← Сира

Сира · id 14326

فقه السيرة النبوية لمنير الغضبان

منير الغضبان

Полный текст (742 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ميعاد مع محمد، لا يهولنكم قتل عتبة وشيبة ابني ربيعة فإنهم قد عجلوا. فواللات والعزى لا نرجع حتى نقرنهم بالحبال، فلا ألفين رجلا قتل رجلا منهم، ولكن خذوهم أخذا حتى تعرفوهم سوء صنيعهم من مفارقتهم إيكم، ورغبتهم عن اللات والعزى) (١). بينما نلحظ في الطرف الآخر أن الله تعالى هو الذي يقود المعركة وما عرف تاريخ الأرض معركة يشارك فيها الملائكة بالقتل مثل بدر. ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم قثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب﴾ (٢). ومعركة على رأسها إبليس وأبو جهل من طرف، وجبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام من طرف آخر هل يمكن أن يكون في الوجود كله أخطر منها؟ ومن أجل هذا قيل أن أفخر بيت قالته العرب هو هذا البيت: وبيوم بدر إذ ترد وجوههم ... جبهل تحت لوائنا ومحمد (٣)

стр. 422

والله تعالى شأنه يقول: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم﴾ (١). ولم يشارك جبريل فقط في المعركة بل شارك سادات الملائكة معه: (فعن علي بن أبي طالب قال: كنت على بئر، فكنت يوم بدر أميح وأمتح منه فجاءت ريح شديدة ثم جاءت ريح شديدة فلم أر ريحا أشد منها إلا التي كانت قبلها ثم جاءت ريح شديدة. فكانت الأولى ميكائيل في ألف من الملائكة عن يمين النبي (ص)، والثانية إسرافيل في ألف من الملائكة عن يسار النبي (ص)، والثالثة جبريل في ألف من الملائكة، وكان أبو بكر عن يمينه، وكنت عن يسار، فلما هزم الكفار حملني رسول الله (ص) على فرسه، فلما استويت عليه حمل بي فصرت على عنقه (عنق الفرس) فدعوت الله فثبتني عليه، فطعنت برمحي حتى بلغ الدم إبطي (٢). وهذا منطوق الآية القرآنية: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوكم به وما النصر إلا من عند الله

стр. 423

العزيز الحكيم﴾ (١). وتبدو في ما كان يريد الباطل أن يصل إليه: ((اللهم إن تهلك هذه العصابة فإن شئت لا تعبد في الأرض)). (والله لا نرجع حتى نرد بدرا، فنقيم عليه ثلاثا، فننحر الجزر ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، وبمسيرنا وجعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها فامضوا) (٢). ((اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم احنهم الغداة)) (٣). وأبو جهل فرعون الأمة يزعم أنه يمثل الحق، ويستفتح بالله أن ينصر على محمد (ص): (اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف فأحنه الغداة) (٤). وعندما عرض المدد على قريش من خفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري، فأرسلوا إليه (أن وصلتك رحم فقد قضيت الذي عليك فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم، ولئن كنا إنما نفاتل الله كما يزعم محمد، فما لأحد بالله من طاقة) (٥).

стр. 424

واستجيب دعاء فرعون الأمة، فكانت الدائرة عليه: ﴿إن تسفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين) (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (أدركت أبا جهل يوم بدر صريعا، فقلت: أي عدو الله قد أخزاك الله تعالى. قال: وبم أخزاني وهل أعمد من رجل قلتموه، ومعي سيف لي فجعلت أضربه ولا يحتك فيه شيء، ومعه سيف له جيد، فضربت يده قوقع السيف من يده، فأخذته ثم كشفت المغفر عن رأسه فضربت عنقه، ثم أتيت النبي (ص) فأخبرته فقال: ((الله الذي لا إله إلا هو)) قلت: آلله الذي لا إله إلا هو. قال: ((انطلق فاستثبت)) فانطلقت وأنا أسعى مثل الطائر، ثم جئت وأنا أسعى مثل الطائر أضحك، فأخبرته. فقال رسول الله (ص): ((انطلق)) فانطلقت معه، فأريته. فلما وقف عليه (ص) قال: ((هذا فرعون هذه الأمة)) (٢). وصدق أبو جهل وهو كذوب .. فما لأحد بالله من طاقة. وهكذا كانت نهاية الطرف الأول إبليس يفر إلى البحر خوفا ورعبا ويسأل الله النظرة وأبو جهل فرعون هذه الأمة يقتله غلامان من الأنصار، ويقطع عنقه رويعي الغنم عبد الله بن مسعود.

стр. 425

سادسا: آثارها: ففي عالم الأرض العربية، نلحظ آثارها بالنسبة للدعوة ولقريش، ولموقف المسلمين بالمدينة ولليهود. (أ) أما أثرها بالنسبة للدعوة فقد انضمت أعداد جديدة للإسلام في المدينة وبعض شخصيات مكة. وحتى بدر فقد كان عبد الله بن أبي يقود معسكر الكفار في المدينة، أما بعد نصر بدر، فقد اتجه إلى الإسلام أعداد من المنافقين أسلموا وحسن إسلامهم، وذاك عمير بن وهب شيطان قريش يدخل الإسلام، ويمضي إلى مكة ليعلن إسلامه على الملأ، وذلك أبو عزيز بن عمير، صاحب لواء المشركين يدخل الإسلام وقد بهره خلق المسلمين في تعاملهم معه. (والسائب بن عبيد أسلم يوم بدر كما نقله الأئمة عن القاضي أبي الطيب الطبري والوليد بن الوليد بن المغيرة افتكه أخواه هشام وخالد، فلما افتدي أسلم. فعاتبوه في ذلك فقال: كرهت أن يظن بي أني جزعت من الأمر ولما أسلم حبسه أخواله) (١). (ب) وأثرها بالنسبة لقريش فقد هشمت كبرياؤها وقتل جل قياداتها، وخيرة أبنائها وشبابها، وفاتها المركز الضخم الذي كانت تطمح إليه بين العرب، وبدت هذه الآثار فيما كان يريد الباطل أن يصل إليه. وقد كبت الباطل أيما كبت وحاولت قريش أن نتجلد للمصيبة،

стр. 426

ومنعت النوح على قتلاها، ولعل هذه الحادثة تبرز الوضع النفسي المحطم الذي آلت إليه قريش. قال ابن إسحاق (وكان الأسود بن عبد المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده زمعة بن الأسود، وعقيل بن الأسود والحارث بن زمعة، وكان يحب أن يبكي على بنيه، فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل فقال لغلام له وقد ذهب بصره: انظر هل أحل النحيب، هل بكت قريشا على قتلاها لعلي أبكي على أبي حكيمة (يعني زمعة) فإن جوفي قد احترق، فلما رجع إليه الغلام قال: إنما هي امرأة تبكي على بعير لها قد أضلته. قال: فذاك حين يقول له الأسود: أتبكي أن يضل لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود فلا تبكي على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود على بدر سراة بني هصيص ... ومخزوم ورهط أبي الوليد وبكى إن بكيت على عقيل ... وبكى حارثا أسد الأسود وبكيهم ولا تسمي جميعا ... وما لأبي حكيمة من نديد ألا قد ساد بعدهم رجال ... ولولا يوم بدر لم يسودوا) (١) (ج) أما موقف المسلمين في المدينة، فقد تعزز وأصبحوا سادة المنطقة كلها، ويكفي أن قيادات قريش التي كانت تود أن تئد الإسلام والمسلمين، كانت تفد إلى المدينة. وسيماء الذل على وجهها تريد أن تفدي أسراها

стр. 427

السبعين من خيرة شبابها كذلك أما المنافقون الذين كانوا يتربصون بالمسلمين شرا، فنستطيع أن نشهد موقفهم من خلال هذه الحادثة: (.. وقدم زيد بن حارثة على ناقة رسول الله (ص) .. يبشر أهل السافلة، فلما أن جاء المصلى صاح على راحلته، قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة. ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وقتل أبو جهل، وأبو البختري، وزمعة بن الأسود، وأمية بن خلف، وأسر سهيل بن عمرو ذو الأنياب في أسرى كثير، فجعل بعض الناس لا يصدقون زيد بن حارثة ويقولون: ما جاء زيد إلا فلا (١) حتى غاظ ذلك المسلمين وخافوا. قال أسامة (ابن زيد) فسمعت الهيعة فخرجت فإذا زيد على العضباء جاء بالبشارة فوالله ما صدقته حتى رأيت الأسرى. وقدم زيد حين سووا على رقية بن رسول الله (ص) التراب بالبقيع، فقال رجل من المنافقين لأبي لبابة بن عبد المنذر: قد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون بعده أبدا، وقد قتل علية أصحابه، وقتل محمد، وهذه ناقته نعرفها وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب، وجاء فلا، قال أبو لبابة: يكذب الله تعالى قولك، وقال اليهود: ما جاء إلا فلا. قال أسامة بن زيد: فجئت حتى خلوت بأبي. فقلت: يا أبه، أحق ما تقول؟: قال أي والله حق ما أقول يا بني، فقويت في نفسي، ورجعت إلى ذلك المنافق فقلت: أنت المرجف برسول الله (ص) وبالمسلمين، لنقدمنك إلى رسول الله (ص) إذا قدم فليضربن عنقك. فقال: يا أبا محمد: إنما هو شيء سمعته من الناس يقولونه) (٢).

стр. 428

وامتد انتصار المسلمين وأصدقاؤهم في كل الأرض العربية وغير العربية حتى وصل إلى النجاشي في الحبشة، كما روى البيهقي عن عبد الرحمن رجل من أهل صنعاء قال: أرسل النجاشي ذات يوم إلى جعفر ابن أبي طالب وأصحابه فدخلوا عليه وهو في بيت عليه خلقان (١) جالس على التراب. قال جعفر بن أبي طالب فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحالة، فلما أن رأى ما في وجوهنا قال: إني أبشركم بما يسركم، إنه قد جاءني من نحو أرضكم عين لي، فأخبرني أن الله تعالى قد نصر نبيه (ص)، وأهلك عدوه فلان وفلان، التقوا بواد يقال له بدر، كثير الأراك .. فقال له جعفر ما بالك جالس على التراب ليس تحتك بساط وعليك هذه الأخلاق من الثياب؟ قال: إنا نجد فيما أنزل الله تعالى على عيسى (ص) أن حقا على عباد الله تعالى أن يحدثوا الله توضعا عندما يحدث لهم نعمة، فلما أحدث الله تعالى نصر نبيه (ص)، أحدثت له هذا التواضع) (٢). (د) أما أثرها بالنسبة لليهود في المدينة، فقد غلى مرجل الحقد في قلوبهم، وأصبحوا يشعرون بخطورة الإسلام والمسلمين عليهم، وحرص النبي ﵊ أن يستثمر هذا النصر لصالح الدعوة خاصة مع اليهود الذين يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. والذين يعلمون أنه مرسل بالحق من عند الله، فجمع بني قينقاع كما ذكر ابن إسحاق (بسوق لهم قال: ((يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة،

стр. 429

وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم)) قالوا: يا محمد، إنك ترى أنا قومك؟! لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس ..) (١). فقد أصبحوا حريصين على المواجهة مع الإسلام، يخشون امتداده، وعرفوا أن الانتصار الذي تم على المشركين في بدر يجعل القضية بينهم وبين محمد قضية حياة أو موت، فإما وجودهم وإما وجوده، ومن أجل ذلك واجهوا الرسول (ص) وتحدوا القوة الإسلامية وردوا بصلافة على دعوتهم للإسلام، وقالوا: والله لئن حاربتنا لتعلم أنا نحن الناس. وكان أن وقعت غزوة قينقاع، وثلت عرشهم بعد بدر، وتجلى مدى ارتباط معسكر المنافقين باليهود من خلال المعركة، وأجواء بدر هي التي قادت إلى هذه المواجهة. (هـ) وأثرها بالنسبة للعرب كافة، شعر العرب أن القوة الإسلامية مرهوبة الجانب، قوية الشكيمة، لا يمكن أن تتجاهل أو تواجه، فأقلقت القبائل المحاورة، وحاولت أن تفعل كفعل يهود، فتقوم بالتجمعات لتهاجم المدينة، غير أن القيادة النبوية كانت بالمرصاد وما الغزوات التي قامت عقب بدر مباشرة وهي غزوة بني سليم بالكدر بعد بدر بسبع ليال، وغزوة ذي أمر، وغزوة الفرع من بحران إلا محافظة على القوة الإسلامية الفتية أمام غطفان وقريش وسليم.

стр. 430

كانت بدر من حيث آثارها الخطيرة ظاهرة أرضية، وظاهرة كونية شارك بها الإنس والجن والملائكة. ففي عالم الأرض وعالم البشر نذكر أن سورة الروم عندما نزلت كانت تمثل آمال وطموحات عشرات المسلمين في مكة أن ينتصر الروم أهل الكتاب في الأرض على الفرس الوثنيين في الأرض، حيث كان الفرس والروم يقتسمون الأرض آنذاك، وكان هؤلاء العشرات من المسلمين، والمئات من المشركين غفلا في التاريخ وأحداثه يتفرجون على صناعة الكبار في الأرض، ونذكر كيف تم الرهان بين أبي بكر ﵁ وأبي بن خلف (١) على نصر الروم بعد بضع سنوت ﴿ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ (٢). ١ - وتحقق موعود الله جل شأنه، فانتصر الروم بعد تسع سنين من هزيمتهم أمام الفرس، وفرح المؤمنون بنصر الله، وكان وعد الله الذي لا يخلف، ولكن أكثر الناس لا يعلمون .. هذا هو المدى الأقرب للآيات. أما المدى الأعمق، فكان أكبر وأضخم من تاريخ البشرية. لقد فرح المؤمنون بنصر الله يوم بدر، ويوم نصرهم جاءت أخبار انتصار

стр. 431

الروم على الفرس (١). لقد جاء خبر انتصار الروم هامشيا وثانويا أمام انتصار بدر، وكان فرح المؤمنين بنصر الله في بدر هو المدلول الأعمق للآية الكريمة. ولم يكن يدور بخلد عشرات المؤمنين في الأرض، والآيات تتنزل في مكة، أنهم هم المعنون في النصر، وأنهم هم صناع الأحداث، وأن الروم والفرس غدوا على هامش التاريخ بعد أن أنزل الله تعالى ملائكته لنصر المؤمنين في بدر، وكان وعد الله الذي لا يخلف هو نصر محمد وحزبه لا نصر الروم فقط. ولكن أكثر الناس لا يعلمون، حتى المؤمنون لا يحيطون بعلم الله . وماذا يعد لهم من نصر، وماذا يعد بهم من حسم. ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون﴾ (٢). فالمسلمون قبل بدر بأيام قلائل لم يكونوا يعلمون أنهم المعنون بنصر الله ينصر من يشاء وعد الله لا يخلف الله وعده، ورسول الله سيد الخلق كان يلح على ربه بالنصر حتى ليسقط رداؤه عن كتفيه، ويخشى

стр. 432

أن تكون هذه المعركة نهاية العصبة المؤمنة في الأرض ((اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض)). لقد كان الرهان في عالم الأرض على افتتاح التاريخ بهذا النصر من أي من الفريقين، فقد كانت مطامح أبي جهل أن يكون مقود العرب بيده بعد بدر، ولا تزال العرب تهابه أبدا، وإذا بنصر الله يتنزل فتنقلب الموازين، ويتأرجح التاريخ، ويصبح مقوده بيد المسلمين، ومنذ ذلك الوقت لم يعودوا على هامش الأحداث يأملون ويدعون كما كانوا أيام انتصار الفرس على الروم، بل صاروا صناع أحداثه في بدر وبعدها. وجاء هذا النصر من الحسم ومن الضخامة بحيث اجتث الباطل من جذوره، فقد سقط قادة الكفر صرعى في هذه المعركة، وهم يحملون عبء الحرب ضد الدعوة خمسة عشر عاما أو تزيد، إنه جيل قادة كامل سقط على الساحة صريعا بين يدي هذه العصبة المؤمنة، أبو جهل بن هشام المخزومي، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة العبشميان، وأمية بن خلف الجمحي، وتبعهم بعدها النضر بن الحارث العبدري، وعقبة بن أبي معيط الأموي، وأبو لهب الهاشمي، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان. وقد عدد المقريزي أعداء رسول الله (ص) الكبار في إمتاع الأسماع فكانوا سبعة وعشرين رجلا قتل منهم في بدر وبعدها بقليل قرابة العشرين. (وعن أبي طلحة أن نبي الله (ص) أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث). وكان من فضل الله تعالى على المؤمنين أن سقط بعض هؤلاء الأبطال صرعى بيد الفتيان الشباب من الأنصار، مثل مقتل أبي جهل وأمية بن خلف على يد المستضعفين من المسلمين أمثال بلال وعبد الله بن مسعود تحقيقا

стр. 433

لموعود الله . ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾ (١). أما الجيل الجديد من القادة، والذي نجا يوح بدر، فمعظمه كتب الله تعالى له الهداية فيما بعد. ٢ - وكما كانت بدر عرسا في عالم الأرض، كذلك كانت في عالم الجن. (فقد ذكر قاسم بن ثابت في الدلائل أن قريشا حين توجهت إلى بدر مر هاتف من الجن على مكة في اليوم الذي أوقع بهم المسلمون، وهو ينشد بأنفذ صوت، ولا يرى شخصه. أزار الحنيفيون بدرا وقيعة ... سينقض منها ركن كسرى وقيصرا أبادت رجالا من لؤي وأبرزت ... خرائد يضربن الترائب حسرا (٢) فيا ويح من أمسى عدو محمد ... لقد جار عن قصد الهدى وتحيرا) (٣) لقد أدرك المؤمنون من الجن أبعاد هذه المعركة، وأنها ستطيح بعرش كسرى وقيصر، وبمقدار ما كان العرس في عالم الجن من المؤمنين، بمقدار ما كان المأتم والوبل والثبور عند كفار الجن وشياطينهم.

стр. 434

فقد حدثنا رسول الله (ص) عن خزي إبليس يوم بدر فقال: ((ما رؤي الشيطان يوما أصغر ولا أدحر ولا أحقر، ولا أغيظ منه يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى فيه من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما رآه يوم بدر، فإنه رأى جبربل ﵇ يزغ الملائكة)) (١). لقد اندحر الشيطان وحزبه من الإنس والجن يوم بدر، وكانت الهزيمة الساحقة للشياطين في الأرض والكفار من الجن أشد هولا وأقسى مرارة منها على كفار قريش بشهادة رسول الله (ص) - كما علمه ربه -فهي أقسى هزيمة لإبليس على مدار تاريخه منذ خلقه الله تعالى إلى يوم يبعثون، فهو في أشنع هزائمه كل عام يوم عرفة حين تحبط كل مخططاته، ويغفر الله تعالى لأهل عرفة، ولكن هذا كله يهون عن هزيمة بدر حيث خطط لنصر حلفائه فسقط معهم. ٣ - وهي كذلك على مستوى الخلائق كافة، يوم يحشر الناس إلى الرحمن يوم القيامة. (فعن علي بن أبي طالب أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن في الخصومة يوم القيامة. قال قيس: وفيهم نزلت: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ قال هم الذين بارزوا يوم بدر علي وحمزة وعبيدة، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن

стр. 435

عتبة) (١). (وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي مجلز عن قيس بن عباد عن أبي ذر أنه كان يقسم قسما أن هذه الآية ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم﴾ نزلت في حمزة وصاحبه، وعتبه وصاحبه يوم برزوا في بدر) (٢). إن القرآن الكريم حين يعرض هذين الخصمين، اللذين يمثلان الحق والباطل في هذا الوجود، ليكون أضخم من يمثلهما يوم بدر فريق المؤمنين وفريق الكافرين علي وصحبه، وعتبة وصحبه. ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أردوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد﴾ (٣). ٤ - ومضى أهل بدر قادة في الأرض، وقادة في السماء. ففي الأرض: (ولعل الله اطلع على أهل بدر يوم بدر، فقال:

стр. 436

اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو قد غفرت لكم) (١). وفي السماء: (جاء جبريل إلى النبي (ص) فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: ((من أفضل المسلمين)) أو كلمة نحوها. قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة) (٢). ...

стр. 437

الفصل الثالث والعشرون غزوة أحد أسباب الغزوة: قال ابن إسحاق: (لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب ورجع فلهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حرب بعيره، مشى عبد الله بن أبي رييعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخونهم يوم بدر فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، فلعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منا ففعلوا) (١). وقال البلاذري: بل مشى أبو سفيان إلى هؤلاء الذين سموا فباعوها، وكانت ألف بعير وخمسين ألف دينار. فسلموإ إلى أهل العير رؤوس أموالهم،

стр. 438

وخرجوا أرباحهم، وكان يربحون في تجارتهم لكل دينار دينار. فأخرجوا خمسة وعشرين ألف دينار لأجل مسيرتهم إلى حرب رسول الله (ص) فأنزل الله ﵎: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسيفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون﴾ (١). فأجمعت قريش لحرب رسول الله (ص). وبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبعري (وأسلما بعد ذلك) وهبيرة بن أبي وهب، ومسافع بن عبد مناف، وأبا عزة الجمحي - الذي من عليه رسول الله (ص) يوم بدر - فألبوا العرب وجمعوها ورأس فيهم أبو سفيان بن حرب لذهاب أكابرهم (وأسلم بعد ذلك) فأخذ يؤلب على رسول الله (ص) ويجمع الجموع، فجمع قريبا من ثلاثة آلاف من قريش والحلفاء والأحابيش فيهم سبعمائة دارع ومائة فارس، وكتب العباس ﵁ إلى رسول الله (ص) يعلمه بذلك مع رجل من بني غفار فقدم عليه وهو بقباء، فقرأه عليه أبي بن كعب، واستكتم أبيا، ونزل (ص) على سعد بن الربيع فأخبره بكتاب العباس فقال: والله إني لأرجو أن يكون خيرا) (٢). واضح إذن أن السبب الرئيسي للغزوة هو الأخذ بثأر بدر، وكما حدد القرآن الكريم بالضبط ﴿ليصدوا عن سبيل الله﴾ وقد ألب أبو سفيان قبائل العرب المحالفة لقريش، فقاد جيشا قوامه ثلاثة أضعاف جيش بدر. وعرفت قريش أنها وحدها لا طاقة لها بمحمد وأصحابه، فلجأت إلى التعبئة العربية

стр. 439

لإنهاء الإسلام ونبيه من الوجود، ﴿والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾. أحداث الغزوة: ١ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ أرى عن النبي (ص) قال: ((رأيت في رؤياي أني هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان. فإذا هو ما جاء به الله من الفتح، واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرا والله خير. فإذا هم المؤمنون يوم أحد)) (١). ٢ - وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله (ص) قال: ((رأيت كأني في درع حصينة، ورأيت بقرا تنحر فأولت أن الدرع الحصية المدينة، وأن البقر نقر والله خير)) فقال لأصحابه: ((لو أنا أقمنا بالمدينة فإن دخلوا علينا فيها قاتلناهم)) فقالوا: والله يا رسول الله ما دخل علينا فيها في الجاهلية، فكيف يدخل علينا فيها في الإسلام؟ فقال: ((شأنكم إذن)) فلبس لأمته (٢) قال: فقالت الأنصار: رددنا على رسول الله (ص) رأيه. فجاؤا فقالوا: يا نبي الله شأنك إذا. فقال: ((إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل))) (٣).

стр. 440

٣ - (... وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة .. فخرج رسول الله (ص) في ألف من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد، انخزل عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس وقال: أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب واتبعهم عبد الله بن حرام أخو بني سلمة يقول: ((أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من غدوهم ي فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكننا لا نرى أنه يكون قتال ..) (١). وعن زيد بن ثابت قال: (لما خرج النبي (ص) إلى أحد، رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي (ص) فرقتين، فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا نقاتلهم .. فنزلت: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ..﴾ (٢)) (٣). ٤ - (عن جابر ﵁ قال: نزلت هذه الآية فينا: ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما﴾ (٤) بني سلمة وبني حارثة، وما أحب أنها لم تنزل، والله يقول: ﴿والله وليهما﴾) (٥).

стр. 441

٥ - عن البراء ﵁ قال: (لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي (ص) جيشا من الرماة وأمر عليهم عبد الله (بن جبير) وقال: ((لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم لا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا))، فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتدون في الجبل، رفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة!! فقال عبد الله: عهد إلي النبي (ص) أن لا تبرحوا. فأبوا: فلما صرف وجوههم، فأصيب سبعون قتيلا، وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: ((لا تجيبوه))، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: ((لا تجيبوه))، قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله عليك ما يخزيك. قال أبو سفيان: أعل هبل. فقال النبي (ص): ((أجيبوا)) قالوا: ما نقول؟ قال: ((قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم)) قال أبو سفيان: الحرب سجال: يوم بيوم بدر. وتجدون مثلة لم آمر بها) (١). ٦ - عن عائشة ﵂ قالت: (لما كان يوم أحد هزم المشركون فصرخ إبليس: أي عباد الله أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فبصر حذيفة، فإذا هو بأبيه اليمان فقال: أي عباد الله أبي!! قالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغقر الله لكم) قال عروة: فوالله ما زالت في حذيفة بقية من خير) (٢).

стр. 442

وعن أبي إسحاق قال: (سمعت البراء بن عازب ﵄ يقول: جعل النبي (ص) على الرجالة يوم أحد، عبد الله بن جبير، وأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم) (١). قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد (٢) .. عن الزبير قال: (والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم (٣) هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه، وخلوا ظهورنا للجبل فأتينا من خلفنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنوا منه أحد من القوم) (٤). ٧ - عن أنس قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي (ص) وأبو طلحة بين يدي النبي (ص) مجوب عليه بحجفة له، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل، فيقول: انثرها لأبي طلحة، فأشرق النبي (ص) ينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة: بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقزان (٥) القرب على متونهما تفرغانه

стр. 443

في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم، ولقد وقع السيف من أبي طلحة مرتين أو ثلاثا) (١). ٨ - وعن جابر قال: انهزم الناس عن رسول الله (ص) يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد في الجبل، فلحقهم المشركون فقال: ((من لهؤلاء؟)) فقال طلحة: أنا يا رسول الله. فقال: ((كما أنت يا طلحة)) فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله. فقاتل عنه، وصعد رسول الله (ص) ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاري، فلحقوه، فقال: ((ألا رجل لهؤلاء؟)) فقال طلحة مثل قوله. فقال رسول الله (ص) مثل قوله. فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله (ص) فقاتل وأصحابه يصعدون، ثم قتل فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول، ويقول طلحة: أنا يا رسول الله، فيحبسه، فيسأذنه رجل من الأنصار للقتال فيأذن له. فيقاتل مثل ما كان قبله. حتى لم يبق معه إلا طلحة فغشوهما. فقال رسول الله (ص): ((من لهؤلاء؟)) فقال طلحة: أنا. فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله، وأصيبت أنامله. فقال: حس. فقال: ((لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك حتى تلج في جو السماء)) ثم صعد رسول الله (ص) إلى أصحابه وهم مجتمعون) (٢). وعن أنس بن مالك: (أن رسول الله (ص) أفرد يوم أحد في

стр. 444

سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش فلما رهقوه قال: ((من يردهم عنا وله الجنة)) أو: ((هو رفيقي في الجنة؟)) فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهفوه أيضا. فقال: ((من يردهم عنا وله الجنة)) أو ((هو رفبقي في الجنة؟)) فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل. فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله (ص) لصاحبيه: ((ما أنصفنا أصحابنا))) (١). ٩ - عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (رأيت رسول الله (ص) يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثياب بيض كأشد القتال ما رأيتهما قل ولا بعد) (٢). وعن عائشة قالت: (حدثني أبي قال: لما انصرف الناس عن النبي (ص) كنت أول من فاء إلى رسول الله (ص) فجعلت أنظر إلى رجل يقاتل بين يديه، فقلت: كن طلحة. فلما نظرت فإذا أنا بإنسان خلفي كأنه طائر، فلم أشعر أن أدركني، فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، وإذا طلحة بين يديه صريعا. قال: دونكم أخاكم فقد أوجب فتركناه. وأقبلنا على رسول الله (ص) وفي وجهه سهمان، فأردت أن أنزعهما، فما زال أبو عبيدة يسألني ويطلب إلي حتى تركته ينزع أحد السهمين. وأزم (٣) عليه بأسنانه فقلعه. وابتدرت (٤) إحدى ثنيتيه، ثم لم

стр. 445

يزل يسألني ويطلب مني أن أدعه ينزع الآخر، فوضع ثنيته على السهم وأزم عليه كراهية أن يؤذي رسول الله (ص) إن تحول، فنزعه وابتدرت ثنيته الأخرى. قال: فكان أبو عبيدة اهتم الثنايا) (١). ١٠ - وعن كعب بن مالك قال: (لما كان يوم أحد، وصرنا إلى الشعب كنت أول من عرفته. فقلت: هذا رسول الله (ص) فأشار إلي بيده أن أسكت. ثم ألبسني لأمته ولبس لأمتي، فلقد ضربت حتى جرحت عشرين جراحة، أو قال بضعة وعشرين جرحا كل من يضربني يحسبني رسول الله (ص)) (٢). ١١ - (وكان أول من عرف رسول الله (ص) بعد الهزيمة، وقول الناس: قتل رسول الله (ص) كما ذكر لي ابن شهاب الزهري كعب بن مالك، قال: عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله (ص)، فأشار إلي رسول الله أن أنصت. قال ابن إسحاق: فلما عرف المسلمون رسول الله (ص) نهضوا به، ونهض معهم نحو الشعب، ومعه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام رضوان الله عليهم، والحارث بن الصمة، ورهط من المسلمين) (٣).

стр. 446

١٢ - قال ابن هشام: وذكر ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن أبي سعيد الخدري (أن عتبة بن أبي وقاص رمى رسول الله (ص) يومئذ، فكسر رباعيته اليمنى السفلى وجرح شفته السلفى وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في جبهته، وأن ابن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر (١) في وجنته .. ووقع رسول الله (ص) في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر (الفاسق) ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون. فأخذ علي بن أبي طالب بيد رسول الله (ص)، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما، ومص مالك بن سنان أبو أبي سعيد الخدري، الدم عن وجه رسول الله (ص) ثم ازدرده (٢) فقال رسول الله (ص): ((من مس دمي دمه لم تصبه النار))) (٣). ١٣ - قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله (ص) إلى فم الشعب خرج علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته ماء من المهراس، فجاء به النبي (ص) ليشرب منه، فوجد له ريحا فعافه فلم يشرب منه ..) (٤). وعن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد وهو يسأل عن جرح رسول الله (ص) فقال: أما والله إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول

стр. 447

الله (ص)، ومن كان يسكب الماء، وبما دووي، كانت فاطمة بنت رسول الله (ص) تغسله، وعلي يسكب الماء بالمجن. فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير، فاحرقتها، فألصقتها. فاستمسك الدم، وكسرت رباعيته يومئذ، وجر ح وجهه وكسرت البيضة على رأسه) (١). ١٤ - (فبينا رسول الله (ص) بالشعب معه أولئك النفر من أصحابه، إذ علت عالية من قريش الجبل فقال رسول الله (ص): ((اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا)) فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل) (٢). ١٥ - (عن عائشة ﵂ ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾ قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبوك منهم الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله ما أصاب يوم أحد. وانصرف عنه المشركون. خاف أن يرجعوا، قال: من يذهب في إثرهم. فانتدب منهم سبعون رجلا. قال: كان فيهم أبو بكر والزبير) (٣). ١٦ - عن عبيد الله ن رفاعة الزرقي قال: (لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون

стр. 448

قال رسول الله (ص): ((استووا حتى أثني على ربي ) فصاروا خلفه صفوفا فقال: ((اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مبعد لما قربت. اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك. اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول. اللهم إني أسألك النعيم يوم الغلبة والأمن يوم الخوف. اللهم عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعت. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا نادمين ولا مفتونين. اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك، ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك. اللهم قاتل كفرة الذين أوتوا الكتاب إله الخلق) (١). ١٧ - عن قتادة قال: ما نعلم حيا من أحياء العرب أكثر شهيدا أعز يوم القيامة من الأنصار. قال قتادة: (وحدثنا أنس بن مالك أنه قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون. وكان بئر معونة على عهد ريول الله (ص) ويوم اليمامة على عهد أبي بكر الصديق يوم مسيلمة) (٢).

стр. 449

بين بدر وأحد: ١ - ولقد قال الله تعالى في بدر: ﴿ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون﴾ (١). وقال تعالى في أحد: ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم﴾ (٢). فنحن إذن أمام تميزين: التميز في بدر بين المؤمنين والكافرين. فكانت بدر فرقانا بين الحق والباطل ﴿... وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير﴾ (٣). وكانت بدر كما قال تعالى: ﴿ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون﴾ (٤). فكان الصف مؤمنا كله ((ولعل الله اطلع على أهل بدر يوم بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) وكانوا كما قال ﵊ ((كعدة أصحاب طالوت، والله ما جاوزه إلا مؤمن)).

стр. 450

أما في أحد فقد كان التمييز في الصف بين المؤمنين والمنافقين: ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالو لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منم للايمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾ (١). وطبيعيا أن يتخلخل الصف بعد بدر، فالذين دخلوا في الإسلام، دخل كثير منهم مجاراة لقوة الإسلام، وانصياعا أمام انتصاراته، وما أن لاحت لحظة ضعف، حتى كشف المنافقون خبيئة نفوسهم كشفوها يوم انفصلوا عن الجيش، وقد وصلت إليهم أنباء القوة المشركة الطاغية التي جاءت تحتل المدينة، وانكشقت خبيئة ما تبقى منهم يوم بلغهم مقتل رسول الله (ص)، وانقض عليهم المشركون من الخلف فقالوا: إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى دينكم الأول. إن من الطبيعي أن تخلو بدر من المنافقين وليس في ساعة الموجهة أي أمل بالنصر، إنما هو استعداد للبذل والتضحية والشهادة. ومن الطبيعي كذلك أن ينبت النفاق قبيل أحد وفي أحد بعد النصر الحاسم القاصم في بدر، وقطع دابر الكافرين من قريش، وسيطرة القوة الإسلامية على الساحة، وهزيمة اليهود الماحقة في بني قينقاع في المدينة، فقد قذف الرعب في قلوب المنافقين، فأخفوا دخيلة أنفسهم وساروا مع الركب مكرهين.

стр. 451

٢ - إن جو أحد يختلف تماما عن جو بدر، ففي بدر: ﴿إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور﴾ (١). وفي أحد: ﴿.. حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾ (٢). في بدر .. علم الله تعالى ما في صدور المؤمتين، وأنهم يستحقون النصر، على ضعفهم وعجزهم وقلة عددهم وعددهم، فأرسل جنوده من الريح والحصى والنعاس والماء، وجنوده من الملائكة، وجنوده الذين تحكموا حتى في عيون المؤمنين والمشركين، وسلم من الابتلاء، فكان النصر الذي لم يعرف التاريخ مثيلا له. أما في أحد، فلم يسلم الله تعالى بعد أن سلم ابتداء ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾ ولم تكن ذات الصدور في أحد كما كانت في بدر، فلقد كان الفشل والتنازع في الأمر، والمعصية، وحب الدنيا، وبرز هذا كله من بعد ما أراكم ما تحبون، أي من بعد نصر الله ابتداء .. فكان قدر الله الذي لا يرد، أن تكون العقوبة مباشرة ﴿... ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ..﴾.

стр. 452

وهو ابتلاء فقط، ومحنة وتمحيص، وليست هزيمة أو إبادة، ﴿ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾ فالابتلاء عفو من الله تعالى وفضل كبير. قوانين النصر والهزيمة: (أ) النصر ابتداء وانتهاء، بيد الله ، وليس ملكا لأحد من الخلق، يهبه الله لمن يشاء ويصرفه عمن يشاء، مثله مثل الرزق، والأجل والعمل .. ﴿وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم﴾ (١). ﴿وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم﴾ (٢). (ب) وحين يقدر الله تعالى النصر، فلن تستطيع قوى الأرض كلها الحيلولة دونه، وحين يقدر الهزيمة، فلن تستطيع قوى الأرض أن تحول بينه وبين الأمة ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ (٣). (ج) ولكن هذا النصر له نواميس ثابتة عند الله نحن بحاجة إلى فقهها، فلا بد أن تكون الراية خالصة لله سبحانه عند الذين يمثلون جنده ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ (٤).

стр. 453

ونصر الله تعالى في الاسجابة له، والاستقامة على منهجه، والجهاد في سبيله. (د) ووحدة الصف ووحدة الكلمة أساس في النصر، وتفريق الكلمة والاختلاف في الرأي دمار وهزيمة ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين﴾ (١). (هـ) وطاعة أمر الله تعالى ورسوله وعدم الخروج عليها أساس في النصر، أما المعصية فتقود إلى الهزيمة ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا ..﴾. (و) وحب الدنيا والتهافت عليها يفقد الأمة عون الله ونصره ﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ..﴾. (ز) ونقص العدد والعدة، ليس هو سبب الهزيمة ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون﴾ (٢). (ح) ولكن لا بد من الإعداد المادي والمعنوي لمواجهة العدو ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوق ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف

стр. 454

إليكم وأنتم لا تظلمون﴾ (١). (ط) والثبات عند المواجهة، والصبر عند اللقاء من العوامل الرئيسية في النصر ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ..﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ..﴾ (٢). (ي) ولا شيء يعين على الثبات والصبر عند اللقاء، مثل ذكر الله الكثير باتجاه القلب إلى الله وحده منزل النصر، وطلب العون منه، والتوكل عليه، وعدم الاعتماد على العدد أو العدة أو الذات والتبرؤ من الحول والقوة، هو عامل أساسي من عوامل النصر. ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون﴾ (٣). التمحيص في أحد: ١ - وحين وجدنا في بدر من يقول: (والله ما نقول لك كما قال قوم موسى لموسى ﴿اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ بل نقول: (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون)، والله لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك. وقول سعد عن الأنصار: (... فوالذي بعثك بالحق لو

стр. 455

اسعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك). وصدق سعد، فما تخلف رجل واحد، وما جاوزه معه إلا مؤمن. وجدنا في أحد من يقول: أطاعهم، وعصاني، ما أدري علام نقتل أنفسنا أيها الناس. ولم ينخذل رجل واحد فقط، بل انخذل معه ثلث الجيش ثلاثمائة، فالفرق بين الصورتين واضح. ٢ - وحتى السبعمائة الذين تبقوا حقق الله تعالى بهم موعوده، فأكثريتهم كانوا من المؤمنين الصادقين ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾ (والله لكأني أنظر إلى خدم (خلاخل) هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير). ٣ - ولكن هؤلاء البعمائة لم يكونوا مع ذلك على مستوى إيماني واحد، فلا يزال فيهم من يتعاطف مع ابن أبي وجنده، وهذه القلة هي التي قلبت الميزان، وغيرت المواقف ﴿وإذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ (١). ﴿... وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن

стр. 456

الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور﴾ (١). ﴿.. منكم من يريد الدنيا .. ومنكم من يريد الآخرة﴾. ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾ (٢). ففيهم المنافقون إخوان عبد الله بن أبي، وفيهم ضعاف الإيمان، وفيهم الذين عصوا الأمر وأرادوا الغنيمة. النماذج الإيمانية الرائعة: وحكمة الله تعالى بتمحيص الصف وتمييز المؤمن من المنافق، وقوي الإيمان من ضعيفه، أبرزت لنا نماذج إيمانية رائعة في قلب المحنة، ما كان لنا أن نشهدها لولا هذه الجولة الثانية، من هجوم المشركين. ١ - وعلى رأس هذه النماذج أسد الله وأسد رسوله (حمزة بن عبد المطلب) الذي كان كما وصفه قاتله (بالله إني لأنظر إلى حمزة يهد الناس بسيفه

стр. 457

ما يليق به شيئا مثل الجمل الأورق) (١). ٢ - وأنس بن النضر عم أنس بن مالك، وكما يقول أنس: (لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعون ضربة فما عرفته إلا أخته عرفته ببنانه) (٢) وفي رواة البخاري (وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم). ٣ - وأبو دجانة سماك بن خرشة ﵁ كما يقول ابن إسحاق عنه: (وترس دون رسول الله (ص) أبو دجانة بنفسه، يقع النبل في ظهره، وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل) (٣). ٤ - وسعد بن أبي وقاص الذي يقول عن نفسه: (فلقد رأيته يناولني النبل وهو يقول: ((ارم فداك أبي وأمي)) حتى إنه ليناولني السهم ما له نصل فيقول ((ارم به))) (٤). ٥ - وأم عمارة التي تتحدث عن نفسها قائلة: خرت أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس، ومعي سقاء فيه ماء (فانتهيت إلى رسول الله (ص) هو وأصحابه والدولة والريح للمسلمين فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله (ص) فقمت أباشر القتال، وأذب عنه بالسيف، وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراح إلي) قالت: (فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور، فقلت من أصابك بهذا؟ قالت: ابن قمئة أقمأه الله. لما ولى

стр. 458

الناس عن رسول الله (ص) أقبل يقول: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا. فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير، وأناس ممن ثبت مع رسول الله (ص)، فضربني هذه الضربة، ولكن فلقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان) (١). ٦ - إضافة إلى بقية العشرة، طلحة والزبير، وعبد الرحمن وأبو عبيدة، وأبو بكر وعمر، وعلي بن أبي طالب، وسهل بن حنيف الذي شهد له رسول الله (ص) أنه أحسن القتال. ٧ - وقتادة بن النعمان الذي يقول عن نفسه: (كنت نصب وجه النبي (ص) يوم أحد أقي وجه رسول الله (ص) بوجهي، وكان أبو دجانة موقيا لظهر رسول الله (ص) بظهره، حتى امتلأ ظهره سهاما) (٢). وفي رواية (فكان آخرها سهما ندرت مته حدقتي بكفي، فسعيت بها إلى النبي (ص) في كفي، فلما رآها رسول الله (ص) في كفي دمعت عيناه، فقال: اللهم إن قتادة قد أوجه نبيك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه، وأحدهما نظرا. فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظرا) (٣). ٨ - والأنصار التسعة الذين قتلوا بين يدي رسول الله (ص)، والسبعون الذين سقطوا شهداء والذين يقول قتادة عنهم: ما نعلم حيا من أحياء العرب أكثر شهيدا أعز يوم القيامة من الأنصار.

стр. 459

القيادة النبوية العظيمة: ويبرز بين يدينا إزاء هذه التضحيات الخالدة، القيادة النبوية العظيمة، التي استطاعت أن تحول الهزيمة المتوقعة إلى ثبات كثبات الرواسي، وحالت دون تقدم المشركين شبرا واحدا نحو المدينة، رغم أن قريشا وقادتها وضعوا كل ما يملكون من قوة، وتعاهد أربعة من صناديدها على قتل محمد (ص). ١ - فقد ابتدأ الهجوم المعاكس من المشركين من خلف المسلمين والهدف الرئيسي فيه شخص النبي (ص)، فلم يتزحزح ﵊ من موقعه، والفدائيون المسلمون يسقطون صرعى بين يديه. ٢ - ثم أحكم الهجوم، فأفرد ﵊ وحصر في قلب المشركين، وليس معه إلا أحد عشر من أصحابه تسعة منهم من الأنصار، وكان الهدف أن يخلص ﵊ من هذا الحصار، وعليه أن يصعد في الجبل، ليمضي إلى جيشه، وقتل الأنصار التسعة وهم يصدون الهجوم عنه. ٣ - وبقي طلحة ﵁ وحده، حيث قاتل قتال التسعة، وسقط جريحا بين يدي النبي (ص). ٤ - وحينئذ قدم سعد بن أبي وقاص حيث رأى رسول الله (ص) وحده، ويقاتل عنه رجلان يلبسان ثيابا بيضاء هما جبريل وميكائيل. ٥ - وما هي إلا لحظات حتى وصل أبو بكر وأبو عبيدة، وقام أبو عبيدة بنزع السهمين عن وجه النبي (ص) بأسنانه.

стр. 460

٦ - ثم توارد مجموعة من الأبطال المسلمين، حيث بلغوا قرابة الثلاثين يذودون عن رسول الله (ص) منهم قتادة، وثابت بن الدحداح، وسهل بن حنيف، وأبو دجانة، وأبو طلحة، وعمر ﵁، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير. ٧ - واستطاع بهذه المجموعة الفدائية أن يشق الصفوف، ويصل إلى جيشه المبعثر، حيث فر بعضه إلى المدينة، وأسقط في يد البعض الآخر ولا يدري ما يفعل، ونجم النفاق لدى المنافقين حتى يقولوا: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، وذلك كله عقب إشاعة مقتل النبي (ص)، والذي أشاعه ابن قمئة، الذي قتل مصعب بن عمير وحسبه رسول الله. وحين رأى كعب بن مالك ﵁ رسول الله (ص) وعيناه تزهران من تحت المغفر صرخ بأعلى صوته هذا رسول الله، فأشار له ﵊ أن اصمت. واشتد الهجوم من جديد من المشركين، نتيجة هذا النداء، وازداد تجمع المسلمين من جهة ثانية، حول رسول الله (ص) يستميتون في الذود عنه. وكانت الخطة الاحتياطية، أن لبس رسول الله (ص) ثياب الحرب لكعب بن مالك وأعطاه لأمته، وخلال لحظات قليلة توجهت الضربات لكعب حتى بلغت عشرين جراحة، وهم يحسبونه رسول الله (ص). ٨ - ثم كان الهجوم المضاد، حيث علت عالية الجبل وفيهم خالد بن الوليد، فقال رسول الله (ص): ((اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا)) فقاد عمر بن
следующие страницы →