← Сира

Сира · id 14326

فقه السيرة النبوية لمنير الغضبان

منير الغضبان

Полный текст (742 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

اجتهاد في هذا المجال. (فعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رجلا أعرابيا أتى النبي (ص) فقال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه .. فمن في سبيل الله؟ فقال رسول الله (ص): ((من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو في سبيل الله)) (١). وفي رواية: (سئل رسول الله (ص) عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله (ص): ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العيا فهو في سبيل الله)) (٢). (إنه لا يقاتل للاستيلاء على الأرض، ولا للاستيلاء على المكان .. ولا يقاتل ليجد الخامات للصناعات والأسواق للمنتجات، أو لرؤوس الأموال يستثمرها في المسعمرات وشبه المستعمرات! إنه لا يقاتل لمجد شخص، ولا لمجد بيت، ولا لمجد طبقة، ولا لمجد دولة، ولا لمجد أمة، ولا لمجد جنس .. إنما يقاتل في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله في الأرض، ولتمكين منهجه من تصريف الحياة، ولتمتيع البشرية بخيرات هذا المنهج، وعدله المطلق بين الناس مع ترك كل فرد حرا في اختيار العقيدة التي يقتنع بها في ظل هذا المنهج الرباني الإنساني الإسلامي العام) (٣). ولا بد من لفتة هنا إلى التصور الإسلامي للبلد والأرض والوطن: إن هذه

стр. 387

القرية (الظالم أهلها) التي يعدها الإسلام - في موضعها ذاك - دار حرب، يجب أن يقاتل المسلمون لاستنقاذ المسلمين المستضعفين منها، هي (مكة) وطن المهاجرين الذين يدعون هذه الدعوة الحارة إلى قتال المشركين فيها، ويدعو المسلمون المستضعفون هذه الدعوة الحادة للخروج منه. إن كونها بلدهم لم يغير وضعها في نظام الإسلام - حين لم تقم فيها شريعة الله ومنهجه، وحين فتن فيها المؤمنون عن دينهم، وعذبوا في عقيدتهم، بل اعتبرب بالنسبة لهم هم أنفسهم (دار حرب)، هم لا يدافعون عنها، وليس هذا فحسب بل هم يحاربونها لإنقاذ إخوانهم المسلمين منها، إن راية المسلم التي يحامي عنها عقيدته، ووطنه الذي يجاهد من أجله هو البلد الذي تقام شريعة الله فيه، وأرضه التي يدفع عنها هي (دار الإسلام) التي تتخذ المنهج الإسلامي منهجا للحياة، لكل تصور آخر هو تصور غير إسلامي تنضح به الجاهليات، ولا يعرفه الإسلام) (١). ويبقى الحديث عن آثار هذا الجهاد في الأرض، الجهاد المرتبط بالعقيدة وللعقيدة، التي يعرف من خلالها الفرق الواقعي بينه، وبين حروب الأرض، يقدمها سيد ﵀ في كلمات قلائل تحمل أعمق الدلائل على هذا الجهاد. يقول ﵀: (... لقد كان التفوق الحقيقي للمجتمع المسلم على المجتمعات الجاهلية من حوله، بما فيها مجتمع اليهود القائم في قلب المدينة، هو تفوقه في البناء الروحي، والخلق الاجتماعي والتنظيمي، بفضل المنهج القرآني الرباني قبل أن يكون تفوقا عسكريا أو اقتصاديا أو ماديا على العموم!

стр. 388

بل هو لم يكن قط تفوقا عسكريا واقتصاديا - ماديا - فقد كان أعداء المعسكر الإسلامي دائما أكثر عددا وأقوى عدة، وأغنى مالا، وأوفر مقدرات مادية على العموم! سواء في داخل الجزيرة العربية، أو في خارجها، في زمن الفتوحات الكبرى بعد ذلك، ولكن التفوق الحقيقي كان في ذلك البناء الروحي والخلقي والاجتماعي، ومن ثم السياسي والقيادي، الذي أسسه الإسلام بمنهجه الرباني المتفرد. وبهذا التفوق الساحق على الجاهلية في بنائها الروحي والخلقي والاجتماعي، ومن ثم السياسي والقيادي، اجتاح الإسلام الجاهلية، اجتاحها أولا في الجزيرة العربية، واجتاحها ثانيا في الامبرطوريتين العظيمتين الممتدتين حوله: امبرطوريتي كسرى وقيصر، ثم بعد ذلك في جوانب الأرض الأخرى، سواء كان معه جيش وسيف، أم كان معه مصحف وأذان. ولولا هذا التفوق الساحق ما وقعت تلك الخارقة التي لم يعرف لها التاريخ نظيرا، حتى في الاكتشافات العسكرية التايخية الشهيرة، كزحف التتار في التاريخ القديم، وزحف الجيوش الهتلرية في التاريخ الحديث، ذلك أنه لم يكن اكتساحا عسكريا فحسب، بل كان اكتساحا عقيديا ثقافيا حضاريا كذلك! يتجلى فيه التفوق الساحق الذي يطوي - من غير إكراه - عقائد الشعوب ولغاتها وتقاليدها وعاداتها، الأمر الذي لا نظير له على الإطلاق في أي اكتساح عسكري آخر، قديما وحديثا. لقد كان تفوقا (إنسانيا) كاملا، تفوقا في كل خصائص الإنسانية ومقوماتها، كان ميلادا آخر للإنسان، ميلاد إنسان جديد غير الذي تعرفه الأرض على وجه اليقين والتأكيد، ومن ثم صبغ البلاد التي غمرها هذا المد بصيغته، وترك عليها طابعه الخاص. وطغى هذا المد على روسب الحضارات

стр. 389

التي عاشت عشرات القرون من قبل في بعض البلاد، كالحضار الفرعونية في مصر، وحضار البابليين والآشوريين في العراق، وحضارة الفينيقيين والسريان في الشام، لأنه كان أعمق جذورا في الفطرة البشرية، وأوسع مجالا في النفس الإنسانية، وأضخم قواعد، وأشمل اتجاهات في حياة بني الإنسان، من كل تلك الحضارات. وغلبة اللغة الإسلامية واستقرارها في البلاد ظاهرة عجيبة، لم تستوف ما تستحقه من البحث والدراسة والتأمل. وهي في نظري أعجب من غلبة العقيدة واستقرارها، إذ أن اللغة من العمق في الكينونة البشرية ومن التشابك مع الحياة الاجتماعية، بحيث يعد تغييرها على هذا النحو معجزة كاملة، وليس الأمر في هذا أمر (اللغة العربية) فاللغة العربية كانت قائمة، ولكنها لم تصنع هذه المعجزة في أي مكان على ظهر الأرض - قبل الإسلام - ومن ثم سميتها - اللغة الإسلامية - فالقوة الجديدة التي تولدت في اللغة العربية، وأظهرت هذه المعجزة على يديها كانت هي - الإسلام - قطعا! وكذلك اتجهت العبقريات الكامنة في البلاد المفتوحة (المفتوحة للحرية والنور والطلاقة) اتجهت إلى التعبير عن ذاتها - لا بلغاتها الأصلية - ولكن باللغة الجديدة، لغة هذا الدين، اللغة الإسلامية، وأنتجت بهذه اللغة في كل حقل من حقول الثقافة نتاجا تبدو فيه الأصالة، ولا يلوح عليه الاحتباس من معاناة التعبير في لغة غريبة - غير اللغة الأم - لقد أصبحت اللغة الإسلامية هي اللغة الأم فعلا لهذه العبقريات، ذلك أن الرصيد الذي حملته هذه اللغة كان من الضخامة أولا، ومن ملاصقة الفطرة ثانيا، بحيث كان أقرب إلى النفوس، وأعمق فيها، من ثقافاتها القديمة، ومن لغاتها القديمة أيضا) (١).

стр. 390

الفصل الحادي والعشرون أهم السرايا والغزوات (١) أولا: الإحصاء الإجمالي: (عن زيد بن أرقم أن النبي (ص) غزا تسع عشر غزوة) (٢).

стр. 391

و (عن ابن بريدة قال: حدثني أبي أن رسول الله (ص) غزا تسع عشرة غزوة، وقاتل في ثمان، وبعث أربعا وعشرين سرية، قاتل (١) في يوم بدر، ويوم أحد، والأحزاب، والمريسيع، وقديد، وخيبر، ومكة، وحنين) (٢). ثانيا: سرية عبد الله بن جحش: قال ابن إسحاق: (وبعث رسول الله (ص) عبد الله بن جحش في رجب، مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به، لا يستكره من أصحابه أحدا .. فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فيه فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا، فامض حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا، وتعلم لنا من أخبارهم. فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب، قال: سمعا وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله (ص) أن أمضي إلي نخلة أرصد بها قريشا حتى آتيه منهم

стр. 392

بخبر، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله (ص)، فمضى ومضى معه أصحابه ولم يتخلف منهم أحد. وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن، فوق الفرع، يقال له: بحران، أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرا لهما، كانا يعتقبانه، فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش، وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوة نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان، مولى هشام بن المغيرة. فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريبا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا، وقالوا: عمار لا بأس عليكم منهم. وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم، فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليهم منهم. وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله (ص) المدينة. قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله (ص) قال: ((ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام))، فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك

стр. 393

شيئا، فلما قال ذلك رسول الله (ص) سقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم هلكوا، وعنفهم إخوانهم المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال، فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن بمكة، إنما أصابوا في شعبان. وقالت يهود: - تفاءل بذلك على رسول الله (ص) - عمرو بن الحضرمي في قتله واقد بن عبد الله الليثي، عمرو، عمرت الحرب، والحضرمي، حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله، وقدت الحرب. فجعل الله ذلك عليهم لا لهم. فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله (ص): ﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله﴾ أي: إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله، أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم ﴿.. والفتنة أشد من القتل﴾ أي كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل ﴿.. ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾ أي هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين. فلما نزل القرآن بهذا الأمر، وفرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق، قبض رسول الله (ص) العير والأسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان. فقال رسول الله (ص): لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزون - فإنا نخشاكم عليهما. فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم. فقدم سعد وعتبة فأفداهما رسول الله (ص) منهم.

стр. 394

فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه، وقام عند رسول الله (ص) حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة، فمات بها كافرا. فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا به حين نزل القرآن طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله: أنطمع أن تكون لنا غزوة، نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فأنزل الله فيهم: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم﴾ فوضعهم الله في ذلك على أعظم الرجاء. والحديث في هذا عن الزهري، ويزيد بن رومان عن عروة بن الزبير (١): (قال ابن إسحاق، وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: إن الله قسم الفيىء حين أحله، فجعل أربعة أخماس لمن أفاءه الله، وخمسا إلى رسوله. فواقع على ما كان عبد الله بن جحش قد صنع في تلك العير) (٢) ... ١ - وصل رسول الله (ص) المدينة في شهر ربيع الأول (٣)، ومضت السنة

стр. 395

الأولى دون أي تحرك عسكري، فلما كان صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمه المدينة (١)، ابتدأ التحرك العسكري، وخلال الأشهر الستة، كانت غزوة ودان، وسرية عبيدة بن الحارث، وسرية حمزة إلى سيف البحر، وغزوة بواط، وغزوة العشيرة، وسرية سعد بن أبي وقاص، وغزوة سفوان، وسرية عبد الله بن جحش. أي كان التحرك يتم في أقل من شهر، والأهداف لهذه التحركات واضحة هي ملاحقة قريش، ابتداء وإعلانا بالوجود العسكري الإسلامي في الأرض العربية، ولم يكن إلا واحدة منها ردا على هجوم قام به كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة. لقد كان الإذن بالقتال هو نقطة التحرك العسكري لرسول الله (ص)، وأن من حق الذين أخرجو من ديارهم وأموالهم بغير حق أن يقاتلوا الذين بغوا عليهم، وصدوهم عن المسجد الحرام. وكانت بعض التحركات كذلك لتهيئة بعض التحالفات مع القبائل المجاورة، بحيث تبقى المعركة محصورة مع قريش، ولا أقل من وقوف هذه القبائل المجاورة على الحياد في المعركة الدائرة بين الفريقين. وفعلا حالت هذه القبائل دون الصدام المسلح في أكثر من مرة. ٢ - أما سرية عبد الله بن جحش فهي أول صدام تم بين المسلمين والمشركين، وفي جو دعائي ضخم حيث تناولته الأوساط كلها أن محمدا

стр. 396

يقاتل في الشهر الحرام ويستحل حرمته، أو هكذا أرادت قريش أن تصور الأمر. وهذه العصبة المؤمنة وعلى رأسها أمير المؤمنين (١) عبد الله بن جحش، تقف متقطعة الأنفاس تخشى الهلاك نتيجة هذا القتال؛ حيث لم يرض الرسول (ص) أن يستلم العير والأسيرين، إلى أن جاء الوحي، فحسم بين الفريقين. يقول ابن القيم ﵀ في تفسير هذه الآية: (يقول سبحانه هذا الذي أنكرتموه عليهم وإن كان كبيرا، فما اركبتموه من الكفر بالله والصد عن سبيله وعن بيته، وإخراج المسلمين الذين هم أهله أكبر منه. والشرك الذي أنتم عليه، والفتنة التي حصلت منكم به ... أكبر عند الله من قتالهم في الشهر الحرام) (٢). ويقول ابن القيم كذلك: (والمقصود أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، فلم يبرىء أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير، وأن ما عليهم أعداءه المشركين أكبر وأعظم من مجرد القتال في الشهر الحرام، فهم أحق بالذم والعيب والعقوبة، لا سيما وأولياؤه كانوا متأولين)) (٣).

стр. 397

أما الجرائم الضخمة التي اتكبتها قريش في الكفر بالله، والصد عن سبيله - كما جاء في القرآن - ليؤكد طبيعة المعركة بين المسلمين والمشركين، أنها ليست معركة ساعة، أو أزمة شهر، أو صراع عام .. إنها معركة تمتد حتى يرث الله الأرض ومن عليها لتخرج من إطار الزمن والمكان والحادثة، وتدخل في أعماق التاريخ كله. ﴿... ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ..﴾. هذا هو هدفهم؛ ومن أجل هذا الهدف، لا بد من الجهاد حتى تقوم الساعة، لإيقاف هذه الفتنة، فتنة الناس عن دينهم وقتلهم على رأيهم، واغتيالهم على عقيدتهم، ومهمة الجهاد في الإسلام هو تحطيم هذه الفتنة، وتحقيق حرية المعتقد في الأرض، بحيث لا يفتن فيها مؤمن عن دينه، أو يحال بينه وبين ربه ((والفتنة أكبر من القتل ..)). ويكون الدين كله لله، وتكون الدينونة في هذه الأرض لله رب العالمين، في شرعه ومنهجه الذي ارتضاه لعباده. ﴿... وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ..﴾. ٣ - وكان التخطيظ النبوي في هذه السرية والسرايا التي سبقتها، أن تكون خالصة للمهاجرين، ليس فيها أنصاري واحد، وذلك لتحقيق أكثر من هدف، فالمهاجرون لا بد أن يشعروا ابتداء بقضيتهم، فلم يقدموا إلى المدينة لتكون بديلا عن مكة، إنما جاؤوا إلى المدينة لتكون عونا لهم في محاولة

стр. 398

استرداد الأرض التي أخرجوا منها بغير حق، وهي كذلك أرض التوحيد التي لوثتها أهواء المشركين، فجعلتها معقلا للشرك. لا بد من استردادها، لا بد من تحريرها، ولذلك فلا بد أن يشعر المهاجري بخطورة دوره، وأنه هو المعني، وقبل كل أحد بهذه القضية. هذا من جهة، ومن جهة ثانية .. فالعهد بين رسول الله (ص) وبين أنصار الله ورسوله هو على الحماية، مما يحمون به أزرهم وأولادهم داخل أرضهم، ولو أدت هذه الحماية بالنسبة لهم إلى قتل الأشراف، ونهكة الأموال، وفاء بعهد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. ٤ - والمعنى الأخص كذلك، هو أن رسول الله (ص) قدم للفداء نفسه أولا في الغزوات التي خرج على رأسها، وأحب الناس إليه، ومن هم بمثابة ولده، ومثابة العين والقلب منه. لقد كانت السرية الأولى وعلى رأسها عبيدة بن الحارث (ابن عم النبي صلوات الله وسلامه عليه). وكانت السرية الثانية على رأسها حمزة بن عبد المطلب (عم النبي (ص). وكانت السرية الثالثة على رأسها سعد بن أبي وقاص (خال رسول الله (ص). وكانت السرية الرابعة على رأسها عبد الله بن جحش (ابن عمة النبي (ص).

стр. 399

بينما قاد ﵊ الغزوات الأربع بنفسه وهذا كله كان قبل بدر. وهو درس للدعاة في الأرض، أنه لن تنتصر دعوة الله فيها، إلا إذا كان الدعاة وأهلهم وأولادهم وأقاربهم وذويهم هم الوقود الأول فيها، ويوم نبحث عن الإخفاق الذي يتلقاه الدعاة اليوم نجد من أهم أسبابه ضن قادة الدعوة بأقاربهم وذويهم وأبكارهم عن الجهاد والمعركة. وقد نجد سببا كبيرا من الأسباب الكثيرة فيه كذلك أن الدعاة للوعظ والإرشاد والمطلوب من الناس التضحية والفداء، وأن يكونوا النماذج الحية في الاستشهاد، ولن تنتصر دعوة بهذا اللون لا يلتحم فيها القول بالفعل، والوعظ بالبذل، ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة. ٥ - وغني عن البيان، ما تحمله هذه السرية من أساليب العمل العسكري الدقيق المنظم، فالهدف الأقرب يعرفه الجنود وقياداتهم، أما الهدف الأبعد فقد يكون من اختصاص المخطط أو القائد الأول. ويكن أن تطلع عليه القائد المباشر في حينه، فالرسالة لا تفتح إلا بعد مسيرة يومين، وهو تدريب ذو جوانب متعددة على السرية، والطاعة، والانضباط، وضبط النفس. ٦ - وأخيرا هذا التخيير بعد وضوح الهدف، فلا يكره أحد على الخروج، فمن شاء رجع. فلم يتخلف أحد من الثمانية الذين ساهموا في هذه السرية، وهو يدل على المستوى الرائع من التربية الذي تلقاه أصحاب مدرسة الأرقم، والسابقون الأولون من المهاجرين. ٧ - والاختيار الذي أراده (ص) لقيادة هذه السرية، ليس اختيارا اعتباطيا أو

стр. 400

لمجرد أنه ابن عمته .. بل هناك سبب آخر هو ما وصف به رسول الله (ص) ابن عمته: ((لأبعثن عليكم رجلا ليس بخيركم أصبركم على الجوع والعطش)) (١). فبعث علينا عبد الله بن جحش، فكان أول أمير في الإسلام. فالأمير إذن لا بد له أن يحمل المواصفات التي تؤهله لهذا الموقع، ولعل أمير الحرب أول مواصفاته الصبر على شظف العيش، وهول المفاجأة، وصعوبة المحنة، ليكون قادرا على الثبات، والمواجهة للعدو. ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) (٢). ٨ - وهناك علاقة بين القيادة وبين لحمة الصف، فالصابر المصابر قادر على أن يحزم الأمر ويقطع دابر الخلاف، ويتخذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة وعودتنا إلى بداية الرواية السابقة توضح هذا المعنى: (.. فقام غضبان محمر الوجه، وقال: ((أذهبتم من عندي جميعا ورجعتم متفرقين؟ إنما أهلك من كان قبلكم الفرقة لأبعثن عليكم رجلا ليس بخيركم، أصبركم على الجوع والعطش)) فبعث علينا عبد الله بن جحش الأسدي) (٣).

стр. 401

ومن أجل ذلك حين يقيض الله تعالى لدعوته قائدا فذا تكون أول ثمرات قيادته أن تجتمع عليه القلوب وتلتحم عليه الصفوف، ويكون قادرا على إنهاء الشتات، وإزالة الفرقة، لينتهي سبب الهلاك في الأمة، وتمضي صعدا في طريق العافية والبناء. ٩ - ونلحظ كذلك حرص القيادة النبوية على أبنائها، فبالرغم من أن سعدا ﵁ وعتبة بن غزوان قد تخلفا في البحث عن بعيرهما الذي يعتقبانه، وليس هناك ما يشير إلى أنهما وقعا أسيرين بيد قريش، إلا أن الموقف النبوي كان واضحا ومشددا بالنسبة لهما: ((لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا، فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم)). وكان بالإمكان التساهل في هذا الأمر طالما أنه لم يثبت وقوعهما أسيرين بيد العدو، وتخلفهما عن المواجهة للبحث عن البعير يوحي بشيء من التقصير منهما. ومع ذلك، فمعالجة الأمر الداخلي شيء والحفاط على حياة جندي الدعوة شيء آخر. والداعية الذي يشعر بحرص الجماعة المسلمة عليه لا غرو أن يضحي بكل ما يملك دون تردد أو خوف على نفسه أو ولده أو أهله. ***

стр. 402

الفصل الثاني والعشرون غزوة بدر أولا: أسباب الغزوة وأهدافها: لما سمع رسول الله (ص) بأبي سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم وقال: ((هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها)) (١). ويقول الصالحي في السيرة الشامية: (والسبب في خروج النبي (ص) أنه سمع أن أبا سفيان بن حرب مقبل من الشام في ألف بعير لقريش فيها أموال عظام ولم يبق بمكة قرشي ولا قرشية له مثقال فصاعدا إلا بعث به في البعير. فيقال: إن فيها خمسين ألف دينار، ويقال أقل، وفيها سبعون رجلا راكبا كما ذكر ابن عقبة وابن عائذ وقال ابن إسحاق ثلاثون أو أربعون .. وهي التي خرج لها حتى بلغ العشيرة فوجدها قد مضت. وندب المسلمين للخروج معه وقال: ((هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا لعل الله أن يغنمكموها)) فانتدب الناس فخف بعضهم، وثقل بعض. وتخلف عنه بشر كثير، وكان من تخلف لم يلم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله (ص) يلقى حربا، ولم يحتفل لها

стр. 403

رسول الله (ص) احتفالا بليغا. فقال: من كان ظهره حاضرا فليركب معنا .. وحمل سعد بن عبادة ﵁ عشرين جملا، وبعث رسول الله (ص) قبل خروجه من المدينة بعشر ليال طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام، يتحسسان خبر العير، فبلغا أرض الخوار. فنزلا على كثير بن مالك الجهنى ﵁ فأجارهما، وأنزلهما وكتم عليهما حتى مرت العير ثم خرجا وخرج معهما كثير خفيرا حتى أوردهما ذا المروة، فقدما ليخبروا رسول الله (ص) فوجداه قد خرج .. وأدرك أبا سفيان رجل من جذام بالزرقاء من ناحية معان، فأخبره أن رسول الله (ص) قد كان غرض لعيره في بدايته، وأنه تركه مقيما ينتظر رجوع العير .. فخرج أبو يفيان ومن معه خائفين للرصد، ولما دنا أبو سفيان من الحجاز جعل يتحسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان تخوفا على أمر الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان: أن محمدا قد استنفر لك ولعيرك، فحذر عند ذلك، واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري بعشرين مثقالا، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يجدع بعيره، ويحول رحله، ويشق قميصه من قبله ودبره إذا دخل مكة، يأتي قريشا ويستنصرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا (ص) قد عرض لها في أصحابه فخرج ضمضم سريعا إلى مكة، وفعل ما أمره به أبو سفيان) (١). ثانيا: الاستشارة التي غيرت وجه المعركة: ١ - (... وأتاه الخبر عن قريش بمسيرتهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس،

стр. 404

وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر ابن الخطاب فقال وأحسن .. ثم قال رسول الله (ص): ((أشيروا علي أيها الناس)) وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس، وأنهم حين بايعوه العقبة قالوا: يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا، فأنت في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله (ص) يتخوف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصره ألا ممن دهمه من المدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله (ص) قال سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال: ((أجل)) قال: فقد آمنا بك صدقناك. وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك. فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقى بنا عدونا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله. فسر رسول الله (ص) بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال: ((سيروا وابشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم)) (١). ٢ - وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك أن رسول الله (ص) شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ثم تكلم عمر

стр. 405

فأعرض فقال سعد بن عبادة: إيانا يريد رسول الله (ص)، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحار أخضناها، ولو أمرتنا أن نضرب أكبادنا إلى برك الغماد لفعلنا) (١). ٣ - وروى ابن مردويه أيضا عن طريق محمد بن عمر بن علقمة الليثي عن أبيه عن جده قال: خرج رسول الله (ص) إلى بدر حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال: ((كيف ترون؟)) فقال أبو بكر: يا رسول الله بلغنا أنهم بكذا وكذا. قال: ثم خطب الناس فقال: ((كيف ترون؟)) فقال عمر مثل قول أبي بكر. ثم خطب الناس فقال: ((كيف ترون؟)) فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله إيانا تريد؟ فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها علم، ولئن سرت برك الغماد من ذي يمن لنسير معك ولا نكون كالذين قالوا لموسى: ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ لكن اذهب أنت وربك فقاتلا! إنا معكما متبعون، ولعلك أن تكون خرجت لأمر، وأحدث الله لك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، فنزل القرآن على قول سعد: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وأن فريقا من المؤمنين لكارهون﴾ الآيات .. وذكر الأموي في مغازيه وزاد بعد قوله، وخذ من أموالنا ما شئت وأعطنا ما شئت، وما أخذت كان أحب إلينا مما

стр. 406

تركت، وما أمرت فأمرنا تبع لأمرك، فوالله لو سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك) (١). ... لقد تطور أمر الخروج إلى بدر من غنيمة القافلة إلى مواجهة قريش، وقد وصف القرآن الكريم فريقا من المؤمنين ببدر أنهم ابتداء، لم يكونوا يرغبون في الموجهة كما قال تعالى ﴿... وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك بالحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ (٢) وقد رأينا بعض الروايات التي تؤكد هذا المعنى. كما أن نفسية الجيش كله كانت ترغب بالقافلة دون المواجهة ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ..﴾ (٣) لكن الإرادة الربانية كانت حتمية اللقاء والمواجهة، وبقي التركيز النبوي على الأنصار ليعلنوا موقفهم، فكانت الاستشارة التي تعددت أكثر من مرة، وكانت تهدف الأنصار مباشرة، فكان جواب السعدين هو الذي غير الجو كله، وعبأ النفوس للقتال، وسر به ﵊ حتى وعد المسلمين بالنصر، وكأنه ينظر إلى مصارع القوم. ثالثا: استقصاء المعلومات عن العدو: ١ - ثم نزل قريبا من بدر فركب هو ورجل من أصحابه (قال ابن هشام: الرجل هو أبو بكر الصديق) قال ابن إسحاق (ص): كما حدثني محمد بن

стр. 407

يحيى بن حبان، حتى وقف على رجل من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما. فقال رسول الله (ص) ((إذا أخبرتنا أخبرناك)) قال: أوذاك بذاك؟ قال: ((نعم)) قال الشيخ: فإنه قد بلغني أن محمدا وأصحابه خرجوا في يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به رسول الله (ص)، وبلغني أن قريشا خرجوا في يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به قريش .. فلما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟ فقال رسول الله (ص): ((نحن من ماء)) ثم انصرف عنه، فقال الشيخ: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟) (١). ٢ - ثم رجع رسول الله (ص) إلى أصحابه، فلما أمسى بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء ببدر يلتمسون الخبر له، فأصابوا راوية لقريش فيها أسلم غلام بني الحجاج، وعريض أبو يسار غلام بني العاص بن سعيد، فأتوا بهما سألوهما ورسول الله (ص) قائم يصلي، فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، وأصحاب العير فضربوهما. فلما أذلقوهما قالا: نحن لأبي سفيان ونحن من العير. فتركوهما وركع رسول الله (ص)، وسجد سجدتيه ثم سلم، وقال: ((إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله، إنهما لقريش .. أخباني عن قريش؟) قالا: هم والله وراء هذا الكثيب

стр. 408

الذي ترى بالعدوة القصوى. فقال لهما رسول الله (ص): ((كم القوم؟)) قالا: كثير. قال: ((ما عدتهم؟)) قالا: لا ندري. قال: ((كم ينحرون كل يوم؟)) قالا: يوما تسعا ويوما عشرا. فقال رسول الله (ص): ((القوم فيما بين التسعمائة والألف)) ثم قال لهما: ((فمن فيهم من أشراف قريش؟)) قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن خزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمر بن عبدود، فأقبل رسول الله (ص) على الناس وقال: ((هذه مكة قد ألقت إليكم اليوم أفلاذ أكبادها))) (١). ٣ - وكان بسبس بن عمرو، وعدي بن أبي الزعباء، قد مضيا حتى نزلا بدرا، فأناخا إلى تل قريب من الماء، ثم أخذا شنا لهما يستقيان فيه، ومجدي بن عمرو الجهني على الماء، فسمع عدي وبسبس جاريتين من جوار الحاضر وهما تتلازمان على الماء والملزومة تقول لصاحبتها: إنما تأتي العير غدا أو بعد غد، فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك. قال مجدي: صدقت. ثم خلص بينهما، وسمع بذلك عدي وبسبس، فجلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله (ص) فأخبراه بما سمعا (٢). ...

стр. 409

لقد تم استقصاء المعلومات، على أربعة مراحل: ١ - الأولى: عندما بعث طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد يتحسسان أخبار العير قبل خروجها من المدينة بعشر ليال وشهدا مرور العير من أرض جهينة. ٢ - والمرحلة الثانية: حين بعث عدي بن الزعباء، وبسبس بن عمرو إلى ماء بدر، واستطاعا أن يحددا وقت وصول العير إلى بدر. ٣ - والمرحلة الثالثة: حين أصبحت العير أمرا ثانويا أمام خروج قريش، حيث خرج ﵊ بنفسه ومعه الصديق أبو بكر، وحددا الموقع الذي وصل إليه جيش قريش وذلك من خلال لقائهما مع الشيخ الأعرابي. ٤ - والمرحلة الرابعة: حين بعث علي بن أبي طالب ﵁ والنفر الذين معه فاستاقا الغلامين من قريش، وعرف منهما عدد جيش قريش وأخطر الشخصيات التي حضرت مع قريش والتي عبر عنها ﵊ بقوله: ((هذه قريش قد ألقت إليكم بأفلاذ أكبادها)). وبذلك أصبحت الصورة كاملة لدى الرسول (ص) عن العدو، وموقعه، وعدده، وشخصياته. رابعا: من أحداث الغزوة: ١ - (كانت غداة يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من شهر رمضان على رأس

стр. 410

ثمانية عشر شهرا من الهجرة) (١). ٢ - عن البراء قال: (كنا أصحاب محمد (ص) نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولما يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر ثلاثمائة) (٢). ٣ - (سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إلي مما عدل به، أتى النبي (ص) وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، ولكننا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، وبين يديك ومن خلفك، فرأيت النبي (ص) أشرق وجهه وسره) (٣). ٤ - عن ابن عباس قال: (قال النبي (ص) يوم بدر: ((اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد)) فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك، فخرج وهو يقول: ((سيهزم الجمع ويولون الدبر ..))) (٤). ٥ - عن ابن عباس (أن النبي (ص) قال يوم بدر: ((هذا جبريل آخذ برأس فرس عليه أداة الحرب))) (٥).

стр. 411

٦ - عن ابن عباس قال: (حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله (ص) إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله (ص) القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: ((اللهم أنجز لي ما وعدتني. اللهم آتني ما وعدتني. اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض)) فما زال يهتف بربه، مادا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فآتاه أبو بكر، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا رسول الله كذاك (١) مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله : ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم إني ممدكم بألف من الملائكة مردفين﴾ فأمده الله بالملائكة. قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع. فجاء الأنصاري فحدث ذاك رسول الله فقال: ((صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة)) فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين) (٢). ٧ - عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده قال: (بينا أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا

стр. 412

بغلامين من الأنصار، حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أصلح (١) منهما فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، ما حاجتك يابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله (ص)، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا (٢) فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس. فقلت: ألا إن هذا صاحبكما الذي سألتماني فابتدراه بسيفيهما، فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله (ص) فأخبراه، قال: ((أيكما قتله؟)) فقال كل واحد منهما أنا قلته، فقال: ((هل مسحتما سيفيكما؟)) قالا: لا. فنظر في السيف فقال: ((كلاكما قتله، سلبه لمعاذ بن عمرو ابن الجموح)) وكانا معاذ بن عفراء، ومعاذ بن الجموح) (٣). ٨ - (عن أبي طلحة أن نبي الله (ص) أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، فقذفوا في طوي (٤) من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم، أقام بالعرصة ثلاث ليال: فلما كان ببدر في اليوم الثالث، أمر براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى، واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شقة الركي (٥) فجعل يناديهم بأسمائهم، وأسماء آبائهم، ((يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟! فإنا قد وجدنا ما وعدنا

стр. 413

ربنا حقا؟)) قال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ قال النبي (ص): ((والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)). قال قتادة (أحياهم الله حتى أسمعهم له توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما) (١). ٩ - وعن أبي أيوب الأنصاري (قال: قال رسول الله (ص) ونحن بالمدينة: ((إني أخبرت ونحن بالمدينة عن عير أبي سفيان أيها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قبل هذا العير لعل الله يغنمناها؟)) قلنا: نعم. فخرج وخرجنا معه، فلما سرنا يوما أو يومين، قال لنا: ((ما ترون في القوم فإنهم أخبروا بمخرجكم؟)) فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو، ولكن أردنا العير. ثم قال: ((ما ترون في القوم؟)) فقلنا مثل ذلك. فقال المقداد بن عمرو: إذن لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ فتمنينا معشر الأنصار أنا قلنا كما قال المقداد وأحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم فأنزل الله على رسوله (ص): ﴿... كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك بالحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ ثم أنزل الله : ﴿إني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ وقال: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى

стр. 414

الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ والشوكة: القوم، وغير ذات الشوكة: العير. فلما وعد الله إحدى الطائفتين إما القوم وإما العير طابت أنفسنا .. ثم إن رسول الله (ص) بعث ينظر ما قبل القوم فقال: رأيت سوادا ولا أدري، فقال رسول الله (ص): ((هم هم هلموا أن نتعاد)) فإذا نحن ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا. وأخبرنا رسول الله (ص) بعدتنا، ذلك وقال: عدة أصحاب طالوت. ثم إنا اجتمعنا مع القوم فصففنا. فبدرت منا بادر أمام الصف، فنظر رسول الله (ص) إليهم فقال: ((معي معي)) ثم إن رسول الله () قال: ((اللهم إني أنشدك وعدك)) فقال ابن رواحة: يا رسول الله إني أريد أن أشير عليك ورسول الله (ص) أعظم من أن نشير عليه. والله أعظم من أن ننشده وعده. فقال: ((يابن رواحة لأنشدن الله وعده، فإن الله لا يخلف وعده)) فأخذ قبضة من التراب فرمى بها رسول الله (ص) في وجوه القوم فانهزموا. فأنزل الله : ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ..﴾ فقتلنا وأسرنا. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ما أرى أن يكون لك أسرى، فإنما نحن داعون مؤلفون فقلنا معشر الأنصار: إنما يحمل عمر على ما قال حسد لنا. فنام رسول الله (ص) ثم استيقظ فقال: ((ادعو لي عمر)) فدعي له فقال: ((إن الله قد أنزل علي: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم﴾ (١)))) (٢).

стр. 415

١٠ - وعن علي (١) قال: (لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فا جتويناها (٢) فأصابنا بها وعك (٣)، فكان النبي (ص) يتخبر عن بدر، فلما بلغنا أن المشركين قد أقبلوا سار رسول الله (ص) إلى بدر، وبدر بئر فسبقنا المشركون إليها، فوجدنا فيها رجلين منهم رجلا من قريش، ومولى لعقبة ابن أبي معيط، فأما القرشي فانفلت، وأما مولى عقبة فأخذناه، فجعلنا نقول له: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثير عددهم شديد بأسهم، فجهد رسول الله (ص) أن يخبره فأبى. ثم إن النبي (سأله: ((كم ينحرون من الجزر؟)) فقال: عشر لكل يوم. فقال رسول الله (ص): ((القوم ألف كل جزر لمائة ونيفها)) ثم إنه أصابنا طش (٤) من مطر فانطلقنا تحت الشجر والحجف (٥) نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله (ص) يدعو ربه ويقول: ((اللهم إن تهلك هذه الفئة لا تعبد)) قال: فلما أن تطلع الفجر نادى: ((الصلاة عباد الله)). فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله (ص) وحض على القتال ثم قال: ((إن جمع قريش تحت هذه الضلع الحمراء من الجبل)). فلما دنا القوم وصافناهم إذا رجل منهم على جمل أحمر يسير في القوم فقال رسول الله (ص): ((يا علي ناد حمزة)) وكان أقربهم من المشركين من صاحب الجمل الأحمر، وماذا يقول لهم. ثم قال رسول الله (ص):

стр. 416

((إن يكن في القوم أحد يأمر بخير فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر)) قال: هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال ويقول لهم: يا قوم إني أري قوما مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم؛ خير. يا قوم اعصبوها اليوم برأسي وقولوا: جبن عتبة بن ربيعة، ولقد علمتم أني لست بأجبنكم، فسمع ذلك أبو جهل فقال: أنت تقول ذلك، والله لو غيرك يقول لأعضضته، قد ملأت رئتك جوفك رعبا. فقال عتبة: إياي تعني يا مصفر استه. ستعلم اليوم أينا الجبان. قال: فبرز وأخوه شيبة وابنه الوليد حمية فقالوا: من يبارز. فخرج فتية من الأنصار ستة، فقال عتبة: لا نريد هؤلاء، ولكن من يبارزنا من بني عمنا من بني المطلب فقال رسول الله (ص): ((قم يا علي، وقم يا حمزة، وقم يا عبيدة بن الحارث بن المطلب)) فقتل الله شيبة وعتبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة. وجرح عبيدة، فقتلنا منهم سبعين، وأسرنا سبعين. فجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرا فقال العباس: يا رسول الله إن هذا والله ما أسرني. أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أى أسرته يا رسول الله. قال: ((أسكت فقد أيدك الله بملك كريم)) قال من: فأسرنا من بني المطلب العباس وعقيلا ونوفل بن الحارث) (١). ...

стр. 417

خامسا: أهمية الغزوة: ١ - كانت كما سماها القرآن الكريم: يوم الفرقان. يقول ابن إسحاق في تفسير ما نزل في هذه الغزوة من سورة الأنفال: ﴿.. وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير﴾ أي يوم فرقت فيه بين الحق والباطل بقدرتي يوم التقى الجمعان منكم ومنهم ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا﴾ من الوادي ﴿وهم بالعدوة القصوى﴾ من الودي إلى مكة ﴿والركب أسفل منكم﴾ أي عير أبي سفيان التي خرجتم لتأخذوها وخرجوا ليمنعوها على غير ميعاد منكم ولا منهم ﴿ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد﴾ أي ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم ثم بلغهم كثرة عددهم وقلة عددكم ما لقيتموهم ﴿ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا﴾ أي ليقضي ما أراد بقدرته من إعزاز الإسلام وأهله وإذلال الكفر وأهله من غير بلاء منكم ففعل ما أراد من ذلك بلطفه ثم قال (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حييى عن بينة وإن الله لسميع عليم﴾ أي ليكفر من كفر بعد الحجة لما رأى من الآية والعبرة، ويؤمن من آمن على مثل ذلك) (١). ٢ - ويحدثنا سيد رحمه الله تعالى عن هذا الفرقان فيقول: (أ) (... وكانت فرقانا بين عهدين في تاريخ الحركة الإسلامية: عهد المصابرة والصبر والتجمع والانتظار وعهد القوة والحركة والمبادأة والاندفاع، والإسلام بوصفه تصورا جديدا للحياة، ومنهجا جديدا للوجود الإنساني؛ ونظاما جديدا للمجتمع، وشكلا جديدا للدولة، بوصفه

стр. 418

إعلانا عاما لتحرير الإنسان في الأرض بتقرير ألوهية الله وحده وحاكميته، ومطاردة الطواغيت التي تغتصب ألوهيته وحاكميته، الإسلام بوصفه هذا لم يكن له بد من القوة والحركة والمبادأة والاندفاع لأنه لم يكن يملك أن يقف كامنا منتظرا على طول الأمد، لم يكن يستطيع أن يظل عقيدة مجردة في نفوس أصحابه، تتمثل في شعائر تعبدية لله، وفي أخلاق سلوكية فيما بينهم، ولم يكن له بد أن يندفع إلى تحقيق التصور الجديد والمنهج الجديد، والدولة الجديدة، والمجتمع الجديد، في واقع الحياة، وأن يزيل من طريقها العوائق المادية التي تكبتها وتحول بينها وبين التطبيق الواقعي في حياة المسلمين أولا، ثم في حياة البشرية أخيرا .. وهي لهذا التطبيق الواقعي جاءت من عند الله. (ب) وكانت فرقانا بين عهدين من تاريخ البشرية. فالبشرية بمجموعها قبل النظام الإسلامي هي غير البشرية بمجموعها بعد قيام هذا النظام. هذا التصور الجديد الذي انبثق منه هذا النظام، وهذا النظام الجديد الذي انبثق منه هذا التصور، وهذا المجتمع الوليد الذي يمثل ميلادا جديدا للإنسان. وهذه القيم التي تقوم عليها الحياة كلها، ويقوم عليها النظام الاجتماعي، والتشريع القانوني على السواء، هذا كله لم يعد ملكا للمسلمين وحدهم منذ غزوة بدر، وتوكيد وجود المجتمع الجديد، إنما صار - شيئا فشيئا - ملكا للبشرية كلها، تأثرت به سواء في دار الإسلام أو خارجها، سواء بصداقة الإسلام أم بعداوته! والصليبيون الذين زحفوا من الغرب ليحاربوا الإسلام، ويقضوا عليه في ربوعه، قد تأثروا بتقاليد هذا المجتمع الإسلامي الذين جاؤوا ليحطموه، وعادوا إلى بلادهم ليحطموا النظام الإقطاعي الذي كان سائدا عندهم. بعدما شاهدوا بقايا النظام الاجتماعي الإسلامي!

стр. 419

والتتار الذين زحفوا من الشرق ليحاربوا الإسلام ويقضوا عليه - بإيحاء من اليهود والصليبيين من أهل دار الإسلام - قد تأثروا بالعقيدة الإسلامية في النهاية، وحملوها لينشروها في رقعة من الأرض جديدة، وليقيموا عليها خلافة ظلت من القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين في أوربا .. وعلى أية حال فالتاريخ البشري كله - منذ وقعة بدر - متأثر بهذا الفرقان في أرض الإسلام، أو في الأرض التي تناهض الإسلام على السواء. (ج) وكانت فرقانا بين تصورين لعوامل النصر وعوامل الهزيمة، فجرت - وكل عوامل النصر الظاهرية - في صف المشركين، وكل عوامل الهزيمة الظاهرية في صف العصبة المؤمنة، حتى لقال المنافقون والذين في قلوبهم مرض: غر هؤلاء دينهم .. وقد أراد الله أن تجري المعركة على هذا النحو، وهي المعركة الأولى بين الكثرة المشركة والقلة المؤمنة - لتكون فرقانا بين تصورين وتقديرين لأسباب النصر والهزيمة ولتنتصر العقيدة القوية على الكثرة العددية وعلى الزاد والعتاد، فتبين للناس أن النصر للعقيدة الصالحة القوية، لا لمجرد السلاح والعتاد، وأن أصحاب العقيدة الحقة عليهم أن يجاهدوا ويخوضوا غمار المعركة مع الباطل غير منتظرين حتى تتساوى القوى المادية الظاهرية، لأنهم يملكون قوة أخرى ترجح الكفة، وأن هذا ليس كلاما يقال، إنما هو واقع متحقق للعيان ..) (١).

стр. 420

٣ - وكانت فرقانا بين الحق والباطل، على مستوى الكون كله؛ فالباطل يحشد جنده كلهم، وعلى رأسه إبليس الذي جاء بشخصه ليحضر المعركة. ﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم﴾ قال ابن إسحاق: وحدثني بزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال: (لما أجمعت قريش المسير ذكرت الذي كان بينها وبين بني بكر، فكاد ذلك يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقه بن مالك بن جعشم المدلجي. من أشراف بني كنانة. فقال لهم: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه. فخرجوا سراعا) (١). وليؤكد لهم هذا الموقف فقد حضر معهم المعركة، كما فعل يوم الهجرة (ولما رأى إبليس ما تفعل الملائكة بالمشركين أشفق أن يخلص القتل إليه، فتشبث به الحارث بن هشام، وهو يظن أنه سراقة بن مالك، فوكز في صدر الحارث فألقاه ثم خرج هاربا حتى ألقى بنفسه في البحر فرفع يديه فقال: اللهم إني أسالك نظرتك إياي، وخاف أن يخلص إليه القتل) (٢). وفرعون هذه الأمة يقول: (يا معشر الناس لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم فإنه كان على

стр. 421

ميعاد مع محمد، لا يهولنكم قتل عتبة وشيبة ابني ربيعة فإنهم قد عجلوا. فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال، فلا ألفين رجلا قتل رجلا منهم، ولكن خذوهم أخذا حتى تعرفوهم سوء صنيعهم من مفارقتهم إيكم، ورغبتهم عن اللات والعزى) (١). بينما نلحظ في الطرف الآخر أن الله تعالى هو الذي يقود المعركة وما عرف تاريخ الأرض معركة يشارك فيها الملائكة بالقتل مثل بدر. ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم قثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب﴾ (٢). ومعركة على رأسها إبليس وأبو جهل من طرف، وجبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام من طرف آخر هل يمكن أن يكون في الوجود كله أخطر منها؟ ومن أجل هذا قيل أن أفخر بيت قالته العرب هو هذا البيت: وبيوم بدر إذ ترد وجوههم ... جبهل تحت لوائنا ومحمد (٣)

стр. 422

والله تعالى شأنه يقول: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم﴾ (١). ولم يشارك جبريل فقط في المعركة بل شارك سادات الملائكة معه: (فعن علي بن أبي طالب قال: كنت على بئر، فكنت يوم بدر أميح وأمتح منه فجاءت ريح شديدة ثم جاءت ريح شديدة فلم أر ريحا أشد منها إلا التي كانت قبلها ثم جاءت ريح شديدة. فكانت الأولى ميكائيل في ألف من الملائكة عن يمين النبي (ص)، والثانية إسرافيل في ألف من الملائكة عن يسار النبي (ص)، والثالثة جبريل في ألف من الملائكة، وكان أبو بكر عن يمينه، وكنت عن يسار، فلما هزم الكفار حملني رسول الله (ص) على فرسه، فلما استويت عليه حمل بي فصرت على عنقه (عنق الفرس) فدعوت الله فثبتني عليه، فطعنت برمحي حتى بلغ الدم إبطي (٢). وهذا منطوق الآية القرآنية: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوكم به وما النصر إلا من عند الله

стр. 423

العزيز الحكيم﴾ (١). وتبدو في ما كان يريد الباطل أن يصل إليه: ((اللهم إن تهلك هذه العصابة فإن شئت لا تعبد في الأرض)). (والله لا نرجع حتى نرد بدرا، فنقيم عليه ثلاثا، فننحر الجزر ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، وبمسيرنا وجعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها فامضوا) (٢). ((اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم احنهم الغداة)) (٣). وأبو جهل فرعون الأمة يزعم أنه يمثل الحق، ويستفتح بالله أن ينصر على محمد (ص): (اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة) (٤). وعندما عرض المدد على قريش من خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري، فأرسلوا إليه (أن وصلتك رحم فقد قضيت الذي عليك فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم، ولئن كنا إنما نفاتل الله كما يزعم محمد، فما لأحد بالله من طاقة) (٥).

стр. 424

واستجيب دعاء فرعون الأمة، فكانت الدائرة عليه: ﴿إن تسفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين) (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (أدركت أبا جهل يوم بدر صريعا، فقلت: أي عدو الله قد أخزاك الله تعالى. قال: وبم أخزاني وهل أعمد من رجل قلتموه، ومعي سيف لي فجعلت أضربه ولا يحتك فيه شيء، ومعه سيف له جيد، فضربت يده قوقع السيف من يده، فأخذته ثم كشفت المغفر عن رأسه فضربت عنقه، ثم أتيت النبي (ص) فأخبرته فقال: ((الله الذي لا إله إلا هو)) قلت: آلله الذي لا إله إلا هو. قال: ((انطلق فاستثبت)) فانطلقت وأنا أسعى مثل الطائر، ثم جئت وأنا أسعى مثل الطائر أضحك، فأخبرته. فقال رسول الله (ص): ((انطلق)) فانطلقت معه، فأريته. فلما وقف عليه (ص) قال: ((هذا فرعون هذه الأمة)) (٢). وصدق أبو جهل وهو كذوب .. فما لأحد بالله من طاقة. وهكذا كانت نهاية الطرف الأول إبليس يفر إلى البحر خوفا ورعبا ويسأل الله النظرة وأبو جهل فرعون هذه الأمة يقتله غلامان من الأنصار، ويقطع عنقه رويعي الغنم عبد الله بن مسعود.

стр. 425

سادسا: آثارها: ففي عالم الأرض العربية، نلحظ آثارها بالنسبة للدعوة ولقريش، ولموقف المسلمين بالمدينة ولليهود. (أ) أما أثرها بالنسبة للدعوة فقد انضمت أعداد جديدة للإسلام في المدينة وبعض شخصيات مكة. وحتى بدر فقد كان عبد الله بن أبي يقود معسكر الكفار في المدينة، أما بعد نصر بدر، فقد اتجه إلى الإسلام أعداد من المنافقين أسلموا وحسن إسلامهم، وذاك عمير بن وهب شيطان قريش يدخل الإسلام، ويمضي إلى مكة ليعلن إسلامه على الملأ، وذلك أبو عزيز بن عمير، صاحب لواء المشركين يدخل الإسلام وقد بهره خلق المسلمين في تعاملهم معه. (والسائب بن عبيد أسلم يوم بدر كما نقله الأئمة عن القاضي أبي الطيب الطبري والوليد بن الوليد بن المغيرة افتكه أخواه هشام وخالد، فلما افتدي أسلم. فعاتبوه في ذلك فقال: كرهت أن يظن بي أني جزعت من الأمر ولما أسلم حبسه أخواله) (١). (ب) وأثرها بالنسبة لقريش فقد هشمت كبرياؤها وقتل جل قياداتها، وخيرة أبنائها وشبابها، وفاتها المركز الضخم الذي كانت تطمح إليه بين العرب، وبدت هذه الآثار فيما كان يريد الباطل أن يصل إليه. وقد كبت الباطل أيما كبت وحاولت قريش أن نتجلد للمصيبة،
следующие страницы →