآخي المباشر بين كل أخ مهاجر وأخ أنصاري. ولا بد أن يتعلم الدعاة من هذا الدرس ضرورة المعايشة العملية لقراراتهم، والسهر المباشر عليها، دون أن يكلوا تنفيذها حسب التسلسل، وينتهي الأمر بموت القرار في مهده. ٣ - كان العرض القادم عند الأنصار، أن يتقاسموا الثروة بينهم وبين إخوانهم المهاجرين وهم الذين طلبوا ذلك، وقد ترك المهاجرون الأولون ﵃ أموالهم، وديارهم في سبيل الله، وجاؤوا بدينهم إلى المدينة ليشهدوا ميلاد دولة الإسلام، فاندفع إخوانهم الأنصار يعرضون عليهم أموالهم وأراضيهم ليكونوا فيها سواء. وارتفع بعضهم فوق المستوى، فهو يعرض خير أرضه، وخير أهله، ويدع الاختيار لأخيه عبد الرحمن بن عوف، وشهد لهم القرآن بذلك: ﴿والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنسفهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ (١). وهل يحتاجون إلى ثناء من الناس بعد هذه الشهادة من خالقهم

стр. 355

رب السموات والأرض. إن الإسلام قد فرض الزكاة على المسلم بنسبة تتناسب مع نفسية البشر عامة، واستعدادها للإتفاق، وكانت الزكاة تتراوح بين ربع العشر والعشر، وكلما كان الجهد البشري أكثر كلما انخفضت النسبة، وهي التي لا يقبل المسلم بأقل منها. بينما نجد الآن هذه النماذج الرائعة التي تقبل وتعرض أن تقدم خمسين بالمائة من ممتلكاتها عن طيب خاطر لإخوتنها، وليست صوره فردية نادرة، إنما هي سمة عامة في هذا المجتمع الإسلامي الوليد، الذي لن يتكرر بعد في التاريخ. ٤ - ويعرض رسول الله (ص) حلا يحفظ هذا المال بيد الأنصار، وهو قوله ﵊: ((تكفونهم المؤونة، وتقاسمونهم الثمرة)) وكانت رغبة رسول الله (ص) أن لا يغمس المهاجرون الآن في الزراعة والعمل، بل يبقوا على أهبة الاستعداد للمواجهة والجهاد والغزو. فهم الرصيد الذي يتحرك بهم لعملياته العسكرية خارج المدينة (١)، ويريدهم أن يتفرغوا لذلك، وقال إخوانهم الأنصار: سمعنا وأطعنا. وقرت عين إخوانهم المهاجرين بهم حتى يقولوا لرسول (ص): (لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله). ورضي الأنصاري أن يعمل، وتكون ثمرة عمله موزعة بينه وبين أخيه المهاجر. ٥ - ولكن المهاجرين قبلوا هذا الأمر، وفي رحلة مؤقتة، ريثما يتعرفون على سوق المدينة ومداخل ومسارب التجارة فيها، والعمل التجاري بطبيعته

стр. 356

عمل مؤقت، لا يتعارض مع التفرغ للجهاد. فالمسلم عندما يدعوه الداعي إلى المعركة لن يتعطل عمله، كما هو الحال بالنسبة للمزارع الذي يطلب منه العمل الدؤوب في مراحل معينة، وإلا خسر موسمه كله. وكان عبد الرحمن بن عوف، نموذج الحيوية الحركية عند المهاجرين، حيث استطاع خلال أيام قلائل، أن يكسب، ويتطيب، ويتزوج .. وكما يقول عن نفسه: لقد رأيتني ولو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب ذهبا أو فضة. ٦ - وحين يستعرض الباحث هذا الأفق الوضيء العظيم لمعالم المجتمع المدني من خلال المؤاخاة، وما رافقها من حب وبذل وتضحية وإيثار. وما يرى في عالم الأرض اليوم، ومجتمعات الأرض، وما يشهد فيه من نتن وعفن وركام .. يعرف عظمة هذا الدين في البناء، وما تحمله نظم الأرض من شيوعية واشتراكية ورأسمالية من هبوط. ويعرف إكمال الله تعالى نعمته لهذه الأمة بهذا الدين. إن المجتمعات البشرية اليوم التي تنبح بهذه المبادىء، وتقدمها للناس على أنها الحق والأمل والرجاء؛ تقوم على قتل الخير في نفوس الناس. فالتسلط والقوة والقهر والإذلال للمالكين، وكل مالك مستغل؛ وجشع ومتسلط. وبالتصفية الدموية ينزع تسلطه، وفي صراع الطبقات، تنتزع ملكيته، حتى ولو كان يملك قوته الضروري، يجب أن يتحول كله إلى عبيد يحرم عليهم التملك، والطبقة الحاكمة هي التي تمثل الخير والحق، وتتصرف وتملك كل شيء في الواقع العملي، دكتاتورية البروليتاريا، كما يحلو لهم أن يسموها، وقد تختلف هذه النظم قليلا أو كثيرا، بحيث يمكن أن تفسح في الصور الأخرى المجال لامتصاص دماء

стр. 357

المعوزين، والتحكم بأقواتهم وحياتهم وجهدهم، كي تنمو الثروة في أيديهم، ومهمة القانون أن يبرر هذا الظلم والبغي والإجرام، فهم الذين يملكون التشريع كما يشاؤون. ٧ - ولكني أعود فأحذر من صورة أخرى لا تقل خطورة عن ما سبق، ولا بد أن تأتي قرينة لها، هذه الصورة، هي أن يدخل في روع الدعاة إلى الله اليوم، أنه مجرد أن تتاح لهم فرصة الحكم والسلطة، ستعود صورة المجتمع الأول ماثلة في صفوفهم، وأنهم قد بلغوا في التربية والإعداد والتضحية والبذل شأو هؤلاء المهاجرين والأنصار. وكل الأمر متوقف على أن توسد لهم السلطة، ليولد فيهم أبو بكر وعمر من جديد، وأخص بالذكر الشيخين ﵄ لأن الغرور يصل بالدعاة أحيانا إلى حد الاستعلاء عن عثمان ﵁ وأنه قد زل عن المنهج الإسلامي. أما هم ففي مصاف الصديق والفاروف. وأن الأمر انتهى عندهم ولم يعد أمامهم إلا أن يعملوا لإقامة دولة الإسلام. بينما هم في وقعهم العملي والتربوي، أقرب وألصق بهذه المجتمعات الأرضية القاصرة التي ذكرناها، وفيهم الذين يصطرعون على المال، ويصطرعون على الشهرة، ويصطرعون على السلطة، ويضعون الغلاف الإسلامي على ذلك. وقد يوجد بينهم من يتهم في أمانته، ويتهم في دينه. يجب أن لا ننسى أن الأمر ليس أماني وتمنيات، وقد تكون هذه المجتمعات الأرضية بما ملكت من خبرة وصراع طويل قد وصلت إلى مستوى من الأمن والعدل والرفاه يعجز دعاة الإسلام عن الوصول إليه لو حكموا في هذه الأرض نتيجة فقدان هذه الخبرات، وأناشد الدعاة إلى

стр. 358

الله أن يعودوا دائما إلى ذاتهم، ويراجعوا سلوكهم، ويتفحصوا مسيرتهم ليصححوا الخطأ، ويرتفعوا بمستوى تربيتهم على خط الإسلام الصاعد، وعلى طريق القمة الإسلامي الشامخ. إذ قد يكونون في السفح، وليس الذي يرى القمة يعني أنه وصل إليها، وليس معرفتنا النظرية بمجتمعنا الإسلامي الأول، أننا صرنا أولئك الجيل، فالطريق طويل طويل وشاق وشاق حتى نتابع الأمر صعدا فيه. ثالثا: وثيقة المدينة (الدستور الإسلامي): قال ابن سحاق (١): (وكتب رسول الله (ص) كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم).

стр. 359

الباب الأول (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي (ص) بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس.

стр. 360

المهاجرون من قريش على ربعتهم (١) يتعاقلون (٢) بينهم، وهم يفدون عانيهم (٣) بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف، والقسط بين المؤمنين. وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف، والقسط بين المؤمنين. وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف، والقسط بين المؤمنين. وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف، والقسط بين المؤمنين. وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة منهم تفدي عانيها بالعروف، والقسط بين المؤمنين. وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم بعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف، والقسط بين المؤمنين. وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف، والقسط بين المؤمنين. وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف، والقسط بين المؤمنين.

стр. 361

وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا (١) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل. وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (٢) ظلم أو إثم أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم، وإن سلم المؤمنين واحدة لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم. وإن كل غاية غزت معنا يعقب بعضها بعضا. وإن المؤمنين يبيء (٣) بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله. وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه، وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط (٤) مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود (٥) به، إلا من يرضي ولي المقتول. وإن المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا قيام عليه. وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن

стр. 362

ينصر محدثا ولا يؤويه، وأن من نصره وآوآه، فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء، فإن مرده إلى الله وإلى محمد .. الباب الثاني وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (١) إلا نفسه وأهل بيته، وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف وإن ليهود بن جشم مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته. وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم، وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن البر دون الإثم، وإن موالي بني ثعلبة كأنفسهم، وإن بطاذة (٢) يهود كأنفسهم، وإنه لا يخرج أحد منهم إلا بإذن محمد (ص). الباب الثالث وإنه لا ينحجز ثأر على جرح، وإنه من فتك فبنفسه فتك، وأهل بيته إلا من ظلم، وإن الله على أبر هذا، وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين

стр. 363

نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله ، وإلى محمد رسول الله (ص) وإن الله على أنقى ما في هذه الصحيفة وأبره، وأن لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم لا يكسب كاسب على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله (ص)) (١). ... إنه دستور الدولة الإسلامية الجديدة ، وقد حدد المعالم الآتية: (أ) في الباب الأول: حقوق وواجبات المسلمين في الدولة المسلمة: ١ - الكتاب من محمد رسول الله (ص) فهو الرسول المبلغ عن ربه، وهو الحاكم بشريعة الله سبحانه، والحاكم المسلم بعده يمثل هذه السلطة.

стр. 364

٢ - الكتاب في بابه الأول بين المؤمنين والمسلمين من قريش ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، فهو يمثل كتلة المسلمين الواحدة. وهم جميعا أمة واحدة من دون الناس، فمفهوم الأمة قائم على أساس الدين. ٣ - المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون بينهم ويفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وقد ذابت الكيانات القبلية بين المهاجرين، وأصبحوا تجمعا واحدا تحت هذه الراية. ٤ - أخذ التنظيم الإسلامي في المدينة طابع القيادات القبلية، فأبقى وضع الناس على حاله من هذه الناحية، حيث أن الإسلام قد عم أكثر أبناء القبيلة، ولعل النقباء الاثني عشر يمثلون هذه التجمعات، ويتم حكمها من خلالهم. ٥ - وقد حدد الدستور نوعين من الالترمات المالية هي من مسؤولية هذا التنظيم هما: الدية، وفك العاني. فالدية تحملها القبيلة، وفك الأسير وتكاليفه المادية يحمله التنظيم على أفراده. ٦ - ومن الواجبات المالية كذلك على كل تجمع من هذه التجمعات، معالجة وضع الغارمين المثقلين بديونهم، وهذا يمكن المشاركة العامة فيه، فليس من خصوصيات التجمع الواحد. (وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم) فهو ولاء جديد يقوم لله ورسوله ولا يقوم للقبيلة ونصر ابنها ظالما أو مظلوما كما كان من قبل: لا يطلبون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا فالظالم الباغي يحاربه المجتمع كله، وهو تطور هائل في التاريخ البشري. وقد حدد رسول الله (ص) نصر الأخ الظالم بردعه عن ظلمه

стр. 365

فذلك نصر له (١). ٨ - (وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم) فلم تقر التجمعات القبلية للخزرج، وتجمع المهاجرين وتجمع الأوس، كي نشكل كتلا متصارعة .. إنما أقر هذا الواقع ليحقق التكافل لكل فرد، ويحدد المسؤولية عليه، أما عند البغي والظلم، فالبراءة من كل باغ وظالم ولو كان ولد أحدهم، والولاء لله ورسوله. ٩ - (ولا يقتل مؤمن مؤمنا بكافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن) فمعالم دولة الإيمان في الأرض تحدد، ولا يمكن أن يتساوى المؤمن والكافر، وكما تبرز الدولة القومية معالمها بعدم التفريق بين أبنائها على أساس الدين. لكنها تجعل لأبناء قوميتها الميزة والعلو، فدولة الإيمان كذلك لن تدع الرابطة القبلية أقوى من الرابطة الإسلامية. وتقبل التناصر بين المؤمن والكافر على المؤمن، وتبيح قتل المؤمن بالكافر لأن المؤمنين إخوة، وفي الوقت الذي تطالب جميع أبناء الأمة الإسلامية أن يكونوا يدا واحدة على الباغي والظالم ولو كان ولد أحدهم، تقف دون علو الكافرين على المؤمنين على المؤمنين نصرا وثأرا .. ١٠ - (وأن ذمة المسلمين واحدة يجير عليهم أدناهم) فكرامة أدنى فرد من المسلمين محفوظة، وكلمته تسري على جميع المسلمين، وإجارته لشخص

стр. 366

ينفذها رئيس الدولة. ١١ - وليس هذا الولاء للمؤمنين فقط، بل حتى غير المؤمنين الذين يرتضون أن يسلموا أمورهم وقيادهم للمؤمنين بحيث يكونون تبعا لهم (وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر ولأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم) فمثل هؤلاء الأفراد الذين يقدمون ولاءهم للقيادة المسلمة مباشرة رغم اختلافهم معها في العقيدة يعرضون أنفسهم للخطر الماحق من فئاتهم أو طوائفهم، والدولة المسلمة كفيلة بحمايتهم ورد العدوان عنهم. ١٢ - والجهاد أساس في الدولة المسلمة، ينتظم أفراد الأمة جميعا بحيث لا يبقى أحد إلا وهو يساهم فيه (وإن كل غازية غزت منا يعقب بعضها بعضا). ١٣ - (وإن المؤمنين يبيء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله) فهو التعاون والتناصر في التعويض عن الخسائر في الأرواح والأموال، يواسي بعضهم بعضا كأنهم أسرة واحدة، المواساة في المال، والكفالة لليتامى، والرعاية للثكالى، سمة رئيسية من سمات هذا التجمع. ١٤ - (وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه) فليس الإسلام فقط هو خير دين، كذلك المسلمون هم خير أمة وعلى خير هدي، وأقوم هدي، لا حاجة لهم بشرائع الشرق والغرب، قد أغناهم الله من فضله، وأرسل لهم خير رسله، وخير كتبه، وخير رسالاته. ١٥ - ولئن ذكرت الإجارة (يجير على المسلمين أدناهم) فهذه المادة توضح حدودها، فلا إجار لعدو محارب من مشرك مهادن معا، ولا أمان

стр. 367

له إلا من مسلم، ولا أمان لمال عدو محارب إلا من الدولة المسلمة نفسها (وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه على مؤمن) فعند إباحة دم الكافر المحارب وإباحة ماله فلا يستطيع مشرك مشترك معه في العقيدة أن يحمي ماله أو حياته. ١٦ - وقاتل المؤمن عندما يكون مشركا فالأصل قتل المشرك المجرم إلا إذا رضي ولي المقتول، أو يكون قد قتل بحق. ١٧ - ولا حماية لمعتد من السلطة المسلمة (وأن المؤمنين عليه كافة ولا يحل إلا قيام عليه). ١٨ - وتقول الوثيقة: وتأكيدا على هذا المعنى لخطورته (وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا ولا يؤويه) و (أن من نصره وآواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل). ١٩ - وأي خلاف في تفسير أحكام هذه المواد فمردها إلى الله ورسوله (وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد (ص). (ب) الباب الثاني: حقوق وواجبات غير المسلمين في الدولة المسلمة . ٢٠ - غير المؤمنين في الدولة الإسلامية لن يبلغوا إلى كيان أمة مستقلة. وهم كذلك ليسوا جزءا من الأمة المسلمة، لكن بعضهم يمكن أن يكونوا مع

стр. 368

التجمع الإسلامي، وبعضهم له استقلاله الذاتي. ٢١ - فالذين تهودوا من الخزرج والأوس يتبعون قبائلهم التي ينتمون إليها (وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين فليهود دينهم، وللمسلمين دينهم موليهم وأنفسهم). ٢٢ - والذي يظلم منهم أو يأثم، فيحمل وزر ظلمه وإثمه، فلا تزر وازرو وزر أخرى، ولا يهلك إلا نفسه وأهل بيته (إلا من ظلم أثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته). ٢٣ - والشيء المحجور على هؤلاء الأفراد أنه لا يخرج أحد منهم من بلده إلا بإذن من الدولة (وأنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد (ص)). ٢٤ - والثارات، ليس هي الرد على الاعتداءات بالجروح، فالدولة هي التي تقيم النظام وتعاقب المعتدين (وأنه لا ينحجز ثأر على جرح) ومن تجرأ على الحدود، وراح يقتل ثأرا لجرح وقع به، فقد حكم على نفسه بالموت (وأنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته إلا من ظلم). ٢٥ - ورسول الله هو الكفيل بتطبيق هذه المواد بصفته رئيسا للدولة، والله تعالى على ذلك من الشاهدين، فهو منهج الله وشرعه (وإن الله على أبر هذا). ٢٦ - أما التجمعات اليهودية المستقلة الخارجة عن التبعية للقبائل، ولها قياداتها وزعامتها فلا بد أن تشارك بالنفقة فيما يخصها، من مسؤولية الدفاع من البلد وحاية الوطن (وأن يهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين).

стр. 369

٢٧ - لكن لا يحمل اليهود العبء كله، ولا يحمل المؤمنون العبء كله. إنما كل منهم حسب إمكانياته وعدده (وإن على يهود نفقتهم وعلى المؤمنين نفقتهم). ٢٨ - وحين يتعرض الوطن للخطر، ويدعى غير المسلمين للمشاركة في الدفاع عنه فيجب عليهم ذلك (وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة). ٢٩ - ولا بد من تبادل النصح، والتشاور في الملمات فيما يعود على البلد بالنفع (وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم). (ج) الباب الثالث: أحكام عامة للمواطنين عامة: وهذه الأحكام تشمل كافة المواطنين، يتساوون فيها بالحقوق والواجبات: ٣٠ - خطأ الحليف لا يحمله المتحالف معه، فكل مخطىء يحاسب على تقصيره (وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه). ٣١ - والمظلوم أيا كان جنسه أو عقيدته، فلا بد أن ينصر والدولة هي حزبه (وإن النصر للمظوم). ٣٢ - وحدود هذه المدينة، وهذا الوطن حرام على الجميع (وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة). ٣٣ - معاملة الجار كمعاملة النفس، ما لم يكن مضارا لجاره أو معتديا عليه

стр. 370

(وإن الجار كالنفس غنر مضار ولا آثم). ٣٤ - والحرمات مصونة، فلا يتدخل أحد فيها إلا بإذن أهلها، حق التملك، وحق التصرف (وأنه لا تجار حرمة بدون أهلها). ٣٥ - وأن الجهة التي يحتكم إليها هي الله ورسوله فقط (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ..). (وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من اشتجار أو حدث يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله). ٣٦ - (وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره). ٣٧ - وأن الجوار للعدو ممنوع، ولحلفاء هذا العدو كذلك (وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها). ٣٨ - ومسؤولية الدفاع عن الوطن مسؤولية شاملة لكل فرد (وإن بينهم النصر على من دهم يثرب). ٣٩ - وما تقره الدولة من سلم أو حرب فيسري على الجميع (وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه). ٤٠ - ومن حق غير المؤمنين على المؤمنين أن ينصروا حلفاءهم (وإنهم إذا دعو إلى مثل ذلك فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب الدين) والشرط المرهون به النصر هو أن لا يكون الحليف عدوا للدين. ٤١ - (وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره).

стр. 371

٤٢ - لا أمان لظالم أو آثم في الدولة المسلمة مهما كان جنسه أو عقيدته (وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم). ٤٣ - وحق الأمن مصون للجميع في أموالهم، وتحركهم، وتعاملهم (وإنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة) والذي يخاف هو الظالم الآثم (إلا من ظلم وأثم). ٤٤ - والدولة عون وكهف ونصر لكل من بر واتقى. ونفذ أحكام هذه الوثيقة (وإن الله جار لمن بر واتقى ومحمد رسول الله (ص)). وهكذا رأينا كيف تم تنظيم هذا المجتمع بكل فئاته وأديانه وأحزابه، من خلال هذا الدستور المعلن. ***

стр. 372

الفصل العشرون الإذن في الجهاد (١) أولا: مرحلة كف اليد: يقول الإمام ابن القيم الله: (أول ما أوحى إليه ربه ﵎ أن يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه، ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ، ثم أنزل عليه: ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾ فنبأه بقوله: ﴿إقرأ﴾ وأرسله: بـ ﴿يا أيها المدثر﴾ ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين، فأقام بضع عشر سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير فقال ولا جزية، ويؤمر بالكف والصبر والصفح، ثم أذن له بالهجرة، وأذن له في القتال. ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله) (٢).

стр. 373

لقد كان الجهاد ابتداء ممنوعا ثم صار مأذونا به ثم مأمور به. وكان الجهاد في المرحلة الأولى يقوم على الصبر على الابتلاء، وتحمل المحن في سبيل الله. ويشير الشهيد سيد قطب ﵀ إلى فقه منع الجهاد في هذه المرحلة، وهو يفسر قول الله : ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيدكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا﴾ (١). يقول الله: (... وبهذا الأدب الواجب نتناول حكمة عدم فرض الجهاد في مكة، وفرضيته في المدينة، نذكر ما يتراءى لنا من حكمة وسبب .. على أنه مجرد احتمال .. وندع ما وراءه لله .. لا نفرض على أمره أسبابا وعللا لا يعلمها إلا هو، ولم يحددها هو لنا، يطلعنا عليها بنص صريح. إنها أسباب اجتهادية تخطئء وتصيب، وتنقص وتزيد، ولا ينبغي بها إلا مجرد تدبر أحكام الله، وفق ما تظهره لنا الأحداث في مجرى الزمان. (أ) ربما كان ذلك لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد، في بيئة معينة، لقوم معينين، وسط ظروف معينة. ومن أهداف التربية والإعداد في مثل هذه البيئة بالذات، تربية نفس الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم يقع على شخصه، أو على من يلوذون به،

стр. 374

ليخلص من شخصه، ويتجرد من ذاته، ولا تعود ذاته، ولا من يلوذون به محور الحياة في نظره، ودافع الحركة في حياته، وتربيه كذلك على ضبط أعصابه، فلا يندفع لأول مؤثر - كما هي طبيعته - ولا يهتاج لأول مهيج، ليتم الاعتدال في طبيعته وحركته .. وتربيته على أن يتبع منهجا منظما له قيادة يرجع إليها في كل أمر من أمور حياته، ولا يتصرف إلا وفق ما تأمره - مهما يكن مخالفا لمألوفه وعادته - وقد كان هذا هو حجر الأساس في إعداد شخصية العربي لإنشاء ((المجتمع المسلم)) الخاضع لقيادة موجهة، المترقي المتحضر غير الهمجي أو القبلي. (ب) وربما كان ذلك أيضا لأن الدعوة السلمية أشد أثرا وأنفذ في مثل بيئة قريش، ذات العنجهية والشرف، والتي قد يدفعها القتال معها - في مثل هذه الفترة - إلى زيادة العناد، وإلى نشأة ثارات دموية جديدة، كثارات العرب المعروفة، التي أثارت حرب داحس والغبراء، وحرب البسوس - أعواما طويلة تفانت فيها قبائل برمتها - وتكون هذه الثارات الجديدة مرتبطة في أذهانهم وذكرياتهم بالإسلام، فلا تهدأ بعد ذلك أبدا، ويتحول الإسلام إلى ثارات وذحول تنسى معه فكرته الأصلية، وهو في مبدئه فلا تذكر أبدا. (ج) وربما كان ذلك أيضا اجتنابا لإنشاء معركة داخل كل بيت فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة هي التي تعذب المؤمنين وتفتنهم، إنما كان ذلك موكولا إلى أولياء كل فرد يعذبونه هم ويفتنونه (ويؤدبونه) ومعنى الإذن في القتال - في مثل هذه البيئة - أن تقع معركة ومقتلة في

стр. 375

كل بيت .. ثم يقال: هذا هو الإسلام! ولقد قيلت حتى والإسلام يأمر بالكف عن القتال! فقد كانت دعاية قريش في الموسم، في أوساط العرب القادمين للحج والتجارة .. إن محمدا يفرق بين الولد وولده، فوق تفريقه لقومه، وعشيرته! فكيف لو كان كذلك يأمر الولد بقتل الوالد، والمولى بقتل المولى في كل بيت كل محلة؟ (د) وربما كان ذلك أيضا، لما يعلمه الله من أن كثيرا من المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم ويعذبونهم ويؤدبونهم، هم بأنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلص، بل من قادته، ألم يكن عمر بن الخطاب من بين هؤلاء؟! (هـ) وربما كان ذلك أيضا لأن النخوة العربية، في بيئة قبلية من عاداتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى ولا يتراجع، وبخاصة إذا كان الأذى واقعا على كرام الناس فيهم، وقد وقعت ظواهر كبيرة تثبت صحة هذه النظرة في هذه البيئة، فابن الدغنة لم يرض أن يترك أبا بكر - وهو رجل كريم - يهاجر ويخرج من مكة، ورأى في ذلك عارا على العرب! وعرض عليه جواره وحمايته .. وآخر هذه الظواهر نقض صحيفة الحصار لبني هاشم في شعب أبي طالب، بعدما طال عليهم الجوع واشتدت المحنة، بينما في بيئة أخرى من البيئات ذات الحضارة القديمة التي مردت على الذل، قد يكون السكوت على الأذى مدعاة للهزء والسخرية والاحتقار من البيئة، وتعظيم الظالم المعتدي! (و) وربما كان ذلك أيضا لقلة عدد المسلمين حينذاك، وانحصارهم في مكة، حيث لن تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة، أو بلغت أخبارها متناثرة، حيث

стр. 376

كانت القبائل تقف على الحياد، من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها، حتى ترى ماذا كون مصير الموقف .. ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة - حتى ولو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم - ويبقى الشرك، وتنمحي الجماعة المسلمة ولم يقم في الأرض للإسلام نظام، ولا وجد له كيان واقعي، وهو دين جاء ليكون منهج حياة، وليكون نطاما واقعيا عمليا للحياة. (ز) في الوقت ذاته لم يكن هناك ضرورة قاهرة ملحة، لتجاوز هذه الاعتبازت كلها، والأمر بالقتال ودفع الأذى، لأن الأمر الأساسي في هذه الدعوة كان قائما - وقتها - ومحققا .. هذا الأمر الأساسي هو ((وجود الدعوة)) .. وجودها في شخص الداعية (ص)، وشخصه في حماية سيوف بين هاشم .. فلا تمتد إليه يد إلا وهي مهددة بالقطع! والنظام القبلي السائد يجعل كل قبيلة تخشى أن تقع في حرب مع بني هاشم! إذا هي امتدت يدها إلى محمد (ص)، فكان شخص الداعية من ثم محميا حماية كافية وكان الداعية يبلغ دعوته - إذن - في حماية سيوف بني هاشم ومقتضيات النظام القبلي. ولا يكتمها ولا يخفيها، ولا يجرؤ أحد على منعه من إبلاغها وإعلانها، في ندوات قريش في الكعبة، ومن فوق جبل الصفا وفي اجتماعات عامة، ولا يجرؤ أحد على سد فمه، ولا يجرؤ أحد على خطفه وسجنه أو قتله، ولا يجرؤ أحد على أن يفرض عليه كلاما بعينه يقوله، يعلن فيه بعض حقيقة دينه، ويسكت عن بعضها، وحين طلبوا منها أن يكف عن سب آلهتهم وعيبها لم يكف، وحين طلبوا منه أن يسكت عن عيب دين آبائهم وأجدادهم

стр. 377

وكونهم في جهنم لم يسكت، وحين طلبوا إليه أن يدهن فيدهنوا، أي أن يجاملهم فيجاملوه، بأن يتبع بعض تقاليدهم ليتبعوا هم بعض عاداته، لم يدهن .. وعلى الجملة كان للدعوة وجودها الكامل في شخص رسول الله (ص) محروسا بسيوف بني هاشم، وفي إبلاغه لدعوة ربه كاملة في كل مكان وفي كل صورة .. ومن ثم لم تكن هناك الضرورة القاهرة لاستعجال المعركة، والتغاضي عن كل هذه الاعتبارات البيئية التي هي في مجموعها مساندة للدعوة ومساعدة في مثل تلك البيئة .. هذه الاعتبارات كلها - فيما نحسب - كانت بعض ما اقتضت حكمة الله معه أن يأمر المسلمين بكف أيديهم وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة .. لتتم تربيتهم وإعدادهم، ولينتفع بكل إمكانيات الخطة في هذه البيئة، وليقف المسلمون في انتظار أمر القيادة، في الوقت المناسب .. وليخرجوا أنفسهم من المسألة كلها، فلا يكون لذواتهم فيها حظ لتكون خالصة لله، وفي سبيل الله .. والدعوة لها (وجودها) وهي قائمة ومؤداة ومحمية ومحروسة ..) (١). ثانيا: الإذن في الجهاد: ١ - يقول ابن إسحاق: (... وكان رسول الله (ص) قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب، ولم تحلل له الدماء، إنما يؤمر بالدعاء إلى الله، والصبر على

стр. 378

الأذى، والصفح عن الجاهل، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم، ونفوهم من بلادهم، فهم بين مفتون في دينه، ومن بين معذب في أيديهم، وبين هارب في البلاد فرارا منهم .. منهم من بأرض الحبشة، ومنهم من بالمدينة، وفي كل وجه. فلما عتت قريش على الله ، وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذبوا نبيه (ص) وعذبوا ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه، واعتصم بدينه، أذن الله لرسول الله (ص) في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم، فكانت أول آية نزلت في إذنه له في الحرب وإحلاله له الدماء والقتال لمن بغى علهيم، فيما بلغني عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء: قول الله ﵎: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ (١). أي أني أحللت لهم القتال لأنهم ظلموا، ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس إلا أن يعبدوا الله، وأنهم إن ظهروا أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، يعني النبي (ص) وأصحابه ﵃ أجمعين) (٢).

стр. 379

٢ - (وقال حنبل بن هلال عن إسحاق بن العلاء عن عبد الله بن جعفر الرقي عن مطرق بن مازن اليماني عن معمر عن الزهري قال: أول آية نزلت في القتال: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ..﴾ الآية، بعد مقدم رسول الله (ص) المدينة) (١). ٣ - (وقال العوفي عن ابن عباس: نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة، وقال مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف كابن عباس وعروة بن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل وقتادة وغيرهم: هذه أول آية نزلت في الجهاد .. وقال ابن جرير .. عن ابن عباس قال: لما أخرج النبي (ص) من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون ليهكن .. قال ابن عباس فأنزل الله : ﴿أذن للذين يقاتلون ..﴾. قال أبو بكر ﵁: فعرفت أن سيكون قتال. ورواه الإمام أحمد عن إسحاق بن يوسف الأزرق به، وزاد: قال ابن عباس: وهي أول آية أنزلت في القتال. ورواه الترمذي والنسائي في التفسير وابن أبي حاتم من حديث إسحاق بن يوسف، زاد الترمذي ووكيع كلاهما عن سفيان الثوري به. وقال الترمذي: حديث حسن .. ولهذا قال ابن عباس في قوله: ﴿وإن الله على نصرهم لقدير﴾ وقد فعل، وإنما شرع الله تعالى الجهاد في الوقت الأليق به، لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددا، فلو أمر المسلمون وهم أقل من

стр. 380

العشر بقتال الباقين لشق عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله (ص) وكانوا نيفا وثمانين قالوا: يا رسول الله ألا نميل على أهل الوادي - يعنون أهل منى - ليالي منى فنقتلهم؟ فقال رسول الله (ص): ((إني لم أؤمر بهذا)) فلما بغى المشركون، وأخرجوا النبي (ص) من بين أظهرهم وهموا بقتله، وشردوا أصحابه شذر مذر، فذهب منهم طائفة إلى الحبشة، وآخرون إلى المدينة. فلما استقروا بالمدينة، وافاهم رسول الله (ص) واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره، وصارت لهم دار إسلام ومعقلا يلجؤون إليه، شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك) (١). وهكذا نرى كل الروايات تضافرت لتؤكد أن الإذن بالجهاد إنما كان في هذه الآية، ونزلت في مقدم رسول الله (ص) المدينة، ولم تكن العقبة التي أطلق عليها بيعة الحرب إلا إيذانا بذلك. ثالثا: أهمية الجهاد في الإسلام: نضع الجهاد في الإسلام حيث وضعه الله تعالى ورسوله. ﴿... ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين﴾ (٢). ﴿... ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز

стр. 381

الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾ (١). ((رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد)) (٢). فالفساد في الأرض قائم ما لم يكن الجهاد. والآية الثانية تفسر هذا الفساد، بأنه منع ذكر الله في الأرض، وهدم بيوت العبادة والطاعة لله في الأرض، واجتثاث هذه العقيدة من الناس، ليكون الحكم للطواغيت، فلا يعبد الله في الأرض. ((اللهم إن تلك هذه العصابة، فإن شئت أن لا تعبد في الأرض)) (٣). هذا من الناحية السلبية، ولا يكفي أن يكون الجهاد فقط هو أن يسمح بذكر الله، وأن يسمح بحرية العبادة، وأن يسمح بحرية القول. هناك هدف أبعد هو إقامة شريعة الله في الأرض، وتنفيذ منهجه فيها بحيث تكون الحاكمية له وحده في هذا الوجود. ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾ (٤) والتمكين في الأرض يرافقه إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ﴿وعدا الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا﴾ (٥).

стр. 382

فلا بد من الاستخلاف في الأرض، والتمكين فيها للذين آمنو وعملوا الصالحات، وهذا لا يتم إلا عن طريق الجهاد. ((فالجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل ي (١). و ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)) (٢). إن الجهاد في الإسلام هو الأداة الوحيدة للتمكين في الأرض ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبييات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ..﴾. وحتى يتحقق هذا الهدف الذي من أجله أنزل الكتاب، ليحقق القسط والعدل بين الناس، لابد من الوسيلة الرئيسية له ألا وهي السلاح والجهاد .. ﴿ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز﴾ (٣). ((... ما ترك قوم الجهاد، إلا عمهم الله بعذاب)) (٤). والحديث هو منطوق الآية الكريمة التي تدعو إلى الجهاد، وتحذر من التخلف عنه.

стр. 383

﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير﴾ (١). أما أجر المجاهد وثوابه، فكما يقول ﵊ عن أبي سعيد الخدري: ((يا أبا سعيد من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وجبت له الجنة)) فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها علي يا رسول الله! ففعل. ثم قال: ((وأخرى يرفع العبد بها مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض)) قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله .. الجهاد في سبيل الله)) (٢). رابعا: الفرق بين الجهاد في الإسلام وحروب البشرية الأخرى: الله تعالى يقول: ﴿الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا) (٣). وندع الحديث لسيد ﵀ يبين لنا هذا الفرق: (... وفي لمسة واحدة يقف الناس على مفرق الطريق، وفي لحظة ترتسم الأهداف، وتتضح الخطوط، وينقسم الناس إلى فريقين اثنين، تحت رايتين متميزتين:

стр. 384

﴿الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله﴾، ﴿والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت﴾. الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، لتحقيق منهجه. وإقرار شريعته، وإقامة العدل بين الناس باسم الله، لا تحت أي عنوان آخر، اعترافا بأن الله وحده هو الإله، ومن ثم فهو الحاكم. والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، لتحقيق مناهج شتى - غير منهج الله - وإقرار شرائع شتى - غير شريعة الله - وإقامة قيم شتى - غير التي أذن بها الله - ونصب موازين شتى - غير ميزان الله -! ويقف الذين آمنوا مستندين إلى حماية الله ورعايته. ويقف الذين كفروا مستندين إلى ولاية الشيطان بشتى راياتهم، وشتى مناهجهم، وشتى شرائعهم، وشتى طرائقهم، وشتى قيمهم، وشتى موازينهم، فكلهم أولياء الشيطان. ويأمر الله الذين آمنوا أن يقاتلوا أولياء الشيطان، ولا يخشوا مكرهم ولا مكر الشيطان: ﴿فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا﴾. وهكذا يقف المسلمون على أرض صلبة، مسندين ظهورهم إلى ركن شديد، مقتنعي الوجدان بأنهم يخوضون معركة لله، ليس لأنفسهم منها نصيب، ولا لذواتهم منها حظ، وليست لقومهم، ولا لجنسهم، ولا لقرابتهم وعشيرتهم منها شيء .. إنما هي لله وحده، ولمنهجه وشريعته، وأنهم يواجهون قوما أهل باطل يقاتلون لتغليب الباطل على الحق، لأنهم يقاتلون لتغليب مناهج البشر الجاهلية - وكل مناهج البشر جاهلية - على شريعة منهح الله، ولتغليب

стр. 385

شرائع البشر الجاهلية - وكل مناهج البشر جاهلية - على الله، وتغليب ظلم البشر - وكل حكم للبشر من دون الله ظلم - على عدل الله، الذي هم مأمورون أن يحكموا به بين الناس، كذلك يخوضون المعركة وهم يوقنون أن الله وليهم فيها، وأنهم يواجهون قوما الشيطان وليهم، فهم إذن ضعاف، إن كيد الشيطان كان ضعيفا. ومن هنا يتقرر مصير المعركة في حس المؤمنين، وتتحدد نهايتها قبل أن يدخلوها، وسواء بعد ذلك استشهد المؤمن في المعركة - فهو واثق النتيجة - أم بقي حتى غلب، ورأى بعينيه النصر، فهو واثق من الأجر العظيم. من هذا التصور الحقيقي للأمر في كلتا حالتيه، انبعثت تلك الخوارق الكثيرة التي حفظها تاريخ الجهاد في سبيل الله في حياة الجماعة المسلمة الأولى، والتي تناثرت على مدى التاريخ في أجيال كثيرة، وما بنا أن نضرب لها هنا الأمثال، فهي كثيرة مشهورة (١). ومن هذا التصور كان ذلك المد الإسلامي العجيب، في أقصر فترة عرفت في التاريخ، فقد كان هذا التصور جانبا من جوانب التفوق الذي حققه المنهج الرباني للجماعة المسلمة على المعسكرات المعادية ..) (٢). لقد حدد رسول الله (ص) مفهوم الجهاد في سبيل الله بحيث يقطع أي

стр. 386

اجتهاد في هذا المجال. (فعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رجلا أعرابيا أتى النبي (ص) فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه .. فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله (ص): ((من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو في سبيل الله)) (١). وفي رواية: (سئل رسول الله (ص) عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله (ص): ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العيا فهو في سبيل الله)) (٢). (إنه لا يقاتل للاستيلاء على الأرض، ولا للاستيلاء على المكان .. ولا يقاتل ليجد الخامات للصناعات والأسواق للمنتجات، أو لرؤوس الأموال يستثمرها في المسعمرات وشبه المستعمرات! إنه لا يقاتل لمجد شخص، ولا لمجد بيت، ولا لمجد طبقة، ولا لمجد دولة، ولا لمجد أمة، ولا لمجد جنس .. إنما يقاتل في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله في الأرض، ولتمكين منهجه من تصريف الحياة، ولتمتيع البشرية بخيرات هذا المنهج، وعدله المطلق بين الناس مع ترك كل فرد حرا في اختيار العقيدة التي يقتنع بها في ظل هذا المنهج الرباني الإنساني الإسلامي العام) (٣). ولا بد من لفتة هنا إلى التصور الإسلامي للبلد والأرض والوطن: إن هذه

стр. 387

القرية (الظالم أهلها) التي يعدها الإسلام - في موضعها ذاك - دار حرب، يجب أن يقاتل المسلمون لاستنقاذ المسلمين المستضعفين منها، هي (مكة) وطن المهاجرين الذين يدعون هذه الدعوة الحارة إلى قتال المشركين فيها، ويدعو المسلمون المستضعفون هذه الدعوة الحادة للخروج منه. إن كونها بلدهم لم يغير وضعها في نظام الإسلام - حين لم تقم فيها شريعة الله ومنهجه، وحين فتن فيها المؤمنون عن دينهم، وعذبوا في عقيدتهم، بل اعتبرب بالنسبة لهم هم أنفسهم (دار حرب)، هم لا يدافعون عنها، وليس هذا فحسب بل هم يحاربونها لإنقاذ إخوانهم المسلمين منها، إن راية المسلم التي يحامي عنها عقيدته، ووطنه الذي يجاهد من أجله هو البلد الذي تقام شريعة الله فيه، وأرضه التي يدفع عنها هي (دار الإسلام) التي تتخذ المنهج الإسلامي منهجا للحياة، لكل تصور آخر هو تصور غير إسلامي تنضح به الجاهليات، ولا يعرفه الإسلام) (١). ويبقى الحديث عن آثار هذا الجهاد في الأرض، الجهاد المرتبط بالعقيدة وللعقيدة، التي يعرف من خلالها الفرق الواقعي بينه، وبين حروب الأرض، يقدمها سيد ﵀ في كلمات قلائل تحمل أعمق الدلائل على هذا الجهاد. يقول ﵀: (... لقد كان التفوق الحقيقي للمجتمع المسلم على المجتمعات الجاهلية من حوله، بما فيها مجتمع اليهود القائم في قلب المدينة، هو تفوقه في البناء الروحي، والخلق الاجتماعي والتنظيمي، بفضل المنهج القرآني الرباني قبل أن يكون تفوقا عسكريا أو اقتصاديا أو ماديا على العموم!

стр. 388

بل هو لم يكن قط تفوقا عسكريا واقتصاديا - ماديا - فقد كان أعداء المعسكر الإسلامي دائما أكثر عددا وأقوى عدة، وأغنى مالا، وأوفر مقدرات مادية على العموم! سواء في داخل الجزيرة العربية، أو في خارجها، في زمن الفتوحات الكبرى بعد ذلك، ولكن التفوق الحقيقي كان في ذلك البناء الروحي والخلقي والاجتماعي، ومن ثم السياسي والقيادي، الذي أسسه الإسلام بمنهجه الرباني المتفرد. وبهذا التفوق الساحق على الجاهلية في بنائها الروحي والخلقي والاجتماعي، ومن ثم السياسي والقيادي، اجتاح الإسلام الجاهلية، اجتاحها أولا في الجزيرة العربية، واجتاحها ثانيا في الامبرطوريتين العظيمتين الممتدتين حوله: امبرطوريتي كسرى وقيصر، ثم بعد ذلك في جوانب الأرض الأخرى، سواء كان معه جيش وسيف، أم كان معه مصحف وأذان. ولولا هذا التفوق الساحق ما وقعت تلك الخارقة التي لم يعرف لها التاريخ نظيرا، حتى في الاكتشافات العسكرية التايخية الشهيرة، كزحف التتار في التاريخ القديم، وزحف الجيوش الهتلرية في التاريخ الحديث، ذلك أنه لم يكن اكتساحا عسكريا فحسب، بل كان اكتساحا عقيديا ثقافيا حضاريا كذلك! يتجلى فيه التفوق الساحق الذي يطوي - من غير إكراه - عقائد الشعوب ولغاتها وتقاليدها وعاداتها، الأمر الذي لا نظير له على الإطلاق في أي اكتساح عسكري آخر، قديما وحديثا. لقد كان تفوقا (إنسانيا) كاملا، تفوقا في كل خصائص الإنسانية ومقوماتها، كان ميلادا آخر للإنسان، ميلاد إنسان جديد غير الذي تعرفه الأرض على وجه اليقين والتأكيد، ومن ثم صبغ البلاد التي غمرها هذا المد بصيغته، وترك عليها طابعه الخاص. وطغى هذا المد على روسب الحضارات

стр. 389

التي عاشت عشرات القرون من قبل في بعض البلاد، كالحضار الفرعونية في مصر، وحضار البابليين والآشوريين في العراق، وحضارة الفينيقيين والسريان في الشام، لأنه كان أعمق جذورا في الفطرة البشرية، وأوسع مجالا في النفس الإنسانية، وأضخم قواعد، وأشمل اتجاهات في حياة بني الإنسان، من كل تلك الحضارات. وغلبة اللغة الإسلامية واستقرارها في البلاد ظاهرة عجيبة، لم تستوف ما تستحقه من البحث والدراسة والتأمل. وهي في نظري أعجب من غلبة العقيدة واستقرارها، إذ أن اللغة من العمق في الكينونة البشرية ومن التشابك مع الحياة الاجتماعية، بحيث يعد تغييرها على هذا النحو معجزة كاملة، وليس الأمر في هذا أمر (اللغة العربية) فاللغة العربية كانت قائمة، ولكنها لم تصنع هذه المعجزة في أي مكان على ظهر الأرض - قبل الإسلام - ومن ثم سميتها - اللغة الإسلامية - فالقوة الجديدة التي تولدت في اللغة العربية، وأظهرت هذه المعجزة على يديها كانت هي - الإسلام - قطعا! وكذلك اتجهت العبقريات الكامنة في البلاد المفتوحة (المفتوحة للحرية والنور والطلاقة) اتجهت إلى التعبير عن ذاتها - لا بلغاتها الأصلية - ولكن باللغة الجديدة، لغة هذا الدين، اللغة الإسلامية، وأنتجت بهذه اللغة في كل حقل من حقول الثقافة نتاجا تبدو فيه الأصالة، ولا يلوح عليه الاحتباس من معاناة التعبير في لغة غريبة - غير اللغة الأم - لقد أصبحت اللغة الإسلامية هي اللغة الأم فعلا لهذه العبقريات، ذلك أن الرصيد الذي حملته هذه اللغة كان من الضخامة أولا، ومن ملاصقة الفطرة ثانيا، بحيث كان أقرب إلى النفوس، وأعمق فيها، من ثقافاتها القديمة، ومن لغاتها القديمة أيضا) (١).

стр. 390

الفصل الحادي والعشرون أهم السرايا والغزوات (١) أولا: الإحصاء الإجمالي: (عن زيد بن أرقم أن النبي (ص) غزا تسع عشر غزوة) (٢).
следующие страницы →